تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سهام صادق
لا تعلم كيف ضم ذراعيها بقبضتي يديه واصبحت فوق ساقيه ممده وهو ينهال عليها ضربا وهي تصرخ وتتملص من حصاره.
- أنت مفترى وظالم .. أنا بكرهك يا جاسم.
وتابعت وهي تتألم وهو مازال يعد عدد الطرقعات التي يهبط بها على هدفه.
- كل ده عشان العشا مع نرمين .. طب أنا بقي ولا نرمين.
فصدحت ضحكاته وهو مازال مستمر فيما يفعل.
- وده سؤال محتاج أجابه ياحببتي .. نرمين طبعًا.
فأغمضت عيناها بألم تفرك جسدها كي تستطيع التخلص من قبضته القوية.
- أبعد ايدك عني .. أنا مش قعدالك فيها .. أنا هلم هدومي وأمشي.
فأزدادت قوة الصفعه .. لتصرخ من الألم.
- كلمه زياده تاني ... وبدل ما يبقي عشرين يبقوا خمسين.
فاتسعت عيناها وهي لا تصدق أنه سيصفعها إلى هذا العدد .. وهبطت يده فصرخت هاتفه.
- عشرين وصلنا لعشرين .. كفايه بقي.
فضحك بمتعة على كذبتها.
- لاء ياحببتي انتي بتعدي غلط .. ديه العاشره.
فأخذت تتملص من بين ذراعيه تهتف بصياح.
- انت فاكر نفسك رشدي أباظة.
فضحك وهو يتذكر مشهد ذلك الفيلم الذي لا يعلم آخر مرة شاهده فيه.
- لاء أنا جاسم الشرقاوي.
فلوت شفتيها بغضب وهي تحاول قضم أي شيء تصل إليه أسنانها.
- هنتقم منك يا جاسم .. مش هسكت على اللي عملته ده ... هرفع عليك قضية خلع.
فأنفجر ضاحكًا وهو مستمتع بتعذيبها اللذيذ وهي تصرخ من شدة الوجع.
.................................
وقفت تنظر إلى المحتويات التي وضعها أمامها لتصنع له الطعام الذي يرغب به .. هدي ذهبت لغرفتها بعد أن أمرها بالمغادرة كي تستريح وفوزية فرحت لانصرافها المبكر .. أما هي فالألم مازال مستمر أسفل ظهرها.
- منك لله يا جاسم .. يا مفتري يا ظالم.
وتابعت وهي تبكي.
- أنا لازم أصلح غلطتي وأطلق منه .. ده راجل ظالم.
وسمعت صوته الأمر.
- ساعه والأكل يكون جاهز.
فتحركت سريعا نحو الموقد لتبدأ بالطهي وهي تخشى بطشه ... وداخلها يتوعد له.
ومر الوقت فنظرت لما أحضرته برضا وابتسمت.
.......................................
تسير على شاطئ البحر ليلاً غير مصدقة أن إحدى أمانيها قد تحققت ... ها هي الآن ترى ما تمنت.
كانت تمسك فستانها بيديها من شدة الهواء المتراطم بجسدها .. كانت كطفلة ضائعة تنظر حولها مستمتعة بحلمها.
وعيون بعيدة تنظر إليها بقوة تتأمل كل شيء فيها ويهمس اسمها بشفتيه.
" ريم "
كان ريان هو من يقف يطالعها ... وتحركت قدماه ببطء نحوها وعيناه ما زالت تحدق بها وابتسامة ترتسم على شفتيه وهو يتخيلها بين ذراعيه ملكه.
ووقف خلفها وقد كانت منحنية قليلاً ترتدي حذائها كي تعود إلى غرفتها المشتركة مع زميلاتها بالعمل.
- ريم.
فأنتفضت ريم فزعًا وألتفت نحو مصدر الصوت تضع بيدها على قلبها .. فأبتسم ريان وهو يقترب منها.
- لا تخافي.
وتسأل بهدوء.
- لما انتي هنا في ذلك الوقت.
فأجابته بتلقائية عاهدها منها.
- كان نفسي أتمشى على البحر بليل.
وخطت بخطوة للأمام لتتخطاه بأرتباك.
- هرجع للفندق.
ليوقفها وهو يتبعها بعينيه بعمق.
- ما رأيك نسير سويا ريم.
فطالعته وهي لا تعلم بما تجيب .. فهي لم تعش مثل هذه الحياة من قبل .. حياتها انفتحت عندما وظفت بمجموعة الشرقاوي غير ذلك كانت ستظل حياتها منغلقة ونظرت إليه بخجل محركة رأسها بنعم.
فهذا مديرها ولا داعي للخوف منه .. فأتسعت ابتسامة ريان أكثر وأشرقت ملامحه وأشار لها بأن تسير.
- اتعلمي ريم أنك تشبهين الأطفال.
فتسألت ببراءة مفرطة.
- يعني ده شيء كويس ولا وحش... أنا مش عارفة ليه بتشوفوني كده.
فضحك ريان بقوة جعلتها تخجل وظنت أنها قالت شيء خطأ ويسخر منها الآن .. فشعر ريان بمشاعرها ووقف أمامها يطالعها.
- لم أقصد السخرية ريم .. ولكن حقًا أنت طفلة وطفلة جميلة وممتعة.
فتوردت وجنتيها وطأطأت رأسها سريعًا بخجل من نظراته التي لا تفهمها وسمعت سؤاله الذي لم تتوقعه.
- هل أحببتي من قبل ريم.
ظهرت صورة ياسر أمام عينيها ولكن حركت رأسها بلا مع غصة وقفت بحلقها .. فياسر لا ينظر لها ولن ينظر لها فمن هي حتى ينظر إليها أحد.
كان هذا ما يخبره بها عقلها.
ولمعت عين ريان وهو يرى حركة رأسها .. فهذا هو ما يريده .. امرأة يريها هو الدنيا على يديه بالمقدار الذي يريده .. يشكلها كما يرغب .. يعطيها ما يريد.
ويضع قوانين ملكيته عليها .. لا تسأل لا تتمرد.
يريدها منكسرة ضعيفة .. يريدها كالمعدن حين استخراجه من باطن الأرض.
أرتبكت من نظرات عيناه المسلطة عليها .. وشعرت بالخجل عندما بدأت معدتها تنقبض من الجوع وخشت أن تصدر صوتًا مطالبة إياها بالطعام .. وبحركة لا إرادية وضعت بيدها على بطنها.
فأنتبه ريان للأمر بعد أن كان غارقًا فيما يفكر به.
- مابكي ريم .. هل تتألمين.
فنظرت إليه كطفلة صغيرة.
- أنا جعانة أوي .. أصل معرفتش آكل في المطعم معاكم.
فحرك يده على ذقنه مبتسمًا.
- كنت أشعر بذلك.
ومد كفه لها قائلاً بمرح.
- هيا لنطعم معدتك قبل أن تفضحنا.
لم تكن تظن أن مديرها يملك كل ذلك المرح بل ويتحدث معها هكذا ونظرت إلى يده الممدودة.
- أنا مقدرش أمسك أيدك.
فنظر إلى يده ونظرت عيناها التي كانت مثبتة على الرمال .. وفهم سبب رفضها وما زاد رفضها إلا رغبة الوصول إليها.
- فهمت ريم.
وتقدم أمامها .. فسارت خلفه وهي تعاتب نفسها على ذلك الوضع الذي وضعت نفسها فيه.
.................................
وقف ريان بساحة الفندق متجهين نحو المطعم الخاص بالفندق ولكن صوت إحداهن أوقفهم وتقدمت منه المرأة تعانقه وقبلته على وجنتيه.
- ريان اشتقت إليك كثيراً.
كانت المرأة تحادثه بالإنجليزية وملتصقة به بشدة .. فأشاحت ريم عيناها عنهم من خجلها .. فيبدو أن حياة مديرها منفتحة ولا يفرق معه شيء.
وطريقة المرأة تدل أن ما بينهما أكثر من ذلك.
فتنهد ريان بسأم وحاول التخلص منها .. وأخذت عيناه تتركز على ريم التي وقفت بعيدًا عنهم وأصبح ظهرها لهم .. فضحكت المرأة.
- أرى أنك وضعت عيناك على فريسة أخرى.
وتفصحت جسد ريم وهي تقف بدلال أمامه.
- ولكن تلك لا تشبه نسائك ريان .. هذا النوع يريد زواج فقط عزيزي.
وضحكت بصخب .. فألتفت ريم نحوهم ثم عادت تشيح عيناها عنهم.
- ناريمان لماذا أتيتي لهنا.
وتذكر رفيف شقيقته .. فزفر بحنق.
- بالتأكيد رفيف هي من أخبرتك.
وأخذ يتوعد لشقيقته.
فطاوقت ناريمان عنقه بتملك.
- ما رأيك أن نسهر سويا الليلة .. واعتذر من تلك الصغيرة.
وهمست بجانب أذنه وهي تتمايل.
- سأمتعك الليلة.
كان سيدفعها بعيدًا عنه ولكن فكر قليلاً بالأمر.
ف ناريمان كالعلقة لن تتركه وشأنه وإذا تركها وذهب مع ريم .. ستضع ريم تحت نصب عينيها وستضيع كل ما يخطط له.
وأشار لها بأن تقف وتنتظره .. فأبتسمت بزهو وهي تحرك يدها على خصلات شعرها الشقراء ووقفت تحدق به وهو يتجه نحو الأخرى.
وعندما رأته ريم يتقدم منها ابتسمت ولكن تلاشت ابتسامتها وشعرت بالإحراج وهي تستمع لكلمات اعتذاره مخبرًا إياها.
- اعتذر منك ريم كنت أريد مرافقتك .. ولكن اذهبي انتي لغرفتك واطلبي كل ما شئتي وأنا سأخبر الفندق بالأمر.
وابتسم بلطف.
- كل شيء على نفقات الشركة لا تقلقي.
فأبتسمت لتداري ارتباكها فهي من بجانب تلك المرأة ليترك رفيقتها ويرافقها وابتلعت ريقها وهي تهتف مطأطأة الرأس.
- مافيش داعي يافندم.
وأقتربت منه ناريمان ومسكت كفه وهي ترمقها بنظرات متعالية.
- هل سأنتظر كثيرا ريان.
لتخجل ريم من وقوفها وتعطيلها لهم فأنصرفت معتذرة.
- عن إذنكم.
......................................
كادت أن تجلس على المقعد كي تتناول الطعام معه الذي أعدته له كما أمر .. فما فعلته تجني ضريبته الآن.
وصرخت متأوهة من الألم متذكرة صفعاته العشرون على مؤخرتها .. فضحك بمتعة وهو يراها هكذا.
- معلش بكرة تخف ياحببتي.
وضحك بصخب.
- ده أنا مش هعاقبك بعد كده غير بالطريقة اللذيذة ديه ... ده طلع الموضوع جميل بشكل.
وابتسم وهو يجدها تحدق به بغل وتكور قبضتي يديها بغضب.
- اظاهر إنك عايزة تجربي وحبيتي الموضوع زي..
وقبل أن يكمل باقي كلامه وجدها تنزل يدها .. فتعالت صوت ضحكاته.
- أنا مش هتعاقب كده تاني .. أنا مش عيلة صغيرة على فكرة.
كانت تهتف بحنق طفولي أما هو كان مستمتع بالأمر.
- ده هو ده العقاب اللي ينفع مع اللي زيك.
ومد كفه يقرص وجنتيها بقوة .. مطالعًا ما أعدته.
- إيه الأكل ده.
فنظرت إلى ما أحضرته له.
- سلطة ومكرونة بالتونة.
فلطم خدها بخفة وهو يحدق بالطعام.
- ما أنا عارف إنها سلطة ومكرونة .. بس مش ده الأكل اللي طلبت تعمله.
وأخذ يخبرها بما طلب إعداده .. وفور أن أنهى حديثه.
حملت الأطباق من أمامه باستياء وسارت بهم من أمامه في صمت.
- خدي هنا .. مهرة .. مهرة.
ونهض من فوق مقعده يتبعه وهو يحرك كف يده باستمتاع.
