تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سهام صادق
أرتجفت عيناها المثبته على ذلك المشهد وكلمات شقيقتها صداها مازال يقنع قلبها بأن تحارب من أجل حبها.
لتخرج من شرودها على صوت جاسم الجامد وهو يسألها بضيق ملحوظ حاول أن يداريه حتى لا يحرجها فهي موظفة ذو كفاءة لديه.
"خير يانرمين... في حاجه مهمه عايزه تبلغيني بيها؟"
هتفت نرمين بتعلثم وعيناها ثاقبة نحو مهرة التي وقفت بجانب جاسم بزهو تعدل من حجابها وابتسامتها تنير وجهها.
"إجتماع مع الشركاء الأتراك بعد ساعه.. حبيت افكر حضرتك بس."
خرجت الكلمات من شفتيها بصعوبه وقلبها يصارع رغبته في الفرار فالوضع أصبح لا يحتمل.
فمشهد اقترابه من زوجته وسعادتها جانبه يجثم على أنفاسها بقسوة.
لينظر لها جاسم متذكرا ذلك الاجتماع الذي سيحضره خارج الشركه ثم اجابها بحسم.
"ريان هو اللي هيحضره معاكي يانرمين."
فحركت رأسها بثقل وانصرفت بعد ان وقعت عيناها على مهرة التي تبدلت ملامحها للجمود والشراسه.
وأبتسم وهو يطالع زوجته وقد اخذت تضغط على اسنانها بقوه وتحدق بالباب المغلق الذي أغلقته نرمين للتو.
واتسعت ابتسامته وهو يناديها.
"مهرة."
ولكن لا رد منها أتاه.
فهي مازالت جامده الملامح وكأن نرمين مازالت أمامها.
وعاد يهتف بأسمها ضاحكا.
"مهرة... نرمين خرجت من بدري على فكره."
فأنتبهت لصوته الضاحك وهو يطالعها.
فزفرت أنفاسها بقوة لعلها تخلص نفسها من ثباتها هذا.
وارتسمت على شفتيها ابتسامه رقيقه وحدقت به بعمق.
"هو مينفعش تنقل نرمين ياحبيبي.. انا مش بقول تطردها انقلها بس."
فلاح الجمود على ملامحه واتجه ناحية مكتبه.
"تاني يامهرة.. قولتلك."
"أني شغلي مبدخلش فيه بحبه ومش بحبه.. مدام نرمين ناجحه في شغلها يبقى خلاص.. غير ان مش شايف تصرف منها يخليكي تغيري كده."
وتابع وهو ينظر لعيناها.
"مبحبش غيرة الستات اللي ملهاش اي مبرر.. تمام."
فتمالكت حنقها سريعا وعادت تبتسم.
فهي أصبحت تفهم طبيعة زوجها وتتأقلم على طباعه.
"تمام."
واقتربت منه تعانقه بلطف ودلال.
"همشي انا بقى وانت كمل شغلك ياحبيبي."
وطبعت بقبلة طويلة على وجنته ثم ضحكت.
"كبرت ياحبيبي سنه زيادة وعديت منتصف التلاتين.. عجزت ياجاسم."
وتأوهت بآلم ويداه تقرص وجنتيها بقوه.
"لطيفة ياحببتي."
لتضحك على حنقه وازدادت ضحكاتها وهي تجده يشير على نفسه.
"انا في رعيان الشباب."
فوقفت تضع بيدها على بطنها من شدة الضحك.
ليجذبها إليه متذمرا كالأطفال.
"عجبك الهبل اللي بقيت فيه بسببك."
فأبتسمت بعشق حقيقي واندفعت تلقى نفسها على صدره وتحاوط خصره بذراعيها.
"انا بحبك اوي ياجاسم... هفضل احبك لحد ما أيدينا وملامحنا تعجز."
وشعرت بذراعيه تضمها بتملك لجسده.
"وانا مش عايز اكمل عمري اللي جاي الا بيكي ومعاك."
فبكت وهي تشعر بالخوف من القادم من حياتهم.
فأبعدها عنها برفق.
"بتعيطي ليه يانكديه."
ومد يداه يمسح دموعها مبتسما وهي سارحه في لمساته الحانية على وجهها.
"لا انا عايز النهارده رومانسيه.. صحيح يامهرة متلبسيش اي فستان ولا تظبطي نفسك ياحببتي... بقيت اتشاءم من الحاجات ديه."
لتتسع عيناها ثم انفجرت ضاحكه وهي لا تصدق ان الامر وصل به هكذا.
ورفعت يديها نحو وجهه تمسح على خديه تداعبه وهي تضحك.
"ده انت اتعقدت."
فطالعها بنظرات مستاءة.
"ياحرام."
فأزداد حنقه منها.
"كله منك يامهرة.. ما ديه آخرة الجواز بنستحمل ولنا الأجر والثواب."
كان يقف كالبائس وهو يحادثها.
فمن يراه الأن يشعر بالفعل انه زوجا مظلوما وهي الظالمه.
لتنظر إليه بتحديق مصدومة من قدرته الخارقة في التحول.
..............................................
نظرت رقية لطليقة مراد بترقب تنتظر حديث الهام الذي هاتفتها من أجله كي يتقابلوا.
كان الصمت يحاوطهم فأحداهما تنتظر البدء بالحديث واخري تفكر من أين يبدء حديثها.
واخيرا خرج صوت الهام.
"اكيد انتي بتسأل نفسك انا طلبت اقبلك ليه يارقية."
فطالعتها رقية للحظات.
"من غير مقدمات."
فضحكت الهام ساخره.
"رقية الخجوله المنطوية كبرت.. السنين بتغير."
كان حديثها الساخر ما يزيدها الا امتعاض.
"ابعدي عن مراد يارقية انتي متنسبهوش ولا هو يناسبك."
وتابعت وهي تنظر إليها بأعين ماكرة.
"مراد لسا بيحبني."
لتتجمد ملامح رقية.
فابتسمت الهام وهي تعلم أنها أصابت هدفها ولكن لم تتوقع ردت فعل رقية وهي تنهض.
"انا ومراد جوازنا آخر الشهر...هنبقي نعزمك."
وانصرفت من أمامها.
لتحدق بها الهام وعقلها لا يستوعب أنها لن تحصل علي مراد مجددا.
................................................
وقف جاسم مدهوشا من رؤية ما فعلته لأجله.
الغرفة كانت مزينه بالبلاين ذات شكل القلب ومدون عليها كلمات عاشقه لا يصدق أنها تخرج منها.
حتى الطعام جلبته لغرفتهم.
واتسعت عيناه وهو يجدها تخرج له من غرفة الملابس تهتف بمرح.
"ايه رأيك."
كانت تشير للغرفة غير واعية لمنظرها الذي سرق أنفاسه.
فستان قصير ذو لون فيروزي وتسريحة شعر جانبية على شكل فراشة وطلاء شفاه يدعوه بدعوة صريحة لتقبيلها واعين قد كحلتها.
كانت تنتظر إجابته عما صنعته ولكن هو كان غارق بملامحها إلى أن تركزت عيناه على بطنها التي أظهرها الثوب الضيق.
حياه مكتملة أصبح يعيشها معها رغم اختلاف طباعهم الا انه جعلته يكتمل.
هو لا ينفعه زوجه تسير على طراز واحد ولكن معها جرب كل شئ الجنون والتعقل والنعومه.
العند والغضب والتمرد أصبح يراها تتعلم مما يزعجه.
"جاسم انت سرحت في ايه."
ففاق على حركة يدها أمام عينيه وصوتها ثم ابتسم.
"سرحان فيكي."
لترتبك من نظراته على جيدها وساقيها فالفستان قصير للغاية.
وأخذت تجذبه لاسفل قليلا متمتمه بحرج.
"قصير وضيق اوي صح."
فضحك وهو يرى فعلتها.
فجذبها نحوه غامزا لها.
"عجبني كده."
ثم ابتعد عنها متذكرا شئ.
ليخرج من الغرفه دقائق ويعود إليها ثانية متسائلا.
"فين تليفونك."
فأعطته هاتفها متعجبه مما يفعله لتفهم اخيرا السبب بعد أن أغلق هاتفه هو الآخر.
"نبهت على هدي محدش يزعجنا... والتليفونات واتقفلت.. لو حصلت حاجه قطعت اللحظه ديه يبقى احنا لازم نسيب بعض."
قالها ضاحكا مستمتعا بضحكاتها وقبل أن يجذبها إليه ثانية يدفن وجهه بعنقها.
ابتعدت عنه تجلب هديته.
ووقفت بها أمامه بحماس تعطيها له.
لينظر جاسم لهديتها مبتسما فقد كانت عباره عن أزرار قميص وقلم مدهب أنيق مطبوع عليه اسمه.
فأبتسم وهو يتناول هديتها شاكرا.
"شكرا ياحببتي.. مكنش في داعي للهديه يكفي كل اللي انتي عملاه عشاني وفكراني."
ومال نحوها يقبل جانب شفتيها برقة هامسا بدفئ.
"لو كنت اعرف حرمان الدفي والعيلة اللي انا اتحرمته زمان.. هيكون تعويضه كده مكنتش في يوم حزنت."
حتى هي كان نفس شعورها.
وبدأت ليلتهم وانتهت كما يرغب القلب.
وبعد ساعات كانوا مندسين تحت الغطاء يضحكون على ذكرياتهم القديمه.
"انت مكنتش طفل مشاغب خالص ياجاسم... كنت طفل ابن ناس."
فضحك على عبارتها فهو بالنسبه لمشاغبات زوجته وتشردها الطفولي لابد أن يبدو هكذا.
"بالنسبالك ياحببتي انا ملاك."
وضمها إليه يشعث خصلات شعرها.
لتتذكر هي أحد مواقفها الطفوليه لتبتعد عنه وتعتدل في جلستها تحكم الغطاء على جسدها وبدأت تقص عليه مافعلته بأحد أطفال حيها.
"ضربتيه وبعدين لبستي في الحيطه."
فضحكت بمتعة وهي تتذكر ذلك المشهد بالتفصيل.
خطتها الطفوليه أن تضربه ثم تركض إلى المنزل.
"اخدت الحيطه بالحضن بداله..اصل هي اللي كانت قدامي."
ضحكاته كانت تعلو وصمت وهو يتأمل احمرار وجنتيها وهيئتها البريئة التي هي عليها الأن.
فجذبها نحوه وهو مندمج بحماسها وكأنها عادت معه الليله طفله صغيره.
ليغرقها بين ذراعيه ودفئ أنفاسه.
......................................................
كانت نرمين تتقلب على فراشها بأعين دامعه وهي تتذكر مشهده هو وزوجته.
أصبحت تريده بشدة تريد أن تجرب كل ماهو خاص بزوجته معه تريد أن تختبر تلك المشاعر معه هو وحده.
ووضعت بيداها على قلبها تخبره انها ستسعى للحصول عليه حتى لو سلكت طرق غير مشروعه.
......................................................
تعجب من اهتمامها في وضع طعام الفطور له قبل أن يذهبوا للعمل سويا بل واطعمت الصغيران.
فجلس كريم على مائدة الفطور صامتا وقبل أن يشرع في تناول فطوره وجدها تطالعه بسعاده.
فنهض علي الفور متمتما بضيق.
"نفسي اتسدت."
وتركها وانصرف.
لتنظر إليه بآلم حقيقي.
فهي جنت من حصاد اهمالها وها أتى وقت الصبر وارضائه بعد أن كانت تتدلل عليه.
.....................................................
نظرت فريدة إلى ورد بأبتسامة صادقه تفرد لها ذراعيها بدعوة صريحة أن تقترب منها.
فنظرت لكنان ثم اتجهت نحوها تسألها عن حالها وفريدة تعتذر لها عن كل شئ اقترفته في حقها.
"لماذا رحلتي ورد كنت احتاجك."
ودمعت عين فريدة وهي تخبرها عن شماتة رفقائها بها.
"الكل تركني ورد بعد أن أصبحت عاجزه."
فمسحت ورد على وجهها بحنان وداعبتها.
"ابتعدوا عنك لأنكي مازلتي فريدة الجميله."
فأبتسمت بشحوب وهي تنظر إليها متذكره كل ما فعلته بها.
حتى عائشة التي كانت تمسك يد جواد وتقف خلف كنان بكت على ضعف فريدة بعد أن كانت امرأة جبارة.
فأقترب كنان منهم وقبل جبين والدته ثم حاوط ورد بذراعيه بحنان.
فالحياة عادت إليه من جديد معها.
.....................................................
دلف عمار برفيف داخل شقته البسيطه التي يقطنها هو وشقيقته.
لتنظر رفيف حولها بشمئزاز.
"انا سأعيش هنا.. لا عمار هيا الي منزلي."
ليصدح صوت عمار بغضب.
"هتعيشي في المكان اللي يعيش فيه جوزك حتى لو في خيمه."
لترتجف رفيف من صوته وسارعت في رسم ابتسامة علي شفتيها.
فلا بأس أن تعيش هنا مع عمار الرجل الوحيد الذي ارادته عن أي شئ من قبل تجربة جديدة عليها ولكن ممتعه.
وخرجت علياء من غرفتها بعد أن استيقظت من غفوتها متسائلة.
"بتعمل ايه الست ديه هنا."
فأقتربت رفيف منها مبتسمه.
"انا وعمار تزوجنا."
لتتسع عين علياء ووقعت عيناها على حقيبة ضخمه يبدو أنها ملابس العروس الجديدة.
"عمار انت اتجوزت الست ديه."
فنظر لشقيقته نظرة طويلة ثم ضمها إليه.
"علياء مافيش حاجة هتتغير في حياتنا."
كان يطمئن شقيقته بلطف إلى أن اغمض عيناه بقوة بعد أن سمع حديث رفيف الوقح.
"هل سنقضي الليلة كلها في الحديث مع شقيقتك.. انسيت اني عروس ونحتاج أن نبقى بمفردنا."
لتشهق علياء من وقاحتها.
فالتفت إليها وقبل أن تصيح بها وجدت شقيقها يجذب ذراع رفيف بقسوة متجها بها لغرفته.
ليغلق الباب خلفه وعلياء تقف تنظر للباب المغلف وتسمع صراخ شقيقها برفيف.
لتنكمش على نفسها من صوت شقيقها واندفعت داخل غرفتها تقضم اظافرها بتوتر مفكرة بحياتها القادمه.
..................................................
نظرت رفيف لعمار وهو ينهض عنها بعد أن أعطاها مارغبة به ولكن قبل أن تكتمل لحظتهم دفعها باصقا بوجهها.
"انسانه مقرفه.. قرفت من نفسي وانا بلمسك."
كانت سعيده بلمساته ولكن عيناها أظلمت بعد أن دفعها عنه بكل مهانه لأول مره تشعر بها.
وألتقط قميصه تحت نظراتها المصدومه وارتداه.
لينظر إليها ثم اقترب منها يجذبها من خصلات شعرها المصففه.
"قومي ياعروسه حضري العشا لجوزك."
وصرخ بوجهها ليرتجف جسدها وهي إلى الآن لا تصدق ما يحدث معه.
"أين الخادمه.. اجعلها تصنع لك الطعام."
لتصدح ضحكاته عاليا.
"لاء الخدامه ديه عندك يابنت الذوات..هنا في اكل يتحضر لجوزك في غسيل يتغسل في لبس يتكوي."
وفجأة وجدته يجذبها من فوق الفراش.
"مفهوم."
فأبتلعت ريقها بصعوبة وهى تنظر للهيب الغضب الذي يخرج من عينيه.
"مفهوم."
..................................................
نظر أكرم إلى ملامح ضحى الحزينه وهي تقف في المطبخ تجلى الأطباق.
تأتي يوميا لتطمئن على والدته ولكن لا شئ يحرك قلب والدته.
"انا اسف ياضحى."
فأغمضت عيناها تستجمع قواها وتبتسم.
"انا مش زعلانه منها يااكرم."
لتدلف سهير في تلك اللحظه وتنظر إلى وقفة ابنها بجانب خطيبته.
"عال يااكرم قاعد انت والهانم تحبوا في بعض وسيبني لوحدي."
ونظرت لضحي بقسوة.
لتشيح عيناها بعيدا عنها فلولا أكرم وحبها الكبير له ما تأتي لهن.
لينظر أكرم لوالدته بجمود.
"انتي شايفه ده منظر ناس يحبوا في بعض."
وتعلقت عيناه على ضحي التي عادت تجلى الأواني بصمت.
"يلا يا ضحى عشان اروحك."
كلت تستجيب هي لأمره بعد أن شعرت بالحزم في صوته.
وخرجت أمامه من المطبخ تحت نظرات سهير الحاقده.
فتعلقت بذراع أكرم لتبتسم إليه بحب.
"متتأخرش ياحبيب امك."
وما كان منه إلا أن مسح على وجهها بطيب خاطر داعيا الله بأن يهديها.
.................................................
تمدت رقية على فراشها تحادث مراد عن عرسهم الذي اقترب.
الي أن عادت لنفس السؤال.
"ليه انفصلت عن الهام يامراد."
ليزفر مراد أنفاسه.
كل يوم ينتهي حديثهم لهذا الأمر الذي بدء يخنقه.
"تاني يارقية... قولتلك وهقولهالك تاني.. انا والهام انفصلنا من زمان وكل واحد راح لحاله.. مش انا الراجل اللي يتكلم عن ست كانت مراته."
وقبل أن تشرح له وجهة نظرها فقد صدمها اليوم ردت فعله فهو كان ينهي الأمر بلطف.
وانقطع الخط لتنظر لهاتفها بأعين متسعه ودفنت وجهها بوسادتها حانقه.
"انا كان مالي ومال الحب والأرتباط.... كل يوم انام متنكد عليا."
........................................................
جلست مهرة بجانب ريم على فراشها بعد أن أعدت معها حقيبة ثيابها.
فقد مرت الايام وأتى موعد العرس ولم يتبقى عليه إلا يومان.
فنظرت مهرة لتوتر ريم ضاحكه.
"نفسي افهم سبب لتوترك ده."
فحدقت بها ريم متسائلة.
"مهرة هو ليه لأزمة الهدوم ديه.. انا وياسر مش هيحصل بينا حاجه."
فضمتها إليها وهي تشعر بها.
ريم كانت تتمنى اليوم الذى ستصبح به عروس بل وربطت حلمها مع ياسر ولكن في النهايه اكتشفت ما هي إلا ب لعبة دورها الوحيد فيها أن تكون الزر الذى يضغطون عليه من أجل اللعب.
"انتي قويه ياريم... اتمسكي عشان والدك ووالدتك حاولي تفرحيهم وسيبي الباقي يجي من تدبير ربنا."
فأبتعدت عنها ريم بأعين دامعه.
"سبب سكوتي هما يامهرة... مستحمله كسرتي عشانهم."
ونظرت لفستان عرسها المعلق.
"كان نفسي البسه وانا فرحانه."
ونهضت من فوق الفراش نحوه تلامسه بإحساس تمنت أن تعيشه يوما.
فأتبعتها مهرة بصمت ورغم أنها متأكده ان ياسر يحب ريم لكن يوجد شئ مخفي بحياة ياسر لم تهرب جاسم في أخبارها رغم إلحاحها الا انه كالعاده الا يخبرها الا بما يرغب.
.....................................................
وقفت أمامه وهي تريد أن تعلم الاجابه منه.
فكلما سألته عن بسمه وسبب رحيلها يتحاشى الاجابه ويتركها ولكن اليوم أصرت أن تعلم لما رحلت دون أن تودعها.
"بسمه راحت فين ياكريم انا قلقانه عليها.. حاسه انك تعرف سبب رحيلها."
فتجمدت عين كريم وعاد شعور الذنب يقتحم فؤاده.
"قولي فين طريقها أو عنوانها محتاجاها الفتره ديه معايا."
كان يعلم حب زوجته لتلك الصديقه ومع إلحاح سؤالها نهض من فوق مقعده بالشركة صارخا بها.
"سابت كندا كلها بسببك... انتي السبب دمرتها مع انتقامي منك."
لتبهت ملامح مرام بصدمه وقد جف حلقها.
"انا مش فاهمه حاجه."
فأقترب منها يحاصرها بذراعيه بقسوة.
"كنت هتجوزها عليكي يامرام."
..................................................
جلست علياء مع إحدى صديقاتها بعد نهاية محاضرتهم في أقرب حديقة اعتادوا الجلوس فيها.
"انا عايزه اشتغل واساعد عمار يارانيا.. من ساعه تهمة السرقه والفضايح اللي عملتها ليه اللي منها لله .. ومحدش بيشغله حارس شخصي."
ورفعت كفها عاليا تدعو على رفيف فعاونتها صديقتها علي الدعاء بغل ثم عادوا لحديثهم.
"هتشتغلي ايه واحنا لسا متخرجناش واكيد هتكوني محتاجه شغل يناسب وقت المحاضرات وميعاد رجوعك البيت."
فطأطأت علياء رأسها بيأس.
لا يوجد عمل سيناسب وضعها.
فعمار إذا طرحت عليه الفكره سيعنفها.
لتطرقع رانيا اصابعها بحماس.
"وجدتها."
لم يقل حماس علياء عنها.
لتلمع عيناها وهي تهتف.
"ها قولي."
فنظرت إليها رانيا طويلا.
وعيناها معلقة على عين صديقتها.
"روحي لاخو مرات اخوكي يساعدك.. انتي قولتي انه غني.. اكيد إشارة منه فأي مكان هيخدمك."
فحدقت بها علياء وهي لا تستوعب الأمر إلى أن نفضت رأسها وهي تطالع صديقتها متمتمه بأسمه.
"ريان"
رواية لحن الحياة الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سهام صادق
انتهى كل شيء في غمضة عين. العرس الذي حلمت به مضى. سعادة والديها رغم حزنهم على شقيقها الذي لم يطيب حزنهم عليه بعد. كان حفل الزفاف بسيطاً للغاية، مجرد مظهر للفرح بين جيرانها وأحبابها. فكيف تعيش الفرح وشقيقها لم يمر عام على وفاته بعد.
ومع احتضان والدتها القوي لها، ثم أبيها، أدركت أن أجمل دفء هو دفء الوالدين. ليلتقط ياسر ذراعها بذراعه ويسير بها لسيارته. ومهرة تقف بعيداً بجانب رقية وجاسم، تنظر إليها بنظرات تخبرها أن صفحة جديدة من الكتاب ستفتح على لحن حياة جديدة من عمرها.
***
دَلفت للشقة خلفه وهي تحمل فستانها بأيديها. لم تكن عيناها مسلطة إلا على خطواتها المتثاقلة. وتقدم منها ياسر يغلق باب الشقة، ولم يكن أقل منها من مشاعر متخبطة. فمنذ الصباح والماضي يحوم حوله. عرس.. زوجه.. ليلة البناء.. حمل.. طفلة.. ثم موت. آلم الماضي يجثو عليه. ومع تعدد المشاهد بدأ قلبه يرسم له نهاية.
ما دخله بقدميه مرة أخرى. ووقف للحظات يعطيها ظهره. ولا أحد منهم يتفوه بشيء إلا صوت أنفاسهم يتعالى. فأرخي جفنيه ورطب شفتيه بلسانه ورسم ابتسامة مصطنعة على شفتيه جاهد في رسمها. وأقترب منها هاتفا بأسمها.
"ريم"
كانت الكلمات تقف على طرف شفتيه تأبى الخروج. وهو يطالعها كيف تقف تفرك يداها بتوتر بعد أن تركت طرفي ثوب عرسها. ولثم جبينها بقبلة طويلة لعله يخرج فيها أسفه. ثم تمتم بدفء.
"كنتي جميلة قوي النهارده."
أراد أن يشعرها بأنها حقا عروس ويعطيها جزء من حقها كأي فتاة. فأغمضت عيناها من أثر تلك المشاعر. مشاعر مع رجل أحبته، ولكن هو لم يحبها. وعادت تستجمع قواها وفتحت عيناها وهي تعلم أنه سيخبرها أن زواجهم مؤقت ومجرد وقت، وكل منهم يعود إلى حياته القديمة.
ليبتعد عنها متأملاً حالتها. وأخيراً خرجت الكلمات التي رتبها بصعوبة.
"أنتي عارفه حياتنا هتكون إزاي."
وقبل أن يبدأ بشرح أي شيء لها، تساءلت بوجوم.
"فين الأوضة اللي هتكون مكان إقامتي؟"
فهم أنها أدركت سبب تخبطه. لينظر إليها طويلاً معتذراً. ووضع بكلتا يديه على ذراعيها.
"ريم، أنتي فاهمه الوضع اللي اتحطينا فيه."
فتعلقت عيناها على ذراعيه التي تحاصرها. فخطت للخلف. فأبتعد عنها مزيحاً يديه.
"خلينا نكون أصدقاء ياريم.. أو أخوات."
طعنة قوية طعنت قلبها. أخوه.. أصدقاء.. وهي تراه كحبيب. عشقته بقسوته وجموده. وعاد حديث مهرة لعقلها. فهتفت داخلها "أين هذا الحب الذي ظننتيه يا مهرة؟"
وتمالكت إنهزامها ورجفت شفتيها.
"متقلقش مش هتحس بوجودي.. كأننا شركاء سكن مش أكتر."
وتابعت وهي تنظر حولها تتحاشى نظراته.
"فين الأوضة من فضلك."
لينتبه ياسر لصوتها بعد أن كان سارحاً في ملامحها الحزينة. مؤنباً نفسه على ظلمها مع رجل مثله بماضي مظلم. متذكراً رفيف يلعنها عما فعلت. ولكن أصبح غليله يشفي عندما علم بزواج عمار منها. ورغبته في تأديبها بعد أن أخبره أن أذاها لم يصبه وحده. ووعد عمار بوظيفة جديدة مساعدة منه لأجل تخليصهم من سم رفيف.
وتحرك أمامها وفتح باب الغرفة ثم أنار الإضاءة.
"دي أوضتك لو حابة تغيريها مع أوضتي.. معنديش مشكلة."
فدَلفت للغرفة بصمت تطالع الأثاث الذي تركت له انتقاءه.
"لأ.. الأوضة جميلة وعجبتني."
فطالعها ياسر للحظات بعد أن جلست على الفراش. وكاد أن يخرج ويغلق الباب خلفه.
"هغير هدومي وأجي أسخن الأكل."
فابتسم متذكراً الطعام الذي بعثته والدتها مع شقيقها. وكأنهم اليوم سيكونون بمجاعة. ولكن هذه هي العادات كما أخبره شقيقها الصغير "علي".
وأغلق الباب بصمت. لتلتف نحو الباب المغلق ثم انفجرت باكية. فلم تعد تحتمل قدرتها على تمثيل القوة.
***
أختلس النظرات إليها ضاحكاً. ولا يعلم كيف طاوع جنونها هذا. فبعد انتهاء عرس ريم وياسر.. أخذت تلح عليه كالأطفال بأن يصطحبها للسير في الطرقات. وانتهى الأمر بهم أمام عربة المثلجات. ومسح فمه بالمنديل وهو يتذوق ما يأكل بتلذذ.
"طعمه حلو."
فألتفت إليه بمتعة وهي مندمجة في لعق خاصتها ببطء.
"عيب عليك.. عم مانجا أحلى واحد يعمل آيس كريم في المنطقة."
ليضحك جاسم من قلبه على معرفة زوجته بكل شيء خاص بعالمها المتواضع.
"نفسي أعرف أنتي بتعرفي الناس دي إزاي.. ده أنتي ولا كأنك زبونة عندهم."
فأسبلت جفنيها ببرآة.
"تتسكع في الطرقات أكتر تعرف أماكن أكتر وناس أكتر."
ألجمه تشبيهها. وفي ثواني معدودة كان يضحك بقوة حتى بدأ يسعل.
"تتسكع وطرقات يا مهرة.. ماشاء الله أنتي موسوعة يا حبيبتي."
فأرتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة وحركت كتفيها بفخر.
"عيش واتبسط من غير تكلف."
وتابعت بنبرة درامية مضحكة.
"ده مبدأ في الحياة."
فحدق بها مبتسماً. الحياة بالفعل جميلة دون زيف أو تصنع. فعالم المال جعله يدرك الفرق.
وعادوا يكملوا السير وهو لا يفعل شيئاً إلا مشاكساتها. ووقف أمامها يخرج من سترته منديلاً. وتقدم منها يرفع فكها بأنامله ويمسح جانب شفتيها مبتسماً.
"كملي رغي يا أم مبادئ في الحياة."
فضحكت بملء قلبها لتتعلق بذراعه.
"اتعلم مني بقى."
***
تأففت بحنق من كم الدبابيس المثبتة بطرحتها. معاناة كانت مع سحاب الفستان وقد نجحت بأمره. ولكن الآن لم تعد تقوى على التحمل. فستقضي الليل بأكمله هكذا. لتسمع طرقات ياسر على الباب يسألها بقلق.
"ريم.. أنتي كويسة؟"
ونظر إلى ساعته. فساعتان بالغرفة ولم يسمع لها صوت. فقد سخن الطعام للمرة الثانية من أجلها. ولكن إلى الآن مازالت بحجرتها. ووجدها تفتح الباب له حانقة.
"ممكن تساعدني.. أنا خلاص تعبت."
فنظر إلى هيئتها مبتسماً.
"مندتيش عليا من بدري ليه."
ومسك يدها بحنو بعد أن شعر أنها أوشكت على البكاء. وأخذ يمازحها بلطف جديد عليه.
"تعالى أما أساعدك.. بدل ما هتقضي الليل كله كده."
وأجلسها على الفراش ليقف يزيل عنها الدبابيس المثبتة وهو يضحك.
"إيه اللي بيعملوا فيكوا ده.. دول بيدبسوكم يا ريم."
فضحكت على مزاحه ليبتسم على ضحكتها.
"علبتين دبابيس للأسف.. أنا حاسة إني متثبتة على اتجاه واحد."
لتصدح قهقهته عالياً. فتعلقت عيناها عليه وقلبها يخفق بجنون. وأشاحت وجهها للجهة الأخرى بعد أن وجدته يسلط عيناه نحوه.
وبعد وقت لم تشعر به كان يبتعد عنها مبتسماً.
"المهمة تمت بنجاح."
لتنهض ريم من أمامه تحرر شعرها من عقدته. فوقف سارحاً بخصلات شعرها السوداء القصيرة التي لاقت على ملامحها البسيطة. وفاق من شروده فيها هارباً من أمامها. مخبراً قلبه أن يتوقف عن رسمها كزوجة إليه.
***
وقفت رفيف أمامه بردائها القصير الشفاف. فأغمض عمار عيناه بقوة هاتفا بضيق بداخله.
"أعمل فيها إيه دي.. أولع فيها وفي هدومها."
وفتح عيناه بعد أن سمع صوتها.
"عمار."
ومع سمع صوتها تذكر أمر شقيقته التي لا يريدها أن تتفتح عيناها على هذا التبجح. ونهض من فوق الأريكة التي يجلس عليها وأمسك ذراعها بغضب.
"أنتي إزاي تطلعي من الأوضة كده."
فتأوهت بألم تمسك كفه المطبقة على ذراعها بإحكام تزيلها عنها.
"أنت بتألمني عمار."
فدفعها أمامه بجمود.
"وياريتك بتحسي بالألم.. ده أنتي حياتك كلها أذى في أذى."
ودفعها للغرفة التي تشاركه فيها.
"اللبس ده متخرجيش بيه من الأوضة دي.. وياريت متلبسهوش.. مش أنا الراجل اللي بيجري ورا شهوته."
ما كان كلامه إلا يزيدها افتناناً به. ورغم آلم جسدها من أثر دفعاته اقتربت منه تقبله وهو ثابت بمكانه. فأزاحها عنه بغضب. وخرج من الغرفة صافعاً الباب بقوة.
ونظر إلى غرفة شقيقته المغلقة ثم خرج من الشقة بأكملها. لتضع علياء أذنها على باب غرفتها وهي تشعر بالقلق على شقيقها.
وعادت تجلس على فراشها كما كانت تفكر في حديث صديقتها.
***
صعدت الدرجات الرخامية ذو الملمس الرطب بعد أن خلعت حذائها العالي. فلم تعد تحتمل تورم قدميها. لينظر إليها جاسم مستمتعاً بمشيتها التي تشبه البطريق. فألتفت نحوه تسأله بحنق.
"أنت بتضحك على إيه.. رجلي وجعتني ومش مستحملة أمشي بالجزمة."
ونظرت إلى قدماها. ثم لـ "هدى" التي فتحت له الباب مرحبة بهم مع ابتسامة ودودة على شفتيها. واتبعها ضاحكاً بعدما أبلغ هدى أن تذهب لغرفتها كي تستريح.
"طيب رجلك وجعاكي وفهمنا.. ماشية تطوحي كده ليه زي البطريق."
فوقفت أمام الدرج. تعض على شفتيها بقوة. ثم عادت إليه.
"شايف أنا كنت ساكتة وزوجة مؤدبة.. وف حالي."
فضحك على شراستها وهي تحدق به.
"قصدك أن أنا اللي بشاكس.. لأ يا حبيبتي أنا بقول الحقيقة."
لتجذبه من عنقه بعد ضغط على زر الإنذار لديها.
"شيلني يا جاسم.. عشان تقول عليا بطريق تاني."
فصدحت صوت ضحكاته عالياً. ومدام في النهاية سيحملها فليداعبها قليلاً بمزاحه.
"أشيلك إيه ده كان زمان.. أنتي بقيتي دلوقتي دبدوبة يا حبيبتي."
فدفعته على صدره بوجه عابس. ومازالت تجذب عنقه إليها.
"مدام دبدوبة مفيش تنازل إني أتشال يا جاسم."
فحملها مرغماً عنه ضاحكاً وهو يخبرها أن وزنها قد زاد. أما هي كانت تتعلق بعنقه تدندن كي تلهي نفسها من مزاحه السيء الذي يدمر نفسيتها كأنثى.
"قاتلتي ترقص حافية القدمين بمدخل شرياني... من أين أتيت؟ وكيف أتيت؟ وكيف عصيت بوجداني؟"
ومع كل مقطع ومقطع من كلمات الغنوة كانت تصرخ بعلو صوتها.
إلى أن سطحها على الفراش وضحكاته تتعالى.
"بس كفاية يا مجنونة."
لتتعالى نبرة صوتها ثانية.
"من أين أتيت وكيف أتيت."
فألقى جاسم سترته واقترب منها.
"ده شكل الليلة دي هتكون لطيفة يا حبيبتي."
وأمتدت يداه نحو حجابها يزيله عنها مبتسماً.
"كنتي جميلة النهارده أوي يا حبيبتي.. الفستان عليكي يجنن."
لتتوقف عن التلحين مع نفسها مبتسمة.
"بجد يا جاسم... يعني مبقتش دبدوبة."
فتعلقت عيناه بها ومال نحوها يداعب وجهها بكفه.
"مين المغفل اللي قال كده."
فأنتعش وجهها بعد أن سب نفسه.
"أنت ياحبيبي."
وضاعوا بعدها في لحظاتهم الجميلة.
***
تسير في غرفتها دون هوادة وهي تتخيل لو كان كريم تزوج بسمة. تلك الصديقة الخائنة التي ائتمنتها على حياتها. وكلما عاد صوت كريم لأذنيها وهو يخبرها دون شعور بالجرم في حقها كان الغضب يتآكلها. مشاعر الغضب والغيرة تملكت قلبها. ولحظتها علمت أنها كانت أكبر مغفلة. ذهبت لمنزل بسمة لتواجهها. لعلها مازالت بكندا. ولكن لا أثر لها.
وهوت بجسدها فوق الفراش زافرة أنفاسها بقوة. ثم نهضت وهي لم تعد تحتمل كبت غضبها أكثر من ذلك. فمنذ أن أعترف لها بالحقيقة وهي منعزلة على نفسها صامتة.
واتجهت لغرفته بخطى سريعة. لتجده يقف أمام المرآة يهندم ملابسه وينثر عطره دون أن يلتفت إليها.
