_ت ادهم ما _ت. وقعت من طولي. معرفش مر وقت قد إيه، بس قومت لقيت نفسي في أوضتي، ومفيش حد معايا. قومت من على السرير وخرجت من الأوضة وأنا بدعي ربي إن ده يكون حلم، لا كابوس، كابوس بشع. خرجت من شقتي ونزلت الدور الأرضي. اتـفاجأت بستات كتير لابسين أسود في أسود. قلبي اتقبض وعقلي رفض يصدق إنه هو، هو ما _ت وسبيني. أكيد لا، عمره ما يعمل فيا كده. شافتني سمر جريت عليا مسكت إيدي وقالت: تعالي يا حبيبتي. هو في إيه يا سمر؟
في حاجة حصلت؟ بصيت في الأرض و عيطت أوي. رفعت راسها وقالت: بلاش عياط، ده فال وحش. في إيه، في إيه؟ جت حماتي، حضنتني وقالت بدموع: ربنا يصبرك ويصبرني. بعدت عنها وأنا بصر _خ: في إيه؟ حد يفهمني. أنا عارفة في إيه، بس نفسي حد يكذب عليا ويقول أي حاجة، أي حاجة غير إن ادهم ما _ت. قالت سمر بحزن: البقاء لله. ادهم مات. حطيت إيدي على وداني وأنا برفض أسمع، صر _خت وقولت: لا كذ _ب، كذ _ب، ادهم عايش، ادهم عايش.
وبقيت أصرخ باسمه ووقعت من طولي مرة تانية. كان فريد وفريدة ورحمة بنت سمر في بيت أمها، علشان ما يشوفوا الحزن ده. وفي نفس الوقت حماي ورامي ومعتز في الطب الشرعي. اللي عرفوا من القائد إن ادهم مات لما حصل هجوم على الكمين، وما _ت ادهم وكل اللي معاه لما الكمين اتح _رق. يقف الأب أمام الجثة. رفع الدكتور الغطاء. أغمض عينيه سريعاً فقد كان الوجهة مشو _ه تماماً. قال بدموع وحزن:
أكيد ده مش ابني. أيوه ده مش ابني، ادهم طول عمره زي القمر. طلع الظابط دبلة وقال: دي كانت معاه. بصوا بصدمة. كانت دبلة ادهم اللي محروق عليها اسمه واسم نجاة. وكمان طلع صورته مع ولاده. وقع الأب على الأرض. ساندوه رامي ومعتز وقال رامي: إنا لله وإنا إليه راجعون. أما معتز كان يعيط زي الطفل الصغير، فهو الأخ الصغير وطول عمره مدلل من ادهم ورامي. دلوقتي أبوه التاني مشي وسابه لوحده في الدنيا دي.
تم الدفن في جنازة عسكرية بدون حضور النساء. في المنزل يستقبلون العزاء. ومازالت نجاة تحت وضع المخدر. على الفجر كان الكل نام بعد يوم طويل من التعب. قامت نجاة. كانت سمر نائمة جنبها. خرجت من الأوضة براحة وراحت أوضة العيال. لقيتها فاضية. حطت إيدها على رأسها وقالت بابتسامة: آه أكيد ادهم خد العيال يجبلهم لعب وحاجات، بس ماشي يا ادهم كنت خدني معاك. الغريب نجاة مشفتش سمر اللي نايمة جنبها أو مش عايزة تشوفها أصلاً.
دخلت المطبخ أحضر الأكل اللي يحبه ادهم والعيال. قامت سمر بفزع لما سمعت صوت. مشيت على الصوت لحد المطبخ. وقفت بذهول وسألت: تعملي إيه نجاة؟ بصيت ليها وقالت: سمر بتعملي إيه هنا؟ ومين فتحلك؟ بلعت ريقها بتوتر وخوف وقالت: الباب كان مفتوح. تعملي إيه هنا؟ ابتسمت وقالت: أعمل إيه فيك يا ادهم؟ ديما تسيب الباب مفتوح. ادهم. قالتها سمر برعب حقيقي. ردت: أيوه ادهم. تخيلي أصحى من النوم ألاقيه خد العيال ونزل من غيري.