- لاء شكلنا هنكمل العقاب.
وقف يكتم صوت ضحكاته وهو يطالعها كيف تأكل الطعام الذي أعدته بحنق وتحادث نفسها.
- أنا يتعمل فيا كده .. بعد ما كنت عايشة برنسيسة مع نفسي.
وأخذت تبكي كالأطفال وتأكل.
- أنا عايزة أرجع لنفسي القديمة .. ومحل البقالة بتاعتي .. وأجيب ورد من تركيا ونرجع لحياتنا.
ومع كل جملة تنطقها .. كانت تدفع بالملعقة داخل فمها.
ثم لوت شفتيها باستياء من طعم ما أعدته.
- مالها المكرونة معجنة كده وطعمها وحش.
فأنفجر ضاحكًا وهو يقترب منها وقد انتبهت لوجوده.
فحدقت به بقهر ثم عادت تأكل الطعام دون أن تبالي به.
- مهرة.
ولكن كانت لا تنظر إليه .. فتنهد وهو يقترب منها ورفعها من ذراعيها نحوه يحتويها بحب.
- متزعليش خلاص .. بس أعملك إيه ديه تراكمات أفعالك ياحببتي.
فأنفجرت بالبكاء.
- أنت كنت بتضرب جامد .. ايدك تقيلة أوي.
فضحك وهو يضمها أكثر إليه.
- من الغل اللي جوايا ياحببتي.
فدفعته عنها بحنق.
- ليه هو أنا بعمل معاك إيه أنا زوجة مطيعة... أنت مش حاسس بقيمتي.
ونظرت إليه بقوة.
- بعرضك في حاجة .. بعمل لك مشاكل .. بتسمعي ليا صوت.
فضحك وهو يمد كفيه نحو وجهها.
- إطلاقًا ياحببتي... أنا راجل مفتري.
فحركت رأسها بالموافقة.
- أيوه مفتري .. وهتدفع تعويض على اللي عملته.
فأتسعت عيناه وهو لا يصدق زوجته تطبق مهنتها معه.
- ادفع..
كمان ادفع.
"اه هتدفع.. أنا مضربش بلاش."
لم يعد يتمالك صوت ضحكاته وسألها وهو يقف بشموخ:
"عايزة كام ياحضرة الأفوكاتو."
فلمعت عيناها وهي تتذكر المال الذي ستساعد به إحدى الفتيات التي أخبرتها عنها فوزية، فالفتاة تحتاج لبعض الأشياء في جهازها كعروس.
"عشرين ألف جنيه."
فأبتسم جاسم وهو يجدها تحسب بعض الأشياء بعقلها.
"لأ، خمسة وعشرين."
فضحك وهو يجذبها نحوه ويحسبها بعقل رجال الأعمال.
"لو هنفترض إن على كل طرقعه ألف جنيه، وأنتي اتضربتي عشرين ضربة.. كده أنا ليا في ذمتك خمس ضربات."
ورفع حاجبيه بمكر:
"بس مش غالية أوي تمن الطرقعه ياحبيبتي.. ليه فاكرة نفسك مين."
فهزت كتفيها بأعتزاز:
"مهرة هانم مرات جاسم بيه الشرقاوي."
فصدح صوت ضحكاته بعلو، لم يعد يتحمل أكثر من ذلك وأصبحت تلك الليلة ممتعة بشدة ونسي حنقه منها الذي كان في البداية.
"تصدقي عشان الجملة دي هديكي الفلوس ومتنازل عن الخمس طرقعات اللي ليا في ذمتك."
ومسح على ظهرها برفق:
"بس بقيتي ذكية ياحبيبتي وطلعتي إنتي المستفادة في الآخر.. وأنا مش متعود على الخسارة."
فأبتسمت وهي تعانقه:
"أنا مراتك برضوه والخسارة مطلوبة معايا."
فضحك بأستمتاع وهو يفكر في الأمر:
"أقنعتيني."
فعادت تحرك كتفيها بغرور ثم مدت يدها له:
"فين الفلوس."
فحدق بيدها ثم بها بأمتعاض:
"هو أنا هديكي العدية يامهرة.. ما تسحبي من الحساب اللي عملهولك في البنك."
فأبتسمت بعد أن أدركت غباءها وتسألت وهي تريد أن تعلم الإجابة:
"إنت مش هتسألني هعمل إيه بالفلوس دي."
كان يرتشف الماء وهي تسأله، فترك كأس الماء جانباً مجيباً عليها قبل أن يخرج من المطبخ:
"أنا متأكد إن الفلوس أكيد هتساعدي بيها حد.. أو هتعملي بيها حاجة مهمة.. وحتى لو كان غير كده فلوسي هي فلوسك ياحبيبتي."
لتقف مذهولة من رده ثم اتسعت ابتسامتها وهي تهتف بحب:
"أنا بحبك أوي."
فعاد إليها مبتسماً:
"وأنا كمان بحبك يامصيبة حياتي."
وانصرف بعدها.. وانتهت الليلة بهدوء عجيب وجولة وضع هو بها النقاط لصالحه.
ابتسمت ليليان بسعادة وهي تستمع بما يخبرهم به الطبيب.
"ورد حامل."
كان خبراً شكت به ورد ولذلك لم ترد الذهاب للمشفى، فأين هو كنان ليشاركها هذا الأمر؟ ولكن مع سوء حالتها لليوم الثاني أصرت ليليان في اصطحابها.
وخرجوا من المشفى وليليان تخبرها بصياح:
"أنا أحب الفتيات ورد.. أريد فتاة أدللها."
فأبتسمت ورد بشحوب لسعادة ليليان رغم أنها من الداخل حزينة لغياب كنان عنها، والفظع من ذلك هي خائفة، خائفة من شيء لا تريد التفكير فيه.
"ما بكِ ورد؟ ألستِ سعيدة؟"
ولكن أدركت ليليان الوضع سريعاً وضحكت وهي تسير نحو سيارتها:
"نعم فهمت.. إنتي كنتي تريدين كنان هو من يكون معي اليوم."
واردفوا لداخل السيارة، فوضعت ورد بيدها أسفل معدتها:
"ليليان لا أحد يعلم بالأمر غيرنا.. أنا أريد أفاجئ كنان بهذا حين يعود."
فأبتسمت ليليان بتفهم محركة رأسها وهي تقود السيارة:
"لا تقلقي ورد أنا أتفهم شعورك."
فأتسعت ابتسامة ورد وهي تتخيل اليوم الذي سيعود فيه كنان من سفره وترى لهفته حين تخبره. وقررت أن لا تضيع تلك اللحظة وتلتزم الصمت عندما يعود.
"لا أعلم كيف سأصمت كل هذه المدة ليليان."
فضحكت ليليان وهي تطالع الطريق:
"لدي فكرة.. أخبريه أنكِ مريضة وتحتاجينه.. فيتعجل في سفره ويعود لكي سريعاً."
فلمعت عين ورد بتلك الفكرة وقررت أن تهاتفه فور أن تعود للمنزل.
كانت فريدة تهبط الدرج وتحمل حقيبة صغيرة بيدها.
فوقفت ورد تنظر إليها وقد ظنت أنها ستسألها عن حالها، ولكن:
"ما تلك الهيئة التي بها.. اعتنِ بمظهرك قليلاً.. وجهك يثير الاشمئزاز."
وأشارت لها بأصبعها بأحتقار:
"إلى الآن لا أعلم ما أعجب ابني بكِ."
وأكملت سيرها دون أن تخبرها بوجهتها التي ستغيب فيها لأيام.
فدمعت عين وبدأ شعورها بأن كنان نفر منها وندم على زواجه بها.
"هيئتي كذلك لأني مريضة فريدة خانم."
فوقفت فريدة ثم ألتفت إليها بعد أن أخبرتها ورد بمرضها وضحكت ساخرة:
"مريضة حقاً.. اشربي أعشاب عظيمة وستشفي غداً."
قالتها بتهكم ثم انصرفت.. لتقف ورد تطالعها بألم.
واقتربت منها عظيمة بحزن لما تعانيه متسائلة:
"هل أنتِ بخير بنيتي؟"
فحركت ورد رأسها بأبتسامة صادقة لتلك المرأة التي تعاملها بحب وتعتني بها.
اتسعت ابتسامة مهرة وهي تستمع لخبر ورد:
"لأ إنتي تعالي مصر أخلي بالي منك."
فأبتسمت ورد بحب لشقيقتها التي تحتاج للاعتناء مثلها:
"مهرة إنتي محتاجة اللي يرعاكي.. أنا معايا ليليان متخافيش مبتسبنيش خالص."
فأنهت مهرة براحة من وجود تلك الفتاة بجانب شقيقتها فقد أحبتها من حديث ورد عنها.
"كنان راجع إمتى من إيطاليا.. المفروض كان أخدك معاه مدام هيغيب كل ده."
وتسألت:
"هو عرف بالخبر؟"
فهتفت ورد بحماس:
"هقفل معاكي وأكلمه."
وقصت عليها الفكرة التي أخبرتها بها ليليان، لتضحك مهرة مؤيدة:
"روحي كلميه.. ومثلي عليه المرض واتسهوكي كده زي البنات يا ورد."
فضحكت ورد على نصيحة شقيقتها.. وأغلقت الخط بعد أن ودعتها.
فأنتبهت لضحكات جاسم وهو يخلع سترته ويجلس على الفراش:
"طب اتسهوكي إنتي عليا ياحبيبتي واعملي زي الستات."
فأغلقت مهرة ستارة الشرفة واقتربت منه تجلس جانبه:
"لأ إنت عاقل ياحبيبي ومبيضحكش عليك كده."
وشهقت بفزع بعدما دفعها على الفراش ومال نحوها ضاحكاً بخبث:
"مين اللي فهمك كده.. لأ أنا لازم أغير الفكرة دي عني."
جلست ورد على الفراش تحضر ما ستخبره به حتى يتعجل بعودته وهتفت بتمني:
"يارب الخطة تنجح ويرجع كنان بكرة."
وامسكت هاتفها وهي تتنفس بهدوء وبدأت تدق عليه ليأتيها صوته المحب:
"ورد حبيبتي.. كيف حالك اليوم.. ذهبتِ للطبيب؟"
فهتفت ورد برقة وجعلت صوتها منخفض كي تنجح خطتها:
"أجل ذهبت كنان ولكن لم أتحسن إلى الآن."
فأبتسم كنان وهو يطالع بعض الأوراق أمامه:
"ستشفي حبيبتي لا تقلقي.. سأجعل بشير يبعث ليليان لكي لتقيم معكِ تلك الفترة."
فتحاولت ملامح ورد للعبوس وهتفت بتذمر وقد نسيت خطتها:
"كنان لقد اشتقت إليك.. أريد أن تعود كنان."
فتنهد بشوق حقيقي:
"وإنا أيضاً اشتقت إليكِ ورد ولكن حبيبتي تحمي قليلاً من أجلي."
فحاولت أن لا تضغط عليه أكثر وقدرت سبب بعده.. فبالتأكيد عمله يأخذ كل وقته.
"حاضر كنان سأتحمل."
فتمتم قبل أن يغلق معها:
"أحبك."
لتبتسم وبادلته الكلمة بحب:
"وأنا أيضاً أحبك."
واسترخى في مقعده بعد أن أغلقت معه.. لتطرق عائشة غرفة مكتبه وتردف وهي تضحك:
"انتهى الدوم.. هل سنظل نعمل طوال الوقت؟"
فنهض كنان من فوق مقعده مبتسماً يحمل سترته واقترب منها يضمها إليه وداخله راضي عما وصل إليه مع عائشة:
"بالتأكيد لا."
فأبتسمت عائشة ولمعت عيناها بأنتصار وهي لا تعلم أنه كشف كل شيء.
ابتسمت بسمة وهي ترى كريم يقف إليها بسيارته بعد أن لمحها تسير بالطريق شارده.. فبادلها الابتسامة وهو يفتح لها باب السيارة هاتفا:
"تعالي أوصلك."
فصعدت للسيارة تنظر إليه بأمتنان:
"كنت ناوية أتمشى."