حرب باردة أصبحت تدور بينهم. ولكن هي لن تحتمل. فقد لعب على أكثر وتر حساس لديها تجاهلها. فهي دوماً عاشقة للاهتمام والدلال. فقد الابنة الوحيدة لوالديها. ورغم قلة مواردهم إلا أنهم كانوا يعطوها كل ما رغبت حتى لو حرموا أنفسهم. فيكفيهم هي.
"مش هتبرر غلطك يا كريم في حقي... المفروض دلوقتي نبقى متعادلين. أنت جرحتني زي ما جرحتك."
كان لا يبلى بحديثها. فتركيزه جعله منصباً على ساعة يده. إلى أن وقفت أمامه غاضبة.
"أنت مبتردش عليا ليه.. أكتر حاجة عارف إني بكرهها التجاهل."
وهنا انفجرت شفتيه بضحكة رجولية صاخبة.
"التجاهل في الوقت ده أنسب حل يا حبيبتي.. واحمدي ربنا إن حياتنا وصلت للتجاهل بس."
فدمعت عيناها وهي لا تريد شيئاً إلا حنانه عليها.
"أنا مسامحاك في حقي يا كريم عشان أنا السبب... بس أنت كمان سامحني."
عيناه تحجرت على دموعها. رغم أنه بدأ يغفر. إلا أن الدرس لابد أن يتقن تعليمه لها.
"للأسف يا مرام.. أنني ضيعتي كل رصيد حبك."
وتخطاها كي ينصرف من أمامها. فقبضت على ذراعه بضعف.
"أنا كنت عايزة أنجح وأوصل عشانك.. عشان متجيش في يوم تعايرني بفقري وتسبني زي ما سبتني زمان."
وبدأت تذكره بالماضي. يعلم أن أكبر غلطة فعلها بحياته هو بداية الزواج العرفي منها. ولكن الماضي انتهى. وهو عاد كريم القديم مجدداً معها قبل أن يشوه فقد عائلته.
وشعر بيديها على صدره تطلب منه اللجوء لدفء أحضانه. ألا أنه أبعدها عنه بجمود.
"عمرك ما فهمتيني يا مرام.. أنتي عجبك كريم الشرقاوي الراجل الغني."
وانصرف من أمامها وقد تجمدت ملامحه. هي من سعت للفت أنظاره بكل الطرق فور أن علمت بمكانته وأنه شقيق من.. ولكن كل هذا لم يفرق معه. لأنه أحبها بقلبه القديم الحنون وليس بقلب الشاب العابث.
***
نظرت رفيف لطعام الفطور الذي تذمرت عليه الأيام الماضية. ولكن قررت أن تعتاد على الأمر رغم أن معدتها لم تعتد. لتضع علياء طبق الفول أمامها ومعه أقراص الفلافل الساخنة.
ثم أتت بطبق الجبن وشرائح الطماطم.
"أنا بخدم عليكي الأيام دي وبقول عروسة."
هتفت علياء عبارتها باستنكار. لترفع رفيف الخبز من أمامها بحنق. فلولا أنها جائعة ما أكلت.
"وماذا سأفعل بعد ذلك يا سيدة علياء.. أنسيتِ أنني زوجة شقيقك وخدمتك لي واجبة عليكي."
فنهضت علياء مزمجرة. فقد كانت تخدمها بطيب خاطر من أجل شقيقها. ولكن الآن.
"خدمة مين اللي واجب.. أنا بخدمك ذوق مني بس عشان أعرفك أصول الاحترام والذوق."
وأشارت لنفسها.
"بس أنا غلطانة من النهارده مفيش ذوق.. في مبدأ اخدم نفسك بنفسك.. آه نتبع النظام الأوروبي اللي أنتي عايشة بيه."
وتابعت وهي تنظر للمطبخ.
"عليكي غسيل الأطباق اللي هناكل فيها بعد كده."
فطالعتها رفيف حانقة.
"أنا رفيف.. أجلي أطباق.. نووو نوو."
لتضيق عين علياء بشراسة.
"مهما نونوتي هتغسلي الأطباق."
وأصبحت تلك عادتهم اليومية. ليخرج عمار من غرفته صائحاً بهم.
"مش كل يوم صوتكم هيسمع الجيران."
فصمتوا على الفور بعد سمعوا صوته. لتحدق علياء برفيف متمتمة.
"قلبتي راحتنا."
فأسبلت رفيف أهدابها واقتربت منه تعانقه وتطبع على خده قبلة سريعة خائفة من غضبه. فهي تستغل وجود علياء حتى لا ينفرها كالعادة.
"صباح الخير حبيبي."
فلوت علياء شفتيها بامتعاض بعدما طالعتها. وحملت دفاترها وحقيبتها هاتفة بصوت خافت.
"حبيبك.. حبك برص."
وأغلقت الباب خلفها. ليدفعها عمار عنه.
"بلاش أساليبك الرخيصة دي قدام أختي."
ليحتقن وجه رفيف من إهانته التي أصبحت لا تسمع غيرها. وانصدم وهو يجدها تجذبه إليها وتقبله. وابتعدت عنه تلهث أنفاسها متمتمة.
"ستحبني عمار مثلما أحبك.. أنا لا أخسر."
وانصرفت من أمامه ليقف مصدوماً من فعلتها.
***
تأمل كنان زوجته وشقيقته كيف يتمازحون. وجواد الذي عاد أخيراً من إقامته مع عمه راغباً في العيش بينهم. مندمج معهم. حتى والدته عادت معهم من الضيعة وتجلس بينهم بمقعدها تتناول فطورها وتبتسم على حديثهم.
كانت عائشة تتحدث مع ورد من أجل الذهاب للتسوق لجلب ملابس للطفل القادم. رغم أن الوقت مازال مبكراً. فهي للتو بدأت بشهرها الخامس.
وتوقفوا عن حديثهم بعد أن سمعوا صوت كنان.
"اتركوا حديثكم جانباً الآن أيتها الثرثرات وانتبهوا لي."
لتضحك كل من عائشة وورد. وأيضاً جواد الذي ترك كأس الحليب خاصته ليستمع إليه. أما فريدة تنتظر أن تعرف ما سيخبرهم به ابنها.
"سننتقل لمنزل آخر أكبر من هذا."
فصفق جواد بيديه فرحاً بذلك الخبر.
"وبحديقة أكبر أليس كذلك خاله."
فضحك كنان على حماسه الذي اشتاق إليه.
"نعم حبيبي."
لتتسأل ورد فقد اعتادت على هذا المنزل.
"ما السبب كنان.. المنزل رائع."
فأرتسمت على شفتيه ابتسامة حانية.
"لقد أصبحنا أسرة كبيرة ورد.. غير الضيف القادم."
فهم أنه يقصد طفلهم بذلك. لتحرك رأسها في صمت.
إلى أن انتهى فطورها وجاء موعد مغادرة كل من عائشة وكنان للعمل. فتعلق ورد بعنقه قبل أن يتجه نحو سيارته.
"أتيت لي بالحلوي كنان."
فضحك وهو ينحني نحو وجنتها يقبلها.
"سأجلب لكم جميعاً يا ورد.. فأنا أصبحت أباً لثلاث الآن والرابع قادم في الطريق."
واتجه لسيارته تحت أنظارها المحبة. وعائشة تلوح لها بيدها وهي تصعد السيارة جانبه.
***
انفردت بها والدتها جانباً تسألها بلهفة أم.
"طمنيني يا ريم كل حاجة تمام يا بنتي."
لم تفهم في البداية سؤال والدتها. إلا عندما حركت لها عيناها كي تطمئن قلبها. ومع صمت ريم للحظات. هتفت والدتها.
"أكيد اتكسفتي يا بنتي وأنا عارفاها."
وبدأت والدتها تستنكر فعلتها وتخبرها أن هذا لا يصح. فهو زوجها والرجل لا يصبر على زوجته كثيراً. وريم تقف لا تعرف كيف تجعلها تنتظر أن تسمع منها الإجابة. وقبل أن تخبر والدتها كاذبة أن كل شيء على ما يرام.. صدح صوت والدها بأن يكفيها الثرثرة وتترك ابنتها وزوجها. لتتحرك والدتها من أمامها على مضض. ومع انشغال ريم مع والدها وأخيها. وياسر الذي كان يقف يطالعهم مبتسماً. اقتربت منه مشيرة له.
"قرب يا ياسر ياحبيبي."
فمال نحوها ياسر بتوجس. لتهمس له ببعض الكلمات. ثم ابتعدت عنه بعد وجدت ريم تقترب منهم تنظر إليهم بتعجب.
وانصرف أهلها. فوقفت تطالعه.
"هي ماما كانت بتقولك إيه."
فنظر إليها ياسر طويلاً متذكراً حديث والدتها. ثم ضحك.
"كانت بتوصيني عليكي."
وانصرف بعدها من أمامها قبل أن يخبرها صراحة بالأمر.
***
بكت مرام بحرقة وهي تغلق الهاتف بعد أن تحدثت مع مهرة طالبة منها أن تجعل جاسم يطلب من كريم أن يأتوا إجازة للوطن. شعرت مهرة بوجود خطب ما بينهم. ولكن مرام لم تصرح لها بشيء.
أصبح لديها أمرين ترغب في إخبارهما لجاسم. وبالأصح سؤال وطلب. سؤال عن الماضي العالق بين حياة ريم وياسر. ومهاتفنه بشقيقه لأخذ إجازة قصيرة دون أن توضح له أن هذا طلب من مرام.
ووقفت مع نفسها قليلاً تفكر. كيف ستبدأ الحوار معه. فجاسم يحلل كل شيء بطريقة سريعة. وبالتأكيد سيشك في اقتراح مهرة بجعل كريم يأخذ إجازة ليراه.
وبعد دقائق حسمت أمرها وقررت أن تصنع له مشروب ساخن وتذهب لغرفة مكتبه.
ودلفت بتمهل وهي تحمل المشروب الساخن هاتفه بابتسامة هادئة على شفتيها.
"ممكن أعطلك ياحبيبي لدقائق."
فرفع جاسم عيناه نحوها مبتسماً.
"ممكن واعطلك وحبيبي.. كل الكلمات المؤدبة دي في قاموس مراتي."
ونظر إلى ما تحمله وقد اشتم رائحة مشروب الشوكولاتة الساخن الذي يعشقه.
"لأ أنا كده قلبي مش مطمن.. عملتي مصيبة إيه ولا هتعملي إيه."
فأقتربت منه وقد لوت شفتيها بامتعاض.
"ديماً كده واخد عني فكرة وحشة."
ليضحك على عبوسها الطفولي. تاركاً الملف الذي كان يطالعه جانباً.
"تعالى يا مهرة كل أذان صاغية ليكي."
وفور أن أشار إليها بالأقتراب جانبه واعتدل في جلسته. خطت سريعاً نحو الأريكة الجالس عليها ووضعت ما تحمله على الطاولة التي أمامه.
وجلست على فخذيه تعانقه بمرح.
"لأ أنا قررت أقعد هنا."
فضحك على فعلتها الطفولية محيطاً خصرها بذراعه.
"خير يا مهرة."
فأخذت تلاعبه قليلاً. قبلة تطبعها على خده هذا ثم خده الآخر.
"وحشتني ياحبيبي."
وداعبت لحيته ببطء وهو سارح في أفعالها رافعاً حاجبيه منتظراً نهاية الدلال ورقتها.
"تعرف أنت الأيام دي بتحلو وبتصغر."
فأتسعت بؤبؤي عيناه هاتفا.
"حلو وبصغر يبقى المصيبة أكبر."
ليتأوه بعدها.. بعد أن دفعته على صدره.
"شوف أه أنت اللي بتضيع اللحظة الحلوة."
وكادت أن تنهض عنه إلا أنه عاد يجذبها إليه ضاحكاً.
"لأ عندك حق.. خليني أدلع شوية."
وسايرها كما تسايره إلى أن أخرجت ما في جعبتها.
"جاسم عندي سؤالين... قصدي سؤال واقتراح."
فهمس وهو يجذبها أكثر إليه ويداعب عنقها.
"سمعك قولي."
ومع سماع اسم ياسر فهم مغزى سؤالها.
"انقلي على الاقتراح... لأن إجابة السؤال ده مش عندي."
فتأوهت حانقة.
"ليه مش عندك.. أنت أكتر واحد عارف ياسر.. أنا عايزة أساعدهم يا جاسم."
وتوقفت عن جدالها عندما أنهى مناقشتهم بتحذير.
"مهرة قلتلك مليون مرة ياسر هو اللي يقدر يحكي لريم عن ماضيه.. هييجي وقت وكل حاجة لوحدها هتبان."
تابع وهو يحرك يده على خصلات شعرها.
"اعدلي وشك الجميل ده وقوليلي الاقتراح."
فتنهدت بسأم بعد أن تأكدت أنه لن يخبرها بشيء.
"كريم ومرام."
فحدق بها جاسم بقلق.
"ماله كريم."
لتنظر إليه بهدوء تطمئنه.
"مفيش حاجة متقلقش.. بس إيه رأيك ينزلوا أسبوع كده إجازة ونشوف التوأم."
فأبتسم جاسم على ذكر الصغار. فهو يجعل كريم دوماً تصويرهم وسماع صوتهم.
"هكلمه وأشوفه.. مع إني من فترة اقترحت عليه ينزل يستقر هنا لكن رفض.. شكل الحياة هناك عاجباه."
فصمتت وهي تستمع إليه ولم ترغب في بث القلق إليه عن شعورها بخلاف بين كريم ومرام.
***
استمعت عايدة بملل للحديث الدائر بين السائق الجديد ومن يحادثها على الهاتف بعد أن سمحت له بأن يتحدث وهو يقود بها. ولكن لم تهتم بالأمر إلا عندما بدأ يثرثر مع حاله.
"مش عاجبه الشغل في متاجر أبوه.. وعنده أخت متجوزة رجل أعمال تركي والتانية مرات جاسم الشرقاوي.. اللي إزاي يعمل إيه يولع في نفسه."
فأنتبهت عايدة لسماع اسم جاسم.
"أنت تقصد جاسم الشرقاوي مين."
فتعلثم نادر في الحديث بعد أن أدرك حماقته في الثرثرة.
"أنا مقصدش يا هانم متاخديش في بالك."
لتهتف عايدة بجمود.
"جاسم مين اللي تقصده.. ومين اللي كنت بتتكلم عنه."
فشعر نادر بأن لا مفر من إخبارها عن كرم صديقه وشقيقتيه.
***
حسمت علياء قرارها وقد اقتنعت بفكرة صديقتها. فلا بأس أن تطلب منه المساعدة بعد أن يأست في الحصول عن وظيفة تناسب وضعها. ورغم أن لقائها بـ "ريان" اقتصر على مرة واحدة إلا أنها ستذهب للشركة التي ذهبت لها من قبل وستنتظره بالخارج. كل ما كان يشغلها أن تزيل عبئها عن شقيقها. صحيح عاد لعمله بمساعدة شخص ما. ولكن شقيقها الآن أصبح لديه زوجة أحق منها فيه. فيكفيه كل ما يفعله من أجلها إلى الآن.
كان الوقت يمر وهي تنتظر خروجه من الشركة بعد أن علمت من حارس الأمن موعد انصرافه. ورغم تأخيره عن الموعد الذي أخبرها به الحارس إلا أنها انتظرت تحت أشعة الشمس المحرقة تقزقز حبات اللب بملل. وعندما لمحته يخرج دفعت حبات اللب المتبقية في حقيبتها وعدلت من هندامها واتجهت نحوه.
"بس بس."
صوت عجيب سمعه على مقربة منه. ولكن لم يهتم بالأمر. وكاد أن يدلف لسيارته إلا أنه فجأة وجدها أمامه تهتف بحنق.
"عمالة أسبسب أسبسب مفيش أي التفاتة منك."
كان ريان يحدق بها وهو حانق. ففي النهاية أخاها تزوج شقيقته.
"ماذا ترين يا فتاة السوق."
فتهجم وجه علياء من نعته لها بذلك.
"هعديلك غلطك.. عشان في مثل عندنا بيقول لو ليك حاجة عند.. "
وبترت إحدى الكلمات وأكملت "يقوله يا سيدي."
فأزداد وجه ريان احتقاناً من لسانها هذا.
"ابتعدي عن السيارة يا فتاة.. لست أملك الوقت مثلك."
ووضع قدمه داخل السيارة. ولكن وجدها تجذبه من ذراعه.
"سيد ريان عايزة خدمة منك قد كده."
وقربت إصبعيها لبعضهم. لتريه حجم طلبها الصغير بينهم.
فحدق ريان بقبضتها على ذراعها. فوجدها انتبهت لفعلتها المتهورة وتهتف ببرآة ووداعة لا تليق بها.
"هتساعدني صح."
لم يكن يعلم ماهي الخدمة التي تريدها منه. ولكن مع تحولها لقطة هادئة وديعة تحت أنظاره. جعله يتقبل منها أي شيء في تلك اللحظة.
"ما الخدمة التي تريدينها مني."
لتتهلل أسارير علياء وتلمع عيناها.
"عايزة شغل يناسب وقت دراستي."
فدار بعينيه على صفحات وجهها البريء. وحماسها الذي يشبه حماس الأطفال. ولرغبة ملحة لا يعلم مصدرها قرر أن يساعدها في خدمتها الصغيرة ودخولها لقفصها الجديد معه.
***
كانت السعادة تطل من عينيها وهي ترى فرحة رقية بجانب مراد. رقية المشاغبة أخ
رواية لحن الحياة الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سهام صادق
عيناها لم تتلاقى إلا بتلك التي ترغب بزوجها.
في البداية ظنت أنها غيرة عمياء، ولكن الآن ترى كل شيء بعينيها. رغبة، مشاعر انبهار وأنانية في امتلاك ما ليس لها.
ومع تعلق عيناهما، أشاحت نرمين عيناها بعيدًا عنها كأنها لم ترها. وبخطوات جامدة وصوت يخفي خلفه الكثير، قالت:
- جاسم.
التف سريعا على سماع صوتها وكأنه وجد أخيرًا ملاذه، وأبعد نرمين عنه ببطء.
- مهرة، تعالي خليكي جنب نرمين لحد ما أشوف شهاب.
فأرتبكت نرمين على سماع اسم شقيقها، فهي لم تفعل ذلك لينتهي الأمر بقدوم شقيقها. كانت تود أن ترحل معه هو وتشعر باهتمامه الذي لا يخص به إلا زوجته. وبأنفاس مضطربة هتفت:
- أنا كويسة، مافيش داعي.
فأختلس جاسم النظرات نحوها سريعا، ولكنه انصرف لداخل القاعة التي يقام بها الحفل.
فوقفت مهره تتفحصها بتمهل، ونرمين تتحاشى النظر إليها وتضع بيدها على جبينها تفركه بتوتر.
- تعرفي إنك تنفعي تبقي ممثلة هايلة يا نرمين.
واقتربت منها حتى تلاشت المسافة بينهما.
- فوقتي ولا تحبي أنا أفوقك؟
فألتفت نرمين بجسدها دون كلمة.
- مش عارفة تردي، أكيد. عارفة ليه؟ لأنك مش صاحبة حق.
عادت نرمين تحدق بها بارتباك تخفيه خلف قناع هدوئها.
- مدام مهرة، أنا مش فاهمة انتي تقصدي إيه.
وحركت يدها على خصلات شعرها المصففة.
- أكيد انتي فاهمة حاجة غلط.
فضغطت مهرة على شفتيها بحنق وهي لا تصدق نبرة البراءة التي تتحدث بها.
وفجأة، وجدتها تميل عليها وتعود لضعفها. فعلمت أن جاسم وشقيقها يتقدمان منها، فأزداد غضبها. لترفع يدها حانقة تلطم وجنتها بقوة.
- نرمين، فوقي يا حبيبتي.
ودفعتها نحو شقيقها الذي اقترب منهم.
- مش راضية تفوق، مش عارفة ليه.
كانت الدفعة قوية جعلت نرمين تشهق بفزع، حتى شقيقها نظر لها بتحديق وضم شقيقته له يسألها عما بها.
لتنظر مهره لجاسم الذي وقف يطالع الموقف.
- لأ، شكلها مش هتفوق كده.
فطالعها كل من جاسم وشهاب الذي أخذ يمسح على وجه شقيقته بقلق.
فألتقطت زجاجة المياه التي كانت بيد نرمين، وفي لحظة لم يتوقعها أحد، نثرت المياه على وجهها دفعة واحدة هاتفة بوداعة ولطف.
- هي كده هتفوق كويس أوي.
***
قهقهته العالية تصدح حولها ولا تزيد منها إلا قضم شفتيها بقوة لعلها تخرج حنقها منه هكذا.
- عنيفة انتي يا حبيبتي.
فألتفت إليه بعد أن كانت تطالع الطريق.
- أنا عنيفة ولا هي اللي بتتمسكن وبتدلع؟
فأختلس بعض النظرات إليها ومازال يتذكر مشهد المياه على وجه نرمين لتجعلها تفيق. وتابعت وهي تحدق به بشراسة:
- رد عليا يا جاسم، أنا عنيفة ولا هي اللي بتتمسكن؟
فضحك بمتعة وهو يراها هكذا.
- لأ، هي اللي بتدلع. انتي أرق من النسمة يا روحي.
فأسدلت جفنيها ببطء وحلقت في الطريق.
- سوق بسرعة يا حبيبي عشان محتاجة أرتاح.
فأنتبه لنبرة حديثها ورفع حاجبيه بقلق.
- مش عارف ليه مش مرتاحلك يا مهره. ربنا يستر.
***
دلفت ريم للشقة بأرهاق. ونظرت إليه قبل أن تتحرك نحو غرفتها.
- محتاجة مني حاجة قبل ما أنام؟
وقبل أن تستمع لرده هتفت وهي تتحرك.
- أكيد لأ. يلا تصبح على خير.
لتجد يد ياسر تجذبها نحوه بحنق وغضب.
- طول الفرح بتوزعي ابتسامة للي رايح واللي جاي، لأ وتقفي تتكلمي عادي مع أي حد ولا كأنك بتلفتي نظر اللي في الفرح ليكي. إيه؟ بتدوري على عريس يا هانم؟
أوجعتها كلماته أكثر مما وجعتها قبضة يده على ذراعها. فدفعت يده عنها بقوة.
- أيوه بدور على عريس وبلفت الأنظار. شكرا إنك شايفني كده.
ودمعت عيناها وهي تتذكر كيف كانت تبتسم للجميع لعلها تداري كسرتها وحزنها كلما وقعت عيناها على إحداهن تتعلق بذراع زوجها أو تقف جانبه. أم هي كانت تقف تنظر إليه وهو منشغل عنها، تخشى أن تقترب منه فمن هي لتقترب؟ هي مجرد فتاة أشفق على سمعتها ليتزوجها.
فوقف يحدق بها بألم، فهو لم يقصد جرحها هكذا ولا أحزانها. ولكن كلما تذكر ابتسامتها وحديثها مع البعض وأعين الرجال تلتف إليها لمرحها يزداد جنوناً.
وفاق على اندفاعها نحو غرفتها.
ليزفر بضيق مما فعله واتجه خلفها. فوجدها متكورة على نفسها فوق الفراش وتدفن وجهها بالوسادة وصوت شهقاتها يعلو.
فأقترب منها بهدوء وهو يرتب بعض الكلمات.
- ريم، انتي عارفة إني ماكنتش أقصد بكلامي اللي انتي فهمتيه. بس متنسيش إنك مراتي.
فرفعت عيناها الدامعة إليه تطالعه.
- لأ، إحنا أخوات وأصدقاء. ده كان اتفاقنا. أكيد لسه فاكرة.
فتنهد بقوة وجلس جانبها يمسح دموعها بكفيه.
- بطلي بكى خلاص ويا ستي حقك عليا.
ومال نحو جبينها يقبله. ولم يقدر على إيقاف تلك المشاعر التي يشعر بها معها. فأخذت شفتاه تسير على وجهها إلى أن وجد يدها على صدره فانتفض بعيدا عنها وهو لا يعلم كيف انساق نحو رغباته.
ونهض من فوق الفراش يطالع ذهولها فقد استسلمت له.
ونظر إليها معتذرا.
- أنا آسف يا ريم.
وخرج من الغرفة دون كلمة أخرى. لتدمع عيناها ويدها على فمها تكتم صوت شهقاتها. فقد نبذها وما هي إلا عاشقة.
***
وقفت مهرة تزيل حجابها بهدوء. لتشعر بذراعيه تحاوطها ويميل نحو عنقها ينثر قبلاته عليه هامساً.
- وحشتيني.
وحرك يده ببطء على خصرها. لتغمض عيناها وهي تصارع أفكارها. إلى أن وجدها فجأة تتملص من قبضتي يديه وتبتعد عنه.
- مالك يا مهرة؟
فلم يسمع إلا صوت تحركاتها السريعة وهي تخلع فستانها ثم ارتدت منامتها وحذاءها المنزلي واتجهت نحو باب الغرفة.
- أقولك مالي، ماشي. مالي إني زهقت من إني أبقى عاقلة وأحسب كل تصرف بتصرفه عشان خاطرك وأسكت وأعدي برضه عشان خاطرك.
فطالعها بذهول عما تتحدث به. إلى أن عادت إليه تضرب على كتفه الذي كانت تستند عليه نرمين.
- تخيلي لو انت شفتني مع راجل وواقفة حتى راسي على كتفه هتعمل إيه؟
فأحتدت عين جاسم بغضب.
- انتي اتجننتي؟ طب اعمليها كده يا مهرة.
فوقفت تحملق به وعقدت ساعديها أمام صدرها.
- شفت ردة فعلك إزاي؟
فأبتسم بلطف وهو يحاول تهدئتها.
- طب اهدي. بعترف إني غلطان.
وتابع مازحا.
- حلو كده يا حبيبتي؟ واه التاريخ يسجل إن جاسم الشرقاوي بيعترف بغلطه.
وحاوط وجهها بكفه يداعبه بلطف.
- متضيعيش تخطيط الليلة دي بقى.
ومن نظرته فهمت مغزى كلامه. لتنفض كفيه عن وجهها ودفعته بعيدا عنها.
- لأ، الليلة دي هتقضيها لوحدك.
وألتقطت الوسادة من فوق الفراش ووضعتها بين ذراعيه وتابعت.
- وتاخد المخده في حضنك وتغني ظلموه يا حبيبي.
وخرجت من الغرفة تحت نظراته المتسعة. لينظر للفراغ الذي تركته وللوسادة التي وضعتها بين ذراعيه. فألقى الوسادة بعنف واتجه خلفها.
- مهرة، خدي هنا. معندناش ستات تبات بره بيتها، قصدي أوضتها وبعيد عن جوزها.
وصوب عيناه عليها وهي تعدل من وضع الوسادة فوق الفراش في غرفة أخرى.
- اعقلي يا مهرة، بلاش جنان.
فتحركت من أمامه للجهة الأخرى من الفراش. لتشهق بفزع بعد أن حملها.
- نزلني يا جاسم، نزلني.
فوضعها على فراشهم وهو يحملق بها ضاحكا.
- أنا على آخر الزمن تجريني وراكي بالشكل ده.
ونظر للوسادة التي ألقتها عليه قبل أن تندفع لخارج الغرفة.
- وتقوليلي أغني ظلموه. لأ، إحنا هنغني سوا يا حبيبتي.
فنظرت إليه بفزع.
- انت اللي مفروض تتعاقب مش أنا، انت اللي غلطان.
وتابعت وهي تجده يقترب منها بنظرات جامدة.
- انت مقرب كده ليه؟ جاسم، أنا بحذرك.
ومع كل خطوة يتحركها نحوها كانت تتحرك للخلف. إلا أن وجدته يلتقطها من منامتها مبتسما.
- نأجل العقاب والخناق لبكره. وسبيني أنفذ خططي على مزاجي.
***
أخذ يقضم كفه بغيظ من أفعالها.
يحدق بها وهي جالسة أمامه تتابع أحد أفلام الأسطورية التي تعشقها. فهذه هي ختام الليلة، مشاهدة أحصنة وسيوف وقتال. ألا يكفيه جلوسها أمامه بأسدال الصلاة والحجاب. ووصل به الغضب لأعلى ذروة.
- رقية.
صوته كان عاليا غاضبا. جعل جسدها يرتعش. فألتفت إليه تخفي خوفها منه وتهتف ببرآة.
- نعم.
فأقترب منها مراد حانقا.
- مش كفاية؟
فنكمشت على نفسها برهبة.
- كفاية إيه؟ مش فاهمة.
فأقترب منها مراد أكثر. وجذبها إليه يضمها بحنو.
- انتي خايفة مني يا رقية؟
فحركت رأسها بين أحضانه بلا، ثم حركتها بالإيجاب. فضحك على ما تفعله وربت على ظهرها.
- أفهم من كده إيه يعني؟
فأبتعدت عنه تطالعه بخجل. ليعود يضمها إليه ثانية.
- فين رقية أم لسان؟ القطة أكلت لسانك الليلة دي.
وشعر بقبضة يداها على صدره تدفعه عنها. فضحك بمشاكسة.
- قومي ننام يا رقية، الليلة خلاص باظت.
وكأنه أنجدها أخيرًا بقراره هذا. فأزاحت ذراعيه عنها ونهضت من فوق الفراش تتثاوب.
- آه، أنا بقول كده. إحنا تعبنا أوي النهارده.
وفي لحظة وجدها تتركه وتتجه نحو غرفتهما. تندس تحت الغطاء دون أن تخلع ما ترتديه ويرى ما يخفيه عن مرأى عيناه.
لينظر لها مراد طويلا وهي تعطيه ظهرها. ومال نحوها يسألها بحنق.
- رقية، أنتي نمتي؟
فتمتمت وهي تتثاوب.
- آه نمت وبحلم كمان.
وأخذت تقص له على مواقف بعض نساء عائلتهم في زفاف. إلى أن غفت وسمع صوت أنفاسها. ليجذب الوسادة التي تحتضنها ودفعها على رأسها. ولكن لا حياة. فقد أصبحت في عالم الأحلام.
***
اندست خلفه على الفراش وحاوطت خصره بذراعيها هاتفة باسمه بنغمة رنانة.
- عمار.
فأغمض عمار عيناه بقوة وهو يطرد وسواس شيطانه. الصمود أصبح صعبا مع امرأة فاتنة كرفيف. الجميع في الحي الذي يقطن به وجيرانه يحسدونه عليها. ثرثرتهم أصبحت تصل إلى مسمعه. نفور ونفرها حصار بالمنزل فعلوه. ولكن هو يعلم هدفها الأساسي من كل ما تفعله هو وفقط. حين تصل إليه وتغلغل سمها فيه، ستزول رغبتها وتعود كما كانت.
وشعر برائحة عطرها تنفذ لداخله فأزداد اضطراب أنفاسه. ومن دون مقدمات التف إليها لتتسع ابتسامتها. فأخيرًا أعطاها اهتمامه.
- انت تريديني مثلما أريدك يا عمار؟
واقتربت منه أكثر حتى كادت تتلامس شفاهم. وفي لحظة خاطفة انسحب منها دافعا إياها.
- ليه مش عايزة تصدقي إني بقرف منك وبحتقر نفسي كل يوم عشان اتجوزتك. ولولا خوفي على سمعة أختي ما كنتش ربطت اسمي باسم واحدة زيك.
أصبحت كلماته كالسم تسري في عروقها. حتى قلبها الذي لم يكن يتألم يوما تشعر بوخزته. اعتادت الحصول على ما تريد. اعتادت أن ترى انبهار الرجال بها ورغبتهم ولهثهم خلفهم. ولكن معه لا تجد إلا البغض والنفور.
- لما لا تحبني يا عمار؟ ماذا أفعل لك؟
وتحركت من فوق الفراش برداء نومها القصير. وفور أن لمست يدها جسده، نفرها كالعادة وهو يضحك ساخرا.
- يعني يوم ما أحب... أحب واحدة كانت متاحة للجميع.
ألقى بعبارته الأخيرة ليتركها بعدها تنظر لخطاه بأعين شارده.
***
ضمه إليه بحب وهو يمسح على وجهها يوقظها.
ففتحت عيناها. تنظر إليه مبتسمة. فقد انتهى غضبها منه وضحك عليها وأنساه حنقه منه ومن موظفته الحسناء.
- صباح الخير.
فلمست وجهه بحنان.
- ضحكت عليا امبارح وخلتني أسامحك وأنسى.
فضحك بصخب.
- دي قدرات يا حبيبتي. جاسم الشرقاوي مش أي حد.
وغمز لها بمرح. فدفعته على صدره برفق.
- يا غرور جاسم الشرقاوي.
ورفع يدها نحو شفتيها يلثم باطن كفها ببطء.
- قلبك أبيض بقى يا حبيبتي.
وعاد يداعبها ويشاكسها بلطف وهي تضحك. إلى أن اتسعت عيناها تسأله.
- هي الساعة كام دلوقتي يا جاسم؟
وفور أن أخبرها بالوقت. ابتعدت عنه.
- كده هتتأخر على شغلك. أنا كده كده النهاردة إجازة من المكتب.
فضحك على اندفاعها بعيدا عنه. فجذبها إليه بمزاح.
- أنا إجازة النهارده. تعالي قربي هنا.
فضحكت وهو يعود لاحضانه.
- صاحب الشركة محدش قدك.
فتعالت قهقهته بقوة. ثم طبع بقبلة طويلة على رأسها.
- شايف الحقد في عيونك يا حبيبتي.
وتابع وهو ينظر لها برغبة لم تنطفئ.
- تعالي لما أقولك على الخطط اللي هنعملها. اسمعيني وركزي.
***
أنهت اتصالها مع والدتها وهي لا تعلم كيف ستخبره بدعوة والديها لهم على الغداء بعد ما حدث أمس. فمازال مشهد انتفاضه عنها يدميها. وأخذت تدور بحجرتها قليلا تفكر مع نفسها. فهي لا تريد الحديث معه ولكن اليوم جاء كل شيء ضد رغبتها. وخرجت من غرفتها تبحث عنه بعينيها لتجده يقف كعادته في الصباح أمام الشرفة ويرتشف من فنجان قهوته.
فأقتربت منه تفرك يديها بتوتر وتخرج الكلمات من شفتيها سريعا.
- ماما عزمانا على الغدا النهارده. حاولت أفهمها إنك مش فاضي، بس هي أصرت.
وابتسمت وهي تتذكر كلمات والدتها وعشمها الكبير في ياسر أنه لن يكسر خاطرها. "قولي لياسر أكيد مش هيقول لأ، جوز بنتي ميرفضش لحماته طلب".
فأكثر شيء أصبح يكسرها بتلك العلاقة هم والديها وحبهم لياسر. ولمعت عيناها بالدموع وهي تخشى عليهم يومًا أن تعود لهم مطلقة.
فسلمت صوته الهادئ ومازال يقف على نفس وقفته يعطيها ظهره.
- تمام، مافيش مشكلة.
لو كانت نظرات العين تقتل لقتلته بنظراتها العاشقة. فخطت للأمام تحكم قبضتي يدها ثم عادت بخطواتها نحو غرفتها. تهوي على فراشها تمسح دموعها.
ليلتف بجسده بعد أن أغمض عيناه بقوة هامسا لنفسه.
- انت سجين لماضيك يا ياسر وهتفضل سجين لآخر العمر.
***
نظرت نرمين لغرفة جاسم الفارغة. وكادت أن تغلق باب الغرفة فوجدت مني تدلف لحجرة مكتبها متمتمة بعملية تجيدها.
- جاسم بيه مش جاي النهارده.
فطالعتها نرمين بتحديق ثم انصرفت بعدها بخطوات أشبه بالركض دون كلمة.
***
وقفت في بهو الشركة تنظر إليه وهو يسير مع إحداهن يتحدث معها ويبتسم وهي تبادله الحديث بكل هدوء. عيناها كانت تحملق بها بألم. كريم أتقن تجاهلها. ولمعت عيناها بالدموع وهي تود أن تركض إليه تخبره أن ما يفعله بها حقا مؤلم. فهي تعشقه ولكن عشقها كان كالماء الراكد. أراد من يحركه.
وها هي جاءت الحركة التي أدمت قلبها ألما.
ولمعت عيناها بإصرار. هو لها وستعيد حبها لقلبه.