سمر خافت منها ومن حالتها. قررت تجريها في الكلام: لا غلطان وأنا لازم أقول لرامي يكلموا. عايزة حاجة؟ شكراً يا سوسو. جريت سمر من قدامها، نزلت على شقة حماتها. خبطت بقوة. حماها وسأل بخوف: في إيه يا سمر؟ نجاة كويسة؟ أخذت نفسها بالعافية وردت: لا، لا نجاة اتجنت. خرجت حماتها وضربت على صدرها وقالت: بتقولي إيه؟ حكت ليهم اللي حصل. وطلعوا على شقتها. كانت سمر سابت الباب مفتوح. بصوا من الباب. كانت نجاة تحط الأكل على السفرة وبصت
ناحية أوضة العيال وقالت: فريد فريدة الأكل جاهز. وبصت ناحية أوضتها وقالت: ادهم، دومي يلا الأكل. الكل مصدوم وهو شايف كده. كانت نجاة شايفاهم وحاسة بيهم. قعدت على السفرة وعطتهم ظهرها وقالت بدموع: أيوة شايفاهم وحاسة بيهم، وعارفة إن العيال مش هنا وادهم مش هنا. ادهم مات بس بحاول أخدع نفسي علشان أتجنن. أيوه نفسي أتجنن علشان أرتاح. مقدرتش أمسك نفسي أكتر. عيطت بصوت عالي وأنا بقول: ادهم تعال، تعال يا ادهم.
جريت سمر عليا وحماتي قعدت على أول كرسي وحماي وقف مستمر مكانه. حضنتها سمر وقالت: هو شهيد وفي الجنة، ربنا يجمعنا بيه على خير. قولت بصوت مخنوق: مش قادرة أتحمل يا سمر، والله ما أقدر. مش أعرف أعيش من غيره. قدر الله وما شاء فعل، أمر الله، أمر الله. قالتها سمر وأنا انفجرت في حضنها وأنا ببكي بانهيار. عدى خمس شهور على موت ادهم. كنت طول الوقت قاعدة في أوضتي وأنا حاضنة كل هدومه وحاجته.
نسيت نفسي ونسيت ولادي. وحاولوا معايا كتير بس مفيش فايدة. مش قادرة أكمل حياتي من غيره. دخلت حماتي وراها سمر بصينية الأكل. قبل ما حد فيهم يتكلم قولت: لو سمحتم مش عايزة أسمع حاجة. قعدت حماتي قصادي وقالت: حاضر يا نجاة مش هتكلم بس سؤال واحد عندي وأخرج من غير ما أسمع الإجابة. ادهم لو شافك كده هيكون مبسوط بحالتك وحالة العيال اللي كان روحه فيهم. وبصت لسمر: حطي الصينية ويلا. ونزلت حماتي وسمر. وأنا بصيت لصورته:
ليه يا ادهم تعمل فيا كده، ليه قلبي وجعني أوي. فضلت تعيط لحد ما رحت في النوم. وشافت حلم إن ادهم بينده عليها. قامت وهو بتقول: نعم يا ادهم، أنت فين؟ كانت الساعة ١٢ بليل. قامت لبست وخرجت من غير ما حد يحس بيها. واتجهت ناحية المقابر بدون وعي منها. المقابر قريب من المنطقة. كان معتز راجع من المستشفى، فهو دكتور. شاف نجاة خارجة من البيت. نزل من العربية وماشي وراها وقال بصوت عالي: أم فريد، أم فريد.
بس هي كانت سامعة صوت ادهم بس وهو بيقولها تعالي. مشي وراها. كانت سريعة في خطوتها وهو كان لا يستطيع اللحاق بها فهو لديه كسر في قدمه تعرض له الشهر اللي فات. رآها تذهب إلى المقابر. قال بصوت أعلى: أم فريد، أم فريد، نجاة. عند سماع اسمها التفتت له، لكن لم تراه. معتز، راته ادهم. ابتسمت وقالت: ادهم أنت رجعت. قال بخوف وهو يبص حوالي: ادهم، ارجعي يا أم فريد. زيارة المقابر غلط في الليل. تعالي وأوعدك بكرة إن شاء الله أجيبك هنا.
