تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سهام صادق
تحجرت عيناه وهو يسمع ما تخبره به. حسين جارها متزوج، متى وكيف حدث هذا؟
أسئلة كثيرة دارت بعقله وشعر بضيق يحتل صدره وهو يراها تتحاشى النظر لكل من حسين وزوجته.
وصافح حسين بعد أن مد له الآخر يده مبتسماً.
- اتشرفت بمعرفتك سيد جاسم.
فابتسم جاسم بلطف، ينظر إلى مهرة التي تقف بينهم مرتبكة.
- شرف لي أستاذ حسين.
والتقت عيناه بعين مهرة.
- مهرة ممكن دقيقة.
وسار أمامها، فأتبعته بصمت إلى أن خرجوا خارج قاعة الزفاف.
فابتلعت ريقها معتذرة.
- آسفة إني ما عزمتكش، بس كنت فاكرة إنك لسه مسافر.
فتنهد جاسم ومسح على وجهه، ثم التفت نحوها.
- مبروك لورد يا مهرة.. كنان شخصية محترمة ورجل أعمال ناجح.
فحركت رأسها له بتفهم.
لتجده يخرج علبتين من جيب سترته.
- معرفتش أقدم الهدية لورد.. يا ريت تديها هديتي بالنيابة عني وعن مرام.
وأعطاها إحدى العلب المخملية، كانت علبة صغيرة زرقاء تحتوي على خاتم رائع التصميم.
- دي هديتي.
ثم أعطاها العلبة الأخرى، وكانت حمراء تحتوي على قرطين قريبين من تصميم الخاتم.
- ودي هدية مرام.
لم تقدر مهرة على الرد وهي تفتح كل علبة تتأمل ما بداخلها.
ورفعت عينيها نحوه.
- بس ده كتير.
فطالعها جاسم قبل أن ينصرف، فلم يعد قادرًا على الوقوف أمامها، فصدمة زواج حسين وصوتها وهي تخبره بهويته وتعرفه عليه وعلى زوجته ما زالت تقتحم فؤاده.
- بالعكس، دي هدية بسيطة لورد.. وأتمنى أنها تعجبها.
وخطى بخطوته ليغادر.
ثم وقف بوجه خالٍ من المشاعر وهو يسمعها.
- مبروك على خطوبتك أنت والسيدة رفيف.
فتمتم بخفوت وهو يرخي من ربطة عنقه.
- شكراً يا مهرة.
لتقف متعجبة من رحيله السريع.
وظنت أنه بالتأكيد مرهق من رحلة عودته.
واتجهت نحو القاعة مجدداً.
لتشبع عينيها بورد قبل رحيلها لتركيا.
تنهدت رقية بحالمية وهي تنظر لورد وسعادتها.
وألتفت نحو مراد الصامت الذي يقف شارداً.
- مراد.
فانتبه مراد لها وعقله ما زال يدور حول جملة مهرة.
- في حاجة يا رقية.
فابتسمت وهي تشير له نحو ورد وكنان.
- ورد وكنان لايقين على بعض قوي.. امتى ألاقي الشخص اللي يحبني وأحبه.
ضغطت على جملتها الأخيرة لترى ردة فعله.
لتححدق بها مراد بغضب.
- انتي لسه صغيرة على الكلام ده يا رقية.
فطالعته بغضب.
فإلى متى سيراها صغيرة؟ لقد كبرت وبعد شهرين ستتخرج من الجامعة.
- أنا كبرت على فكرة.. بس انت اللي دايماً شايفني الطفلة الصغيرة.
وأبتعدت عنه تقاوم ذرف دموعها.
لينظر مراد في خطاها متعجباً من غضبها وغضبه عليها عندما أخبرته برغبتها في مقابلة الشخص الذي ستحبه ويحبها.
وألتقت عيناه بمهرة وعقله ما زال يدور في عبارتها.
انتهى الحفل الرائع وانتهت فرحتها بشقيقتها.
رؤيتها لسعادة ورد هي من تجعلها تضحي ببعدها عنها.
أكثر شيء طمأنها بهذا الزواج حلمها بوالدتها وهي تبتسم لها وتعطيها فستان الزفاف وكأنها تخبرها بسعادتها بالأمر.
وقفت ورد تحتضن مهرة بقوة في المطار قبل أن يصعدوا للطائرة الخاصة التي هي ملك لشركات كنان.
وداعاً صعباً، ولكن حين ترى في الوداع سعادة الآخر تتنازل عن ألمك في فراق أحبتك.
كان كنان ينظر لهم بصمت.
والدته وجواد سبقوه إلى الطائرة، وهو وقف بجانب أكرم الذي دمعت عيناه.
فبعد تقربه من شقيقتيه، افترق عن إحداهن.
انهارت حصون مهرة وهي تضم ورد، تستنشق رائحتها.
- مش عايزة أسيبك وتمشي بعيد عني.
فدمعت عين ورد وهي تتشبث بها أكثر.
- ولا أنا يا مهرة.. أنا خلاص مش عايزة أسافر.
وابتعدت عنها تمسك يدها.
ثم نظرت لكنان.
- يلا نروح بيتنا.. وكنان يسافر لوحده.
فطاوعتها مهرة بالأمر.
ونظرت لكنان.
- سافر أنت ولما تعوز تشوفها تعال.
لم يتمالك كنان ولا أكرم ضحكاتهم من منظر مهرة وهي تجر ورد.
ولكن ورد وقفت تنظر لكنان وكأنها عادت لوعيها وأنها زوجة ذلك الرجل الوسيم الذي يقف خلفها ينتظرها.
فأسرع كنان يشد ورد له.
- ستأخذي زوجتي مهرة.. اعذريني أريدها.
وضم ورد لصدره.
لتجذب مهرة ورد لها وتنظر إليه بضيق.
- من كام ساعة بس بقيت مراتك.. أما أنا أختها من سنين.. أنا غيرت رأيي عايزها تعال عيش في مصر.
فضحك كنان، فهو يتفهم مشاعر مهرة بشدة.
يوماً كان له شقيق لا يريدها أن تبتعد عنه وتتزوج.
- ما رأيك أن تأتي معنا أنتِ.. عرضي ما زال قائم.
فأستاءت مهرة من هدوئه.
- لأ، أنا عايزة أختي.
ونظرت لورد بتحذير.
- قولي له يا ورد عايزة مين فينا.
فنظرت لهم وما زالت تذرف دموعها.
- انتوا الاتنين.
فحدقت بها مهرة بغيظ.
- بتحطني في مقارنة مع واحد لسه عارفينه.
فنظر كنان لأكرم يستنجد به، فموعد إقلاع الطائرة قد حان.
- أكرم ستظل كالمتفرج.
فأقترب أكرم منهم وقبل ورد على جبينها بحنان.
- روحي مع جوزك يا ورد.
فحركت ورد رأسها برفض.
- مقدرش أسيب مهرة.
ووجد ذراع مهرة يمتد وهو واقف بينهم، تحاول أن تجذب ورد.
- ابعد يا أكرم خليني آخدها وأروح.
فنظر أكرم لكنان الذي لا يعلم كيف يتصرف.
- خدها لأنك لو فضلت مستني مهرة تسيبها أو ورد تتحرك مش هتسافر.
وتألم أكرم من ضربات مهرة على ظهره وذراعه.
فمسح كنان على وجه ورد بحنان.
- حبيبتي.. أوعدك هنيجي مصر عن قريب.
وتابع بدفء جعلها تنسى كل شيء حولها.
- مهرة إذا أرادت في أي وقت تأتي لنا سأبعث لها تذكرة الطائرة فوراً.
فلمعت عين ورد بحب.
فكلمات كنان وكفيه اللذان يتجولان على صفحات وجهها أسقطا حصونها وسكّنا آلامها من فراق شقيقتها.
وسارت معه بهدوء، وكل خطوة كانت تلتف نحو مهرة التي كانت تتشاجر مع أكرم وتخرج فيه ضيقها وأكرم يقف أمامها.
كل من كان يمر بجانبهم يتعجب مما يحدث، ولكن الجميع مشغول بحياته.
مجرد نظرة وينصرف نحو وجهته.
وأختفى كنان بورد بعد أن صافح أحد الرجال وصعد إلى طائرته الخاصة.
لتسقط مهرة أرضاً باكية وهي تطالع ماحولها.
فقد فاقت من صراخها على أكرم.
- ورد.
لم يتمالك أكرم نفسه وجثى على ركبتيه يحتضنها.
- سعادة ورد مع كنان يا مهرة.. شايفه بيحبها إزاي وهي كمان بتحبه.
وربت على ظهرها بحنان.
- مش انتي عايزة سعادتها.
فحركت مهرة رأسها داخل أحضانه وهي تهمس بحب.
- لو هي دي سعادتها فأنا هستحمل بعدها.
وساعدها أكرم في النهوض وضمها إليه ليسيرا معاً خارج المطار في ظلام الليل.
وضع أكرم الفطور أمامها، فلم يتركها بعد تلك الليلة.
وربت على ظهرها.
- الشيف أكرم شايف الفطار الملوكي ده.
فرفعت مهرة عينيها الباهتة من كثرة بكائها.
- اتصل بورد يا أكرم.
فضم أكرم رأسها إليه ومسح على ظهرها وهو يتمتم.
- بلاش نزعجهم النهارده يا مهرة.
وتابع بتعقل.
- لو ورد سمعت صوتك كده مش هتستحمل.
فحركت رأسها بتفهم.
ليرفع وجهها نحوه.
- فين مهرة القوية العاقلة.
فدمعت عيناها وهي تنظر له.
- أنا مش قوية يا أكرم، مين قال لكم إني قوية.
كلماتها أوجعته.
مهرة شقيقته أظهرت ضعفها أمامه.
مهرة مثلهم ضعيفة، بل وأضعف منه هو وورد.
ارتدى جاسم بدلته الأنيقة ووقف أمام المرآة ينظر لهيئته بفتور.
لم ينم ليلة أمس.
طيلة الليل أخذ يتقلب على فراشه يتذكرها وهي تعرفه على الجار الذي عاد بزوجته وهي لا تتحمل أن تنظر لهم.
رفع يده اليمنى لينظر في بنصره الذي يحتوي على دبلة رفيف.
- لا أول مرة تحس إنك مش فاهم نفسك يا جاسم.
ألقى جملته الأخيرة بعد أن ارتدى ساعته ونثر عطره.
استيقظت من نومها على لمسات ناعمة على شعرها وقبلات صغيرة تجول على صفحات وجهها.
لتنظر بأعين ما زالت غافية.
كنان منحني عليها بل وملتصق بها.
وأتسعت عيناها فزعاً ودفعته عنها بخجل.
- أين أنا؟
فأبتسم كنان بحب.
- في بيتنا حبيبتي.
فحدقت بأرجاء الغرفة الواسعة ذات الجدران البيضاء والأثاث العصري الراقي.
- بيتنا!
فضحك كنان وهو يضمها إليه بحنان.
- في إسطنبول ورد.
فأرخت أهدابها وتساءلت وهي تحك رأسها.
- لم أشعر بشيء بعد أن أقلعت الطائرة كنان.
فأبتسم كنان وهو يطبع بقبلة على رأسها.
- لقد غفيتي ورد طيلة الرحلة.
ومسح على وجهها بحب.
- ولم أريد إيقاظك حتى لا تبكي مجدداً حبيبتي.
وجاءت ذكرى الأمس، فهبطت دموعها.
- مهرة أين مهرة كنان.. أرجوك أن لا أريد أن أعيش هنا.
وأزاحت الغطاء من عليها لتنهض من فوق الفراش.
وأتسعت عيناها بصدمة وهي تجد نفسها ترتدي منامة قصيرة.
فنظرت لما ترتديه.
- أين الفستان؟
ولم يعد يتحمل كتم ضحكاته أكثر من ذلك، فأنفجر ضاحكاً ونهض من فوق الفراش ليقترب منها.
- زوجك هو من بدّل لكِ ملابسك ورد.
لتحدق به ثم تعود تنظر لما ترتديه.
- من.. أنت.. كيف؟
نطقت كلماتها المتقطعة بارتباك.
وانفجرت باكية.
هبطت معه لأسفل بعدما هدأت من نوبة بكائها.
سألته عن جواد وكانت الإجابة أنه ذهب مع جدته ليقضي معها اليوم وسيأتي لهم غداً.
ادهشتها تصميم المنزل بكل ما فيه.
بيت عصري ذو حديقة خلابة.
كان يضم خصرها إليه وهو يفرجها على كل ركن بالمنزل.
وجاءت الخادمة إليهم ترحب بسيدتها الجديدة.
فلا أحد كان متوقع أن يعود سيد المنزل بعروس من بلد أخرى.
وتفاجأ كنان من ابتعاد ورد وتقدمها نحو الخادمة تصافحها وتخبرها اسمها دون تكلف.
وأتت بعدها مدبرة المنزل السيدة عظيمة ترحب بها أيضاً.
وفعلت معها ورد كما فعلت مع الخادمة الأخرى التي تقربها بالعمر.
- حبيبتي تريدي أن نأكل هنا أم بالخارج.
فالتفتت إليه ورد واقتربت منه بسعادة.
- أريد أن أرى كل شبر بإسطنبول.
فحاوطها كنان بحب.
وأنصرفت الخادمتان متعجبين من سعادة سيدهما بعروسه البسيطة الهادئة.
- لكِ كل ما تريدين.
وغمز لها وهو يمسك بيدها وتابع.
- حتى لا تتذمري مني حينما أنشغل عنك في العمل.
تعجب جاسم من عدم مجيء مهرة للعمل.
كان يوم ممل بالنسبة له، فهو يريد رؤيتها ولكن في النهاية انشغل بأعماله المتراكمة مع ياسر.
***
مسحت مهرة دموعها بعدما حادثتها ورد وبعثت لها صور تجمعها بكنان وهم يتجولون بشوارع إسطنبول.
سعادة شقيقتها كانت أغلى من أي شيء من وحدتها وحزنها، وتمتمت بدعاء:
- يارب تعيشي طول حياتك سعيدة يا ورد.
***
أسبوع مر على زواج ورد.
أندمجت مهرة مع حياتها الجديدة بروح منطفئة وملامح باهتة.
طرقات خافتة على مكتبها أفاقتها من شرودها لتجد مني أمامها.
- بقالي ساعة بنده عليكي.
فتمتمت مهرة بخفوت وهي تنظر لملامح مني ويبدو عليها الضيق:
- ادخلي لجاسم بيه، عايزك.
وتابعت وهي تذهب لمكتبها:
- مش عارفة ماله النهارده، مش طايق حد.
فنهضت مهرة باستياء واتجهت إليه لتجده يتحدث بالهاتف، والتف نحوها يخبرها:
- امسكي ورقة وقلم واكتبي التقرير اللي هقولهولك.
فجلبت ورقة وقلم وجلست تنتظر ما سيمليه لها.
ولكن شردت كالعادة في الأيام الأخيرة.
كان جاسم يمليها دون أن ينظر لها، وعندما وقعت عيناه على إصبعها الممسكة بالقلم ولا تتحرك، حدق بها بضيق.
- مهرة.
فرفعت عيناها نحوه ثم نظرت للورقة البيضاء:
- أفندم.
لتتجمد ملامح جاسم، فهو منذ الصباح يحل مشاكل في أحد مصانعه مع ياسر بالهاتف.. وتأتيه هي بشرودها الذي أصبح يلازمها.
- أفندم إيه يا أستاذة؟ السرحان اللي بقيتي فيه ده بره الشركة مش هنا.
ضايقها صياحه بها، فنهضت من فوق المقعد الجالسة عليه وتركت الورقة والقلم دون أن ترد بكلمة.
ليحدق جاسم بها وهي تخطو لخارج الغرفة، وأمسك ذراعها بعنف ليجذبها نحوه.
- رايحة فين؟ أنا قولت تخرجي.
وأتسعت عيناه وهو يجدها تبكي، مهرة تبكي أمامه، لم يتحمل قلبه رؤيتها هكذا.
- مهرة، إنتي بتعيطي.
ومد أنامله يمسح دموعها برقة، فاستكانت للحظات، ولكن سريعاً أدركت الوضع وأبتعدت عنه.
فزفر أنفاسه بقوة وهو يطالعها:
- بطلي عياط طيب، ولو على التقرير خلاص، أي حد يكتبه.
فمسحت دموعها سريعاً وهي تنظر إليه:
- أنا عايزة أسيب الشركة.
لينظر لها جاسم بجمود، وجلس خلف مكتبه:
- عقد عملك فاضل فيه 3 شهور.
***
أشاحت سهير وجهها بعدما استمعت لحديث أكرم وهو يخبرها بأن تأتي مهرة للعيش معهم فقد أصبحت وحيدة.
وأنتظر ردها، فهو يعلم أن القرار هو قرارها وليس قرار والده.
- أجيب مين تعيش معانا مهرة؟
وضحكت بتهكم:
- لو كانت ورد كنت ممكن أفكر، أما مهرة لأ.
وتابعت بضيق:
- مش كانت وافقت على الحج صبحي؟ كان زمانها دلوقتي متجوزة زي أختها.
ونهضت من فوق الأريكة التي كانت تجلس عليها:
- خليها قاعدة بقى لوحدها.
وأمسكت خصلة من شعرها:
- وتبقى تشوف مين يرضى يتجوزها.
وأتجهت نحو المطبخ تدندن بلحن شعبي.
ليتنهد أكرم بيأس من ظلم والدته، والذي سيأتي يوم وتكفر عنه.
***
اقترب منها كنان راغباً بشدة في أخذها لأحضان وإتمام زواجهم، ولكن ورد ابتعدت عنه كمثيل الأيام السابقة.
- سأذهب لغرفة جواد.
وتركته بالفعل دون كلمة.
منذ مجيء والدته لتقيم معهم لفترة وهي تبتعد عنه، يعلم أن الأمر به شيء.
ولكن لا يريد الضغط عليها حالياً، مدركاً أنه لابد أن يصبر قليلاً.
***
كالعادة لا يتلقى اهتمام منها، بل زاد البعد والهجر الذي أصبحت مشيرة تغدقه عليه، وكلما بعد اقتربت منه.
قبلته مشيرة على خده بعد أن أهدته هدية عيد ميلاده، عيد ميلاده الذي لم تتذكره زوجته.
- مكنش في داعي للهدية يامشيرة.
فنظرت له مشيرة برغبة وهي تداعب عنقه:
- المهم الهدية تكون عجبتك يا كريم.
فأبتسم وهو ينظر لهديتها الأنيقة:
- أكيد عجبتني.
ونظر إلى يد مشيرة التي انتقلت من عنقه لصدره، فتجمدت عيناه على يدها، وأنتفض من محاصرتها.
- لازم أمشي.
ورحل دون أن يلتفت لها، لتنظر مشيرة له وهي تبتسم، فطريق وصولها له قد أقترب.
***
أنهت ترتيب محل البقالة، فشيكا يفتحه بالصباح وهي عندما تعود تستلمه منه كالعادة.
لم تكن تهتم كثيراً بفتحه ليلاً، ولكن عندما رحلت ورد أصبحت تفضل الجلوس به إلى أن ينتبهها النعاس وتغلقه وتصعد للنوم.
وقفت تحكم غلق المحل بإرهاق، وألتفت تنظر إلى سيارة جاسم الواقفة أسفل البناية.
فجاسم جاء اليوم ليطمئن على صحة والد مرام السيد عادل بعد أن علم بمرضه.
يومها أصبح عمل بالصباح بالشركة وبعد أن تعود تحمل طعامها وتجلس في المحل تأكل.
واتجهت إلى مدخل البناية، ولكن صوت حسين أوقفها.
- مهرة.
وأقترب منها لتتسأل:
- خير ياحسين؟
فأبتسم ليطمئنها، ونظر لها طويلاً قبل أن يخبرها بغبطة:
- في عريس صديقي عايز عروسة.
وتابع وهو يصيغ باقي كلماته:
- بصراحة مش هلاقي أحسن منك ليه.
كلماته كانت كالطعنة، حسين يأتي بعريس لها.
بل ويرشحها له، أرادت أن تصرخ بوجهه، ولكن ماذا ستقول؟ هل ستصرخ بالرجل الوحيد الذي رسمت معه أحلامها وانتظرت قدومه؟
ورطبت شفتيها بلسانها ونظرت إليه وهي تستجمع قواها.
وطعنة أخرى جاءت منه قبل أن تخبره بعدم رغبتها في الزواج.
- مهرة، خديها نصيحة من أخ، إنتي دلوقتي لازم تتجوزي، إنتي بقيتي عايشة لوحدك بعد ما ورد اتجوزت وسافرت.
لم تكن ضعيفة يوماً لتقف كالمستمعة، ولكن حسين هو من يطعن فؤادها، من كان يسندها ويشعر بها هو من يخبرها دون شعور بكلماته تلك.
تعجب حسين من صمتها.
- مهرة، إنتي معايا؟ أوعي تكوني زعلتي مني.
فلمعت عيناها وتنفست ببطء وكادت أن تنطق أخيراً، لتسمع صوت جاسم خلفها بعد أن خرج من بنايتهم.
- مهرة.
فألتفت نحوه لتجده يحدق بهم بجمود، وتقدم حسين يصافحه، فقد ألتقوا مسبقاً في زفاف ورد.
ولم تشعر بنفسها إلا وهي تمسك يد جاسم وتخبر حسين:
- أنا وجاسم هنتخطب قريب.
ونظرت لجاسم الذي تجمدت نظراته على يدها المرتعشة التي أمسكت يده.
وكأن القدر يلعب لعبته معه اليوم.
ينهي ارتباطه برفيف وتأتيه مهرة كالتفاحة المقشرة دون جهد.
وتجمدت ملامحه وهو يطالع الشخص الواقف أمامه، وقد فهم السبب.
وأبتسم داخله وهو يحادث نفسه:
"عجبتني أوي اللعبة يامهرة".
فتهللت أسارير حسين، وقد أوجعتها سعادته بذلك.
- مبروك يامهرة، مبروك سيد جاسم.
ليرسم جاسم ابتسامة جامدة على شفتيه وهو ينظر لها كيف بهتت ملامحها عندما رأت سعادة حسين على وجهه.
وأتسعت حدقتا عيناها وهي تسمع ما تفوه به:
- خطوبة إيه بقى ياحبيبتي؟ إحنا هنتجوز على طول.
رواية لحن الحياة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهام صادق
اخترقت الكلمة أذنيها، ظنت أنه يسخر أو يكمل تمثيليته، ولكن نظراته كانت لا توحي إلا أنه جاد بالأمر.
وعندما وقف عقلها عند تلك النقطة، ازدادت ضربات قلبها وشعرت بيده تضغط على يدها بعد أن سأل حسين:
- كده تسبيني يا مهرة أقولك على العريس؟
وتابع بمحبة:
- عشان كده زعلتي مني وأنا بتكلم عن العريس.
ونظر إلى جاسم معتذراً:
- بعتذر منك يا سيد جاسم، بس مهرة مقالتش لحد الخبر ده.
فنظر جاسم إلى مهرة التي رفعت عيناها نحوه، وكادت أن تنهي تلك المهزلة إلا أن وجدت حسين بعلو صوته يهتف بأحدهم:
- واد يا حمادة انده الحاج من جوه الورشة ييجي يسلم على السيد جاسم خطيب الأستاذة.
وفي غمضة عين خرج البعض من الشرفة يتابع، وآخرون وقفوا يهنئون. وانتشر الأمر وهي لا تفعل شيئاً إلا أن تتقبل التهنئة بصمت وصدمة.
وحدقت بهدوئه العجيب، فكيف لرجل خاطب بأخرى يتقبل هذا بل ويقبل التهاني وكأن بينهم شيء.
وقضمت على شفتيها بقوة وهتفت بداخلها:
- اللعبة اتقلبت عليكي يا مهرة.
***
نزلت من سيارة أكرم تنظر إليه ثم إلى فيلا جاسم.
فبعد ما حدث انصرف من أمامها وكأن شيئاً لم يحدث، وتركها تتخبط في أفكارها.
وقررت أن تهاتف أكرم يأتي إليها ليصطحبها إلى بيته فالوقت اقترب من منتصف الليل.
حتى أكرم تعجب من الأمر، ولكن إلى الآن لم يعرف بأي شيء.
ففور أن جاء إليها صعدت معه سيارته لينطلق بها إلى وجهتهم.
وكلما سألها عن سبب ذهابها في ذلك الوقت، كانت تقضم أظافرها بعنف تخبره:
- بعدين يا أكرم هقولك.
وها هي تتحرك صوب الباب لتقرع الجرس، وبعد دقائق كانت الخادمة تقف متعجبة من قدومها في تلك الساعة.
- مهرة.
فنظرت مهرة لهدى بأمور، فما ستظن بها؟
- خير يا حبيبتي في إيه؟
فتسألت وداخلها يتأكل من الغضب:
- جاسم بيه هنا، عايزاه في أمر ضروري.
فرحبت بها هدى التي كانت تستعد لذهابها لغرفتها والنوم:
- ثواني هدخل أبلغه بوجودك.
واتجهت هدى نحو غرفة مكتبه.
فوقفت مهرة تنتظر قدومه وسمعت صوت هدى:
- ادخلي له غرفة المكتب، مستنيكي.
***
يقف أمام شرفته يطالع الظلام الذي أمامه شارداً في الصور التي أتته بالصباح.
رفيف بحضن رجل يتبادلون القبلات في بهو أحد الفنادق في دبي، التي ذهبت إليها من أجل رحلة عمل كما أخبرته، ولكن رحلة العمل قد ظهرت حقيقتها.
فأحد أحبابه التقط الصور وبعثها لها.
أزال دبلتها اليوم عن إصبعه بقلب مرتاح، فاليوم اكتشف أن حياته لن تكن مع رفيف.
اليوم رغب أن يسير وراء قلبه ويترك مشاعره مع مصيبة الرأس التي اقتحمت عالمه.
ولكن هي استخدمته كوسيلة في رد كبريائها أمام من أحبت.
وتمتم ساخراً بصوت هامس:
- بتلعبي بيا يا مهرة، بس للأسف لعبتي مع الشخص الغلط.
وسمع خطوات أقدامها بعد أن دخلت غرفة مكتبه وصوت أنفاسها يعلو.
وألتف نحوها بجمود:
- إيه الموضوع المهم اللي عايزاني فيه؟
فنظرت إليه وهي تقبض على يديها بقوة:
- إزاي تقول إننا هنتجوز، إزاي تستغل الموقف؟
فعلت صوت ضحكاته وأبتسم بتهكم:
- استغل الموقف، ولا استغل اللعبة اللي لعبتيها على حبيب القلب.
فتنهد بيأس، ففي النهاية هي الحمقاء.
- أنا مكنتش أقصد، كانت ذلة لسان عشان...
ولم تستطع أن تعري نفسها أمامه.
فماذا ستقول له؟
أتخبره أنها أرادت أن ترد كبريائها من كلمات حسين به، ولكن كيف أقحمت رجلاً كجاسم في الأمر.
ووجدته يقترب منها ببطء وعيناه تتفحصها:
- عشان إيه، قولي يا مهرة ولا مكسوفة تقولي إن حبيب القلب اللي استنتيه رجع متجوز؟
لم تجد رد تخبره به وهي تصارع ضربات قلبها وأنفاسها.
- ردي.
فعضت على شفتيها حتى أدمتها ورفعت عيناها نحوه:
- أنت راجل هتتجوز قريب من سيدة مجتمع، وأنا غلطت لما حطيتك في الموقف ده.
وتابعت برجاء:
- انهي عقد عملي في شركتك وأنا هتصرف وأقول محصلش نصيب، وكل واحد يرجع لحياته.
فتمتم بتهكم وهو يدور حولها:
- كل واحد يرجع لحياته، طب واللعبة اللي لعبتيها على جارك؟
كانت قواها قد استنفذت جميعها فصرخت بضيق:
- لعبة وخلصت خلاص، أنا أستقيل والحكاية تنتهي بسيطة، إيه المشكلة؟
فضحك وهو يدور حولها وقد لمعت عيناه بمكر:
- المشكلة إن اللعبة عجبتني وعايز أكملها.
وتابع ساخراً:
- وإنتي عارفاني لما بيعجبني حاجة.
فصدح صوتها وهي تبتعد عنه:
- دي كذبة وإنت عارف سببها.
فأبتسم وهو يتفحص وجهها المحتقن:
- كذبة كذبتيها واتحملي نتايجها، عشان بعد كده تختاري الناس اللي تعرفي تلعبي معاهم وتستخدميهم يا حضرة الأفوكاتو.
علمت من نطقه لهذا اللقب أن جاسم الشرقاوي بغروره وعنجهيته قد عاد ثانية، ويبدو أن هذا نتائج خطبته برفيف.
وعندما جاء بذهنها اسم رفيف أبتسمت وقررت أن تسير معه في نفس الطريق:
- ما أظنش رفيف هانم هتعجبها الحكاية لما الخبر يتنشر في الشركة.
فضحك وهو يطالعها:
- أنا ورفيف انفصلنا.
ألجمها الخبر، لتتسع عيناها وتجاوزت صدمتها سريعاً لتطالعه بجمود:
- هستقيل من شركتك وهتقبل استقالتي، واللعبة اللي عجبتك هنهيها.