***
نظرت علياء لمكتبه الفخم بانبهار. رغم أنها أتت إليه من قبل ولكن تلك المرة لم تكن ترى أمامها إلا خلاص شقيقها ونجدته. ووضعت لها سكرتيرته العصير الذي لم تطلبه من الأساس. فشعرت علياء بقيمتها. فنظرت للسكرتيرة ببطء تتفحص ملابسها المنمقة.
- نص ساعة وبشمهندس ريان يوصل.
هتفت كلماتها بضيق ثم خرجت. لتلوي علياء شفتيها بضيق متسائلة.
- مالها دي؟ ولا كأني مرات أبوها.
وألتقطت كأس العصير ترتشفه ببطء وتلذذ واسترخت في جلستها وهي تنظر حولها مستمتعة بكل ما تراه كطفلة صغيرة.
ووقفت تتفحص كل ما يقابلها بأعين متسعة. إلى أن انتبهت لإحدى اللوحات الموضوعة على طاولة عريضة. فقد كانت إحدى لوحات مشروع ثم يتم إنشاؤه. وحكت ذقنها بيدها مفكرة.
- شكله مهندس معماري.
وظلت هكذا إلى أن انفتح باب الغرفة. فوجدته يدلف هو وسكرتيرته خلفه. فأعتدلت في وقفتها بأرتباك تنظر إلى نظراته المصوبة نحوها.
- أنا كنت بتفرج على اللوحة. لأ، طلعت فنان بجد. هو انت اللي راسمها ولا مقلدها؟
فأتسعت عين سكرتيرته وهي تستمع لما تتفوه به تلك الفتاة وكأنها على علاقة وطيدة برئيسها.
- اتركينا الآن يا هناء.
فطالعتهم سكرتيرته بصمت وانصرفت على الفور مغلقة الباب خلفها. ليحدق ريان بتلك التي تقف أمامه مبتسمة.
- مرحبا علياء.
فأتسعت ابتسامة علياء أكثر وهتفت مازحة.
- مرحبا كمان.
وتابعت بمداعبة.
- مبحبش الرسميات، فقولك ريان.
فصدحت قهقهة ريان بقوة. لم يقابل بحياته مثلها. وأشار إليها نحو أحد المقاعد.
- اجلسي يا علياء لنتحدث.
فأزداد حماسها. فالآن ستعلم ماهي وظيفتها. وجلست كما طلب منها. فجلس أمامها يتفحص خلجات وجهها البشوش.
- أخبريني عما تجيديه يا علياء. هل تجيدي لغة ما؟
فحركت رأسها بالنفي. فهي لا لغة تجيدها. هي إلى الآن لا تعلم إلى الآن ما الشيء الذي تجيده بحياتها.
فعاد يسألها عن أعمال السكرتارية.
- أنا مينفعش اشتغل دوام كامل. أنا محتاجة شغل كم ساعة بس، بالكتير 4 ساعات.
وطأطأت رأسها أرضا.
- عمار لو عرف مش هيوافق.
ثم عادت ترفع رأسها ببرآة. جعلت قلبه يخفق دون شعور.
- لو ساعدتني هيبقى ده سر بينا. بس لو هتخون السر خلاص متساعدنيش.
كلمات أصبحت تحركه. كلمات باتت تجعله يريد أن يلتقي بها دوما. يعلم أن عقله قد جن ولكن هو سعيد سعادة لم يذكرها من قبل. ووجد نفسه ينهض ويحملق بها.
- هل تجيدي الطبخ؟
فحركت له رأسها إجابة. فهي أجادة الطبخ بعد وفاة والدتها. فالظروف حكمت عليها أن تتحمل مسؤولية كامل من أجلها وأجل شقيقتها. رغم قديما كانت مدللة لوالديها بمشاغبتها ومرحها المحبب.
فأبتسم ريان. فقد وجد العمل الذي سيجعله يلتقيها كل يوم. تطهو له ثم تغادر.
***
لمعت عين سهير بأعجاب. وهي ترى العامل الجديد يقف وسط الزبائن مرحبا بهم بابتسامة متسعة. زادته جمالا على جمال.
قلبها بدأ يرسم لها أشياء ذكرتها بشبابها. وأخرجت المرآة من درج المكتب الخاص بها. وأخذت تتأمل تجاعيد وجهها ثم تحملق بالعامل الذي لم يتجاوز عمره الثلاثين.
ليقترب منها يخبرها عن طلب الزبائن للحديث معها.
- الزبون عايزك يا ست الهوانم.
فأبتسمت سهير ابتسامة لم تبتسمها من قبل ونهضت من فوق مقعدها بزيها الأسود وسارت خلفه تطالع حركته وجسده الشبابي.
***
وقف مراد يزفر أنفاسه بحنق وهو يحدق برقية النائمة. ناظرا إلى هاتفه متذكرا حديث والدته معه منذ دقائق عندما أخبرها أن رقيه نائمة. لتطلق ضحكة صاخبة تخبره بعدها "براحة على البنت يا مراد". بل وعادت تقرر الجملة وهي تضحك.
وزفر أنفاسه بقوة وجلس جانبها على الفراش يمسح على خصلات شعرها.
- رقية، اصحي. ميعاد طيارتنا بعد أربع ساعات وانتي لسه نايمة. رقيه، باباكي جاي بعد ساعة يطمن عليكي. رقيه، إحنا داخلين على المغرب.
حادثها بصوت هادئ ودافئ. ولكن هي وكأنها في غيبوبة. ونفذ صبره منها فصرخ بقوة جعلها تنتفض فزعا.
- رقية!
فنهضت تنظر حولها تغمض وتفتح عيناها.
- أنا فين؟ انت بتعمل إيه هنا يا مراد؟ فين بابا؟
ليلطم مراد وجهه براحتي كفيه.
- أنا غلطتها مرة وتوبة. ليه لازم أقررها تاني. مالها العزوبية.
وعاد يستجمع صبره معها.
- ركزي يا آخرة بختي. رقية، إحنا في شقتنا يا حبيبتي وفرحنا كان امبارح.
فحملقت به بوجوم ثم عادت تضع رأسها على الوسادة متمتمة.
- آه، أنا فاكرة كل ده.
وعادت تغفو ثانية. إلى أن تآوهت بعد جذبها من ملابسها.
- قومي يا كائن الوطواط. لأحسن مافيش رحلة شهر عسل. ولا أقولك هسافر أنا وخليكي انتي نايمة عقابًا ليكي.
وعندما تذكرت رحلتهم التي سيقضوها بتركيا. نفضت الغطاء الذي عليها ونهضت من فوق الفراش راكضة. لينظر مراد إليها.
- الصبر من عندك يارب.
***
أيقظها بلمساته الحنونة على وجهها. ففتحت عيناها بكسل تسأله وهي تفرض ذراعيها.
- ما الأمر يا كنان؟ أريد أن أنام حبيبتي.
يفضحك كنان وهو يتأملها وهي تغلق عيناها ثم فتحتهما على وسعهما وألتقطت الساعة المجاورة لفراشها ونهضت من فوقه.
- أنا لم أصلي العصر.
فحدق كنان بها مبتسما. منذ أن تزوجها وهي دوما منضبطة في أداء فروضها. ورد للأسف نقضي لرجلا مثله قضى عمره مسلما باسمه فقط. غيرت به الكثير ولكن إلى الآن لم يعتاد على الالتزام مثلها. حتى أنه أحيانًا لا يجيب عليها حينما تسأله عن أدائه لفروضه.
وخلع سترته ليجد جواد يطرق باب الغرفة ويدلف بعدها ويحمل بيديه سجادة صلاة صغيرة.
- أين ورد؟ خالو فقد تأخرت عليا.
ونظر إلى ساعة يده الطفولية يحسب الوقت المتبقي لأذان المغرب.
- لم يتبقى إلا ساعة.
جواد يصلي. حقيقة لأول مرة يكتشفها.
ليجد ورد تخرج من المرحاض تنشف يديها بالمنشفة وتنظر إليهم مازحة.
- لما لم تيقظني يا جواد؟ عقابًا لك اليوم لا يوجد حلوى.
فركض جواد إليها معتذرا.
- داده عظيمة قالت لي إنك نائمة يا ورد. سأحفظ عدد آيات أكثر ولكن الحلوى لا.
صلاة وحفظ وحلوى. كلمات كان يرددها بعقله. فأنتبهت ورد لشروده وقد تيقنت أنها البداية الصحيحة لزوجها. كنان لا يأتي بالإلحاح وإنما بالتلقائية كالصغار. تسحب يدهم وتخبرهم أنك تريده معهم. وبالفعل فور أن هتفت.
- كنان، هيا صلي بنا.
فتحمس الصغير أكثر راكضا نحو خاله.
- هيا خالو، هيا حتى نكون بالجنة معا.
ونظر إلى ورد لتؤكد حديثه.
- أليس كذلك يا ورد؟ سنكون معا.
لتتسع ابتسامتها وهي تحرك له رأسها.
- نعم حبيبي.
***
ضحك ياسر من كل قلبه وهو يرتشف الشاي مع أهل ريم. فقد أحب تلك العائلة الطيبة من قلبه. عائلة دفئها يذكره بوالديه.
حتى الحديث الذي يدور ملئ بالطيبه والصفاء.
ووجد ريم تنسحب خلف والدتها نحو المطبخ بعد أن أشارت لها.
- مالك يا ريم؟ طول القاعدة وانتي سرحانة يا حبيبتي.
هتفت والدتها بقلق. لتنظر لها بتوتر تضع بيدها على جبينها.
- ده إرهاق مش أكتر يا ماما. متقلقيش عليا.
فربتت والدتها على ظهرها بحب.
- ربنا يقويكي يا بنتي. طمنيني عليكي مع جوزك.
فدارت آلمها سريعا عنها.
- الحمد لله. ياسر مافيش أحن منه.
فرفعت والدتها يداها عاليا تحمد الله على سعادة ابنته.
لم تكن تعلم أن ياسر في تلك اللحظة كان متجها نحو المرحاض فأستمع إلى عبارتها المكسورة. أي حنان يغمرها به هو.
***
دلفت معه للمطعم الفخم وكل حديثهم دائر عن طفلهما الذي علمت جنسه اليوم. في المتابعة السابقة لم تكن تريد أن تعلم. أرادت أن يكون مفاجأة لهم. ولكن اليوم شعرت بحماس جاسم ورغبته في معرفة جنسه. وجاء ما تمنت هي. فكانت تتمنى أن ترزق بذكر. كانت تسير تتباطأ بذراعه إلى أن جلسوا على الطاولة التي سبق وحجزها لتناول العشاء وقضاء أمسية ممتعة.
- أنا مبسوطة أوي النهارده يا جاسم. لأ، خلاص أنا سامحتك يا حبيبي.
فضحك وهو يداعب خدها برفق.
- يارب ديمًا مبسوطة يا حبيبتي.
ثم تابع مازحا.
- ومسمحاني كده على طول.
ومر الوقت وهم يضحكون ويتناولون الطعام ويتحدثون بخطط عن طفلهم وعنهم. لتقترب منهم إحداهن مرحبة.
- جاسم الشرقاوي، مستحيل.
فنهض جاسم يصافحها مبتسما.
- إزيك يا عايدة هانم؟
كانت مهرة عيناها عالقة على تلك السيدة التي تعرف هويتها. فمن لا يعرف "عايدة الدميتري" الإعلامية المشهورة. فهي معجبة ببرنامجها وتعشق شخصيتها.
فأشار لها جاسم مخاطبا.
- مدام مهرة، مراتي.
فتفحصتها عايدة ببطء وصافحتها بابتسامة هادئة. لتتسع ابتسامة مهرة وهي تخبرها أنها تعشقها ومعجبة بها.
وجلست معهم عايدة إلى أن تأتي إحدى صديقاتها.
- عايدة هانم، يا مهرة شقيقة نرمين.
فابتسمت عايدة بزهو وهي تحرك يدها على خصلات شعرها.
- نرمين ديمًا بتتكلم عنك بفخر يا جاسم. واخدك قدوة ليها.
وتابعت وهي تحدق بمهرة التي بهتت ملامحها من محاصرة نرمين لها حتى في الأشخاص.
- رغم شركاتنا إلا أن نرمين عايزة تطلع السلم من أوله وتتعلم أصول السوق.
مدح لم تكتفِ به عايدة عن شقيقتها وجاسم يبتسم مؤكدا أن نرمين ستكون مستقبلًا سيدة أعمال ناجحة.
إلى أن جاء اتصال لجاسم فنهض عنهم معتذرا.
- عن إذنكم.
فانظرت نحوه مهرة تتابع خطواته. فوجدت عايدة تحدق بها بنظرة متفحصة.
- تعرفي، كان عندي فضول أشوف مرات جاسم على الطبيعة وأتكلم معاها.
ومالت نحو الطاولة.
- أول مرة يسئ اختياره. مش معقول جاسم بذكائه يسيب كل بنات العائلات ويتجوزك انتي.
وعادت بجسدها تستند على ظهر مقعدها بترفع.
- سوري يا حبيبتي بس أنا اتعودت أبقى صريحة.
وقبل أن تهتف مهرة بشيء وجدت جاسم يعود إليهم يطالع شحوب زوجته. أما عايدة نهضت تخبره.
- أسيبكم أنا بقى. سهرة ممتعة.
وانصرفت. فتعجب جاسم من سكون زوجته. وعاد يجلس جانبها يمسك كفيها بكفيه.
- مهرة، فيكي إيه؟
كانت جامدة شاحبة. وعيناها تحدق به.
يتبع بإذن الله.
رواية لحن الحياة الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سهام صادق
فتح عيناه وهو يفرد ذراعه نحوها ليجد الفراش جانبه خالي. فأعتدل في رقدته ينظر للظلام الذي يحاوط الغرفه ويفرك عيناه كي يفيق. ونهض بعدها من فوق الفراش هابطاً لأسفل يبحث عنها. فوجدها متكورة على نفسها تحاوط جسدها بشال ثقيل وتجلس على أحد المقاعد المطلة على ساحة الحديقة وترتشف مشروباً ساخناً. لا يعلم إلى الآن ماذا حدث له منذ ذلك العشاء، فبعدما أنهى مكالمته وعاد إليها كان الشحوب يحتل وجهها وصمته إلى أن عادوا للمنزل وهي على نفس صمتها وسكونها.
فقد بدأ في الآونة الأخيرة يشعر بانطفاء روحها. طبيعتها المشاكسة وتهورها بدأت شعلتها تنخمد، وهذا ليس من شيم طباعها.
واقترب منها بخطوات قلقة، وعيناه لم تتحرك عنها إلى أن أصبح خلفها مباشرة.
"مهره إيه اللي مصحيكي؟"
وتابع وهو يسحب أحد المقاعد الخشبية ويجلس أمامها.
"الجو ساقعة عليكي دلوقتي، قومي ندخل جوه."
فأبتسمت وهي ترتشف من مشروبها.
"متقلقش عليا، أنا كويسة، والجو جميل."
فرفع كفيه يضم وجهها بدفء، يداعب بشرتها الباردة.
"لو مقلقتش عليكي هقلق على مين؟"
ألمٌ جثم على قلبها. خوف، اهتمام، قلق، حب، وشخصٌ هي مسؤولة منه. لم تختبر كل تلك المشاعر يوماً. لم تعش الدلال، لم تفكر يوماً بحالها. وعندما بدأت الحياة تعطيها.
نظروا لما في يدها ولم يفكروا هل عوض الله يأتي من فراغ.
ووجدته يقترب بمقعده منها أكثر، ومال بوجهه نحوها حتى اختلطت أنفاسهم.
"فين زوجتي المشاغبة؟ أنا مش متعود على هدوئك ده."
فقلبت عيناها وهي تحدق به.
"في سبات عميق."
فتعالت ضحكاته في سكون الليل.
"طب صحيها، عشان قلبي بدأ يقلق."
طاب أوجاعها وعادت معه بروحها المرحة رغم جروح قلبها. إلا أن كلمات سهير كانت دوماً تقف في حلقها كالعلقم. فلم تنسَ يوم عزاء والدها، ولا حديثها بأنها لا ترى فيها إلا والدتها وسيكون مصيرها مثلها، امرأة هجرها زوجها فعاشت خلف الأطلال تبكي بصمت.
واندفعت نحو أحضانه بعد أن كان يشاكسها قليلاً.
"جاسم هو أنا ليه حبيتك؟"
قالتها ببكاء. فأبعدها عنه وهو يعلم أنها ليست بوعيها.
"ينهار منيل يابنت زينب، بتقولي لجوزك ليه حبيتك؟ أومال عايزة تحبي مين؟ انطقي."
فأبتعدت عنه ببطء تنظر إليه وتحسست جبينه.
"منيل وينهار... إنت متأكد إنك جاسم جوزي؟"
فأنفجر ضاحكاً.
"لأ مش متأكد ياحببتي، يمكن أكون عفريته مثلاً."
وانقلب الوضع في لحظات بسيطة لتجد نفسها تضحك وتشاكسه، بل وأخذت تقبّل وجنتيه بقوة.
"بقيت جميل أوي ياجاسم."
وجاسم يضحك على طفولتها. وكل يوم يدرك أن قلبه اختار من يراضيه ويسعده.
***
حملقت رفيف للأطباق الموضوعة بالحوض بحنق، ثم نظرت لعلياء التي تقف جانبها تعد وجبة الغداء قبل أن تنصرف للمعهد الذي تدرس فيه.
"سأجلب خادمة تقوم بمهامي وسأدفع لها الراتب."
فألتفت إليها علياء حانقة.
"وإيدك راحت فين؟ ما أنا واقفة جنبك بحضر الأكل اللي هاجي أطبخه."
فطالعتها رفيف بأستياء، ثم عادت تنظر للاطباق التي بالحوض ولم تُجلَ أمس.
"أنا لست خادمة هنا، إنتي تريدي أن تكوني خادمة فالأمر لك، أما أنا فلا."
لترفع علياء حاجبيها، ثم صفقت لها بقوة.
"حلوة المحاضرة دي، ما علينا هتغسلي الأطباق يارفيف؟ أنا كل يوم بقوم بشغل البيت بدالك وبضحك على عمار وأقوله بتساعدني، وإنتي كل اللي وراكي يا أما بتخرجي أو بتكلمي صحابك الفرافير."
فأتسعت عين رفيف بعدما سمعت نعت صديقاتها اللاتي يعدون من صفوة المجتمع.
"أصدقائي فرافير؟ ماذا تعني فرافير ياعلياء؟"
فوقفت علياء تفكر قليلاً كي تشرح لها معنى الكلمة.
"أفهمهلها إزاي دي؟"
واقتربت منها تحاوط كتفيها بلطف.
"بصي يارفيف عشان نعدي الأيام اللطيفة مع بعض، انسى حياة هوانم جردن سيتي وعيشي حياتنا."
فحدفت بها رفيف بعينيها الزرقاء.
"لا أعرف كيف تعجبكم تلك الحياة."
فأبتعدت عنها علياء زافرة أنفاسها بضيق.
"مالها حياتنا؟ الحمد لله إحنا أحسن من غيرنا بكتير، أنا فقدت الأمل فيكي وهتتعلمي شغل البيت يعني هتتعلمي شغل البيت."
وقبل أن تدفعها للحوض، نظرت إلى هيئتها.
"بذمتك ده منظر واحدة هتشمر وتقف على الحوض؟ روحي يابنت الناس اقلعي الماركات اللي بتلبسيها دي وألبسي حاجة من عندي تليق بالمقام."
فتهجم وجه رفيف ونظرت لهيئة ملابسها التي لا تعلم أهي ملابس للبيت أم للخروج.
"أنا أرتدي منك إنتي؟"
فأغمضت علياء عيناها تهدئ من روعها، ثم عادت تفتحهما.
"أمسكها من شعرها دلوقتي ولا أعمل إيه؟"
فمالت رفيف نحوها تسألها.
"ماذا تقولي ياعلياء؟"
فحملقت بها علياء بسماجة.
"بقول كل خير، عايزاكي زي الشاطرة كده تحضري الغدا النهارده لجوزك."
وأشارت لوجبة الطعام التي جهزتها للطهو.
"ورّينا شطارتك النهارده."
وتحركت بعدها تجمع كتبها وتضعها في حقيبتها، وهي تستمع لسباب رفيف الذي لم تفهم معناه إلا كلمة واحدة تعلم ترجمتها تماماً. وأغلقت باب الشقة خلفها وهي تهتف بنفاذ صبر.
"أنا غبية يا أم لسان معوج، ده أنا أساس الذكاء."
***
نظرت سهير للطعام الموضوع أمامها على طاولة، وأكرم ابنها يمدح فيما صنعته والدة ضحى. الطعام كان لذيذ وشهي، ولكن مع سهير لم يروق لها شيء.
فمضغت سهير الطعام بأمتعاض وهي تستمع لوالدة ضحى تخبر ابنها أن ضحى من طهت الطعام.
"ضحى هي اللي طبخت الأكل كله."
فأبتسم أكرم لخطيبته التي تجلس أمامه متوردة الوجه.
"تسلم إيدك ياضحى."
فأزداد امتعاض سهير، لتلوي شفتيها بتهكم.
"مش بطال الأكل، بس المفروض مدام في ضيوف بنتك متجربش فيهم."
فأحتقن وجه أكرم. لتنظر والدة ضحى تجيب عليها.
"كلك ذوق ياست سهير، بس أنا بنتي مبتجربش في حد، وحتى لو جربت، هي بتجرب في ناس غريبة، ما إنتي في مقامي ولا إيه؟"
فشعرت سهير بدلو ماء يسكب عليها، ولم تعرف كيف تتحدث.
وضاقت عين أكرم بغضب ونظر إلى والدته.
"ماما."
وتابع بلطف.
"أنا آسف يا جماعة."
وأخذ يعتذر منهم وداخله يحترق من أفعال والدته. فماذا سيفعل معها؟ فقد فعل الكثير، ولكن هي لا تتغير.
وعبست ملامح سهير وهي تراه كيف يعتذر منهم، وصمتت من أجله بحنق. فلا شيء يأتي مع تلك العائلة، وكأن ابنها كان الفانوس السحري لهم.
فشعرت ضحى بيد والدتها على يدها تربت عليها تدعمها. تحمد الله أن زوجها ليس هنا. فلولا حب ابنتها لذلك الشاب لكانت أنهت كل شيء بلحظتها. ونظرت إلى أعين ابنتها الداعمة، لأكرم الذي كان يطالعها بكل أسف واعتذار.
***
تذوق الطعام ببطء وابتلعه بصعوبة، وهو ينظر لرفيف التي تسأله كيف يبدو الطعام.
"ما رأيك؟ أنا قد صنعته."
فحدق عمار بها ثم بالطبق الذي أمامه، وهو لا يعلم بماذا يجيبها.
ليسمع صوت علياء وهي تتقدم نحوهم بعد أن أبدلت ملابسها وجلست على مقعدها.
"يادي الهنا اللي أنا فيه، رفيف عاملة لينا الأكل."
وفور أن وضعت الملعقة بفمها، انسكب الطعام منه.
"إيه ده؟"
فطالعتهم رفيف وهي تتناوله.
"ما رأيك علياء، إنه لذيذ أليس كذلك؟"
فمسحت علياء فمها وابتلعت أكبر قدر من الماء.
"اسمها إيه الأكلة دي؟"
فتحمست رفيف وهي تخبرها اسم الأكلة ووصفتها بالفرنسية. لتطالعها علياء بأعين متسعة.
"عمار هو مين اللي فتح نشرة الأخبار الفرنسية؟"
وانتفضوا الاثنان بعد أن ضرب هو الطاولة.
"ساعة هدخل أريح لو ملقتش أكل يفتح النفس، بلاش أقولكم هعمل فيكم إيه."
ومال نحو رفيف يحدق بها بقوة، وكأنه يخبرها أن الحديث لها.
فأرتعش جسدها بخوف.
ونهض وهو يتمتم.
"الواحد بقى يرجع من الشغل ملهوش نفس يدخل البيت."
وعاد يدور بعينيه بينهم.
"صوت مسمعهوش، مفهوم."
ودلف لغرفته. لتفتح رفيف عيناها. أما علياء نظرت لها بضيق.
"أنا مالي، إنتي مراته يشخط ويزعق فيكي براحته."
ونهضت هي الأخرى، لتركض خلفها رفيف.
"علياء مين سيطهو الطعام؟"
فنظرت لها علياء وقبل أن تخبرها أنها هي من يجب أن تعده.
"أرجوكي علياء حبيبتي، إنتي طعامك رائع."
وأخذت تمدح بها وبطعامها وجمالها ورقتها.
فأبتسمت علياء بفخر وهي تنحني بطريقة درامية.
"شكراً، شكراً لا داعي للمدح يا زوجة أخي."
فقبلتها رفيف على وجنتها بعدما علمت بأي طريقة تكسبها.
"إنتي تستحقي ذلك ياعلياء."
***
جلست رقية مندمجة مع عائلة كنان تقص عليهم كل جولاتهم بطرافة. رغم أنهم لا يفهمون العربية بقوة، إلا أنهم اندمجوا، حتى فريدة اندمجت بل أعجبتها مرح رقية ورقتها.
ومراد وكنان يجلسون بعيداً عنهم يتحدثون بأمور الأعمال والاقتصاد.
دعوة عشاء كانت لفتة طيبة من عائلة كنان الذي أصر على مراد كثيراً أن يدعوه في منزله، ولكن مراد اعتذر بلطف.
وانتبهوا على صوت الخادمة تخبرهم أن العشاء قد تم تقديمه.
فهمست رقية التي كانت ملتصقة بورد.
"أخيراً، أنسيت أني سأتعشى، ياا أنا جعانة بشكل."
فدفعتها ورد برفق متمتمة.
"إنتي طول عمرك جعانة يارقيه."
فتذمرت رقية بطفولة لتضحك عليها ورد. وأشارت بحماس نحو ليليان التي تتقدم منهم مع شقيقها بشير، تبتسم لها بسعادة لأنها تلاقت بها مجدداً.
وبدأوا يتناولون الطعام بإنسجام. ومراد من وقت لآخر ينظر لرقية وداخله يود خنقها، ولكن صبراً إلى أن يعودوا للوطن.
ودفعت رقية ساقها بساق ورد، وعيناها تدور بين نظرات عائشة وبشير.
"شكلنا هنقول مبروك قريب."
فوكظتها ورد بذراعها ونظرت إلى عائشة التي ترتشف الماء بأرتباك.
"الله يعينك يامراد."
فأحتقن وجه رقية بعبوس، متمتمة بنبرة خافتة قد سمعها مراد الذي يجلس جانبها.
"هو كل حد يقولي الله يعينك يامراد؟"
فمال نحوها مراد مبتسماً.
"الكل حاسس بالمعاناة اللي أنا فيها."
وقبل أن يصدر ردة فعل منها، وجدت فريدة تسألها عن مدة إقامتها هنا وتطلب منهم أن يظلوا معهم للغد.
***
تجمدت عين نرمين بعدما أخبرها جاسم أن من ستذهب معه لمقابلة الشركاء الإيطاليين هي زوجته. كانت كلماته رسمية.
وعاد جاسم يطالع بعض الملفات، ثم رفع عيناه نحو نرمين.
"في حاجة تانية عايزة تبلغيني بيها يانرمين؟"
فتمالكت دموعها وهي تحرك رأسها بالنفي متمتمة.
"لأ يافندم."
فأشار إليها بجدية وهو يعود لمطالعة ما أمامه.
"طب اتفضلي على شغلك."
فوقفت قليلاً تطالعه بألم. فيبدو أن حلم الوصول إليه صعب، ولكنها تعشقه وستتحمل إلى أن تصل إليه حتى لو تزوجها سراً.
قلبها لم يعد يرى غيره. وخرجت من غرفته مطأطأة الرأس، تخشى أن تلاحظ من عيونها الدامعة.
فرفع جاسم عيناه نحو الفراغ الذي تركته متنهداً.
بدأ يلاحظ أنها تأخذ تقديره وافتخاره بها بشيء آخر.
دلف ياسر للشقة بإرهاق، فوجد ريم تجلس تشاهد أحد المسلسلات الأجنبية بحماس وعيناها ثاقبة على التلفاز. فانتبهت لقدومه وأغلقت التلفاز لتقترب منه بقلق.
"أتأخرت كده ليه؟"
كان قلقها ظاهرًا في عينيها الحانية. فابتسم لها بلطف.
"مشاكل في مصنع الإنتاج."
فلم يجد منها إلا حنانًا رغم جرحه لها.
"ادخل غير هدومك وأنا هحضرلك العشا."
واتجهت نحو المطبخ دون كلمة أخرى. لينظر ياسر لخطاها بدفء، واضعًا بيده على قلبه معاتبًا.
"بدأت تتحرك.. بدأت تطالب بالارتواء."
ثم وضع يده على هديته المخفية داخل سترته واتجه لغرفته يخلع سترته واتبعها بقميصه متجهًا بعدها للمرحاض لينعش جسده بالماء.
وبعد وقت لا بأس منه، وجدها قد أعدت الطعام وتجلس تنتظره ليتناولوه سويًا بصمت أو بعض الكلمات المختصرة عن أحوالها بالعمل. لتنهض ريم بعد أن شبعت تسأله.
"أعملك شاي؟"
فأبتسم ياسر وهو ينهض يحمل الأطباق معها كما اعتادوا منذ بداية زواجهم.
"ياريت ياريم."
لتتحرك من أمامه بخفة تداري ارتباكها من نظراته. فأحيانًا تراه رجلاً تريد أن تغرق بين ذراعيه تخبره أنها تعشقه، وتارة تريد الهروب من قسوته وبرودة عينيه.
وقفت تعد الشاي وتنظف الأطباق شارده. لتأخذ أنفاسها بشهقة خافتة وهي تجده يميل نحو عنقها ورائحة صابون الاستحمام تغزو رئتيها.
"ريم أنا عارف إني بأسي عليكي كتير... يمكن من ساعة ما عرفتيني وأنا بأسي."
كانت تغمض عيناها وهي تسمعه، تود أن تفر منه هاربة. فلم تعد تحتمل خفقان قلبها.
وابتعد خطوة للوراء. فشعرت بعدها بشيء بارد على جيدها لتفتح عيناها ناظرة لما يطوق به عنقها. كانت سلسال من الذهب الأبيض على شكل فراشة. فوضعت يدها على السلسال بعد أن أغلقه.
"الهدية دي ليا أنا؟"
هتفت بها بحماس وسعادة. فأبتسم وهو يجيب عليها.
"طبعًا ياريم. أتمنى إنها تعجبك."
فلم تعرف كيف تصف له فرحتها لتعانقه بتلقائية.
"شكرًا.. أنا بجد فرحانة."
وابتعدت عنه قليلاً تنظر للسلسال مجددًا ثم عادت تطالعه بحب وعانقته ثانية وهو يربت على ظهرها ضاحكًا من تكرار شكرها له.
"على فكرة دي هدية بسيطة. إنتِ تستحقي أغلى من كده."
فأنسابت دموعها وقلبها يخبرها أنه لا يريد شيئًا أكثر منه. فهي لم تفرح بالهدية أكثر ما فرحت بتذكره لها.
وعندما رفع وجهها إليه ودموعها تنساب على وجهها.
"ريم إنتي بتعيطي؟"
فحركت رأسها بالنفي رغم انسياب دموعها على وجنتيها. ليضحك وهو يمسح دموعها بأنامله.
"باين إنك مبتعيطيش."
فضحكت هي الأخرى.
"أصل أنا لما بفرح بعيط."
فضمها إليه بقوة ممازحًا.
"إنتي على طول بتعيطي ياريم."
لتتملص من ذراعيه ولكن حصاره عنها محكم عليها. ومع رغبتها في دفئه وضحكاتهم، بدأ اللحن ينساب ببطء.
جلست نرمين بجانب شقيقتها مطأطئة الرأس تقص عليها نبذة لها في اللقاء الخارجي بالوفد الإيطالي ومعاملته لها في الشركة. فحتى الملاطفة ومدحه الدائم لها تلاشى. حديثه معها أوامر ليس أكثر. فلو كانت رأت طفيفًا، بسيطًا منه من قبل، الآن أصبحت لا ترى إلا كونها موظفة لديه ليس أكثر. حتى أنه بدأ يتلاشاها من الأعمال الخارجية بالشركة ويصطحب سكرتيرته معه.
"إنتي ليه خليتيني أحلم يكون ليا ياعايدة... أنا أضعف إني أتحمل كده. ألم الحب صعب أوي."
فاحتَدت عين عايدة بجمود.
"فوقي لي كده وبلاش ضعف. مراته مش سهلة وباين عليها بتعرف تسيطر على كويس."
وتذكرت مشهد يوم أن طعنتها ببعض الكلمات وانصرفت. وعاد هو للطاولة وجدته يميل نحوها يمسك يداها بقلق. وبعد دقائق نهضوا وهو يضمها إليه بتملك وعشق.
نيران اشتعلت داخلها. تكره أن ترى أحدًا يعيش بسعادة، وخاصة الأزواج. فهي فشلت في علاقتها بزوجها. فما زال نعته لها بأنها لا تصلح أن تكون زوجة أو امرأة تحب يقتحم عقلها وقلبها.
"بيحبها ياعايدة.. هو ده الحب اللي أنا بتمناه. نفسي أتحب زيها." وتنهدت وهي ترفع عيناها نحو شقيقتها.
"جاسم هو فارس أحلامي. بس للأسف فارس الأحلام طلع متجوز."
ترمقها عايدة بوجوم هاتفة.
"بكرة يزهق منها. بس بلاش تبقي خيبة وتنهزمي من أول محاولة."
وتابعت وهي تنظر إليها متذكرة سائقها الذي لم تبقيه إلا لتحصل على بعض المعلومات منه. وقد عرفت اليوم منه حقيقة مجهولة عن سبب عملها معه قبل أن يتزوجها. فشقيقها لم يكن إلا سارقًا. ولكن مهلاً للأمر.
وقفت في الشرفة تضع بيدها على بطنها تتنفس نسمات الهواء. فوجدته يحاوط كتفيها بذراعيه ويضمها إليه بحب.
"بما تفكرين حبيبتي؟"
فأبتسمت ورد وهي تتمايل بين ذراعيه.
"استمتع كنان.. حقًا المنزل رائع."
وعادت تضحك وهي تتذكر عندما أخبرت رقيه للمرة الخمسين أنها تأكدت أن جنس المولود فتاة. وهي تهتف لها.
"لا اضحكي عليا."
ومال نحو خدها يلثمه.
"لماذا تضحكين... اضحكيني معك."
فالتفت إليه تسأله بمشاكسة.
"كنان لو رزقنا فيما بعد بولد وأصبح شاب ورغب بالزواج من وطني.. ستوافق أم ما؟"
وضحكت وهي تطالعه.
"الإجابة سريعًا من فضلك."
فنظر إليها ثم ضحك.
"ما هذا التحالف ورد.. ستغزون وطني بأولادي؟"
فتعلقت بعنقه بدلال.
"الغزو يثمر بثمار نافعة زوجي العزيز."
وابتعدت عنه قليلاً تشير على نفسها بزهو.
"تنكر أنني ثمرة نافعة؟"
فضمها إليه وصوت قهقهته يعلو.
"لا أنكر ولكن كفى. أنتِ حبيبتي. اتركي أولادي لوطنهم."
فرفعت عيناها تنظر إليه بعبوس مصطنع. فضحك على هيئتها.
"أصبحتي شرسة ورد."
فدفعته عنها ضاحكة بعد أن زال عبوسها. ليميل نحوها راغبًا في تقبيلها ولكن توقف وهي يسمع صوت الصغير جواد.
"ماذا تفعلون؟"
ليلتفوا نحوه. فكانت عين جواد محدقة بهم كأنه يخبرهم أنه منتظر الإجابة.
عادوا من ذلك العشاء وهو يضحك على أفعالها المرحة. فطوال عودتهم تخبره عن الدعوة التي أعطاها لها السيد ألفونس بأن تزور إيطاليا وتكون تحت ضيافته. فهم إلى الآن لم ينسوا حسن استقبالها لهم في الجولة السياحية التي أرادوها داخل شوارع القاهرة والبرنامج الذي فعلته لهم ولا أطباق الكشري الذي لم ينسوا طعم مذاقه.
