احتاجت زهرة يومين لتتمكن من السير بطريقة جيدة. يومين لم ترحمها زوجة حسني فيها من العمل. لقد كانت على قدر من الوقاحة التي دفعتها للصراخ في وجه زهرة: "ستنجزين عملك حتى ولو بنصف قدم! ". كانت تتقيأ اللعنات وتصبها على رأس زهرة بلا رحمة. كانت امرأة برميل حقارة متعفن. يمكنك رؤية زهرة تجر قدمها خلفها وهي تكنس وتمسح، وهي مترنحة في المطبخ تقطع البصل بعينين دامعتين. والمرأة تسرح شعرها أمام المرآة بلا مبالاة.
خفتت حركة حسني تماماً. بروح منكسرة كان يذهب للعمل ويعود بهدوء ليتناول طعامه ويذهب للنوم. لاحظت زهرة أن حسني، منذ مرضه، بات ينفذ طلبات زوجته بلا معارضة. حتى أنه كان يسمح لها بالخروج في أي وقت تختاره ويحرص على عدم إغضابها. كان يعمل بشتى الطرق أن يزلل الفارق بين رجولته المتسربة بالنسيان. لذلك كان يمنحها النقود بلا حساب، حتى لا يمنحها الوقت ولا الفرصة للتفكير في حاله.
مضت عدة شهور لم يطلب فيها حسني زهرة. واكتفى خلالها بضربها وإهانتها. الليلة التي كان يدلف فيها حسني لغرفة نومه مع زوجته كانت تعتبر كابوساً لزهرة. هذا الوغد سرعان ما يخرج هائجاً، هرباً، ليصب لعناته على زهرة. كان يفرغ فيها إحباطاته وانكساراته. لقد تعددت الجروح والكدمات والخدوش بجسد زهرة حتى تكاد تشعر أنها خرجت من غزوة حربية.
كانت زهرة قد كبرت للحد الذي جعلها تلاحظ أن زوجة حسني تخرج من المنزل بعد رحيل زوجها ولا تعود إلا قبل موعد حضوره سبعة أيام في الأسبوع. تعود منهكة، تطلب الطعام وتخلد لقيلولة لا يسمح فيها لأحد بإزعاجها، حتى حسني نفسه الذي كان يتحاشى الدخول عندها ويلقي بجسده الناحل على الأريكة بانتظار استيقاظها.
بعد أن تفتح عينيها، تأخذ زوجة حسني حماماً طويلاً، تتناول طعام العشاء، تدخن لفافات التبغ التي اعتادتها بعد مرض حسني. ثم ما يرقد حسني في غرفته حتى تظلف هي للغرفة الأخرى. تغلق الباب على نفسها وتتحدث في الهاتف لفترات طويلة، مطلقة صوتها الرفيع الزاعق كل فترة: "قهوة يا زفت! تصنع زهرة فناجين القهوة وتقدمها لسيدتها. هكذا طلبت منها عندما تكون تتحدث في الهاتف أن تناديها بـ "سيدتي".
في ذلك الحين، كانت زهرة تسمع الهمسات والضحكات غير المحتشمة، والتي كان صداها يصل للصالة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!