فسألها كريم ضاحكاً:
"هتتمشي من الشركة للبيت؟"
فتنهدت بشرود:
"محدش مستنيني في البيت عشان أكون مشتاقة أن أوصل بسرعة لوحدتي."
شعر بالأسى اتجاهها وهتف بدفئ:
"أنا ومرام معاكِ.. إحنا بقينا عيلة خلاص."
كانت جملته كاللهب سقطت على قلبها.. هي تريده هو وحده ولكن الحقيقة معروفة هو لزوجته وفي يوم سينتهي وجودها بينهم.
وجد صغيريه وقد أصبحوا يخطوا.. فسقطوا قبل أن يصلوا إليه.. ليجثي على ركبتيه أمامهم مبتسماً:
"حبايب بابا."
وحملهم ثم قبلهم بحنان:
"وحشتوني ياعفاريت."
لتتقدم مرام منهم وهي تتحدث بالهاتف بعملية ثم ابتسمت لكريم الذي تركها فيما تفعل.. فهذه هي حياتهم لا زوجة تنتظر قدومه ولا تسأله عن أحواله. نجاحها أصبح في المقدمة الأولى ولولا رفاهية معيشتهم ما كان وجد لصغيريه مربية مؤهلة للجلوس معهم ورعايتهم.
لتأتي مرام خلفه تخبره:
"كريم أنا لازم أخرج.. في حفلة لازم أحضرها ووجودي مهم فيها."
فنظر كريم لها.. فأقتربت منه تقبله على خده:
"أكيد موافق ياحبيبي."
وانصرفت دون أن تنتظر سمع كلمة أخرى غير التي تريد سماعها.
نظر ياسر لريم وهي تأكل براحة.. اليوم أيضاً في غدائهم شعر بتوترها بينهم.. فعرض عليها العشاء بمفردهم فوافقت على الفور كان يظن أن موافقتها بسبب أنها ترغب في تناول الطعام دون حرج ولكن الحقيقة أنها كانت سعيدة وهي تفسر طلبه أنه يريد رفقتها. وأراد أن يشاكسها حتى تتكلم وتخرج من طور خجلها.
"شايف أنك متكسفتيش مني عني."
فأرتبكت وتركت معلقتها فهتف سريعاً:
"على فكرة بهزر معاكي."
فأبتسمت بتوتر وأخبرته بعفوية:
"حضرتك طيب أوي."
فضحك ياسر وهو يتناول طعامه:
"أنا طيب ياريم.. ده إنتي اللي طيبة."
وذكرها بمعاملته السابقة لها لتبتسم برقة:
"لأ أنا نسيت خلاص.. أنا بنسي بسرعة الحاجات الوحشة.. أما الحاجات الحلوة بحب افتكرها ديما."
ونظرت لجلستهم بأمتنان:
"يعني العزومة دي عمرى ماهنساها."
كان ياسر يجلس يسمعها بصمت.. يتذكر ما مر به بالماضي ومازال عالق بحاضره ومستقبله فالذكريات السيئة هي من يحتفظ بها ليعيش كالحجر.
كانت بريئة وهي تحادثه وكان هو شارد في حياته الماضية.
نظرت ورد إلى هاتفها قبل أن تغفو وقررت أن تهاتف كنان وتخبره بحملها لعله يعود.. وانتظرت أن يرد عليها إلى أن سمعت صوت أنثوي يحادثها:
"مرحباً."
فأبعدت ورد الهاتف عن أذنها ثم نظرت للهاتف لتتأكد أنه رقم كنان ولم تخطئ وتسألت بتعلثم:
"من أنتِ؟"
فهتفت عائشة وهي تبتسم:
"إنتي زوجته أليس كذلك؟"
لم تكن نية عائشة سيئة كانت تريد أن تتعرف عليها ولكن التوقيت أتى خاطئاً.
لم ترد عليها ورد لأنها كانت بعالم آخر. تنظر لما أمامها بشرود.
"كنان يستحم.. حين ينهي حمامه سأخبره باتصالك لا تقلقي."
ونظرت عائشة للهاتف فلم تسمع أي رد من ورد.. فأنهت الاتصال ولم تفكر أنها ضغطت على جزء ضعيف بداخل الأخرى التي سقطت دموعها وهي لا تصدق كنان يخونها.
سيلا كان معها حق.
كانت تجلس تراجع بعض الأوراق الخاصة بالقضية التي تعمل عليها الآن هي ورفيقة لها بمكتب السيد فؤاد. انتبهت لهاتفها الذي يرن، فنظرت للرقم غير المدون لديها بقلق، فأتاها صوت كرم:
- مهرة، أنا في القسم، محتاجك بسرعة.
أخبرها بمكان المخفر الذي هو محتجز به، ثم انتهت المكالمة.
لنهضت من فوق مقعدها وتدور حولها وهي لا تعرف أتذهب إليه وتنجده أم لا.
في النهاية صعدت لغرفتها ترتدي ملابسها وتدق على رقم أكرم الذي أخبرها أنه عائد من رحلة عمل وأمامه ساعة ليصل للمدينة.
فأغلقت مع أكرم الذي سيأتي إليها لهناك، وضربت جبهتها بحنق:
- نسيت جاسم، هاتصل بيه أبلغه.
كانت تهبط الدرج وهي تهاتفه، وأخيراً رد عليها بعد أن اعتذر من ضيوفه ونهض:
- أيوه يا مهرة، بتقولي إيه؟ لأ طبعاً متخرجيش، أنا أخوكي ده أصلاً مبرتحش ليه، ملناش دعوة بيه، إنتي سمعة.
فهتفت به برجاء:
- ده أخويا يا جاسم مهما كان وهروحله.
فتنهد بسأم:
- هبعتله محامي، بس إنتي متخرجيش دلوقتي.
وهتف اسمها، ولكن الهاتف كان قد انتهى شحنه. فنظرت لهاتفها بضيق وأكملت سيرها للخارج.
فنظر جاسم لهاتفه بغضب، ضغطاً عليه بقوة:
- هتعملي اللي في دماغك، أنا عارف.
وقرر الاتصال على أكرم ليعرف اسم المخفر بعد أن وجد هاتفها مغلقاً. فوجد نرمين تقف خلفه وقد استمعت لاسم المخفر:
- مستر جاسم، متقلقش، شهاب أخويا ظابط هناك.
فالتف لها جاسم بامتنان وهو لا يعرف كيف يشكرها، وكان بداخله يتوعد لمن تجعله يعيش دائماً بتوتر من أجلها.
سارت داخل المخفر لتجد شقيقه وسط مجموعة من الشباب والفتيات، ويبدو على هيئتهم أنهم جلبوهم من ملهى ليلي.
فنظرت بضيق لكرم الذي طأطأ رأسه أرضاً عندما رآها.
واتجهت نحو غرفة الضباط المسئول عن الأمر، وبعد أن استأذنت للدخول لحضورها بالنيابة عن شقيقها.
طالعها الضابط بضيق بسبب تلك الليلة التي ستكون طويلة:
- حضرتك مش أسلوب تتعامل بيه معايا.
فنهض الضابط وهو يحدق بها بضيق:
- ابقي اشتكينا للنقابة بتاعتك يا أستاذة.
فهتفت بحنق:
- انت بتكلمني كده إزاي؟
فضحك وهو يتقدم نحوها ببرود:
- عايزانا نكلمك إزاي يعني؟ نضربلك تعظيم سلام؟ عندك النيابة بكرة، ابقي دافعي عن أخوكي هناك.
وأصبح الحوار كلمة منه مع كلمة منها، إلى أن انفتح الباب لتردف نرمين نحو شقيقها يتبعها جاسم:
- نرمين، إيه اللي جابك هنا؟
لم تكن مهرة معهم، فعينها كانت نحو جاسم الذي كان يحدق بها بقوة.
وأخذت نرمين تعرف شقيقها على جاسم الذي كان في غنى عن التعريف لشقيقها، وأشار نحو مهرة متسائلاً:
- الأستاذة مراتك يا جاسم بيه؟
ونظر لمهرة بعتاب:
- وليه مقولتيش يا أستاذة؟
تحولت الجلسة لاحترام، وضعها حضور جاسم الذي لم يخاطب مهرة بأي حرف، وهي لم تتحدث مرة أخرى. فقلبها يخبرها أن الليلة لن تنتهي على خير.
وأخيراً تم الإفراج عن كرم وبعض رفقائه.
وخرجوا من قسم الشرطة، وألتقى بهم أكرم، ونظر لشقيقه بغضب:
- هتفضل لحد إمتى متهور؟
وانتبه لوجود جاسم الواقف بجمود. فحرك له جاسم رأسه بتفهم، ثم سار نحو سيارته. لينظر أكرم لمهرة التي تفرك يديها بقلق، فجاسم لم يحادثها بأي كلمة.
- روحي ورا جوزك.
فتحركت خلفه، وعندما وصلت للسيارة وكان سيردف لداخلها:
- رايحة فين؟
فهتفت بأرتباك:
- هاركب عشان أروح.
وفتحت باب السيارة، ولكنه تحرك نحوها بجمود، والتقط يدها وسار بها نحو أكرم.
رواية لحن الحياة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سهام صادق
خفق قلبها بقوة وهو يجرها خلفه .. شعرت أن روحها تنسحب منها.
ألقت نظرة ضائعة نحو شقيقها الواقف ينظر إليها بعد أن تركه كرم نافضًا ذراعه بحنق.
فثبتت أقدامها على الأرض وهي تحاول فك قبضة يده من يدها.
- جاسم، متعملش فيا كده.. أنا هروح معاك آخد شنطة هدومي وأمشي.. بس ارجوك متكسرنيش قدام حد.
كلماتها جمدت حركته. نيران من الغضب بداخله، ولكن رجائها هذا وضعف صوتها جعلاه يلتف نحوها. نظر إليها ليجدها تقف أمامه ضائعة وعيناها تتلألأ بها دموع انكسارها.
فأغمض عينيه للحظات، ظنت فيها أن صمته هذا رفض.
وقعت عيناها على نرمين التي وقفت أمام المخفر تتحدث بهاتفها وتنظر نحوهم.
أصبحت الأرض تدور بها وهي تخشى أن ينبذها أمامهم.
- أنا موافقة على عقابك... بس عاقبني في بيتنا وأنا راضية بأي عقاب تقوله.
كان يسمعها وهو غاضب من نفسه أكثر من غضبه عليها.
فمنذ متى كان الرجال هذا هو عقابهم؟ متى كان غضبه يعميه لدرجة أن ينبذ زوجته ويكسرها أمام أشقائها؟
وترك يدها وعاد لسيارته متمتمًا بجمود أدمى قلبها.
- يلا يا مدام.
فنظرت نحو أكرم الذي كان يطالعها بقلق وحرك رأسه لها بأسف وندم على فعلة شقيقه.
وقفت نرمين تحدق بهم إلى أن اندفعت سيارة جاسم من أمام عينيها.
وصل بها المنزل. لم يخاطبها بأي كلمة وهم في طريق العودة، رغم أنها أخذت تحادثه لعلها تسير عاطفته نحوها، ولكن يبدو أنه غاضب منها بشدة هذه المرة.
وتركها دون كلمة متجها نحو غرفة مكتبه. يدور بداخلها شقيقها الذي يعلم بعبثه واستهتاره، حتى أنه يشك بنواياه اتجاهها.
وبدأ عقله يبحث لها عن شيء يطفئ نيران غضبه منها تلك الليلة.
ولكن لم يجد غير أن غضبه يزداد.
يعاملها برفق وحب، يحتوي تمردها وتهورها. كان يعاقب كريم شقيقه على عبثه وإطاحته بمكانته، ولكن معها يصبر ويدلل ويخاطب بهدوء.
ولكن في النهاية لا تتعلم ولا تتغير شخصيتها.
تنسى إنها امرأة، تنسى أنها زوجة، تنسى أنها بضعة أشهر وستكون أما.
ضاع بين طيات تلك الليلة ورفع كفه نحو خصلات شعره السواد، يشدها بضيق.
- آه منك يا مهرة.