"كفاية تمجيد في نفسك."
قالها ضاحكًا وهو يدلفان للمنزل سويًا.
"سيبني أفتخر شوية في نفسي. بلاش تبقى عدو النجاح ياسيد جاسم."
فضحك جاسم وهو يحتوي خصرها بذراعه.
"افتخري ياحبيبتي. أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق انبهارهم العظيم بجولتك ولا بمعلوماتك التاريخية اللي أنا شاكك فيها."
فزمجرت بصوت حانق وهي ترفع عيناها نحوه.
"شوفت أه إنت عدو النجاح. وبتشكك في قدراتي."
فأبتسم وهو يرى عبوسها.
"وليه متقوليش إني بحب أشوفك كده؟"
ومسح بكفيه على وجنتيها برفق.
"بشبهك بأمواج البحر. من هدوئها بتسحرك وأول ما موجها يعلى بتغرق معها."
كان يتحدث بهمس وبنبرة دافئة جعلتها تميل برأسها على أحد كفيه ليداعب وجنتيها اليمنى بحنان.
"وإيه كمان؟"
فأتسعت ابتسامته ثم قرص وجنتها بلطف.
"كفاية النهارده كده وخلي باقي الكلام الحلو ليوم تاني."
وضحك وهو يتأمل ملامحها الحانقة. فضمها إليه.
"ممتعة ياحبيبتي ولذيذة ونفسي أكلك أكل."
وعض خدها. فتأوهت.
"لأ أنا عايزة رومانسية وكلام حلو. مش أتاكل."
ودفعته عنها برفق وهي تصعد أمامه الدرج.
"إنت مش طالع معايا؟"
فحرك يداه على وجهه وهو يتذكر أحد الملفات التي يجب أن يدققها.
"للأسف ورايا شغل في المكتب ياحبيبتي. اطلعي ارتاحي إنتي."
فعادت إليه تسحب يده.
"شغل إيه؟ واتضيع اللحظة الحلوة. تعالا أما أحكيلك عن خططي لما أسافر إيطاليا وممكن نجهز الشنطة من دلوقتي."
وبعد صراع داخله بين العمل واتباعها. ربحت هي وصعد معها.
وبعد وقت كان ينام على أقدامها وهي تمسح على خصلات شعره ومتكئة للخلف تحلم برحلة إيطاليا بعد ولادتها.
"طبعًا بعد ما أولد هاخد إجازة شهرين أو تلاتة أقول أربعة وأستجم مع نفسي. عشان أقدر أعود للملاعب من جديد."
فرفع رأسه عنها.
"ملاعب؟ انسى. إنتي هتخلفي من هنا هنجيب طفل تاني علطول. هي سنة استجمام وحلو عليكي."
فحدقت به ببطء.
"إنت بتهزر.. ومستقبلي المهني.. أه أخلف وأقعد في البيت؟"
وعندما وجدها تأخذ الأمر بمحمل الجد. تنهد بهدوء واعتدل في رقدته.
"ومين قالك إني هلغي مستقبلك يامهرة؟ كنت عملت كده لما اتجوزتك. مكتب المحاماة اللي وعدتك أفتحهولك بعد تدريبك مع الأستاذ فؤاد موافق. وحتى مكتبك في الحارة موافق تكملي فيه. بس مدام مفيش تأثير على حياتنا."
وكادت أن تبدأ بالجدال معه إلا أنه أوقفها بيده.
"مهرة أنا سني بيكبر. أنا مش في العشرينات عشان أقول أجل الخلفه. أنا راجل في التلاتينات. عايز يبقى عندي ولاد أعرف أربيهم في عمري وأشوفهم بيكبروا قدامي."
لم تعلم كيف جعلها تصمت بل تفكر بالأمر وتقتنع. فضحك على تعبيرات وجهها.
"حاولي تقتنعي ياحبيبتي عشان قلبي يرضى عنك."
ومن صمتها أخذ يتفرس ملامحها.
"نفسي أعرف ليه بتنامي في وسط الحوار."
ففاقت من شرودها فيما يناقشه.
"بفكر في كلامك."
فضحك وهو يتأملها.
"هو إنتي التفكير عندك كده؟ أنا بحس إنك بتنامي مني."
فضاقت عيناها وهي تنظر إليه.
"شوف أنا كنت هرفع إيدي وأقول اقتنعت. بس بعد الكلمتين الحلوين اعترض وبشدة. ولو قولتلي بتعترضي على إيه هقولك معرفش. بس أه بعترض وخلاص."
ولم تكد تكمل ثرثرتها فوجدت كفه على فمها.
"كفاية اعتراض. وخلينا في المهم."
وقبل أن تسأله عن الشيء المهم الذي يريده. علمت الإجابة.
فالمهم لم يكن إلا الارتواء بين دفء ذراعيه.
كان اليوم الثاني لعملها كطاهية. كانت حانقة من الأمر في البداية ولكن مع انفرادها بالمطبخ المتسع المجهز بكل شيء مثلما ترى في التلفاز. أحبت عملها.
ونظرت إلى قائمة الطعام الأسبوعية التي أعطتها لها سكرتيرته عندما اصطحبتها للشقة ثم أعطتها المفتاح أمر من ريان.
اتفاقهم كان أن تأتي لتطهو وتنصرف قبل ميعاد مجيئه وليس لها علاقة بباقي الشقة. وجهتها المطبخ فقط.
رغم أن فضولها يقتلها أن تذهب للتأمل الشقة إلا أنها تمنع نفسها بصعوبة. تركز على الوجبة التي ستصنعها اليوم. واند
ت في المكونات التي يجب عليها أن تخرج منها وجبة رائعة. رغم أنه لم يعلق أمس على الطعام ليأتي ظنها دون محله. فقد لمحت أخيرًا الورقة الملتصقة على الثلاجة لتجد فيها ملاحظته.
"الطعام مالح. قللي الملح."
فنظرت لمحتوي الورقة بأمتعاض. لتقبض على الورقة بضيق.
"مافيش كلمة شكر. عامل زي أخته. ده إيه العيلة اللي طلعت لنا في الشخت بخت."
مسح كريم وجهه بالمنشفة بعد أن انتهى من حلاقة ذقنه. فأنعكست صورتها بالمرآة.
كانت تقف خلفه برداء نوم قصير قد اشتراه لها من قبل، ولكن لم تبدِ به أي اهتمام رغم أنها أخبرته عن رغبته في رؤيته به. ووجدها تطوق خصره.
- امتى هتسامحني يا كريم؟ انت عارف أنا كام مرة اعتذرت منك.
فأغمض عينيه وهو يشعر بملمس يداها على جزئه العلوي العاري. ما زال غاضبًا منها ومن نفسه قبلها. أزاح يداها عنه والتف نحوها.
- أنا ما طلبتش منك اعتذار يا مرام. المفروض تعتذري لنفسك مش ليا. بداية نجاحك ظهرك، ومتقلقيش، هتبقى سيدة أعمال ناجحة.
وتخطاها ثم وقف.
- مبروك على التريقة الجديدة.
وكاد أن يكمل سيره، فجذبت ذراعه تخبره بصدق.
- محسيتش بالنجاح من غير حبك. وحشني حضنك واهتمامك. أنا مش عايزة النجاح ده من غيرك.
اهتزت مشاعره وهو يجدها تبكي. أراد أن يضعف، ولكن لو ضعف الآن لن يحقق شيئًا. وشعر بملمس شفتيها بجانب شفتيه.
وكأنها تدعوه لامتلاكها.
وبعد ساعة كان ينهض من فوق الفراش وهي تغطي جسدها مذهولة من ابتعاده عنها. يرتدي قميصه وتحدق به. حتى مشاعره أصبح يبخل بها عليها. فدومًا كان معطاءً حنونًا، يحتويها بدفء وحب وليس رغبة.
- كريم.
فندم أشد الندم على ضعفه وأعطاها ظهره.
- لتقولي إني هجرك بعد المبادرة اللي قدمتيها.
وغادر الغرفة لتسقط دموعها، تدفن وجهها بين راحتي كفيها.
غير مصدق أنه اقترب منها ليلبي رغبتها به. وكان أول سؤال يقتحم فؤادها: ألهذا الحد حياتهم وصلت لرغبات الجسد؟
***
تنهد مراد بسأم وهو يجدها تتثاءب بعد يوم طويل في التجول في شوارع إسطنبول والتصوير. فهي لم تترك مكانًا إلا وصورته.
- الواحد تعب بشكل.. بس صورت صور حلوة.
واتجهت إليه تسأله.
- مالك يا مراد؟ انت بتبصلي كده ليه؟
فطالعها وهو يحرك يده على وجهها.
- ببص عليكي من خبتي يا رقيه.
فنظرت إليه دون فهم.
- لاء، انت فيك حاجة غريبة. حتى ديما مخنوق مني. هو أنا مزعلاك في حاجة؟
فربت على وجهها وهو يتودد لها داخله. فهو سيتركها تنعم بالرحلة كما تشاء.
- حاولي تفكري كده وهتعرفي الإجابة لوحدك.
وتركها متجهًا للمرحاض لينعش جسده من إرهاق اليوم، متذكرًا حديث والدته كلما هاتفته تسأل عنها. فأما تكون نائمة أو تستحم، وفي النهاية تختم والدته اتصالها:
"براحة على البنت يا مراد."
وبعد دقائق خرج من المرحاض ينفض شعره بالمنشفة، لتتسع عيناه عندما وجدها نائمة على الفراش بملابسها.
- أنا حاسس إني اتجوزت طفلة.
واقترب من الفراش ومال نحوها يدفعها برفق على جسدها.
- رقيه قومي غيري هدومك.
ولكن كالعادة، ذهبت مع أحلامها، تاركة إياه يكتوي طيلة الليل وهو يطالعها كيف تتميل على الفراش إلى أن تصل لأحضانه. فتلتصق به فيضمها إليه بحنو ويقبل رأسها.
***
استيقظت على رائحة فطور شهي. فاتجهت نحو المطبخ لتجده يقف يعد لها عجة البيض التي تعشقها.
- صباح الخير.
فالتف ياسر نحوها مبتسمًا.
- صباح النور. لحد ما تجهزي هتلاقي الفطار جهز.
فتقدمت منه وبتلقائية اعتادت على فعلها مع والديها، قبلته على خده برقة.
- تسلم إيدك.
وانصرفت بعدها راكضة نحو غرفتها، لتتجمد ملامحه ودفء شفتيها على خده. ولكن للحظة تبدل كل شيء بعد ملمس على قبلتها، ليبتسم وهو يهتف داخله يقنع قلبه:
"مجرد قبلة شكر لا أكثر."
***
اليوم الخامس لها في عملها، لتجد ورقة كل يوم لتقرأها بحنق.
"قللي التوابل."
فمزقت الورقة كمثيلتها.
- مافيش كلمة شكر حتى.
وبدأت تندمج في وجبتها، فالعمل ممتع. فلا أحد يقف على رأسها، حتى أنها أصبحت تشعر بالراحة. فريان لم تراه منذ اليوم الذي عرض عليها العمل.
ومع مرور الوقت أنهت الوجبة سريعًا، لتنظر للوقت في هاتفها تفكر بالتجول في الشقة وخاصة غرف النوم، فلم تعد تسيطر على فضولها.
***
ذهبت مهره للنادي بعدما تلقت دعوة ندوة ستقام تحت رئاسة الجمعية التي تترأسها خالة رقيه. ووقفت أمام الصالة التي سيتم فيها الحضور لتجد صورة "عايدة" فهي ضيف الشرف المستضاف. فأحتقن وجهها بتهكم.
- لو كنت أعرف بوجودك مكنتش جيت.
كانت تحبها كوجه إعلامي تراه من خلف شاشة التلفاز، ولكن بعد لقائهم أدركت كم هي منافقة، وتيقنت من الأمر عندما علمت من رقيه أنها رفضت أن تزوج ابنتها لمن تحبه لأنه من أسرة لا تناسب أسرتها العريقة.
وفتحت حقيبتها تخرج قلمًا، ثم التفتت حولها فلم تجد أحدًا مهتمًا بمطالعتها. ومالت نحو اللوحة المعلقة بها صورتها.
وبعد دقائق اتسعت ابتسامتها وهي ترى اللوحة الفنية التي أصبحت عليها صورتها. ودلفت للقاعة بثقة تكتم ضحكاتها على الشارب الضخم الذي فعلته لها.
رواية لحن الحياة الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سهام صادق
تقدمت بخطوات متوترة نحو غرف النوم بعد أن سارت في باقي أركان الشقة منبهرة من روعتها وفخامتها. فتحت فمها كالبلهاء وهي تتأمل الغرفة الكبيرة، فدَلَفَت داخلها تحادث نفسها.
"معقول في شقق بالجمال ده."
كانت الغرفة واسعة، فهي غرفة النوم الرئيسية. انتقلت بعينيها على الفراش الوثير، فاتجهت نحوه تلمسه بأنبهار.
"شبه أوض النوم اللي بشوفها في التليفزيون."
واتجهت نحو كل ركن من أركان الغرفة، تنظر لكل ما تقع عليه عيناها بتدقيق. حتى كانت الصدمة أمام ملابسه وأحذيته.
وقفت كالصنم بعد أن سمعت صوته خلفها.
"أراكِ تتجولين بمنزلي.. ونسيتِ حدودك هنا."
هتف بنبرة خبيثة ليحرك لسانها الذي اشتاق إلى لذاعته. فجف حلقها وتسمرت قدماها. فرغم سلاطة لسانها إلا أنها تخجل، فهي في غرفته وأمام ملابسه. لعنت نفسها وفضولها الذي أوصلها لهنا. يكفيها عملها في منزله وهي تعلم أنه أعزب.
"هل أكلت القطة لسانكِ يا آنسة علياء؟"
فأستدارت إليه ببطء وهي تحرك لسانها على طرفي شفتيها، وبتعلثم هتفت.
"أنا سمعت صوت.. فخفت يكون في حاجة.. قولت أطمئن."
كانت عيناه تجول على خلجات وجهها المرتبك وكلماتها الكاذبة. فهو يعلم أن الفضول هو من دفعها لهذا الأمر.
وأرخى ساعديه عن صدره واقترب منها محدقاً.
"تكذبين يا صغيرة."
فأستاءت من نظراته.
"أكيد بكذب.. ما الحقيقة واضحة بتفرج على الشقة."
وتابعت وهي تتخطاه.
"أصل بفكر أشتري واحدة زيها."
أدهشه ردها، بل واستطاعت أن تتلاشى توترها سريعاً وأخرجت نفسها من حصاره بكل بساطة، جعلته يقف محتاراً من أمرها. لا يظن أنها تفعل كل ذلك بكنة لجذب انتباهه. علياء نوع لم يسبق أن صادفه يوماً.
وسار خلفها يرسم على ملامحه الجدية حتى وصل للمطبخ فوجدها توضبه سريعاً قبل أن ترحل.
"حضري الغداء قبل أن ترحلي.. وأتمنى أن تكوني قد طهيته جيداً لأنني أفكر في استبدالك بطاهية أخرى."
وقبل أن تهتف باعتراض، انصرف نحو غرفته مجدداً يبتسم ولا يفكر بشيء إلا الاقتراب منها حتى يفك شفرات قلبه الذي أصبح راغباً بشدة بها، ليس كرغبة جسدية إنما رغبة أخرى متلهفة.
نصف ساعة قضتها في التعرف على بعض المدعوين من قبل خالتها رقيه. وعايدة تنظر لها بضيق لا تعلمه. فهي تفرض روحها المحبة سريعاً. ومن وقت لآخر تتذكر الشارب الذي كان على صورتها وتتمنى أن تعرف من فعلها. أما مهره فمن حين لآخر تنظر لها مبتسمة بتحدي، وكأنها تخبرها أنها أقوى من أن تكون فأر جبان تقضي عليها بعض كلمات.
إلى أن بدأت الندوة وكانت الكلمة الأولى لرئيسة الجمعية وبعض الأعضاء. تصفيق وحماس، ورغم كل ذلك مجرد كلام تعلم أن القليل سيفعل به. فهدف الندوة كان عن التنمر وكيف نصبح مجتمعاً واعياً.
وجاء دور كلمة "عايدة" والتي وقفت بفخر تسير بزهو نحو المنصة لتلقي كلمتها وعلى وجهها أروع ابتسامة. وبدأت حديثها بشكر.
"أحب أشكر رئيسة وأعضاء الجمعية على الدعوة الجميلة دي.. موضوع فعلاً يستحق إننا نسلط الضوء عليه."
كلمات مرتبة ورائعة كانت تلقيها. فمن يرى عايدة الآن لا يظن أنها امرأة خبيثة تمثل التعاطف والدعم لمن يعانون من ظلم المجتمع.
كانت عين مهرة ثاقبة عليها، تركز في كل كلمة تتحدث بها عن أشخاص دعمهم برنامجها التلفزيوني. إلى أن بدأ الحوار يذهب للمساواة ولا أحد يتميز عن غيره إلا بعمله الصالح ثم اجتهاده الشخصي.
اليوم فهمت معنى التنمق وعلمت لماذا الحية تبدل جلدها كل فترة. عايدة هانم تتحدث بالسلوك والأخلاقيات. ترغب بالضحك ولكن مهلاً لتنتظر إلى نهاية الحديث.
وحملقت في أعين الجالسين منبهرين إلى أن فتح باب المناقشة معها. كانت هذه فرصتها لتخرج كل ما يقف في حلقها. فتلك الندوة ما زادتها إلا كرهاً للرياء.
فرفعت يدها تطلب السماح لها بالسؤال. فدارت أعين الكثير نحوها منتظرين أول من ستبادر بالسؤال "لـ عايدة الدميتري" السعداء بوجودها. فنظرت إليها عايدة بترفع.
"اتفضلي اسألي، سامعاكِ."
وارتشفت من كأس الماء الذي بجانبها ثم مالت نحو إحداهن تتحدث معها، ثم عادت تنظر إليها منتظرة بدء حديثها.
"حضرتك قولتي في كلامك إنك بتدعي للمساواة وضد العنصرية بكل أنواعها سوا اضطهاد معنوي أو مادي، وأنا كل متساوٍ. بصراحة يا مدام عايدة تستحقي أن الكل يصفق لك."
فاتسعت ابتسامة عايدة بترفع بعد أن سمعت تصفيق الحضور.
"أشكركم جميعاً."
وتابعت مهره وهي تدقق النظر فيها، وأكملت في رفعها لأعلى درجات الزهو والفخر.
"عايدة هانم الدميتري قدوة مشرفة في البلد."
وابتسامة عايدة تنير وجهها إلى أن تلاشت فجأة.
"عشان كده دلوقتي أنا محتاجة إجابة لسؤالي. مدام إنتِ مع كل الكلام اللي قولتيه، ممكن نعرف سبب رفضك لجواز بنتك من مجرد شاب لسه على أول خطوات طريقه؟ مع إنه مستقبله كويس بس للأسف من عائلة بسيطة."
فتعالت همهمات البعض، ووقعت عيناها على الفتاة الجالسة تحدق بها. فهي علمت أنها ابنتها.
"مش لازم ندعم الشباب ونديهم فرص يختاروا طريقهم؟ وإلا إنتِ مع الفروق الطبقية يا مدام عايدة؟"
فرفعت عايدة كأس الماء ترتشف منه وهتفت بتوتر. تخاف أن تخطئ، فهي دوماً تستعد للمواجهة ولا تستهين بخصمها، ولكن اليوم سقطت في الحفرة التي صنعتها.
"لأ طبعاً، أنا كلامي بطبقه في حياتي قبل أي شيء."
فأبتسمت مهره وهي تنظر للجالسين.
"هايل، وهو ده اللي إحنا منتظرينه من إعلامية كبيرة زيك ورمز مشرف في البلد."
ونظرت للأعين المحدقة بها.
"أكيد إحنا معزومين على خطوبة بنتك الآنسة ميار."
ونظرت للفتاة مبتسمة. فبادلتها الفتاة بابتسامة خجلة فضحت مشاعرها. فالكل الآن تأكد من قصة الحب. أما عايدة فكانت تحدق بابنتها تود لو أن تصفعها.
الكل بدأ بالتصفيق والمباركة لعايدة. رغم أن سيدات المجتمع الجالسات أغلبهم يسيرون على قاعدتها، إلا أن مدام الأمر ليس معهم لا بأس أن يظهروا تحضرهم. فالقليل هو من يعي كيف يكون التحضر قلباً وقالباً.
وعندما وجدت عايدة أنها محاصرة ببعض الأسئلة، وقد نفعها أن هناك بالفعل من يكرهها.
"أكيد يا جماعة أنتم مدعوين."
ونهضت من فوق مقعدها الذي كانت تجلس عليه بزهو وترفع، لتغادر القاعة سريعاً وكأنها تهرب من المأزق. لتتجه ابنتها نحو مهرة تمسك يديها مبتسمة.
"مش عارفة أشكرك إزاي.. شكراً."
وانصرفت الفتاة خلف والدتها تلحقها، لتتسلط أعين الجميع عليها.
نظر لها وهي تتهادى في خطواتها تصعد الدرج بزهو. ف للتو كان قد أنهى مكالمته مع عايدة التي هاتفته تخبره بفعله زوجته ووضعها أمام الأمر الواقع. إلى الآن لا يصدق زوجته فعلت ذلك. موقف لا يعلم أيضحك عليه أم ماذا يفعل.
"مهره."
فوقفت ترسم على شفتيها ابتسامة واسعة وألتفت إليه.
"نعم يا حبيبي."
فأشار إليها أن تتقدم منه. فعادت تهبط الدرج وعلمت أن الخبر وصل إليه.
"حولت الندوة لفرح يا مهره."
فطالعته ببرائة وهي تشير على نفسها.
"أنا أعمل كده.. أنا بس وفقت راسين في الحلال.. مش عايدة هانم الدميتري مؤمنة إن مفيش فروق طبقية وكلنا سواسية."
فرفع حاجبيه وهو يتفرس ملامحها.
"يعني تروحي تحطيها قدام الأمر الواقع وتقوليلها توافق على خطوبة بنتها من الشاب اللي بتحبه."
فضحكت وهي تتذكر حال القاعة وما تحولت إليه من هرج ومرج، وما نفعها أن الندوة كانت تضم بعض الصحافيين أصحاب القلم الحر غير وجود ابنتها ومشاعرها التي أظهرت كل شيء.
"إنتِ بتضحكي على إيه."
قالها بهدوء وهو يطالع سعادتها.
فصفقت بيديها بحماس.
"الكورة اترمت في الملعب.. وجات قدامي اديها ضهري ولا أجرب حظي وأدخلها في المرمى."
فجذبها نحوه بحنق وضرب على رأسها بخفة.
"ادخلي وجيبي أهداف يا حبيبتي."
نظرت عايدة بقهر لابنتها التي تجلس على الأريكة أمامها تفرك يديها بتوتر، ثم نظرت لشقيقتها التي تضمها.
"على آخر الزمن أنا أناسب ناس من الطبقة العاملة."
وحدقت بأبنتها بقوة.
"ديماً بتحبي الرمرمة زي أبوكي."
لتطالعها نرمين بضيق عما تفعله.
"خلاص يا عايدة، مش عايزة توافقي متوفقيش. دي مجرد ندوة وكلام."
فضغطت على شفتيها بغضب.
"ده كان زمان.. لعبتها صح واختارت أنسب توقيت ومكان."
وتابعت وهي تحدق أمامها بشرود.
"إنتِ ناسيه انتخابات مجلس الشعب وإني هترشح فيها."
وتابع وهي تجز على أسنانها.
"أول مرة معملش استهان بحد.. البنت دي مطلعتش سهلة."
فأبتسمت نرمين داخلها. فهي ليست حانقة منها رغم أنها عاشقة لزوجها.
وربتت نرمين على يد ابنة شقيقتها. لتهتف عايدة بعد تفكير.
"قولي للولد اللي إنتِ بتحبيه ييجي يقابلني."
فعادت نرمين تبتسم وهي ترى كيف التقطت ابنة شقيقتها الهاتف من فوق الطاولة وركضت لغرفتها كي تحادثه.
انتهت أخيراً رحلة الزواج الذي لم يتذوق شيئاً من عسله. حتى ليلة عودتهم قضوها في منزل زوج خالته السيد مسعود. وقد قدر الأمر لأنه يعلم مدى تعلق رقية بوالدها. ودلفوا لشقتهم.
فاتجهت رقيه لغرفتهما بتوتر. حججها قد كثرت ومراد تحمل كثيراً ولكن هي خائفة. حديث إلهام صداه مازال بأذنيها.
وشهقت بفزع بعد أن شعرت بيد مراد على خصرها وشفتيه تقبل عنقها. ولكن كالمعتاد ابتعدت عنه تلمع عيناها من الخوف.
فحرك يداه على خصلات شعره بحنق.
"لأ كده الموضوع فيه حاجة يا رقية.. لدرجة دي خايفة مني؟ هروبك وخوفك ده ليه أسباب وأنا صبرت كتير والنهاردة لتقولي إيه اللي مخوفك، لاما كل حاجة هتم حتى لو غصب عنك."
فأرتجفت بخوف. فتنهد بقلة حيلة فجذبها إليه يضمها بحنان رغم اعتراضها.
"إنت ممكن تعمل فيا كده."
فرفع وجهها إليه يمسح دموعها.
"رقية إحنا قبل ما نتجوز عمرك ما خبّيتي عني حاجة.. إنتي بقيتي تداري عني حتى مشاعرك يا رقية.. أنا مش شاكة في أخلاقك لأن أنا عارف رقية كويس.. بس فيكي حاجة مقلقاني ولازم أعرفها."
فأبتعدت عنه تنظر إليه طويلاً لتفجر آخر شيء كان يتوقع أن يسمعه منها.
"إلهام قالتلي إنك سادي يا مراد."
الكلمة ترددت على مسمعه كالصفعة. رقيه صغيرته تظن به هكذا؟ تراه بشعاً لتلك الدرجة؟ تصدق حديث طليقته وتقف تبكي أمامه تنتظر منه الإجابة؟ فبعد ابتعادها عنه طيلة الأيام الماضية يكون هذا هو السبب؟ طلقة من زوجته ما كان إلا أنها امرأة خائنة.
"إنت كده فعلاً يا مراد.. أنا مصدقتش كلامها بس أنا خوفت."
لتنفجر شفتيه بضحكة صاخبة تحمل الكثير من الألم.
"سادي.. أنا فعلاً سادي يا رقية."
واقترب منها وهو يرى رعشة جسدها.
"للأسف لتاني مرة بختار الزوجة الغلط."
وانصرف بعدها ليتركها تنظر في خطاه بأعين باكية. فقد أخبرته بسبب خوفها بكل غباء وهي أكثر الناس علماً بخبث طليقته.
وقد أوقعته في اللعبة التي أرادت أن تثبتها له: أنه أخطأ في الزواج منها.
وقف عمار يطالع كل من شقيقته وزوجته في المطبخ يعدون الطعام. رفيف أصبحت تعتاد على حياتهم البسيطة، حتى ملابسها تغيرت بأكثر حشمة خارج غرفتهما. خوف سيطر عليه وهو يجد قلبه ينسى عيوبها. فأغمض عينيه ينفض تلك الأفكار من عقله، فلو أحبها سيحترق بنيرانها. وتنحنح بصوت صاخب لينتبهوا لوجوده.
فألتفت رفيف على الفور ثم ركضت إليه تعانقه وتقبل وجنتيه. فأشاحت علياء وجهها خجلاً عنهم.
"مرحباً حبيبي."
فطالعها عمار وأبعدها عنه برفق. فشقيقته مازالت صغيرة لتتفتح عيناه على تصرفاتها.
"لقد أعددت نصف الطعام لك.. قولي له علياء."
كانت تتحدث بحماس وسعادة.
جعله يلعن اليوم الذي أوقعه في طريقها. وفاق على صوت شقيقته مؤكدة:
- فعلاً ياعمار، رفيف بقت تتعلم بسرعة.
ونظرت لرفيف تشاكسها:
- والفضل يعود لخبرتي العظيمة.. آه، بحاول أعلمها رغم غبائها.
فزمجرت رفيف بشفتيها ثم وكزتها على ذراعها:
- مش هعطيكي دروس في فن التسويق.. روحي خدي الكورسات.
فوضعت علياء قطعة من الخيار بفمها:
- كده يامرات أخويا يا جميلة أنتي.
عادت مشاكستهم التي أصبحت روتين يومهم، وهو يقف متعجب من تقبلهم واعتيادهم على بعض. فقلّب عينيه بينهم بملل:
- ما شاء الله، شايفكم اتعودتوا على بعض.
فمدت علياء لرفيف تصافحها، ثم احتضنوا بعضهم وانظروا إليه:
- رفيف دي مفيش منها اتنين.. جميلة وطيبة وبنت ناس.. ده حتى الست الوالدة اسمها جوليا.
فحملق عمار بشقيقتها، وضرب كفوفه ببعضهم:
- والله أنا أكتر واحد سعيد بتحالفكم ده.. بدل الصداع اللي انتوا عاملينه ليا.
وتركهم متجهًا لغرفته. وفور أن أغلق باب الغرفة خلفه سمع صياحهم سوياً، فتأكد أنهم لن يتفقوا أبداً.
وبعد دقائق، وجد رفيف تدلف للغرفة. وما أدهشه أنها ساعدته في خلع سترته وقميصه:
- رفيف هانم بذات نفسها بتساعد جوزها في تبديل هدومه.. لأ وكمان بقت تتعلم الطبخ عشانه.. لأ مش معقول أن ده سحر الحب.
قالها بتهكم جعل يدها التي عند آخر زر من أزرار قميصه تتخشب، فأبعدت عنه:
- دومًا تراني كريهة ياعمار.. أنت مغرور ومتكبر.
وألتفت لتخرج من الغرفة، إلا أنه أمسك ذراعها ليدفعها نحو الخزانة وعيناه مسلطتان نحو شفتيها.. وبدأ السحر يتغلغل في أعماقه رغم الحصون.
.................................
مسحت بأكمام منامتها دموعها التي تنساب:
- مراد مخاصمني من امبارح يامهرة.. اعتذرت منه ومسمحنيش، قالي إني طفلة ومينفعش أكون زوجة.
فهتفت بها مهرة بحنو وهي تفرد ساقيها وتضع قدميها فوق الوسادة وتعدل من وضع الهاتف على أذنها:
- مش هيعمل كده من غير سبب يارقيه.. اهدي وفهميني عشان نلاقي حل.
فصمتت.. وهنا علمت مهرة الإجابة.. رقيه المخطئة، وبالطبع تصرفت كعادتها دون تعقل.. رقيه مثال مصغر لها في شخصيتها.
- مدام سكتي يبقى أنتي الغلطانة.
فهتفت رقيه:
- ضحكت عليا إلهام.
وأخذت تقص عليها لقاءها بإلهام قبل عرسها بيومين، لتزيد من خوفها من تلك الليلة. وأثمر حديثها بل وجاء بوقتها.. فقبل لقائهم بأسبوع كانت تقرأ عن السادية.
وأنهت حديثها وعادت للبكاء:
- من غير ما تأكدي على غلطي، أنا فعلاً غلطانة.. خلي مراد يصالحني.
فتنهدت بأنفاس مسموعة:
- ركزي معايا واعقلي كده... واسمعي.
فأعتدلت رقيه في رقدتها فوق الفراش تركز في الحديث الذي تخبرها به:
- إحنا هنلعب على مراد بحبه ليكي كبنت خالته، البنت الصغيرة اللي رباها.. إنسي إنك مراته دلوقتي لأنه مش طايقك.
وقبل أن تعترض على توبيخها أكملت:
- تلزقي فيه مهما صدك.. تتكلمي معاه زي زمان وارجعي لحبك اللي كان بيظهر في عيونك يارقيه.. ولا إحنا لما بنوصل لهدفنا بننسى قد إيه كنا بنتمنى اللحظة دي.
اقتنعت بحديثها إلى أن جاء دور الملابس.. هل تكون له امرأة مثيرة أم تظل له بالمنامات الطويلة؟
- اللبس هيكون إيه في خطتنا؟
وعندما هتفت رقيه بملابس النوم القصيرة:
- لأ، إحنا منفتحهاش أوي ولا نقفلها أوي.. البسي حاجات مغرية في نفس الوقت محترمة.. مراد هيصدك لما يلاقي دلوقتي فاكرة تلبسي ليه وهياخدها على كرامته.. اتعاملي معاه خطوة خطوة لحد ما يصفي ليكي.
كانت رقيه تستمع لكل كلمة إلى أن انتهت مهرة في الحديث:
- هنأجل الزيارة ليكي بقى أنا وريم لحد ما نقول مبروك بجد.
فخجلت رقيه من مغزى الحديث، لتضحك مهرة بصخب:
- ماشي يامهرة، بكرة تحتاجي.
فهتفت مهرة بها قبل أن تنتهي المحادثة الهاتفية بينهم:
- نفذي الخطة بعقل يارقيه واحرزي الهدف.
وألقت بالهاتف جانبها تزفر أنفاسها، لتتسع عيناها على قهقة جاسم الصاخبة فقد دلف للغرفة على نهاية مكالمتهم:
- إنتي إيه حكاية الأهداف والخطط اللي بتعمليها الأيام دي؟
وجلس جانبها على الفراش:
- قوللي يامهره ياحبيبتي، إنتي كان حلمك تنضمي لفريق كرة قدم.
ورغم استيائها من حديثه، إلا أنها سايرت الأمر بهدوء:
- تصدق رجعتني للأحلام القديمة.. تعالا أحكيهالك.
وجذبته إليها فضحك وهو يميل نحوها يقبل خدها:
- سيبك من الأحلام وخلينا في الحاجات المهمة.
فانتبهت له، ولكنه كالعادة كانت أهمية ما يريد إخبارها به.. هو عالمهم الصغير المفعم بالحب.
....................................
طرقت طرقة خافتة على باب غرفته ودلفت بعدها، فوقفت مصدومة وهي تراه جزعه العلوي عاري ويجفف خصلات شعره والمياه تنساب على طول عنقه لتكمل سيرها على صدره.. تعلقت عيناها به للحظة وأخفضت عيناها سريعًا تفرك يديها بتوتر. وانتظر أن يسمع صوتها، ولكن:
- في حاجة ياريم؟
وعندما رأى رأسها المنخفضة أدرك الوضع سريعًا والتقط قميصه يرتديه سريعًا:
- خلاص لبست القميص، ارفعي راسك.. ها، عايزة تكلميني في إيه؟
وابتسم وهو يجدها ترفع رأسها نحوه:
- أنا كنت جاية أبلغك إني هروح بكرة لرقية مع مهرة بعد الشغل أبارك لها.
عيناه كانت معلقة على كل شيء بها حتى حركت شفتيها، فأقترب منها مبتسماً:
- روحي، مافيش مشكلة.. محتاجة فلوس؟
وقبل أن تعترض أخرج لها المال ومد لها يده به، فنظرت للمال:
- بس أنا معايا فلوس.
فزفر أنفاسه ببطء وهو يطالعها:
- ريم، خدي الفلوس من غير جدال.. إنتي مراتي دلوقتي ومسؤولة مني.. بلاش ديما تعترضي وتقولي معايا.
فأبتسمت وهي تعلم مدى ضيقه من تلك النقطة، ولكن تلك المرة كان تصرفها مختلف.. ألتقطت منه المال بمرح:
- كده هاجيب هدية أغلى وأفلسك ومتجيش تحاسبني على الفلوس.. هخلصهم كلهم.
ضحك من كل قلبه وهو يجدها تتحدث أمامه بتلقائية دون تحفظ، فيبدو أن الأيام أزالت الحواجز التي بينهم.. ووجدها تقف على أطراف قدميها وتقبل وجنته كما أصبحت تعتاد:
- شكرًا.
وانصرفت بعدما بعثرت مشاعره، ليقف يمسح على وجنته يستشعر دفء قبلتها التي أدمنها.. قبلة شكر أصبحت تهدم حصن وراء حصن.. وهمس لنفسه:
- هتعملي فيا إيه تاني ياريم؟
رغم أن عقله بدأ يلح على انفصالهم بأسرع وقت قبل أن ينجرف وراء مشاعره، لكن قلبه يقف مدافعاً بكل قوته:
"لا تكن جبانًا."
