عندما جلست زهره، كان آدم يداعب وجه آدم الصغير وسولين مبتسمه. فمها مفتوح مثل بقرة. لقد لمحت في عيني آدم كل الأشياء التي كان يخفيها، نظرة الأبوة التي تطفح من عينيه. ربتت سولين على بطنها الكبيرة التي تشبه بالون. كانت في الشهر الخامس لكنك تشعر أن موعد وضعها مضى منذ زمن. "هل سأحيا لرؤية أطفالك يا آدم؟ " كانت سولين تربعت واستعدت لما ستقوله. الكلمات التي أعدتها في بيتها وسط صراخ طفلها.
"أنت لا تكاد تشعر أن العمر يمضي. أنا غير سعيدة بحياتي." "لماذا لا تفكر في الزواج؟ " ثم ضحكت سولين. "أتعانين من مشكلة ما؟ " لكن مزحتها لم تضحك آدم ولا زهره. لقد شعر بغصة في صدره. "رجوك، من فضلك فكر في الزواج يا آدم." ثم حدقت بزهره تطلب مساعدتها. "زهره، ما رأيك؟ تلعثمت زهره، ركبها ألف عفريت، قبل أن تقول: "نعم." "ساعديني إذاً يا زهره، نحن فريق واحد." "ما رأيك بتالا؟ "مستحيل! " زعق آدم. بينما لازالت زهره بالصمت.
"إنها فتاة جميلة وجيدة، قريبة منك، تعرف طباعك." "محال! " زعق آدم مرة أخرى. "زهره؟ " قالت سولين بغضب. "لماذا صامته؟ تحدثي." قالت زهره: "تالا فتاة ممتازة، جميلة، أنيقة." رمقها آدم بنظرة عتاب ونحى وجهه جانبًا. "ما رأيك أن تمنحها فرصة يا آدم؟ "تالا مجرد صديقة." قال آدم بنبرة باردة. "ما يجمعنا لا يمكن أن يؤدي لغرفة النوم." "اسمح لي يا آدم، أنت لا تعرف النساء. تالا مناسبة جداً لك، ستشكرني على هذا الاختيار."
تركها آدم تتحدث، لم يرغب بنهرها أو مضايقتها. كان يعتبرها أخته. كان بين الحين والآخر، يرمق زهره بطرف عينه. جذبت سولين تنورة زهره. "قولي الحقيقة يا زهره، إنه وقت الحديث الجاد." "انظري لآدم، ظهر الشعر الأبيض في رأسه. إذاً لم نهتم نحن به، من غيرنا سيفعل؟ "معك حق يا سولين، على آدم أن يتزوج." أردفت زهره بنبرة حيادية خالية من العاطفة. "سنجعله يفعلها رغمًا عنه." ثم صمتت.
تركت مساحة لآدم من أجل الرد، انتظرت دفاعه، ثورته، حربه من أجلها. أشعل آدم لفافة تبغ. لاز بالصمت دقيقة، نظر نحو الأرض بانكسار قبل أن يحدق بعيني زهره ويقول بنبرة حزينة: "هل هذا رأيك؟ ثبتت زهره عينيها في عيني آدم. أرادت منه أن يقرأها، أن يفهم أن لسانها كاذب وأن لقلبها رأي آخر. "طبعاً، عليك أن تتزوج." بانزعاج نهض آدم من مكانه، ثم قال وهو يهز كتفيه: "سأفكر في الأمر."
بعد رحيله، تحدثت سولين لزهره التي كانت مطرقة ناحية الأرض الموحلة بمياه الري. "علينا أن نقنعه بالزواج، أنا وأنت يا زهره. إنه أقل شيء نقدمه لآدم." "من حقه أن يفرح بأولاده، أن يحظى بزوجه تملأ عليه حياته." لقد قالت الكثير من الكلمات التي لم تنتبه لها زهره. أصرت سولين على تحضير العشاء بنفسها مما سمح لزهره أن تجد الوقت للاختلاء مع نفسها في غرفتها. لقد بكت زهره كما لم تبكي من قبل. كان داخلها صراع بين ما ترغب وما عليها فعله.