وخطت للخارج.
وقد فاض بها كل شيء، فلم تعد تتحمل وليحدث ما يحدث.
وسمعت صوته الساخر:
- بلاش تهدديني يا مهرة، جوازنا آخر الشهر.
ولم تشعر بنفسها إلا وهي تجلس في سيارة أكرم:
- روحني على البيت يا أكرم.
ورغم رغبة أكرم في معرفة ما يحدث إلا أنه فضل الصمت حالياً.
***
يداه كانت تتحرك على خصلات شعرها وهي نائمة بجانب جواد، كانت تشعر بأنفاسه القريبة منها.
وشعرت بجسدها يرفع لتجد نفسها بين ذراعيه يحملها نحو غرفتهما.
- أعرف إنك مازلتي مستيقظة يا ورد.
ففتحت عيناها تطالعه بوجع تريد أن تسأله هل سيتركها كما ترك سيلا وتخلى عنها بعد أخذ منها ما أراد.
فقد علمت من والدته أن حياة كنان كانت لا تخلو من المتعة والنساء، رجل لديه أموال كثيرة يسافر الكثير من البلدان، حتى أنها أخبرتها عن النساء اللاتي مروا بحياته وحلموا بالزواج منه ولكن فور أن يمل منهم يتركها وهي ستنضم لهم قريباً.
شردت في الجملة الأخيرة التي ألقتها عليها والدته بعد أن أخبرتها أنه تزوجها هي:
- تزوجك لأنه يعلم بأنه لن يحصل عليكي غير هكذا.
مازالت صدى جملتها في عقلها وصوت ضحكاتها في أذنيها.
- ما الأمر بكي يا ورد، أخبريني يا ورد بما يقلقك.
وجدته يضعها على الفراش برفق وهو يتساءل، ولكن ما زالت ستقول له، وأشاحت وجهها بعيداً عنه:
- أنا مازلت أتأقلم على الحياة هنا وأفتقد مهرة كثيراً.
وشهقت ببكاء لتجده يسرع في ضمها إليه:
- أعلم حبيبتي، ولكن لابد أن تشاركيني معك لا تصمتي وتبتعدي عنها.
ومال نحو عنقه يلثمه بقبلات صغيرة متفرقة.
ليجدها تبتعد عنه:
- أريد أن أنام.
فأبتعد عنها وهو يحدق بها مذهولاً مما فعلت.
***
دعته على العشاء في أحد المطاعم المعتادين الذهاب إليها، قررت أن تتجمل اليوم وتظهر كالأنثى لعله يتأكد أن رقية قد كبرت ولم تعد الفتاة الصغيرة التي غمرها الكثير بالحب والدلال لفقدانها لوالدتها.
اليوم هو عيد ميلاده، عيد ميلاده الذي لا يحب الاحتفال به، ولكن مع إصرارها وإلحاحها يخضع كالعادة.
كانت تنتظره في المطعم وقد فضلت أن تأتي بمفردها دون صحبة.
عيناها لم تتحرك عن باب المطعم وملت من مطالعة كل من يردف، فقررت أن تنظر للناحية الأخرى وقد أعجبها مشهد لزوجين بجانبهم طفلهم الصغير.
ولمعت عيناها وهي تتمنى حياة هكذا مع من تحبه ولا ينظر إليها إلا شقيقة وابنة الخالة اليتيمة.
وعادت تطالع الباب لتجده يردف للمطعم ووقعت عيناه عليها وهو لا يصدق أن تلك الفاتنة هي رقية.
لا يعلم ما تغير بها، ولكن اليوم بها شيء مختلف.
ربما تكون عيناها التي لأول مرة تكحلها بالكحل الأسود، أم ماذا مراد؟
كان هذا يدور بخلده وخطي ببطء نحوها وقد ارتبكت من نظراته وأشاحت وجهها بعيداً عنه بخجل.
وهتف بداخلها وهي تقدم منها:
"آه يا مهرة منك، خلتيني أفكر برقية الطفلة، رقية اللي ربيتها على إيدي وكبرت قصاد عيني".
ورسم ابتسامة هادئة على شفتيه عندما وجدها تنهض من فوق مقعدها:
- اتأخرت عليكي.
فحركت رأسها وهي تبتسم ولأول مرة يشعر كالمغيب أمام ابتسامتها.
وأسئلة كثيرة تدور بعقله:
"لماذا اليوم ينظر للرقية وكأنه يكتشفها؟ أيعقل بسبب تفكيره الأيام الماضية بحديث مهرة الذي جاهد ليتخطاه حتى أنه بسببه ابتعد عن رقية واللقاء بها في الفترة الماضية؟"
وجلسوا لتنظر إليها بحب:
- كل سنة وأنت طيب.
فتنحنح مراد وهو يداعب شعره:
- وإنتي طيبة يا رقية، قوليلي أخبارك إيه وأخبار عمي مسعود إيه؟
فنظرت له بعتاب:
- بابا زعلان منك عشان بطلت تيجي عندنا وتسأل.
فتنهد لتعاتبه:
- ليه بطلت تسأل عني يا مراد؟
فنظر إليها بأسف:
- الشغل بقي واخد كل وقتي يا رقية.
وتابع وهو يبتسم ويلطفها:
- ليكي عليا بعد امتحاناتك نسافر دبي عند ميادة.
فأتسعت ابتسامة رقية كالأطفال، ميادة ابنة خالتها وشقيقة مراد.
وابتسم وهو يطالعها وجاء النادل يأخذ طلباتهم وقامت هي بطلب ما تعرف أنه يحبه ثم غمزت للنادل الذي فهم غمزتها.
ليتسأل ضاحكاً:
- ماشاء الله بقيتي حافظة كل حاجة بحبها.
فرفعت كتفيها بغرور مصطنع:
- طبعاً طبعاً.
فضحك وهو يعقد حاجبيه:
- وبتغمزي للجرسون وأنا قاعد كمان.
فأتسعت ابتسامتها فقد لاحظ الأمر وهتفت بارتباك:
- دي غمزة بريئة متاخدش بالك.
فتمتم وهو يطالع ارتباكها:
- نعديها مدام غمزة بريئة.
فضحكت بخفوت ورفعت هديتها من أسفل الطاولة.
لتقدمها له بعشق:
- دي هديتي، أتمنى تعجبك.
وتابعت وهي تعطيه الهدية:
- كنت عايزة أقدمهالك بعد العشا، بس عايزة تشوفيها وتفتحيها ومش قادرة أصبر.
فتفهم الأمر وهو يضحك، وفتح الهدية ليجد صورته التي كانت ترسمها له وقد انقطع في الذهاب إليها.
ويبدو أنها أكملت اللوحة من خيالها.
وياله من خيال، لهذا الدرجة تراه جميلاً.
وأنتظرت رد فعله وظنت أن هديتها لم تعجبه فعبست بوجهها.
ليطالعها مراد وقلبه يخفق بقوة:
- لدرجة إني جميل كده يا رقية؟
فحركت رأسها وعيناها تلمع بالحب.
وكانت هذه البداية.
***
يومان مرا ونفذت ما أخبرته به.
قدمت استقالتها لـ منى دون أن تدخل له مكتبه.
- بتتحديني يامهرة.
ولمعت عيناه وهو يفكر. ليجد ياسر يقتحم مكتبه بعد أن طرق الباب.
- رفيف اتصلت بيا عايزة تكلمك. بتقولي مبتردش على اتصالاتها.
وتسأل.
- هو في إيه. مش فاهم.
فحدق جاسم بالأوراق التي أمامه بجمود.
- أنا ورفيف انفصلنا.
وعندما رغب ياسر أن يعلم السبب.
- دلوقتي أنا عايزك في موضوع.
وأتسعت أعين ياسر وهو يستمع لكل ما يخبره به.
- عايز تنزل صورة ليكم وميعاد جوازكم بمين.
فتنهد جاسم بضيق.
- بـمهرة يا ياسر وركز معايا.
وتابع بجمود.
- في فرح كنان كمال الدين كان في مصور أخد ليها معايا صورة وإحنا في الحفل.
وأشار له بجدية.
- تجيب لي الصورة دي وتشوفي لو في صور تانية جمعتني بيها في الحفل.
وتذكر كيف كان قريب منها يومها وابتسم.
ليقف ياسر متعجبا من الأمر ومما يسمع. فما زال لا يصدق ما أخبره به.
زفر كنان أنفاسه بضيق بعد أن أعطى لسكرتيرته الأوراق التي وضع إمضته عليها.
لينظر له بشير صديقه.
- ما الأمر كنان. أهذا وجه أحد متزوج حديثا.
وضحك وهو يتأمل صديقه.
- وأنا اللي كنت أفكر أن أتزوج مصرية مثلك. لقد غيرت وجهة نظري.
فنهض كنان من فوق مقعده يحك ذقنه بحنق.
- لا تمزح بشير.
ليقف بشير خلفه يربت على كتفه.
- سافر كنان مع زوجتك واقضوا يومان بمفردكم. ألم تخبرني أن السيدة فريدة تقيم معكم.
فضاقت عين كنان وهو يتذكر والدته التي تعشق السفر من بلد لأخرى وتحب أن تعيش بمفردها.
ونظر لصديقه بعمق وهو يتذكر أمر الأعمال المتراكمة عليه حالياً.
- انتهي فقط مما أنا فيه وسأبتعد بها قليلاً.
ترمقها فريدة بنظرات باردة لا تعرف لما تكرهها هكذا رغم أنها حاولت التقرب منها.
واشاحت وجهها بعيداً عن نظراتها لتندمج مع جواد في بيت الألعاب خاصته.
وضعت سهير المجلة التي دوماً تحب أن تقرأها وأبتسمت بتهكم لأكرم الجالس أمامها يراجع بعض حسابات المتجر خاصتهم.
- شوف الخبر ده.
وضحكت بتهكم.
- وأحنا اللي فاكرينها مالهاش في الحاجات دي. طلعت خبيثة. ولافت على الراجل وهو خاطب ومش خاطب أي حد. دي بنت ناس تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك.
لم يفهم أكرم ما تتفوه به والدته.
- انتي بتتكلمي على مين يا ماما.
فألتقطت سهير المجلة تفتحها أمامه.
- أختك يا حبيب أمك.
فتناول أكرم المجلة منها وأتسعت عيناه وهو يرى صورة مهرة بجانب جاسم في حفل زفاف ورد وخبر موعد زواجهم. وبالطبع بعض الكلمات أسفل الصورة عن تعجبهم لفسخ جاسم الشرقاوي خطبته من خطيبته السابقة والتي وضعوا صورتها هي أيضاً.
- مهرة مش معقول الخبر ده. أكيد في حاجة.
لتلوي سهير شفتيها بأستياء.
- أنا زيك مصدقتش لما شوفت الخبر على النت. قولت لازم أتأكد. قال مهرة ترتبط بواحد زي ده.
وامتعضت وهي تنظر لأكرم الذي ظل محدقاً بالمجلة.
- ده الخبر في أغلب مجلات المشاهير.
وتمتمت بضيق.
- بنات زينب بقوا من المشاهير. يا فرحتك بولادك يا سهير.
ونظرت لأكرم وهي تتذكر الفتاة التي يرغب بخطبتها.
- اصرف نظر عن البنت اللي عايز تخطبها. أنا لازم أجوزك بنت حد مهم. مش مجرد موظف على قد حاله.
لم يكن أكرم يستمع لها. فقد كان عقله منشغل بشقيقته التي لم تخبره بشيء. وتذكر آخر لقاء بينهم عندما اصطحبها إليه وأصبح بعدها يطمئن عليها بالهاتف لأنشغاله في جلب بضاعة لمتاجره.
وألتقط مفاتيح سيارته وركض خارج المتجر وصوت سهير يعلو باسمه.
- يا أكرم.
وجلست على المقعد الذي كان يجلس عليه وأبتسمت بسخرية.
- أكيد حصل بينهم حاجة.
ووضعت يدها على ذقنها.
- عشان كده رفضت الحج صبحي.
وتذكرت زوجها لتلتقط هاتفها وعيناها تلمع بخبث.
- لازم عزيز يعرف بفضايح بنته.
رتبت مهرة البضاعة على الأرفف ثم جلست على المقعد بداخل المحل تبتسم براحة.
- الأيام عدت أهي ومقدرش يعمل حاجة. كان فكرني بتهدد.
وأتسعت عيناها وهي تتذكر أكثر نساء حيهم ثرثرة.
- النهاردة هروح أقعد مع الست جملات رويتر الحارة وأقولها أن محصلش نصيب. وهي إيه ماهتصديق تزيع الخبر.
وزمت شفتيها بضيق.
- منك لله يا حسين فضحتني.
وأرتشفت من كأس الشاي بحنق.
- مش عارفة هفضل أعمل شاي طعمه وحش لحد إمتي.
وتابعت بحزن.
- فينك يا ورد.
وانتفضت فزعا وهي تجد أكرم يردف لداخل المحل يقذف لها المجلة.
- مالك يا أكرم.
ليزفر أنفاسه بقوة وهو يمسح على وجهه.
- افتحي المجلة وهتعرفي.
فوضعت كأس الشاي الذي كانت ترتشف منه جانباً ثم ألتقطت المجلة لتفتح أول صفحاتها لتتجمد عيناها على ما تقرأه.
ورفعت عيناها نحو أكرم ثم عادت تحدق بالخبر.
تباطأت مشيرة في خطواتها وهي تدخل لبهو الشركة التابعة لمجموعة الشرقاوي بكندا.
واردفت لغرفة السكرتيرة الخاصة بكريم فلم تجدها.
فقررت أن تدخل إليه دون أن تنتظر. وفتحت الباب لتجد كريم منحني نحو مرام يدلك لها رأسها من أثر الصداع ومرام تغمض عيناها.
لتتجمد عيناها على ذلك المشهد.
- هاتي الأسبرين والميه يا مايا.
كان يظنها سكرتيرته فالتف بعينيه نحو الباب ليجد مشيرة واقفة تنظر إليهم.
- مشيرة.
ففتحت مرام عيناها على الفور. ونظرت نحو مشيرة الصامتة وهتفت بألم اصطنعته.
- راسي وجعاني أوي يا حبيبي.
أبتسم جاسم بزهو عما قرأه رغم أنه عنف من كتب تلك الأسطر. فهو لم يكن يريد إلا صورتهم ثلاثتهم وفسخ خطبته برفيف وموعد زواجه بمهرة.
لينظر له ياسر بغرابة.
- أول مرة أشوفك بتصرح بحاجة خاصة بحياتك. طول عمرك بتبعد حياتك الشخصية عن الصحافة.
ليحدق جاسم بالفراغ الذي أمامه. فهي من جعلته يفعل هذا. فكلما تذكر كيف كانت نظرتها لحسين تشتعل النيران بداخله.
شرحت لأكرم كل شيء ورغم غضبه بما فعلته بنفسها إلا أنه أخبرها أنه معها دوماً.
ورن هاتف أكرم ليتعجب من اتصال والده ولكنه أدرك أن والدته بالتأكيد أخبرته بالخبر فقرر أن ينصرف بهدوء.
- مهرة أنا ورايا دفع فواتير وحاجات هخلصها وارجعلك على بليل نفكر مع بعض ماشي يا حببتي.
ورغم مابها إلا أنها ابتسمت له.
- ماشي يا أكرم هستناك بليل.
وانصرف أكرم بعد أن مسح على وجهها بحنان.
لتقف تطالعه وهو يغادر بسيارته. وعادت تجلس على المقعد وعيناها تطلق شرراً. تود أن تلكمه.
وقبضت على يديها بقوة. لتجد حسين يردف إليها.
- هو الخبر ده صحيح يا مهرة. جوازكم فعلاً آخر الشهر.
فأبتلعت ريقها وتنفست ببطء قبل أن ترفع عيناها نحوه وكادت أن تخبره بأن الخبر غير صحيح.
ولكن سؤال ظل يلح على عقلها تريد أن تعرف إجابته. حسين سعيد جداً بأمر خطبتها المزيفة وموعد زواجها وكأن كلمة أحبك التي أخبرها به في جوابه وسط كلمات الوداع لا شيء. وحدقت به للحظات تسأله.
- أنت حبيت مريم يا حسين.
فأجابها على الفور.
- أكيد حبيتها أومال اتجوزتها ليه.
وأجاب على السؤال الذي كان على طرف شفتيها.
- تعرفي يا مهرة أنا حبيت مريم لأني حسيتها شبهك.
وابتسم وهو ينظر لها.
- مريم كان ليها مواقف في هولندا معايا عجيبة. ديما كنت ألاقيها واقعة في مشكلة.
وضحك وهي تشرد في إحدى لقاءاته بمريم.
- يوم ما حبيتها قولتلها انتي بتفكريني بأنسانه غالية عليا.
وتابع وهو ينظر لها مبتسماً.
- كانت فكراني بتكلم عن حبيبتي. بس فهمتها أن انتي زي هناء وهنية أخواتي.
وابتسم بحب لزوجته.
- حبنا بدأ يكبر يوم بعد يوم. لحد ما عرضت عليها الجواز.
غصة مؤلمة تحجرت في حلقها. حبه لها كان كالشقيقة.
أردفت لغرفة مكتبه تحت نظرات منى التي كانت عيناها تسألها أهذا الخبر صحيح أم لا.
فمنذ وصولها للشركة والكل ينظر إليها بتعجب.
جاسم الشرقاوي ترك خطيبته الحسناء ليرتبط بهذه.
تعلم تماماً أن هذا ما يدور بخلدهم.
وتجمدت عيناها وهي تنظر إليه كيف يجلس ببرود يحتسي قهوته ومسترخي على مقعده. وأغمضت عيناها كي تهدأ قليلاً.
- أكيد كنت عارف بموضوع الصورة قبل ما تتنشر في المجلات.
فأبتسم جاسم وهو ينظر لها. كان يعلم تماماً أنها لن تقبل أن تدخل اللعبة دون قيد. وها هو أحكم القيد عليها وجعل الجميع يعلم بخبر زواجه منها. ومع صورة التقطت لهم في عرس ورد أصبح كل شيء مهيأ له.
- حد من معارفي حب يهاديني. أقوله لأ.
فضاقت عيناها بجمود وهي تنظر لبروده. منذ تلك الليلة التي أخبرته فيها أنها استخدمته لرد كبريائها أمام حسين وهو يتعامل معها هكذا. وأشاح بوجهه بعيداً عنها.
- وزي ما انتي رديتي كرامتك قدام جارك.
وتابع ساخراً.
- حب الطفولة. أنا كمان ردت كرامتي لخيانة رفيف.
وألتقطت عيناهما في صمت إلى أن.
- لعبتها صح يا جاسم يا شرقاوي.
فضحك جاسم ببرود قاتل.
- أنا راجل أعمال ومينفعش خصمي يرمي ليا خيوط اللعبة ومستغلهاش.
فألتمعت عيناها بجمود.
- نفس جاسم الشرقاوي اللي قابلته أول مرة. غرور أصحاب السلطة والفلوس.
فظهرت ابتسامته وهو ينتظر أن تكمل سبها.
- هتستفاد إيه لما تتجوزني.
فأرتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه ودنى منها.
- قولتلك ردت كرامتي زيك بالظبط.
فخطت للخلف وهي تحدق به.
- وأنا موافقة نلعب اللعبة دي سوا.
رواية لحن الحياة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهام صادق
وقف جواد يأخذ أنفاسه بصعوبة وهو ينظر إلى كنان.
- ورد تبكي.
وتابع بأعين خائفة:
- أنا فريدة جعلتها تبكي.
لينحني كنان نحو جواد بحب يضمه إليه.
- أين ورد يا جواد؟
فأشار له الصغير نحو الأعلى. ليصعد كنان الدرج بخطوات مهرولة، وفتح غرفتهما فوجدها تدفن وجهها في الوسادة.
وأقترب منها يسألها:
- ما بكِ يا ورد؟
فانتبهت لقدومه ورفعت عيناها نحوه بألم، وأخذت تطالعه بصمت. صمت أصبح دائمًا منها. ليهتف بغضب:
- أجيبيني يا ورد، لأنني لن أتركك اليوم قبل أن أعرف سبب هجرك لي.
حدقت به بألم وحيرة. ماذا ستقول له؟
هل ستقول إن والدته هي السبب أم تصمت؟
وعندما لم يجد إجابة، تجمدت عيناه نحوها.
- جهزي أغراضك، سنذهب إلى مصر.
وتركها دون كلمة. لتتجمد حركة يداها وهي تهتف بأنفاس ضائعة:
- كنان.
طيلة رحلة سفرهم لا يتحدث معها. دموعها تنساب دون توقف، تظن أنه سيعود بها لوطنها ثم سيطلقها.
فبالتأكيد قد انطفأت رغبته بها عندما لم يجد منها نفعًا.
أفكار وخيالات تقتحم عقلها. وكلما قررت أن تتجاهله، تجد ملامحه باردة فتعلم أن كل شيء قد انتهى سريعًا.
كان داخله يضحك على فهمها الخاطئ لأمر ذهابها إلى مصر. وكل لحظة وأخرى يختلس إليها النظرات ويشعر أنه يريد أن يخبرها سبب ذهابهم.
كانت جالسة تحدق بالحائط وعقلها يدور في زواجها من جاسم. أحكم القيد عليها من كل اتجاه.
جعل الجميع ينتظر زيجتها.
زوجة أبيها لا تصدق كيف شخص كجاسم يتزوجها. وأهل حيها.
الكل ينظر إليها أنها لا تليق بزوج كهذا.
ونهضت بفتور بعد أن سمعت طرقات على الباب.
فظهر لها أكرم:
- ساعة عشان تفتحي.
فالتفت بجسدها عائدة إلى جلستها.
- أعمل لك مفتاح يا أكرم وريحني.
فضحك أكرم وهو ينظر خلفه بمكر.
- شوفتي أختك يا ورد؟
فتمتمت دون تصديق وهي تلتف بجسدها نحوهم.
- ورد.
لتركض ورد إليها بسعادة وتحتضنها بقوة. لحظات مرت وهم في أحضان بعضهم.
ليقترب منهم أكرم يحيطهم بذراعيه.
- والله هعيط يا جماعة.
فوكزه أكرم بخفة بعد أن ابتعدت عن ورد ومسحت دموعها. لتحدق بشقيقتها وملابسها.
فورد أصبحت جميلة جدًا، جمالها ظاهر من لمعة عينيها. كما أنها ترتدي ثيابًا فاخرة محتشمة وكأنها مصممة خصيصًا لشقيقتها.
- وحشتيني يا مهرة.
وعادوا ليحتضنوا بعضهم مرة أخرى. ليهتف أكرم وهو يتجه صوب الباب.
- هنزل أجيب الشنط من تحت لحد ما تخلصوا عياط وأحضان.
وألقى عليهم نظرة أخيرة فهم حتى لم ينتبهوا لحديثه.
نظر مراد للرقية بصمت وهي تخبره عن سعادتها بزوج مهرة من جاسم.
- مهرة دي جميلة تستاهل كل حاجة حلوة.
لم تنس رقية معروف مهرة معها عندما أتاحت لها فرصة التصوير في الحملة الخاصة بجاسم الشرقاوي والتي جعلت لها اسمًا مميزًا.
كان مراد يسمعها وهو يتساءل داخله لما لم يحزن عندما علم بخبر الزواج المرتقب والذي كان مفاجئًا للجميع وقد أدهشهم. فالكل يتساءل كيف جاسم الشرقاوي يربط اسمه بفتاة بسيطة تعمل لديه وقد ترك خطيبته الحسناء.
وأبتسم وهو يجد رقيه تقفز من جلستها.
- أنا شامة في ريحة أكل محروق.
فاتسعت عين مراد وهو يتذكر زوج خالته السيد مسعود الذي قرر أن يفاجئهم بأكلة جديدة من صنع يديه. وضحك وهو يطالع رقيه وهي تركض لوالده. فذهب خلفها ونظر لهم.
- أنا بقول أعزمك على الأكل بره.
أنهى اتصاله مع صديقه والذي يعد شقيق رفيف.
ريان صديقه كان متفهمًا للأمر ولكنه أراد توضيحًا لكل ما يحدث. ولكن عندما اتضحت له الصورة صمت وتمنى له السعادة بحياته الجديدة.
وفاق من شروده على صوت هدي وهي تخبره بابتسامة هادئة.
- جاسم بيه في ضيف مستنيك بره اسمه كنان كمال الدين.
ليتخطاها جاسم بصمت. فقد تفاجأ بمجيء كنان إليه.
كان كنان يقف يتأمل المنزل إلى أن سمع صوت جاسم المرحب.
- أهلاً كنان.
فأبتسم كنان وهو يمد يده يصافحه.
- منزلك رائع يا جاسم.
فأبتسم جاسم على مجاملته.
- مجاملة لطيفة منك. اتفضل.
وأشار إليها بأن يجلس ثم تساءل.
- تحب تشرب إيه؟
فتمتم كنان بهدوء.
- لا شيء يا جاسم. أريد أن أتحدث معك بخصوص مهرة.
فحدق به جاسم بصمت وانتظر أن يستمع إليه.
- مهرة أصبحت كشقيقة لي يا جاسم.
فأبتسم جاسم بهدوء وهو سعيد من توصية كنان ووقوفه مع مهرة. الكل خائف عليها منه. أكرم وكنان وأيضًا مراد. وكأنهم يظنون أنه سيعاملها بسوء أو أنها مجرد نزوة في حياته.
ضحكت ورد وهي تجيب على كل سؤال تسألها مهرة فيه عن حياتها وكيف يعاملها كنان. حكت لها كل شيء يفعله من أجلها. حتى أنه عندما علم بخبر الزواج جاء بها لها وقد ظلمته وهي تظن أنه سيتركها. وألتمعت عيناها بحب. فكل يوم تزداد عشقًا له.
- مهرة أنتِ عمالة تسأليني عن نفسي.
وغمزت لها بعينيها.
- ولحد دلوقتي مش راضية تقوليلي جاسم عرض عليكي الجواز إزاي؟
وتابعت بحالمية.
- قوليلي امتى اعترفتوا لبعض بمشاعركم؟
فنظرت لها مهرة بارتباك وأشاحت بوجهها بعيدًا عنها.
- ورد روحي اتصلي بجوزك اطمني عليه.
فضحكت ورد على أفعال شقيقتها وهي تظن أنها تخجل من الاعتراف ولا تعلم أن لا يوجد شيء تخبرها به. زواج أتى من لعبة كبرياء.
وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهتفت داخلها.
- بلاش تعرفي حاجة يا ورد.
لتجد ورد أمامها تحدق بتفاصيل وجهها وتصفق بسعادة.
- أكيد افتكرتي جاسم ووحشك صح؟
فتجمدت ملامحها عندما تذكرت اسمه. ونظرت إلى شقيقتها.
- اتصلي بجوزك خليه يجي ياخدك.
لتتعالى ضحكات ورد.
- بتتكسفي يا مهرة؟
ولم ينجد ورد إلا مجيء كنان واندفاع ورد لأحضانه.
لتلمع عين مهرة بسعادة وهي تتمنى أن تحظى بيوم بمثل ذلك.
لتأتي صورة جاسم فتنفض رأسها سريعًا من تلك الأفكار.
اقترب موعد الزفاف ولم يتبقى عليه سوى يومين.
طيلة الأيام السابقة أغلقت هاتفها حتى لا يحادثها جاسم أو أحد. وكانت اتصالات جاسم تأتيها عن طريق ورد أو مرام التي أتت هي وكريم لحضور حفل الزفاف.
كانت تستمع لورد ومرام وهي تلوي شفتيها بتهكم وهم يحضرون لها حقيبة ملابسها ويضعون لها ملابس هي لن ترتديها من الأساس. فقد أخبرته يوم أن وافقت على عرضه لن يحدث بينهم شيء.
وضحكت وهي تستمع لثرثرة مرام مع ورد تسألها.
- هو كنان زي أي زوج مصري يا ورد ولا كل الرجالة شبه بعض؟
لتسمع مهرة تنهيدة شقيقتها.
- كنان هو في زيه.
لتتنهد مرام هي الأخرى بحالمية. لتقترب مهرة منهم باستياء.
- ما شاء الله عليكم. فين الكسوف والخجل؟
لتضحك مرام وهي تنظر لمهرة.
- بكرة اللي زينا كده.
ونظرت لورد لتغمز لها ثم انفجروا ضاحكين وهم يرون مهرة تتجه نحو الباب ترتدي حذائها.
- أنا هنزل أقعد في المحل.
وأشارت نحو مرام.
- ياريت تبطلوا رغي. واطلعي لجوزك فوق.
ونظرت لورد التي تقف تضحك.
- وانتي روحي اتصلي بكنان اطمني عليه.
لتغلق الباب بقوة بعد أن غادرت. فتنظر كل منهما للأخرى وعادوا يضحكون على أفعالها.
لم يتبق إلا ليلة واحدة على زواجها الذي لم تعد له شيء. مرام و ورد ومعهم رقيه هم ما يفعلون كل ما يخصها.
وألتفتت لغرفتها بعد أن رأت مرام و ورد جالسين يحملون التوأم ويداعبوهم.