................................
اتسعت عيناه جميعاً بعد أن علموا بالفيلم الذي اجتمعوا من أجله، بل ودعتهم ورد لرؤيته بالسينما، كان فيلمًا من أفلام ديزني.
فنظر إلى ورد وجود الملتصقين ببعضهم يضحكون ويهتفون بصوت واحد:
- بيطلقوا نار علينا بأعينهم.
فمال يشير نحو كنان وقد دعته ورد من أجل عائشة، فمشاعرها تجاه أصبحت واضحة إلا كنان لم ينتبه بعد:
- أنت متأكد إنها زوجتك وليست ابنتك ياكنان؟
فطالعه كنان بأسف:
- لا أعلم.
كانت ورد منتبهة لحديثهم، لترفع حاجبيها نحوهم، فأبتعد بشير معتذرًا:
- أعتذر يا زوجة أخي قبل أن تأكليني.. اذهبي لزوجك.
وتعلقت عيناه بعائشة التي أخذت تتضحك، ثم أشاحت بوجهها خجلًا من نظراته:
- ما تلك النظرة ياكنان.. أكنت تطمح بمشاهدة فيلم آخر؟
فوجد كنان كل من جواد وعائشة وبشير اتجهوا نحو قاعة السينما، فحاوطها مبتسمًا:
- لا حبيبتي.
وتابع بكذب:
- ما أجمل أن تعود مع زوجتك طفلًا.
كانت تعلم أنه يكذب، فهو لا يستوي تلك الأفلام، دوماً يميل للأفلام البوليسية.
وجلسوا بمقاعدهم، بشير اختار المقعد المجاور لعائشة.
هي وجواد اندمجوا على الفور، أما هو جلس يعبث بهاتفه، فهمست:
- أعتاد حبيبي، ستصبح قريبًا أبًا وستتولى كل شيء خاص بطفلنا.
فعقد حاجبيه ساخرًا:
- وماذا ستفعلين أنتي ياورد؟
فأبتسمت وهي تتذكر المكان المجاور لمطعم ليليان وقد اشتراه لها لتتشارك معها:
- سأتفرغ لمطعمي وسأصبح سيدة أعمال.
فعبس بملامحه، ولكن بنظرة حانية منها أدرك أن ورد لا يليق بها إلا دور الأم والزوجة الحنونة.
..................................
نظرت مرام إليه بآلم وهو يحادث تلك المندوبة التي أتت لشركتهم لبضعة أشهر.. دوماً يضحك معها، وها هو الاجتماع الذي يترأسه هو ينتهي وهي تقف كالغريبة مثلها كمثل بقية الموظفين.
متذكرة كيف كان يفعل سابقًا، بعد نهاية أي اجتماع للشركة يتجهوا لغرفة مكتبه يمازحها قليلًا ويقبلها وهي تضحك على أفعاله الصبيانية ثم تفر منه متجهة لمكتبها.
كل شيء انسحب من تحت قدميها، ورغم وقوفها بجانبه لم ينظر إليها قط وانصرف بعدها مع تلك المرأة، تعلم أنها متزوجة، ولكن هجره له وعبوسه بوجهها يؤلمها، يضحك مع الجميع إلا هي.
...............................
منذ تلك الليلة التي أخبرها فيها مهرة أن تلتصق به، وهي كالعلقة له.. يترك لها الفراش فتتجه خلفه لتندس بين ذراعيه، بمنامتها القصيرة التي رغم حشمتها إلا أنها تفصل جسدها.. حالهم منذ أسبوع، وزفر أنفاسه بحنق:
- رقيه، كفاية شغل عيال بقى.. أنا زهقت.
فمسحت على وجهه معتذرة:
- زهقت مني يامراد.. طيب قولي أعمل إيه عشان تسامحني؟
وانزاحت من بين ذراعيه، فكل يوم يجرحها بكلماته ونفوره منها، ولكن تتحمل العقاب.. وقبل أن تهبط من فوق الفراش جذبها إليه:
- رقيه، إنتي بقيتي زوجة دلوقتي.. لازم تفهمي إن حياتنا إحنا اللي بأيدينا نبنيها وبأيدينا نهدمها ومهما كان الحب ممكن تضيع كل حاجة.. استغلي حبي ليكي صح يارقيه.
كلماته كانت حانية، هذا الرجل هو من أحبته في جميع مراحل عمرها.. وسقطت دموعها وحركت رأسها إليه:
- أوعدك يامراد إني هكون الزوجة اللي بتتمناه.
فأبتسم واقترب منها يمسح دموعها بشفتيه، لتبدأ أول ليلة يعلمها فيها كيف يكون الحب.
..............................
دفع أكرم شقيقه نحو الحائط متسائلاً:
- بتشم بودرة ياكرم؟
فدفعه كرم بعيدًا عنه:
- إنت مالك بيا ياأخي.. كل واحد وحر في نفسه.
فعاد أكرم يجذبه إليه مجددًا:
- أنا أخوك ياكرم وأكتر حد يخاف عليك.. هعالجك مش هسيبك.
وما كان من كرم إلا أن دفعه بقوة كاد أن يسقط أرضًا:
- ابعد عني.. دي حياتي وأنا حر فيها.
ليخرج من الشقة غير مصدق تملك طريق الشيطان من شقيقه بتلك الدرجة.
.............................
أصبحت سهير غائبة عن كل شيء يدور بحياة أولادها، فكل ما أمامها الآن هو العامل الذي ترى فيه الشباب.. طيلة الليل تحلم به، لتأتي للمتجر تطالع جسده بشهوة ورغبة.
وكانت تلك هي بداية.. النهاية.
...............................
أصبح يأتي لمنزله قبل انصرافها ببعض الوقت.. كانت تكمل مهامها بارتباك، أما هو أصبح لا يعلم لماذا يفكر بها طيلة الوقت دون هدف منه، فريم كان لديه هدف منها، أما علياء رغم أنها لا تناسب طبعه إلا أن بها شيء خفي يجذبه.
واتجهت إليه فحجرة الجلوس تخبره أنها ستنصرف:
- أنا خلصت كل حاجة.. في حاجة تانية مطلوبة مني؟
فتمتم ريان بشكر وهو يلقي الجهاز اللوحي الخاص به على الطاولة التي أمامه:
- شكرًا ياعلياء.
فأستدارت بجسدها كي تنصرف:
- علياء.
فعادت تلتف نحوه مجددًا، فوجدته يعطيها مالًا، فميعاد راتبها بقى عليه أسبوعًا:
- إيه ده؟
فهتف وهو يقترب منها:
- راتبك.
فحدقت بالمال الكثير ثم به:
- لسه ميعاد المرتب فاضل عليه أسبوع.
فأبتسم إليه:
- لا بأس علياء.. خذيه قبل موعده.
فوقفت تفكر قليلًا، وظن أنها ستأخذ المال، ولكن صدمه جوابها:
- افرض حصلي حاجة قبل الأسبوع ده.. يبقى ليكي أسبوع عندي شغل... لأ، هاخد حقي في وقتي.
وانصرفت بعدها دون أن تنتظر رده.
عيناه كانت تتابعها إلى أن غادرت شقته.
اليوم كان ذكرى رحيل زوجته.. عاد بعد أن قضى بعض الوقت في المقبره أمام قبرها يعتذر منها أنه كان السبب في موتها فلولا ذلك المقال اللعين ماكان خسرها.
كانت تجفف شعرها بعد أن انتهت من استحمامها ولكن عندما استمعت لغلق باب الشقه.. خرجت من غرفتها راكضه إليه تطمئن على حاله.
كانت هيئته مشعثه وعيناه حمراء.
"ياسر انت فيك حاجه"
كان صوتها يأتيه كصوتها عندما كانت تصرخ تستنجد به.. واقتربت منه بقلق تربت على ذراعه.
"انت فيك حاجه"
فأغمض عيناه ثم طالعها.
"انا كويس ياريم.. ممكن تسيبني لوحدي"
وتركها تقف حزينه من بعده عنها.. فمهما تقدموا خطوة بعلاقتهما عادوا للبدايه من جديد ولكن قررت أن لا تتركه.
فأتبعته لغرفته.. لتجده جالس على الفراش يضع بوجه بين كفوفه... فجلست جانبه.
"انا بس عايزه اطمن عليك"
لكن كان لا يأتيها الا صوت أنفاسه.
ومر الوقت وهي جالسه جانبه تنتظر أن يخبرها بمصابه ولما هو هكذا.. ومع صمته نهضت مدام جلوسها لم يأتي بفائده.
ولكن يده اوقفتها.. لتلتف إليها.. ومضت اللحظات ولم تشعر بعدها الا وهي تهوى فوق الفراش يسحبها معه لعالمه المظلم.
ومع لمساته ودفئ أنفاسه كانت تشعر وكأنها تحلق كالطير بالسماء.
رواية لحن الحياة الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سهام صادق
لمسات حانية كانت تداعب وجهه. يتظاهر أمامها أنه مازال غافي، وهي ما زالت على وضعها نائمة بقربه. تبتسم من حين لآخر، لا تصدق أنها وهبته حتى جسدها بكل رضى وحب وأصبحت امرأته. لمست يدها كانت تحرقه، لا يستطيع فتح عينيه فترى فيهما الخواء.
ومرت الدقائق وهم هكذا، هي لا تكف عن مطالعته بابتسامة صادقة وأعين تلمع بها سعادتها، وهو مغمض العينين يصارع أفكاره وقلبه الذي أصبح يريدها بشدة، ولكن ظلام الماضي ما زال بداخله. وبسببه أدخلها معه لحياة لا تستحقها.
وقرر فتح عينيه أخيراً، وتمالك مشاعره ببرودة قاسية. ولكن قبضة قوية اعتصرت قلبه وهو يرى ابتسامتها الحنونة، وسؤال واحد يدور بداخله: هل تستحق منه الألم ليشعرها أنه ندم على تلك الليلة التي أتت بسبب ضعفه؟
انتظرت منه سماع أي شيء، ولكنه كان يطالعها بصمت. فتبدلت ملامحها وقد فهمت الإجابة، فهو ندم على علاقتهما أمس.
وقبل أن تحاول لملمت شتات نفسها حتى لا يرى ضعفها، وجدته يبتسم لها.
- صباح الخير يا ريم.. نمتي كويس؟
ثلاث كلمات نطقهم بابتسامة جاهد على رسمها، أحيوا قلبها من جديد، وعاد وجهها يشرق ثانية.
لو أحداً سأله عن معنى الألم تلك اللحظة، لكانت الإجابة حاضرة: أن تجده من يحبك بكل ظلامك وعيوبك، بل ويقدم لك حياته كلها بوجه مبتسم راضٍ بالقليل.
فابتسمت وهي تتورد خجلاً من تذكرها ما حدث بينهم.
- صباح الخير.
الكلمات لم تكن تستطيع إخراجها من حلقها من شدة خجلها. تنتظر سماعه، ولكن لا شيء قاله إلا أنه نهض من جانبها متمتماً:
- اتأخرنا على الشغل.. حاولي اجهزي بسرعة عشان أوصلك في طريقي.
فتعلقت عيناها به وهو يسير نحو المرحاض. عمل، سيذهبوا إليه بعد أول ليلتهم. ولكن تلاشى حزنها سريعاً، متنهدة تقنع قلبها:
- ما انتوا مأخدتوش إجازة يا ريم.. بطلي كسل واقومي اجهزي عشان تحضري ليكم الفطار.
ونهضت بعدها بنشاط. ليمر الوقت، ووقفت تعد الفطور سريعاً، ثم حملته تضعه على المائدة. فقد صنعته بكل حب اليوم رغم ضيق الوقت، ووضعته بحماس، إلا أنه أتاها صوته وهو يحمل مفاتيحه الخاصة.
- ريم مافيش وقت، عندي اجتماع بعد ساعة.
أراد أن يهرب بعيداً عنها، لعله يرتب مشاعره. ولا يعرف أن العقل بدأ يصور كل تلك اللحظات، رغم أن القلب ما زال غافياً بعشقه.
فنظرت للطعام الذي أعدته، ثم نظرت نحوه وهو متجه نحو باب الشقة، لتحسم أمرها وتتبعه بعد أن حملت حقيبة يدها.
طيلة الطريق جلست ويداها تتلاعب بحقيبتها بتوتر، تسأله إذا كان سيعود مبكراً أم لا، وهو يجيبها بعبارات مختصرة.
وأوقف سيارته أمام الشركة التي تعمل بها، ثم التفت إليها.
- خدي بالك من نفسك.
قلبها يرفرف من مجرد كلمات لا تعني شيئاً في قاموس المحبين. يلقيها عليها ليرضي ضميره، وعندما يرى سعادتها يصرخ قلبه ويهتف: "راضية، عاشقة، محبة بفقر ما تعطيه لها."
وودعته بابتسامة مشرقة تنير وجهها المستدير، ليظل واقفاً بسيارته يطالع خطواتها وقلبه راغب بجذبها نحوه. ريم أتت إليه بالترياق، ولكن ما يفعله هو كالمريض الذي لا يرى أملاً بنفسه، فيلقي بالدواء بعيداً.
وبدأت أنفاسه تتعالى، ليسند برأسه على عجلة القيادة، زافراً أنفاسه.
- مش قادر أتحمل حبك يا ريم. بحبك وخايف عليكي من الماضي اللي مقدرتش أتخلص منه. حتى السنين ما داوتش الوجع ولا شعوري بالذنب.
.............................
اجتمعوا في منزل رقيه، فقد أتوا للمباركة لها بعد تأجيل زيارتها أسبوعين من عودتها.
- مهرة مش معقول بطنك كبرت. ده أنا كنت قربت أشك إنه حمل كاذب.
ألقت رقيه مزحتها، لتضحك ريم وهي تضع طبق الحلوى على الطاولة.
فحدقت بهم مهرة بحنق. فقد تركت العمل بمكتب السيد فؤاد بسبب وضعها هذا، إلى أن تلد لتعود مجدداً لمهنتها التي تعشقها، وأشارت إليهم.
- عقبال ما أفرح فيكم انتوا الاتنين.
فرفعت رقيه يديها عالياً.
- آمين. أنا عايزة أبقى بطيخة كده.
مرح وسعادة رقيه كان يظهر بوميض مختلف، وميض الحب الذي تحياه مع مراد.
ولكن ريم ابتلعت غصة بحلقها. طفل ومن ياسر أمنية بعيدة. فمنذ تلك الليلة وهو لا يقترب منها. رغم أنها بعد ليلتهم تلك أعدت له عشاء جميلاً وارتدت من الملابس التي كانت تخفيها، ولكن ياسر هاتفها واعتذر، فهو مع أحد أصدقائه بالمشفى.
ليلتها أطفأت الشموع، ومعها انطفأ شيء بداخلها، ولم يكن الشيء إلا حلماً جميلاً رسمته معه.
ولكن في الصباح، ومع إرهاقه، نسيت كل شيء وعاد قلبها ينبض بحبه. وأسبوع مضى منذ تلك الليلة، ولم تعد تراه إلا ليلاً عندما يحملها من فوق الأريكة التي تغفو عليها بعد ساعات من الانتظار.
لتستيقظ على قبلته الدافئة التي يلثم بها جبينها، وبعدها يمسح على وجهها يخبرها أن تغفو، ويترك بعدها الغرفة.
وفاقت على صراخ رقيه بعد أن قذفتها مهرة بالوسادة الخاصة بالأريكة التي تجلس عليها.
- كفاية تريقة، هو أنا أخلص من تريقة جاسم وأكرم تتريقي انتي عليا.
فضحكت رقيه وهي تنظر لريم.
- بقت شرسة أوي.
فابتسمت ريم وهي تشاركهم الحديث.
- لأ، مهره طيبة وحنينة يا رقيه، متقوليش عنها كده.
فأسبلت مهرة أهدابها برضى، ولكن لم تكتمل لحظة الإطراء.
- بس انتي تجنبي تضغطي على زر الشراسة اللي عندها.
وما كان من رقيه إلا أن طرقعت بكفها مع كف ريم.
- مكدبتش ولا ريم كدبت.
واتجهوا نحو بعضهم يحدقون بها، وهي تطالعهم بشراسة حقيقية، وكادت أن تنهض لتريهم شراستها، إلا أن عادت تجلس ثانية.
- لأ، مش قادرة، تعبانة. المرة الجاية أبقى أعرفكم إزاي تتريقوا عليا.
وألتقطت طبق الحلوى الذي أمامها وأخذت تلتهمه باستمتاع، وهم يطالعوها بأعين متسعة، لينفجروا بعدها ضاحكين.
.............................
أنهوا طعامهم بصمت. ونهض عمار قبلهم متمتماً بحمد.
- الحمد لله. الأكل طعمه جميل، تسلم أيديكم.
فطالعته رفيف بسعادة.
- لقد أعددته بمفردي.
فنظر هو لشقيقته التي نهضت تحمل طبقها. فحركت رأسها بتأكيد.
- أيوه يا عمار. رفيف هي اللي طبخت النهارده وبقت تتعلم بسرعة.
كان عمار سعيداً بما يسمعه. فلو أنكر علاقتهما التي بدأت تسير كالزوجين، لن ينكر قلبه الذي بدأ يخفق من تغيرها. تغيرها أصبح يعطيه مبرراً قوياً لتصديق مشاعرها نحوه. وطالعها مبتسماً.
- تسلم إيدك يا رفيف.
فاتسعت ابتسامتها، ونهضت هي الأخرى تعاون علياء في توضيب الطاولة. ليقفوا بالمطبخ، علياء تجلي الأطباق ورفيف تعد الشاي ليحتسوه سوياً.
رفيف اندمجت مع حياتهم البسيطة. رغم أن ما زالت عيوبها كما هي، ولكن مع تلك العائلة فهمت معنى الدفء العائلي.
نشأت في عائلة ثرية، أموال، دلال، لكن لا أب ولا أم. تربت على يد المربيات. تزوج والدها والدتها بعد علاقة غير شرعية، ثم طلقها ليعود بعدها لزوجته أم أولاده. والدتها كانت أمريكية مغنية في أحد الملاهي الليلية. وفي صفقة عمل بأمريكا فاز بليلة ماجنة، ولشعوره بالذنب تزوجه، ثم تم الطلاق بينهم. فحبه كان لزوجته أم أولاده وابنه ووطنه. ورغم عدم تقبلها لها، إلا أنها سمحت لها بأن تتربى بين أولادها، فلا مفر من وجودها.
وفاقت على فوران الشاي. فنظرت لها علياء بتسأل.
- سرحانة في إيه؟
فحركت رفيف رأسها بعد أن فاقت من شرودها.
- لا شيء يا علياء.
وحملت الصينية بعد أن وضعت عليها الكؤوس. لتطالعها علياء، ثم عادت تكمل مهامها كي تلحقها كي ترتشف الشاي معهم. فقد اشتاقت لشقيقها وجلساتهم تلك.
............................
عادت ريم من زيارتها لرقيه سعيدة من تجمعهم الذي بدأ يجعلها تخرج من قوقعتها.
لتجد أنوار الشقة مضاءة، متعجبة أن ياسر عاد أخيراً مبكراً. فألقت بحقيبتها على أقرب شيء قابلها، ثم اتجهت نحو الغرفة.
وقبل أن تتفوه بشيء، وجدته يعد حقيبة سفر ويضع بها ملابسه.
- انت مسافر؟
هتفت بنبرة مذبذبة. فالتف نحوها ببطء. فرغم وجود بديل لرحلة عمله، إلا أنه وافق على الفور. أراد البعد قليلاً، أراد أن يختبر بعدها عنه كما قال له الطبيب النفسي في زيارته له بعد ليلتهم:
"إذا أردت أن ترى مقدار تعلقك بشيء أخفيته من حياتك، ابتعد. لحظتها ستعلم هل بعدك أنساك أم ما زادك إلا شوق."
وجاء الحل سريعاً عندما عرض عليه ريان رحلة العمل التي من المفترض أن يذهب هو، ولكن ياسر وجدها فرصة.
الرحلة كانت للجزائر، حيث فرع الشركة الجديد لهم هناك، والمدة أسبوعين.
- لازم أسافر يا ريم. هما أسبوعين، مش هتأخر.
فتجمدت عيناها عليه، ثم على حقيبة ملابسه.
- أسبوعين.. دول كتير أوي.
ألم يكفها وجع جفائه، فضاف لوجعها البعد.
- انت بتبعد عني عشان اللي حصل بينا صح؟ انت ندمان.
وسقطت دموعها ببطء.
- ليه بتعمل فيا كده؟
فأقترب منها سريعاً، وقلبه يدمي من الألم، واحتضنها بقوة.
- هنتكلم في كل حاجة لما أرجع.. تمام.
وبعدها عنه يمسح دموعها.
- أنا لو ندمت لحظة من عمري، فهندم على معاملتي ليكي وألمك.
مع كلماته ولمساته على وجهها، رضي القلب بما يمنح إليه.
................................
ابتسم وهو يرى الرسائل التي تبعثها له، وهي جالسة جانبه على الأريكة، ولكن كل منهما يجلس على طرفها.
رسالة وراء رسالة ترضي بها رجولته وتذبذب ثباته أمام أنوثتها الطاغية.
رفيف أنثى بمعنى الكلمة، شكلاً وأفعالاً. أحياناً يشعر بالاختناق من تحررها هذا الذي مارسته مع العديد من الرجال، وأحياناً أخرى يجد عقله في سبات عميق وقلبه يتقافز بين أضلعه.
- بعدين بقى في شغل المراهقات اللي بتعمليه ده.
هتف بجمود رغم سعادته بالأمر. لتنظر إليه بعبوس.
- ما دخلك أنت؟ فأنا أفعل ذلك مع زوجي.
كانت تتحدث بمشاكسة اكتسبتها من طباع علياء.
فلم يجد عمار رداً، إلا أنه ابتسم، فظهرت غمازتيه.
فأقتربت منه رفيف تقبله على كلتيهما. وهو جلس مدهوشاً من فعلتها.
- أعشقهم بك يا عماري.
صفارات إنذار من عقله، ولكن القلب دفعه ليعود إلى سباته العميق. وبدأ القلب يتراقص إلى أن جلست على قدميه تحيط عنقه وتتدلل عليه.
فوقفت علياء تتدارى عيناها المختلسة بعيداً عنهم. لم تقصد التجسس، ولكنها كانت ذاهبة نحوهم تشاركهم الحديث، ولكن لم يعد وجودها مناسباً، وألم انغرز بقلبها، فشقيقها لم يعد لها وحدها، بل أصبح له زوجة، حتى لو كان زواجاً لم يرغب به.
وظلت بالمطبخ تنظف ما نظفته مجدداً، تخفي حالها منهم. فلو اتجهت لغرفتها ستقطع عليهم لحظتهم.
- أين علياء؟
وجه عمار سؤاله بعد أن أزاحها عنه.
- بالمطبخ.
فأمتعض منها عمار وعاد إلى رشده.
- خدي بالك من تصرفاتك قدام علياء يا رفيف. واوعاكي تنسي أن هي اللي جوه وانتي بره.
فاتسعت عيناها بغضب.
- ماذا تقصد؟ أنت تطردني؟ أنا أحب علياء صدقني، ولكن إهانتك تلك المرة قاسية يا عمار.
ودون التفاتة منها إليه، نهض متجهاً للمطبخ، ناظراً لظهر شقيقته.
- انتي لمعتي المطبخ؟ كفايه تنضيف.
فهتفت وهي تداري عنه ملامحها الحزينة، وحاولت أن تعود لطبيعتها المرحة.
- انت عارفني بحب أعمل كل حاجة بضمير.
فضحك وهو يقترب منها يمازحها.
- بتحطي ضميرك في كل حاجة إلا المذكرة.
ومع مزاحهم وحضنه الدافئ إليها.
وجدت نفسها تنفض رأسها من وسواس الشيطان لها بأن شقيقها سينساها.
نظرت لنرمين التي صعدت لسيارتها وانصرفت لخارج الفيلا وزوجها يقف ينظر لها فاتحا لها ذراعيه بعد أن وجدها تخرج من السيارة. فتجاوزت عبوسها جانبا واتجهت إليه.
- هي نرمين كانت هنا.
فأبتسم وهو يطالعها وأجاب بهدوء.
- كان في مشاكل في الأوراق الصفقة والمفروض بكرة هنقدم ورقها ومافيش وقت. فتناقشنا فيها وريان كان موجود بس مشي ربع ساعة.
كانت تستمع إليه، تسير ببطء جانبه إلى أن صعدوا لغرفتهما.
وفور أن دلفوا للغرفة، ألقت بجسدها على الفراش تضع بيدها على بطنها المنتفخة.
- بقيت أتعب بسرعة. فين أيام ما كنت كتلة من النشاط.
فضحك على تعبيراتها وجلس على الفراش جانبها.
- قصدك كتلة من المصايب.
وقبل أن تبادر بأي ردة فعل، هتف وهو يضحك على عبوسها.
- معزومين آخر الأسبوع على فرح شهاب الدميتري. أكيد طبعاً مننسنوش.
فتبدلت ملامحها.
- هو حد ينسى حضرة الظابط برضه.
وتمتمت بهمس بعد أن نهض من جانبها.
- العيلة دي ورايا ورايا. فاضل يطلعولي في الحلم.
***
قفزت رقيه بسعادة من فوق الأريكة الجالسة عليها بعد أن سمعت صوته.
- رورو.. كائن الوطواط بتاعي فين.
فوقفت بعد أن كانت تركض إليه تعقد ساعديها أمام صدرها.
- خد بعضك وارجع مكان ما كنت فيه يا مراد. أنا وطواط.
فتقدم منها ضاحكاً يحتضنها.
- مراتي وأدلّعك براحتي. في مانع يا ست أنتِ.
فأبتعدت عنه ترفع أطراف قدميها وتعانقه.
- موافقة بس مع كل دلع ميعجبنيش هتدفع غرامة.
فحرك حاحبيه بمكر.
- غرامة. بقيتي مستغلة أوي. وعلى العموم أنا عارف غراماتك من زمان.
لتتذكر كيف كان يراضيها، لتجده يخرج من جيب سترته نوعان من قطع الشوكولاتة التي تحبها للتقافز متعلقة بعنقه حتى كاد يختنق. فربت على ظهرها بحنو.
- رقيه أنا كده هتخنق. عبّري عن سعادتك بالشوكولاتة بطريقة الأزواج يا حبيبتي.
فأبتعدت عنه تنظر إليه مستفهمة.
- اللي هي إزاي ديه يا مراد.
فسحب يدها خلفه غامزاً لها.
- تعالي وأنا أقولك.
***
جلس يتأملها وهي تصنع له قالب الكعك الذي أراده. فقد أصبح دائم العودة مبكراً قبل انصرافها. وتحولت ملاحظته من الورق الذي كان يعلقه على باب الثلاجة إلى ملاحظات شفوية وهو يتذوق الطعام أمامها بالمطبخ.
عيناه كانت تدور بينها وبين شوكة الطعام.
- اليوم الطعام ممتاز.
فرفعت علياء عيناها نحوه وهي تزين قالب الكعك.
- الحمد لله إني أخيراً أخدت درجة ممتاز من ريان باشا.
كانت تتحدث بطريقتها التي اعتاد عليها، فقهقه بصخب وهو يمسح فمه بالمنديل.
- أردت أن أجبر خاطرك اليوم.
فطالعته بتذمر وهي تلوي شفتيها بامتعاض.
- شكراً.
رغم عبوس وجهها إلا أنه كان سعيد بكل شيء يعيشه معها حتى لو كانت مجرد دقائق معدودة. لينظر إليها وهي تركز في تزين الكعكة التي أوشكت على الانتهاء وهو يتمنى أن يلتهمها هي وليست الكعكة، فهو لم يكن يوماً من محبي الحلوى، ولكن لم يجد شيئاً يؤخرها عن موعد انصرافها إلا أن يطلب منها أن تصنع له كعكة يتناولها بعد طعامه متذكراً.
***
نظر بشير نحو العائشة التي تجلس أمامه متوترة في المطعم الخاص بشقيقته، وأعين ورد وليليان تنظر إليهم بفضول.
فانتبه بشير لزوج العيون المحدقة به.
- لم يتبقى سوى كنان لأكون محاصر.
فأبتسمت عائشة بخجل ليتأملها بشير بحب. فهو أراد محادثتها اليوم ليخبرها بمشاعره وخطوته في إخبار كنان بكل شيء حتى يتقدم لخطبتها.
- أصبحتي جميلة بالحجاب يا عائشة.
فوضعت عائشة بيدها على حجابها تتلامسه بسعادة.
- ورد وليليان أخبروني بهذا. أنا سعيدة بهذا الأمر.
كان قلب بشير يتراقص وهو يراها بهذا الحماس، لتقع عيناه على شقيقته وهي تعزف له بيدها بحالمية وكأنه تحمل الكمان بين ذراعيها، فعض على شفتيه بحنق.
- انهضي يا عائشة لنبحث عن مكان آخر.
وحدق بقوة بشقيقته وورد التي أخذت تضحك على أفعال ليليان، لتلف عائشة نحوهم فتضحك هي الأخرى.
- ثلاث مجانين اجتمعوا ليكونوا أصدقاء.
قالها بشير بهمس لنفسه، ليتنهد متمتماً بخفوت.
- لماذا الأمر صعب هكذا. اهدأ يا بشير وأخبرها سريعاً بمشاعرك.
ومن دون مقدمات هتف.
- عائشة أنا أحبك وأريد الزواج منك.
فألتفت نحوه ببطء متسعة العينين، بعد أن كانت عيناها نحو الجهة الأخرى.
ولكن تصفيق عالٍ أتى من خلفه وصوت ساخر.
- حب وزواج سيد بشير. لذلك تهرب مني.
كانت عين كل من ورد وليليان عالقة نحو سيلا التي عادت لاسطنبول بعد رحلتها وتقدمت من عائشة مالت نحوها.
- كان يحبني وأنا خطيبة شقيقك. وبعدها تلاعب بكي أنتِ.
الصدمة كانت متسعة بعينيهم.
- سيلا.
فألتفت نحو صوت كنان الغاضب فلم تجد إلا صفعة على وجهها.
- اخرسي.
الكل وقف صامتاً، فوضعت هي يدها على وجنتها متألمة تنظر إليه.
- أنتِ أسوأ اختيار قمت به بحياتي.
واقترب منها بحقد.
- كنت أعلم بالأمر. لست أنا من تتلاعب به النساء. لا أريد رؤيتك في عائلتي مجدداً.
فحدقت به بغل وسارت من جانبه لتهمس بجانب أذنه كفحيح الأفعى.
- إيلام هنا ومعاها طفل بالعاشرة.
لتتجمد ملامحه من ذكرى الماضي، لتقف عيناه على ورد الواقفة تطالعه بترقب.
***
وقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها حانقة، فبكت وهي تتذمر.
- الفستان ضاق. بقيت شبه الفيل.
وأخذت تدور حول نفسها تنظر لبطنها البارزة، ثم تحسست وجهها لتقع عيناها على أنفها واقتربت من المرآة أكثر محدقة.
- هي مناخيري كبرت ولا أنا بيتهيألي.
كان قد جهز نفسه من زمن وانتظرها بالأسفل ولكن صعد بعد أن بعث لها هدى مرتان وتعود لتخبره بأنها دقائق وستأتي.
فالدقائق مرت وهي لم تهبط، ودلف للغرفة ليقف مصدوماً وهو يجدها تحادث نفسها حانقة.
- أعمل إيه دلوقتي في مناخيري ديه.
فانفجر ضاحكاً وهو يقترب منها.
- أنتي اتجننتي يا مهرة.
فطالعته بوجوم وحركت رأسها له تخبره أنها بالفعل قد جنت.
فعادت ضحكاته تتعالى.
- هنتأخر يا حبيبتي.
فتذكرت المكان الذاهبين إليه بضيق، ستتلاقى بعايدة ونرمين بالتأكيد فهذا عرس شقيقهم ونظرت إليه تسأله.
- جاسم حاول تكذب عليا وقولي إنّي طالعة حلوة.
ثم نظرت لجسدها.
- قولي إني قوامي ممشوق. وجسمي جسم غزال.
فتعلقت عيناه بها، وتحرك للخلف يحدق بها.
- يعني لما أقولك كده هتصدقيني.
فحركت رأسها له بحماس، فأقترب منها يقبل جبينها ثم ابتعد عنها مبتسماً.
- قمر يا حبيبتي. أنتي ماليكان يا قلبي.
فأستنكرت حديثه.
- أنت بتكذب عليا.
وما كان منه إلا أن ضرب كفوفه ببعضهم.
- الصبر يارب. قوليلي طيب أعملك إيه.
فدمعت عيناها، ليزفر أنفاسه ببطء.
- أنا بقيت حساسة أوي يا جاسم، وأنت السبب. هما قالوا إن الست لما تتكتئب يبقى السبب من جوزها.
ولم تشعر بعدها إلا يجذبها من مرفقها بعد أن ألتقط حقيبتها وهندم لها حجابها.
- ده أنا اللي جالي اكتئاب.
وبعد نصف ساعة، كانوا يدلفون لحفل الزفاف تتعلق بذراعه وترسم على شفتيها ابتسامة هادئة وتمازحه بلطف وهو يبتسم.
وأول من تقدمت نحوهم عايدة التي رمقتها بنظرة لطيفة لأنها بجانبه، ولكن داخلها يود أن يحرقها مما فعلته، فأبنتها قد خطبت لذلك الشاب الذي تحبه وقد ربحت الجولة.
وتقدمت ابنتها بخطيبها تعرفه عليها، لتقف عايدة تحادث جاسم وعيناها تشع نيران من الغضب نحو مهرة وجاسم يستمع لكلمات الشكر من الفتاة والشاب لزوجته فيزداد فخره بها.
ومر الوقت لتجلس هي على إحدى الطاولات تنظر حولها.
مشاهير، إعلاميين، وفنانين، ورجال أعمال. الكل يضحك ويجامل الآخر بنفاق.
وعايدة تتهادي بخطواتها وفستانها المجسم من حين لآخر أمامها، ولكن هي كانت تنتظر ظهور واحدة، نرمين.
ووقعت عيناها أخيراً على نرمين، كانت رائعة بفستانها أعين الكثير من الرجال انتقلت نحوها.
ووجدتها تتجه نحو زوجها، فعلمت أن هدف كل تلك الأناقة والابتسامة المتسعة ليس إلا لجاسم.
وسمعت ضحكات عايدة التي جلست جانبها على المقعد المجاور لها.
- شايفة لايقين على بعض إزاي. مش عارفة إزاي جاسم مقتنع بيكي زوجة. ده حتى أنتِ نسب ميشرفش بأخوكي الحرامي وأمك اللي كانت فاتحة محل بقالة. دخلتي عالم مش بتاعك.
لم يوجعها كلامها المسموم إلا حديثها عن والدتها، والدتها المرأة المكافحة. عار، هل كان الفقر والعمل في يوم ما عاراً يسئ لصاحبه؟ وتجمدت يداها على كأس العصير القابع بيدها. أرادت أن تسكبه بوجهها ولكن عندما نظرت لزوجها وهو من حين لآخر يطالعها تمالكت نفسها. ما يمنعها عنها هو، لا تريد لأحد أن يعيب بها. وألتفت نحوها ببطء.
- حاجة واحدة بس اللي منعتني عنك. لولا جاسم وإني عرفت السبب اللي بيخليكي تعملي كده.
وابتسمت وهي تنقل عيناها على زوجها.
- عايزة تظهري للناس إني إنسانة همجية.
وارتشفت من كأسها وهي تطالع زوج عايدة وهو يقف مع زوجته الأخرى.
- بصي على جوزك وهتعرفي سبب جوازه من واحدة دون المستوى. ولما تعرفي الإجابة منه تعالي قوليلي أفيديني ونعرف ليه الزواج بيسبب بنات الحسب والنسب ويروح يدور على الناس الدون مستوى.
كانت عين عايدة جاحظة على زوجها وهو يقف مبتسماً مع غريمته رغم أنها نبهت عليه أن لا يأتي بها اليوم معه.