إذا كان الواجب يحتم عليها مساعدة سولين في ادعاءاتها البليودية ودفع آدم نحو الزواج. لقد شعرت أن كل كلمة قالتها على غير رغبتها تعاقبها بطعم التراب في حلقها وأن معدتها تؤلمها من القهروأن الأحجار تتساقط على رأسها وتسحق ذهنها. لقد قال آدم "سأفكر". هل كان جاد؟ فكرت أن تبوح لسولين، أن تفصح لها عن ميولها نحو آدم. لكنها فكرت!
في هذه الحياة لا تبوح بأفكارك وهواجسك حتى لأمك، ولا تثق بأي شخص مطلقاً. واحذر كل الحذر من أولائك الذين يقولون "سرك في بير وأفديك بعمري" و "كلامك ميت في صدري"، وكل ذلك الهراء. إنهم أكثر الأشخاص نفاقاً وخيانة وسرعة في إدارة ظهرهم إليك. لقد كانت ليلة تعيسة. تناول كل واحد منهم طعامه في صمت، عدا سولين التي كانت تواصل مديحها وتعبر عن رغبتها. ثم وكأن الأقدار تساعدها، فجأة ظهرت تالا من العدم.
انفتح الباب ودلفت منه تالا تحمل حقيبتها بأناقتها المعتادة، طلتها المبهره ورائحة عطرها. هلل وجه سولين وهمست: "إنها إشارة." انفتحت عينا زهره بدهشة وتعلقتا بتالا ووجهها المبتسم. "إنه أسوأ ظهور على الإطلاق حظيت به في حياتي." بينما حدق آدم بتالا بوجه مشدوه، لأول مرة بنظرة مختلفة. مضت دقيقة من الاضطراب لم يحرك أحد ساكن حتى أنقذت سولين الموقف. استقبلت تالا وحضنتها. كان آدم قد تخلص من اضطرابه ودعا تالا للانضمام إليه.
وحدها زهره لم تفلح في تحريك ساقيها أو يديها. بالكاد فتحت فمها وقالت: "مرحباً." كان في عينيها رماد وبقايا شعله تحرق قلبه. "لقد كنت جالس في منزلي وسط الزراعات، كان الوقت شتاء الجو برد وأنا ملتف حول نار أشعلتها بالحطب وابريق شاي يغلي فوق الحطب الذي يطقطق. الضوء خافت وجلست في مواجهة الباب عندما رأيتها."
"عبرت خلال الباب المغلق، طيف أزرق، كانت عيني مصوبة نحوها. مرت إلى جواري وخلال لحظة اخترقت الجدار الحجري. قفزت هرتي سونا من الرعب." "كانت حينها يدي على الإبريق ولم أشعر حتى لسعتني سخونة المعدن." "بعدما اختفت، نهضت مفزوعاً، أسقطت إبريق الشاي وجسدي يرتعش." "ماذا كان هذا؟ " سألت قطتي المفزوعة التي قفزت في حضني. "خفت ضوء الحطب ولم أفلح في التخلص من رعبي. بدت لي كل حركة خطر، كل عنق ذرة شبح يتربص بي."
"أطفأت النار بسرعة، فتحت الباب بحذر لتقابلني أفدنة الذرة والقمح." "كان علي أن أقطع ميل حتى أصل للعمار وكان علي أن أفعل ذلك بسرعة لأن الأشباح تتغذى على الخوف." "ما إن أخذت طريقي وسط الحقول حتى سمعت صوت غناء حزين." "كان صوت بعيد بنغمات لم أفهمها لكنه شجي." "صوت كأنه قادم من وسط حديقة وغابة وغدير وكل جمال الأرض." "كنت مدرك أن ما من شخص يمكنه الجلوس خلال تلك الظلمة والغناء."
"لقد مضى انبهاري من الصوت وتحول لرعب، فكرت أنها ربما نفس الشبح الذي ظهر لي في البيت." "ثم تحول الصوت لفحيح مرعب، مخيف على مقربة مني بين نخلات عجوز أعرفها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!