وأتسعت عيناها وهي تجد غرفتها بها العديد من العلب. عندما ذهبت صباحًا لمقبرة والدتها لم يكن يوجد بها شيء.
لتفتح علبة وراء علبة وتحمل ما بداخلها بيديها.
فستان زفاف رائع التصميم. حذاء ذو كعب عالي.
وشبكتها التي تلمع بفصوصها.
فقبضت على يديها بغضب. فهي أخبرته لا تريد زفاف ولا تريد فستان عرس.
وخرجت من الغرفة لتنظر للورد ومرام.
- إيه اللي جوه ده؟
ليطالعوها بفرحة.
- جاسم هو اللي بعت. ومرضناش نفتح حاجة غير لما تيجي.
ونهضوا بحماس.
- عايزين نتفرج.
وسمعت طرقات على الباب لتركض ورد نحو الطارق.
لتجد رقية التي اندفعت للداخل بحماس وقد اكتمل الثلاثي خاصتها.
وتركتهم مندفعة لغرفتها مرة أخرى وتحركوا خلفها.
لتغلق بوجههم الباب. فوقفوا يطالعون الباب بصدمة.
ألتمعت عين جاسم وهو يرى رقمها يظهر على شاشة هاتفه. كان يعلم أنها اليوم ستهاتفه.
فأغلق الملف الذي كان يطالعه مع شقيقه.
- نكمل مناقشة فيه بالليل يا كريم.
فطالعه كريم مبتسمًا وهو يراه ينظر لهاتفه بلهفة.
وانصرف كريم بصمت.
وانتهى الرنين ليتصل بها. وفور أن دق عليها صدح صوتها عالياً فجعلته يبعد الهاتف عن أذنيه.
- أنا قولت مش عايزة فرح ولا فستان ولا عايزة منك حاجة.
فأبتسم جاسم زافراً أنفاسه.
- أهلاً يا مهرة.
لتنظر للهاتف بغيظ.
- تعالي خد حاجتك. أنا مش عايزة منك حاجة.
فضحك بسخرية.
- مش بمزاجك يا مهرة.
لتهتف بحنق.
- إحنا هنضحك على نفسنا ونعمل فرح ونبان مبسوطين.
ليأتيها صوته الحانق.
- أيوه يا مهرة هنعمل مبسوطين. ومتنسيش مكانتي في البلد.
وكادت أن ترد عليه. لتنظر للهاتف بصدمة فقد أنهى المكالمة.
جاء يوم الزفاف وقد تم عقد القران. أكرم هو كان وكيلها بعد أن سمح له والدها بذلك.
لمعت عين ورد بدموع الفرح وهي ترى شقيقتها كيف تكون. كانت مهرة جميلة بجمال فطري نقي.
فأحتضنتها ورد بسعادة.
- مش مصدقة أنك لبستي الحجاب يا مهرة. أنا فرحانة أوي.
لتضمها مهرة إليها بحب.
- متعنيطيش يا ورد لأحسن أنا بقيت دمعتي قريبة.
فضحكت مرام وهي تحمل أحد أطفالها.
- باركي لمرات عمك يا شهد.
فمدت الصغيرة يدها بشقاوة لمهرة التي أخذت أصابعها الصغيرة تقبلها.
لتقترب مرام من مهرة تعانقها بسعادة.
- قدرنا كان واحد يا مهرة.
فشردت مهرة في بداية معرفتها بجاسم وكأن القدر كان يأخذها لمصيرها.
لينفتح الباب فتقدم رقية منهم تخبرهم بانتظار جاسم لها.
تنفست بعمق وهي تتقدم لتخرج من الغرفة التي وضعت بها زينتها وارتدت فستانها. لتركض رقية لها قبل أن تخرج تعطيها باقة الأزهار هامسة.
- ترميها ليا ماشي.
وقرصتها بخفة لتضحك كل من ورد ومرام. أما مهرة فتأوهت.
بخفة.
دفعتها رقية للخارج لتجد نفسها بين ذراعي جاسم الذي اتسعت عيناه وهو يطالعها.
التقَت عيناهما فنسي معها كل شيء. نسي ضيقه منها ومن جرح كرامته حين اتخذته لعبة.
نسي المبدأ الذي كان يريد أن يسلكه بأن يتزوج بقوانين رجال المال حينما يجدون الزيجة الرابحة.
نسي اللحظة التي انجذب فيها لرفيف ونسي رفيف وخيانتها له.
نسي ونسي وهو خارق في عينيها، كيف تطالعه.
لم يكن شعوره وحده، بل هي أيضاً.
كأن تلك اللحظة كان لها سحر خاص.
تمنى قليلاً بجسده، طبع بقبلة رقيقة على جبينها.
فارتعش جسدها، فشعر هو برعشتها.
فهمس بجانب أذنها ببطء:
- طالعة قمر يامهرة بالحجاب.
فألتمعت عيناها وهي تبتعد عنه، ثم وضعت بيدها على رأسها.
وجاء يلتقط يدها، فخطت للخلف قليلاً. كانت تطالعه بنظرة ضياع.
تريد أن تهرب، ولكن الأمر قد انقضى وأصبحت زوجته. اللعبة الحمقاء تحولت لحقيقة.
وسمعت همسات خلفها، كانت من كلا من ورد ومرام ورقية.
فارتبكت لتجده يقترب وانحنى نحوها هامساً:
- هاتي إيدك يامهرة.
فانصاعت له بصمت، فلا وقت للجدال. ونظرات شقيقتها تخترقها.
فورد اليوم سألتها عن سبب بعدها هي وجاسم، وكأنهم لا يطيقون بعضهم.
***
كان حفل زفاف رائع في أفخم الفنادق.
كانت سهير تطالع كل شيء بحسرة. فبنات ضرتها تزوجوا من رجال يحلم بهم الكثير.
ونظرت إلى زوجها، فوجدت يحدق ببناته بألم وحسرة لبعده عنهم.
عزيز زوجها الخنوع لأوامرها ومطالبها.
وشردت في زمن بعيد، عندما عرفتها إحدى صديقاتها على امرأة تعرف بالسحر والأعمال.
جعلته لها وحدها، ينصاع لها بكل صغيرة وكبيرة.
فأرضت نفسها وأضاعت دينها.
وها هم ابنتي الزوجة التي زوجتها لزوجها، ثم جعلته يطلقها ويرميها. وأصبح لا يرى أحد سواها هي وأولادها.
حصد ما بدأ يجني، وكان الحصاد نحو من ظلمتهم الحياة بأب معمي.
***
همس كنان لورد ببعض الكلمات التي أخجلتها.
فارتبكت وأبتعدت عنه بخجل، ليضحك هو ويندمج مع أحد الضيوف.
لتذهب نحو رقية، التي تنظر لباب القاعة من حين لآخر تنتظر مراد.
- لسا مجاش؟
فتمتمت رقية بألم:
- لسا.
فربتت على ذراعها بدفء.
ثم اتسعت ابتسامة ورد وهي تشير لها بعد أن طأطأت رقية رأسها أرضاً:
- ارفعي راسك وبصي كده.
لتلمع عين رقية بسعادة وتتجه نحوه.
***
كانت ترقص هي وكريم بحب.
لينحني كريم نحوها هامساً:
- فكرة فرحني.
فأبتعدت عنه مرام بوجه حانق.
ليبتسم وهو يضمها أكثر إليها:
- ياريت ننسى الماضي يامرام.
لتنظر مرام له، ثم وقعت عيناها على طفليها اللذان يحملهما كل من والدها ووالدتها.
ومالت برأسها على صدره:
- ساعدني ياكريم.
وتشبثت به بقوة، ليمسح هو على ظهرها بحنان مقبلاً رأسها بحب.
***
جذب كنان يد ورد لأحد الغرف بالفندق الذي أقيم فيه حفل زفاف جاسم ومهرة.
لتضحك ورد على فعلته، فبعد أن ودعوا مهرة واتجهوا معها لفيلة جاسم، لم يتمهل وعاد بها للفندق.
- لقد صبرت كثيراً ورد. ويبدو أن هواء مصر يفيدك.
فأرتبكت وهي تفهم مقصده.
- ورد حبيبتي.
فلمعت عين ورد بسعادة واقتربت منه تحاوط عنقه:
- حقاً أن حبيبتك كنان.
فمال كنان نحو إحدى وجنتيها ليطبع بقبلة عليها:
- هل تشكي بحبي ورد؟
وطبع بقبلة أخرى على وجنتها الأخرى. لتتورد وجنتيها بخجل.
- تمهل كنان. أريد أن أطمئن على مهرة.
فأبتعد عنها كنان قليلاً:
- مهرة والآن؟
وحملها بخفة وهو يتجه نحو الفراش:
- غداً حبيبتي. مهرة لديها الآن أمور خاصة.
ليصدح رنين هاتفه.
- كنان هاتفك.
فوضعها كنان على الفراش ومال نحوها متمتماً:
- اتركيه ورد.
فدفعته عنها قليلاً:
- لابد أن نصلي أولاً كنان.
وقبلته بخفة على وجنته الملتحية:
- يوجد أشياء كثيرة أريد أن أعلمها لك.
فأبتسم وهو يحدق بخطواتها نحو المرحاض:
- أجيب على الهاتف من الممكن أن يكون جواد.
ثم تعال لتتوضأ أنت الآخر.
فأسرع كنان يلتقط هاتفه كي يرى المتصل. لم يشك بأنه جواد، فقد هاتف جواد منذ ساعتين يطمئن عليه.
ويسأله عن أحواله مع أولاد عمه الذي عاد لتركيا كي يستقر بها بعد سنين قضاها بأمريكا.
وكان المتصل مدير أعماله يخبره بضرورة الحضور لأمر هام. فهتف بعلو صوته وهو يمسح على وجهه:
- ورد.
فخرجت ورد إليه وهي تمسح وجهها بالمنشفة:
- سنرحل ورد.
ثم تابع بقهر:
- يبدو أننا سنظل كالأخوة لمدى الحياة.
***
حملت فستانها بإرهاق وهي تستمع لكل ما يدور خلفها.
رفيف لم تكن تصدق أن جاسم سيتزوج حقاً. كل تلك المدة كانت تظن أنه عقاب.
تترجى جاسم أن يعود لها، أن يغفر لها خيانتها، أن يعطيها فرصة لأجلهما، وأن يتركها ويطلقها.
فمن هي هذه لتكون بديلاً لها ويتزوجها.
خطوة وراء خطوة تشاهد شريط حياتها يمر أمام عينيها.
جملة حسين مازالت صدى في عقلها، وهو يخبرها أن كلمة أحبك لم تكن إلا تعبيراً أخوياً ليس أكثر.
ووصلت إلى غرفته التي دخلتها من قبل. ونظرت لأثاثها الجديد. أثاث عروس، يالها من سخرية.
وأوصدت الباب خلفها بإحكام وأغلقت عليه بمفتاحه.
وقفت تتأمل هيئتها بالمرآة وأبتسمت وهي تنظر لحجابها. فقد تحجبت أخيراً وأكملت باقي فروضها.
تحجبت في الليلة التي يرغب البعض فيها بالعري، وهم يقنعون أنفسهم أنها ليلة العمر.
الكل تفاجأ، حتى جاسم.
وسريعاً زالت زينتها وفستانها، فالنعاس ينتبها. وارتدت إحدى مناماتها القديمة وذهبت نحو الفراش الواسع. وأبتسمت وهي ترمي نفسها عليه ووضعت مفتاح الغرفة أسفل الوسادة:
- شوف بقي هتنام فين ياسيد جاسم.
وكادت أن تغفو على الشرشف ذو الملمس الحريري.
فسمعت طرقات ومقبض الباب يتحرك وصوت جاسم يعلو بضيق:
- مهرة افتحي الباب.
فأبتسمت بخبث وهي ترفع رأسها من على الوسادة:
- بلاش إزعاج لو سمحت.
وتابعت وهي تحدق بمقبض الباب:
- أنا اخترت الأوضة دي وعجبتني.
ورفعت حاجبيها وهي تسمع لسبابه:
- بصراحة هي كانت عجباني من زمان.
فنظر للباب المغلق بحنق:
- كنت متوقع تعملي كده.
وشهقت وهي تجده قد فتح الباب. فأنتفضت من نومتها فزعاً:
- انت دخلت هنا ازاي؟
وحدقت بالمفتاح الذي يحركه أمامها بيده:
- بقي أنا تعملي معايا كده؟
وألتمعت عيناه بخبث وهو يميل نحوها وقد أزال ربطة عنقه وأحل الأزرار العلوية من قميصه، فأصبحت هيئته عابثة:
- إحنا اتفقنا إن كل واحد ليه أوضة.
فصدح صوت ضحكاته عالياً:
- وأنا مقلتش إني موافق على الاتفاق ده.
وسحب خصلة من شعرها يلفها حول إصبعه:
- يعني إيه؟
فتمتم وهو يميل نحوها أكثر:
- يعني لعب العيال ده مش معايا أنا.
وغمز بعينيه بوقاحة:
- الليلة ليلتنا ياعروسة.
لتنتفض مهرة فزعاً وتحركت للخلف قليلاً وهي تتعجب من أسلوب جاسم ونظراته.
وكلما تحركت على الفراش تحرك هو معها.
حركة منها وحركة منه وهو يزيل أزرار قميصه:
- انت مقرب كده ليه مني.. انت عايز إيه؟
ورفعت إصبعها نحوه تشير له:
- أنا بحذرك إنك تلمسني.
فأبتسم جاسم بخبث:
- ولو مبعدتش يامهرة هتعملي إيه؟
فحدقت به وهي تلتقط أنفاسها وقد اقتربت من حافة الفراش:
- هصوت وألم عليك الناس.
اد يتمالك صوت ضحكاته. وألتقط لياقة منامتها ليقربها منه حتى أصبحت المسافة بين شفتيهما تكاد تنعدم:
- صوتي يامهرة.
رواية لحن الحياة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهام صادق
نظرت إليه طويلا وأرتجف جسدها من نظراته الماكرة وأبتلعت ريقها وهي تحدق بصدره العاري الذى ظهر من فتحتي قميصه.
- هصوت أه خلاص لو مبعتدتش.
كان صوتها يخرج خافتاً، وكادت أن تسقط علي الأرض.
فأحتوى خصرها بذراعه، فأرتبكت من قربه الشديد.
أصبحت أنفاسه قريبة جداً من صفحات وجهها.
ومال نحو عنقها مداعباً إياه بأنفاسه.
- مش سامع يعني ليكي صوت.
ولم تشعر بعدها إلا وهي تهوي من فوق الفراش وأصبحت رأسها أرضاً، وساقيها مازالت عالقة أعلى.
لينظر لها جاسم ثم انفجر ضاحكاً من وضعها.
فتأوهت وهي تعتدل سريعا ووضعت يدها على فروة رأسها تدلكها.
- بتضحك على إيه.. أنت السبب.
وكلما ازداد حنقها، ازدادت ضحكاته.
- متضحكش.
ولكن جاسم كان في عالم آخر وهو يطالع حنقها متذكراً سقوطها.
واقتربت منه تدفعه بقبضتي يديها على صدره.
ليمسك يديها ناظراً لها بعمق بعد أن هدأت أنفاسه من نوبة الضحك.
- مهرة أنا متجوزتكيش عشان انتقم من رفيف.
ونهض من فوق الفراش واعتدل في وقفته.
- متقلقيش مش هلمسك غصب عنك.
وتابع وهو يتحاشى النظر إليها.
- تصبحي على خير.
لتحدق بخطاه بصدمة مما أخبرها به.
***
أردف لداخل إحدى الغرف ورمى بثقل جسده على الفراش وأغمض عينيه بإرهاق متذكراً حديثه مع رفيف بالأسفل قبل أن يطلب من أحد رجاله أن يوصلها لوجهتها.
لو كانت مهرة وقفت قليلاً لعلمت بحقيقة زواجه منها.
يحبها ولكن كرامته تأبى أن يخبرها بهذا، فهي تحب رجلاً آخر غيره.
ويعلم أنها وافقت على الزواج الذي أحكم قيوده عليه وتحدي لعبتها السخيفة لترد جزء من كبريائها أمام نفسها.
كانت رفيف تسير نحو غرفتها بالفندق وأحد رجال جاسم يرافقها حتى يطمئن عليها كما أمره سيده.
عقلها كان غائباً في كلمة جاسم الأخيرة قبل أن يتركها ويصعد لعروسه.
"اتخطبت مهرة عشان بحبها يارفيف، خيانتك ليا عرفتني أختار إزاي."
وكادت أن تهوي على الأرض بعد أن تعرقلت، ولكن تلقاها من يرافقها.
- خدي بالك يافندم.
وأسندها وفتح لها باب غرفتها.
- عايزة حاجة مني تاني.
لترفع رفيف عينيها نحو الرجل الذي بعثه معها جاسم ودققت عينيها في ملامحه، فطيلة مرافقته لم تنظر له.
- أنت وسيم جداً.
وتساءلت وهي تقترب منه وتهرب من صراع أفكارها.
- ما اسمك؟
فتمتم الرجل بارتباك من قربها.
- عمار.
وفي لحظة وجدها تدفعه للداخل وتغلق الباب.
ليخرج عمار بعد دقائق يلهث غير مصدق ما حدث.
فقد تبادل القبلات مع خطيبة سيده السابقة.
بل هي من قبلته ليدرك فداحة الأمر ويبتعد عنها مغادراً الغرفة سريعاً يطالع الباب الذي أغلقه فور خروجه بصدمة.
***
نائمة على صدره تغمض عينيها وتفتحهما، متذكرة تفاصيل تلك الليلة.
فبعد أن انتهى حفل الزفاف وأصر والداها على أخذ الصغيرين، قادها كريم إلى شقتهما التي شهدت علاقتهم المحرمة قديماً.
نفر جسدها من المكان، ولكن مع لمسات كريم واحتوائه لها نسيت كل شيء.
لتكون أول ليلة لهم في تلك الشقة وهم أزواج.
ومدت يدها نحو وجه كريم الغافي بجانبها لتمسد على وجهه بعشق مازالت تعشقه، بل وهائمة في كل شيء به رغم تمردها إليه وإصرارها على تنفيذ ما ترغب.
وأحكمت تغطية جسدها ونهضت من فوق الفراش لتنظر إلى تلك الغرفة وكل ذكرى قضوها هنا تسير أمام عينيها.
هنا كانت أول قبلة، وكان أول ضياع وراء الحب.
وهنا كانت أول صرخة عندما فقدت عذريتها.
وأول رعشة خوف وهي تعلم أنها أضاعت نفسها.
وأول همسة منه يخبرها إنهم لم يخطئوا فهم زوجان.
وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها.
وهل الزوجان يخافان من الفضيحة والأهم من الذنب أمام ربهم.
إلى الآن هي أمام والديها الفتاة التي صلحوا في تربيتهم، ولكن أمام نفسها هي آثمة.
وزفرت أنفاسها بألم لتسرع بخطاها نحو المرحاض فهي لا تطيق الجلوس بتلك الشقة التي تذكرها بإثمها.
أنهت استحمامها وارتدت ملابسها التي أتت بها.
لتتجه نحو الفراش تدفع كريم برفق على صدره.
- كريم.. كريم قوم يلا عشان نمشي من هنا.
فأفتح كريم عينيه بنعاس ثم أغلقهما مجدداً.
- سبيني أنام يامرام.
وتساءل قبل أن يغفو مجدداً.
- هي الساعة كام دلوقتي.
فتمتمت بضيق فمنذ قليل قد رأت الوقت من على هاتفها.
- الساعة 5.
ليتمتم بحنق.
- الساعة خمسة ومصحاني.. نامي ياحبيبتي الله يهديكي، عندي يوم طويل في الشركة بدل جاسم.
لتدفعه مجدداً وبقوة.
- بقولك قوم أنا مش طايقة أقعد في الشقة دي.
وتابعت وهي تنظر حولها.
- أنت جبتني هنا ليه.
وانسابت دموعها ليفتح كريم عينيه غير مصدق رؤيتها هكذا.
- أنت عايز تفكرني بالذكريات اللي رخصتي فيها نفسي.
صدمة ما تفوهت به كما صدمة هيئتها.
ليسرع في ضمها إليه.
- أهدي يامرام.. مكنش قصدي، أنا قلت إنك أكيد لسه بتحبي الشقة دي.
فرفعت عينيها نحوه.
- خلينا نمشي أرجوك.
ودفنت وجهها بصدره وتشبثت به.
فأبعدها عنه قليلاً ليمسح وجهها برفق.
- حاضر يامرام.
***
فتح الغرفة برفق ليطالعها وهي ممدة على الفراش نائمة بعمق.
واقترب منها بهدوء وجلس جانبها يتأمل ملامحها.
- نايمة ولا على بالها.. اه يتم اسم يوم ما تقع متقعش غير في اللي هطلع روحك بتمردها.
وعندما وجدها تتقلب في نومتها نهض من جانبها.
ذاهباً نحو غرفة الملابس التي تضم ملابسه وملابسها.
فالخدم رتبوا الغرفة على أساس أنهم زوجان طبيعيان يتشاركان الغرفة.
وألتقط بعض الملابس ثم تحرك بحذر وترك الغرفة.
وأغلق الباب خلفه.
لتفتح مهرة عينيها متسائلة وهي تمسح على وجهها.
- هو الباب اتفتح ولا أنا بيتهيألي.
وحركت رأسها بيأس من حالها.
فهي لم تغلقه بالمفتاح بعد أن طمأنها جاسم.
- أكيد بيتهيألي.
وفردت ذراعيها على الفراش بمتعة.
- وحشني صوت الحاج إسماعيل وهو بينده على الواد حمادة ولا صوت الواد شيكا ولا زيكو.
وتنهدت وهي تضع ساق فوق الأخرى ومازالت نائمة على الفراش.
- ولا نميمة أم ماجد مع ستات المنطقة.
وتمطت بجسدها لتتسع عيناها متذكرة ورد.
فأخذت تدور بعينيها باحثة عن هاتفها.
لتضرب جبهة رأسها متذكرة أنه مع أكرم.
- هتصل أطمن على ورد إزاي دلوقتي.
ونهضت من فوق الفراش تنظر حولها ثم خرجت من الغرفة متذكرة أن الحل الوحيد هو ذهابها لجاسم.
المنزل كان فارغاً، فيبدو أن الخدم قد أخذوا إجازة حتى لا يزعجوهم.
- فكرنا زي أي عريس وعروسة.
وصعدت الدرج ثانية تبحث عنه في الغرف التي يحتلها هذا الطابق وآخر غرفة قد بحثت فيها عنه هي الغرفة القريبة من غرفتها.
لتفتح الغرفة وتنظر داخلها لتجد الفراش عليه ملابس نظيفة مرتبة.
فأدركت أنه نام بتلك الغرفة أمس.
وهتفت باسمه.
- جاسم.
ووقفت في منتصف الغرفة لتسمع صوت المياه ثم انغلق الصنبور.
فجلست على الفراش تنتظر خروجه.
كانت تعطيه ظهرها، تجلس ممدة ساقيها تزفر أنفاسها بقوة مسموعة.
- صباح الخير.
فألتفتت إليه وهي تتمتم.
- أنا عايزة.
واتسعت حدقتا عينيها وقد تجمدت نظراتها وهي تراه بتلك الهيئة، فلا يستر جسده إلا منشفة حول خصره.
ونهضت من فوق الفراش تشيح نظراتها عنه وبأنفاس سريعة تمتمت.
- تليفونك.. عايزة تليفونك أكلم ورد أطمن عليها.
كان يكتم صوت ضحكاته بصعوبة.
ليتقدم منها.
لتلتف بجسدها بالكامل.
وألتقط هاتفه وهو ينظر لظهرها المقابل لعينيه.
- هتاخديه إزاي وإنتي مديني ضهرك.
فمد يده لأعلى، ليعطيها الهاتف.
فأخدته منه وتحركت نحو الباب دون أن تنظر إليه.
ليقف يطالعها وأخيراً صدح صوت ضحكاته.
***
أغلقت الهاتف بضيق ثم قذفته على الفراش بحزن.
فورد قد عادت لتركيا لاضطرار كنان للمغادرة بسبب مشاكل حدثت بعمله.
وسارت بالغرفة بملل ثم نظرت لهيئتها بصدمة فشعرها مشعث وآثار النوم مازالت على عينيها.
واقتربت تنظر لوجهها أكثر.
- وشي بقى أصفر كده ليه.
وزفرت أنفاسها بحنق.
فضغط الأيام الماضية أثر على وجهها وجسدها.
وشعرت بتقلص معدتها.
فمنذ أن أكلت في الصباح ليلة أمس لم تأكل ثانية.
فشهيتها ذلك اليوم كانت منعدمة.
وأبدلت ملابسها بملابس أخرى لم تهتم بالملابس التي اشتراها لها، رغم أن عينيها كانت ستقتلها الفضول لتدقق النظر في كم الملابس الموجودة بالغرفة.
ونفضت رأسها سريعاً لتهبط لأسفل متجهة نحو المطبخ الذي دخلته مسبقاً.
لتجد جاسم يقف أمام ماكينة القهوة يعد لنفسه قهوته.
لتتنحنح بحرج.
فيلتف نحوها ومدت يدها له بهاتفه.
فألتقطه متسائلاً.
- كلمتي ورد.
فتنهدت بيأس.
- سافرت.
فتناول فنجان قهوته ثم تذوقه ببطء.
- أكيد حصلت حاجة مهمة اضطرت كنان يسافر.
فحركت رأسها فهذا ما حدث حقاً.
ووجدته يغادر المطبخ.
- محدش من الخدم هنا ليومين.
مضطرين نخدم نفسنا بنفسنا.
وانصرف ليتركها مذهولة من حديثه. فكانت تظن أنه سيخبرها أن تخدمه وتعد له الطعام، ولكنه بكل هدوء أخبرها أن كل منهما سيخدم نفسه. فأبتسمت وهي تتجه نحو الثلاجة.
- وأنا اللي كنت فاكرة هتقولي حضريلي الفطار. انتي لازمتك إيه هنا.
وألتقطت بعض الأطعمة الخاصة بوجبة الإفطار متمتمة.
- ظلمتك.
جلست ورد على فراشها تعبث بهاتفها. فإلى الآن لم يأتِ كنان ولم يرد على هاتفه. فور أن وصلوا بالطائرة الخاصة، ذهب كنان مع مدير أعماله لرؤية المستودع الذي حدث به حريق.
وانفتح الباب ليدلف كنان بتعب حاملاً سترته على أحد كتفيه. فنهضت من على الفراش فوراً واقتربت منه بقلق، ثم رفعت قدماها تتحسس وجهه المرهق.
- لماذا لا ترد على اتصالاتي؟
فضمها كنان إليه بحنان.
- يبدو أنني نسيته على وضع الصامت. لا تقلقي ورد، أنا بخير.
فكادت أن تسأله عن سبب الحريق، إلى أن هيئته المرهقة جعلتها تتراجع.
- اذهب لتستحم وأنا سأهبط لأسفل لأحضر لك طعاماً تأكله ثم تنام حبيبي.
فجذب كنان يدها ليجعلها بين ذراعيه مجدداً، هابطاً بشفتيه نحو وجنتها يطبع بقبلة ممتنة عليها. لتذهب بعدها ورد من أمامه ودقات قلبها تخفف.
وبعد نصف ساعة كانت تحمل صينية الطعام وتخرج من المطبخ متجهة نحو الدرج. فرمقتها فريدة باستهزاء.
- كنت أتمنى ألا تعودي مجدداً.
فتمتمت ورد بحزن.
- لماذا تكرهيني هكذا؟
لتضحك فريدة وهي تدفعها بذراعها ثم تخطتها، لتسير بغرور تتباطأ في خطواتها وتداعب خصلات شعرها المصفوفة بأناملها. لتقف ورد تطالعها بألم. وأبتلعت غصتها وصعدت لأعلى.
وعندما وصلت إلى غرفتهما تمتمت لنفسها.
- لا تبكي ورد... كوني قوية.
ودلفت لداخل الغرفة، لتجد كنان غارقاً في النوم. فوضعت صينية الطعام جانباً، واقتربت منه.
- كنان استيقظ لتأكل ثم عد للنوم.
ليفتح كنان عيناه بنعاس.
- اقتربي ورد.
فاقتربت منه أكثر، لتشهق وهي تجده يجذبها إليه يزيل حجابها عن رأسها غارقاً في أحضانها.
- أريد أن أغفو بين ذراعيك ورد.
وتمتم بنعاس.
- داعبي شعري كما تفعلين لجواد.
لتبتسم وهي تفعل له ما يريد.
تعجب جاسم من الطعام الذي وضعته أمامه. مهرة اليوم تبهر، أعدت طعام الفطور له والآن طعام الغداء. لتنظر له مهرة متسائلة وهي تضع طبقاً آخر على المائدة في حجرة الطعام.
- بتبصلي كده ليه؟
فأبتسم جاسم وهو يتذوق ما أعدته.
- بتبهريني الصراحة. أنا كنت عامل حسابي أطلب أكل من بره اليومين اللي دول لحد ما الخدم يرجعوا شغلهم.