وعندما رأت حالتها تلك، نهضت مهرة بهدوء.
- هروح أشوف جوزي بدل ما واحدة من عائلات الحسب والنسب تفضل تلف وتدور حواليه.
لتقع عين عايدة على شقيقتها وقد فهمت مقصدها.
***
جاء تعبها في صالحها. قلة الطعام وضعف بنيتها جعل جسدها يبدأ في الهزلان ومع الأجواء الباردة أصابتها حمى ونزلت برد قوية.
مال نحوها يضع يده على رأسها يتحسس جبينها.
- الحمد لله. الحرارة نزلت.
وتنهد براحة، لتبتسم وهي تميل بجسدها نحو الوسادة لتتسطح.
وكاد أن ينهض من جانبها.
- خليك جانبي يا كريم.
فظل بمكانه ينظر إليها، فأغمضت عيناها، ليمد كفه يمسح على وجهها برفق.
كان قلبها يخفق بقوة. كريم مازال يحبها ولكن يعاقبها بسبب جرح كبريائه وسقطت دموعها ببطء وهي تضم كفه بيدها.
- بتعيطي ليه دلوقتي.
كانت تبكي بصمت، فخرج صوتها ضعيف.
- وحشتني حنيتك عليا يا كريم. أنا عارفة إني أنانية وبنسى ساعات اللي حواليا بسبب حبي لنفسي. صدقني غصب عني يمكن عشان اتربيت إن كل حاجة مجابه ليا رغم ضيق حال أهلي إلا إنهم كانوا بيعملوا على قد ما بيقدروا. دخلت الجامعة الأمريكية وكان عالم جديد عليا بصيت لفوق. عيني بدأت تلمع على حاجات عمري ما شفتها. بس رغم كل عيوبي كنت صادقة في حبك.
سمعها بحب وقلبه يألمه على قسوته معها الأيام الماضية.
وزفر أنفاسه بعد صراع طويل بين قلبه وعقله، فمال نحو جبينها يلثمه.
"خفي عشان أخدتِ انتي والولاد فسحة حلوة."
وكان الصفح على هيئة كلمات.
***
الأسبوعان قد أوشكوا على الانتهاء. كل يوم يهاتفها يسأل على حالها وحال والديها. دقائق معدودة ثم ينتهي الحديث.
كانت جالسة على الفراش بإنهاك بعد أن وضبت المنزل ولم يتبقَّ سوى غرفته. لم تذهب للجلوس في بيت والديها بعد سفره، بل ظلت في الشقة تنام على فراشه. تقضي اليوم بعملها ثم تذهب لبيت والديها لتعود ليلاً للنوم.
لا تعرف لماذا أرادت البكاء، ولكن قلبها بدأ يؤلمها. وجدت الرجل الذي كانت تنتظر ملاقته، ولكن لم تجد حبه بل الألم. معه صدقت كلمات "نزار قباني" عندما قال في أحد أشعاره:
"أحبك جداً وأعرف أني أعيش بمنفى
وأنت بمنفى
وبيني وبينك
ريح
وغيم
وبرق
ورعد
...
ونار"
وعندما وجدت بكاءها قد طال، مسحت دموعها وتذكرت غرفته التي يجب عليها تنظيفها بإتقان.
***
تقدمت منه تحمل فنجان القهوة، وعيناها مسلطة على الفندق الذي يطالع تخطيطه قبل وبعد التنفيذ. فظلت على وقفتها مائلة تنظر لشاشة حاسوبه الشخصي وتغير من وضع فنجان القهوة على الطاولة حتى كاد أن ينسكب.
فسألها وهو يختلس النظرات إليها ويكاد أن يضحك:
"ما الأمر يا علياء؟"
فتعلقت عيناها بصورة الفندق بعد الإنشاء.
"جميل أوي شكله."
وبدأت تثرثر دون شعور منها:
"تعرف أنا كان نفسي أبقى مهندسة بس الظروف حكمت أدخل معهد."
شعر بحزنها ببعض الكلمات.
"لما لم تدخلي ما رغبتي؟"
فطالعته ثم طالعت الفندق مجدداً.
"محبتش مجموع. بابا وماما ماتوا في نفس السنة الأخيرة ليا في الثانوي. الدنيا ساعتها انتهت من حياتي."
ألم اعتصر قلبه وهو يسمعها. لأول مرة يتألم من أجل أحدهم. أحب قربها وحديثها. فاستغل انبهارها بما تشاهده وأسئلتها عن المعمار. فجلست على طرف الأريكة التي يجلس عليها لتستمع له. يتحدث ويغرق في ملامحها التي تتحول من الانبهار للاستفهام والتفكير.
ولم يقطع حديثهم إلا رنين جرس المنزل، لتنهض على الفور من فوق الأريكة مدركة خطأها.
"أنا قعدت هنا إزاي؟"
فضحك وهو يطالعها.
"كنتي غافية يا علياء. اذهبي للمطبخ لترَي وسأرى أنا من الطارق."
واتجه كل منهما لوجهته. ففتح ريان الباب لينصدم من وجود نريمان أمامه.
"هالو ريان. اشتقت لك."
فتهجم وجه ريان.
"ماذا تريدين يا نريمان؟ سمعت بخطبتك من ثري خليجي. ألن أتخلص من وجودك؟"
فحركت شفتيها بإثارة.
"لا عزيزي، لن تتخلص مني."
ودلفت لداخل الشقة، تنظر حولها.
"انتقلت لشقة أخرى. ذوقك دوماً ممتاز."
فزفر أنفاسه بحنق، وأغلق الباب بقوة وسار خلفها بضيق.
فاتجهت بأنظارها على أركان الشقة وجلست على أحد المقاعد تضع ساقاً فوق الأخرى.
"جئت أتحدث معك في مشروع يا ريان."
فجلس ريان هو الآخر ينتظر سماع حديثها إلى أن بدأت في إخباره عن المشروع. ولكن توقفت وهي تجد علياء تدلف إليهم تتنحنح بحرج وعيناها عالقة على ناريمان بفستانها القصير.
"أنا خلصت شغلي."
فنهض ريان واتجه إليها.
"تمام. لا تأتي الفترة المقبلة حتى تنتهي امتحاناتك."
وانصرفت بعد أن حركت له رأسها بالإيجاب. فصفقت ناريمان بيدها.
"ريان يعامل خادمة بكل لباقة وذوق. أرى تقدماً هائلاً في حياتك عزيزي."
فرمقها ريان بأعين جامدة، لتهتف:
"أخبرني ما رأيك بالمشروع؟"
***
ألبوم من الصور، وجريدة. كل هذا أمامها منذ ليلة أمس. ياسر كان متزوجاً قبلها. كانت لديه زوجة قُتلت.
وانتقلت عيناها نحو الفتاة الجميلة، تتأملها للمرة المئة. وتلتقط من حين لآخر دبلة زواجهم وحذاء صغير وردي.
صندوق وجدته أسفل الخزانة لم يكن مغلقاً. فيبدو أن ياسر لم يغلقه. لتأتي لها كل الحقيقة دون ترتيب.
وسقطت دموعها ببطء.
"هو ده الماضي يا ياسر."
***
قذف الجهاز اللوحي الخاص به بقوة على مكتبه بعد أن رأى ما نُشر على الكثير من المواقع الخاصة بتداول أخبار صفوة المجتمع.
"رجل الأعمال جاسم الشرقاوي تزوج من أخت سارق اقتحم فيلته. وسؤال يطرحونه: كيف أحب أخت سارق؟ ولماذا تم إخفاء هذه الحقيقة؟ ولماذا عملت لديه بشركته ثم تزوجها؟"
لتدلف مهرة في تلك اللحظة غرفة مكتبه تبتسم.
رواية لحن الحياة الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم سهام صادق
جلس أكرم بجانب شقيقته يمسح على وجهها من أثر الدموع بعد أن فاضت له بكل شيء. هي تعلم أنها المقصودة بذلك الخبر، حتى أنها تعلم بهوية الفاعل، ولكن بماذا سيفيد الكلام؟
"أكرم، أنا ليه بيحصل معايا كده؟ ليه محدش عايز يسبني في حالي؟ لما كنت بنت عادية كنت بعاير بشكلي، وإن عمر ما حد هيقبل يتجوزني. أسمعهم وهم بيتهامسوا عليَّ وأقول لنفسي: مش مهم الناس كده كده بتتكلم. اتجوزت جاسم، شايفني قليلة عليه وإني مستحقوش، مع إن عمري ما كان حلمي أتجوز واحد غني ومعاه فلوس. كل اللي كان نفسي فيه أتحب، وحد يفهمني ويحتويني."
وعادت دموعها تهطل بتدفق.
"تعرف أنا اتربيت إزاي؟ بشاعة الناس وجشعهم هما اللي ربوني."
كان أكرم يطالعها بألم وحزن، يستمع إليها بصمت يريدها أن تخرج كل ما يجثم على قلبها.
"أمي كانت بتتهان قدامي. أمك سوّت ليها سمعتها بين الناس لما جات فضحتها إنها أخدت جوزها منها، مع إنها هي اللي جوزتها ليه واترجتها تتجوزه. الستات كانت تخاف لتسرق جوزها منها. كانت بتسمع إهانتها وتسكت."
فأغمض أكرم عينيه وهو لا يتخيل بشاعة والدته لهذا الحد. سهير لم تتغير يوماً.
"لقيت نفسي بكبر على كسرة ودموع أم، الغلطة الوحيدة اللي عملتها إنها صدقت وعود."
ونهضت من جانبه تصرخ بألم.
"نرمين عايزة جوزي، وعايدة بتكرهني، وسهير شايفة إني عمري ما هنجح في حياتي وجاسم هيطلقني وهتبقى حياتي زي أمي، وحيدة منبوذة."
فلم يعد أكرم يتحمل رؤيتها هكذا، فنهض يضمها بقوة.
"مهرة خلاص، أهدي."
فتعلقت به تكتم شهقاتها على صدره.
"جاسم بيخاف على سمعته أوي يا أكرم، مبيحبش حد يتكلم عن حياته. قالوا إزاي حبوني وإن أخويا حرامي سرق بيته."
فضغط أكرم على شفتيه بجمود وهو يلعن أفعال شقيقه المتهورة. فقد ترك البيت بعد آخر خلاف بينهم ليقيم مع رفيق له، ووالدته كالعادة لا تفعل شيئاً إلا أنها تعطيه المال. فتمتم أكرم بندم.
"أنا آسف على اللي عمله كرم يا مهرة."
فأبتعدت عنه ترفع عيناها نحوه.
"متعتذرش يا أكرم، أنا مش زعلانة من كرم، لأن هو برضه مجني عليه في حياة اتكتبت علينا إننا نكون ولاد لأب معرفش يبقى أب حقيقي لينا."
فطأطأ أكرم رأسه أرضاً وهو يعلم أنها الحقيقة. فمن دمر شقيقه كرم ليصبح شاباً عابثاً هي سلبية والده رحمه الله وتحكم والدته.
..............................................
أقتربت نرمين من شقيقتها بتمهل تتفرس معالم وجهها المبتسمة. فرفعت عايدة عيناها نحوها.
"إنتي اللي ورا الخبر ده يا عايدة."
فتركت عايدة هاتفها تنظر إليها ثم ضحكت.
"عشان تعرف تلعب معايا كويس. أنا عايدة الديمتري، حتة بنت مكنتش تساوي حاجة تقف تتحداني."
فحدقت نرمين بشقيقتها وهي تعلم أن الأمر أكبر من مساعدتها هي لتنال جاسم. فشقيقتها تثأر لنفسها ليس أكثر. وأقتربت منها تجلس جانبها تربت على ذراعها.
"عايدة، إنتي لازم ترجعي تتابعي مع الدكتور تاني."
فنفضت عايدة ذراعها عنها ونهضت وهي تهتف بغضب.
"إنتوا شايفني مجنونة."
وأنصرفت من أمامها كأنها تهرب من حقيقة مرضها المخفي. مرضها الذي كانت زوجة أبيها سبباً فيه. حرق وضرب وحرمان، ولم تكن إلا طفلة في العاشرة. لتكبر ويكبر معها حقدها على الناس.
وتنهدت نرمين بأسى. رغم كره عايدة لوالدتها.
فتزوجها بعد أن توفت زوجته الأولى لتربي عايدة كابنتها، فهي خالتها.
ولكن لم تكن الخالة إلا زوجة أب مارست معها كل أنواع العنف.
ورغم كل ما فعلته به والدتها لم تكرهها هي وشهاب.
.................................................
كانت تسير بالغرفة دون هوادة وهي تنتظر قدومه. وسمعت صوت سيارته، فاتجهت نحو الشرفة لتجده يهبط من السيارة.
فلم تجد شيئاً تفعله إلا أنها ركضت نحو الفراش تجلس عليه، تتذكر حديث رقية لها أن لا تتحدث بالأمر، ما دامت جاسم لم يتحدث به معها.
فهي لم تعرف الخبر منه رغم تبدل ملامحه، إنما اكتشفت الأمر من رقية. فغضبه برره لها أنه بسبب العمل، ثم انصرف بعدها.
دقائق مرت وهي تجلس تفرك يداها بتوتر. إلى أن دلف للغرفة وسألها بهدوء.
"لسه صاحية."
أندهشت من هدوئه العجيب، وكأن شيئاً لم يحدث. وتعلقت عيناها به وهو يتحرك بالغرفة، ثم ألقى سترته بأهمال.
وأقترب منها يجلس جانبها على الفراش يمازحها بلطف.
"ياسلام يا مهرة لو تقومي تجبلي عشا هنا.. لحد ما آخد حمام دافي."
ومال نحو وجنتها يقبلها بدفء.
"هكون شاكر لخدماتك."
فأبتسمت وداخلها صراع أن تسأله هل هو غاضب منها ويتظاهر بالهدوء، أم أنه قد نسي الأمر؟ ولكن كيف سينساه وملامحه بالصباح كانت لا تبشر بالخير.
وحركت رأسها بلهفة ونهضت من فوق الفراش.
"حاضر."
فزفر أنفاسه بقوة وهو يطالعها كيف هرولت من أمامه لتلبي طلبه.
وأخذ يمسح على وجهه بأرهاق وهو يعود بذاكرته لذلك الخبر الذي أفسد يومه. الفاعل كان مجرد صحفي مبتدئ، هذا ما وصله بمكتبه، ولكنه يعلم أن ما وراء الأمر شخص آخر أكبر، يقف خلف الكواليس.
ونهض بثقل من فوق الفراش ينفض رأسه عما حدث اليوم.
.................................................
صعدت له بالطعام بعد وقت لا بأس منه وداخلها تحدثت مع نفسها. ودلفت الغرفة بخطوات بطيئة لتقع عيناها عليه فوجدته يجفف شعره بالمنشفة. فأبتسم إليها.
"تسلم إيدك ياحببتي."
فوضعت الطعام على أقرب شيء أمامها وهتفت بتوتر.
"جاسم، هو إحنا ممكن نتكلم."
فنظر للطعام ثم إليها.
"عارف يا مهرة إنتي عايزة تتكلمي في إيه."
وألتقط صنية الطعام ليشرع في تناول بعض اللقيمات.
"إنسي الموضوع ده.. مجرد صحفي حب يعمل شوشرة على حياتي الخاصة."
فجلست جانبه تنظر إليه بتمعن وكادت أن تفتح فاها لتتحدث، ولكن وجدته يدس بفمها لقمة من الطعام مبتسماً.
"بلاش نتكلم يا مهرة في الحكاية دي."
وعادت تحاول أن تتحدث معه. ولكن لقمة أخرى كانت تحشر بفمها ليغلقه.
"مش محتاجين نبرر لحد حياتنا ولا نجاوب على أي سؤال خاص بينا. بدايتنا ابتدت بكرم، لا إنتي جيتي ضحكتي عليا عشان أتزوجك ولا أنا خايف من حاجة ولا من حد."
عيناها كانت عالقة بكل كلمة يتفوه بها. لم تبدي أي رد فعل إلا أنها أخذت تمضغ الطعام الذي بفمها حتى ابتلعته. وفور أن أزاح صنية الطعام عنه، اندفعت نحوه تتشبث به بقوة.
"جاسم، أنا بحبك قوي."
وأخذت تبكي وتتمتم بحبها له. وهو يضحك ويضمها إليه.
"يعني حتى في حبك نكدية ياحببتي."
فأبتعدت عنها تمسح عيناها بكفيها.
"لأ خلاص مش هعيط."
فأبتسم بحب وهو يجذبها نحوه هامساً.
"تيجي نهرب يومين لأي مكان نبقى فيه لوحدنا."
وانتظر إجابتها التي لمعت في عينيها. فحركت رأسها بحماس.
"بجد يا جاسم."
فداعب ذقنها بأنامله برقة وضحك وهو يرى حماسها الطفولي.
"قومي نجهز نفسنا.. عشان تعرفي إنه بجد."
....................................................
وضع كنان وجهه بين راحتي كفيه مفكراً في الماضي.
أيلا التي كانت أول حب بحياته. تزوجها رغماً عن والدته، عارضت الزيجة بشدة لأنها ليست من عائلة ثرية. ولكن هو كالمعتاد يفعل ما يرغب.
ليضعها أمام الأمر، فترضخ لرغبته. عاشوا معاً عام أغدقها فيه بحبها لتأتي يوماً له تخبره أنها لم تعد تطيق تلك الحياة. وبعد أن كان الحب هو من يغلف حياتهم بدأ ينطفئ. وكما بدأت حياتهم انتهت بنفس السرعة.
وانتبه على صوت هاتف مكتبه. ليمسح على وجهه لعله يفيق من شروده. ورفع سماعة الهاتف لتتجمد نظراته وهو يسمع صوت سكرتيرته تخبره بهوية من يريد مقابلته.
فوقف من فوق مقعده وهو ينتظر قدومها. فسيلا لم تكذب ميلاً هنا.
وبعد دقيقة كانت تدلف أحداهن وقد غيرها الزمن للأجمل.
"كيف حالك كنان.. لقد غيرك الزمن."
واقتربت منه تمد يدها إليه تصافحه. وظلت للحظات يدها ممدودة له وهو يقف ساكناً. وسريعاً أدرك شروده فصافحها.
"لما عدتي أيلا."
فرنت قهقهتها عالياً وجلست على أحد المقاعد مبتسمة.
"عدت من أجل مشروع خاص سأفعله هنا بتركيا كنان."
وتنهدت بألم وهي تخفض رأسها أرضاً.
"ولسبب آخر يجب أن تعلمه."
فجلس قبالتها ينتظر منها أن يسمع السبب. وهو يخشى الإجابة.
ومرت اللحظات بصمت إلى أن جاء وقت الحقيقة.
"جئت لأعرف ابننا عليك كنان."
................................................
وقفت في الشرفة تنظر لمياه البحر بغبطة وتتنفس الهواء بأنتعاش. لا تصدق أنها هنا بالغردقة. لا تعلم كيف ومتى تم الحجز بالفندق، ولكن الأمر لا يفرق معها ماداموا سوياً.
وتعلقت عيناها بالشاطئ وهي تشعر بالرغبة في الذهاب نحوه والجلوس على الرمال. وتذكرت جاسم. فألتفت نحو الفراش فوجدته مازال غافي يدفن رأسه أسفل الوسادة وينام بعمق.
لتبتسم وهي تتجه نحوه. وجلست على طرف الفراش تيقظه.
"جاسم، إحنا بقينا العصر. هتفضل نايم لحد إمتي."
وكزته على ظهره بخفة لعله يستيقظ ولكن لم يفيد الأمر بشيء.
"جاسم.. يا جاسم.. يا جاسم."
وظلت تردد اسمه إلى أن فتح عيناه وأزاح الوسادة عنه ملتفتاً إليها.
"في حد يصحّي حد كده.. راعي إني كنت سايق العربية أكتر من 5 ساعات على الطريق."
واعتدل في رقدته يفرك عيناه ليفيق.
"ما أنا بحاول أصحيك من بدري.. وكمان عايزني أصحيك إزاي."
فأرتسمت شفتيه بأبتسامة ماكرة.
"في حبيبي.. حياتي.. روحي.. عمري.. وتبوسيني مع كل كلمة."
فحدقت به كالبلهاء تشير نحو نفسها ثم نحوه.
"تفتكر أنا ممكن أعمل كده."
وتأوهت بخفوت ثم ضحكت بعد أن جذبها من ملابسها بحنق.
"مش فالحة غير تدي نصايحك لغيرك.. بتيجي عند نفسك خيبة ياحببتي."
فحركت رأسها بأسف تلوي شفتيها بأمتعاض.
"عندك حق.. من يومي خيبة. هننزل نتفسح إمتى؟ الجو جميل أوي."
كان يطالعها وهي تحرك له رأسها بوداعة. أصبح يفهم متى تستخدمها. وضحك بخبث وجذبها نحوه.
"أستاذة في لف الحوار عشان تفلتي من الحوار الأساسي.. تعالي بقى أوعيكي بدل ما إنتي خيبة كده."
ليعلو صوتها بهتاف "عايزة أتمشى على البحر". وكما أيقظته انتهى الأمر كما يرغب.
................................................
جلست علياء ترتشف الشاي معهم تتجاذب الحديث مع شقيقها ورفيف التي تقص إليه مغامرتها اليوم بالمطبخ. لتضحك علياء بصخب متذكرة ما فعلته.
"كنت هتولع في البيت النهارده.. والبتنجان اتحرق."
وتابعت وهي تكاد تنفجر من الضحك كلما تذكرت هيئتها في تلك اللحظة.
"ومفيش على لسانها إلا سنحترق.. أين سيارة الإسعاف."
فضحك عمار وهو يطالع زوجته كيف تحدق بشقيقته بتذمر وعلياء لا تكف عن المزاح. ما يجعله سعيد بالتغير الذي طرأ على رفيف. إلا أنها اندمجت مع شقيقته رغم فكرها المتحرر الذي لا يناسب حياتهم، ولكن تغيرها يعطي أملاً له بأن تتغير بالكامل.
"إنت تستمع ومبتسم عمار."
فتنحنح عمار وتمالك صوت ضحكاته.
"كفاية يا علياء.. ما إنتي ليكي ذكريات في المطبخ وعمايل سودة عملتيها فيها."
وبطريقة مسرحية غطت علياء عيناها بكفيها.
"داري عليا ده أنا غلبانة."
وما كان من رفيف إلا أنها قفزت من فوق الأريكة بحماس.
"لأ عمار أخبرني.. حتى أسخر منها مثلما تفعل معي."
فأزالت علياء كفوفها عن عيناها. لترفع أحد حاجبيها بتذمر.
"كده يا مرات أخويا عايزة تسخري مني.."
يخونك الفسيخ اللي اشتريته ليكي عشان ناكله بكره.
وكما قفزت رفيف، جلست ثانية على الأريكة بهدوء.
ليحدق عمار بشقيقته ثم برفيف.
- نهارك أسود، هتأكليها فسيخ؟ أوعي، ديه معدتها مش زينا.
فأستاءت رفيف من حديثه.
- لما عمار، أنت أيضًا تسخر مني حتى في الطعام.
وكاد أن يبرر السبب، ولكن طرقات على باب المنزل أنهت الحديث. فنهضت علياء من فوق المقعد هاتفة:
- ديه أكيد نجلاء صاحبتي، لسه باعثة لي رسالة إنها قربت توصل.
فطالعها عمار بتفهم وجلس على مقعده. ولكن صدرت شهقة من شقيقته ثم أغلقت الباب بقوة، تنظر نحوه ونحو رفيف التي تعجبت من فعلتها.
- أخوكي واقف بره.
وركضت نحو غرفتها تداري نفسها بخجل. أما ريان وقف يضحك على هيئتها فيما كانت ترتديه، فقد كانت ترتدي عباءة منزلية وتضع الزنط الخاص بها على رأسها.
فمجيئه لهنا ما كان إلا من أجلها. ووجد عمار يفتح له الباب محدقًا به بتعجب من قدومه.
- ألن تدعوني للدخول يا عمار؟
فأشار إليه عمار بأن يدلف. لتقف رفيف مندهشة من قدومه. فتقدم ريان ببطء ينظر حوله للشقة البسيطة التي تقطن بها شقيقتها، متعجبًا من حال شقيقته التي اعتادت على الحياة الرغدة.
وابتسم وهو يفتح لها ذراعيها، لتتجه إليه تحتضنه بقوة، لا تتذكر أنه احتضنها هكذا من قبل.
ووقف عمار يطالعهما. أما علياء كانت تختلس النظرات متلصصة من باب غرفتها تبتسم بسعادة.
ومر الوقت وأخذ عمار يتحدث مع ريان ورفيف تشاركهم الحديث. وأقتربت منهم علياء بالمشروبات مطأطأة الرأس تخشى أن يفضحها ريان أمام شقيقها ولكنه وعدها. واستمعت لحديثهم قبل أن تعود لغرفتها. فريان يعرض على شقيقها أن يسافروا لكندا من أجل أن يتعرف على عائلتهم ويراه والده.
***
أخبرها أن عائد الليلة. كانت الألم يجثو على روحها من ذلك اليوم عند علمت ماضيه المظلم. الحقيقة قد ظهرت ولكن على الحقيقي أدركت أن لا وجود لها معه. وفاقت من شرودها على صوت فتح باب الشقة ثم دلوفه بخطوات هادئة يهتف باسمها بعد أن وضع حقيبته جانبًا.
- ريم.
وتقدم بخطواته بقلق يخشي هجرانها. رغم عذابه لها إلا أنه لا يريد أن تفارقه. يعلم أنها منذ أن دخلت حياته أصبح أناني بحبها.
وفور أن وقعت عيناه عليها وهي تقف بجانب الأريكة التي كانت جالسة عليها، أسرع نحوها يضمها بشوق.
- وحشتيني.
كانت ذراعيه تطاوقها بقوة، يدفهنها بين أضلعه وهي تقف متصلبة.
وابعدها عنه يمسح على وجهها بحنان.
- المرة الجاية هاخدك معايا.
فأبتسمت بشحوب، متذكرة صور زوجته الراحلة التي كانت كالملاك بضحكتها البريئة. صور كثيرة كان يحتفظ بها بجانب حقيقة مقتلها.
- ادخل غير هدومك لحد ما أحضر لك العشا.
فأبتسم بحب. فقد اشتاق لكل شيء بها، اشتاق لحنانها، لمعة عيناها المحبة ونبرة صوته الدافئة. بعده عنها ما زاده إلا اشتياق.
يحبها دون شك ولكن قلبه يحتاج أن يخرج من سردابه.
وابتعدت عنه لتجهز له الطعام ولكن الحقيقة بأن تهرب منه. تستجمع شجاعتها لباقي تلك الليلة.
رواية لحن الحياة الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم سهام صادق
أغلقت سهير هاتفها سريعا بتوتر بعد أن سمعت طرقات أكرم على باب غرفتها.
- تعالي يا أكرم.
ليدلف أكرم، وتتقدم من فراشها تجلس بجانبها.
- عايزة أتكلم معاكي شوية.
فربتت سهير على يده.
- اتكلم يا حبيبي.
وفور أن بدأ حديث أكرم عن شقيقه، هتفت سهير بامتعاض.
- عايز تسوء سمعة أخوك وتطلعه مدمن؟ ولعلمك، إن سألته وقال لي إنه مش بيشرب غير حشيش والخمرة، وفين وفين ما كل الشباب بتشرب عادي يعني.
ونهضت من فوق فراشها تدور بالغرفة بحنق.
- أنت من كتر قعدك مع بنت زينب، بقيت تكره أخوك وتتهمه بالباطل.
فوقف أكرم مصدومًا منها، حتى وهو يخبرها أن شقيقه مدمن ويجب أن يذهب للمصحة، لا ترى شيئًا وتبرر له.
- أنتِ مصدقة كلام ابنك؟ بقول لك ابنك بيشم بودرة، أنتِ مش مستوعبة.
فحدقت به سهير بضيق.
- مين اللي قال لك عن أخوك كده؟ ابني ما بيكذبش عليا.
فدار أكرم حول نفسه غير مصدق ما يسمعه منها، أمه لا تصدقه رغم أن حالة كرم تجعل الأعمى يرى.
- أمي، كرم هيضيع منا، لازم نلحقه قبل فوات الأوان.
فهوت على الفراش تنظر حولها تفكر بالأمر قليلًا.
- طب اتصلي بأخوك.
ليضحك أكرم وهو يعلم أن اتصاله وقدوم كرم سينتهي بأنه هو الكاذب، وكما اعتاد كرم سيمثل الدور باحتراف.
***
جلست على المقعد المجاور له تقلب في طعامها، وهو يخبرها أنها اشتاقت للطعام من يدها.
- حقيقي أكلك كان وحشني، تسلم إيدك.
وألتقط كفها يطبع عليه قبلة حانية، فارتعش جسدها وخفق قلبها وهي تحدق بعينيه، فكان يبتسم لها. اليوم الذي قررت فيه البعد بعد أن تواجه، يعاملها وكأنه يحبها. يقدم لقلبها العطش لكل ما يحتاجه، وقلبها كالعادة ما هو إلا كالأحمق يهوى أن يلحق عاليًا ثم السقوط.
وأنهوا تناول طعامهم مع أسئلته عما فعلته في فترة غيابه، وقبل أن تحمل الأطباق أمسك يدها وقد بدأ الشك يسري بداخله.
- فيكي إيه يا ريم؟ سكوتك ده مقلقني.
فتجمدت يدها على الطبق الذي كانت ستحمله، ونظرت إليه بتشويش ثم أشاحت بعينيها بعيدًا عنه.
- خليني أشيل الأطباق الأول وأعمل لك قهوتك وبعدين نتكلم.
فخرج صوته بحزم.
- لأ نتكلم دلوقتي.
فطالعته وهي ترطب شفتيها بلسانها، وقد هرب الكلام منها، وعندما سمعت صوته الجامد.
- اتكلمي يا ريم.
فما كان منها إلا ابتعدت عن عينيه تدور حول نفسها وتمسح على جبينها.
- أنا عرفت الحقيقة، كل حاجة شوفتها في الصندوق اللي مخبيه، ما كنتش بدور على سبب جفاءك، كان نفسي أعرف منك أنت.
وعندما تذكرت بداية معاملته لها إلى ذلك اليوم.
- بس أنت كنت هتقولي إزاي وليه؟ أنا ولا حاجة في حياتك، أنا بنت ضعيفة وغلبانة اتجوزتها اشفاقًا على سمعتها، ونمت معاها مجرد ضعف منك مش أكتر.
فأقترب منها بعد آخر جملة نطقتها وقبض على ذراعيها بقوة.
- اخرسي، أنتِ مراتي، أنا ما ضعفتش، أنا كنت محتاج حبك وحضنك عشان يشوفوني.
كانت تهذي من الألم والخيبة، لولا حبها له ما كانت شعرت بكل هذا.
- طلقني يا ياسر.
فتجمدت عيناه عليها، أبتعد يأخذ أنفاسه بصعوبة.
وبعدها لم تشعر إلا وهو يحمل مفاتيحه ويخرج من المنزل تاركًا إياها تطالع خطاه بأعين باكية.
***
السعادة كانت مرتسمة على شفتيه وهو يجد صغيريه يتقافزان عليه.
فأقتربت منه مرام تعطيه فنجان قهوته مبتسمة، ثم حملتهم.
- بابا وراه شغل، عيب كده.
فهمهم الصغيران ونطقوا باسمه.
- كيم، كيمو.
فلم يتمالك كريم ضحكاته، فضحك وهو يلتقطهم بعد أن أغلق حاسوبه.
- كيم وكيمو مين ده؟ فين بابا؟
فأشاروا إليه ضاحكين، ليعانقه، فأخذ يقبلهم ويدغدغهم.
فوقفت تطالعهم بحب، ثم ارتسم على وجهها الحزن، فصغيريه ليسوا متعلقين بها مثل والدهم، فكريم رغم انشغاله بالعمل إلا أنه يغدق عليهم حنانه ويوفر من وقته كي يجلس معهم ويلاعبهم.
زوج وأب حنون، لا تعرف ماذا كانت تريد أكثر من ذلك، نجاحها لم يحرمها منه بل أخبرها أن يريدها أن لا تجعل العمل أهم أولوياتها من حياتهم.
وتعلقت عين كريم بها، فأحس بحزنها من تعلق الصغار به وحده، فهمس لهم ليهبطوا من فوقه ملتفين حول والدتهم التي انحنت على الفور لهم تضحك على كلماتهم التي تتآكل منها الأحرف.
***
سقطت دموعها بعد أن أنهت مكالمتها معه متحججة بأمور العمل، ولكن كان لديها رغبة بأن تعلم متى سيعود من عطلته، فقد مرت ثلاثة أيام وهو مازال مسافرًا. وألقت بهاتفها على الفراش.
- ليه يوم ما أحب، أحب راجل متجوز؟
لتسقط بعدها على فراشها تكتم صوت شهقاتها.
- غبية يا نرمين.
***
السعادة كانت تحاوطهم وهو يركض خلفها على شاطئ البحر الخالي إلا منهم، وفور أن وصل إليها حملها ضاحكًا.
- مش قد الهزار بتهزري ليه؟
فضحكت وهي تتعلق بعنقه.
- حرمت يا جاسم.
ووضعت يدها على بطنها.
- اللي بيخليني أعمل فيكي المصايب دي هو ابنك.
فحدق بها وببطنها المنتفخة ووضعها على الأرض رافعًا حاجبيها بمكر.
- أنتِ هتتهمي ابني كمان؟ وحياتك كله بيتسجل، وهنعمل تحالف عليكي.
فضحكت بدلال ثم تعلقت بعنقه.
- إيه رأيك نعمل إحنا التلاتة تحالف؟
فتعلقت عيناه بها ثم ضحك.
- ولما نعمل إحنا التلاتة تحالف، هنكون ضد مين؟
فأبتعدت عنه تشيح بيدها.
- ضد نفسنا يا حبيبي.
فأخذها نحوه يضم خصرها إليه ويكملوا سيرهم.
- أنتِ حقيقي خسارة في البلد دي يا حبيبتي، إجاباتك دايما مبهره.
***
وضعت علياء صينية الضيافة من أجل إحدى صديقات رفيف دون أن ترفع عينيها نحو الضيفة التي كانت منشغلة في الحديث معها.
فهتفت رفيف كي تجعل ناريمان تتعرف عليها.
- أعرفك على علياء شقيقة عمار.
لتتجه عين ناريمان نحوها بعد أن استدارت بجسدها، لتتسع عيناها بمكر، فتابعت رفيف.
- ناريمان صديقتي علياء.
فشحب وجه علياء وهي تنظر إليها، فقد رأتها لدى ريان.
فابتسمت ناريمان بخبث.
- رأيتها من قبل.
فدارت عين رفيف بينهما، تتذكر أين رأت ناريمان علياء، فعلاقتها بناريمان قد انقطعت بعد أمر ريم وياسر ومساعدتها لها في الزواج من عمار.
- رأيتها لدى شقيقك رفيف.
جاءت الإجابة صادمة لرفيف التي تعلقت عيناها بعلياء.
وفي تلك اللحظة، دلف عمار الشقة، فتجمدت ملامح علياء نحو شقيقها وهي تتمنى أن لا تكمل ناريمان حديثها.
- شقيقة زوجك تعمل لدى ريان بشقته، ولكن لا أعلم أهذا هو الأمر، أم يوجد شيء آخر.
رواية لحن الحياة الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم سهام صادق
رياح عاصفه (59)
*************
تقدمت منها بلهفة وعيناها مازالت عالقة بها.. فسؤال واحد كان طيلة الايام الماضيه يخاطب عقلها.. لما كانت تريد فعل ذلك بها فقد أخدتها صديقه لها وفتحت لها بيتها.. وعندما أصبحت بينهم بضعة خطوات.. ابتعدت بسمه بسرعه وكأنها تهرب منها
فأتجهت مرام خلفها تنادي عليها ولولا اصطدامها بأحدي السيدات ووقوفها لتعتذر منها لكانت لحقتها
فأخذت تبحث بعينيها عنها إلى أن سمعت صوت كريم وهو يلتقط أنفاسه وينظر إليها بقلق
- كنتي بتجري كده ليه.. فيكي حاجه.. انتي كويسه ياحبيبتي
حاوطها بذراعيه بحب..فهتفت وهي تتحاشا النظر إليه
- شوفت صديقه ليا من ايام الجامعه هنا.. بس ملحقتهاش اختفت من قدامي فجأه
فطالعها كريم للحظات ثم ابتسم
- قلقتيني عليكي.. حاولي تجيبي رقمها واقبليها قبل ما اجازتنا تخلص
ومسح على شعر صغيره الذي علق انظاره على الماره ثم مسك يدها بحب
- يلا ياحبيبتي
..................................