ابتسمت وهي تقول: أنت رجعت يا ادهم. لم تكن في حالتها الطبيعية، كانت تسمع صوت ادهم. اقترب منها ببطء وهو يقول: تعالي، ادهم راجع في البيت ومستنيكي. ردت بسعادة: بجد؟ حرك راسها بنعم وقال: يلا يا نجاة. مشيت معه ورجعت البيت. ولكن للأسف كان في مجموعة من الشباب التي لا تخشى حرمة المقابر، يجلسون معنا لشرب الممنوعات. ورآه المشهد برأي آخر. قام أحدهم بتصوير بعض الصور وقال وهو تحت تأثير المخدر:
يا نهار يا جدعان على الدنيا، بعد ما ادهم مات، نعتز بيلعب على مرات أخوه. ضحك الثاني بصوت عالي وقال: وشكل المزة مبسوطة علشان تيجي معاه لحد هنا. قال الثالث بحقد: إحنا لازم نفضح العيلة دي، رافعين راسهم في السما علشان واحد ظابط والتاني دكتور والتالت مهندس. إيه يعني مانا ظابط نفسي، ودكتور أحزاني ومهندس دماغي. ضحك الجميع عليها. ومن حسن حظ نجاة ومعتز أن نوع المخدر اللي بيشربوه يخليهم ينسوا اسمهم. رجعت نجاة البيت وهي تقول:
ادهم أنت فين، ادهم. قال معتز بهدوء: أم فريد بصي لي. بصت له وقالت: فين ادهم يا معتز؟ مات، مات، ادهم مات. قعدت على الأرض وهي تقول: لا لا. قعد قصادها مع الحفاظ على المسافات بينهم وقال: ادهم مات وربنا عايز كده. وكل اللي أنتِ فيه ده بسبب الشيطان، فهم الشيطان عايزك تسخطي من قدر الله. قولي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وفكري في نفسك وولادك يا أم فريد. تفتكري ادهم مبسوط وهو شايفك كده؟ حركت رأسها بالرفض. وقال هو:
اطلعي شقتك وصلي وادعي ربك يربط على قلبك وقلبنا. قامت من الأرض. والغريب كلام معتز زي كلام العيلة كلها. حماها وحماتها ورامي وسمر كلهم قالوا نفس الكلام. هو أول مرة يتكلم معاها ومش فاهمة ليه اتأثرت بكلامه. ابتسمت بهدوء وقولت: شكراً يا معتز. رد عليا بابتسامة: أنا في الخدمة. هو صحيح أنا دكتور باطنة بس أنفع نفسية. طلعت على شقتي وأنا حاسة براحة ومستغربة ليه كلام معتز أثر فيا رغم إني سمعتها كتير. ليه لما شوفته فكرته ادهم.
صليت وبكيت وأنا بدعي ربي يربط على قلبي. معتز مقالش لحد إني خرجت بليل. فرحت أوي لما عمل كده. مرت سنة وبقيت أهتم بالولاد وماشية على نفس تعليمات ادهم. في يوم كنت بجيب طلبات. إحنا ساكنين في منطقة شعبية. كان كم واحد قاعدين على القهوة ويعاكسوا فيا. كملت طريقي من غير ما أرد. وفجأة ظهر معتز قدامي وقال بأمر: على البيت. بصيت باستغراب لطريقته ولسا هتكلم قال بنبرة حادة: قولت على البيت.