فنظرت مهرة إلى الطعام وهي تضع بإصبعها على صدرها بغرور مصطنع.
- وأنا روحت فين؟
وتابعت وهي تحدق به.
- مش معنى أننا على خلاف، فأنا مش هقوم بدوري كضيفة.
وضغطت على كلمتها الأخيرة. لينظر لها جاسم بجمود.
- أنا بقول بلاش تتكلمي كتير، لأنك كل ما بتعدليها بتنيليها.
فحدقت به وهتفت بضيق.
- أنا بعمل كده، مش أنت اللي استمريت في اللعبة دي واجبرتني على الجواز.
فطالعها جاسم بجمود ونهض من فوق المقعد، وكاد أن يتحرك ويترك لها المكان بأكمله. ليقف مندهشاً وهو ينظر ليدها التي تمسك ذراعه.
- أنت مش هتاكل؟
فنظر لها وهو يزفر أنفاسه.
- نفسي اتسدت.
وازاح يدها ليجدها تمسك ذراعه متمتمة بحرج.
- متزعلش خلاص.
تجمدت عيناه عليها وهو يطالعها كيف تتحاشى النظرات إليه حتى لا يرى ضعفها. فتنّهد بيأس من أفعالها. وعاد يجلس على مقعده وبدأ يأكل بصمت وعقله شارد بحياته القادمة معها.
في المساء، خرج من غرفة مكتبه بعد أن اطلع على بعض الأوراق التي أتى بها كريم إليه بها.
- هتسافر بكرة مش كده؟
فتمتم كريم بأسف.
- للأسف لازم أرجع كندا بأسرع وقت عشان الأوراق المتعطلة أمضتها. كان نفسي أقعد أكتر من كده.
كان صوتهما قد وصل إلى مرام ومهرة الجالسين على إحدى الأرائك يداعبون الصغيرين ويضحكان. ليبتسم كريم وهو ينظر لجاسم.
- مراتك شكلها بتحب الأطفال قوي.
ووكزه برفق في ذراعه.
- لو جبتوا ولد هتسموه كريم على اسم عمه.
لينتبه جاسم لحديثه وعيناه على مهرة التي ارتبكت من حديث كريم واشاحت وجهها بعيداً عن أنظارهم بخجل. لتنهض مرام متجهة لكريم متسائلة.
- إحنا مسافرين بكرة؟
فحرك كريم رأسه بأسف.
- عارف إني وعدتك هنقعد كمان أسبوع، بس مضطر يا مرام.
لم تجد ماتقوله، ففي النهاية هم حياتهم أصبحت هناك. وانتبهوا لصوت جرس المنزل، فنهضت مهرة بأمل بعد أن وضعت الصغيرين في عربتهما.
- ده أكرم.
وركضت صوب الباب بسعادة. وأول ما فتحته اندفعت لحضنه، فضمها أكرم إليه هاتفا بمرح.
- لدرجة دي وحشتك؟
فتشبثت به ولا تعلم لماذا بكت.
- ورد سافرت، خوفت أنت كمان متسألش عني.
ليبعدها عنه أكرم وعيناه اتجهت نحو جاسم وكريم اللذان وقفا يطالعوهما.
- حد ينسى برضوه أختك الكبيرة، أم لسان طويل.
وعقب تلك الكلمة ابتعدت عنه، ليضحك جاسم وهو يتقدم نحوهم مصافحاً أكرم ونظر لمهرة التي تحدق بشقيقه بشر.
- الحمد لله إنك اعترفت بالحقيقة اللي أنا هضطر أستحملها طول حياتي.
لتتجه مهرة بنظراتها نحو جاسم ورفعت حاجبيها بضيق.
- بقي كده.
ليجذبها أكرم له ويضمه بحب.
- بهزر معاكي.
كان جاسم يشعر بالغيرة من احتواء أكرم لها بهذا الشكل. وانتبهوا على صوت مرام.
- إحنا بقي مضطرين كمان نمشي عشان نلحق نجهز حاجتنا وأقعد مع بابا وماما وأشبع منه.
ليومئ كريم رأسه مخاطباً أخاه.
- وأه نكون خفاف ولذاذ برضوه.
وبعد الوداع، رحل كريم ومرام.
ليجلس جاسم مع أكرم واتجهت مهرة للمطبخ لتعد له مشروباً بارداً وبعض الحلوى.
وحملت ما أعدته لتقترب منهم فتسمع أكرم وهو يوصي جاسم على مهرة مخبراً إياه أنها أطيب وأحن شقيقة.
سعاده لا توصف وهي تسمع عبارات المدح من شقيقها الذي اكتسبته من بداية حكايتها مع جاسم وعملها في شركته تعويضاً لما فعله شقيقها الآخر.
حاوطها كنان بذراعيه وهو يرى لمعة عيناها المتحمسة بعد أن أخبرها أن تتجهز وتنتظره. وانحنى نحوها يقبل جبينها هامساً بشوق.
- سأخطفك يومين يا ورد، فقد اشتقت إليكِ.
لتتساءل ورد عن المكان الذي سيذهبون إليه.
- أين كمان؟
فداعب كنان أنفها بأصبعها.
- سنذهب إلى أنطاليا.
كانت والدته تتابعهم من شرفة حجرتها بوجه محتقن. لا تصدق أن كنان عاشق لتلك الفتاة، وهي التي تعلم أن ابنها دوماً كان يسير بعقله.
رفعت مني عيناها نحو تلك التي وقفت أمامها تفرك يداها بتوتر. لتتذكرها مني، فهي نفس الفتاة التي ساعدتها مهرة لتعمل هنا.
- ريم مش كده؟
فطالعتها ريم بخجل وهي تحرك رأسها.
- ممكن رقم مهرة، أصل تليفوني ضاع.
ففهمت مني على الفور، وأمسكت ورقة ومن ثم دونت لها الرقم. لتعطيه لها بابتسامة لطيفة. فأبتسمت ريم.
- شكراً.
وغادرت الغرفة وهي تنظر للرقم، ودون أن تنتبه لما أمامها، اصطدمت بجسد أحدهم. فارتدت للخلف فزعاً ورفعت عيناها التي دوماً تخفضها خجلاً.
- مش تحسبي.
فرفعت عيناها التي تخفضهما خجلاً، فهي تعلم هوية من يقف أمامها، ياسر الذراع الأيمن لجاسم الشرقاوي.
- أنا آسفة.
ينظر لها ياسر سارحاً في حزنها الذي يطغى على ملامحها حتى صوتها.
مرت بضعة أيام قضوها في المنزل رغم عرض جاسم عليها الخروج أو السفر لمكان ما. خلال تلك الأيام كل منهما اكتشفوا طباع وهويات بعضهم أكثر. جاسم يهوى القراءة ويعشق فن الحرق على الخشب، أدهشها إتقانه لها بل وشغفه. أما هي لا هواية إلا قراءة كتب القانون.
وقفت تنظر من غرفتها عليه وهو يتجه بالغرفة التي بالحديقة حيث يمارس فيها هوايته، لتتعلق بأنظارها عليه متنهدة. ثم عادت تلتف نحو فراشها تحدق بالملابس الكثيرة التي جلبها لها اليوم وتناسب حجابها.
- حاسة إني عايشة مع إنسان مختلف، غير اللي اتعملت معاه. أنت أنهي شخص يا ابن الشرقاوي؟
في صباح يوم جديد.
جلس يحتسي فنجان قهوته الصباحي وهو يطالع الجريدة. ليرفع عيناه نحوها فيجدها تأكل بسرعة وترتشف من كأس الشاي. أسبوع مضى على زواجهما وقد اكتشف من خلاله عشقها للشاي. وحدق بها وهو يراها تمسح فمها بالمنديل.
- الحمد لله شبعت. أما ألحق أروح شغلي.
فطالعها جاسم وهو يلقي الجريدة جانباً.
- شغل إيه اللي تروحيه؟ ما أنتِ استقلتي من الشركة خلاص.
لتقف تنظر إليه بعلياء.
- وتفتكر هفضل عاطلة؟ أنا عندي أشغالي زيك.
فتمتم بنفاذ صبر.
- سؤال وسألته من غير جدال كتير، شغل إيه اللي هتروحيه؟
فنظرت حولها قليلاً ثم طالعته.
- شغلي في محل البقالة ومكتبي.
لتتجمد ملامحه وهو يطالعها. وقبض على يديه بقوة ومال نحوها لترتبك من تحديقه بها.
- أنت بتبصلي كده ليه؟
فتمتم بهدوء.
- قوليلي تاني كده، شغل إيه اللي عايزة تروحيه؟
فكررت ما أخبرته به وتلك المرة بثقة أكبر.
- هرجع لمكتبي ومحل البقالة بتاعي.
واكملت وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه.
- أنا عندي أملاك بديرها زيك.
فنهض جاسم من أمامها قبل أن يرتكب شيئاً يندم عليه وصدح صوته عالياً.
- هدي.
لتأتي هدي على صوته ركضاً.
- نعم يا فندم.
فحدق بمهرة التي وقفت متعجبة من أمره.
- الهانم متخرجش من البيت، مفهوم.
فأرتبكت هدي وحركت رأسها بتفهم.
- هنبه على الحرس بره مافيش ليها طلوع.
لتضيق عيناها بقهر.
- لأ هخرج.
وانصرف دون كلمة أخرى، فأوامره ستنفذ. وغادر الفيلا بعد أن أخبر رجاله على بوابة الفيلا أن يمنعوا خروجها.
تعجبت هدي من الأمر ونظرت لمهرة التي وقفت ساكنة في مكانها. وألتمعت عيناها وركضت للأعلى تأتي بحقيبتها.
وعادت تهبط الدرج لتهتف هدي باسمها وهي تغادر المنزل.
- يا مهرة هانم تعالي بس، البيه منبه إنك متخرجيش.
ولكن مهرة لم تستمع لها.
وذهبت اتجاه البوابة تهتف بغضب:
- افتح البوابة.
ليحرك الحارس رأسه باحترام، وقد كان نفس الحارس الذي دوماً تتشاكل معه.
- ممنوع يافندم، البيه أمر بعدم خروجك.
لتظل واقفة في مكانها تفكر في أمر خروجها والتمرد على قراره، ويأست من الحارس الذي وقف ثابت أمامها، هو والآخر.
ووجدت أحد المقاعد التي يجلس عليها الحرس، وجلست عليه هاتفة:
- أنا قاعدالكم هنا لحد ما البيه بتاعكم يرجع.
رواية لحن الحياة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهام صادق
هدوء ومكر (25)
دقائق أتبعتها ساعة كاملة وهي تجلس هكذا وأعين الحارسين تخترقها بتعجب. اقترب منها الحارس بهدوء.
- يافندم اتفضلي جوه هتتعبي من قاعدك هنا. وديه أوامر واحنا لازم ننفذها.
فطالته مهرة بضيق وهي تمسح وجهها المتعرق.
- افتح البوابة.
ليحدق بها الحارس بيأس. فأشعة الشمس اليوم حارقة وهي مازالت على رأيها.
كان الحارس الآخر يتابعهم بعينيه وهو جالس بغرفة المراقبة. ليتجه إليه صديقه متمتماً بملل.
- برضوه مصممة على قعدتها دي.
لينظر لها الحارس الذي يدعى محروس.
- اتصل بالبيه قوله. لأنها لو فضلت قاعدة كده هتاخد ضربة شمس. مش عايزين نروح في داهية.
فحرك الآخر رأسه وأخرج هاتفه ليهاتف سيده.
تنهد جاسم بسأم وهو يوقع على بعض الأوراق. لتحمل منى الأوراق من أمامه بتعجب. فهل هذه هيئة شخص متزوج من بضعة أيام.
وأنصرفت على الفور. ليردف ياسر لداخل مكتبه.
ناظراً له بتساؤل.
- في حاجة حصلت.
فرفع جاسم عينيه نحوه. مشيراً له بأن يجلس.
وكاد أن يتحدث ويخبره بأشياء تخص العمل. فقطعه رنين هاتفه.
- أيوه ياجمال.
وتجمدت عيناه وهو يستمع لما يخبره به الحارس.
- ادي الهانم التليفون.
فتحرك الحارس نحو مهرة التي أخذت تتملل من جلستها بإرهاق. فطاقتها تحت أشعة الشمس قد خارت.
ووجدت الحارس ينظر لها وهو يمد هاتفه نحوها. ألتقطت الهاتف سريعاً كي تخبره بأن يأمر رجاله بفتح بوابة المنزل لها. ولكن تجمدت في جلستها وهي تسمع صوت جاسم الحازم.
- انتي مجنونة في عقلك. كلمة واحدة يامهرة ترجعي على الفيلا ولما أرجع لينا كلام تاني.
وأغلق الهاتف بوجهها. فمعها فهم لا محايلة لا جدال.
وطالعت الهاتف بصدمة ونهضت من جلستها وهي تعطي الهاتف للحارس متمتمة بضيق.
- أنا أصلاً تعبت من القاعدة هنا.
وسارت بهدوء من أمام الحارس الذي وقف يطالعها بعينين متسعتين. فهي قد انصرفت بهدوء دون جدال.
اتسعت ابتسامة ورد وهي تهبط من سيارة كنان تتأمل المنزل الذي أمامها وما يحيطه من إطلالة ساحرة.
- هذا منزل العائلة ياورد. لقد قضيت طفولتي هنا.
فالتفتت نحوه ورد لتجد عينيه قد غامتا بالحزن.
- هازان كانت تعشق هذا البيت بشدة.
وحدق بالفراغ الذي أمامه بصمت. لتقترب منه ورد تضم كفه بين راحتي كفيها. وعندما شعر بضغط يدها على يده. طالعه بابتسامة حانية ثم ضمها إليه بعشق يقبل قمة رأسها.
- لن تمحي تلك العطلة من ذاكرتك ياورد.
ليخرج في تلك اللحظة رجلاً بعمر الخمسين مرحبا بهم.
- أهلاً سيد كنان. لقد اشتقنا إليك.
ونظر إلى ورد مرحبا بها.
- أهلاً ياخانو.
لتبتسم له ورد بلطف. ويقودها للداخل بعد أن أملى على حارس مزرعته ما يريده.
لتقف ورد في منتصف المنزل. لتطالع ما حولها بانبهار. فجمال المنزل بالحديقة الشاسعة التي تحيطه كما تصميمه بسيط ورائع.
- المنزل جميل حقاً ياكنان. أريد أن أسير بالحديقة.
ليتأمل كنان سعادتها بحب. وأقترب منها يحرك أطراف أنامله على وجهها.
- سأريكي كل شيء لاحقاً حبيبتي. ولكن الآن أريد أن أخبرك سراً.
لتتسائل ورد وهي تنظر لعينيه الراغبة.
- ما هذا السر.
وشهقت بفزع وهي تجده يحملها بين ذراعيه متجهاً نحو الدرج الخشبي.
- ستعرفينه حبيبي لا تقلقي.
ضحكت مهرة وهي تقضم حبة الطماطم وتستمع لطرائف فوزية مع زوجها.
- وبعدين يافوزية عمل إيه جوزك.
فاتسعت ابتسامة فوزية وهي تقلب الطعام ثم زفرت أنفاسها بهيام.
- باس راسي في وسط أهل الحارة كلهم. وعزمني على أكلة كباب وكفتة. إنما إيه.
لتنظر إليها مهرة بتعجب متسائلة.
- يعني بعد ما ضربك وفرج عليكي الناس. سامحتيه بالسهولة دي عشان أكلة يافوزية.
فهتفت فوزية وهي مازالت على وقفتها.
- ماهو صالحني قدام أهل الحارة ياست مهرة.
لتضحك هدى على بساطة فوزية. فهي لم تكتشف حكاياتها إلا مع مهرة التي تندمج معها في الحديث.
- شوفتي يامدام هدى بعد ما ضربها صالحها بأكلة.
لتصحح فوزية الأمر مجدداً.
- وباس راسي كمان ياست مهرة خدي بالك. ده منعم جوزي مفيهوش منه اتنين.
فحركت مهرة حاجبيها بيأس من حال تلك العاشقة بزوجها.
- الحمد لله مافيش منه اتنين.
ونهضت بعدها تنظر لهدى.
- عايزة مني حاجة أسعدك فيها يامدام هدي.
لتبتسم هدي بحنو.
- ده إحنا اللي نسألك يابنتي. إحنا هنا خدامين عندك.
لتضيق ملامح مهرة وهي تطالعها.
- لأ مش خدامين عند حد. إنتوا هنا موظفين زي أي موظف في أي مكان.
ونظرت إلى فوزية التي هتفت بسعادة.
- بجد ياست مهرة إحنا موظفين.
فضحكت مهرة على تلقائيتها. لتكمل فوزية بأسى.
- أصل عيال الحارة بيقولوا للواد حمو ابني ياابن الخدامة.
الكلمة أوجعتها بل وذكرتها بذكريات قديمة عندما كانت تأتي ورد تخبر والدتها أن أصدقائها في الحي يتهامسون عليها بأن والدتها تبيع لهم أطباق الكشري.
فقد أتى وقت عليهم لا يستطيعون تكفية حاجتهم من المال القليل الذي يبعثه لهم والدهم.
ومحل البقالة لا يدخل لهم إلا حاجات طعامهم.
فكانت والدتهم تسعى دوماً في ابتياع أي شيء هي ماهرة به من أجل ألا تنقصهم شيء عن أقرانهم.
ولطبيعة ورد الهادئة كانت لا تتحمل أي إهانة عن والدتهم فتأتي لها باكية.
وبالجانب الآخر كانت هدى تشعر بالألم متذكرة ابنها الذي أعطته شقتها ليتزوج بها ثم طردها بعد أن كلت زوجته من وجودها مخبرة إياها أنها عالة عليهم بعد أن تركت خدمتها كموظفة خدمة في أحد الفنادق.
بعدما طلب منها ابنها تركها لعملها فهو أصبح يعمل وسيتكفل بكل شيء يخصها فهو يريد أن يريحها من مشاق الحياة ولكن الحقيقة كانت كي لا تفضحه أمام عروسه وأهلها.
لتتمتم مهرة قبل أن تغادر المطبخ مخاطبة فوزية.
- قولي لابنك أنك بتشتغلي وبتكسبي فلوسك بالحلال. مافيش فرق بين وزير ولا بياع الجرجير كلنا زي بعض عند ربنا مش هيفرقنا غير أعمالنا.
لتبتسم فورزية وهي تنظر لهدي الشاردة.
- طيبة أوي الست مهرة.
صعد جاسم الدرج بعد أن سأل السيدة هدي عليها.
وأخذ يدلك عنقه بإرهاق متمتماً.
- استعد ياجاسم للراديو اللي هيشتغل دلوقتي.
واتجه صوب غرفتها. وطرق الباب طرقاً خافتاً ثم فتحه.
ليجد الظلام حاوط الغرفة. فالوقت الآن السابعة مساء.
ونظر للفراش فوجدها غافية. فأقترب منها منادياً عليها.
- مهرة. مهرة.
فأدارت مهرة جسدها للناحية الأخرى متمتمة.
- امممم. سبيني أنام ياورد وافتحي إنتي المحل.
فجلس جاسم جانبها بإرهاق متمتماً باستياء.
- يادي أم المحل اللي واخد كل تفكيرك.
ووضع بيده على كتفها.
- ورد اتجوزت ومع جوزها في تركيا. ودلوقتي إنتي مش في السيدة زينب إنتي في المهندسين.
لتنتبه أن هذا الصوت ليس صوت شقيقتها. وتذكرت أين هي. فألتفتت إليه وفتحت عينيها ببطء تطالعه بعينين غاضبتين.
- انت دخلت عليا الأوضة وأنا نايمة إزاي.
فتنهد بحنق. وزفر أنفاسه بقوة.
- والله أنا ليا الحق في صلاحيات كتير. بس أنا اللي صابر عليكي.
فأعتدلت في نومتها وفركت عينيها كي تفيق له ولحديثه.
- اللي هي إيه دي مثلاً.
فمسح على وجهه بإرهاق. ورفع بسبابته يضعها على عقلها.
- ده في مخ ولا زتونة.
لتتجمد نظراتها على إصبعه. ثم أشاحت بوجهها بعيداً عنه متذكرة ما فعله معها بالصباح. ونهض من فوق الفراش ليقف يطالعها.
- الواحد يرجع من الشغل يلاقي مراته مستنية وعلي وشها ابتسامة لطيفة. مش نايمة لأ وكمان بتقوله دخلت عليا الأوضة إزاي.
وكاد أن يتجه لغرفة الملابس لتبديل ملابسه التي مازالت بهذه الغرفة ولن يفكر في نقلها. فذلك الأمر لن يطول كثيراً.
- إنت بتداري على اللي عملته الصبح عشان كده بتتريق عليا صح. بس أنا فاهمة كل حاجة.
ولم يجد جاسم أمامه إلا الوسادة. فجذبها من على الفراش ثم دفنها بوجهها متمتماً بحنق.
- نامي يامهرة نامي عشان أنا النهارده معنديش دماغ للعب معاكي ولا مع عقلك اللي زي عقل النملة.
وتركها محتقن الوجه. لتدفع عنها الوسادة محدقة بخطاه بصدمة.
- هو اتجنن ولا إيه.
تجلس بجانب والدتها تخبرها عن رغبتها في الذهاب للفتاة التي ساعدتها في الحصول على وظيفتها. لتربت والدتها على يدها بحب.
- روحي يابنتي. البنت دي أنا حبيتها قوي من كلامك عنها.
لتحتضن ريم والدتها بحب ثم قبلتها على وجنتها وهي تهتف.
- طب هاخدلها إيه هدية. أنا خايفة أخدلها هدية متعجبهاش ومتطلعش قد المقام.
لتجيب والدتها بتلقائية امرأة لم تر شيئاً من الدنيا إلا القليل.
- اديها فلوس يابنتي واه تنفعها.
لم تتمالك ريم ضحكاتها من بساطة والدتها.
- يا ماما دي مرات صاحب الشركة اللي أنا شغالة فيها. اديها فلوس برضوه.
فطالعتها والدتها بنظرات مفكرة متنهدة بيأس.
- خلاص نشتريلها مفرش من عند خالتك أم حسن.
فابتسمت ريم وهي ترفع يدي والدتها لها تقبلهما غير مصدقة طيبة وبساطة والدتها في عالم أصبحت المظاهر تغلب.
استيقظت ورد على لمسات دافئة. فأرتبكت بخجل متذكرة ما حدث بينهم منذ ساعات. اليوم امتلكها كنان وأصبحت ملكه قولاً وفعلاً. اليوم ضاعت كل مخاوفها. فكيف ستخاف من رجل إلى الآن يعاملها كالملكة.
- لا تغمضي عينيك ياورد. أعلم أنك استيقظتي.
فتوردت وجنتاها وضمت الغطاء لجسدها متشبثة به ومازالت مغمضة العينين.
- لست مستيقظة.
فضحك كنان بمتعة وهو يداعب وجهها بأنامله.
- ومن أين يأتي هذا الصوت. هل تتحدثين وأنت نائمة ياورد.
فابتسمت بمشاغبة.
- أجل أتحدث وأنا نائمة.
ليميل عليها بمكر. دافناً وجهه بعنقها.
- ماذا تقولون بمصر عند استيقاظ العروس وماذا تفعلون.
لتفتح ورد عينيها بحنين متذكرة وطنها وعاداته وتحدثت بتلقائية.
- بيقولولها صباحية مباركة يا عروسة. مع زغرودة حلوة كده.
فأبتعد عنها كنان يكتم ضحكاته بصعوبة. ورد تتكلم بلغة وطنها المحببة للنفس.
- زغرودة ياورد.
فأرتبكت من نظراته وهمست بخجل.
- احم.
ابتعد كنان أريد أن أنهض.
ولم يجد نفسه إلا وهو غارق معها في عالمها البسيط.
.................................................................
أنهت طعامها سريعًا ثم طالعته وهو يمضغ طعامه ببطء.
- أنتِ هنتناقش في موضوع شغلي.
ليتجنب جاسم النظر إليها، ثم أرتشف الماء وكأنه يبلع حديثها ويرطب حلقه مما لا يعجبه.
- أكيد مش هنتناقش وأنا باكل يامهرة.
فنظرت إلى طبقها بملل.
- ما أنا خلصت أكلي أه وشبعت.
ليضغط جاسم على شوكته وهو يائس منها، ثم طالعها بتهكم.
- معلش استحملي.. ممكن تقومي تعملي أي حاجة.
ثم تابع بهدوء.
- أقول على حاجة، اعملي لنا فنجانين قهوة واستنيني في الجنينة.
لتبتسم له بحماس ونهضت دون جدال، فقد بدأ يفهم طباعها ويتعامل معها، وألتمعت عيناه بخبث.
- الصبر يامهرة.. الطريق لسه قدامي طويل معاكي.
ونهض من فوق مقعده بعد أن مسح فمه بالمنديل.
وسار نحو غرفة مكتبه يريح رأسه قليلًا ويفكر.
.................................................................
حملت فنجاني القهوة داعية الله في سرها أن تكون صنعتها جيدًا، فهي لا تحتسي القهوة إلا نادرًا ولا تتذكر أنها صنعتها من قبل إلا مرة أو مرتين بعد إرشادات من والدتها.
والآن كانت هدى هي من ترشدها.
وخرجت للحديقة ثم جلست تنتظر قدومه، فبالتأكيد صعد لغرفته وسيأتي. دقيقة ودقيقة أخرى إلى أن بردت القهوة، لتنهض من جلستها بحنق تبحث عنه لتنتبه أن حجرة مكتبه مضاءة.
فأندفعت للداخل بضيق.
- استنيتك في الجنينة زي ما قلت وعملت كمان القهوة واهي بردت.
ليترك جاسم الأوراق التي كان يطالعها ببراءة.
- معلش يامهرة افتكرت حاجة مهمة في الشغل.. هخلصها وأفضالك.
لتحرك رأسها وهي تطالع الأوراق التي يطالعها.
- هستنى قد إيه.
فتمتم دون أن ينظر إليها.
- ساعة كده.
فزفرت أنفاسها بقوة وغادرت وهي تتمتم.
- مش مشكلة استنى ساعة، ما أنا كده كده مستنية من الصبح.
...................................................................
هتفت سهير بغضب وهي تنظر إلى أكرم.
- بتحطني قدام الأمر يا أكرم وبتحدد ميعاد مع الناس عشان نروح نخطب بنتهم.
وتابعت وهي تلقي بجسدها على الأريكة.
- طب شوف مين اللي هيروح معاك.
لتتجمد ملامح أكرم بغضب.
- ليه مش عاجباكي فهميني.. أنا بحب ضحى وهتجوزها سامعة ياماما.
لتضحك سهير ساخرة.
- ابقى شوف مين اللي هيجوزك يا روح ماما.
وألتقطت هاتفها على الطاولة التي أمامها ونظرت له وهو يرحل من أمامها بغضب.
- لازم أتصل بعزيز يشوف ابنه ده.
لتجد كرم يردف إليها وهو لا يستطيع إسناد جسده ويحك رأسه.
- صباح الخير.
لتمتعض سهير من حال ابنها الآخر.
- الليل بقى هو الصبح بتاعك..
وتركت الهاتف، فعزيز لم يجب عليها، وأخذت تضرب على فخذيها.
- ياميلت بختك ياسهير في عيالك.
ليجلس كرم جانبها بملل، ويداه تتحرك على أنفه وكأنه يستنشق شيئًا.
.................................................................
ظلت ثابتة طيلة الوقت حتى لا تنهار باكية أمامهم.
الكل يبحث لمراد عن عروس واختاروها هي لقربها الشديد منه وتنفيذه لكل ما ترغب به كي تجمع بين من تحب مع فتاة أخرى.. كانت تتأمل الفتاة وتقارن نفسها بها. هي جميلة مثلها، مثقفة.. لما لا ينظرون إليها؟ لتسمع صوت الفتاة وهي تسألها.
- آنسة رقية.. أستاذ مراد هييجي إمتي.
لترفع رقية عيناها نحو الفتاة وقبل أن ترد عليها وجدت مراد يردف لداخل المقهى وينظر باتجاه رقية، فوجد فتاة أخرى تجلس بجانبها وظن أنها صديقتها.
واقترب منهم مطالعًا رقية.
- إيه يامزعجة، إيه الأمر الضروري اللي طلبتيني عشانه.
ثم نظر للفتاة الأخرى محركًا رأسه بترحيب لها.
فأرتبكت رقية، فماذا ستخبره الآن؟ فهم اتفقوا معها على أن تخبره أنها صديقتها.
- اقعد الأول وهحكيلك.
فجلس بشك، فرقية تعد له كتابًا مفتوحًا. وبعد مماطلة في الحديث فهم ما يحدث.
ونظر إلى رقية التي تبدلت ملامحها وهي ترى كيف الفتاة تتجاذب معه الحديث. ولا يعلم لما أراد مضايقتها أو بالأصح حاجة أخرى بنفسه أرادت أن تعرف كيف تحبه.
- ممكن يارقية تسبيني شوية مع الآنسة نسرين.
لتبتسم نسرين بخجل، فتجمدت ملامح رقية ليضحك هو.
- إيه يارورو، روحي على الترابيزة اللي قدامي ديه عشان تبقي تحت عنيا واطلبي كل اللي انتي عايزاه.