لا تعلم كيف انساقت خلفه تتبعه بصمت دون اراده.. حياه دخلت بها وكأن القدر كان يقودها لمصيرها معه.. مصير حب عرفت منه أن القلب لا يعرف الصمود والقواعد أمام من أحب
ودلفت للشقه وهو يمسك يدها ثم قادها نحو احد الأرائك يجلسها عليها مبتسما وجثي على ركبتيه أمامها
- أنتي متأكده من الخبر ده ياريم
تفاجأت من تقبله لأمر حملها بتلك السهوله.. فحدقت به بآلم
- انت فرحان
فتعلقت عيناه به.. هو بالفعل الخبر صدمه بل أعاد الذكريات إليه ولكن يكفيها منه ماعاشته.. فخطئ آخر كان لن يغتفر ولن يستحق بعده غفران
- اكيد فرحان.. ليه بتقولي كده
فلم تجد إلا قبضتي يديها تدفعه به علي صدره
- انت كداب.. كداب.. انت مش عايزه زي ما انت مش عايزني.. انت بتعمل كده عشان بتشفق عليا وعلي اهلي.. دمرت كل حلمت بيه معاك.. وجعت قلبي.. خلتني اشحت منك الحب
ومع صراخها كان صوت الماضي يقتحم أذنيه
" ألحقني يا ياسر هيقتلوني.. انا بحبك"
فأغمض عيناه بقوه وضرباتها ماهي الا قوة تدفعه ليفيق
وعندما سقطت دموعه أمامها.. نظرت إليه بلهفة
- ياسر انت بتبكي
دموعه سقطت وهو يكره نفسه للمره الثانيه.. مرأتان مروا بحياته أحبوه وكأنهم لا يروا الحب إلا به.. أحداهن دفعت حياتها من أجله رغم أنها كانت تعلم أن لديه اعداء بسبب عدم صمته عن الحق وأخرى تتألم أمام عينيه حتي انه اصبح يرى الآلم داخل عينيها.. ورغم كل ما سببه لها تسأله بلهفه عن سبب بكائه
ففتح عيناه على ملمس يديها على وجهه
- ياسر رد عليا.. انا وجعتك وانا بضربك
وتركت وجهه لتتحسس صدره
- وجعتك فين طيب
فتمتم بحب وهو يرفع كفيها نحو شفيته يقبلهما
- أنتي ازاي كده ياريم... معقول انا استحق حبك ده.. انتي كتير عليا
كانت تبكي وهي تسمعه... لتنظر إليه وهي مازالت تمضد جراحها
- انا عايزه امشي من هنا.. سيبني امشي
ومع دفعها لها حملها بين ذراعيه يسكتها بالطريقه التي يعلم سحرها.. سكنت دفعاتها معه بل وضاعت في بحر عشقه لمظلم
ليمر الوقت فتجد نفسها محاصره بين ذراعيه نائمه على صدره
وهو في سبات عميق.. لتنهض من جانبه ببطئ تلملم حالها بفتور
تكره ضعفها معه حين يعطيها من جرعة حنانه.. وظلت للحظات تنظر إليه وهو غافي.. لتقرر أن تجعله يذيق نفس ما اذاقها تلك الليله
..................................
استيقظ ببتسامه حالمه تلاشت سريعا عندما وجد الفراش خالي جانبه.. لتقع عيناه على الورقه الموضوعة علي الوساده
فألتقطها سريعاً ليقرأها فلم تكن إلا ماخشي حدوثه يوماً
ريم تعاقبه
" انا مشيت يا ياسر.. راجعه بيت اهلي.. سيبت البيت قبل ماتصحي ندمان وتهرب مني.. سهلت عليك الطريق"
فضغط على الورقه بقسوة ثم ألقاها بعيدا.. ناهضاً من فوق الفراش
- شكل جيه وقت ان انا اللي اتألم ياريم.. بس مش هسيبك ولا هسيب ابني
وعندما جاءت ذكرى حملها تذكر والديها.. مقرراً أن يستخدم ذلك السلاح
..................................
اشاحت رفيف عيناها بعيدا عنه بعدما دلف للغرفه
- بتعاقبيني يعني
فنظرت إليه ثم عادت لمطالعه المجله التي بيدها دون رد
فخلع سترته ثم بدء يفك أزرار قميصه العلويه يطالع ما بيدها
- حنيتي للموضه والأزياء.. خدي بالك هدوم من اللي كنتي بتشتريها وتلبسيها ممنوع
كانت تعلم أنه يتحدث هكذا ليجعلها تتحدث معه.. طبعه وأصبحت تعرفه.. عمار لا يظهر حبه الا اذا كانوا في الفراش معاً.. أما عكس ذلك كان بارع في إخفاء مشاعره وكأنه يخبرها انها لا شئ بحياته وجودها ولا رحيلها لن يسبب له شئ
- ما تردي ياهانم.. مالك ساكته كده ليه ولا كلامي مش عاجبك
واقترب منها ثم مال نحوها بتحديد
- عارفه لو عرفت انك بتساعدي اخوكي من ورايا يشوف أختي.. متلوميش غير نفسك يارفيف
ضغط على آخر زر من أزرار التحكم بنفسها فنفجرت به وهي تدفعه
- يكفي عمار.. انت تعلم انني لا أتحدث مع أخي منذ ماحدث ولم اتحدث معك حين أتى إليك هنا ليتقدم لعلياء.. اهانتك تكررت كثيرا لي.. اطردني عمار إذا أردت.. ف الورقه التي جعلتها تمضي عليها قطعتها أمامك ولم يعد يوجد شئ يجعلك تخاف مني ولا من أن تطلقني
اصابته الكلمه الأخيرة كالنصل.. ليجذبها من ذراعها لتصبح موازية له بوقفته
- اتكلمي عدل معايا يارفيف.. طلاق مش هطلق ما انا مش تحت امرك ياهانم اتجوزني.. طلقني
فتعلقت عيناه بعيناها الزرقاء التي أصبحت تأسره بسحرها
- اتركني عمار.. انت توجعني
كانت رقيقه بكل شئ ملامحها حتى في نطق الأحرف ورغم أنه يعلم أن هذا السحر الذي بها من جمالها هو من جعلها تخضع الكثير من الرجال إليها
- عمار اتركني
فترك ذراعها ببطئ.. لتدلك مكان قبضته بآلم
- انت أصبحت لا تطاق
فأحدت عيناه.. فوجدها تبتعد عنه بخوف مصطنع
- لم اقصد عمار
فزفر أنفاسه بقوه
- ابعدي عن وشي يارفيف السعادي.. بلا عمار بلا زفت.. مش عارف يوم ما أقرر اتجوز.. تكوني انتي قدري
فطالعته دون فهم إلى أن شعرت انه يهينها كالعاده. فطأطات رأسها أرضاً
- اجعلنا ننفصل عمار مدام ستظل طيلة حياتك تراني بتلك البشاعة
كلما كانت تتحدث عن انفصالهم كان جنونه يازداد.. فلم يعد هو كما كان.. ترويضها انقلب عليه.. ومن دون حديث جذبها إليه يخبرها بحبه بطريقته الخاصه..ضائعا مع قدره وحبها الذي بدء يدق بابه..وبعد أن كان الرجل الذي يحتقر الناس اللاتي تفرض نفسها على الرجال ضاع هو مع العيب الذي كان يمقته يوماً
.............................
وقفت خلف باب غرفتها تسترقي السمع..والدتها ترحب بزوجها وتهتف بأسمها
- ريم جوزك رجع من السفر .. اتفضل يابني.. ده ريم كانت لسا راجعه من الشقه من ساعتين.. راحت تنضفها وربتت علي ذراعه
- شكلك مرهق وتعبان
كان الحديث يصل لمسمعها.. لتسمع صوت والدتها المرحب به
إلى أن عادت والدتها تهتف بأسمها مجدداً وكأنها لم تكن بين أحضانه منذ ساعات..عائدة بشحوب لتستقبلها والدتها متسائله عن سبب تأخيرها وبسهوله كذبت عليها كما أصبحت تكذب منذ أن تزوجته
وخرجت من غرفتها بعد أن سمعت صوت والدها تلك المره يناديها.. لينهض ياسر علي الفور يعانقها أمام والديها فطالعوهم بسعاده هامساً لها
- كده تسبيني نايم
فأبتعدت عنه بتوتر تنظر له ثم نظرت لوالدتها وقبل أن تهتف بشئ
- لسا تعبانه ياحبيبتي.. انا جيت من السفر مخصوص بعد ما سمعت الخبر الجميل ده
ونظر لكل من والديها وقد انتبهوا لحديثه
- خبر ايه يابني
فشحب وجهها وهي تطالع والدها الذي سأله عما يقصده.. فتعلقت عيناها به تحرك له رأسها حتى لا يتكلم ولكنه قال ما جاء من أجله
- هو انتوا متعرفوش ياعمي.. ريم حامل.. كلمتني امبارح وقالتلي انها شاكه في الموضوع.. بس انا قلبي حاسس انه صح
فتهللت اسارير والدتها من السعادة واقتربت منها تحتضنها
- ان شاء الله هيكون صح...
ونظرت لزوجها الذي ابتسم
- هتبقى جد ياحج
كانت بين ذراعي والدتها تنظر له بغضب عما فعله.. لا طلاق ولا خلاف سيكون بعد ما حدث وربطهم معاً
فوقف ينظر لسعادة والديها.. وداخله يحمدلله انه رزق بتلك العائله الطيبه
.............................
أنهت ورد جلستها في المطعم الذي أصبحت شريكه فيه مع ليليان عندما تم توسيعه بشراء مكان جانبه احب ان يهديه
كنان لها.. وامسكت يد جواد فاليوم هو عطلته من مدرسته وساروا سويا متجهين نحو الحديقه التي اكتشفوها معاً
فركض جواد نحو الارجوحه يلعب عليها كما اعتاد ناظراً للفتاة التي تجلس على الارجوحة التي جانبه ووالدتها تدفعها برفق.. وعندما وجدت عيناه مركزه علي الصغيره وما تفعله والدتها لها.. اقتربت منه تفعل له بالمثل... وجواد يضحك
- ادفعي بقوة ورد
فتدفعه والسيدة التي جانبها تضحك على حماسه المٌحبب.. ومر الوقت ليجد جواد أطفال يلعبون بالكوره فأندمج معهم وعيناها مسلطه عليه بتركيز وجلست على احد المقاعد الخشبيه بالحديقة تطالعه وتبتسم
فنظرت للطفل الذي جانبها ويبدو بالعاشرة من عمره.. ينظر حوله وكأنه ينتظر قدوم احد
ورن هاتف الصغير ليٌجيب سريعاً
- اشتقت لك بابا.. الن تأتي اليوم لنلعب مباراة معاً
ثم ابتسم وأكمل بحماس
- انا انتظر ماما بالحديقة ذهبت.. سأنتظرك مساءً
وأغلق الهاتف بسعاده... لتمد له ورد بحلوي كانت معها
فطالعها الصغير بأقتضاب مشيحاً بوجهه بعيداً عنها.. فأبتمست وهى تتذوق الحلوى بمتعة وتختلس النظرات إليه
- اممممم لذيذه ورائعه
فنظر الصغير الي ما تأكله ومن طريقه أكلها الحلوى أراد أن يتذوقها هو الآخر
- أتريد أم سترفض وتخشى من أن أضع لك السم
فحدق بها الصغير.. فضحكت عندما رأت تصديقه لمزاحها
- لا تخاف فقد أكلت منها.. اسمي ورد
فظل الصغير للحظات يطالعها بتوجس وعندما مدّت يدها له تصافحه... فصافحها
- ايهم
فأبتمست إليه
- اسمك جميل
فبادلها الصغير مجاملتها بلطف
- وانتي أيضا
فوقفت ايلا تطالعهم من خلف احد الأشجار بالحديقه وهي ترى صغيرها كيف يضحك مع ورد..
كانت تنظر لورد بعين ام.. لتخرج هاتفها من حقيبتها وهي تنصرف من الحديقه نحو سيارتها
- ايهم انا انتظرك حبيبي بالخارج.. هيا
فنظر ايهم لورد قبل أن ينصرف
- شكرا على الحلوى
وبعدها ركض حيث تنتظره والدته... ليقترب منها جواد يجذب انظارها إليه
- أنتي لم تنظري للهدف الذي سجلته ورد
فأنتبهت ورد إليه واحتضنه بحب وهي تعلم أن جواد لا يحبها أن تهتم بأحد غيره
...........................
نظر كنان لهاتفه القابع أمامه ثم أراح رأسه على سطح مكتبه بأرهاق.. ليدلف بشير ببعض الأوراق ولكن بعد أن رأه هكذا اقترب منه بقلق
- كنان..
ما الأمر؟
فرفع كنان عينيه له، ليرى الحيرة به. فجلس على المقعد المقابل له متنهدًا.
"لا بد أن تخبر ورد في أسرع وقت، إلى متى ستظل بتلك الحيرة."
فزفر كنان أنفاسه.
"أصبحت أكذب عليها بسبب تأخيري في العودة بالمساء، لولا انشغالها مع عائشة لكانت شكت، أتعذب بسبب إخفاء الأمر عليها."
فلمعت عين بشير وهتف وهو ينهض من فوق المقعد الذي يجلس عليه واقترب منه.
"خذها يومان لمزرعتك في أنطاليا وأخبرها هناك، ورد تعلم بزواجك من آخره قبلها، لكن الآن أتى الوقت أن تعلم من هي وتعلم بوجود أيهم، لا تكرر خطأك يا صديقي."
فطالعه كنان بتفكير، ولكنه حسم أمره.
***
أخفض كرم عينيه بأسف عما حدث في الآونة الأخيرة بسببه.
"أنا عارف أن اعتذاري منك جه متأخر، بس أنا آسف يا مهرة."
فجلست جانبه بهدوء بعد أن رأت ندمه.
"اللي حصل حصل يا كرم، المهم أنك ما تكررش نفس الغلط."
فتوتر كرم، ونظر إليها.
"انتي طيبة يا مهرة."
فانشقت ابتسامتها من بين شفتيها.
"وحنينة كمان، لو حد غيرك كان طردني."
لم تجد ردًا على كلماته، ولكن اليوم أدركت أن كرم ما هو إلا ناتج تربية امرأة ساد الحقد قلبها، فلن تعاقبه على ما زرعته سهير.
وربتت على ذراعه وابتسمت.
"مش ناوي تتغير يا كرم؟"
وقعت الكلمة على مسمعه تشق طريقها إلى قلبه.
"كرم، محدش فينا معصوم من الغلط، كلنا بنغلط، المهم نفوق قبل فوات الأوان ونتغير."
كلمة كان نطقها سهلًا، ولكن جاءت بعد أن ارتسمت خطوط النهاية، ومع كلمات نصحها سقطت دموعه، فانصدمت من الأمر.
"كرم، انت بتعيط؟"
فألقى نفسه بين ذراعيها.
"أنا ندمان أوي يا مهرة، ندمان على كل اللي عملته."
فحركت يداها العالقتين بالهواء نحو ظهره، فضمته إليها بعد أن أزالت داخلها كل الحقد من زوجة أبيها.
"الندم من أول طرق العلاج يا كرم، أنا وأكرم هنكون معاك، بس ساعدنا إنك تتغير."
فأبتعد عنها يطالعها بذهن غائب.
"انتي وأكرم؟ ياريتني كنت سمعت كلام أكرم."
كانت تشعر بصراعه، فوضعت كفها على كفه.
"كرم، انت لازم تتعالج، الإدمان."
***
ضحكت بدلال وهي تداعب صدره بأناملها.
"ده انت طلعت مش سهل يانادر، قدرت توهمه إن الراجل مات."
فجذبها نادر إليه أكثر فأصبحت فوق فخذيه.
"دلوقتي زمانه عند أخته بيقنعها إنه ندمان وهيّتعالج."
وابتسم وهو يتذكر تلك الليلة عندما ذهب كرم إلى منزل إحداهن من أجل المتعة، وكان هو من قاده لتلك المرأة التي تعد صديقة لإحدى عشيقاتها، ومن سوء حظه عاد زوجها من سفره تلك الليلة ليجد زوجته في أحضان كرم، كان رجلًا كبيرًا بالسن، حاول إمساك كرم قبل أن يفر هاربًا، وبعد مناوشات بينهم خلص كرم نفسه منه بضرب رأسه بأحد الفازات التي استطاع التقاطها.
لتفزع المرأة وهي ترى زوجها منبطحًا على الأرض، واقتربت منه بعد أن استطاعت تحريك قدميها.
"انت عملت فيه إيه؟"
كان كرم يقف كالضائع لا يصدق أنه فعل هذا، لتتجمد عيناه بعد أن صدرت صرخة، كتمت بعدها صوتها بيدها، تلك المرأة.
"موته، إحنا روحنا في داهية."
وفاق نادر من شروده على تعلق لولا بعنقه.
"الفلوس والمجوهرات اللي هتاخدها النص بالنص ياحبيبي، ما ديه برضوه فكرتي والراجل في المستشفى عايش."
فاتسعت ابتسامة نادر وهو يعبث بجسدها.
"عنيا ليكي يا أم دماغ ألماس انتي."
***
نظر إليها وهي تحادث الخادمة بلطف تخبرها أنها ستتدبر حالها في هذان اليومان إلى أن تعود من بيت ابنها، فأخيرًا قد تصالحت هدى مع ابنها بعد أن اكتشف حقيقة زوجته وطلقها.
"متقلقيش عليا يامدام هدى، فوزية أهي موجودة معايا لحد الساعة عشرة وجاسم يومين وراجع."
فأبتسمت هدى إليها بشكر.
"شكرًا يابنتي."
كل شيء كان يأتي لنادر كتفاحة مقشرة، صحيح هو راقب الفيلا بأسبوع وعلم بسفر جاسم، ولكن عدم وجود الخادمة التي تقيم مع شقيقته جاء الأمر بصالحهم، آلم جثى على قلبه عندما نظر نحو شقيقته التي تتقدم منه وتبتسم وداخله يعتذر منه.
"سامحيني يا مهرة."
"أكرم مش مصدق إنك هنا، لولا تعب والد ضحى كان جه لينا، بس قالي بكرة الصبح هييجي يفطر معانا، ونروح نشوف إجراءات المصحة."
فحرك كرم رأسه بارتباك.
"لازم نروح المصحة بكرة."
فطالعته بحنو.
"ده أفضل ليك يا كرم."
فرسم كرم ابتسامته بصعوبة على شفتيه وهو يخبرها.
"هطلع أتمشى في الجنينة شوية."
وقبل أن ينهض سألها.
"ممكن يا مهرة؟"
فأبتسمت وهي تنهض.
"من غير استئذان يا كرم، أنا كمان طالعة أوضتي أرتاح وأكلم جاسم."
وعندما جاء ذكر اسم جاسم، شحب وجهه بتوتر من القادم.
"روح اتمشى وأنا جهزتلك الأوضة اللي هتبات فيه."
وتابعت بمزاح.
"انت دلوقتي عارف الطريق لفوق."
وانصدمت ثم تحولت صدمتها لابتسامة واسعة بعد أن احتضنها بأخوة يشكرها على ما فعلته اليوم معه.
ولكن شكره ما كان إلا ندمًا.
***
جلس كنان بجانب ابنه يلاعبه على إحدى الألعاب الإلكترونية، وكلما أحرز أيهم هدفًا تقافز أمامه واندفع لاحتضانه، شعور جميل أنصاف لحياته رغم صعوبته على أسرته الأخرى.
"هايل حبيبي، أصبحت أفضل مني."
فأبتعد أيهم عنه مبتسمًا.
"انت رائع يا بابا، أحبك."
وعادوا للعب مجددًا وعقل كنان شارد في ورد، ليصدح رنين هاتفه، فنظر للمتصل فلم تكن إلا هي.
لحظات مرت وهو ينظر لرقمها، ثم نهض من جانب صغيرته التي تعلقت عيناه به واتخذ جانبًا بعيدًا.
"حبيبتي، ساعة وأعود، لا تنامي دون آتي، فقد اشتقت إليك."
كانت إيلا تهبط من الدرج لتستمع لمكالمته، ليصطدم بها بعد أن أنهى محادثته مع ورد.
"تحبها؟"
فأبتسم بألم.
"لم أحب امرأة من قبل مثلما أحببتها."
***
ابتسمت مهرة وهي تتسطح على الفراش وقد بدأ هاتفها يعلو بالرنين، فتلك النغمة قد خصصته له، لتهتف على الفور.
"وحشتني، وحشتني أد كده."
فتعالت ضحكاته.
"ده على أساس إني مكنتش مكلمك الصبح يا بكاشة."
فضحكت بحب.
"ما أنت بتوحشني يا حبيبي."
فأسترخى بفراشه وهو يستمع إليها عما فعلته اليوم، إلى أن أخبرته بوجود كرم وبياته الليلة معها.
"كرم هنا بيعمل إيه في بيتي؟ مهرة، أنا مبرتاحش لسلوك أخوكي ده."
فهتفت بدفاع.
"كرم جالي ندمان يا جاسم وطلب وقوفي جنبه، تفتكر هرفض أمد إيدي لأخويا؟"
ليزفر أنفاسه بقوة.
"أخوكي ده مبيعرفكيش غير في مصايبه، مش مقتنع بصراحة بتغيريه اللي جه فجأة ده."
فتنهدت بصوت مسموع وهي تهدئ من حالها.
"جاسم، ارجوك سيبني أساعده للمرة الأخيرة."
فتعالى صوته بغضب.
"المرة اللي فاتت قولتي كده، ودفعنا ليه فلوس الشيكات اللي عليه، عشان ميقتلوهوش، خلتيني أدفع فلوس لتجار مخدرات يا مهرة، أخوكي مش بيعرفك غير عشان مشاكله."
فصمتت وهي تتذكر ذلك اليوم عندما هاتفها بأن تلتقي به، ليطلب منها مساعدتها ببعض المال، فالمال الذي أخذه من أكرم ووالدته لم يكفِ، حتى أنه لم يصارحهم بالأمر، ولم يكن هيناً بعد تورطه.
وسمعت صوت أنفاسه الهادرة وقد أخذ يتحرك بالجناح الذي يقطنه بالفندق ذهابًا وإيابًا.
"أنا آسفة يا جاسم."
فزفر أنفاسه بقوة.
"أنا هقفل عشان تعبان وعايز أنام."
وأغلق معها، ثم قذف بالهاتف فوق الفراش، وبعد دقائق عاد فالتقط الهاتف ثانية يهاتفه، فأنفتح الخط على الفور.
"ساعديه يا مهرة، بس اعملي حسابك ديه آخر مرة."
فأبتسمت بعد أن مسحت عينيها الباكيتين.
"أنا بحبك أوي يا جاسم."
فلانت ملامحه بحب.
"هو ده اللي أنا باخده منك ياهانم."
فلمعت عيناها وهي تحتضن وسادتها.
"اعمل فيا اللي انت عايزه بعد كده لو اتكلمت تاني."
فأبتسم وهو يمسح على وجهه برفق.
"روحي نامي يا قدري."
لتغلق معه، ثم تنهدت بسعادة، فقد أصبحت مكتملة بوجوده.
***
دَلفت ريم خلفه الشقة بعدما تناولوا العشاء بالخارج، اليوم عادت معه من بيت والديها بعد أن دفعتها والدتها نحوه تخبرها أن الزوجة بجانب زوجها فيكفي دلال عليه، فليست أول من تصبح حاملًا بطفل، كانت والدتها تظن أن بقاءها بسبب حملها، ولكن هي تعاقبه كما عاقبها على ذنب ليس لها دخل فيه.
وازالت حجابها وهي تتجه نحو غرفتها، فأمسك ياسر يدها برفق.
"مافيش قاعدة في غرف منفصلة يا ريم."
فطالعته ساخرة.
"إيه اللي اتغير، عشان بقيت حامل وخلاص دبستك فيا؟"
فتنهد بقوة، ثم نظر إليها.
"افضلي كده ديما شايفه نفسك قليلة بالنسبالي، بس اللي لازم تحطيه في دماغك إني حبيتك من قبل ما أتوزجك، صحيح مش حب قوي، بس لما عيشنا تحت سقف بيت واحد حبي ليكي كبر."
ووضع يده على موضع عقلها.
"وهنكمل حياتنا سوا، وكلمة طلاق مش عايز أسمعها."
فأبتعدت عنه ثم هربت من عينيه.
"لا أنا عايزة أطلق، وزي ما فكرت واتجوزتني، فكر وطلقني."
كانت تتحدث بنبرة كالأطفال، ليضحك، فأزداد حنقها.
"ده اللي بيسموه العند النسائي."
فحدقت به بأستنكار.
"عند نسائي؟ ده مش عند، ديه ردة فعل، ولا انتوا تدوسوا على قلوبنا وبعدين تقولوا بنعند، ديه كرامة حضرتك."
فصدحت قهقهت ياسر، لتضغط على شفتيها بقهر.
"انت بتضحك على إيه، عشان مش متعود تشوفني غير ضعيفة."
ولم تكد تكمل بكل ما رغبت أن تخبره به، فجذبها رغما عنها ليأخذها بين ذراعيه.
"ريم، البنت الضعيفة قدرت تصحى راجل مات من زمان، مات يوم ما شاف مراته مدبوحة قدام عينيه."
***
ابتسمت علياء بسعادة بعد أن وجدت عمار يدلف لغرفته، ودون كلمة ينطقها ركضت إليه تدفع نفسها لاحتضانه، "سامحني يا عمار، صدقني مش هعمل كده تاني."
كانت تترجاه ببكاء، فلم تعد تحتمل خصامه، فشعر عمار بالندم.
ففي النهاية ليس لها غيره، هو الأب والأم والشقيق.
وابعدها عنه يمسح دموعها.
"تعملي كده فيا يا علياء، عمرك طلبتي مني حاجة ورفضتها؟"
فطأطأت رأسها بندم.
"كنت عايزة أساعدك، أنا آسفة، متزعلش مني يا عمار."
فضمها إليه بحنان وهو يشعر بكسرتها.
"علياء، الدنيا بتاعتهم غير بتاعتنا، الحياة مش سهلة ولا الناس قلوبهم طاهرة زيك، شغلي مع الناس ديه علمني حاجات كتير."
كانت تفهم كل كلمة يخبرها بها، ندمت أشد الندم على ما اقترفته في حق شقيقه وأنها تجعله صغيرًا هكذا.
"عمري ما هغلط كده تاني ولا هخبي حاجة عليك."
فأبتسم وهو يعلم صدق شقيقته، فهذه عادتها حين تعاقب لا تقترف الخطأ مرة أخرى.
"عايزك متفكريش غير في مذاكرتك وبس."
وتنسي الشخص ده.
ضغط على كلماته الأخيرة وهو خائف أن تكون أحبت ريان واستغل سذاجة عقلها.
- متخافش ياعمار، أنا خلاص ندمت ووعدتك.
فمسح على وجهها برفق.
- هي دي اختي الحلوة.
ولثم جبينها بقبلة دافئة، وخرج بعدها من غرفتها.
جلست على فراشها متذكرة قدوم ريان اليوم لها يخبرها أنه يحبها ويريدها زوجة له. ولكن من حديث شقيقها انتهت صفحة حبها له قبل أن تبدأ. ولا تعلم أن القدر قد بدأ طريقه.
وقفت مرام شارده في هروب بسمة منها ليلة أمس.
فزفرت أنفاسها ببطء لتشعر بذراعي كريم يحاوطان خصرها.
- سرحانة في إيه ياحبيبتي؟
فنظرت للظلام الذي أمامها وهمست ولم تظن أنه سمعها.
- ليه بسمة خانتني يا كريم؟
فأدار جسدها نحوه ورفع كفيه نحو وجهها يحتضنه.
- انسى يامرام.
ولم تشعر بعدها إلا وهو يهبط بشفتيه نحو عنقها يطبع بقبلات متفرقة.
- الأولاد ناموا.
فحركت رأسها له وهي غائبة في دفء أنفاسه، نادمة على لحظات غبائها.
استيقظت بالصباح تبحث عن بغرفته ولكنها لم تجده.
لتبعت في هاتفها لتهاتفه وبعد الرنين أكثر من مرة.
- انت فين يا كرم؟
فأتاها صوت كرم.
- معلش يامهره، أنا اضطريت أمشي. واحد صاحبي عمل حادثة ولازم أكون معاه.
فتنهدت بقله حيلة.
- خلاص يا كرم. بس اعمل حسابك أنا وأكرم هندور على مصحة موثوقة.
فتمتم سريعا وهو يحاول الهروب من مأزقه.
- ماشي يامهره. أنا مضطر بس أقفل عشان صاحبي خرج من غرفة العمليات.
وقبل أن تسأله عن المشفى أو صديقه، كان قد أغلق الخط ثم هاتفه.
لتضع بيدها على رأسها متذكرة حديث جاسم بقلق.
نظر كرم لنادر الذي جلس جانبه يعطيه سيجارة محشوة بالحشيش.
- جدع، هو ده الشغل اللي على أصوله.
فطالعه كرم بندم وهو يلتقط منه السيجارة لعله يغيب بها من عذاب الضمير.
- ملقتش غير اختي ونفكر نسرقها.
فضحك نادر بشر.
- خلاص، نفضها يا كرم. بس شوف هنسكت الناس اللي شافوك إزاي بعد ما قتلت الراجل.
فطأطأ رأسه وهو يشعر بالاختناق.
- ياريت كان معايا فلوس.
وتذكر سحب والدته لجميع المال الذي بالمصرف. ويوم أن ذهب كي يخبرها بمصابه لما تقل له إلا أنها منشغلة ولديها موعد هام، فليأجل حديثه لوقت آخر.
وفاق على صوت نادر.
- جوزها غني، وإيه يعني لما نسرقه؟
فهتف بضيق.
- هدمر حياتها.
فضحك نادر وهو ينهض من جانبه.
- بلاش شوية الدراما اللي بقيت فيهم. العملية هتتنفذ النهارده، ويا ريت تهدى كده وتروق عشان تقولي على مداخل الفيلا.
واقترب منه يربت على ذراعه.
- الحكاية هتم بهدوء ومحدش هيعرف حاجة. أجيب لك لولا تروقك؟
تفاجأ جاسم بقدوم نرمين لمكتبه بعد أن أخبرته سكرتيرته بوصوله.
- أهلاً يانرمين. إيه اللي جابك إسكندرية؟
فأبْتَسَمَت نرمين بتوتر.
- دي العقود اللي طلبت نسخة منها من ياسر. قولت أجيبها ليك.
فألتقط منها العقود متعجباً من مجيئها لهنا رغم أنه لم يطلب قدومه.
- شكراً يانرمين.
فأقتربت منه حتى أصبحت قريبة منه للغاية.
- شكلك مرهق أوي.
فرفع جاسم عيناه عن الأوراق التي يطالعها لتقع عيناه على عيناها العاشقة، ولكن هو لا يراها إلا موظفة لديه مجتهدة.
- إرهاق شغل. ارجعي انتي القاهرة يانرمين. مكنتش محتاج من ياسر غير العقود دي.
فأبتسمت ورغبتها في لمسه تزداد، ولكنها تعلم أن تلك الخطوة ستقضي على آمالها.
- أنا هقعد النهارده في إسكندرية. هزور أهل بابا.
فنظر إليها ثم عاد ينظر للأوراق التي أمامه.
- براحتك يانرمين. انتي كده كده إجازة من فرع الشركة في القاهرة. اليوم كله ليكي انبسطي.
فلم تتحمل نفوره الذي يقتلها، وخرجت من غرفة مكتبه قبل أن تسقط دموعها وتصرخ بحبها.
استيقظت ورد على لمسات كنان الحانية.
- ورد.
ففتحت عيناها لتجد فطوراً معداً لها موضوعاً على الطاولة الصغيرة التي بحجرتها.
- صباح الخير.
فمال كنان نحوها يقبلها.
- صباح الخير حبيبتي.
فسألته وهي تنظر للمنبه المجاور لها.
- ألن تذهب للعمل اليوم؟
فتعلقت عيناه بها وابتسم.
- لا ياورد، سأخطفك لبضعة أيام. اشتقت لزوجتي.
أخجلتها نظرات عيناه الدافئة، فأبتسمت وهي ترتب خصلات شعرها.
- وأنا أيضاً كنان، ولكن عائشة وترتيبات العرس ووالدتك وجواد.
فأسرع في وضع كفه على شفتيها.
- تذكري الجميع إلا أنا.
واصطنع العبوس، لتحتضنه بحنان.
- لا يا كنان، أنت الأغلى حبيبي. أنا لك وحدك.
فأبتسم بألم مقرراً أن لن يخبرها اليوم بالأمر وسيقضيه كله معها ينعم بدفئها قبل أن ينقلب كل شيء.
وابتعد عنها يشيح بعيناه بعيداً عنها حتى لا ترى عجزه.
- هيا انهضي لتتناولي فطورك ثم نذهب.
فنهضت من فوق الفراش بحماس، فهي أيضاً بحاجة لرحلة تكون بها معه وحده.
ابتسمت بسعادة بعد أن أخبرها أنه سيأتي صباحاً.
ليأتي سؤاله عما فعلت اليوم مع شقيقها.
- صحيت من النوم لقيته ماشي، صاحبه عمل حادثة.
فضحك جاسم وهو يعلم أنها كذبة من شقيقها.
- اللي زي كرم مش سهل إنه يتغير يامهره.
فتنهدت وهي لا تعلم بماذا ستجيب عليه.
- خليني نقفل على الموضوع ده. قوليلي ابني عامل إيه، بيخبط في بطنك وضهرك بضمير.
فضحكت بعد أن دفعها الصغير بقدمه وكأنه استمع لوالده.
- متقلقش، متوصي بيا.
فتعالت ضحكاته وهو يلقي ربطة عنقه على الفراش.
- شاطر ابني حبيبي. هو ده اللي هياخد حقي يا بنت زينب.
فضحكت حتى دمعت عيناها.
- ماشي يا ابن ليلى.
فأبتسم وهو يهوي بجسده على الفراش.
- أنا جاسم الشرقاوي، يتقال لي يا ابن ليلى. فين أيام حضرتك ويا جاسم بيه.
فتعالت صوت ضحكاتها وهي تستمع لمشاكسته.
- كله راح يا حبيبي. الهيبة ضاعت خلاص والألقاب اتشالت وقول للزمن ارجع يازمن.
فضحك وهو يتخيلها كيف تتحدث.
- قول للزمن ارجع يازمن، هو انتي هتغني يامهره؟ اقفلي يامهرة بدل ما أقفل دماغك.
وقبل أن تنتهي مكالمتهم هتفت بحب.
- بحبك.
لتغلق الهاتف بعدها.
فينظر لهاتفه بسعادة متمتماً.
- مصيبة بس بحبها.
ونهض من فوق الفراش متجهاً للمرحاض فهو بحاجة لحمام دافئ ثم النوم.
نهض مراد من جانبها بحنق وهو يطالعها كيف تنكمش على حالها بعد أن صرخ بوجهها.
فقد أصبحت تسأله عن علاقته بـ إلهام بكثرة كلما اقترب منها.
- رقيه، أنا بدأت أتخنق من شغل العيال ده. انتي واعية لأسألتك في واحدة تسأل جوزها كنت بتلمس طليقتك كده؟ كنت بتحضنها إزاي؟
وحرك يده على خصلات شعره بضيق.
- بطلي عياط كل ما أكلمك.
فهتفت ببكاء.
- انت مش مراد اللي أنا حبيته.
فتنهد بضيق وهو لا يقوى على التحمل.