وخرج من غرفة مكتبه ليصعد لها لأعلى. فوجدها تهبط الدرج تحمل حقيبة ملابسها بيدها وتسير مطأطأة الرأس.
- رايحة فين؟
سأل وهو يعلم الإجابة، ولكن أراد أن يسمعها منها.
- مش انت عايزني أمشي؟ هروح فين؟ هروح بيتي القديم.
لتنتفض بفزع وهي تسمع صوته.
- اطلعي على أوضتك فوق، مش عايز أسمعلك صوت الليلة دي.
فأنزلت حقيبتها أرضًا متسائلة بسعادة.
- يعني أطلع فوق؟ انت سامحتني صح؟
لم يمهلها لحظة بأن تستمر ابتسامتها.
- سامحتك.. بصي يا مهرة، من الليلة دي ولحد ما أنا أقرر أسامحك، مش عايز ألمحك في البيت.. لا على الصبح ولا بالليل.. طول ما أنا موجود، انتي في أوضتك.
وصرخ بها بقوة.
- مفهوم؟
فأرتجف جسدها وهي تحدق به غير مصدقة أن الرجل الذي أمامها الآن هو جاسم زوجها. وحركت رأسها بعد أن سمعت صوته مجددًا.
- مفهوم.
فأشار نحو الأعلى.
- على أوضتك.
فألتفت بجسدها كي تعود لغرفتها، فعقابه هذا أهون. ولكن داخلها شيء أخبرها أن تلتف إليه ثانية وترمي نفسها بين ذراعيه. فبالتأكيد جاسم سيسامحها كما يفعل دوما.
وركضت نحوه هاتفة.
- جاسم، أنا آسفة.. هفكر بعد كده قبل أي حاجة أعملها.
وحاوطت جسده بذراعيها تنتظر ردة فعله. ولكن لا كلمة نطقها أو حتى ضمها إليه. وابتعدت عنه تنظر له، ولكن كان يحدق بالفراغ الذي خلفها.
- جاسم، أنا اعتذرت.. طب أعمل إيه تاني؟ معاك حق إني غلطت إني خرجت من البيت في الوقت ده وانت مش موجود، بس...
وقبل أن تكمل باقي كلامها وتخبره أن من ذهبت إليه هو شقيقها.
- بس إيه؟ ها بس إيه يا مهرة؟ مبرراتك بقت سخيفة... من فترة دخلتي نفسك في مشكلة ورجعتيلي البيت بتعرجي على رجلك، وبعدها روحتي تستجمي مع أخوكي وسيبتي الغبي اللي متجوزاه يجري يدور عليكي زي المجنون، وكل ده عشان فهمتي كلامي غلط مع موظفة عندي.
وابتعد عنها زافرًا أنفاسه بقوة.
- لا بتفكري في منظري قدام الناس، ولا حتى بتفكري في نفسك، ولا في ابنك اللي في بطنك، واللي للأسف هيبقى طفل لأم مش مسئولة.
كانت تسمعه وعيناها مثبتة عليه، تبكي بصمت وتتساءل.. كل هذا يحمله بداخله منها.
ونظرت إليه وهي تمسح دموعها بكفوفها.
- عندك حق.
وعادت لحقيبتها تحملها لتغادر. فبعد كلامه لما تصعد لأعلى. وفور أن وجدها تغير اتجاهها للخارج.
أمسك معصمها بقوة هاتفا بحنق.
- رايحة فين؟ أنا قولت فوق على أوضتك.
فخشيت من غضبه وأزاحت يده عنها.
- انت مش طايق وجودي في بيتك.
ولكن إشارة واحدة من يده جعلتها تصمت وتصعد لأعلى.
وقفت ورد كالضائعة أمام شرفتها تبكي بوجع، متخيلة كنان بين أحضان تلك المرأة.
عادت بها الذكريات يوم أن تخلى عنها ماجد، والآن كنان يفعلها ولكن بطريقة تقتلها.
وصرخت بألم وحاوطت بطنها بيديها.
- أظاهر هيكون مكتوب عليك تعيش حياة زي اللي أنا عيشتها من غير أب.
وفركت جفونها بقوة وهي تهتف.
- كفاية بكي وضعف يا ورد.
وتذكرت ليليان، فهي الوحيدة من تخفف عنها. وكادت أن تذهب نحو هاتفها، إلا أنها وقفت ثابتة في مكانها تسمع طرقات عظيمة على باب غرفتها تخبرها أن فريدة قد أصابها حادث.
يجلس مع رفيقه ليلاً في المقهى الشعبي يقص عليه أغرب عرض سمعه بحياته.
فضحك صديقه وهو ينفث من أنفه دخان سيجارته.
- عرضت عليك تتجوزها؟
وانحن ضاحكًا وهو يحرك رأسه غير مصدق.
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟
- عرضت عليك تتجوزها؟ تذكر يوم قدومه عندما حضنها بشوق لم يشعر إلا بالبرودة لأول مرة بين ذراعيه. وكلمة واحدة قالتها برسمية:
"حمدلله على سلامتك."
ومن بعدها أصبح حديثهم مقتصرًا على صحة والدته.
حتى النوم يأتي من المشفي يجدها نائمة، وحين يستيقظ يجدها تستعد للذهاب للمشفي.
وقبض على يديه بقوة وهو يهتف بغضب:
- اللعنة ورد.
***
نظرت مرام لاختبار الحمل الذي أمامها بصدمة.
فقد كانت تأخذ كل احتياطها ألا تحمل مجددًا.
ففكرة الإنجاب قد أزالتها عن عقلها، فهي قد بدأت نحو سلم النجاح الذي تريده، فكيف ستخسر كل هذا؟
وعادت تنظر لاختبار الحمل القابع بين يديها.
لتسمع صوت كريم:
- مرام.
ففتحت الصنبور ومسحت وجهها ببعض المياه، ونظرت مجددًا لاختبار الحمل وهي ترفض تلك الفكرة.
لتخبئ الاختبار في أحد الأدراج.
ثم خرجت له بعد أن طرق باب المرحاض قلقًا عليها.
وعندما خرجت، ضمها إليه متسائلًا:
- مالك يا حبيبتي وشك أصفر كده؟
فابتسمت مرام بارتباك:
- ها، لا ما فيش حاجة.. ده إرهاق من الشغل بس.
فانحنى نحوها يلثم عنقه بقبلات متفرقة هامسًا وهو يزيل صورة بسمة من أمام عينيه، فقد أصبحت تشغل جزءًا من تفكيره تلك الفترة.
- تعرفي إنك وحشاني أوي.
***
جلست أمام شاشة الحاسوب تبحث عن مقترحات تسعد بها زوجها وتجعله يصالحها.
وزفرت أنفاسها متنهدة بيأس.
- يااا، جه اليوم اللي بدل ما أقعد أدور على مقالات سياسية أو معلومات تفيدني.. بدور على أفكار للمتجوزين.
وحركت رأسها بيأس من صلابة جاسم معها هذه المرة ونفوره منها.
لا تراه إلا حين يغادر بالصباح من شرفتها، وحين يعود ليلاً في ساعة متأخرة.
وأخذت تضرب جبهتها بيدها.
- أنا اللي غبية.. أستاهل... ما كان بيسامحني ويدلعني، قعدت أتتنطط أتتنطط لحد ما وراني وشه التاني.
وندمت حظها وزمت شفتيها وهي تنظر إلى الفكرة التي تراها أمامها.
"جلب هدية له، ومن الأفضل أن يكون شيئًا مفضلًا لديه. أعطيه الهدية في مقر عمله."
فأخذت تفكر بالأمر إلى أن ابتسمت متهللة بسعادة.
- أيوه، وجدتها.
ونهضت من فوق الفراش، تبتسم بزهو، بالتأكيد سيصالحها.
***
وضعت ريم بعض الأوراق أمام ريان الذي كان يجتمع ببعض المدراء وياسر معهم.
ونظر لها وهي تضع أحد الملفات أمام ياسر وتبتسم بخجل.
كانت عيناه مسلطة عليهم.
والحقيقة التي اكتشفها في رحلتهم، التي لم تضف جديدًا لمخططه، بل قلبت كل شيء.
ريم آخر ياسر، الذي لم يعد يتعامل معها بلطف.
وضغط على القلم الذي بين أنامله محدقًا بها وهو يعطيها بعض الأوراق.
- اطبعي هذه الأوراق على الفور.
هتف بصوت غاضب لا تعلم سببه، وغادرت وهي لا تعلم لماذا السيد ريان أصبحت معاملته قاسية بعض الشيء معها.
***
نظرت رقية إلى ملابس العرائس التي تجلبها لها خالتها بصدمة.
لتتأمل كل قطعة بأعين متسعة.
- هو أحنا بنشتري الحاجات دي ليه؟
فضحكت خالتها وهي تنتقي لها أشياء أخرى.
- لازم يا حبيبتي، مش عروسة ولازم نلبسك وندلعك.
فعادت تحدق بالملابس ترفعها أمام خالتها.
- وهو عشان أدلع ألبس اللبس ده؟ لاء مش عايزة أدلع ولا أبقى عروسة ولا نيلة.
فضحكت خالتها ثم ضمت إليها.
- كبرتي يا رورو وهتبقي مرات ابني. الحمدلله عشت لليوم ده.
وأخذت تذكرها بوالدتها وأنها بالتأكيد سعيدة الآن.
لتسقط دموع رقية وهي تشتاق لها.
وصدح رنين هاتف خالتها.
لتبتعد عنها قليلاً ثم أخرجت الهاتف من حقيبة يدها مبتسمة.
- ده مراد.
فأشاحت رقية عيناها بعيدًا متذكرة محاولاتها المميته معهم لتأجيل العرس شهرين حتى تستعد للأمر.
وقد وافقوا بعد إلحاح وإصرار شديد، فكل الجبهات أصبحت مع مراد.
ونظرت بضيق للملابس الفاضحة التي أصرت خالتها على جلب العديد منها.
واتسعت بؤبؤ عيناها وهي تسمع خالتها تهتف ضاحكة.
- متقلقيش يا حبيبي هكتر من كل حاجة أنت عايزها.
وتعلى صوت خالتها وهي تنظر لرقية التي تحدق بملامح رقية المصدومة.
- أكتر من الأسود والأحمر.
كان مراد يحادثها وهو يمضي بعض الأوراق بالمصنع، وشعور جميل يسير بداخله وهو يتخيل رقية ترتدي له مثل تلك الملابس وبين ذراعيه.
وفاق على صوت رقية بعد أن أخذت الهاتف من خالتها.
- أنت قليل الأدب... ومش هتجوزك.
لينظر إلى هاتفه بعد أن انقطع الخط، ثم انفجر ضاحكًا.
***
نظر أكرم إلى شقيقه بضيق.
- أنت يا أستاذ اللي نايم.. ولا على بالك حتى أي حاجة.
ليفتح كرم عينيه بنعاس.
- في إيه يا أكرم.. سيبني أنام بقى.
فجذبه أكرم من فوق الفراش هاتفا بغضب.
- يعني عملت مشكلة بين أختك وجودها ومهنش عليك تروح تعتذر منهم؟ أنت إيه معندكش دم؟
فحك كرم شعره بهدوء.
- هما متخانقين؟
فدفعه أكرم بحنق.
- ده أنا حقيقي بارد.. أنت لسه فاكر تسأل السؤال ده.
وانتبهوا على صوت والدتهم المبتسم.
- مين اللي متخانق مع مين؟ أوعوا تقولولي بنت زينب مع جوزها.
واتسعت ابتسامتها.
- أنا قولت مش هتعمر في جواز.. تستاهل عقبال ما يطلقها.
لينظر لها أكرم بصدمة، ثم نظر إلى شقيقه، ضاربًا كفوفه ببعضهم، ثم انصرف وهو لا يعرف ماذا يرد على والدتها.
***
وقفت أمام مني تحمل علبة الحلوى التي تعلم أنه يفضلها.
فنظرت لها مني مبتسمة.
- وأنا أقول الشركة نورت ليه.
فابتسمت مهرة وهي تطالع مكتبه.