وغمز لها، فشحب وجه رقية من طريقة صرفه لها.
وداخلها يهتف.
"مراد أعجب بها وهي هتتجوزها أكيد."
كان يشفق عليها ولكنه تابع تمثيليته بمكر.
- يلا يارورو، متبقيش عزول ياحبيبتي.
دموعها وقفت متحجرة في مقلتيها، لتنهض سريعًا من أمامهم وجلست على طاولة أخرى وأعطتهم ظهرها حتى لا يروا دموعها.
وبعد أن هدأت قليلًا وقاومت دموعها.. واختلست النظرات نحو الفتاة لتجد عيناها تلمع بانبهار نحو مراد.
......................................................................
انقضت الساعة وعاقبتها أخرى وأخرى، وكلما ذهبت إليه ليتناقشوا في موضوع عملها أخبرها أنه منشغل.
ارتشفت الشاي الذي أعدته لها هدى بنعاس وهي تتمتم لنفسها.
- لا فوقي يامهرة، أنتِ هتنامي.
وأخذت تفتح جفونها إلى أن سمعت صوته يهتف باسمها، فاتجهت نحوه تسأله.
- هنتكلم فين.
فدلك عنقه وتثاءب بنعاس.
- معلش يامهرة أنا مش قادر أفتح عيني ومرهق أوي، خلينا نتكلم بكرة على الفطار.
فتثاءبت هي الأخرى وتنهدت بيأس.
- استنى للصبح، مافيش مشكلة.
واقتربت منه تضع بسبابتها على صدره.
- وعد.
فأبتسم جاسم بهدوء وداخله يضحك.
- أكيد.
وصعدوا لأعلى ليتجه كل منهما لغرفته.
..................................................................
استيقظت وهي تنظر للساعة جانبها متذكرة الهلاوس الكثيرة التي اقتحمت ليلتها.
- مش معقول يضحك عليا.
وتنهدت وهي تمسح على وجهها.
- لأ أنا هروحله أوضته أصحيه وأتناقش معاه أضمن دلوقتي.
وهتفت بملل وهي تنهض من فوق الفراش وتخاطب نفسها.
- الساعة لسه ستة.. استني شوية كمان ولا أروح.
ووقفت للحظات تفكر، إلى أن عزمت أمرها واتجهت صوب غرفته.
لتطرق على باب حجرة، طرقتان خافتتان ثم أدلفت.
لتتسع عيناها.
رواية لحن الحياة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهام صادق
الفراش كان فارغ وشبه مرتب.. شعرت بالدماء تتصاعد لرأسها من شدة غضبها فبالتأكيد هو فعلا ذلك متعمدا.. وضغطت علي مقبض الباب متوعدة له.
ساعة قضتها جالسة علي الدرج بعدما تفقدت الجراح الخاص بسياراته فقد أكتشفت أنه محب لأقتناء السيارات حديثة.
وسمعت صوته وهو يتجه نحو الدرج ويتحدث بهاتفه.. ليغلق مع من يحادثه ووقعت عيناه عليها وهي جالسة هكذا تضع بكلتا يديها أسفل ذقنها وتحدق به.
ليصعد الدرجات نحوها مبتسما بهدوء.
- قاعده ليه هنا؟
وداعب أنفها بأصبعه ضاحكا.
- مالك متخشبه كده؟
لم يجد منها رد رغم أن نظراتها توحي بنيران تشتعل داخلها.. فأعتدل في وقفته وأكمل صعود الدرج.
- شكلك اتخرستي.. وأنا مش فاضي.
وعند سماع تلك الجملة اندفعت واقفة ووقفت أمامه.
- لأ مش هتضحك عليا زي امبارح.
وأخذت تقلده.
- استني أخلص أكل.. استني أراجع الأوراق اللي قدامي.. لأ مرهق نأجلها لبكره.
لتتسع أبتسامته ويمد كفيه نحو وجهها يضمه.
- وماله لما تستني جوزك.
وقرص وجنتيها بخفة.. وهي تقف أمامه تنظر ليديه التي تداعب بشرتها بأنفاس مضطربة.
وضحك وهو يري يدها تدفع يديه بعيدا عنها.
- آه بتصرفاتك ديه هتخسري معايا.
وأزاحها من أمامه متجها إلي غرفته مزيلا سترته الرياضيه عن جسده ليظهر جسده المتعرق من أثر الركض.
ليجدها خلفه.
- إحنا لازم نتكلم.
ليتابع طريقه نحو المرحاض.. فأتبعته لينظر لها جاسم وهي تردف للداخل.
- معنديش مشكلة على فكرة.
لتنظر لمكان وقوفها ثم شهقت بفزع لتندفع للخارج.
لتصدح صوت ضحكاته عاليا.
- ياريت تحضريلي هدومي زي أي زوجة شاطرة عارفة دورها.
ليتهكم وجهها وتهتف بتذمر.
- لأ.
ليبتسم جاسم وهو يحرك الماء على جسده بيديه.
- نفذي يامهرة اللي طلبته منك.. عشان نتفاهم مع بعض بالعقل على موضوع شغلك وتقنعيني بوجهة نظرك الجبارة يا روحي.
لا تعلم لما انصاعت لطلبه واختارت له ملابسه بعناية بل وكانت سعيدة بهذا الأمر.
نظر كنان لورد التي تتحرك أمامه كالفراشة تحضر له الفطور.
ليقترب منها محيطا خصرها بذراعيه بتملك.
- صباح الخير زوجتي الجميلة.
لتلتف له ورد بعد أن تحكمت برعشة جسدها من ارتباكها لأفعاله التي لم تعتد عليها.
فمنزلهم الآخر تشعر بالتقيد.
- صباح الخير زوجي العزيز.
ليضحك كنان بقوة وهو يقضم شريحة الخيار التي وضعتها بفمه.
حتى ظهرت كلتا غمازتيه.
فتذمرت.
- كنت أتمنى أن يكون لدي غمازات مثلك.
فتوقف كنان عن الضحك وأبتسم وهو يري تذمرها.
- لا تضحك ولا تبتسم أمام أحد يا كنان.
فأزداد ابتسامة كنان وهو يطاوق خصرها بتملك.
فدفعته على صدره برفق.
- قلت لا تبتسم.
لينفجر كنان ضاحكا.
- ما الأمر ورد.. تريدني ألا أضحك ولا أبتسم الاثنان معا؟
فحركت رأسها بمشاغبة.
- أجل.
ولم تشعر بعدها إلا وهو يحملها بمكر.
- سنرى هذا الأمر في غرفتنا ورد.
لتهتف باعتراض وهي تنظر نحو الفطار الشهي الذي أعدته.
- الطعام كنان.. إنه جميل.
وضاعت جملتها الأخيرة بعد أن أسكتها بطريقته الخاصة.
كانت تتابع كل رشفة يرتشفها من فنجان قهوته بملل.
وتنهدت بحنق من أفعاله معها متمتمة.
- أنا هادية خالص أه.
فأبتسم وهو يطالعها وقد أدرك أنها على حافة الانفجار بوجهه.
وترك الفنجان جانبا وحدق بها بصمت.
لتزفر أنفاسها بقوة.
- هنزل الشغل.
فتمتم بهدوء.
- مش موافق يامهرة.
لتضرب الطاولة بقبضة يديها.
ووجدته ينهض متمتما بضيق.
- أسلوبك ده لو متغيرش هعمل معاكي ديما بالأمر.. وزي ما شفتي امبارح أوامري بتتنفذ.
لتنظر له بغضب.
- أنت اتجوزتني عشان تحبسني.. أنا عايزة أطلق.
وتأوهت بألم وهو يضغط على ذراعها.
- ولما أطلقك هتروحي لحبيب القلب يمكن يتجوزك وتبقي الزوجة الثانية؟
أوجعته عباراته فكيف يظن بها هكذا.
فحسين قد محته من حياتها بعد أن أخبرها أنه كان لا ينظر لها إلا كشقيقه.
فهو رجل غارق في حب زوجته.
فحبها لحسين كان وهم ودفعت ثمنه في تلك اللعبة التي دخلتها بأرجلها.
وكل هذا من أجل كبريائه الذي في لحظة حثها أن تخبر الجميع أنها أنثى مرغوب بها وليس أي شخص.
رجل تعلم بأن أغلب النساء ومن أعرق العائلات ترغب به.
فجاسم جماله كان يتمركز في رجاحة عقله الذي يفقده معها.
وعندما رأى الألم ظاهر على وجهها.
ترك ذراعها زافرا أنفاسه بضيق.
- انتي ليه عايزاني أتعامل معاكي بالتسلط والأوامر؟
فدمعت عيناها وهي تدلك ذراعها.
- انتي اللي عايز تحرمني من حياتي القديمة.. عشان خايف ليعايروك.
وتابعت بوجع.
- وهتفضل تعايرني بحبي لحسين مع إنك متعرفش أنا حبيته ليه ونسيت كرهي للرجالة معاه.
عيناه كانت جامدة عليها وهو يصارع أنفاسه من تلك المشاحنة التي تنفذ طاقته.
- أنا حبيت حسين عشان كان حنين.. هو الوحيد اللي ما عايرنيش بشكلي ولا بلبسي.
ولا إني بنت الست اللي جوزها رماها هي وبناتها.. الست اللي كل ستات الحي بتخاف على جوزها لتخطفه منه.
كلماتها أوجعته مثلما أوجعها.
لتجده يقترب منها يضمها بحنان.
أنصدمت في البداية من فعلته ولكن شعور غريب اقتحمها وهي بين ذراعيه.
فيبدو أن هذا هو شعور الأمان الذي أخبرتها به ورد.
- أنا مش موافق على شغلك في محل البقالة.
وعندما شعر بتملصها منه.
ابتسم.
- اسمعي كلامي في الآخر.
فأستكانت على صدره تشم رائحة عطره بخمول.
واغمضت عيناها وهي مستمتعة بضمه إليها.
- أي شغل شريف فهو بالنسبة لي قمة الفخر.
بس ده لو انتي محتاجة يامهرة.
فتمتمت بنبرة خافتة.
- بتحاول تقنعني.
فضحك وهو مستمع بتلك اللحظة متعجبا من سكونها الذي يعلم أنه سينتهي بلداعة لسانها.
- أكيد بحاول أقنعك بالعقل يامهرة.. أنا معنديش مشكلة إنك تحققي طموحك في المحاماة.
تعملي دراسات بالعكس هشجعك.
فوجدها ترفع عيناها نحو غير مصدقة.
- بجد؟
فتمتم بمرح.
- لأ بهزر يامهرة.
وتابع بحنان وهو يمسد على ظهرها.
- نجاحك من نجاحي.. أنا ديكتاتور أه زي أي راجل شرقي في حاجات معينة بس في حاجات تانية لأ.
لتتسأل وهي غائبة معه في تلك اللحظة.
إلى الآن تظن أنها تحلم فهل هذا حقا جاسم الشرقاوي الرجل الذي عاشرته من خلال عملها معه.
- زي إيه؟
فطالعها مستفهما وعيناه مركزة على عينيها التي تلمع بوميض عجيب.
- تقصدي إيه؟
فعادت تستكين بوداعة بين ذراعيه مما أثار دهشته.
- إيه اللي حاجات اللي هتقف معايا فيها ومش هتكون ديكتاتور؟
فأبتسم وهو يضع بذقنه على قمة رأسها.
- زي أحلامك يامهرة.. طموحك.. رأيك مدام صح مش مجرد عند وتمرد.
فأتسعت ابتسامته أكثر وقد شعرت أنها تريد أن تغفو.
فسمعها وهي تتثاوب.
- مهرة انتي هتنامي؟
وكأن سحر تلك اللحظة أنتهى.
لتبتعد عنه بفزع تنظر إليه وإلى قربهم.
- أنت إزاي حضنتني؟
فأنفجر ضاحكا.
- ده على أساس إن حضني مكنش عاجبك.
لترتبك من حديثه ونظراته.
تلوم نفسها على ضعفها وأشاحت عيناها بعيدا عنه عائدة إلى نفس السؤال.
- هشتغل في المكتب بتاعي.. وهسيب محل البقالة لشيكا.
فرفع حاجبيه بتعجب.
- مين شيكا ده؟
لتجيبه بهدوء.
- شيكا جارنا في المنطقة.. هبقى أعرفك ليه.
شعر باليأس منها.
وتنهدت بضيق متذكرا حسين.
- مدام عايزة تشتغلي تعالي امسكي الشئون القانونية عندي.
لتهتف بصياح.
- شغل تاني معاك لأ.. أنت راجل ديكتاتور في شغلك.
وكأن اليوم هو يوم الضحك.
فأشار على نفسه.
- أنا ديكتاتور يامهرة.
فحركت كتفيها بلامبالاة.
- أيوه.. أنا محبش شغل الرئيس والمرؤوس ده.. بحب أبقى مستقلة بعملي الحر.
فتهكم وهو يتذكر مكتبها الذي يعد حجرة ضيقها صغيرة ويعلم أن موكلينها في القضايا ما هم إلا أهل منطقتها البسطاء.
- مكتبك اللي شبه جحر الفار ده عمل حر.
وحرك رأسه بيأس.
لتتجمد عيناها بضيق من سخريته.
- بتتريق عليا؟
على العموم نفذ وعدك ومتقفش قدام أحلامي وطموحاتي.
وبدأ رنين هاتفه يعلو.
لينظر في ساعته غير مصدقا أن حديثهم طال لتلك الدرجة.
فتنهد بتعب وهو يكتم صوت رنين الهاتف.
- أه شوفي لأول مرة بسببك هتأخر على اجتماع.
ومسح وجهه بأرهاق من مجادلتها والسير مع طريقة تفكيرها وطالعها بهدوء.
- مدام رافضة الشغل معايا.. تدربي مع أستاذ فؤاد في المكتب بتاعه وبعدها هفتحلك مكتب كبير في أي مكان تشاوري عليه.
أغراه اقتراحها حتى أن عيناها قد لمعت بسعادة.
ولكن تذكرت هدفها السامي من مهنتها.
هي لا تريد المال ولا الشهرة.
هي تريد أن تساعد الناس الذي كانت تحي وسطهم.
تقف بجانب المظلوم الضائع حقه وسط عالم ملئ بالحيتان.
وإذا ذهبت لعالم جاسم لن تحقق كل ما حلمت به.
- أنا موافقة أدرب مع أستاذ فؤاد بس هفتح مكتبي اللي تريقة عليه وسميته حجر الفار.
وضغطت على عباراتها الأخيرة وهي تحدق به بتمرد.
ليزفر جاسم أنفاسه متنهدا بقوة.
- وأنا موافق يامهرة.. وواثق فيك.
لم تفهم معني عباراته الأخيرة.
رغم أن مغزاها كان واضح وهو حبها لحسين الذي مازال مقيما مع والديه ولم يسافر بعد.
وأتسعت عيناه ثم ضحك وهو يسمعها تهتف بحماس.
- والله أنت راجل عسل.. وهبدأ أغير وجهة نظري عنك.
ليرحل جاسم من أمامها قبل أن ينفذ مخزون صبره منها.
- الصبر يارب.
لتحدق في خطاه متمتمة.
- أنا قولت حاجة غلطت.
وألتفت نحو المائدة التي تحتوي على فطار صحي ولذيذ كانت تظنه أنه في المسلسلات فقط.
وتذوقت المربى هاتفه.
- المربى بتاعتهم طعمها غريب.. أكيد مستوردة.
كانت ريم تحمل الكثير من الملفات وتسير بها نحو أحد الأقسام.
لا تعلم لما مديرتها غليظة معها في التعامل منذ أن انضمت للقسم الخاص بالمحاسبة والمعاملات المالية بالشركة.
زملاؤها يتعجبون من هيئتها البسيطة ومن دخولها للعمل في شركة ضخمة دون أن تكون مؤهلة.
فهي من وجهة نظرهم لا تستحق هذا العمل.
وكأن الأرزاق توزع على مؤهلاتك أو هيئتك.
وسقط منها ملف لتنحني لتجلبه.
ولحظها العثر سقطت باقية الملفات.
لتلتقطهم سريعا ونظرات بعض الموظفين تخترقها.
وأكمل حظها اليوم أن يمر كل من جاسم وياسر من جانبها فهذا الدور.
ليقف جاسم ينظر لها بجمود فترتبك من نظراته وانصرف.
ليطالعها ياسر ببرود.
- بتمشي في الشركة أما تخبطي في حد أو توقعي حاجة.
وتقدم نحو جاسم الذي سألوه عن هويتها وأي قسم كي ينذر مديرها.
لتنتبه فيما بعد.
- مش عارف بصراحة.
بس تقريبا الملفات كانت محاسبات مالية ممكن تكون موظفه جديده في الحسابات.
وقف جاسم أمام المصعد وهو يحرك رأسه بتفهم.
اتجهت إليه في وقت استراحة العمل، لتجده جالس بأسترخاء يضحك علي حديث مشيرة.
ما إن انفتح باب الغرفة ابتسمت بمكر.
- المدام باين عليها بتحبك اوي يابشمهندس.
ليبتسم كريم لزوجته التي وقفت تحدق بهم بجمود.
وأرخت ملامحها سريعًا حتى لا تفسر مشيرة أنها تخشاها.
فمن نصايح مهرة لها التي لا تعلم من أين تأتي بالنصائح تلك، أن لا تجعل زوجها يشك بنوايا مشيرة الحقيقية اتجاهه، حتى لا تفتح عيناه على أبواب طريق هي في غنى عنها.
ورسمت ابتسامة هادئة على شفتيها عكس ما بداخلها.
- أكيد يامدام مشيرة مقدرش استغني عنه.
فلمعت عين كريم بسعادة وتقدم منها.
لِتنهض مشيرة من مقعدها باستياء.
- نتكلم في مشروعنا مرة تانيه يابشمهندس.
وحملت حقيبتها لتسير بخطوات هادئة من أمامهم.
وفور أن انصرفت... تحركت مرام نحو المقعد وجلست عليه.
ثم نهضت تتحرك مثلها بغنج.
لينفجر كريم ضاحكًا وهو يراها كيف تقلدها.
وجذبها نحوه بحب.
- قولي إنك بتغيري.
فهمست وهي تحرك يديها على وجهه.
- مبحبش مشيرة ديه ياكريم.
فضمها إليه بعشق.
- ولا أنا بستلطفها بس ده شغل يامرام والشغل مفيهوش بحب أو أكره.
فابتسمت بسعادة، فتصريحه قد أراحها.
وقفت تفرك يديها بتوتر وهي تستمع لتوبيخ مديرتها لها.
- الإهمال ده ميتكررش تاني.. مش على آخر الزمن واحدة زيك بسببها آخد لفت انتباه من جاسم الشرقاوي.
فطأطأت ريم رأسها بخزي.
- مش هتتكرر تاني أوعدك.
لتنظر لها مديرتها والتي تدعى جيهان بضيق.
- اتفضلي على شغلك.
ثم هتفت قبل أن تنصرف.
- ياريت تهتمي شوية بكورسات اللغة والمحاسبة زي زمايلك، على طول بيطوروا نفسهم.
ولا عايزة تفضلي زي ما انتي كده ولا حاجة.
الإنجليزي بتاعك سيء للأسف.
فحركت رأسها بصمت وغادرت وهي لا تعلم من أين ستدفع مصاريف تلك الدورات المكلفة.
فراتبها يكفي معيشتها ودراسة أخيها وعلاج والديها.
الهم أصبح مثقل على أكتافها منذ وفاة شقيقها.
وتنهدت بألم وهي تتذكر ذهابها اليوم لمهرة.
أغلقت الهاتف بسعادة بعد أن أخبرتها رقية بأنها ستأتي إليها لتتحدث معها.
لتنظر إلى فوزية التي كانت تقص عليها مغامراتها مع جارتها.
فمغامرات فوزية لم تتوقف مع زوجها فحسب.
- وضربتيها بالشبشب يافوزيه.
فتمتمت فوزية بضيق.
- وكان خسارة فيها والله ياست مهرة.
وتابعت وهي تضغط على أسنانها بغل.
- يعني يرضيكي تضحك عليا في فلوس الجمعية.
آه كل ما أفتكر الفلوس اللي راحت قلبي يوجعني.
لأ أنا هروح أضربها علقة كمان.
فضحكت مهرة.
ثم نظرت إلى هاتفها الذي دق برقم غير مسجل لديها.
وتمتمت بسعادة وهي تسمع صوت ريم وهي تخبرها بهويتها.
ثم استأذنت منها لتأتي لزيارتها كي تبارك لها على زواجها.
ونظرت هدى نحوها بتسأل.
- في حد جاي تاني من أصدقائك.
فحركت مهرة رأسها.
وهي تنظر لفوزيه.
- نوقف النهارده مغامراتك اللي هتوحشني لما أرجع الشغل.
فضحكت فوزيه كما ضحكت هدى.
لتتجه مهرة نحو الخارج متذكرة أن عليها إخبار جاسم بالأمر.
ففي النهاية هذا منزله.
وهاتفاته وهو ينهي اجتماعه.
ليجيب عليها بهدوء.
- خير يامهرة.
وتنهد بهدوء وهو يستمع لها.
- في ضيوف جاييلي.. أقابلهم هنا ولا بره.
لو هنضايقك بلاش.
قاتل بحنق من تصرفاتها.
- السؤال ده ميتسألش تاني.. ده بيتك انتي كمان وضيفي اللي تحبيه فيه.
انتبهت ابتسامتها.
- شكراً... أنا موافقة أدرب مع أستاذ فؤاد وبرضوه هفتح المكتب بتاعي.
ليزفر جاسم أنفاسه وهو يطالع ياسر الذي مازال يجلس معه في غرفة الاجتماعات بمفردهما.
- لما أرجع نبقى نتكلم.. سلام.
وأغلق الهاتف.
لتنظر لهاتفها.
- سلام.
نظرت ورد للمياه بفرحة.
وكلما لامست قدماها الماء ابتعدت.
ليضحك كنان على أفعالها حاملاً إياها بين ذراعيه.
- سنعوم ورد.
لتنظر ورد حولها فالمكان كان خالي من الناس.
- لا كنان أرجوك.
ولكن كنان كان يستمتع بتشبثها به القوي.
- لا تخافي ورد.. لو كان جواد هنا لضحك عليكي.
فابتسمت ورد بحنين إلى جواد الذي أعجبه الإقامة مع أبناء عمه.
وبدأت رحلة تعليمه لها التي كان يملئها الضحك والمرح.
تنهدت رقية بأسى وهي تقص لمهرة عن لقاء مراد بالعروس المختارة من خالتها وزوجها.
وكيف كانت هي الوسيط بينهم.
أوجعها ما عاشته رقية لتضمها لها بحنو.
- بكرة هيحس بحبك.. بس هو للأسف لسا شايفه البنت الصغيرة اللي رباها.
ونظرت نحو ريم التي تجلس بخجل.
- وانتي ياريم عاملة ايه في شغلك.
فرفعت ريم عيناها نحوها.
وهي تشرد في معاناتها مع مديرتها.
- الحمدلله.
فابتسمت مهرة وهي تحذرها.
- أي حد يضايقك قوليلي.
فداعبتها رقية وهي تمسح دموعها.
- دلوقتي بقت قوة عظمى.
لتضحك مهرة.
وكظت رقية في ذراعها.
- لأ مش هستخدم سلطتي.. أنا هستخدم معاهم القانون.
لتتسع عين رقية.
- هترفعي على شركات جوزك قضية.
فابتسمت بزهو.
- آه لو ظالم هعمل كده.
لتأتي هدى إليها تخبرها.
- الغدا جاهز.
ورغم اعتراض ريم وخوفها من التأخير، إلا أن مهرة قد أرغمتها بل وحادثت والدتها.
أما رقية اتجهت لتناول الطعام وهي تمسح على معدتها بجوع.
كانت جالسة ممتعة يملأها الضحك وكل منهم نسي ما يشغل بالها.
وانصرفت ريم مع رقية التي أصرت على توصيلها بسيارتها.
انتهى اليوم بسلام وصعدت نحو غرفتها وهي تتذكر أنها إلى الآن لم تنعم بحمام الجاكوزي الذي كل يوم تنوي عليه.
ولكن لعدم تعودها على هذه الأشياء كانت تنسى الأمر وتكتفي باستحمامها الذي اعتادت عليه.
ووعدت كل شيء وهي تهتف بحماس.
- أنا فعلاً محتاجاك النهارده.. أما نجرب الجاكوزي اللي قرفنا بيه في المسلسلات.
ومدت ساقيها ثم كان كامل جسدها أسفل المياه المعطرة بأرقى أنواع الزيوت.
وابتسمت بسعادة وهي ترى المياه كيف تتدفق.
- لأ أنا كده ممكن أنام فيه.
ومر الوقت وهي تشعر بالاسترخاء ومستمتعة بوجودها.
حتى أنها بدأت تدندن مع نفسها.
اردف جاسم بأرهاق للغرفة متعجباً من عدم وجودها.
فهدي أخبرته أنها صعدت منذ مدة لأعلى.
وأسترقى السمع.
لترتسم على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يستمع لغنائها.
- ياطالعة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة.
يامهرة.
وحرك مقبض الباب وعيناه تلمع بوميض من المكر.
رواية لحن الحياة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سهام صادق
أنتهت من دندنتها وهي تسترخي أكثر في المياه الدافئة .. ومات برأسها للخلف وأغمضت عيناها.
فحمام كهذا جعلها في قمة الهدوء والراحة .. حتى عضلات جسدها المتشنجة استرخت كما استرخت هي.
انفتح الباب فجأه لتلتف برأسها وعيناها متسعتان.
تحدق بالواقف أمامها .. وتذكرت وضعها.
فهبطت بجسدها بالكامل أسفل المياه حتي أصبحت المياه تغمرها.
- أخرج بسرعه من هنا.
كان صوتها يخرج مخنوقا من أسفل المياه. فأشفق عليها وانتشل نفسه من لحظة هيامه بها. أراد أن يلاعبها ويتسلى قليلا وكانت النتيجة عبث بمشاعره.
وأغلق الباب وأخذ يتنفس بصعوبة وهو يدلك عنقه.
- هايل يا جاسم. نجحت أنك تبان ضعيف قدام نفسك وقدامها.
وانصرف من الغرفة فلم يعد قادرا على مواجهتها.
كانت تقف خلف الباب تتشبث بالمنشفة التي تحيط جسدها والمياه مازالت تتقطر منها. وعندما سمعت باب الغرفة يغلق بقوة علمت أنه غادر.
فتنهدت براحة وخرجت وهي تضم المنشفة بقوة بأيديها حول جسدها. تكاد تبكي من فرط خجلها ومما حدث.
وجلست على الفراش تزفر أنفاسها متمتمة:
- أكيد مكنش قصدها.
وضربت على رأسها بضيق.
- أنا غبية عشان مقفلتش باب الحمام كويس.
ووقفت تدور حول نفسها وهي تتذكر تفاصيل تلك اللحظة تقنع نفسها أنه بالتأكيد لم ير جسدها.
جلس في غرفة مكتبه سارحا. يغلق الكتاب الذي بيده ثم يغلقه. وتنهد وهو ينظر في الساعة التي بجانبه فالوقت قد اقترب من منتصف الليل وهو مازال جالس هكذا يصارع عقله بأن ينسى تلك اللحظة التي جعلته يدرك أنه راغب بها بشدة.
ونهض من فوق مقعده نافضا عقله من تلك الأفكار.
فمن متى كانت الرغبة تتحكم فيه.
وخرج من الغرفة ليجدها تهبط الدرج بخفة وارتبكت عندما رأته مازال بالأسفل.
فتنحنح وقد قرر أن يتحدث في ذلك الأمر.
- أنتي لسه منمتيش؟
فحركت مهرة رأسها بصمت. وأكملت هبوط الدرج.
لتقع عيناه على بنطالها الجينزي الذي تشمرت أطرافه لأعلى قليلا ونعل منزلي طفولي مضحك لا يعلم من أين أتت به. وسلطت عيناها على قدميها لتفهم سبب ضحكته. فتمتمت بحنق طفولي:
- بتضحك على إيه؟
فأقترب منها وهو مازال يطالع أقدامها.
- مش عارف ليه حاسس إني شوفت الشبشب أبو صباع ده قبل كده.
فعقدت حاجبيها بضيق وهي ترى تهكمها على حذائها الذي جلبت منه ألوان عدة.
- أنا لسه أول مرة ألبسه. معجبتنيش اللي أنت جايبهوملي. ذوقهم وحش.
فتعالت صوت ضحكاته وهو يرفع حاجبيه.
- ذوقهم وحش. سبحان الله دول ماركة. عارفة يعني إيه؟
فوقفت قبالته.
- ميهمنيش. أنا بحب أجيب الشباشب بتاعتي من ماركة سوق التلات.
فتمتم ضاحكا.
- سوق التلات.
لتتخطاه نحو الشرفة الزجاجية التي تطل على حمام السباحة. وتدق الأرض بنعلها.
- شايف بيترقع إزاي؟
لم يعد قادر على كتم صوت ضحكاته وتمتم وهو يجدها تفتح الشرفة وتتجه نحو حمام السباحة.
