بحثت زهره عن عمل مره أخرى، توسلته وطلبته بلقمتها، لكن لا أحد يرغب بعمل فتاه بالسادسة عشر من عمرها. ممشوقة القوام، جميلة، وبلا هوية. الكل يطمع في جسدها بعد أن يعرف أنها مقطوعة من شجرة ولا أحد تلجأ إليه. تعرف ذلك من نظراتهم. الحياة في الشارع لا تختلف عن الحياة في شقة حسني، الكل يسعى لشيء واحد وزهرة قرفت من كل ذلك. عادت لشقتها في قمة الإعياء والإحباط. لو كان لديها شخص واحد يهتم بها لتغيرت حياتها.
لأمكنها تغير حياتها نحو الأفضل وربما تحقيق أحلامها. فلزهره أحلام مثل غيرها من الفتيات، أن تكمل تعليمها وتعيش حياة نظيفة بلا ذل أو تحرش بجسدها. راحت زهره تتلوي من الجوع والقهر. ماذا سيحدث إذا ذهبت إليه؟ لقد وعدني أن يهتم بي ويحافظ علي. ربما يكون شخص طيب ويوافق على عملها عنده دون أن يتعرض لها. انتظرت حتى أشرقت الشمس. ثم أرغمت نفسها على الانتظار حتى منتصف النهار. ثم بدأت البحث عن ذلك الرجل. لقد منحها عنوانه.
قال لها: "سأكون بانتظارك يا زهره، ستجدين عندما تتخذين قرارك." لم تكن شقة كما توقعت زهره، بل منزل من طابقين متوسط الأناقة والفخامة. تشعر وأنت تتأمله أن كل قطعة فيها تم اختيارها بعناية لتتماشى مع ذوق معين. تحيط به حديقة معقولة نبتت بها أزهار مختلفة وتحيط بها أشجار كبيرة. طرقت زهره باب المنزل وقلبها واقع بين قدميها. وقبل أن ينفتح الباب فكرت ألف مرة أن ترحل.
لكن السيدة الأنيقة التي فتحت لها الباب بابتسامة خلاقة غيرت انطباعها. لقد قالت لها: "أخيرًا حضرتي؟ كنا بانتظارك." لأول مرة تشعر زهره بأهميتها. حتى أنها لم تعد مبالية بما يحدث لها بعد ذلك. دلفت داخل المنزل بحذاء مهترئ متسخ وملابس، رغم حرصها على انتقائها بعناية إلا أنها كانت قديمة، باهتة الألوان. من هنا قادته الفتاة الأنيقة نحو الرواق. وطلبت منها أن تنتظر بالصالة ريثما تخبر سيدها.
غاصت زهره خلال مقعد وارف متكورة على نفسها محاولة إخفاء ثقب في تنورتها. عادت الفتاة مرة أخرى دون سيد المنزل. صفقت بيديها ظهرت خادمة أخرى شابة. "نظفيها"، أمرتها الفتاة. زهره: متى سأقابل صاحب المنزل؟ الفتاة الأنيقة وهي ترفع كتفيها باستهانة: وقتما يرغب. احتاجت زهره لحمام طويل حتى تنظف الأوساخ العالقة بجسدها وتسريح شعرها الملتصق ببعضه. عندما انتهت الخادمة من تنظيفها ونظرت زهره في المرآة لم تعرف نفسها.
كانت فتاة مختلفة، جميلة ورقيقة. ارتدت ملابس جديدة على مقاسها جهزت لها خصيصًا. واختارت لها الخادمة تسريحة شعر ذيل الحصان. ثم تناولت عشائها في المطبخ. قبل أن يتركوها بمفردها لبعض الوقت. عادت الخادمة الأنيقة مرة أخرى وعرفت نفسها لزهره. كان اسمها سولين وطلبت منها أن تتبعها. سارت زهره خلف سولين التي صعدت درجات السلم نحو الطابق العلوي. وقلدتها خلال رواق مفروش بالسجاد نحو غرفة لها شرفة تطل على الحديقة.
أخبرتها أنها غرفتها الخاصة. وسمعت زهره موسيقى هادئة قادمة من آخر الرواق. تركت سولين زهره ورحلت. زهره بعد أن جلست على السرير وقفزت عليه بسعادة. ركضت تجاه خزانة الملابس الممتلئة بفساتين وقمصان متعددة الألوان والأقمشة مرتبة بعناية. إلى جوار خزانة الملابس مكتبة بإطار خشبي مذهب رصت بها مجموعة من الكتب والمجلات. ثم منضدة واطئة، مقعد، ثرية، دفتر يوميات وقلم.
فتحت زهره الشرفة المطلة على الحديقة وتنهدت بعمق وهي تتنشق عبق رائحة الورود التي وصلت إليها. ثم طائر صغير يحلق بين الأشجار بحثاً عن عشه. كان القمر بدر أغرق الحديقة بلون فضي جعلها تجف. دون أن تشعر نامت زهره بملابسها على السرير بعدما ارتخى جسدها الجائع من الوجبة الدسمة التي تناولتها. لكن سولين حضرت إليها. كانت زهره تكافح النعاس وسولين تبدل لها ملابسها. قبل أن تتمنى لها ليلة سعيدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!