- كنت قريبة من الشركة قولت أعدي عليكم.
فغمزت لها مني بمكر.
- تعدي علينا بردوه ولا على ناس تانية؟
فارتبكت من تلميح مني.
فضحكت مني بحب.
- على فكرة هو في اجتماع بره الشركة قدامه نص ساعة ويوصل.. ادخلي استنيه في مكتبه.
فنظرت لمني بامتنان حقيقي ووقفت على صوت مني.
- هبعتلك عصير تشربيه بدل الشاي عشان الحمل.
فعادت تنظر إلى مني ثم ضحكت، فهذا ما أصبحت تفعله هدى أيضًا معها.
وأكملت سيرها لمكتبه.
ونظرت للغرفة المعتقة لرائحته، فأبتسمت.
مر الوقت وهي تجلس تنتظره وترتشف العصير الذي بعثته مني إليها.
اختارت مقعده تجلس عليه، ووضعت هديته أمامها على سطح مكتبه.
وانفتح الباب ووقف يطالعها بصمت، ونرمين تقف خلفه.
رواية لحن الحياة الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سهام صادق
أخفى ابتسامته وهو يرى عيناها تتحول من اللهفة إلى حنق وضيق. كاد أن يضحك عندما رفعت يداها لنرمين ترحب بها، ولكنه كان يعلم أن بحركتها تلك توضح ملكيتها فيه. اشتاق لها ولكنه قرر أن يحارب اشتياقه قليلاً. فالتفت نحو نرمين معتذراً بعدما حركت رأسها بإيماءة رقيقة مع ابتسامة صافية ترحب بمهرة التي تجلس حانقة من رقتها.
"نكمل كلامنا بعدين يانرمين."
صوته صدح بحزم، فأنصرفت نرمين بتفهم. ليغلق الباب خلفه مقترباً منها بهدوء.
"خير يامهرة هانم."
هتف ببرود جعلها تغمض عيناها قليلاً كي تكمل مهمتها دون تراجع. ونهضت من فوق مقعده وحملت الهدية مقتربة منه.
"جيت عشان اصالحك."
ومدت يدها بهديتها. فنظر إليها ثم لما تعطيه له. فأبتسمت بتوتر وهي تتمنى أن لا يرفض ما تهديه. واتسعت ابتسامتها بعد أن التقط منها الهدية وزفرت أنفاسها براحة. فقد ذاب الجليد بينهم بعد تلك الفكرة الرائعة وهتفت داخلها:
"أخيرا...."
ولم تكد تكمل باقي جملتها. فوجدته يتخطاها ووضع الهدية على مكتبه ثم نظر نحوها.
"في حاجة تانية؟"
لم تفهم معنى عبارته إلا عندما أكمل بقسوة لا تعلم كيف يجيدها.
"ورايا شغل مهم. لو مافيش حاجة تانية اتفضلي."
فحدقت به بصدمة. أهذا هو ما كانت تنتظره منه؟
وفي صمت حملت حقيبة يدها وخطت ببطء مطأطأة الرأس تقضم شفتيها بقوة حتى لا تبكي ويرى ضعفها. ووقفت أمام الباب وهي تنتظر أن يجذبها إليه كما كان قلبها يخيل لها، ولكن لم يتحرك ولم ينطق بشيء.
وقبضت على يديها وهي تشعر كأن شيئاً يخنقها. فاندفعت نحوه تضربها على صدره بغضب.
"أنا مش هصالحك تاني. انت بتعاقبني كده ليه؟ أه ما انتوا بتخلونا نحبكم وبعدين تقهرونا."
وظلت تتحدث دون أن تعي ما تنطقه. وهو يتركها تفعل ما تريد ويستمع إليها في صمت. إلى أن وجدها تبكي. فضمها إليه فهو أصبح يعلم نوبات جنونها.
"اهدي خلاص."
فصاحت ببكاء:
"خلاص أنا اعترفت بغلطي. عايز أعمل إيه تاني؟"
وابتعدت عنه تدفعه بقبضتي يديها. ليقبض على يديها بحنق.
"اهدي يامهرة وبلاش جنون هنا. وكمان ده غلط عليكي انتي. ناسيه إنك حامل."
فأشارت نحو نفسها متسائلة وقد نست كل ما قاله.
"أنا مجنونة."
فلم يجيب عليها. ثم زفر أنفاسه بقوة.
"مبتكمليش حاجة للآخر صح؟"
فحدقت به بقوة ثم نظرت لعلبة الحلوى فأخذتها.
"مدام أنا مجنونة ومبكملش حاجة للآخر. هاخد بقى هديتي."
وانصرفت من أمامه. ليقف مذهولاً مما فعلت وانفجر ضاحكاً.
"مهرة خدي هنا. مهرة."
وتابع وهو يحرك كفه على خصلات شعره.
"أنا أكيد بكفر بجوازي منك على حاجة عملتها."
ووقف يفكر للحظات عن الشيء الذي فعله متذكراً النساء اللاتي وقعن بحبه وفي النهاية كان نصيبه تلك الشرسه. وتنهد بيأس.
"أعاقبها إزاي دي؟"
وأخذ يهندم سترته ويعدل ربطة عنقه من عاصفة جنونها التي أخرجتها عليه.
**********************
خرجت من الشركة تحمل علبة الحلوى كما دخلت بها تزفر أنفاسها بغضب. حتى أن مني تعجبت من خروجها من مكتبه هكذا دون أن تحادثها.
ورن هاتفها لتنظر إلى رقم ريم متذكرة موعدهم اليوم من أجل شراء فستان لها يناسب الحفل التي سيقيمها ريان بمناسبة إحدى الصفقات التي حققها الفرع الجديد من الشركة الأم والتي يديرها زوجها.
"سيد بارد."
أعجبها ذلك اللفظ عليه وابتسمت. وقد نست أمر هاتفها الذي يصدح رنينه للمرة الثانية. ففتحت الخط سريعاً.
"أيوة ياريم. هتتأخري ساعة؟ خلاص هستناكي. تمام اتفقنا."
وأغلقت معها لتجد هاتفها يدق برقم رقية التي هتفت على الفور.
"مهرة أنا محتاجة أخرج غضبي وخنقتي مع حد ومافيش غيرك."
فضحكت مهرة وهي تود أن تقول لها أنها هي الأخرى ترغب بذلك وهتفت بصوت خافت.
"اتلم المتعوس على خايب الرجا."
لتسألها رقية.
"بتقولي حاجة يامهرة؟"
فتمتمت وهي تبتسم.
"لأ. متاخديش في بالك."
**********************
جلسوا في أحد المقاهي التي تطل على مياه النيل وكل منهن تزفر أنفاسها ببطء. لتنظر رقية إلى العلبة التي فتحتها مهرة وأصبحت الحلوى من نصيبهم. فأشارت لها مهرة برأسها أن تبدأ بالهجوم عليها، لعلهم يخرجون حنقهم فيها.
وألتهمت رقية واحدة مستمتعة.
"شفتي يامهرة يامراد بيتعامل معايا إزاي؟"
فألتقطت مهرة واحدة وتمضغ بفمها أخرى.
"عمل إيه تاني مراد؟ مش أجلتي ميعاد الفرح؟"
فحركت رأسها وهي تأكل الحلوى بشراسة.
"عايزنا نتجوز في الشقة اللي كان متجوز فيها قبل كده."
فهتفت مهرة بأستمتاع.
"طعمها حلو الشيكولاتة ديه."
لتنظر لها رقية مؤكدة.
"أه. جميلة."
ثم تابعت بحنق.
"يامهرة ركزي معايا."
لتمضغ مهرة ما بفمها مستمتعة أكثر بطعم الحلوى.
"ما أنا مركزة أه."
ورفعت إحدى حاجبيها بضيق.
"انتي اللي محتاجة تركزي. مش ده مراد اللي كنتي نفسك تتجوزيه حتى لو في خيمة؟ إيه اللي فرق شقة من شقة؟ وكمان ماتتفاهمي معاه بالعقل مش بالغضب والصوت العالي."
واسترخت بجسدها بزهو متذكرة ما فعلته مع جاسم. فمن يسمعها الآن يرى كل النضج بها وهي من تحتاج النصح.
"انتي ليه ديما مع مراد مش معايا يامهرة؟"
هتفت بها رقية بحرقة. لتُدفع مهرة إليها إحدى قطع الشوكولاتة.
"أكدب عليكي وأقولك إنك صح وتخسري حبك بالعند الطفولي اللي انتي عايشاه فيه."
وعندما شعرت بحزن رقية. دفعت نحوها بعلبة الحلوى كلها ونظرت نحوها.
"هي ريم اتأخرت ليه؟ أنا جعانة محتاجة أطلع غضبي في الأكل."
لتحدق بها رقية بأعين متسعة.
"انتي زعلانة انتي وجاسم؟ لو متخانقة معاه ومن غير ما تحكيلي انتي أكيد اللي غلطانة."
لتلوي مهرة شفتيها باستياء.
"ياسلام. ليه يعني؟"
فأبتسمت رقية بانبهار.
"لأ انتي مش عارفة قيمة جوزك خالص. ده أنا كل صحابي بيحسدوكي عليه. يامهرة انتي مش متجوزة أي حد."
وضحكت وهي تنظر لمهرة التي كانت تطالعها بشر.
"عندي إحساس إنك هتحدفيني بجذمتك."
لتنظر لها مهرة بصمت. ثم جذبت علبة الحلوى التي أمامها.
"صحابك بيحسدوني عليه. أومال محدش بيحسده عليا ليه؟"
فأنفجرت رقية ضاحكة وحركت كتفيها بمشاكسة.
"ما انتي عارفة كل سيدات المجتمع كانت أما عايزة تتجوزه أو تجوزه بنتها. لأ. انتي فعلاً مش عارفة قيمة جوزك ووضعه. وأنا لازم أوعيكي وأفهمك."
واتسعت ابتسامة رقية وهي تجدها تضغط على أسنانها بغضب.
"أنا بقول آخد بعضي وأمشي."
فصرخت بها مهرة بعدما وجدتها تنهض.
"اقعدي عندك. يعني تحرقي دمي وتمشي."
لم تكن رقية تعلم بخلافهم. فضغطت على الجزء الذي تخشاه بأن يفيق جاسم ذات يوم فيكتشف أنه لم يتزوج الزوجة التي تليق به. تخاف من ذلك اليوم فهي عملت معه وتعلم مكانته ووضعه. من يصدق أن الفتاة الشرسه التي كانت ترتدي ملابس غير مهندمة تشبه الصبية ونظارة وتعقد شعرها كالناظرة تكون هي من نالته في النهاية.
أفكار سوداء بدأت تقتحمها. وخاصة كلما تذكرت جملة والدتها عن والدها بعد أن عاد لزوجته.
"كان بيعملني كويس أوي وأنا حامل فيكي. حتى قبل حملي بورد. كان بيقولي إنه عرف الحب معايا. كان بيحبني يابنتي وفجأة كل حاجة ضاعت."
مازال صوت والدتها المنكسر الحزين يقتحم عقلها. تخاف من ماضي عاشته أقرب من كانت إليها.
لتفيق على يد رقية الحانية تربت على يدها ونبرة صوتها الدافئة.
"مهرة أنا كنت بهزر معاكي. أنا آسفة. متزعليش مني. انتي عارفة أنا بحبك قد إيه."
فأبتلعت مهرة غصتها ونظرت لها بشرود ثم ابتسمت وعادت إلى طبيعتها بعد أن امتلكت نفسها.
"لأ يارقية أنا مش زعلانة. متقلقيش."
فأبتسمت رقية بمحبة ثم غمزت لها.
"تعالي أقولك على شوية نصايح حلوين. ديه نصايح خالتو خدي بالك."
ومالت نحوها هامسة.
"اسمعي مني بقى وقربيلي كده وركزي."
فوضعت مهرة كامل تركيزها وعيناها متسعة.
"ديه نصايح خالتك."
فأخذت رقية تحرك رأسها. وتكمل ما بدأت.
وبعد وقت لا بأس منه كانت ريم تتقدم نحوهم.