- أظاهر الجوازة دي ليها فوايد كتيرة.
وسار خلفها وهو يعد فوائدها.
- حرقة الدم. الضحك. وفقد الأعصاب.
ووجدها تجلس على حافة حوض السباحة وتخلع نعلها لتضعه جانبا. وتدلي بساقيها للمياه مستمتعة ببرودة الجو في ذلك الوقت.
ووقف جاسم خلفها يائس من فهمها.
وقرر أن يخرج عن طور الوقار ويفعل مثلها.
وجلس بجانبها. فتعجبت من أمره.
- عجيبة جاسم بيه الشرقاوي قاعد القعدة دي.
فأبتسم لها جاسم وهو يحدق بها بمتعة.
- ما مرات جاسم بيه الشرقاوي قاعدة برضوه كده. فميقعدش ليه ويشارك زوجته استمتاعها؟
فابتسمت فرده قد أرضى شيئا داخلها لا تعرف ما هو.
- أنت غريب أوي.
فضحك جاسم بتسلية وهو يشيح عينيه عنها.
- غريب ليه يا مهرة. أنا إنسان طبيعي جدا.
وتابع بهدوء وهو يلتف نحوها مجددا.
- جاسم اللي اشتغلتي معاه. غير جاسم الزوج. لأن الاتنين مافيش وجه مقارنة بينهم.
فتنهدت وهي حائرة من حديثه.
- مش كل الناس بتقدر تفصل في شخصيتها في شغلها ومع الناس وشخصيتها مع أهل بيتها.
لتشعر بملمس كفه على وجهها وتأملها بدفء قد رأته في عينيه.
- والدي الله يرحمه كان بيعرف يفصل بين شغله وحبه وحنانه ليا ولوالدتي.
واغمض عينيه وهو يتذكر والدته بألم. فكيف تنسى ذكري رجلا كأبيه وتتزوج ولكن حدث ما حدث وانتهى فالحياة أصبحت تعلمه أن لكل شخص أسبابه.
- كان ضابط في الجيش ومع ذلك كان بيعرف يحتوي عيلته إزاي.
وتذكر أحد المرات التي ذهب معه لمقر عمله حينما ورغم صغر سنه حين عاشت تلك الذكريات إلا أنه مازال يتذكر كل شيء.
- مرة صممت أروح معاه شغله. كنت طفل صغير بس لأول مرة كنت أخاف منه وهو بينفذ القرارات بحزم وهو واقف قدام عساكره والكل بيبصله باحترام رغم أنهم كانوا بيحبوه بس بيخافوا منه.
وتابع ومازالت كفه تجول على وجهها بنعومة ورفق.
- تعرفي وأنا صغير كان نفسي أبقى ظابط.
فابتسمت بتوتر وهي تبتلع ريقها من أثر سحره عليها حينما يتحدث بشخصيته الأخرى الحنونة.
- أنت كان نفسك تكون إيه بالظبط؟
وتابعت وهي تضحك بخفة بعد أن أشاحت وجهها بعيدا عنه.
- ظابط ولا دكتور صيدلي ولا رجل أعمال؟
فابتسم بهدوء وهي يراها تتهرب عنه بعينيها.
- كان نفسي أبقى إنسان ناجح وبقيت.
فضربت كفوفها ببعضها.
- آه. غرور جاسم الشرقاوي رجع.
فضحك بصوت رخيم.
- بعض من الغرور لا بأس منه.
واحاطها بذراعه. فأنكمشت على نفسها وحاولت أن تبتعد ولكن كالعادة جذبها بحديثه.
- جدتي كان حلمها أبقى دكتور صيدلي زي جارنا اللي كانت بتحبه. وبصراحة أنا كمان كانت عجباني شخصيته. بس لما سافرت كندا لقيت نفسي ناجح في مجال تاني خالص التسويق والبيزنس.
فتسألت وهي ترفع عيناها نحوه.
- جدتك اللي ربتك؟
فابتسم وهو يتذكر جدته الحنونة.
- بعد ما ماما اتجوزت وسافرت مع جوزها.
فعادت تتسأل.
- وكريم؟
فزفر أنفاسه وهو يطرد ذكرى تركها له.
- سافر معاه لأنه كان لسه صغير. أما أنا كبير وراجل.
تمتم جملته الأخيرة بتهكم ممزوج بألم قد شعرت به. حتى أنه أرخى ذراعه عنها وابتعد عنه قليلا.
أدركت حينها أن للكل ذكري مؤلمة حين يتذكرها يتذكر آلامها.
وشعر بيدها تربت على يده برفق وابتسمت وهي تخاطبه.
- والولد اللي جدته العجوزة ربيته بقى رجل أعمال كبير وعنده شركات واسمه بقى ليه وضع في البلد كلها.
لا يعلم لما كلماتها كانت كالبسلم على جروح ماضيه.
ووجد نفسه دون شعور يميل عليها يلثم جبينها بقبلة حنونة أرتجف جسدها لها.
وابتعد عنها ينظر لعيناها فوجدها تغلقهما بقوة. وعاد يقرر فعلته ولكن باتجاه شفتيها.
لتنقطع سحر تلك اللحظة قبل أن يقترب من مبتغاه ووجد نفسه يهوي في حوض السباحة ومهرة تركض للداخل.
فضحك بضخب وهو يتكئ بساعديه على حافة حوض السباحة.
- يا مجنونة كل ده عشان أبوسك.
وتنهد بحب وهو يضع بكفه على قلبه الذي يخفق بقوة.
- كنت محتاجك من زمان يا مهرة.
يقود سيارته وهو يرفع كفها من حين لآخر يقبله. ويطالعها مبتسما.
- سآخذك لكل مكان ذهبت له وأعجبني. أريدك أن تشاركيني كل شيء يا ورد.
فتوردت وجنتا ورد بخجل.
- وأنا أيضا.
فتعجب من إجابتها فتسأل وهو يغمز لها.
- هل سافرتي لخارج البلاد يا ورد من قبل وأنا لا أعرف؟
فصدح صوت ضحكاتها متذكرة أحلامها التي كانت تقصها على مهرة. فكانت مهرة تضحك عليها وتهتف باستياء.
"عايزة تلفي العالم وأنتي حتى مروحتيش بلطيم. اتغطي ونامي يا ورد."
ليلتف نحوها كنان متسائلا.
- ما الأمر يا ورد؟
فوضعت بيدها على فمها كي تكتم صوت ضحكاتها.
- أنا لما أتجول داخل مصر يا كنان. حتى أسافر حول العالم. كنت أقصد حين نسافر لمصر سآخذك لكل مكان تجولت فيه.
فابتسم بحنو ومد له ذراعه حتى تقترب منه. فأقتربت ليضمها له وهو يركز بعينيه على الطريق متمتما.
- سأرفقك لكل مكان تريده يا ورد. أريد أن تأخذني لعالمك الهادئ حبيبتي.
فابتسمت وهي داخل أحضانه. واتنفست بعمق رائحته.
- بحبك يا كنان.
فاتسعت ابتسامته.
- وأنا أيضا حبيبتي.
وتذكر أنها إلى الآن لم تخبره سبب ضحكاتها.
- لما كنتي تضحكين بقوة؟
فضحكت بخفة وهي مازالت على وضعها يحيطها بذراعه.
- تذكرت مهرة عندما كنت أقص عليها أحلامي في السفر حول العالم.
فضحك هو أيضا وهو يتذكر طبيعة مهرة.
- وماذا كانت تخبرك؟
فرفعت عيناها نحوه لتجد يركز في القيادة ويحادثها.
- تخبرني كيف سأسافر حول العالم وأنا لم أذهب إلى بلطيم.
فتسأل كنان بغرابة.
- بلطيم؟ هل لديكم مكان اسمه هكذا؟
فابتعدت عنه وهي مازالت تضحك.
- نعم. وسنذهب إليها ونأخذ مهرة وجاسم.
وكانوا قد أخيرا وصلوا إلى مسكنهم. لتنفتح البوابة الإلكترونية فيضحك كنان.
- نذهب لأي مكان تريده حبيبتي.
كانت فريدة تقف أمام الشرفة تنظر إلى ابنها وهو يهبط من السيارة ثم يذهب اتجاه ورد ويضمها له صاعدين بعض الدرجات نحو المنزل لتضغط على شفتيها بقوة وهي تتحدث بالهاتف.
- اخرجي من أحزانك يا سيلا وعودي من رحلتك.
كنان يجب أن يعود لكي.
أنا لا أطيق تلك الفتاة.
زفرت رقية أنفاسها بحنق وهي تجد نفسها جالسة مع عروس أخرى اختارتها خالتها لمراد.
وفور أن وصل مراد النادي بعد أن مارس رياضة الإسكواش المفضلة لديه، جلس على الطاولة يأخذ أنفاسه ويرتشف من زجاجة الماء.
"أنسة كارما مش كده؟"
فابتسمت كارما بانبهار، فهي لم تتوقع أن يكون العريس بمثل تلك اللياقة والوسامة.
"ممكن تقولي يا كوكو."
فابتسم مراد وهو يلتف نحو رقية الجالسة معهم.
"جميلة أوي كوكو دي."
فنهضت رقية تسحب حقيبتها بغل.
"مهمتي كده انتهت.. هروح أتمشى شوية لحد ما تخلص اللقاء اللطيف ده."
لتشير لها كارما بسعادة من انصرافها.
"باي رقية."
فنظر مراد إلى كارما التي تحرك أهدابها له بطريقة عجيبة.
"انت جميل أوي يابيبي."
فأتسعت حدقتي عين مراد.
"بيبي؟"
ظل يبحث عنها بعينيها ليجدها تقف بجوار سيارته تمسك إحدى المثلجات في يدها تلتهمها بشراسة.
ليقترب منها مراد ضاحكًا.
"إيه الغل ده؟"
فابتلعت رقية ما تأكل ونفضت يدها سريعًا.
"عجبتك العروسة؟"
ليحرك مراد رأسه بخبث.
"لأ معجبتنيش.. ويلا عشان نروح."
فتهللت أسارير رقية واتسعت ابتسامتها بعد أن كانت تقف عابسة وتسألت وهي تجلس بجانبه في السيارة بفضول.
"ومعجبتكش ليه؟"
فتمتم مراد بحنق وهو يقود سيارته ويخرج من بوابة النادي.
"عشان كلمة بيبي."
فطالعته رقية بدهشة من حنقه من كلمة معتادة على سماعها بل وتقولها لرفيقاتها.
"بيبي؟!"
ابتسم جاسم وهو يراها تتناول فطورها بحماس تخبره عن سعادتها بذلك التدريب.
"هدرب فترة وهتابع مكتبي برضه في الحي بتاعنا."
فحرك جاسم رأسه بيأس، فقد كان يود أن تتخلى عن أمر ذهابها لمكتبها بالحي، فقد فرح أنها وافقت على اقتراحه ببدء العمل من بداية الأسبوع وظن أنه يستطيع التأثير عليها.
وها هو بداية الأسبوع قد أتى وهي كما هي متشبثة بعنادها.
"وجودك هنا يبقى قبل ميعاد وصولي، مفهوم؟"
فحركت شفتيها باستياء.
"إيه التحكمات دي؟"
فتجمدت ملامح جاسم وهو يتناول فنجان قهوته.
"مهرة!"
فتمتمت بضيق.
"أنا كان مالي ومالك ومال الجواز واللعب معاك.. أنا كنت قاعدة مع نفسي مستترة وببني كياني المرموق."
لتصدح ضحكات جاسم عاليًا.
"كيان مرموق إيه ده؟ في محل البقالة ولا جحر الفار بتاعك؟"
فنهضت بضيق.
"قلت لك متتريقش على طموحاتي ومشاريعي."
وأدبرت عنه بحنق. ليقف خلفها.
"يلا عشان أوصلك يا أم مشاريع عريق."
وتقدم أمامها وهو يبتسم، فسعادته أصبحت حين يرى حنقها ويسمع تذمرها.
رحب بها فؤاد بحفاوة.
"اتفضلي اقعدي يا أستاذة مهرة."
فجلست مهرة قبالته.
"أنا عايزة تعاملني كأي شخص عادي محدش توسط لي."
فابتسم فؤاد بسعادة.
"تعرفي إن كلامك ده فرحني.. انتي كده أثبتيلي نظرتي فيكي."
فابتسمت وهي تتذكر تلك القضية التي أوكلها له جاسم.
"انتي تلميذتي دلوقتي يا مهرة.. وإن شاء الله شغلك هنا هيضيف لك خبرة كبيرة في حياتك المهنية."
فحركت مهرة رأسها بسعادة، فهي تعلم أن عملها هنا سيجعلها تتعمق في القضايا الكبرى وتفهم خبايا القانون أكثر وأكثر، فخبرتها للأسف ضئيلة تتمحور في القضايا الصغيرة.
واستدعى فؤاد أحدهم يخبره بانضمامها لهم.
لتبدأ أول يوم كتعارف وفهم بعض الأمور.
وانصرفت في وقت الظهيرة وقررت أن تذهب لشركة جاسم فقد كانت قريبة من مقر عملها.
أصرت ورد أن تطهو اليوم لـ"كنان" وتعد له طعامًا مصريًا، وقد تركت لها عظيمة، مدبرة المنزل، المطبخ هي والخادمة الأخرى لتفعل ما تريد، فهي سيدة المنزل.
لتقف فريدة على أعتاب باب المطبخ الواسع.
"هذا هو مقامك، وليس بجانب ابني."
وانصرفت فريدة لتظل ورد ثابتة في مكانها ودموعها تنهمر على وجهها، ففريدة تكرهها بشدة.
"لماذا تكرهني هكذا؟"
جلست مشيرة بجانب إحداهن ضاحكة.
"شاطرة، عايزة أخليكي تقربي منها لحد ما تثق فيكي. دايماً فهميها إنها لازم تنجح وتبقى سيدة أعمال، وإن الراجل لما بيلاقي مراته شخصيتها منعدمة بيهينها."
لتنظر لها الفتاة مبتسمة وتدعي بسمة، مغتربة وتعمل بكندا في الشركة التي يترأسها كريم بدلًا من شقيقه.
"متقلقيش يا مشيرة هانم، هي بدأت تسمعلي. انتي متعرفيش أنا عملت إيه عشان تقرب مني، أصلها مبتثقش في حد."
فأزداد ضحكات مشيرة.
"كل ما تنفذي المطلوب.. فلوسك هتزيد."
لتلمع عين بسمة متذكرة كيف كونت صداقة مع مرام.
رفعت مني عينيها عن الأوراق التي أمامها وهي لا تصدق أن مهرة تقف أمامها. ووقفت بترحاب تداعبها.
"أقولك إيه يا مهرة يا هانم دلوقتي ولا يا مدام؟"
فاحتضنتها مهرة ضاحكة.
"ابنك عامل إيه دلوقتي؟"
فتمتمت مني وهي تبتعد عنها.
"الحمد لله، بقي أحسن كتير، بس لسه كسر رجله ودراعه مخفش."
وتابعت باعتذار.
"كان نفسي أجي أباركك كأخت في بيتك، بس أوعدك أول ما آدم يقوم بالسلامة هاجي أزورك أنا ومحمد والأولاد يوم إجازة كده وأقرفك."
فأزدادت ضحكات مهرة، فهي ومنى قد أصبحت هكذا صداقتهما.
"تنوري."
ومالت نحوها وبصوت هامس.
"ونبقى نطرد جاسم."
فابتسمت مني وأجابتها بنفس الهمس.
"مش موجود للأسف، راح يباشر مصنع الأسمدة. آه لو كان موجود هنا."
فتبدلت ملامحها عندما علمت بعدم وجوده، فقد كانت آتية إليه كالطفلة الصغيرة تخبره عن أول يوم لها في مكتب فؤاد.
وانتبهت على صوت مني.
"تحبي تشربي إيه يا مهرة؟"
وأشارت بتحذير.
"أوعي تقولي شاي."
فحركت مهرة رأسها ضاحكة.
"شاي."
لتضحك مني هي الأخرى وجلست أمامها تثرثر معها قليلًا.
جلست ريم كعادتها وحيدة على إحدى الطاولات في كافتيريا الشركة وقت استراحة العمل تأكل السندوتشات البسيطة التي تعدها لها والدتها. تريد أن تختلط معهم ولكنها لا تعرف كيف تفعل هذا، فحياتها كانت دائمًا منغلقة. وتذكرت المشروب الساخن الذي طلبته وأخبرها العامل أن تعود بعد دقائق وتأخذه. وقدمه لها العامل لتأخذه منه، ومن سوء حظها اصطدمت في إحداهن.
"انتي عمياء يا حيوانة؟"
لتسرع ريم نحو حقيبتها وتأتي بعلبة المناديل كي تزيل عنها ما سكبته.
"أنا همسحه آه ليكي."
تابعها البعض بصمت، فالكل يعلم بهوية المدعوة نادين، نادين التي تتباهى دوماً أمامهم بخالها الوزير ولم تحصل على الوظيفة إلا بمساندته.
لم يرد البعض التدخل، فهم يعرفون لذاعة لسانها.
وارتطمت ريم بالأرض بعد أن دفعتها تلك المدعوة نادين.
"ابعدي إيدك عني.. إيه الأشكال الغريبة اللي بقوا يعينوها في الشركة دي؟"
أبكتها تلك الإهانة، لهذا السبب كان يخبرها أخوها رحمه الله أنه لا يريده أن تعمل، فهو من سيعمل وسيتكفل بكل احتياجاتها إلى أن يزوجها لشخص يستحقها.
كانت مهرة تقف أول الغرفة الواسعة تنظر إلى ريم الواقعة على الأرض والأخرى تتأفف بحنق وهي تنظر لملابسها الثمينة.
قدماها أخذتها لمكتب ريم بعد أن رحلت من مكتب جاسم وقضت بعض الوقت مع مني وكأن القدر يسوقها لتري بعينيها ما تتعرض له ريم.
واندفعت بخطواتها نحو نادين التي انحنت تمسح المشروب الذي سقط أيضاً على بنطالها الضيق.
لتدفعها مهرة وهي تنظر لريم، ثم اقتربت من إحدى الطاولات وأخذت مشروباً قد تركه صاحبه نصفه، فالكل انصرف إلى عمله إلا عدد قليل جداً أصبح كالمشاهدين فقط.
"انتي إزاي تعملي كده؟ اعتذري."
فابتسمت مهرة وهي تجدها تحاول النهوض، وسكبت عليها الباقي من المشروب بتشفٍ.
"واه نكمل على البلوزة اللطيفة بتاعتك عشان منحرمهاش من حاجة."
لتشهق نادين بفزع، فملابسها قد فسدت بالكامل.
"يا حيوانة!"
لتمد مهرة يدها نحو ريم بغضب من ضعفها.
"وانتي إيه عاجباكي القعدة دي؟"
وشهقت ريم بفزع وهي تجد يد نادين تدفع مهرة للخلف، فأرتطم جسد مهرة بالطاولة.
"انتي تعرفي أنا خالي يبقى مين يا متخلفة انتي؟ أنا هخليه يحبسك."
وأشارت نحو ريم.
"انتي والبنت دي."
فطالعتها مهرة باحتقار.
"مهرة، خلاص عشان خاطري."
لتكتم مهرة سبابها وهي تنظر لريم الخائفة.
"روحي شغلك مالكيش دعوة انتي.. وحسابي معاكي بعدين عشان تسمحي للأمعة دي تتكلم معاكي."
لتندفع نحوها نادين.
"أنا أمعة ياحشرة انتي؟"
ولم تجد مهرة غير حذائها لتخلعه وتقذفها به. ضحك من كان يقف، فمهرة قد أحرزت هدفها بالحذاء وقد ارتطم بوجه نادين، فشمتوا بها بسبب عنجهيتها، غير أنهم يعلمون بهوية مهرة الجديدة، ولكن نادين لا تعلم من تكون، فقد تم تعيينها بالشركة بعد زواج جاسم.
وجاء ياسر راكضاً بعد أن كان ينتظر في بهو الشركة بعض الضيوف المهمين إلى أن يأتي جاسم من أحد مصانعه، فأحد الموظفين أخبره عما يحدث.
ونظر بصدمة إلى وجه نادين وشعرها.
"مدام مهرة، أرجوكي."
فحدقت به مهرة بغيظ.
"لو سمحت يا أستاذ ياسر متدخلش."
واندفعت نادين نحو ياسر تدفن.
"مستر ياسر، دي متوحشة، أنا عايزة البوليس. أنا هقول لخالو الوزير وعمو السفير وجوز خالتي اللواء."
فأرتبكت ريم أكثر. لتبتسم مهرة بهدوء.
"وماله، أستاذ ياسر يجبهملك."
لتنظر لها نادين بغيظ هاتفة، ثم لياسر الذي وقف يزفر أنفاسه بحنق.
"ولا لازم الموضوع ده يتصاعد لجاسم بيه يا مستر ياسر."
رواية لحن الحياة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهام صادق
شعور عجيب دعمها وهي تسمع اسمه.
أيعقل أنها أصبحت تتحامى به بعد أن ظلت طيلة حياتها تدافع عن نفسها في مجتمع لا يحترم إلا أصحاب المال والسلطة.
وانتبهت إلى ياسر الذي يخبرها بأن تنهي تلك المشاحنة، فما فعلوه ليس بتصرف متحضر والأفضل ألا يعلم به جاسم.
كانت ستوافق إذا كان انتهى حديث ياسر إلى هذا الحد، ولكن عندما رأت نادين تصب غضبها على ريم وأنها هي السبب في كل هذا.
نادين خافت منها لأنها لم تر ضعفها، فوجدت أن كرامتها سترد إذا أخذتها من ريم التي تقف بينهم مرتبكة خائفة.
"البنت دي تطرد، أنا مستعدة أنسى الموضوع يا مستر ياسر."
تأففت بحنق وهي تنظر لملابسها، وتمتمت ببعض الكلمات البذيئة بلغة المتحضرين كما تظن.
ليحدق ياسر بريم بجمود.
"غلطاتك كثرت."
وكاد أن يقترب منها يوبخها، فوجد مهرة تقف في المنتصف.
"ريم لو اتهانت هنا فأنا اللي بتتهان."
فتمتم ياسر بضيق.
"مدام مهرة هنا مكان شغل ومافيش مجاملات... الأستاذة اللي قدامك هتتجازى لتعرضها على آنسة نادين."
لتهتف نادين من خلفه.
"لأ مستر ياسر تطرد عشان كل اللي حصل بسبب الغبية دي."
لتنظر مهرة خلفها حيث ريم الذي وقفت تبكي لخسارتها وظيفتها، وعادت تحدق بهم بجمود.
"لو ريم اتطردت يبقى الأستاذة المسنودة بعائلتها العريقة تطرد هي كمان."
ومع شهقات ريم التي تأكدت من طردها، صدحت ضحكات نادين الساخرة.
"مدام مهرة ارجوكي متصعبيش الموضوع.. انتي ليكي وضعك ومكانتك دلوقتي."
قالها وهو ينظر لنادين.
"آنسة نادين لو كانت تعرف بهويتك مكنش كل ده حصل."
لتتسأل نادين بتوجس.
"هي تقرب لحد مهم صديق خالو أو عمو؟"
فابتسم ياسر بتهكم.
"آه تقرب لجاسم بيه."
فنظرت نادين لها ضاحكة.
"أكيد لما هيعرف اللي عملته معايا.. هيقطع علاقته بيها."
لتزفر مهرة أنفاسها بضيق.
"ساكتها عشان طريقة كلامها بتستفزني."
ليتنهد ياسر بحنق وهو ينظر لساعة يده.
"أنا عندي اجتماع مهم دلوقتي."
وحدق بريم قليلا متمتما بضيق.
"وأنتي اعتذري من آنسة نادين."
لتنظر لها نادين بكبر مشيرا لها.
"أنا ممكن أسامحك لو اعتذرتي مني عشان خاطر مستر ياسر."
ليتعالى صوت مهرة.
"المفروض انتي اللي تعتذري.. أنا كنت موجودة وشوفتك وإنتي بتعامليها بمنتهى قلة الذوق."
ونظرت حولها لتجد أي شخص غيرهم، فوجدت أن كل الموظفين انصرفوا إلى عملهم بعد أن انتهت استراحتهم.
ولم يعد ياسر قادر على تحمل هذا الجدال.
"مدام الحكاية مش راضية تنتهي هنا.. يبقى الموضوع الأفضل يتصاعد لجاسم بيه."
فأتسعت ابتسامة نادين، لتنظر لها مهرة بجمود، أما ريم وقفت تنظر لهم وهي تعلم أن طردها سيكون اليوم.
فمن هي بينهم؟
ووجدت مهرة تربت على ذراعها، بعد أن تقدم ياسر ونادين لخارج قاعة الاستراحة.
"متقلقيش أنا معاكي.. بس لينا حساب تاني على سكوتك عن حقك."
لتحرك ريم رأسها بصمت وهي تجفف دموعها بألم.
***
أتسعت عين مني وهي تنظر لنادين وهيئتها المشعثة وياسر يقف يزفر أنفاسه بحنق.
لتردف مهرة خلفهم بهدوء تتبعها ريم.
فتقدمت منها مني متسائلة.
"حصل إيه يا مهرة؟"
فهتف ياسر بجمود.
"جاسم بيه ساعة وهيوصل."
ونظر إلى مني قبل أن يغادر، مشيرا لها بعينيه بأن تهدئ الوضع قليلا مع مهرة.
ومالت مني نحوها هامسة.
"عملتي مصيبة إيه.. جاسم بيه مبيحبش المشاكل في شغله."
فنظرت مهرة لها ثم أشاحت عيناها بعيدًا وخشت أن ينصر نادين عليها.
فمر الوقت ونادين تجلس بتكبر بعد أن هندمت من هيئتها وملابسها.
وكلما وقعت عيناها على ريم شعرت بالشفقة نحوها.
ياسر عامل نادين بمنتهى الاحترام لمكانة عائلتها.
وشردت فيما سبق فهي كانت تهان هكذا ولكنها كانت تتمرد وتأخذ حقها كي لا تجعل أحد يستقوي عليها.
لم تنسى ذكرى ذهابها لأحد مكاتب المحامين الكبار بالبلد وتم تفضيل عليها إحداهن لأن مظهرها لقى استحسان ورضي صاحب العمل.
ولمعت عيناها وهي تحدق بمني التي كانت تنظر لها بأن تهدأ وتمر الساعة على خير حتى يأتي جاسم.
***
وقف كنان بجمود يطالع سيلا التي أردفت لمكتبه بابتسامة تعجب من أمرها.
فتقدم كنان منها مرحبا.
"أهلا سيلا."
فصافحته سيلا وكادت أن تقبله على وجنتيه كالمعتاد، إلا أنه أشار لها بهدوء أن تتوقف.
فضاق عينها وداخلها يصرخ من نيران الغيرة ولكن فضلت الصمت فهي ستلعب دور المرأة التي تقبلت هزيمتها.
"كيف حالك كنان.. مبارك لك الزواج."
فحرك كنان رأسه متسائلا.
"لما أتيت اليوم سيلا.. ما الأمر؟"
واتجه نحو مقعده يجلس عليه منتظرا سماع سبب وجودها فهي اختفت من حياته منذ أن انفصل عنها.
فجلست قبالته بابتسامة هادئة مصطنعة.
"جئت لأبارك لك كنان.. ففي النهاية نحن أصدقاء قبل أن نرتبط."
فتنهد متعجبا من هدوئها.
"لم أعد حزينة منك كنان.. ولكن لم أتقبل أمر انفصالك عني في البداية والآن وبعد أن تركت تركيا كلها وعدت مجددا.. فقد تفهمت ولا أريد شيئا سوى صداقتنا القديمة."
فابتسم كنان بعد أن استشعر صدق حديثها وشعر بالراحة من أمرها وتمتم بود وقد اتسعت ابتسامته.
"أنتِ امرأة رائعة سيلا وصدقا ستلتقي يومًا بمن يحبك وتحبيه.. أتمنى لك ذلك."
فطالعته سيلا وهي تضغط على يديها بقوة فدور المرأة اللطيفة لا تتحمله ولكن الخطة لابد أن تسير كما اتفقوا هي وفريدة.
ونهضت وهي تمد يدها لتصافحه.
"سعيدة بأنك سعيد كنان بحياتك."
وانصرفت بتمهل وهي تبتسم بمكر.
ليتعجب كنان وهو يطالع خطواتها ثم زفر أنفاسه.
"أتمنى أن تكوني حقا صادقة سيلا في تجاوزك لأمر زواجي."
***
وقف ياسر يصافح الضيوف بعد أن انتهى الاجتماع.
وفور أن غادروا وجدوا جاسم يتقدم منهم مع أحد المهندسين.
وصافحهم معتذرا عن عدم وجوده لمقابلتهم.
جاسم كان يتمتع بشخصية دبلوماسية قوية تجعل من أمامه يحترمه ويتقبل قراراته وهو مقتنع برجاحة عقله.
هذه الحنكة كانت بوالده ونمت لديه حينما قضى سنوات في كندا.
وانصرف الضيوف موافقين على بنود الصفقة الجديدة والعمل سويا.
ليميل ياسر نحو جاسم.