- مراد بتاع زمان كان ابن خالتك. دلوقتي أنا جوزك. عارفه يعني إيه جوزك؟
فحركت رأسها بنفي.
- أنا نفسي أعرف أمي كانت بتنصحك إزاي.
فطأطأت رأسها بخجل.
ليقترب منها يحتضنها بعد أن ندم على صراخه عليها.
- رقيه، أهم حاجة بتنجح العلاقة الزوجية الصراحة. وأنا حاسس إنك بتخبي عليا. ولو طلع إحساسي صح مش هسامحك.
نظرت رفيف لاختبار الحمل القابع بيدها غير مصدقة أنها تحمل طفلاً من عمار.
فوضعت يدها على بطنها.
فهي تتناول يومياً الحبوب.
وسمعت صوت عمار يهتف باسمها.
لتداري الاختبار وخرجت من المرحاض وهي لا تعلم أتفرح أم تحزن.
فلم تفكر يوماً أن تكون أماً.
فتحت عيناها بقلق لتجد الظلام يحاوط الغرفة.
فبحثت عن هاتفها سريعاً لتنير الإضاءة فيه متعجبة من انقطاع النور.
فالأول مرة منذ أن تزوجت يحدث هذا.
ونهضت من فوق الفراش بخوف لخلو الفيلا، فالسيدة هدى لدى ابنها وفوزية ترحل فور انتهاء عملها.
ولكن ما طمأنها وجود حارسان بالخارج ومحول الكهرباء بتأكيد سيعمل الآن.
ولكن المحول لم يعمل بعد فتأكدت أن النور قد انقطع منذ مدة.
وسارت خارج الغرفة تقلب إضاءة هاتفها يميناً ويساراً.
وقفت مستمرة بعد أن رأت ظلاً مر خلفها.
فبدأ الخوف يسري داخلها.
وخطت مهرولة نحو الدرج حتى هبطت لدور الأرضي تصرخ.
- مين هنا؟
وتنهدت بعد أن ظنت أن بالتأكيد هي تخيلت ذلك من خوفها.
فوقفت للحظات تنظر حولها لتسترقي السمع.
واقتربت من غرفة المكتب لتضع بيدها على مقبض الباب.
رواية لحن الحياة الفصل الستون 60 - بقلم سهام صادق
تراجعت بخطوات مرتعشة وهي ترى بقعة خافتة من مصباح صغير مسلط ضوءه على جزء ما بالغرفة. أدركت أن الظل الذي رأته أعلى حقيقة ولم تكن تتخيل. فكتّمت صوت أنفاسها.
وكلما تراجعت خطوة للخلف، أخذت تدور بعينيها في كل ركن وهي تلهث من شدة خوفها، حتى وصلت لباب الفيلا الداخلي تفتحه كي تركض نحو البوابة الخارجية تستنجد بالحارسين.
ورفعت هاتفها على أذنها ولم تفكر إلا بأكرم. ومجرد أن فتحت الباب لتخطو للخارج، سحبتها ذراع بقوة.
"رايحة فين ياحلوة؟"
كمم فمها فسقط هاتفها من يدها.
"اعقلي كده وبلاش مشاكل."
صوته كان مكتومًا بعض الشيء، وهي تتقلب بين ذراعيه وتزيحه عنها وتئن بضعف.
"حركتك ديه هتخليني أعمل تصرف مييعجبكيش.. وخافي على نفسك."
فارتعش جسدها من الخوف. لتهبط بذراعيها سريعا نحو بطنها تحمي جنينها. فصدرت ضحكاته ساخرًا بعد أن لاحظ فعلتها.
"كويس إنك بتفهمي."
وصدح صوت رنين هاتف، لتسقط عيناها على هاتفها الملقى على الأرض. ليبتسم نادر بشر وهو يميل بجسده قليلا.
وعلى أثر ذلك الصوت، كان كرم يرتعش بالداخل وهو يجمع الأموال النقدية التي بالخزانة. وبالأعلى كانت "لولا" تجمع كل ما تراه ثمين، حتى وقعت عيناها على حقيبة سوداء ففتحتها لتجد أموالا بها.
الثلاث كلما منهم كان يعرف خطواته بإتقان.
ولكن نادر كانت مهمته أكبر وهو يزيحها عنه صارخًا بعد أن قضمت كفه ثم صفعها بقوة على وجهها.
"يبنت العضاضة!"
كانت عيناه الغاضبة هي من تظهر لها. فقد كان ملثمًا ينظر لها بشراسة. وكادت أن تركض للخارج ولكنه جذبها بغضب.
"خدي هنا."
فسقطت على الأرض وهو تتأوه من الألم. ولكن ألمها الأكبر كان على جنينها عندما اقترب منها نادر ورفع قدمه ليركلها على بطنها. ولكن في اللحظة الأخيرة تمالك نفسه عندما سمع باب غرفة المكتب يفتح، فعلم أن كرم أنهى مهمته واتفاقهم كان لا يؤذي شقيقته لا ليقلب كل شيء عليهم وعلى نفسه.
لاول مرة بحياتها تشعر بالعجز والخوف. فسقطت دموعها بأنين.
"انتوا عايزين إيه؟"
سؤال بلحظته يحمل معنى الغباء، ولكن من هول ما تعيشه بظلام ولا ترى إلا أعين تحدق بها، جعلها تتساءل وهي تتراجع بجسدها بخوف. إلى أن لمست يدها الهاتف الساقط أرضًا. وعاود الرنين بأكرم بعد أن التفت نادر نحو كرم يحرك له رأسه بالصمت ويحذره.
كان أكرم يفتح سيارته وهو يشعر بالقلق بعد أن وجد رقمها بساعة متأخرة. وعند معاودة مهاتفته لها لم ترد. شعور غريزي هو من قاده. ولكن عندما عاد الاتصال وسمع صراخها.
لم يكن نادر غبيًا. فقد تعلقت عيناه بالهاتف الذي تداريه خلف ظهرها. وفي لحظة كان الهاتف محطمًا ويلتقطها من ملابسها ويدير جسدها. ولكن كرم وقف يحول بينهم بعد أن شعر بشر نادر اتجاهها يخبره بعيناه أنهم لم يتفقوا على ذلك.
ألتقت عيناها بعين كرم بصدمة. فمهما أخفى وجهه عنها علمت لما الآخر لم ينفذ بها تهديده أو يقتلها. فأقتحام المنزل ماهو إلا سرقة دبرها شقيقها معهم.
"كرم!"
نطقت اسمه بذهول وضياع وكان صوتها قد بح من أثر الصراخ.
وفجأة وجدت شيئًا يهبط على رأسها. ثم تلاشت الرؤية أمام عينيها. لتنظر إليهم لولا التي اقتربت منهم.
"هتفضلوا واقفين تبصوا لهم كده؟ يلا اتحركوا بسرعة."
فدفع كرم نادر بغل.
"عارف لو جرالها حاجة هقتلك. إحنا متفقناش على كده."
فأعتدل نادر في وقفته وطالعه بشر وكاد أن يقترب منه ويخنقه إلا وقوف لولا بينهم.
"انت شايفها ماتت؟ انت فعلا عيل."
فصرخت بهم لولا متذكرة أمر الحرس والنوم الذي وضع في الطعام بعد اتفاقهم مع عامل خدمة التوصيل.
"فضلوا اتخانقوا لحد ما نتكشف."
وانسحبت من أمامهم. لينسحب نادر هو الآخر خلفها قبل استيقاظ الحارسين وهدم كل شيء.
فأنحنى كرم نحوها يتحسس نبضها ويرى الدماء تسيل فوق جبهتها وشفتاها تنزف.
"سامحيني يامهرة."
.................................................
ابتسمت وهي ترى والدتها تقترب منها تمسح على وجهها بحنان تهمس لها قبل أن تختفي من حلمها الجميل.
"قومي يابنتي."
ففتحت عيناها ببطء لتجد جاسم منحني نحوها يلامس وجهها بملامح خائفة. وأكرم يقف مسند ظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه أمام صدره.
"أنا فين؟ ابني؟"
ووضعت بيدها على بطنها خائفة.
"ابننا بخير يامهرة. محصلش حاجة ليكي."
فلمست بطنها المنتفخة ودمعت عيناها وهي تتذكر ما عاشته. وصدمتها بشقيقها. وسمعت صوت أكرم القلق.
"انتي كويسة يامهرة؟"
فطالته بتحديق. ثم طالت الغرفة التي بها والإبرة المعلقة بكفها.
صمت جاسم ونظراته الحادة جعلتها تخاف أن يكون علم بهوية السارق. ولكن.
"حقك هاخدهولك ياحببتي. بس أعرف مين اللي عملها واتعدى على بيتي. وكان ممكن انتي وابني تموتوا."
هتف بوعيد وهو ينهض من جانبه. فإلى الآن لا يصدق ما حدث. عاد من سفره قبيل الفجر ليجد الشرطة بالمنزل وسيارة الإسعاف تنقل زوجته للمشفي وأكرم يقف منحني الجسد مازال مصدومًا عندما وجد شقيقته ملقاة على الأرض والدم يسيل من جبهتها وقمة رأسها ووجهها شاحب كالموتى.
وخرج جاسم بعد أن صدح رنين هاتفه. ليقترب أكرم من مهره يأخذها بين ذراعيه.
"كرم اللي عملها يامهرة مش كده؟"
وأخرج من جيب سترته سلسال من الفضة كان يعلقه كرم برقته. كانت ملقاة بجانب شقيقته. فطالعته السلسال بحزن.
"دخلته بيتي يا أكرم. شوفت عمل فيا إيه؟ جاسم مش هيسكت لو عرف. أنا عارفة جوزي كويس. ديه تاني مرة يسرقه."
وتذكرت أمر السرقة لتسأله.
"فلوسك كانت في الفيلا؟ الفلوس اللي ادتهاني أشيلها لك. كانت بشنطتها."
فطالعها أكرم بأسف لما فعله به توأمه.
"حتى وانتي كده بتفكري في فلوسي. وفلوس جوزك ومجوهراتك يامهرة."
فتذكرت الهدايا الباهظة التي كان يجلبها لها كي لا يجعلها لا تنقص شيئًا. وسقطت دموعها ببطء.
"أنا ليه دخلت حياته؟ كان يستحق زوجة أحسن مني. يتباهى بها وسط الناس مش واحدة جاية عليه بخسارة وأخوها."
لم تستطع إكمال عباراتها. ومع دخول جاسم شحب وجهها وابتعد أكرم منها خائفًا أن يكون جاسم استمع للحديث.
"مفيش بصمات ليهم. كل حاجة كانت مترتبة صح. هتجنن."
فتعلقت عين أكرم بشقيقته التي نظرت إليه تستنجده أن يفعل شيئًا.
وترك أكرم الغرفة وداخله يلعن شقيقه متوعدًا له حتى لو سيدخله السجن بيديه.
.....................................................
فتحت ورد عيناها بنشاط. لتجد كنان مائل على جانبه يطالعها بحب. أمس جعلها تشعر وكأنها عروس وكأن أول ليلة لهم معًا.
ومد كفه نحو وجهها يمسح على وجنتها اليمنى بدفء.
"نمّتي جيدا؟"
فأبتسمت بخجل وهي تتذكر ساعات الليل التي قضوا ينعمون بحبهم بطريقتهم الخاصة. إلى أن أشرقت الشمس وغفوا بعد عاصفة عشقهم. ومع حركة رأسها له بالتأكيد. سحبها نحوه مبتسمًا.
"مازلتي تخجلين يا ورد؟"
فدست وجهها بعنقه.
"كنان."
فأبتسم وهو يحتويها.
"انتي قلب وروح كنان ورد. من دونك لا أستطع أن أكمل الحياة."
شعور داخلها يخبرها أن هناك شيئًا قادم سيجعلها تتألم. متى وما هو لا تعلم. ونهضت من جانبه تبحث بعينيها عن هاتفها عندما شعرت بمهره وترجمة إحساسها نحوه.
"أين هاتفي يا كنان؟"
فطالعه وهو يعتدل في رقدته. ونظر لها بقلق.
"ما الأمر يا ورد؟"
فألتقطت هاتفها بعد أن وجدته.
"مهره كنان. أشعر بالقلق عليها."
وضغطت على زر الاتصال بها. لتبعد الهاتف عن أذنها بعد أن وجدته مغلقًا. وتعلقت عيناها به.
"هاتفها مغلق. شقيقتي بها شيء."
وظل تدور بالغرفة. إلى أن نهض من فوق الفراش وحاوطها بذراعه.
"أهدي يا ورد. لا يوجد شيء يا حبيبتي. من الممكن أن لا يوجد شبكة أو شحنة انتهت. نتصل بجاسم كي نطمئن أكثر."
وشاكسها حتى يجعلها تهدأ.
"أخشى أن يكونوا برحلة ونقطع عليهم لحظاتهم السعيدة."
ضحك فضحكت على دعابته التي يعلم مقصدها. ووضعت الهاتف على أذنها بعد أن بدأ هاتف جاسم بالرنين.
كان جاسم يسطح مهره على الفراش بعد أن عاد بها من المشفي.
وابتعد عنها. ثم أخرج هاتفه. لتطالعه بقلق خائفة أن يعلم بهوية السارق. كل ما كان يدور بعقلها ماذا سيفعل إن علم أن السارق شقيقها. فقد حذرها كثيرًا منه.
"ده ورد."
هتف وهو يمسح على وجهه بإرهاق.
"أوعى تقولي لها حاجة يا جاسم."
قالتها بلهفة وخوف على شقيقتها. ليفتح الخط. فهتفت ورد بقلق وهي تأخذ أنفاسها ببطء.
"جاسم. مهره كويسة."
فنظر لمهرة التي حركت له رأسها بأن يطمئنها أولاً ثم يعطيها الهاتف.
"إزيك يا ورد؟"
فشعرت ورد بالخجل من بداية حديثها المندفع معه دون أن تسأل عنه.
"بخير يا جاسم. انت عامل إيه؟ طمني على مهره."
فأبتسم رغما عنه.
"اهي معاكي."
فألتقطت الهاتف منه وهتفت.
"مالك يا ورد قلقانة كده ليه؟"
فتنهدت ورد براحة.
"انتي كويسة يامهرة؟ فيكي حاجة وجعاكي؟ أوعي تكوني ولدتي من غيري."
فضحكت وهي تتحسس على بطنها. فرغم كل ما حدث جنينها مازال متمسكًا بالعيش داخلها لا يريد الخروج للحياة قبل موعده.
"لا متخافيش لسه مولدتش. انتي ميعادك قبلي. المفروض أنا اللي أقلق عليكي."
حنانها الطاغي على صوتها وملامحها جعله يقف مدهوشًا منها. رغم ما يحل بها إلا أنها تبقى صامدة أمام من تحب.
وتنهد بفتور واتجه نحو الشرفة يفكر في كلام الضابط بعد أن عاينوا الفيلا واستجوبوا الحارسين. بل حتى استعدوا فوزية الخادمة للتحقيق معها هي والسيدة هدى التي جاءت صباحًا وانصدمت بما حدث. بل وبكت على تركها لها.
وشعر بخطواتها خلفه بعد أن أنهت حديثها مع ورد وطمأنتها عليه.
"جاسم."
فألتف نحوه وابتسم بدفء بعد أن تمالك جمود ملامحه.
"قومتي من على السرير ليه؟"
فأندفعت نحوه تحتضنه.
"خوفت أوي يا جاسم. متسافرش وتسيبني تاني. أنا هسمع كلامك بعد كده."
تجاربه الكثيرة وسنوات عمره جعلته يشك بجملتها الأخيرة. منذ الصباح وهي شارده. حتى إجابتها مع الضابط الذي جاء المشفي ليأخذ أقوالها كانت وكأنها تخرجها من صراع قوي داخلها.
وضمها بذراعيه وانحنى نحوها حتى لامست ذقنه رأسها.
"متخافيش أنا معاكي أه. والفيلا هتتأمن أكتر من كده. أوعدك حقك مش هسيبه يا مهره."
وأبعدها عنه يضع بيده على الضمادة التي تلف رأسها. ثم شفتيها المجروحة. فضغط على أسنانه وهو يود صفع من فعل بها ذلك.
"أنا كنت خايفة عليه أكتر مني."
فنظر إلى ما تنظر إليه. فمد كفه يلامس بطنها.
"الدكتور طمني على وضعه. ابننا طلع قوي واستحمل."
كان يطمئنها بثبات. رغم أن داخله الغضب يمتلكه. ف للحظة تخيل أن أصابهم مكروه. للحظة أدرك أن العالم يصغر من حوله.
لحظة علم فيها شعور ياسر عندما كان يخبرها أن الألم والخوف يتضاعف حين تشعر أنك مسؤول عن أناس تتعلق بعنقك.
"زوج أو أب."
وعاد يضمها إليه، يربت على ظهرها بحنو، يخبرها أنه معها.
ومع كل كلمة كانت دموعها تتساقط من أصعب جرح قد ذاقته بحياتها، غدر شقيقها.
***
أجلسها على الأريكة بعد جهد كبير معها بأن تؤجل نزهتهم، ويظلوا بالمنزل كي يتحدثوا قليلاً.
"كنان أنت جئت بي لهنا... من أجل أن نتجول ونقضي الوقت بالخارج... لا للجلوس."
هتفت بتذمر طفولي جعله يبتسم رغم صعوبة ما به الآن وما يرتبه من كلمات.
"بعد ولادتك أشيري نحو المكان الذي ترغب به وسأخذك... سنتجول كثيراً... وسأتفرغ دوماً... لكِ."
فحدقت به بأعين متسعة ثم ضحكت.
"سأحاول أن أصدقك كنان... أنك تعشق عملك حبيبي."
وتحركت شفتيه أخيراً بعد أن فرك يديه بتوتر، فلم يعد وقت الحقيقة ستكون منه أفضل من أن تعرفها من أحد.
"ورد أنا..."
فانتبهت إليه بتركيز بعد أن شعرت بوجود خطب ما.
"تكلم كنان... أنا بدأت أشعر بالقلق... هل تزوجت عليّ أخرى؟"
ضحكت وهي تتفوه بآخر كلماتها، فتجمدت ملامحه وكاد أن يخرج كل ما يؤرق مضجعه.
ولكن رنين هاتفه قطع كل شيء، لتنظر إليه.
"هاتفك كنان."
كان يتخيل ثورتها حين يخبرها، ولكنه فاق، فهو لم يخبرها بشيء.
وأخرج هاتفه من جيب سرواله بتوتر، وحدق بالرقم ثم نهض من جانبها وهي تطلعه، وابعد عنها ليأتيه صوت إيلا الباكي.
"كنان... أيهم قد صدمته سيارة."
***
دلف للمنزل ليلاً بعد أن قضى طيلة الوقت يبحث عن شقيقه، فسمع صوت والدته الضاحك وهي تتحدث بالهاتف وتجلس أمام التلفاز، وعندما انتبهت لقدومه، أغلقت مع من تحادثه قائلة بتوتر:
"كنت بكلم صاحب المصنع... ببلغي شحنة الأجهزة عشان مفيش سيولة بالبنك."
لم يكن سيسألها عما تفعل، فالحديث لم يعد يجدي بنفع، والدته لا ترى إلا المال والخير الذي يعيشون به إلا ملكها وهي السبب بحياتهم تلك، فلولا إرثها من والدها ما كان والده رحمه الله أصبح تاجرًا له اسم بين التجار، رغم أن والد تعب بأن يصبح لديهم بدل المتجر أربعة.
"مكنتش هسألك بتكلمي مين ياسهير هانم."
فانتبهت سهير لصوته الساخر وخشت أن يكون علم بهوية من تحادثه وما بينها وبين كمال.
"انت بتكلم أمك كده يا أكرم؟"
هتفت بصوت قوي كي تخفي ضعفها عن مرأى عينيه، ليقترب منها.
"أمي... أنا مش عارف إزاي الكلمة دي ليها معنى كبير وعمري ما حسيتها."
فصرخت بوجهه.
"لأ انت أكيد شارب حاجة... أو خطيبتك قومتك عليا ماهي مش عايزة تيجي تسكن معايا بنت الحسب والنسب."
قالتها باستخفاف وتهكم، فطالعها بمرارة.
"كرهتي أخواتي البنات وقولت ماهو برضوه بنات ضرتها وحبها لأبويا كبير... مات أبويا وبعد أسبوع رجعتي تاني أقوى... مشوفتش حزنك عليه حتى... لأ احترمتي شرع ربنا وعدتك ولا حتى وصيته ليكي إنك تدي مهرة وورد حقهم... أقولك كرم بيضيع تقوليلي ده شاب سيبه يستمتع بحياته زي باقي الشباب... أخوك مبيعملش غلط."
وأخذ أنفاسه ودموعه تتساقط بعجز.
"انت بتكره أخوك من صغرك... انت مبتحبش غير نفسك."
انصدمت سهير من هيئته وهو يتحدث إلى أن اقترب منها يمسك ذراعيها يحركها بيديه بقهر.
"ليه يا أمي... ليه عملتي فينا كده... لينا بنيتي حياتنا على الظلم... ربنا رضاكي بينا بعد سنين صبر ورجاء وفي الآخر تنسي فضله عليكي... ذنب مهرة وورد وأمهم جه في ابنك... ابنك بقى مدمن وضايع... ابنك سرق أخته... مكفاهوش اللي عمله فيها قبل كده راح يسرقها."
فلم تتحمل سهير اتهامه على شقيقه رغم أنها للحظات تزلزلت داخلها، ولكن... صفعة قوية سقطت من كفها على وجهه ثم شهقت بعدها بصدمة عما فعلته.
"اخرس متتكلمش كده عن أخوك... كرم أخوك بنات زينب لأ مش أخواتك."
توقفت عيناه عليها وتحركت يده نحو وجنته يلامس صفعتها.
ومرت اللحظات وهو واقف هكذا، لتنظر له بندم.
"أكرم حبيبي متزعلش... انت عارف أنا بحبك انت وأخوك قد إيه وبعمل كل ده عشانكم... أخوك كويس يا أكرم بنت زينب هي اللي من ساعة ما قربت منها وبدأت تملي دماغك عن أخوك."
فضحك كالمجنون وكأنه فاق من سكونه، ودار حول نفسه وهو يلتقط أنفاسه من أثر الضحك.
"النهاية قربت يا أمي."
***
طالع ريان عمار الذي دلف من باب المطعم للتو، ليقترب منه عمار بهدوء ثم جلس قبالته.
"قول اللي عندك عشان مش فاضي."
فتنهد ريان وقبض على كفه الممدودة، وجلس ثانية على مقعدها.
"ما زال طلبي قائم عمار... أريد الزواج من علياء."
فتجمدت ملامح عمار وهو يسمع اسم شقيقته.
"قلت لك طلبك مرفوض... ولو كنت فاكر عشان أختك مراتي يبقي هأوافق... أنا لو هجوز علياء لأي حد انت لأ."
فضاقت عين ريان وهو يتمالك نفسه من فظاظة أسلوبه.
"ما السبب عمار؟"
فألتوت شفتي عمار بتهكم.
"السبب سمعتك يا بشمهندس ولا أنت فاكرني مش عارف."
وقبل أن يهتف ريان بشيء مدافعًا عن حاله.
"عندي أجوز أختي لواحد على قد حاله بيخاف ربنا... أفضل مليون مرة من واحد زيك من كتر فلوسه مضيعها على الخمرة والقمار والستات... تحب أكمل؟"
لأول مرة يشعر بثقل الإهانة، من قبل أن كان يفتخر بحب النساء له وحياته الماجنة، أما الآن تغير كل شيء.
"عمار أنا تغيرت منذ صدقني... أعطيني فرصة وبعدها سأقبل بكل شيء منك... حتى لو هسيب مصر."
رغم صدق كلامه إلا أنه نهض وهو يركز عيناه عليه.
"متحاولش تعرض طلب تاني."
***
تجمعت كل من ريم ورقية بجانبها فوق الفراش، يتساءلون عن الحادثة.
"تعرفي يامهرة أنا لو مكانك كنت موت فيها."
قالتها رقية بمشاغبة، لتهتف ريم بأسى.
"صعب اللي عيشتيه."
كانت تسمعهم بشرود إلى أن تذكرت حمل ريم فأبتسمت.
"مبروك على الحمل يا ريم."
فأبتسمت ريم وهي تعانقه.
"الله يبارك فيكي."
ولم يعلموا كيف انفجرت شفتيهم بضحكة عالية بعد أن هتفت رقيه.
"كله عمال يقول مبروك... مبروك وأنا مش بيتقال لي ليه... أنا عايزة كمان أبقى حامل."
فهتفت ريم بطيبة.
"إن شاء الله ربنا هيرزقك يا رورو."
فوكذتها مهرة بساقها.
"مستعجلة على إيه... اعقلي الأول بس."
وقبل أن تبدي رقيه ردة فعل، صدح رنين هاتف ريم فنظرت إليهم.
"ياسر بيرن عليا."
وأنصرفت بعد أن قبلتهم، متجهة لأسفل حيث ينتظرها ياسر.
واقتربت رقيه من مهرة تهتف بعبوس.
"هحكيلك على حاجة بس أوعي تزعلي لي... بس انتي كويسة الأول."
فضحكت مهرة وهي تربت على رأسها.
"احكي يا رقيه عشان شكلك ميطمنش."
وبدأت تقص عليها الرسائل وشكها بأمر طليقة مراد، ولكن.
"حاولت أجيب بيانات الرقم من الشركة... طلع متسجل برقم واحدة كانت جارة مراد في شقته القديمة وكانت صاحبة إلهام... تفتكري كان مراد على علاقة بيها وهو متجوز إلهام؟"
وتابعت وهي تضع بيدها على قلبها.
"مراد هيطلع خاين وبتاع ستات."
ولم تجد مهرة إلا الوسادة الموضوعة خلف ظهرها، لتطرحها نحوها.
"امشي يا رقيه من هنا... انتي لو قصدك تولدينا قبل ميعادي مش هتعملي كده... انتي عبيطة ولا هبله."
فهتفت رقيه بعد أن ألقت الوسادة جانبها.
"هبلة وعبيطة زيك يا مهرة."
فنظرت إليها بمرارة كلما تذكرت الصفعة الأخيرة التي تلقتها.
"وديه حقيقة مكدبتيش فيها."
فشعرت رقيه بالمرارة في صوتها.
"مهره انتي فيكي حاجة."
فتنهدت وهي تعاود لتماسكها.
"رقيه أعقلي وفكري كويس... اللي زي إلهام وشخصيتها اللي حكتيلي عنها تقدر تعمل أي حاجة... احكي لمراد متخبيش عليه،" وتابعت بهمس.
"متعمليش زيه."
***
تسطحت على الفراش وما زالت في صدمتها لا تعلم أتخبره الليلة أم لا، وتذكرت حديث ناريمان معها اليوم عندما ألتقط بها بعد أن ذهبت لعيادة الطبيب لتتأكد منه.
"ستضيعين حياتك من أجل طفل رفيف... سيربطك به أكثر... ألم يكن عمار مجرد نزوة بالنسبة لك... أم أحببته بصدق؟"
والحقيقة التي لم تكن تعلمها أنها بالفعل أحبت عمار ولكنها كانت تبرر تصرفها من أجل وجهتها كامرأة ذات طبقة رفيعة راقية أنها تزوجته لتجرب حياة البسطاء وأن يكون لديها زوج لا يعيش إلا على راتب عمله.
وشعرت بأنفاسه بالقرب من عنقها ثم لامس جسدها.
"خلتيني أحبك ليه يا رفيف؟"
فطالعته وقبل أن تحسم قرارها وتخبره بحملها كان يغرقها في بحور عشقه بعد أن هدمت بسحرها جميع حصونه.
***
نظر إليها بصمت بعد أن أخبرته بكل شيء عن الرسائل وبحثها وراء من تفعل ذلك بل وقصت عليه ظنونها بكل غباء، ليقترب منها مراد متسائلاً.
"وإنتي صدقتي مش كده؟"
فطالعته بارتباك وهتفت بتعلثم.
"أنا حاولت أدور على الحقيقة."
فعاد يسألها وعيناه مسلطة عليها.
"ردي عليا صدقتي أني ممكن أكون على علاقة بالست دي... صح يا رقيه؟"
وصرخ بعد أن ضاق صدره من تعلثمها.
"لولا نصيحة مهرة مكنتيش جيتي قولتيلي."
فهتفت به.
"أنا كنت محتاجة حد يفهمني."
فأبتسم وهو يرفع حاجبيه ساخراً.
"محتاجة حد يفهمك... إنتي طفلة يا رقيه حتى تفكيرك سطحي... بداية جوازنا شوفتيني راجل سادي هيعذبك قبل ما ياخد حقوقه منك... ودلوقتي راجل بتاع ستات وبيخونك."
فطأطأت رأسها بندم.
"أنا آسفة يا مراد... أوعدك هتغير."
فضحك وهو يبعدها عنه بنفور.
"الأطفال ما بيتغيروش يا رقيه غير لما يترحموا من الحاجة اللي بيحبوها... وأنا هعمل معاكي كده."
فاتسعت عيناها بصدمة وهي تخشى حديثه.
***
استيقظت بخوف تنظر حولها، لتجد نفسها بين ذراعيه يضمها إليه، فرفعت يدها نحو وجهه.
ظلت للحظات تحرك كفها على ملامحه، إلى أن فتح عيناه بنعاس.
"مالك يا مهرة... فيكي حاجة وجعاكي؟"
فأشاحت عيناها بعيداً عنه.
"صحيت خايفة."
فحرك وجهها نحوه ثم مسح على خدها ببطء.
"متفتكريش إني ساكت... قريب أوي هعرف مين اللي اتجرء وعمل كده... متقلقيش يا حبيبتي."
فحركت شفتيها تريد أن تبوح له ولكنه أنهاها كلماتها حين قبلها ثم ابتعد عنها.
"نامي يا حبيبتي... أنا جنبك."
***
فتح ياسر عيناه وهو يلتقط أنفاسه متذكراً صراخ زوجته الراحلة وهي تستنجد به وتناديه، العرق أخذ يتصبب من فوق جبينه وهو ما زال يلهث من فرط ما عاشه في كابوسه.
ونهض من فوق فراشه متجهًا إليها في غرفتها، فقد أصبحت هي من تفرض عليه حدود علاقتهما بدلال.
ابتسم وكأنه عاد للحياة وهو يجدها غافية على الفراش براحة.
أقترب منها يجلس على طرف الفراش ينظر لملامحها بحب هامساً:
- انتي دوائي ياريم.
فتلملمت من فوق الفراش وبعثرت الغطاء، فانكشفت ساقاها وقد انحسر ثوبها لأعلى.
فزفر متنهداً:
- انتي بتعذبيني كده ليه.
ولم يعد قادرًا على قوانينها ووعده أنه لن يقترب منها إلا عندما تصفح عنه.
فاندس جانبها وجذبها نحوه، يدفن وجهه بعنقها الدافئ.
فتحت عيناها باتساع لتجد نفسها محاصرة بذراعيه.
- احنا متفقناش على كده.
تملصت من تطويقه القوي، ثم بدأت تخور قوتها في بعده عندما سمعت صوته الراجي:
- ريم أنا محتاج حضنك بس.. ارجوكي.
فأغلقت عيناها بألم وهي تعلم أنه مازال يصارع الماضي.
وشعرت بملمس يده أسفل بطنها وهمس بتثاقل قبل أن يغفو:
- مش هخسركم انتوا كمان.
وقفت خلفه تستمع لمكالمته مع جاسم، الذي يقنعه بأن يعود لكندا بعد انتهاء علاقته بدبي التي ستنتهي غدًا.
- مينفعش يا جاسم.. مش كفاية أنا آخر من يعلم بلي حصل لمهرة.
فتسعت عيناها بخوف تسأله:
- مالها مهرة؟
فأكمل حديثه مع شقيقه إلى أن أقنعه أنها بخير ولم يحدث شيء لها وللطفل، وأن الأعمال تحتاجه، وأغلق معه متنهداً.
فعادت مرام تسأله:
- مالها مهرة.. رد عليا يا كريم.
فزفر أنفاسه، ثم أخذ يقص عليه الحادث.
لتحرك رأسها بأسى:
- ياحببتي يامهره.. الحمد لله عدت على خير.. هتصل أطمن عليها.
وابتعدت عنه متجهة نحو الغرفة تبحث عن هاتفها.
وقبل أن تمتد يدها إلى الهاتف، وجدته يعلن عن وصول رسالة.
لتفتح الرسالة وعيناها مثبتتان على ما تقرأه.
وقفت علياء تنظر حولها بخوف أمام المعهد الذي تدرس فيه، ثم نظرت لريان الواقف أمامه.
- يجب أن نتحدث علياء.
فحدقت به، ثم بصديقتها التي أشارت لها برأسها أن تعطيه فرصة ليتحدث.
- أنا وعدت عمار.
وكادت أن تسير من أمامه، فأمسك ذراعها ثم تركه معتذراً:
- آسف.. علياء أنا سأعود لكندا.
فبهتت ملامحها بألم وهو يخبرها برحيله.
- هتسافر.. هو انت كده بتحبني؟
فتنهد بأسى، فلم يعد يطيق البلد بأكملها.
تذلل لعمار لأول مرة بحياته، يتذلل لشخص أن يعطيه فرصة، حتى هي لا تعطيه فرصة يثبت لها أنه صادق بحبها.
- تعالي معي علياء ونتزوج.
فتسعت عيناها وهي تستمع لطلبه الذي صدمها، وسقطت دموعها.
- انت جبان.. لو بتحبني هتعمل عشاني المستحيل.
وانصرفت من أمامه تمسح دموعها.
فوقف يحدق بها وصدا كلماتتها تتردد بأذنيه.
طالعت عايدة الرسالة النصية التي بعثت إليها بأعين متسعة.
أخبرتها نرمين بكل ما حدث في آخر لقاء بينهما، حتى أنها تعجبت منها بعد أن أخبرتها أن تنظر حولها ولا تعلق عيناها على أمل ضائع.
حقدها مازال قائمًا على مهرة ولم تحبها، ولكن أصبحت تشفق على شقيقتها من ذلك الحب البائس.
فقد فعلت كل المحاولات وانتهت بالفشل.
دقت ورد عيناها بجسد كنان بعد أن غادرت غرفة الطبيبة التي تتابع معها حملها بالمشفى.
كان متجهاً نحو أحد الممرات وتسير بجانبه إحداهن تشعر وكأنها رأتها من قبل.
فتعلقت عيناها بهما وهي تسير خلفهم، ثم تذكرتها هاتفه باسمها "إيلا".
طالعها بنظرة غامضة يبحث عن الحقيقة في عينيها بعد أن أنهى اتصاله مع الضابط المسؤول عن القضية.
واقترب منها يتمعن في النظر إلى رأسها التي مازالت ملفوفة بالشاش الطبي.
- الظابط المسؤول عن القضية لسا مكلمني.. ومستغرب من طريقة السرقة وكأن الشخص فاهم كويس مداخل الفيلا ودارس المكان.
فأشاحت عيناها تهرب منه.
هل تخبره أن شقيقها كان أحد اللصوص؟
فقد ضربها أحدهم على رأسها ولا تعلم من أين أتت الضربة لتفقد الوعي لبعض الوقت ليتمكنوا من الهروب.
- مهره انتي شوفتي شكل حد من الحرامية.
فانتبهت لسؤاله الذي تكرر كثيراً اليوم.
- قولتلك لأ.. انت مش مصدقني ليه.
فتعلقت عيناه بعينيها الهاربة.
- مش معقول مش هصدقك يامهرة.. بس انتي مش شايفة الموضوع غريب.. الحارسين اللي بره اتحطلهم منوم في الأكل.. الحرامي كان عارف خطواته جوه البيت وعارف إنك لوحدك.
وعندما شعرت أن كل شيء بدأ بالظهور، عضت شفتيها بقوة وأغمضت عيناها قبل أن تخبره بكل ما أخفته عنه منذ ما حدث من يومان.
ولكن رسالة نصية بعثت على هاتفه جذبت انتباهه.
فأخرج الهاتف من جيب سترته، ناظراً لها ثم للهاتف، لتستقر عيناه على الرسالة.