*******************************
وقفت ريم تنظر إليهم متسائلة عن نظرتهم للفستان الذي ارتدته. فنظرت رقية لمهرة تناقشها قليلاً. وعادوا ينظرون إليها مشيرين لها بالنفي.
فزفرت ريم أنفاسها بإرهاق. فهذا هو الفستان العاشر الذي ترتديه. اليوم كان طويل ومرهق. ولكن في النهاية اختاروا معها فستان أنيق ومحتشم. حتى أن ريم كانت سعيدة بالأمر بشدة.
وعادت مهرة من جولتها بتعب شديد. لتجد جاسم ينتظرها في غرفتهم. فألقت حقيبتها وخلعت حذائها بصمت ثم حجابها وتسطحت على الفراش دون أن تعيره أي اهتمام.
لينظر لها جاسم بضيق.
"ممكن أعرف الهانم كل ده كانت فين؟"
فأغمضت عيناها بألم بظهرها وأقدامها.
"كنت مع ريم ورقية. وبعتلك رسالة على تليفونك."
لتقول إنها زوجة غير مسؤولة.
كان يعلم بوجهتها. ولكن تأخيرها وهيئتها الآن زادت حنقه.
"وآخرت التنطيط ده إيه؟ انتي ناسيه إنك حامل."
ففتحت عيناها بعد أن استرخت قليلاً.
"هي الحامل يعني مبتتحركش؟"
كان يود لو يهشم لها رأسها. ولكن غادر الغرفة بحنق متمتماً بوعيد.
"ماشي يامهرة. الصبر ليه حدود."
وكادت أن تغفو. وفجأة رن بأذنيها نصائح رقية لها. لتتسع عيناها.
"إيه ده أنا نسيت نصايح رقية."
ولكن جفونها أرتخت. فغفت دون شعور.
************************************
نظرت فريدة إلى ورد بشكر لكل ما فعلته معها. كانت تظن أنها ستشمت بها في مرضها. ولكن ورد راعتها وكأنها لم تهينها يوماً.
"هل يؤلمك شيء؟"
فدمعت فريدة وهي لا تشعر بساقيها.
"ساقي ورد. لا أشعر بهم. هل سأظل الباقي من عمري هكذا؟ نهايتي سأكون عاجزة."
فدمعت عين ورد واقتربت منها تمسح دموعها برفق.
"ستشفي وستسيرين مجدداً وستعودين فريدة خانو التي نعرفها."
فطالعتها فريدة بأمل. حتى لو كان كذباً. وظلت برفقتها بالمستشفى إلى أن أتى كنان.
كانت فريدة قد غفت. فأنحنى نحوها يقبل جبينها. ثم نظر إلى ورد التي أول ما رأته أشاحت عيناها بعيداً عنه. تتمنى داخلها أن تخرج فريدة من المستشفى لترحل حيث وطنها. وجاء ما تمنت.
"ستخرج بعد يومين من المستشفى."
لتنظر إليه ورد. ثم ابتسمت وغادرت وهي لا تفكر في أحد سيساعدها غير ليليان.
***************************************
تمددت عائشة على فراشها بشرود متذكرة حديث كنان معها اليوم. أخبرها أنه يعلم بالحقيقة. كل شيء أصبح واضح تماماً. لو كانت الحقيقة ظهرت في وقت آخر لكانت ثارت عليه وعلى والدته تلك المرأة الماكرة. ولكن الآن والدته عاجزة.
لأول مرة تشعر بالراحة منذ أن علمت بحقيقة نسبها. سنون مضت وهي بكنية رجل آخر.
تسطحت على الفراش بإرهاق، ومدت يدها نحو بطنها تطمئن جنينها: "إن كل شيء سيكون بخير. سأصبح قوية من أجله."
لتنتبه لخروج كنان من المرحاض يجفف شعره. فأزاحت يدها سريعاً عن بطنها حتى لا يشك بالأمر. فإلى الآن لا أحد يعلم غير ليليان، التي لم تعد تفهم سبب إخفائها.
وتسطح جانبها، ثم مد يده نحوها ليقربها منه.
"سيقتلني صمتك يا ورد. ما بكِ، أخبريني."
فأغمضت عيناها وهي تود أن تخرج كل ما بداخلها، ولكنها ستجعله يذوق ما فعله بها. كان يصمت وهي تتحدث، تقترب تسأله عن ما يروقه. ولكن في النهاية، ماذا حدث؟ خانها وتركها في حيرة تبحث عن سبب بعده عنها.
وتنفست بصعوبة وهي تشعر بقبلاته على عنقها، ويديه تضم خصرها بتملك.
لتترك له نفسها. فلا بأس أن تمنحه جسدها الليلة.
نظر ريان إلى ريم التي تعطيه أحد الملفات كي يوقعها. فطالعها ريان متسائلاً:
"ستأتين الحفل يا ريم، أليس كذلك؟"
فرحّكت ريم رأسها بارتباك. فلاول مرة ستحضر حفلاً هكذا. في البداية ظنت أن والديها سيرفضون الأمر لخوفهم عليها من ذلك العالم، ولكنهم وافقوا. فهم أصبحوا يشفقون عليها بعد أن أصبح كل شيء على عاتقها.
فأبتسم ريان وناولها ما وقعها. واسترخى بجسده، يحدق بها وهي تغادر ويفكر في أمرها. فريم لن تأتي إليه بسهولة، ولن يتركها لغيره.
علمت منه في آخر لحظة بالحفل الذي هي مدعوة به معه. حالهم كما هو، ينام كل منهم بغرفة. فيبدو أن فعلتها الأخيرة زادت من رصيد غضبه عليها.
ووقفت أمامه بعد أن هبطت الدرج ببطء، ونظرت إليه بتحديق وقلبها يدق بعنف وداخلها ألف سؤال.
هل هذا الرجل الوسيم هو زوجها؟ أم حملها أصبح يظهره لها هكذا؟ أم أصبحت عاشقة لتلك الدرجة؟
واقتربت منه بخطى متمهلة، تنظر إليه. ثم تذكرت نرمين والنساء اللاتي سيكونون بالحفل.
"هو لازم نروح الحفلة دي؟"
فرفع وجهه عن هاتفه بعد أن كان مشغولاً به.
"لو تعبانة ومش عايزة تيجي، مافيش مشكلة."
فتعلقت بذراعه هاتفة:
"تعبانة إيه ده؟ أنا رجلي على رجلك بعد كده."
فضحك على ظرافتها التي أصبحت تبهره بها.
"ظريفة يا حبيبتي."
فأبتسمت بغرور وجذبته نحوه، وقبلته على خده بتملك.
"مش هتصالحني بقى؟"
فحدق بها بجمود، وأبعدها عنه قليلاً.
"هو مين اللي يصالح مين يا مهرة؟"
فعادت تقترب منه وتجذبه إليها.
"انت اللي صالحني لأنك جنتل مان يا حبيبي."
فأعجبه الحوار الذي يدور بينهم، غامزاً إليها.
"عايزة إيه يا مهرة؟ عشان هنتأخر على الحفلة."
فلمعت عيناها بدهاء، وكادت أن تطلب منه أن لا يذهبوا للحفل، ولكن رنين هاتفه قطع كل شيء. وأنهى حديثه مع ريان. لينظر لها:
"هتيجي معايا ولا..."
وقبل أن يكمل باقي جملته، تعلقت بذراعه. وهكذا كانت إجابتها.
نظرت رفيف إلى صديقتها ناريمان بضيق بعد أن قصت عليها رفض عمار لعرضها. لترتشف ناريمان من كأس عصيرها وعيناها مثبتة على ريان الواقف مع أحد ضيوفه. فهتفت رفيف بحنق:
"فكري معي يا ناريمان بالأمر، بدلاً من تحديقك بأخي."
فتنهدت ناريمان ومازالت عيناها عالقة على ريان.
"شقيقك أصبح بعيداً للغاية يا رفيف. لم يعد ريان الذي عرفته."
وعندما وجدت ريم تردف للحفل بخجل وتنظر حولها، وقد كانت تسير مع إحدى رفيقاتها بالعمل. حدقت بها بقوة وهي تتذكرها وأشارت لرفيف تسألها:
"ما اسمها تلك الفتاة يا رفيف؟"
كانت رفيف تتأفف بضيق، فهي تفكر بعمار ولا صديقتها منشغلة بتلك الفتاة. وكي تريح فضولها:
"اسمها ريم. ناريمان، هل ارتحتي الآن؟"
لتشرد ناريمان في تلك الليلة التي قضتها بين ذراعي ريان. كان معها بجسده، ولكن عقله كان مع تلك الفتاة. فقد كان يهتف باسمها وكأنها هي.
بدأ الحفل، ووقفت مهرة بجانب ريم التي كانت تبحث عن شيء. فنظرت لها مهرة بشك:
"بتدوري على إيه؟"
فأرتبكت ريم، وعندما لمحت رقية تسير بجانب مراد، أشارت نحوهم. فنظرت لها مهرة غامزة ثم أشارت نحو جهة أخرى.
"وياسر فين؟"
فأخفضت ريم عيناها. لتبتسم مهرة هامسة:
"وعلى فكرة، هو كمان كان بيدور عليكي."
فنظرت إليها ريم وهي لا تصدق، ولكن ابتلعت كلامها عندما وجدت رقية تقترب منها. التي فور أن اقتربت منهم، أشارت لمهرة بضيق:
"هي دي النصايح اللي بتعملي بيها؟ مين البنت الحلوة اللي واقفة جنب جوزك دي؟"
فعضت مهرة شفتيها بضيق.
"دي نرمين، مديرة العلاقات العامة في الشركة."
فحركت رقية رأسها بحنق طفولي.
"لأ، محتاجة دروس مكثفة يا مهرة، ولازم تاخدي من خبرتي."
لم تشعر رقية بوجود مراد خلفها، إلا عندما ضحكت ريم واتبعتها مهرة ضاحكة.
"دروس وخبرات كمان؟"
فألتفتت نحوه رقية بتوتر وهتفت بتعلثم:
"خبرتي في الحياة."
وعادت ضحكات ريم ومهرة تعلو. ولكن زوج من عيون كانت تحدق بتلك التي أصبحت فاتنة اليوم ببساطتها وضحكتها.
ريان، الذي كانت عيناه كالصقر على فريسته. وياسر، الذي وقف يتأملها بمشاعر غريبة عليه.
وابتعدت عنهم ريم وخرجت من القاعة كي تهاتف شقيقها وتخبره أن يخرج من منزلهم ويأتي إليها للمكان الذي أخبرته به من أجل أن يصطحبها في العودة لتأخر الوقت.
ولم ترَ ذلك الذي ترك كل شيء وخرج خلفها. ولكن ناريمان كانت تقف تتابع كل نظرة منه نحوها. أما ياسر، فنفض تفكيره فيها. فالوقوع بفخ الحب نهايته معروفة، زواج ثم عائلة ثم حرمان، كما حدث بالماضي.
وقف ريان خلفها يستمع إلى مكالمتها مع شقيقها. لتلتف ريم عائدة إلى الحفل بعد أن أنهت المكالمة.
فنظر إليها مبتسماً وهو يضع كلتا يديه في جيب سرواله.
"تبدين اليوم جميلة يا ريم."
فخجلت ريم من مدحه بعد أن استعادت أنفاسها.
"شكراً سيد ريان."
فأقترب منها ريان خطوة، هاتفا بهدوء وهو يتجول بعينيه على ملامحها.
"ريان فقط يا ريم."
وعندما رأى صدمتها، ابتسم متابعاً بتوضيح.
"ما دمنا لسنا بالعمل، تناديني ريان."
وضعت ورد اختبار حملها فوق الفراش مع رسالة تودعه فيها. فقد أتت فريدة في الصباح وانتهى واجبها. والآن ستغادر حيث ليليان التي تنتظرها بسيارتها.
لا تصدق إلى الآن أن كلام سيلا صحيح.