"مدام مهرة هنا وللأسف حصلت مشكلة مع نادين التهامي اللي متوصي عليها من بهجت باشا."
فتذكر جاسم أمر نادين فأمر تعيينها قد صدر منه هو شخصيا بعد أن طلب منه بهجت باشا هذا الطلب بعشم، كما أن نادين دراستها في أعرق جامعات لندن كان مكسبا لشركته.
فتهجم وجه جاسم وهو يهتف داخله.
"ياترى عملتي مصيبة إيه يا مهرة."
وبدأ ياسر يسرد له كل ما حدث أمام عينيه وشاهده.
فضغط جاسم على يده بقوة فزوجته الحمقاء قد نسيت وضعها الحالي ومكانته.
وأردف لمكتبه تحت نظرات مني.
لينظر لها بأن تجعلها في عملها.
واقترب جاسم من نادين فهو يتذكرها جيدا فقد التقى بها في إحدى الحفلات وتعرف عليها من قبل خالها.
"إزيك يا نادين."
فصافحته نادين بسعادة.
"أنا مش كويسة خالص يا جاسم بيه حقيقي أنا النهاردة اتهنت جامد."
وأشارت لملابسها وتمتمت بحنق.
"خالو لو عرف اللي حصل هيزعل خالص."
فأبتسم جاسم باللطف.
"كده هتزعليني منك.. مدام أنا موجود معالي الباشا أكيد موجود."
فأتسعت ابتسامة نادين.
"أنت جينتل مان خالو."
فضحك جاسم على عباراتها والتف أخيرا نحو مهرة التي وقفت تعقد ساعديها بضيق.
"أنتِ لطيفة خالص يا نادين... وبجد بعتذر منك على اللي حصل.. وأوعدك أن حقك ها تاخديه."
فأبتسم ياسر وقد علم أن الأمر قد حل ونادين بهيامها بجاسم ووقفته هذه أمامه ستجعلها تنصاع للأمر.
وبالفعل رحلت نادين بدموعها ورقتها وهي ترمق مهرة بنظرة تحدي غير مصدقا داخلها أن هذه هي زوجته فهي كانت تظن رفيف التي تابعت أخبار خطوبتهم في كندا وكان كالصدمة بالنسبة لصديقاتها وبعد ذلك انشغلت بأمور عدة فلم تتابع خبر انفصاله عن رفيف وزواجه.
ليحدق جاسم بعدها بريم.
"أنتِ سبب المشكلة كلها."
فكادت أن تهتف ريم إلا أن جاسم قاطعها.
"ارجعي شغلك وياريت نعرف أن ده مكان شغل مش خناق."
فانصرفت ريم على الفور.
لينظر جاسم لمهرة التي حملت حقيبة يدها وكانت ستغادر.
"رايحة فين يا مدام.. تعالي ورايا."
واندفع لمكتبه.
ليطالعها ياسر بأسف ثم انصرف.
فتتحركت خلفه وأعين مني تحدق بها.
وأغلقت مهرة باب مكتبه بقوة خلفها لعله يعطيها بعض الاهتمام فهو وقف أمام الشرفة يطالع الطريق.
يضع كلتا يديه في جيب سرواله.
وألتف نحوها بملامح جامدة.
"جيتي الشركة ليه النهاردة من غير علمي."
فنظرت إليه بكبر فهل هذا هو سؤاله.
"جيت أشوف مدام مني وريم."
فتسأل جاسم وهو يحدق بها.
"كبرتي الموضوع ودفعتي عن البنت اللي مش عارف إمتى بقيت صاحبتك ولولا إني محبش أظلم كنت طردتها بسبب اللي عملتيه."
ألجمها أسلوبه الفظ.
آهذا من تحامى خلف ظهره وشعرت بنشوة الانتصار حينما أرادت نادين أن يعلم هو بالأمر.
فقد عامل نادين بمنتهى اللطف حتى أنها تعجبت من لطفه هذا أما هو الآن يحادثها ببرود.
"خلصت كلامك.. على العموم إن كنت واثقة أنك مش هتطرد ريم لأنك مبتحبش الظلم.. وبخصوص نادين هانم بنت الناس المهمة ده الطبيعي اللي بيحصل في البلد مستغربتش معاملتك اللطيفة ليها يا جاسم بيه."
وألتفت بجسدها كي ترحل.
فوجدت أنه يجذب ذراعها بعنف.
"أنا أذنت لكِ تمشي من قدامي."
ليدفع مهرة يده عنها بعنف.
"أنا مش موظفة عندك عشان تأذني ليا أمشي ولا لأ."
فهتف وهو حانق منها.
"آه مش موظفة عندي بس مراتي يامهرة.. وأسلوبك الهمجي ده لازم يتغير أنا طول عمري حياتي مفيهاش فضايح."
أوجعته كلماته وأشارت نحو نفسها.
"يعني أنا بفضحك."
فتمتم وهو يعلم أنه ضغط عليها بالحديث ولكن ما شرحه جاسم عما فعلته جعله لا يتحمل زوجته تضرب أخرى بالحذاء والموظفين يشاهدون الأمر.
"اعقلي يامهرة."
فابتسمت ساخرة وهي تخطو نحو الباب.
"حاضر أنا هعقل كويس قوي."
وانصرفت بعدها دون أن تلتف لندائه.
ليجلس على مكتبه بإرهاق متمتما.
"أنا اللي جبت وجع الراس لدماغي."
***
ضحك كنان وهو يحتضن ورد بذراعيه ويحادث جواد عبر الهاتف بخاصية الفيديو.
كان جواد يسرد لهم تفاصيل يومها مع أبناء عمه وخاصة سدرة الصغيرة.
ليحرك إصبعه الصغيرة أمام شاشة الهاتف بطريقة مضحكة كي يجعلهم يقتربوا من شاشة الهاتف وبصوت هامس.
"أريد نونو صغير ألعب معه خالو.. آتي لي بنونو مثل سدرة وأنا سأعود."
فخجلت ورد بعد أن غمز لها كنان بمكر.
"حاضر حبيبي.. سأكثف جهودي في ذلك الأمر."
لتدفع ورد ذراعه عنها بخجل وكادت أن تنهض من جانبه إلا أنه أمسك مرفقها محادثا جواد.
"انتبه لنفسك جواد."
فحرك الصغير رأسه وأغلق بعدها المحادثة.
لينظر كنان لورد التي تتملص من قبضة يده.
"إلى أين أنتِ ذاهبة زوجتي."
فتمتمت ورد بخجل.
"كنان اترك يدي."
ليدفعها كنان جانبه ثم مال عليها ليقبلها.
ليسمعوا نحنة فريدة.
فأبتعد كنان عن ورد التي تورّدت وجنتيها بخجل.
"أريدك كنان في أمر هام."
لضم كنان وجه ورد هامسا.
"اصعدي لغرفتنا حبيبتي... سأتبعك بعد أن أرى فريدة خانوم."
لتصعد بتوتر.
فتنظر لها فريدة بضيق وجلست باستقراطية.
"لابد أن نقيم حفلًا لتعرف زوجتك على مجتمعنا كنان."
***
نظر أكرم بخجل لوالد حبيبته فقد أتى اليوم لخطبتها بمفرده بعد أن رفضت والدته الأمر وكالعادة انصاع والده لرغبتها.
وانتظر موافقته لينهض الرجل منهيًا تلك الجلسة.
"طلبك مرفوض يا بني.. لو أهلك مش عايشين كنت قلت ماشي بس مدام مجوش معاك يبقوا رافضين الجوازة."
فتبدلت ملامح أكرم ونظر له.
"بس أنا بحب ضحى."
فطالعه والد من أحبها بأسف.
"مش أكتر من حبي ليا لبنتي.. لما هتبقي أب هتعرف."
وأشار إليه بأن الحديث قد انتهى.
لينصرف أكرم وهو مطأطأ الرأس.
***
كانت منشغلة بقراءة بعض الملفات التي اصطحبتها للمنزل وهو يحمل صغيريه يداعبهم بحنو وذهب لغرفة الصغيرين قم وضعهم برفق على فراشهما.
ل يعود لها وقد عاد الوضع لما كان عليه بجانب دلالها إذا سمعت تذمره.
"ياريت يا مرام نخلي الشغل في البيت.. مش حتى يوم الإجازة تشتغلي."
فرفعت عيناها نحو بتأفف.
"في إيه يا كريم إنت ليه عدو لنجاحي كده."
ونهضت بحنق وسارت نحو غرفتهما وحديث رفيقتها الجديدة يقتحم عقلها.
فالرجال لا يحبون نجاح زوجاتهن.
ووجدته يقف خلفها يحاوطها بحب.
"مرام أنا نفسي نعيش أسرة سعيدة.. مش عايز أولادي يتحرموا من حناني."
فألتفت نحوه وعانقته بحب.
"أنا عايزة أنجح يا كريم وأبقى سيدة أعمال زي مشيرة العزمي."
***
هبط من سيارته وهو يطالع محل البقالة المظلم ونظر نحو الشرفة ليجد النور مضاء فتأكد من وجودها هنا.
وخطى بخطوات هادئة لداخل البناية ثم صعد الدرج وهو حانق من تمردها.
فعندما عاد علم أنها لم تأت للمنزل منذ خرجت معه.
وطرق الباب عدة طرقات ل تفتح له بعد دقائق ناظرة له بضيق ثم تركته.
فتمتم جاسم بحنق وهو يغلق الباب خلفه.
"المفروض ارجع من شغلي ألاقي المدام مستنياه وتعتذر عن اللي عملته.. مش غضبانه وسايبه البيت."
لتلتف نحوه مهرة بضيق ولكن قررت الصمت.
وتقدم نحوها.
"مبحبش الدلع كتير يامهرة.. يلا عشان تعبان ومرهق."
كان مخزون هدوئه قد انتهى.
"روح لوحدك أنا هقعد هنا في بيتي."
ليقترب منها جاسم بهدوء.
"غلطانة وبتعاندي."
فتقدمت منه هي الأخرى بغضب.
"أنا مش غلطانة."
وتابعت بحنق وهي تتذكر حديث نادين معه.
"يا جاسم بيه يا جينتل مان."
فأتسعت ابتسامة جاسم.
ولمعت عيناه بمكر.
"تضربي البنت بجذمتك في وشها يامهرة."
فأشاحت وجهها بعيدا عنه.
"مبحبش الظلم.. وانتوا ناس ظالمة بتفتروا على اللي ملوش ضهر."
وكاد أن يتحدث.
فأشارت له وقد التقت عيناهما.
"عملتوا نادين وكأنها ملكة."
فمال جاسم نحوها.
"دي علاقات يامهرة.. وشوفتيني طردت ولا أهنت البنت التانية."
فلمعت عيناها بقسوة.
"كانت ممكن تعملها ولو انت مكنتش عملتها كان أي حد مسؤول في الشركة عاملها ما هي البلد دي ماشية مع اللي ليه ضهر ومسند بس."
أما الغلبان حقه ضايع.
فحاوط وجهها بين كفيه وابتسم.
"اهدي خلاص ياحاضرة الأفوكاتو."
فنفضت يداه عنها.
"جاسم سيبني عشان مش طايقاك."
لتتسع عين جاسم بصدمة.
"نعم ياختي."
وجذب ذراعها بقوة.
"اعدلي حجابك.. وقدامي على البيت."
وصرخ بوجهها.
"صبري له حدود يامهرة."
فوقفت تحدق به قوة زادت حنقه.
"انت إيه انسي بقى دور الراجل اللي عايشالي فيه.. أنا مش متجوزة واحد صاحبي."
ليجدها تدفع يده عنها وأتجهت نحو غرفتها القديمة.
"طلقني ودور على واحدة غيري تبقى ست مش راجل."
وعلى سماع جملتها هذه اندفع خلفها.
ولكن صوت من أسفل البناية أتى.
"يامهرة تعالي يلا مستنينك أنا والبنات فوق السطوح عشان نسهر."
ليركز جاسم بالصوت وتعلقت عيناه على مهرة التي وقفت تطالعه بارتباك.
"ده صوت حسين مش كده."
وأظلمت عيناه وهو يقترب منها.
فخطت للخلف إلى أن تعثرت قدماها وسقطت على الفراش.
***
نظرت مشيرة إلى المخدر الذي بيدها متسائلة.
"يعني ده هيخليه ليا وبس."
فأبتسم الرجل الذي أعطى المخدر لها.
"كل ليلة هيكون عندك وتحت طوعك كمان."
لتلمع عين مشيرة برغبة فصبرها قد نفذ.
ولا بأس أن تجعله مدمنا لهذا النوع وتعالجه فيما بعد.
ونهض الرجل بعد أن أخذ المال.
لتعدل من جلستها.
"هتكون ليا يا كريم بأي تمن!"
رواية لحن الحياة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سهام صادق
لم تدري بنفسها إلا وهو يهبط الدرج خلفه، ويقبض على يدها بقوة. لا تعلم كيف انصاعت لأمره بأن تتبعه في صمت. وخرجا سوياً لتجد كلا من حسين وزوجته يقفان ينتظرانها.
ليتفاجأ حسين من وجود جاسم واقترب منه مبتسماً يصافحه.
"مكنتش أعرف بوجودك. مهرة لما جات الحي كانت لوحدها."
فحرك جاسم رأسه ثم صافحه بهدوء، والتف نحو مهرة.
"معلش هقطع سهرتكم اللي كنتوا مرتبنها النهارده."
فأبتسم حسين وهو يجذب زوجته نحوه.
"كنا ناوين نسهر النهارده أنا ومريم والبنات ونحتفل بالضيف الجديد اللي هيشرفنا."
لم يفهم جاسم مغزي كلماته. لترتبك مريم الواقفة في صمت. أما مهرة فكانت في عالم آخر وهي تنظر لحسين وهو يحتوي زوجته بعشق، ويقفان بجانب بعضهما بسعادة.
وهتف حسين والفرحة تلمع بعينيه.
"أصل مريم حامل."
ليختلس جاسم النظرات نحو مهرة التي تحركت شفتاها أخيراً لتتمتم.
"مبروك ياحسين.. مبروك يا مريم."
وأقتربت منها مريم تحتضنها بحب، تخبرها أنها كانت تريد حقاً أن يسهروا سوياً وتشاركهم احتفالهم الصغير.
"مبروك يا أستاذ حسين."
هتف جاسم بهدوء. لتهتف مريم بخجل بعد أن حدقت بمهرة مبتسمة بلطف.
"العقبي لكم سيد جاسم."
لتقع عين جاسم على مهرة التي اتجهت نحو السيارة بصمت. فأتبعها بعد أن بارك لهم مجدداً.
***
فور أن فتحت لهم هدى الباب ورحبت بهم، صعدت مهرة الدرج سريعاً وأردفت لغرفتها وسقطت بعدها على الفراش تائهة في حياتها. مازالت صورة حسين وزوجته والحب الذي في عينيهم يقتحم مخيلتها. هي لا تحقد عليهم، بالعكس أنها تشعر بالسعادة وهي تراهم أزواج سعداء.
ليعلو رنين هاتفها، فألتقطت حقيبتها لتخرج هاتفها فوجدت رقم ورد. وكالعادة اتصال ورد يكون بخاصية مكالمات الفيديو. وأبتسمت وهي تجد ورد تزداد جمالاً كل يوم والسعادة واضحة على ملامحه.
"وحشاني أوي يامهرة.. تعرفي إني حلمت بيكي امبارح."
فأتسعت ابتسامة مهرة ونسيت كل ما مرت به اليوم لتظهر أمامها مبتسمة.
"وحلمت بإيه بقي؟ أو عي يكون حلم وحش أدبحك."
فتعالت ضحكات ورد وغمزت لها بشقاوة.
"حلمت إنك هنا في تركيا إنتي وجاسم."
فضحكت مهرة وهي تعلم أنه ليس حلماً وإنما رغبة شقيقتها في لقائها.
"واضح أوي إنه حلم."
فتعالت ضحكات ورد.
"تعالي بقي يامهرة إنتي وجاسم وقضوا كام يوم هنا." وهمست بخجل.
"كنان عنده مزرعة في أنطاليا حلوة أوي.. هتتبسطي إنتي وجاسم جدا."
وعندما ارتسمت الحالمية والهيام على وجه ورد، ابتسمت مهرة.
"فين كنان ياسندريلا هانم؟"
وسمعت صوت كنان ويبدو أنه قد أتى للتو.
"كيف حالك مهرة؟"
فتمتمت مهرة وهي تطالع زوج شقيقتها يحتضن شقيقتها ويقبل وجنتها بحب.
"بخير كنان."
وضحكت وهي تستمع لتذمر ورد.
"ابعد كنان."
فأشار كنان لمهرة.
"أترمي مهرة كيف تعاملني شقيقتك؟"
فأبتسمت مهرة بسعادة. وكيف لا تسعد وهي ترى كيف يعامل كنان شقيقته.
ليتسأل كنان ويداه تحاوط خصر ورد الحانقة.
"كيف حال جاسم.. وأين هو؟"
فأربكت وهي تنظر لشقيقتها عبر الهاتف.
"صحيح يامهرة فين جاسم.. نفسي في مرة أكلمكم سوا مع بعض."
فهتفت وهي تتحاشى نظراتهم.
"في غرفة المكتب وراه شغل مهم."
وابتعد كنان بعد أن قبل ورد مجدداً على وجنتها.
"سأهاتفه غداً ليصطحبك لهنا في عطلة."
وفور أن أصبحت ورد بمفردها هتفت بلهفة.
"أخبار جاسم معاكي إيه؟"
وتابعت ورد بأمتنان.
"تعرفي يامهرة ديما يتصل يسأل عني.. ويوصي كنان عليا. بجد أنا بعتبر جاسم زي أكرم أخويا."
ورفعت أصبعها بتحذير.
"أوعي تزعليه سامعة.. هقف معاه ضدك."
وضحكت بعدها. لهتف مهرة بحنق.
"كده ياورد تبعيني؟"
فأبتسمت ورد بمشاغبة.
"إنتي أختي وأنا عارفاكي."
وانتهى الحديث بعد أن وصتها ورد بنصائح لا تعلم من أين اكتسبتها شقيقتها. فيبدو أن الحب له سحر خاص. وعادت تستلقي على الفراش بعد أن أزالت حجابها وأغمضت عيناها لتغفو بعدها دون شعور.
***
جلس في غرفة مكتبه شارداً، متسائلاً هل هذه هي الحياة التي تمناها. يريد أن يعيش براحة زوجة تحبه ويحبها وأطفال ينجبهم ويعوضهم عما رآه هو بحياته. واغمض عيناه بأرهاق ليسمع طرقات على باب غرفته.
فهتف.
"أدخل."
لتردف هدى متسائلة.
"أحضر العشاء يا جاسم بيه."
فأجاب جاسم وهو ينهض.
"لأ أنا خارج ياهدي.. ابقي شوفي مهرة واطمني عليها."
وانصرف بعدها، لتنظر هدى له متعجبة من هيئته المرة تلك.
***
وجد والديه جالسين يرتشفون الشاي ويشاهدون إحدى المسلسلات القديمة ومندمجين. ثم تعالت ضحكاتهما. ليقترب أكرم منهم دون سلام وجلس على الأريكة المقابلة لهم.
فتلوي سهير شفتيها بأمتعاض.
"الناس تقول سلام عليكم.. مساء الخير."
ليرفع أكرم عيناه. ثم نظر إلى والده المندمج في المسلسل.
"أنا هنقل لشقتنا القديمة."
فأنتبه عزيز له ثم حدق بزوجته التي لطمت على صدرها.
"وتبعد عن أمك حبيبتك يا أكرم."
فتسأل عزيز.
"ليه كده يابني.. مش كفاية أخوك مبنشوفهوش غير على النوم."
لتنهض سهير متجهة نحوه.
"ياميلت بختك ياسهير في ولادك.. ربيتي وكبرتي وابنك عايز يسيبك."
وأخذت تولول على حالها إلى أن سقطت مغشية عليها. فصرخ عزيز وهو يرى زوجته ساقطة على الأرض وانتفض أكرم بفزع واقترب منها هاتفا.
"ماما فوقي."
ليدفعه عزيز.
"اطلع شوف الدكتور اللي قصادنا أمك هتروح مني."
***
حاوطها كنان بحب وهم يشاهدون إحدى المسلسلات التركية والتي تحكي عن تراثهم وتاريخهم. وكلما سألته ورد عن شيء أجاب بأعتزاز وحب لتاريخ وطنه. لتشعر ورد بالحنين إلى وطنها هاتفة.
"نحن أيضاً لدينا تاريخ عظيم."
وابتعدت عنه قليلاً ليصبح وجهها مقابل لوجهه.
"مصر جميلة جداً كنان."
فأبتسم كنان وهو يعلم شعورها.
"أعلم حبيبتي."
واحتوى وجهها بين راحتي كفيه.
"وأحببتها عندما تزوجت."
فعقدت ساعديها أمام صدرها وابتعدت عنه قليلاً.
"ماذا تقصد؟ أنت لم تكن تحب مصر؟"
فضحك وهو يحرك رأسه ويجذبها له مجدداً.
"صراحة لا.. أنا أحب الدول الأوروبية أكثر لتحضر عقولهم."
لتدفعه عنها.
"ابتعد كنان.. كيف تخبرني بهذا."
ونهضت وهي تهتف بتذمر.
"كيف لا تحب مصر.. وأنا لا أحب تركيا."
فضحك وهو ينهض نحوها.
"قلت لم أكن.. أما الآن أنا أعشقها وأحبها ومغرم بها."
وقبل عنقها مع كل كلمة ينطقها وتمتم.
"ما بالك اليوم ورد؟"
فأبتعدت عنه بحنق.
"اشتقت لوطني.. أنا هنا أشعر بالغربة كنان، لا أحد معي."
فضمها كنان بحب.
"سأعرفك على ليليان شقيقة بشير صديقي."
وتذكر أمر الحفل.
"صحيح ورد أريد أن أخبرك بأمر."
مالت انتبه ورد وقد نسيت كل شيء وهي سارحة في عينيه.
"ما هو الأمر حبيبي؟"
لينسى كنان نفسه ويميل نحوها ليحملها.
"غداً أخبرك حبيبتي.. فكما تقولون الصباح رباح."
***
استيقظت مهرة بفزع من نومها وهي تجد نفسها بنفس ملابسها التي خرجت بها بالصباح. وأخذت تحرك يدها على وجهها وهي تتذكر وجه والدتها الحزين وهي تخبرها أنها حزينة منها وعليها.
"ليه زعلانة مني يا ماما."
وألتقطت هاتفها لتجد أن وقت أذان الفجر قد اقترب، فنهضت من فوق الفراش بتكاسل واتجهت نحو المرحاض لتنعش جسدها بالماء الفاتر وتبدل ملابسها ثم تتوضأ وتنتظر أذان الفجر.
***
هبطت الدرج وهي تشعر بالجوع، فبعد أن صلت واستغفرت شعرت بالراحة وأيضاً بالجوع. فضحكت على حالها وهي تدبدب على بطنها. لتتجه نحو المطبخ وتفتح الثلاجة لتبدأ في تحضير وجبة خفيفة لها. وبالفعل أعدت طبقين وبدأت تأكل بنهم. إلى أن شعرت بخطوات خلفها لتجد جاسم بملابس الأمس ويبدو أنه أتى للتو من الخارج.
واقترب منها. لتتوقف عن الطعام.
"كملي أكلك يامهرة.. أنا جاي أعمل لنفسي قهوة وهخرج."
لتنظر إليه بأشفاق فالأرهاق ظاهر على ملامحه.
"تعالى كل معايا الأول وبعدين أعملك قهوة."
وكاد أن يرفض ولكن عندما مدت يدها له بالخبز مع ابتسامة استغربها منها قرر مشاركتها.
"إيه كمية الطماطم اللي في الأكل ديه؟"
فضحكت بمتعة وهي تأكل.
"بيض بطماطم.. وجبنة بطماطم.. بس إيه رأيك؟"
فتناول جاسم لقمة.
"من زمان أوي مأكلتش الأكل ده."
فحركت رأسها وهي تأكل.
"هتسيب الجبنة الرومي والكيري واللنشون والزيتون والبسطرمة وبيض الأومليت وتاكل ده يعني؟"
فضحك على عباراتها.
"أنا باكل كل ده."
فتمتمت وهي تأكل.
"آه نسيت القهوة اللي ليل نهار بتشربها."
فأبتسم وهو يمسح فمه بعدما قضمه لقمتان.
"نمتي ليه وانتي جعانة؟"
فرفعت عيناها نحوه.
"مكنش ليا نفس آكل.. صحيت صليت وبعد كده نزلت أشوف حاجة آكلها."
وتسألت.
"انت كنت فين؟"
فتنهد وهو يغمض عيناه.
"قابلت صديق ليا."
ولا تعلم لما أرادت أن تسأله ذلك السؤال.
"انت بتصلي يا جاسم؟"
فضحك ساخراً.
"هو أنا مش مسلم؟"
فأشاحت وجهها عنه بخجل.
"مقصديش بس في ناس كتير مسلمين بالاسم بس."
فأبتسم وهو يميل نحوها.
"بصلي من وأنا طفل على فكرة.. والدي الله يرحمه من عمري أربع سنين كان بيوديني المسجد أحفظ قرآن. وبعد ما مات استمريت على كده."
وابتسم وهو يشعر بالحنين نحو والده واغمض عيناه.
"كان ديما يقولي إن المسلم الصح لازم يوازن بين دينه وعلمه.. النجاح ميبقاش نجاح وانت جاهل دينك."
فتعجبت من ذلك الأب الذي رغم أنه رحل وتركه وهو لم يتعدى الثانية عشر إلا أن كل شيء مازال مترسخ في عقل ابنه بل ويتحدث عن والده بكل حب وفخر. ماهذا الأب الذي ظلت ذكراه محفورة إلى اليوم.
وشردت في والدها فأرتسمت الحسرة على شفتيه.
لتجد نفسها تسأله دون وعي.
"وكنت هتجوز رفيف إزاي وهي يعني؟"
فأبتسم وهو يعلم مغزى سؤالها.
"الدنيا بتاخد الواحد يامهرة ومن وقت للتاني بنحتاج اللي يقومنا ويمسك ايدينا."
ومال نحوها وهي ينظر لعينيه.
"كلنا تايهين في الحياة يامهرة.. وبندور على نفسنا الضيعة والمحظوظ فينا اللي بيلاقي طريقه."
فأبتسمت بأرتباك ثم طأطأت رأسها.
"أنا قبلت حسين قبل ما اطلع الشقة وعزمني إني أسهر مع أخواته بعد ما عرف إني طالعة أقعد مع أبلة صفاء وأستاذ عادل وإنك جاي تاخدني بس متأخر."
فمد جاسم يده نحو وجهها ولامس خدها بحنان.
"أنا واثق فيكي يامهرة.. وفاهمك كويس بس أحيانا الضغوط بتخلينا نلغي تفكيرنا ومتنسيش اللي عملتيه في الشركة."
فحدقت به متذكرة اهانته لها.
"قولتلي إنك مبتحبش الفضايح ومعناها كان واضح أوي."
ودمعت عيناها لتجده ينهض ويضمها إليه.
"إنتي أخذتي ليه الكلمة عنك.. أنا كنت أقصد عموماً. وعلى العموم متزعليش."
وبعد برهة ابتعد عنها مبتسماً.
"بتشمي في إيه؟"
فرفعت عيناها نحوه ضاحكة.
"هعترفلك بحاجة بس متضحكش عليا.. أنا بحب ريحة البرفان بتاعك أوي من أول يوم قابلتك فيه."
فتعالت ضحكات جاسم بدهشة.
"من أول يوم قابلتيني فيه وجيتي تهدديني؟"
فحركت رأسها متمتمة.
"أصل ريحة البرفان مميزة أوي."
وبعد يوم مرهق وشد وجذب انتهى بضحك. وأشرق الصباح وهم مازالوا جالسين بالمطبخ يحتسي هو القهوة وهي ترتشف من كأس الشاي خاصتها.
"
"ريم هي البنت اللي حكتلك حكايتها قبل كده وساعدتني ليشرد جاسم قليلا ثم حرك رأسه بتذكر.
"على العموم أنا هنقلها الفرع الجديد اللي هيتفتح.. عشان تبعد عن نادين وميحصلش تصادم بينهم من تاني."
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
رواية لحن الحياة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق
كان بعالم آخر وهو يراها كيف تقف أمامه بهيئتها تلك.
ورد بزي شرقي للراقصات، كانت مغوية ببدلة الرقص الحمراء والتي يتوسطها حزام مذهب وأشياء تلمع.
بدأت أعصابه تتلف فمسح على وجهه برفق هاتفا:
- تحكم بنفسك كنان.
ونظر إلى ورد التي تبتسم وتنظر له ثم تنظر إلى ما ترتديه:
- صقف كنان لي.
وهتفت بتذمر:
- الم يعجبك ما ارتديه؟
ثم نظرت حولها:
- أين الطبلة كنان؟
وضحكت وهي تذهب نحو طاولة مستديرة تتوسط حجرتهم مع أريكة أنيقة.
وانحنت وبدأت تطرق عليها وتضحك وتنظر إليه متعجبة من صمته ومطالعتها:
- أنظر كيف أفعل أنا... هكذا نطرق على الطبلة.