مشيت من غير كلام. أما معتز راح ناحيتهم ونزل فيهم ضرب. ولأنهم ديما سكرانين محدش عرف يرد عليه. كانوا نفس الشباب اللي شافوهم في المقبرة. قال واحد بغضب: إحنا نسكت على كده. رد الثاني: نعمل إيه يعني. أما الثالث مش معاهم. بيتفرج على صور غير لائقة. وفجأة ظهر قدامه صور معتز ونجاة. قال: بصوا لقيت إيه. بصوا باستغراب. محدش فاكر الصور دي جت امتى وإزاي على التليفون بس المهم إنها جت. قال واحد فيهم:
لازم ننتقم من معتز. ومفيش أحسن من الصور دي اللي تثبت إن علاقة الأخ بمرات أخوه مش تمام. في البيت كان معتز متعصب جامد وهو يقول: ليه يا أم فريد تخرجي من البيت؟ ردت بهدوء: كنت محتاجة شوية طلبات وبعدين إيه الطريقة دي؟ زعق أكتر وقال: طريقة إيه وزفت إيه، تخرجي ليه؟ تخلّي عيال صايعة زي دي يبصوا عليكي. زعقت أنا كمان وقولت: وطّي صوتك وأنت مالك أصلاً. مسح وشه بغضب وقال: مالي إيه؟ مرات أخويا ولازم أحافظ عليكي. ردت بعصبية:
أعرف أحافظ على نفسي. وطلعت أوضتي. كانت حماتي وسمر قاعدين يتفرجوا علينا بذهول. أما حماي ورامي كانوا برة البيت. مر أسبوع ومعتز يحاول يعتذر مني وأنا مش برد عليه. في اليوم الثامن. حماتي قالت: بلاش تعملوا عشاء. معتز قال هيجيب وهو جاي. قمت من مكاني، وقولت: طيب يا ماما، أنا مش جعانة. أطلع شقتي ولما الأولاد تاكل ابعتيهم. بس وقفتي صوته لما قال: أنا أتحملت غرامة العزومة دي كلها علشان خاطرك أنتِ. تقولي مش جعانة. بصيت له بعصبية،
وقولت: أيوه مش جعانة بالعافية ولو عليت صوتك عليا تاني. حط الأكل على السفرة اللي من الريحة عرفت إيه. ولما قرأت اسم المطعم عرفت إنه أكلتي المفضلة من المطعم المفضل. قال بحزن: حقك عليا، أنا آسف بس اتعصبت لما لقيت العيال دي تبص ليكي. قال حماي: خلاص بقى يا نجاة. طول عمرك قلبك طيب. قال بابتسامة: صافي يا لبن. ابتسمت: خلاص مفيش حاجة. كانت حماتها تبص لمعتز وليها بنظرات مختلفة وغريبة. وشافت حاجة أو بتفكر في حاجة. سألت حماتي؛
نجاة معلش نسيت أنتِ عندك كم سنة؟ ردت: ٢٦. قالت في نفسها: و معتز ٢٨ سنة. معتز: يلا الأكل يبرد. اتجمعنا على السفرة. وخطر على بالي ادهم لما كان يزعلني يصالحني بالأكل ده. بصيت على مكانه الفاضي اللي جنبي وحاولت أخبي دموعي عن الكل. تاني يوم قمنا على مصيبة. صور لي أنا و معتز منتشرة في كل حتة. سأل حماي بغضب: الصور دي كانت فين؟ قال معتز بهدوء:
إهدي يا بابا وافهمني. في يوم كانت نجاة رايحة المقابر، أنا شوفتها وروحت وراها رجعتها. بص لي وقال: في الوقت المتأخر ده يا نجاة. ردت بدموع: كنت مش في وعيي. قال معتز بحزن: براحة عليها. هي معملتش حاجة غلط وأنا أخرس كل حد يفكر ينطق بحرف. حماتي بدون سابق إنذار: الحل وهو الجواز. كتب كتابك على نجاة الخميس الجاي. بص الكل بصدمة وعدم تصديق. فقت من ذكريات الماضي المؤلمة على خبط الباب. ردت: اتفضل. دخلت حماتي وقالت بحزن:
عاملة إيه يا نجاة؟ مش عارفة. قعدت قدامي وقالت: أنا خائفة من بكرة أوي. وأنا كمان. ابني عمره ما يسامحني. ولا أنا. قالت: في حل واحد. بصيت بانتباه يمكن حد يلاقي حل للأزمة دي. قالت: مش هقول ل ادهم إنك مرات معتز. بصيت بصدمة وقولت: إزاي؟ قالت بسرعة: أنا مش عارفة ابني راجع بعد خمس سنين عامل إزاي. أجي أقوله مراتك اتجوزت أخوك. صرخت بعصبية: أومال إيه، أكون مرات معتز وأقول لك ادهم إني مراتك. مسكت إيدي وقالت بهدوء:
طبعاً لا. إحنا بس ناجل الكلام في الموضوع ده على ما يرتاح. قولت بدموع: ماما أنتِ فاهمة تطلبي مني إيه؟ تقدري تبعدي عنها بأي حجة إنك مستغربة لحد بس ما نكلموا بهدوء. حطيت إيدي على راسي بتعب وأنا أتجنن حرفياً ومش عارفة أعمل إيه. ومعتز هرب من كل حاجة وخرج من البيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!