نظرت تجاه عميد الكلية، متجاهلةً دكتوري الأرعن الذي يرمقني بعيني طحلب بحري. قلت: "لدي دليل براءتي! اتكأ عميد الكلية على مقعده وصلب قدميه. قال: "ماذا تنتظرين؟ قلت: "كيف أنتظر أي شيء بعد الذي حدث! اسمع سيادتك، يتهمني دكتوري بالغش وأنا مصرة كما قلت سابقاً أن امتحانه سهل. لأثبت لك ذلك الآن، وأنت -وأشرت لدكتور المادة -تدين لي باعتذار. أستطيع حل كل المسائل التي وردت في الامتحانات بطريقة مغايرة وأحصل على نفس النتيجة."
وقبل أن يشرع أي منهم بالكلام، أردفت: "المسألة الأولى وفصلت لها شرحاً مختلفاً عن المنهج تماماً." بدأ دكتور المادة مصعوقاً، بينما تابعني عميد الكلية بانبهار وأنا أتابع شرحي حتى انتهيت. "حلت المشكلة؟ " قال عميد الكلية وهو يهم بالوقوف. "لدينا نابغة تحت يديك دكتور عوني." مصدوماً، متزعزعاً، غير قادر على تقبل الهزيمة، هز عوني رأسه. قال: "كيف فعلتي ذلك يا زهرة؟
"راجعت مجلدات ودوريات في مجلات عالمية دكتور عوني، قضيت الشهر الأخير في المكتبة." "هل يمكنني الرحيل الآن؟ "أجل، بالطبع"، رد عميد الكلية دون انتظار. "زهرة، أنا آسف." لاحقتني كلمات دكتور عوني خلف ظهري، حط شال البراء على عنقي.
رغم ذلك، كنت في أتعب حاله ممكنة. اهتزت صورتي أمام زملائي، وجدتني منكسرة مرة أخرى، في طور التقزم الذي يحجمني. قصدت المنزل فوراً وفي رأسي فكرة واحدة للخروج من هذه المهزلة، لاستعادة كبريائي وحفظ صورتي. لن أنقص ولا درجة واحدة في كل المواد التالية. طبقت يومين بلا نوم. اليوم الثالث خلدت للنوم مجرد ساعات أستعيد فيها تركيزي. عندما ذهبت للامتحان التالي، اتضح لي أن دليل براءتي لم يتم إعلانه حفاظاً على مكرور وجه دكتور عوني.
أحاط بطاولتي اثنان من المراقبين. خضعت لمراقبة شخصية بعد أن وصل لمسامع دكتور خالد ما حدث معي في مادة دكتور عوني. قبل أن ينتصف الوقت، سلمت ورقة الإجابة. استلم دكتور خالد الورقة بنفسه، وطلب مني أن أنتظر دقيقة. حدق بكراسة الإجابة، فحصها وهو يبتسم، قبل أن يضحك. قال: "من حقه دكتور عوني أن يجن." ثم همس: "هذا سرفي." في كل مادة كنت حريصة ومصممة على السير في خطتي لاستعادة كرامتي.
انتهت الامتحانات أخيراً، استطعت بعدها أن أتنفس بحرية. بدأ واضحاً أن كل أساتذتي يعتبروني عدوة، متواطئين مع دكتور عوني. بغيت اكتشاف خطأ واحد بكل ذلك العلم الذي يحفظونه في عقولهم، لم يستطيعوا تقبل أن هناك فتاة نكرة تضاهيهم. كنت أعتقد أن أصعب انتظار يتعلق بنتيجة الثانوية العامة، لكني وجدتني مشدودة الأعصاب، غير قادرة على تناول طعامي. أيامي مرتبكة تمشي على غير هوى. كان كلي متعلقاً بيوم ظهور النتيجة.
هاتفتني سها عبد الدايم على غير عادتها، أخبرتني أن النتيجة ظهرت. أدركت حينها أن هناك شيئاً خاطئاً. هرعت نحو الجامعة واخترقت زحام الطلبة. كنت ناجحة بالتأكيد، لكن درجاتي متدنية جداً. دكتور عوني منحني "مقبول". دكتور خالد "جيد". باقي المواد كانت تتراوح بين "مقبول" و"جيد". تنهدت على أريكة قريبة. اتنهد بصعوبة. لقد توقعت الأسوأ، لكن ما حدث لم يخطر لي على بال.
على مكتب عميد الكلية، منعني الحرس من الدخول لتقديم احتجاج. أخبروني أن عميد الكلية في اجتماع هام. كادت ساقاي ألا تحملاني بطريق عودتي. مشيت في ممر الكلية شاردة حتى وصلت المكان الذي علقت فيه النتيجة. سها عبد الدايم نالت تقدير أفضل مني. كدت أن أنهار، أن أبكي. لكني لمحت دكتور عوني وسط مجموعة من الطلاب وبدأ أنه رآني. سارعت خطواتي لأغادر الجامعة، لكنه ناداني باسمي. قال: "زهرة؟ توقفت حتى لحق بي. قال: "وصلتك النتيجة؟
قلت: " أجل." قال: " وفيت بوعدي، لم أسقطك." زهرة، بل أعلم لماذا رغبت بصفعه على وجهه لأمسح ابتسامته الساخرة، لكني اكتفيت بقول: "غير مهم دكتور عوني" ورحلت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!