أنفاسه كانت تتعالى وهو يتوعد بمن فعل بها هذا.
فيبدو أن المخدر كان مفعوله عالٍ وكان يريد له ولها الفضيحة.
حزن عليها رغم أنه كان سعيدًا بما تفعله من إغواء له.
واقترب منها يرفعها من الأرض ويبعدها عن الطاولة:
- ورد حبيبتي هيا لتنامي وفي الصباح نرقص.
لتنهض معه وتحرك رأسها بلا:
- أريد أن أرقص كنان مثلما شاهدت الراقصة تفعل ذلك في التلفاز.
وهنا اتضحت له الرؤية فزوجته تفعل ما رغب به عقلها ولم تستطع تنفيذ ذلك لخجلها.
وتأملت بدلتها:
- مرام قالت لي أن أرقص لك كي لا تعجبك الفاتنات هنا فأنت وسيم.
ونظرت لجسده وهي تعض على شفتيها:
- وطويل وتشبه عارضي الأزياء بجسدك.
ومدت يدها لصدره ثم أزاحت سترته:
- ولديك عضلات.
كان تأثير لمساتها عليه كالنيران ولكن ضمها إليه بحب:
- أنتي أجمل شيء حدث بحياتي ورد.
فرفعت عيناها نحوه ومدت أناملها تتحسس وجهه وقد ظن أنها نسيت أمر الرقصة:
- سنرقص أليس كذلك؟
فقبل جبينها وهو ينظر لما ترتديه متذكرًا ضيوفه المهمين:
- عندما تعودي لوعيك حبيبتي سنرقص.
فدفعته عنها ولم يعجبها حديثه وبدأت ترقص بطريقة مغوية ولكن مضحكة.
كان يود أن ينفجر من الضحك ولكن تمالك نفسه حتى لا تحزن.
ومرر يده على خصلات شعره... ليجدها تدفعه نحو الطاولة:
- هيا اطرق على الطاولة وصفق.
فضحك وهو يطالع هيئتها العابثة:
- الاثنان معًا ورد.
فحركت رأسها ثم حركت خصرها يمينًا ويسارًا... لتتسع عيناه فيجدها تهلل كالأطفال:
- فعلتها.. فعلتها.
فتمتم كنان وهو لا يصدق ما يراه أمامه:
- ماذا شربتي ورد؟
وصدح رنين هاتفه فيبدو أن بشير يستعجله من أجل ضيوفه.
وكاد أن يلتقط هاتفه الملقي على الفراش إلا أن ورد مسكت يده لتجعله يدور بها:
- ألقي عليا الأموال كنان... الرجل فعل ذلك مع الراقصة.
فطالعها كنان بصدمة:
- ما هذا الفيلم ورد.. لا تشاهدي أفلام هكذا مرة أخرى.
فخجلت منه وكأنها عادت إلى طبيعتها:
- لن أشاهد.. كنان رأسي يدور وأشعر أني أطير.
وضحكت وهي تتمايل حوله.
وتعالى صوت رنين هاتفه مجددًا.
فزفر أنفاسه وهو يطالعها ولانشغالها فيما تفعل ألتقط هاتفه:
- بشير ابعث لي عظيمة بقهوة أو أي شيء.. لا أحضر الطبيب أفضل.
وجد ورد تصعد على الفراش وتتعلق بعنقه وتقبله.
وهتف بشير:
- كنان الضيوف ينتظرونك ويسألون عنك.
فأرتبك كنان وهو يجدها تتعلق به وتقبله على خده قبلات طويلة:
- تحجج بشير بأي شيء.
وفجأة وجد نفسه يهوي على الفراش وقد تحولت ورد من راقصة لفتاة ليل واتسعت عيناه وهو ينظر لها.
وشعر كنان بأنه فقد تعقله:
- قوم بدوري اليوم بشير واعتذر عن وجودي.. وانس أمر الطبيب وعظيمة.
ولم يمهل بشير الرد فقد أغلق الهاتف وطالعها وهي تحل أزرار قميصه:
- أنت وسيم وسيم.
كنان كان بعالم الصدمة زوجته الخجولة تفعل هذا.
وتمتم وهو يجدها تنحني نحوه:
- يبدو أنكِ بعالم آخر ورد.
***
تحركت بغرفتها دون هوادة تجلس تارة على الفراش ثم تنهض.
فبعد أن انتهت العزيمة وعادوا للمنزل انصرف بسيارته دون أن يحادثها إلا بأشارة منه بأن تخرج من السيارة.
وتنهدت بسأم وهي تشعر بالدوار من كثرة تحركها حول نفسها:
- أنتي قلقانة كده ليه يامهرة منه؟ من امتى وانتي بتخافي؟
وذهبت نحو المرآة لتحادث نفسها:
- أنا مبخافش منك ياابن الشرقاوي.
***
هبطت الدرج بخطوات بطيئة وهي تستمع لصراخه بالهاتف.
فقابلتها هدى وهي تحرك رأسها بأنها لا تعلم شيئًا.
وتمتمت داخلها:
- ولا كأنه شايف كابوس بليل.. أنا أحسن حاجة آخد بعضي وأروح على الشغل.
وشعرت بالجوع.
فبالتأكيد الفطور قد تم تحضيره واتجهت نحو غرفة الطعام لتجذب قطعة من الخبز وتضع المربى عليها وتأكلها سريعًا وتذهب إلى عملها في مكتب الأستاذ فؤاد.
كان جاسم قد أنهى مكالمته مع محامي شركته بكندا.
فشقيقه تم استدعاؤه بمقتل مشيرة المرأة التي حذر شقيقه منها ومن سلوكها.
ونظر إلى مهرة وهي تقضم من قطعة الخبز وتقلب الشاي بعد أن وضعت معلقة من السكر.
وسأل بتهكم:
- الأستاذة العظيمة مستعجلة قوي كده ليه.. لدرجة معندهاش وقت تفطر؟
فأرتبكت من نظراته فيبدو أنه غاضب من شيء وهتفت بتعلثم:
- آه مستعجلة جدا.
وكادت أن تتخطاه وتنصرف فأوقفها صوته وطالع ساعة يده:
- مكتب أستاذ فؤاد بيفتح الساعة تسعة يامهرة.. ومظنش أنك عندك قضية في المحكمة.
فوقفت بتوتر لا تعلم سببه والتفت نحوه وقد طغى عليها فضولها:
- انت كنت بتزعق مع مين في التليفون؟
فحدق بها جاسم للحظات:
- حساب امبارح لسا متحاسبناش عليه.. وحظك إني قرفان من المشاكل حاليا.. فهاجله.
أغضبها أسلوبه البارد:
- لأ خلينا نتحاسب دلوقتي أحسن.
ووجدته يجلس على المقعد أمام الطاولة ويتناول قهوته لتقترب منه وتطرق على الطاولة بقوة لم تقصدها.
هي كانت تريد أن تطرق بهدوء ولكن خانتها يدها.
لتجد فنجان القهوة ينساب محتواه على بدلته الأنيقة وقميصه.
فانصدمت من غباء فعلتها فالفنجان على طرف الطاولة وقريب منه.
ووجدته يرفع عيناه نحوها.
لتبتلع ريقها بخوف:
- أنا شايفة إني أمشي دلوقتي من قدامك أحسن.
كان صمت جاسم عجيبًا.
فحركت رأسها وهي تخطو للخلف:
- بقعة بسيطة بس على البدلة.. لو عايز أنضفها معنديش مشكلة.
وتابعت بتوتر وهي مازالت تخطو للخلف وتطالع:
- هو انت مبتردش عليا ليه؟
ووضعت يديها على أذنيها بعد أن قرر أن يخرج أخيرًا من صمته وصرخ:
- ياريت تمشي من قدامي يامهرة عشان أنا ماسك نفسي بالعافية.
فهتفت وهي تحدق به بقوة:
- انت بتزعقلي كده ليه.. أنا هلم هدومي وأمشي من هنا.. أنا محدش يزعقلي.
ولم تدرك بنفسها إلا وهي تصعد الدرج بخطوات سريعة بعد أن انتفض جاسم من فوق مقعده.
ولسوء حظها بدلاً أن تردف من باب غرفتها قبل أن يلحقها.
وجدت نفسها تحتضن الحائط.
لتضغط بيدها على جبهتها صارخة بألم.
أما هو وقف يطالع المشهد:
- سبحان الله هي دي العدالة الإلهية... تستاهلي يامهرة كل اللي بيجرالك.
واقترب منها يطالعها ساخرًا ثم تخطاها ليبدل ملابسه قبل أن يذهب لعمله ويتابع مصيبة شقيقه.
فلو لم ينته الأمر سيسافر له رغم أن المحامي طمأنه.
أما هي وقفت تتألم ثم ضربت الحائط بقدمها:
- غبية... غبية.
***
انتهى التحقيق معه وهو إلى الآن لا يصدق أن مشيرة قد قتلت.
وفور أن خرج من غرفة التحقيق وجد مرام تركض نحوه تحتضنه:
- أنت كويس ياكريم؟
وبكت بخوف:
- أنا كويس.. أنا كويس متعيطيش.
وخرج محاميه يزفر أنفاسه بتوتر:
- القاتل شكله محترف.. معطل كل كاميرات المراقبة بتاعت المبنى والشارع اللي عايشه فيه.
فتسألت مرام:
- كريم هيخرج معايا مش كده؟
فحرك المحامي رأسه بنفي:
- للأسف لأ.. لحد ما تسجيلات التليفون تظهر وتقرير الطب الشرعي.
ونظر المحامي بأرتباك إلى كريم:
- متقلقش يابشمهندس مفيش حاجة عليك.. لأنك وصلت بعد اكتشاف الحادثة بـتلت ساعات.
كان كريم بعالم آخر وهو يحتضن مرام الباكية.
يكره القتل والحوادث بشدة فهذا يذكره بوفاة والدته وزوجها وشقيقته.
***
كان يأخذ غرفة مكتبه ذهابًا وإيابًا وهو يحدث ريان صديقه بكندا وشقيق رفيف:
- ريان اهتم بالأمر أرجوك.
ليأتيه صوت ريان:
- لا تقلق جاسم.. كريم مثل أخي يارجل.
وأنهى جاسم الاتصال وأخذ يفرك رأسه من أثر الصداع.
ليجلس على مكتبه بقلق.
فشقيقه لوجود آخر اتصال بينه وبين القتيلة تم حبسه إلى أن يروا سجل المكالمات ويتم تشريح الجثة وتحديد وقت الوفاة بدقة.
وأردف ياسر إليه كي يطمئن على مجرى الأمور:
- المحامي قال إيه؟
فزفر جاسم أنفاسه ونهض من فوق مقعده:
- للأسف لسه بيحققوا في القضية.. ياسر احجز لي طيارة خاصة حالا.. مش هقدر أستنى هنا.
فحرك ياسر رأسه بتفهم فهو يعلم مدى مقدار حب جاسم لشقيقه.
وخرج من الغرفة يفعل اتصالاته.
أما جاسم حمل هاتفه وارتدى سترته.
فنهضت مني تتعجب من رحيله وقبل أن تسأله عن شيء:
- أنا مسافر كندا يا مني.. ألغي كل الاجتماعات.
وانصرف دون كلمة أخرى.
***
استيقظت ورد بآلم برأسها تشعر بالدوار.
بعض اللقطات تسير أمام عينيها دون ترابط.
لتنظر لساعة هاتفها فتجد الساعة قد تخطت الثانية ظهراً.
فشهقت بصدمة.
وكادت أن تنهض من فوق الفراش لتجد فريدة تندفع لغرفتها تلقي بوجهها المجلة:
- ما هذا؟
فنظرت ورد للمجلة بخوف لتتسع عيناها وهي تجد نفسها وكأنها كالمخمورة:
- أنتي حمقاء.. لا أعرف كيف تزوجك ابني.
وتابعت فريدة بكره:
- فتاة رخيصة.. وجدوا أهلها فرصة زواج لتعوض فقبلوا بها على الفور.
كلمات وكلمات كانت تلقيها عليها.
وورد أحلى صامتة تنظر لصورتها وصداع يضرب رأسها بقوة:
- جعلتي الصحف تتحدث عن ابني.. فضحتِ عائلتنا.
لتنهض ورد بتشوش وتنظر لها:
- أنا لا أتذكر شيئًا صدقيني.
فدفعتها فريدة بقوة:
- عودي لوطنك.. أنتي وباء على عائلتنا.
كانت كلمات فريدة قاسية.
وخرجت من الغرفة وهي تبتسم بخبث فاللعبة قد نجحت.
وقد نشرت سيلا الخبر في المجلة التابعة لصديقها وستظهر سيلا الآن الملاك لكنان بعد أن تتدخل في الأمر.
فتلك المجلة الوحيدة من نشرت الصورة فجميع رؤساء المجلات يخشون من دعم كنان لهم فلا ينشروا شيئًا عن حياته إلا إذا رغب وعلم بالأمر أولاً.
***
ألقى كنان المجلة على مكتبه.
لينظر له بشير:
- اهدأ كنان يبدو أنها لعبة من أحداهم.. اسأل الخادمات.
فزفر كنان بضيق:
- أتظن لم أفعل ذلك بشير... سأجن بشير من وضع لها مخدر في مشروبها.
فطأطأ بشير رأسه.
وتذكر أمر المجلة:
- ماذا ستفعل مع تلك المجلة صحيح؟
لتضيق عين كنان وهو يشرد فيما صدر عن زوجته.
"صدمة الظهور الأول بتركيا لزوجة رجل الأعمال كنان كمال الدين.. ويتساءلون هل هذه تليق بشخص مثله وأسألة كثيرة كيف تزوجها وهل سيستمر هذا الزواج."
وانصرف بشير بعد أن أتاه اتصال.
لتردف سيلا بتلك اللحظة وترسم على ملامحها الحزن:
- كيف تسمح لهم بذلك كنان.. هل رأت ورد الخبر؟
ليتذكر أمر ورد فمنذ ساعة هاتف المنزل ليخبروه أنها لم تستيقظ بعد.
- سأعاقب من نشر ذلك الخبر.
فأقتربت منه سيلا وربتت على كتفه بدعم:
- اهدأ كنان أنا أعرف رئيس تلك المجلة.. وسأجعلهم يلغوا الطباعات الأخرى.. ويعتذروا من ورد.
وتابعت بحزن:
- حقًا لا أعرف من يفعل بها هذا.. ولكن أن تعلم مكانتك والراغبين بك كثر.
فأطالعها كنان بصمت وهو يفكر فيما حدث.
فقد شك بسيلا ولكن وجودها الآن ألغى شكه.
وصدح رنين هاتفه.
ليهتف بعجلة:
- مابكي ورد؟
ووجدها تبكي:
- رأسي توجعني كنان... أنا لا أتذكر شيئًا من ليلة أمس.
فأسرع كنان لخارج مكتبه دون أن يهتم بأمر سيلا الواقفة وقد استشاطت غضبًا:
- أهدي حبيبتي.. فأنا قادم إليك.
***
بكت رقية بحرقة وهي تخبر مهرة عما يحدث معها تلك الأيام:
- قوليلي يامهرة ليه محدش شايفني مناسبة لمراد.. أنا وحشة.
فوضعت مهرة يدها على جبهتها تتحسس الكدمة التي حدثت لها بالصباح.
وصرخت رقية كالأطفال:
- أنا وحشة يامهرة.. ردي عليا.
وبكت كالأطفال.
لتنظر مهرة حولها بحرج فكل الجالسين بالمقهى اتجهت أنظارهم نحوهم:
- بس فضحتِينا.. بعياطك ده فعلاً عاملة زي الأطفال.
فذمت رقية شفتيها.
لتضحك مهرة على أفعاله:
- مشكلتك بتسألي الشخص الغلط في الأحوال العاطفية.
فغمزت لها رقية بشقاوة وقد نست حزنها:
- الشخص الغلط اللي وقع جاسم الشرقاوي... آه ما بيبان فعلاً أنك الشخص الغلط.
وتابعت بتهكم:
- داري انتي كمان على شمعتك.
فضربت مهرة كفوفها ببعضهم:
- تصدقي أني غلطانة جيت أقابلك.. استأذنت من المكتب بدري عشانك وعشان الزفت أكرم.
ونظرت حولها:
- هو اتأخر كده ليه؟
لتشير لها رقية نحوه متمتمة:
- شوفيلي حل يامهرة ماليش دعوة.. أنا عايزة مراد يحبني.
فلوت مهرة شفتيها بأمتعاض:
- اكبري وهيحبك.. استغفر الله العظيم.. رقية كملي الأيس كريم بتاعك يا حبيبتي.
لتنظر رقية إلى كأس المثلجات خاصتها واندامجت معه بحماس وأخذت تأكل.
ليقترب منهم أكرم بعبوس وجلس بالقرب من مهرة بعد أن حيا رقية برأسه:
- مالك انت كمان؟
فتمتم أكرم بفتور:
- ماما مش موافقة على ضحى يامهرة.
فعبست مهرة وتسألت ساخرة:
- والوالد العزيز فين من كل ده؟
وعندما طالعها أكرم بنظرة يائسة علمت الإجابة التي تعلمها ولا تحتاج لسؤالها.
وهتفت رقية بحزن وهي تأكل من المثلجات:
- انت كمان مش عارف تتجوز اللي بتحبها.
عمر أكرم رأسه بصمت.
لتطالعهم مهرة بضيق هاتفه:
- ياسلام عليكوا انتوا الاتنين... إيه اليأس ده.
وأشارت نحو رقية:
- انتي انشغلي بأي حاجة في حياتك وابعدي عن مراد لفترة.. أقولك حاجة سافري عند عمتك الكويت.
وأشارت لأكرم:
- وانت أهدي وهنشوف حل.. بس اجمد كده مش بأول خبطة في حياتك تيأس وتستسلم.
كانوا يحدقون بها بصمت محركين رؤوسهم بأنصياع.
وحركت شفتيها بأستياء:
- أنا بقيت أسامة منير على ايدكم... الله يسامحكم.
***
وجدها تضع ملابسها في حقيبة سفرها:
- لن أظل هنا ثانية كنان.
وبكت كالأطفال:
- أنا لا أليق بك.
ليجذبها كنان نحوه برفق متذكراً ليلة أمس بقلب هائم وبمكر هتف:
- تريدي تركي ورد.. أين حبك لي؟
فتمتمت بحزن:
- مازال موجود كنان ولكن لا أحد يحبني هنا.
فضاقت عين كنان:
- من ورد؟
وتذكر والدته وكيف تلمح له عظيمة بسوء معاملتها لها.
- ورد أخبريني بكل شيء يحدث معك.
فطأطأت رأسها وهي تتذكر حديث والدته القاسي لها.
وبكت بحرقة فهي تعلم بعلاقة كنان ووالدته والتي لا تحتاج لهدم فإذا أخبرته بما تفعله فستخرب آخر طريق بينهم.
ورفع كنان وجهها نحوه:
- لا تحني رأسك ورد.
وسألها وهو شارد:
- ماذا شربتي أمس؟
فهتفت وهي تتمنى أن تجد الإجابة:
- عصير برتقال كنان ولم أشرب شيئاً غيره.. أنا لا أتذكر شيئاً وكيف فعلت ذلك؟
الحيرة أصبحت تضرب رأسه شك بسيلا ووالدته والخدم ولكن سيلا بفعلتها اليوم أزالت شكه.
والخدم أقسموا أنهم لم يفعلوا ذلك.
ووالدته لما تفعل هذا بزوجته.
- أنا لا أشرفك في مجتمعك كنان أليس كذلك؟
وتابعت بألم:
- إذا أردت أن تطلقني فأنا...
ولم يترك لها تكملة الإجابة فقد ضمها إليه بعنف:
- لا أريد أن أسمع منك تلك الكلمة مجددًا ورد.
وابعدها عنه قليلاً ومسح على وجهها وغمز لها بوقاحة:
- كنتي رائعة حقًا ورد ليلة أمس.
فاتسعت عين ورد وعقلها يسير أمامه مقاطع لا تجمعها.
وحدقت به وهي تتساءل:
- ماذا فعلت أمس كنان؟
فمال نحوها وهمس:
- رقصتي لي.. قبلتني كثيراً وكثيراً.. قلتي لي إني وسيم.
ومع كل كلمة ينطقها كانت تفتح فاها كالبلهاء وحدقتا عيناها تتسع بصدمة.
وهتفت بتعلثم:
- ماذا.. أنا.. فعلت هذا.. وقولت هذا؟
فلم يتمالك كنان ضحكاته.
وانفجر ضاحكاً:
- وارتديتي لي بدلة رقص حمراء ورد.
وتعلت ضحكاته وهو يجدها تنفجر في نوبة بكاء كالأطفال.
***
تسطحت مهرة على الفراش وهي لا تصدق أنه سافر دون أن يخبرها بهذا.
فقد علمت بسفره من هدى بعد أن أخبرتها أنها لن تتناول طعامها إلا عندما يعود.
ليكون رد هدى المتعجب: "لكن جاسم بيه سافر يابنتي."
وأخذت تتقلب على الفراش وهاتفها بجانبها تنظر من حين لآخر له لعله يهاتفه أو يبعث لها برسالة.
وهتفت لنفسها:
- أنسي أنه يفتكرك يامهرة.. أنتي منسية من كل اللي حواليكي.
ودمعت عيناها إلى أن غفت تردد اسمه على شفتيها.
***
مر يومان على سفره شعرت خلالهما بالوحدة وافتقاده.
قررت اليوم أن تذهب لريم بعد أن علمت بمرض والدتها.
وقفت أمام شقة ريم المتواضعة وطرقت الباب ليفتح لها رجل بعمر والدها ويبدو أنه هو والد ريم لتشابه ملامحهم:
- ازيك ياعمي.. أنا مهرة صديقة ريم.
فأتسعت ابتسامة الرجل البسيط ورحب بحب:
- اتفضلي يابنتي يا أهلاً وسهلاً.. أنتي متعرفيش ريم بتحكيلنا إيه عنك.
فخرجت ريم من حجرة والدتها غير مصدقة أن مهرة قد أتت لزيارتها.
ونظرت لعباءتها المنزلية القديمة بخجل.
فأقتربت منها مهرة تحتضنها:
- تصدقي عندي منها واحدة شبهها بالظبط.
فأبتعدت عنها ريم ضاحكة:
- تقريبًا كان موديل ونازل السوق.
فضحكت كل منهما.
لينظر والد ريم لمهرة:
- تعالي يابنتي اقعدي.. معلشي البيت مش قد المقام.
فتقدمت مهرة وجلست على أحد المقاعد هاتفة بلطف:
- مش قد المقام إيه بس ياعمي.. على فكرة أنا من السيدة زينب.
فأبتسم الرجل وأخذ يخبرها عن الأشخاص الذين يعرفهم وعن القهوة التي بحيهم.
واندمج والد ريم بالحديث معها.
لتخرج من الغرفة والدة ريم تتحرك ببطء وعندما رأته مهرة نهضت من مقعدها نحوه تمسك يدها:
- تعبتي نفسك ليه.. ألف سلامة عليكي.
فربتت والدة ريم على وجهها بحنو:
- كان لازم أطلعلك وأشكرك على كل حاجة عملتيها مع ريم.
لتخرج ريم من المطبخ تحمل كوب العصير:
- أنا مش مصدقة نفسي إنك هنا.
فأبتسمت مهرة بود وهي سعيدة بوجودها بينهم وهتف والد ريم:
- عصير إيه ياريم.. حضري الغدا يابنتي.
فأرتبكت ريم فغدائهم اليوم لن يكون إلا عدس.
- أصل يابابا...
فهم والدها الأمر:
- أنا هنزل أشتري سمك مشوي.. وأنتي اعملي الرز.
فأعترضت مهرة.
لتجد والده ريم تخبر زوجها:
- أيوه ياحج أنزل اشتري السمك.
وقبل أن يتجه والد ريم نحو الباب.
اندفعت مهرة هاتفه:
- أنا هاكل من اللي انتوا عملينه في البيت وكنتوا هتتغدوا منه غير كده أبداً والله.
ومع إصرارها.
حدث ما أصرت عليه فهي لم تأتِ لتكلفهم.
وبعد ساعة قد أتى الشقيق الأصغر لريم وألتفوا حول الطاولة ذات الأرجل القصيرة وتناولوا الطعام مع أحاديث مرحة.
وكانت والدة ريم تجلس بينهم تأكل من شوربة الخضار الموصي بها الطبيب.
ألفة أسرية هادئة والدة ريم ذكرتها بوالدتها ووالدة مرام.
أما والد ريم لم يذكرها إلا بالسيد عادل بل وأكثر منه طبية.
فهو رجلاً بسيط للغاية.
وانقضت الجلسة وقد اندمجت مهرة مع "علي" شقيق ريم.
وفي النهاية وضعت لهم ظرف به مال.
لتهتف والدة ريم بعزة نفس:
- إيه ده يابنتي؟
فأبتسمت مهرة بحب لتلك السيدة:
- أنا مجبتش عصير ولا فاكهه وأنا جايه.. ده واجب الزيارة ولا إيه.
فأبتسمت لها المرأة ولم تستطع النطق.
- متقلقيش ديه حاجة بسيطة خالص.
وانصرفت بعدما ودعتها ريم وشكرتها.
وهبط معها علي ليوصلها لأسفل بنايتهم.
لتنظر ريم لوالدها الذي تمتم:
- بنت حلال وطيبة أوي البنت دي.
***
خرجت مهرة من الحي الذي تسكنه ريم.
فرن هاتفها لتظن بأنه جاسم فقد هاتفته صباح لتخبره بأمر ذهابها لريم واحتياجها لبعض المال.
وكان رده مقتضبًا فعذرت لتوتره فاليوم سيصدر قرار أما خروج كريم أو استمرار حبسه.
ووجدت رقم مرام ففتحت الخط سريعًا:
- طمنيني يامرام.. بجد خرج بالسلامة.
فهتفت مرام بسعادة:
- أيوه يامهرة خرج الحمد لله.. أنا مضطرة أقفل هكلمك بعدين.
وأغلقت معها الهاتف.
وفور أن وضعت الهاتف بحقيبتها.
دفعها أحدهم بقوة أرضًا بعد أن أخذ منها حقيبة يدها.
كانوا رجلان يقودون دراجة هوائية وبعدما أخذوا المال والهاتف قذفو بها.
ليقف الناس حولها يساعدوها بأن تنهض.
ذراعها قد جرح وركبتها اليمنى أيضًا.
وجاء إليها أحدهم بحقيبتها يخبرها بأسف:
- للأسف سرقوا الفلوس والتليفون يابنتي.. بس أوراقك الشخصية موجودة.
فأخذت الحقيبة منه وهي تتألم وتنهدت بارتياح وهي ترى متعلقاتها الشخصية موجودة.
وسمعت صوت إحداهن:
- عوضك على الله بقي يابنتي.
وانصرف البعض والبعض الآخر وقف يضرب كفوفه ببعضهم مما حدث.
وبعدما استطاعت الوقوف قليلاً.
أوقفت سيارة أجرة.
كان رجلاً كبيرًا بالسن وعندما رآها تتألم:
- أوديكي على المستشفى يابنتي.
فحركت رأسها وهي تنظر لجرح ذراعها.
واغمضت عيناها بألم.
تتمنى أن تعود للمنزل وتجد جاسم ينتظرها وتدفن جسدها بين أحضانه.
لم يتركها السائق وظل معها إلى أن أوصلها.
لتهبط من سيارة الأجرة بعد أن دخل من بوابة الفيلا:
- هجيبلك الفلوس وأرجعلك.
ورغم ألم ركبتها صعدت الدرج سريعًا وهبطت بالمال.
فشهقت هدى من رؤية ذراعها ملفوف وتعرج قليلاً.
وعادت للداخل بعد أن حاسبت السائق وراضته بالمال.
ووقوفه جانبها.
وتسألت هدى بقلق:
- مالك يامهرة إيه اللي حصل يابنتي؟
فقصت لها ما حدث:
- الحمد لله جات على قد كده.
وساعدته هدى للصعود لغرفتها بل ودللتها.
وانتهى اليوم بمساوئه.
وفي اليوم التالي.
كانت نائمة تحلم بجاسم وهي تعاتبه لعدم اهتمامه بها وسؤاله عنها.
وشعرت بملمس شفاه على جبينها وظنت أنها تحلم.
ثم كانت ملمس الشفاه على جرح ذراعها ثم ركبتها التي ظهرت من منامتها القصيره.
وهي تظن أنها بحلم وهمست بعتاب وهي تفتح عيناها وقد تخيلت جاسم أمامها:
- سافرت ومسألتش عني.. أنا زعلانة منك.
كان يجلس جانبها بالفعل يحزن لرؤية جروحها فندم أشد الندم لتجاهله لها.
ومال نحو جبينها يلثمه مجددًا:
- أنا آسف يامهرة.
لتبتسم له وهي تظن أنها مازالت بالحلم:
- خلاص سامحتك... أنت طيب أوي في الحلم.
فضحك فالحمقاء مازالت تعتقد أنها تحلم.
وأغمضت عيناها وفتحتهم ببطء.