كانت تبكي وهي تحمل حقيبتها وتودع كل ركن من أركان المنزل. فقد حان وقت العودة. ستبتعد لتعرف أين مكانتها داخله. هل كانت لمعاناً وقد انطفأ؟
أم أحبها مثلما أحبته؟
بدلت ملابسها بغضب وهي تتذكر تلك الرقصة التي رقصها جاسم مع رفيف. التي عرضت عليه أن يراقصها وطلبت ذلك أمامها ومنها، بل واكملت طلبها ساخرة منها:
"بالتأكيد يا مهرة لا تعلمين الرقص يا جاسم."
سخريتها مازالت بعقلها تزيدها حرقة. لم يكفها نرمين وأيضاً رفيف الذي تعلم هدفها، فلا تريد إلا شيئاً واحداً، تذكرها أنه كان يوماً خطيبها ويخططون للزواج. لم تأخذ الرقصة إلا دقائق، ولكنها كانت تحترق بشدة، فلم تعد تتحمل الضغط العصبي الذي أصبحت فيه تلك الفترة.
ووجدت هاتفها يدق. فنظرت لرقم رقية للحظات ثم فتحت الخط لتهتف رقية بتحذير:
"أوعي يا مهرة تتخانقوا. ده هدف رفيف على فكرة. انتي مشوفتيش نظرة التحدي اللي كانت في عينيها. ده جوزك انتي."
وتابعت بعد أن سمعت تنفس مهرة البطئ.
"مكنتش سامحة ليها ترقص معاه. جاسم كان مستني ترفضي، بس انتي وقفتي ساكتة. مهرة، الليلة دي صالحي أي خلاف بينكم."
وأغلقت رقية الهاتف بعد أن علمت أن رسالتها قد وصلت.
وقررت أن تتزين له وتذهب إليه، ناسيه كل شيء.
نظر كنان إلى الرسالة وتلك الورقة التي علم منها بحملها. بحث عنها كالمجنون إلى أن انتبه للرسالة التي تركتها له. نظر إلى كل كلمة كتبتها له منذ أن أصبح يبتعد عنها وكيف كان شعورها. نسي أنها أتت معه لبلد وحياة غريبة من أجله. خذلها، جعله أضحوكة. أخبرته أنها تعلم بتلك التي تشبه شقيقته، وبالتأكيد وجد معها الحب. أخبرته عن لحظة رؤيته بالمطار وهو يحتضنها. كان مع كل كلمة يقرأها يشعر بما عاشته. فهو المخطئ ليجعله تعيش وسط تلك الشكوك والخوف من أن يأتي اليوم الذي يخبرها فيه أنه انتهى صلاحيتها لديه.
وقبض على الرسالة بقوة، متذكراً ليليان. فمن غيرها تعرفها ورد هنا؟ فبشير في رحلة عمل، ولولا ذلك لكان هاتفه هو أولاً ليسأل شقيقته.
"مرحباً ليليان. أريد أن أسألك عن ورد."
خرجت الكلمات بصعوبة من حلقه. ليسمع آخر شيء كان يريد سماعه.
ورد رحلت لوطنها.
نظرت مرام للرسالة التي بعثتها لها إحدى معارفها، وقد اكتسبت صداقتها من إحدى الحفلات والمؤتمرات التي أصبحت تذهب إليهم.
كانت تخبرها في الرسالة عن الموعد الذي أخذته لها من الطبيبة التي قد أجرت لها عملية إجهاض من قبل. فزفرت أنفاسها براحة وهي تمسح الرسالة مطمئنة بأن الموعد قد أتى مع رحلة كريم التي ستستمر لثلاثة أيام.
وجدته يقف أمام الشرفة يتأمل الظلام بسكون. فأقتربت منه تفرك يديها بتوتر وخجل مما ارتدت.
"جاسم."
فألتف إليها جاسم بصمت محدقاً بها بهدوء. ثم عاد يطالع ما كان يحدق به.
كان قد تخلى عن سترته وأحل أزرار قميصه الأمامية مما زادها توتراً. واقتربت منه أكثر إلى أن طوقت خصره ووضعت رأسها على ظهره.
"مكنتش عايزة أريد ترقص مع رفيف."
وأخيراً خرج صوته الجامد.
"ومرفضتيش ليه؟ ولا أنا في نظرك راجل عابث تحب الستات تبقى حواليا؟"
فتسعت عيناها وهي تتذكر ما هتفت به وهم عائدون. لم تكن تشعر بما تقوله، ولكن حدث ما حدث.
"مكنتش أقصد حاجة. غصب عني، معرفش قولت كده إزاي."
فهتف ساخراً وهو يتذكر عبارتها.
"دلوقتي رفيف ونرمين. فاضل مين هيظهر في حياتك؟"
وزاح يديها عن خصره متمتماً بضيق.
"روحي أوضتك يا مهرة، لأن أي اعتذار منك دلوقتي ملوش لازمة."
فعادت تطوق خصره مجدداً، إلا أنه نفر منها. وابتعد عنها تاركاً لها الغرفة بل الطابق بأكمله.
نظر ياسر إلى هاتفه نحو الصور التي أخذوها برحلة شرم. لم تكن عيناه تحدق بباقي الصورة إلا عليها وكيف تبتسم. وأغمض عينيه متنهداً بيأس.
"لازم تخرجي من تفكيري يا ريم."
ووضع بيده على قلبه وعاد ينظر إلى ملامحها.
"ده مات من زمان خلاص."
نظر لها وهي جالسة على الفراش تقضم الوسادة وكأنها تخرج غضبها منه فيها.
وأقترب منها وهو يشعر بالذنب. متذكراً هيئتها المغرية التي مازالت عليها عندما أتته غرفته تصالحه، ولكن نفرها رغم أنه يحترق من الداخل ليضمها بين ذراعيه.
"مهرة."
فرفعت عيناها التي أخفتها خصلات شعرها وأشاحت وجهها بعيداً عنه. تفعل كل شيء لترضيه، وهو يعلم طبيعة ما كانت عليه. فهي تتغير من أجله، رغم أن التغير يحدث ببطء، ولكنها تحاول.
تريد منه بعض الصبر الذي كان يمنحها إياه ببداية زواجهم.
اليوم أدركت أنها لم تعد مهرة القديمة التي كانت تقف صامدة أمام حزنها.
وجلس جانبها على الفراش يضمها إليه.
- هتفضل حياتنا كده لحد امتي؟
وتابع وهو يمسح على ظهرها برفق يسمع شهقاتها.
- أنا اخترتك إنتِ بعد ما كنت بحسب كل حاجة بالمكسب والخسارة. بس معاكي نسيت كل حساباتي. نسيت إني في يوم كنت بفكر أتجوز جواز بيزنس. أنا عارف إن الحياة اللي عيشتيها كانت صعبة، بس أنا مش والدك يا مهرة، مش هتخلي عنك زي ما اتخلي عن والدتك.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تدفن وجهها بين أحضانه.
- غصب عني.. جاسم متسبنيش، أوعدني إنك مش هتسبني.
وابتعدت عنه تمسك كفه تضعه على بطنها.
- مش هتسبنا، مش كده؟
لم يتحمل تلك النظرة التي كان والدها هو السبب بها. وعاد يضمها إليه بحب.
- عمري ما اتخلي عنكم. أنا عيشت أحلم باليوم اللي هيكون ليا فيه عيلة وأعوض ولادي بالحياة اللي اتمنيت أعيشه.
ولم تشعر بعدها بشيء إلا وهي غارقة بين ذراعيه.
وأنعدمت المسافة بينهم حتى اختلطت أنفاسهم وأخذ قلبها يدق بقوة وهي تهتف باسمه.
- جاسم، إنت لسا زعلان؟
فمال عليها أكثر يطبع بقبلات رقيقة على وجهها.
ثم ابتعد عنها قليلاً متمتماً.
- هووس، خلينا مستمتعين بالليلة دي وانسي كل حاجة.
فأبتسمت وهي تعلم أنه سامحها أخيراً وشعرت بيديه على ذراعيها فأرتجفت وهي تطالع وجهه الذي اشتاقت إليه بأدق تفاصيله.
ولثم جانب فكها بقبلة بطيئة تسير نحو شفتيها ولكن...
طرقات على الباب أوقفت كل شيء وانقطع سحر اللحظة.
- جاسم بيه.
كانوا بعالم آخر لا يريدون الخروج منه. وكاد أن يعود لما يفعله ونظر إلى مهرة التي أخذت تحرك جفونها بخجل وهمس.
- أنا بقول نكمل مشوارنا.
فحركت رأسها إليه. فأبتسم لها. فعاد صوت هدى يعلو.
- جاسم بيه، أخوات مدام مهرة تحت، أستاذ أكرم ومدام ورد.
وهنا اتسعت عيناها ودفعته من فوقها تنظر إليه بهيئتها المشعثه.
- ورد هنا إزاي؟
رواية لحن الحياة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سهام صادق
تنهيدة قوية خرجت من صدره وهو يستمع لسؤالها المقلق عن قدوم ورد. نظر إلى الفراغ الذي بين ذراعيه فأغمض عينيه متنهدًا أكثر، ولكن هذه المرة كانت حسرة على حاله. والليلة قد ضاعت.
اعتدل في رقدته ونهض من فوق الفراش، يثبتها في مكانها بدلًا من دورانها العجيب حول نفسها.
"إحنا لسا بنعرفش السبب ياحببتي، ممكن تكون زيارة مفاجئة مش أكتر. بلاش الافتراض السيئ اللي عمالة تفترضيه."
فنظرت إليه بهدوء، وداخلها متأكد أن كنان قد أحزن شقيقتها، والتي أصبحت في الآونة الأخيرة منطفئة الروح. ورغم سؤالها الكثير عن حالها، لا تحكي لها شيئًا حتى لا تحزنها.
"قلبي حاسس إن فيه حاجة مش كويسة."
فضمها إليه بدفء.
"هننزل ونعرف منها، بس تمالكي نفسك كده وبلاش أول ما تشوفيها تندفعي بالكلام عن كنان."
فتنفست ببطء. فمنذ لحظات كانت تهذي بأن كنان هو السبب، بالتأكيد فعل شيئًا أحزن شقيقتها. ولكن بعد كلام جاسم الهادئ واحتوائه للأمر، هدأت. وابتعدت عنه هاتفه.
"أنا نازلة أشوفها."
وكادت أن تخطو نحو الباب، فقبض على مرفقها بضيق.
"بالمنظر ده، انتي عقلك بيروح منك ساعات. روحي غيري هدومك."
فنظرت إليه ثم إلى ملابسها، فشهقت بقوة ثم ركضت من أمامه.
"إيه قلة الأدب دي؟"
فتحول عبوسه إلى ضحكة خافتة، ضاربًا كفوفه ببعضهم.
"يارب الصبر من عندك، لاحسن قربت أتجنن."
وعدل من هندام ملابسه، وأخذ يزرر أزرار قميصه بتنهد. فمهما كانت رغبته بزوجته، فالواجب أهم.
وهبط لأسفل قبلها ليجد ورد مطأطأة رأسها أرضًا وتفرك يديها، والسيدة هدى تضع أمامها كأسًا من عصير الليمون. وأكرم واقف يحرك يده على خصلات شعره، ناظرًا لشقيقته التي هاتفته في المطار تخبره أنها هنا وتريده ليأخذها. رفضت في البداية الذهاب لمهرة حتى لا تقلقها، ولكن أكرم أصر أن يذهبوا لها. فمهرة لو علمت بما فعلوه دون إخبارها، ستنقلب عليهم بأعصارها وستغضب، كم أن ورد بحاجة لها وهو بحاجة أيضًا لها ليعرف سبب قدوم ورد. وسؤال يدور بداخله: "ماذا حدث؟"
وعندما انتبه لخطوات جاسم، اقترب منه مصافحًا إياه.
"إحنا آسفين إننا أزعجناكم في الوقت ده."
فرفعت ورد عينيها نحو جاسم، الذي تمتم على الفور.
"إزعاج إيه يا أكرم، إنتوا أصحاب بيت."
ووقفت ورد عندما وجدت شقيقتها تهبط بخطوات سريعة على الدرج. وقد استمعت لجملة جاسم وابتسمت داخلها لما قاله لشقيقها. واندفعت مهرة نحوها تحتضنها بقوة وبكت بين ذراعيها. ومهرة تنظر لجاسم وأكرم وقد زاد قلقهم.
