لزمت غرفتي، لا أخرج إلا للضرورات. تلميذة نجيبة تذاكر دروسها بكل تفانٍ من أجل تحقيق غايتها التي لا تعرفها في الوقت الحالي. واصلت تلا سيطرتها على ربوع المنزل تحت ذريعة مساعدة آدم الذي لا يرفض لها طلباً، وتوفير جو صحي يساعده على الإبداع. كانت القطيعة قد حلت بيننا بعد أن نعتتني بالخنفساء الصغيرة، أعتقد أنكم تذكرون ذلك. فلم أحاول التحدث معها رغم أنني فُتنت بطريقتها، مجرد "صباح الخير"، "مساء الخير"، وابتسامة صفراء.
لا أعلم لماذا تناصبني تلا العداء. من أول يوم كانت نواياها واضحة: التخلص من زهرة وإبعادها عن آدم. آدم المسكين يحتاج للهدوء والسكينة والموسيقى، وتلا حتى ترتفع معنوياته ويبدع. كنت أدعو في سري أن تحل عليه لعنة الرسم وتتوقف يده عن تحريك الفرشاة، أو أن يصاب ساعده بتمزق أربطة يمنعه عن الرسم. لكن حال آدم بدا جيداً جداً. وجهه مشرق أربعة أشبار. كل أربعة أيام ينتهي من لوحة جديدة.
اعتقدت أن أحلامي الصغيرة انتهت. كانت لدي أمنية أن يتعثر آدم ويرحل شغفه، فيقوم بطلب زهرة، أنا، من أجل التغيير. حينها كنت سأبذل كل جهدي حتى يعود للرسم مرة أخرى. لكن منذ صغري وقد كُتب عليّ أحلامي أن لا تتحقق، أن تُقتل في المهد. وأن عليّ انتزاع سعادتي بنفسي. من أجل ذلك، طرقت باب غرفة السيد آدم. كانت تلا جالسة على السرير بتنورة قصيرة حمراء، وقصة شعر قبعة صياد المجارير، وعيناها اللعينة تلمعان بالجمال.
"مساء الخير"، قلت وأنا أدلف للداخل تحت وقع عيون تلا المتربصة. تنهد آدم. "إيه زهرة، كيف حالك؟ "بخير سيد آدم"، جلست على ساقي آدم أمام اللوحة. داعبت شعر لحيته وقبلته برفق في خده. تصلب آدم من الصدمة. آخر مرة تركني وهو يغلي من الغضب. "هذه لوحة جميلة سيد آدم"، أردفت وأنا متشبثة بعنقه. هزني آدم ليحركني من فوق ساقيه، كأنه استعاد وعيه بعد جرعة كوكايين. نهضت بهدوء ووقفت جواره. لاحظت توتره فقد كانت تلا تراقبنا.
"أدرك أنك منشغل جداً من أجل المعرض، لكني اشتقت لمزاحنا سيد آدم". همس آدم. "أجل مزاحنا، ها ها ها". "إذا احتجت لأي شيء، من فضلك اطلبني. سولين مريضة كما تعلم؟ "نعم أعلم"، نطق آدم بصعوبة. قرصني آدم في ذراعي. همس في أذني: "الآن تفعلين كل ذلك؟ ضحكت. قلت: "أنا في خدمتك دوماً سيد آدم". "وأنتِ سيدة تلا، أرجوكي إن كان ينقصك أي شيء أخبريني! "طبعاً"، قالت تلا وهي تنظر تجاه آدم باحتقار. تسللت بهدوء، أغلقت الباب ولصقت أذني بالخشب.
"تلا، أنا لا أصدق ما رأته عيني آدم. ما الذي حدث للتو؟ ماذا فعلت تلك الخنفسائية؟ "آدم"، بضحك، "زهرة تعتبر نفسها ابنتي يا سيدتي. في كل ليلة لابد أن تقبلني في خدي وتتمنى لي ليلة سعيدة". "ليس بهذه الطريقة آدم، أنا أحذرك. هذه الضفدعة الصغيرة لا تعي ما تفعله من تصرفات. عليك أنت أن توقفها". آدم بمزاح: "الأمر لا يستحق كل ذلك، زهرة مجرد طفلة". "طفلة في السابعة عشر من عمرها؟ ألا يكفي أنك لملمتها من الشوارع رغم معارضتي؟
"قلت لك تعلقك بها يفوق شعور الأبوة". "إنها لا تعتبر نفسها ابنتك، أنا أفهم ذلك. ألم تلحظ نظرة عينيها؟ أقول لك شيء، هذا الفتاة فعلت ذلك من أجلي أنا". "تلك الوغدة تريد أن تشعرني بالغيرة. تفكير شوارعي تشردي غير منضبط". "تفكير شوارعي أيتها المتغطرسة اللعينة؟ " كدت أن أقتحم الباب وأجرجرها من شعرها. عوضاً عن ذلك ابتسمت. آدم وهو يواصل الرسم: "لا تقلقي تلا، لست شبل متهور. أنا أعرف حدودي جيداً".
تلا بسخرية: "أصبحت أنا الملامة الآن؟ آدم بنبرة حاسمة: "تلا، اهدئي. أنت تهولين الموقف. ركزي معي من فضلك. هذه الرسمة عميقة جداً". تلا بضيق: "حسناً آدم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!