"ورد حبيبتي اهدي."
وضمتها إليها أكثر.
"أنا تعبانة أوي يامهرة، وعايزة أقعد مع نفسي. لولا إصرار أكرم إني أجلك كنت هروح على شقتي في الحي."
فنظرت لها مهرة بعتاب.
"كده يا ورد، عايزة تكوني هنا وأنا معرفش بوجودك؟"
واقترب منهم جاسم متدخلًا.
"ورد، البيت هنا بيتك، ولا إنتي مش شيفاني أخ ليكي؟"
فدمعت عينها وحركت رأسها بألم.
"أبدًا والله."
فأبتسم لها جاسم بلطف.
"خديها تستريح فوق."
فأعترضت ورد، فهي تريد العودة إلى شقة والدتها حتى لا تكون ضيفة ثقيلة عليهم. ولكن مع إصرار جاسم، صعدت مع مهرة التي كانت تود الانفراد بشقيقتها لتعرف ما بها.
ونظر أكرم صوبهم وهتف بأمل.
"أتمنى متكونش مشكلة كبيرة بينها وبين كنان."
فطالعه جاسم متنهدًا وهو يبحث عن رقم كنان. ولكن فكر قليلًا، كنان هو من لا بد أن يقلق على زوجته ويهاتفه.
***
كان كنان يركض في رواق المستشفى بهيئته المشعثة. لقد طعنت عائشة بالسكين. مازال صدى تنفسها وهي تهاتفه تطلب مساعدته يخترق أذنيه. كان في تلك اللحظة يدور كالمجنون من أجل أن يتبع زوجته. ولكن بعد هذا الخبر أصبح بين نارين. أيكون شقيقًا حقيقيًا وقد أتت الفرصة ليثبت لشقيقته أنه يحبها؟ لو كان يعلم بوجودها، لكن بحث عنها واعتنى بها. إلى الآن لا يعرف كيف عاشت والدته حياتها وهي تحمل ذلك الذنب. حتى والده خدعته. فقد أخذت واحدة من التوأم تربيها وتركَت أخرى لوالدتها. اشترت خالة شقيقتيه بالمال من أجل أن تخبرها أن إحدى التوأمين قد ماتت حين وضعتها. ولكن الخالة قد صحي ضميرها واعترفت بذنبها بحق شقيقتها التي توفت قهراً بعد أن طردتها والدته من عملها بالمزرعة وأقصتها لقرية بعيدة.
وانحنى للأمام ووضع يديه على ركبتيه يتنفس بصعوبة وهو يقف أمام غرفة العمليات. ليجد إحدى جارات شقيقته ومعها ابنها. فهو لم يلحقها، ولكن في طريقه هاتف المستشفى ويبدو أن جيرانها قد لحقوها. واقتربت منه المرأة تطمئنه.
"لا تقلق بني، ستكون بخير."
ثم سألته.
"رأيتك من يومين عندها. هل أنت قريب لها؟"
فحرك كنان رأسه مجيبًا بصوت يكاد أن يسمع.
"أنا شقيقها."
لتنظر له المرأة بدهشة. فعائشة جارتها لعام، ولأول مرة تعرف أن لها شقيق. ومن هيئته علمت المرأة أنه ذو مكانة بالبلد. وهتفت تخبره بشكوكها.
"طليقها هو من فعل ذلك، أنا متأكدة."
ونادت على ابنها والذي يبدو بعمر العشرين.
"ابني محمد رآه وهو عائد من عمله."
فحرك الشاب رأسه مؤكدًا.
"لقد كان سكيرًا."
فشعر كنان بأن رأسه يدور. شقيقته مطلقة؟ ما تلك الحياة التي يعيشها؟
***
هتفت مهرة للمرة العشرين تسأل شقيقتها عن سبب مجيئها.
"يا ورد طمنيني طيب، وضعك وشكلك مش مريحني. ده مش منظر واحدة جايه زيارة عادية."
فتسطحت ورد على الفراش الذي قد أعدته لها شقيقتها وضمت الوسادة لها.
"أرجوكي يامهرة، خلينا نتكلم بكرة. أنا تعبانة."
فأزداد قلق مهرة.
"تعبانة؟ أخدك للدكتور طيب؟ طب أخلي جاسم يطلبلك دكتور؟"
وكادت أن تذهب وتخبر جاسم، إلا أن صوت ورد أوقفها.
"مهرة، أنا محتاجة أنام في حضنك، محتاجة أرتاح."
فلمعت عين مهرة بألم وداخلها يقسم حين ترى كنان ستنقض عليه لما فعله بشقيقتها. وجلست جانبها وضمتها لها وأخذت تحرك يدها على ظهرها بحنو إلى أن غفت. ولم تشعر بغفوة شقيقتها فقد كانت بعالم آخر تفكر هل موافقتها على زواج شقيقتها من رجل من بلد أخرى كان خطأ؟ هل سيترك كنان شقيقتها بعد أن أصبح داخلها جنينًا منه؟ هل ستكون ورد هي والدتها ويحدث لها مثلما حدث؟ وخرجت تنهيدة عميقة منها وهي تتمنى أن يكون كل ما يدور داخلها خطأ، ولا يخذل كنان شقيقتها.
***
اردفت لغرفتها فوجدت جاسم يجلس على الفراش يضع وجه بين كفيه ويبدو على ملامحه الإرهاق.
"هو أكرم مشي؟"
فرفع عينيه نحوها محركًا رأسه بالإيجاب. لتجلس على الفراش جانبه.
"حكتلك حاجة؟"
فتنهدت بيأس من صمت شقيقتها.
"لأ، مردتش تحكي. قالتلي محتاجة ترتاح."
فنظر لها بتفهم وتسطح على الفراش ومد ذراعه.
"تعالي ياحببتي."
وفور أن دعاها لحضنه، انضمت إليه ودفنت وجهها بتعب بصدره.
"قلقانة عليها أوي يا جاسم. ورد غيري، ورد كتومة وبتيجي على نفسها عشان تسعد اللي قدامها وبتعمل تنازلات كتير عشان ترضي غيرها، وده مخليني متأكدة إن كنان جرحها قوي."
وابتعدت عنه قليلًا ورفعت جسدها عن حضنه وهتفت بشراسة وهي تضغط على أسنانها.
"آه لو قدامي دلوقتي كنت..."
وقبل أن تكمل باقي عباراتها، جذبه نحوه ضاحكًا.
"إيه الشر اللي إنتي فيه؟ وعلى فكرة كنان اتصل بيا من شوية وكان باين على صوته اللهفة. وأقدر أقولك إن الموضوع فيه سوء تفاهم مش أكتر. كنان بيحب ورد، أنا متأكد من كده."
فنظرت إليه قليلًا وقد أراحها ما أخبرها به بعض الشيء، ولكن مازالت تتوعد لكنان. وأبتسم بعدما وجدها استكانت كالقطة الوديعة بين ذراعيه، تحرك يدها على صدره.
"مهرة."
فنظرت إليه بضياع. فمال نحو جبينها يطبع بقبلة دافئة عليه.
"متفكريش كتير في الموضوع، وتأكدي إن ورد أختي ومش هرضى ليها بأي إهانة من أي حد حتى لو كنان."
فأبتسمت وهي متيقنة بذلك. فبعد استقباله لشقيقتها وجملته التي قالها لها، تأكدت أي رجل هو زوجها الذي أصبحت غارقة في عشقه.
"فالحب ليس كلمات فقط، بل مواقف تظهر أفعال. وهنا ينحسم الأمر وتتأكد من حقيقة من أحببته. وتدرك إذا كان ما تعيشه سراب أم حب حقيقي."
ورفعت عينيها نحوه ثم طبعت بقبلة على خده برقة متمتمة.
"بحبك أوي يا جاسم."
وابتعدت عنه قليلًا واعتدلت في جلستها فوق الفراش ووضعت بيدها على بطنها مبتسمة.
"أنا نفسي يكون ولد ويكون شبهك في كل حاجة."
ونظرت لبطنها داعية.
"نفسي أجيب تلات ولاد ويكونوا نسخة منك إنت وبس، وأجيب بنت شبهي في كل حاجة."
قالتها بفخر، فضحك وهو يضمها إليه.
"وليه نبلّي العالم بـ"مهرة" تانية؟ كفاية واحدة."
فتملصت من بين ذراعيه.
"يعني أنا بلوة؟ يعني إنت شايفني كده؟"
وكادت أن تكمل ما تتفوه به، فوضع بكفه على فمها سريعًا.
"لسانك ده مدفع بيشتغل، لو استنيتي أكمل كلامي كنت هقولك إنك أحلى وأطعم وأرق بلوة."
هتف بتلك الكلمات المتقطعة وهو يطبع بقبلات رقيقة على عنقها وكأنه يدغدغها. كانت بعالم آخر بين كلماته الهامسة وشفتيه التي تتحرك على عنقها.
وفجأة وجدته يدفعها برفق عنه بعد أن صدح تنبيه هاتفه باقتراب موعد أذان الفجر.
"ابعدي عني دلوقتي ياحببتي عشان الشيطان شاطر."
طالعته دون فهم، ولكن عندما وجدته ينهض من فوق الفراش ويتجه نحو المرحاض، فهمت مقصده وابتسمت وهي تضع بيدها على قلبها.
"هو أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان أستاهل أتجوز الراجل ده؟"
ومالت نحو الفراش تنتظر هي الأخرى أذان الفجر، فقد اعتادت منذ زواجها منه أن تصليه في موعده. فهو يوقظها معه كما كانت تفعل ورد معها. في البداية استغربت من الأمر، ولكن مع مرور الوقت اكتشفت أن زوجها تربى على ذلك منذ أن كان يذهب مع والده وهو طفل صغير ليصلي، ومن بعده جدته التي كانت توقظه معها للصلاة.
نشأة شكلت رجلًا حقيقيًا، ورغم كل ما يحيط به، إلا أنه يجاهد أن يبتعد عن الحرام والتحرر الذي يعيش فيه أغلب طبقته.
نظرت إلى فراش شقيقتها المترب والغرفة فارغة، وما زالت حقيبة ملابسها موضوعة جانبًا.
فعلمت أنها استيقظت، وبالتأكيد تجلس بالأسفل، فهي قد تأخرت عن موعد استيقاظها، حتى أن جاسم لم تشعر باستيقاظه وذهابه لعمله.
وهبطت الدرج لتجد جاسم ما زال في المنزل، وورد تجلس أمامه تمسح دموعها، ومن هيئتها تلك أدركت أنها أخبرت جاسم بكل شيء.
واقتربت منهم متسائلة:
- هفضل في قلقي لحد امتى؟
ونظرت لشقيقتها بلوم:
- كده يا ورد تحكيله هو وأنا لاء؟
فلم يتحمل جاسم رؤيتها بتلك المسكنة، وكأنها ستبكي، فضحك وهو ينهض نحوها، ناظرًا لورد التي تجفف دموعها، وكانت ستعتذر من شقيقتها، ولكن جاسم سبقها:
- ياحببتي ورد حكتلي الأول عشان عارفة إني هتفاهم معاها بالعقل، وخافت عليكي من اندفاعك وردود أفعالك.
ورفع وجهها إليه بمشاكسة كتلطيف للوضع:
- ده أنتي ممكن تاخدي أول تذكرة طيارة على تركيا وتروحي لكنان، ونتفضح على الفضائيات.
استاءت من سخافته وأشاحت بوجهها عنه، وطالعت شقيقتها:
- مهرة أنا خوفت عليكي لأني عارفة إنك مش هتستحملي عليا حاجة... أكيد مش هخبي عنك حاجة، بس جاسم كان لازم يفهم الوضع، لأن كنان أكيد هيتواصل معاه.
واقتربت منها تحتضنها:
- كان عندك حق لما خوفتي عليا إني أعيش في بلد غير بلدي.
وبكت بحرقة تتذكر كل ما عانته من بطش فريدة، وكلمات سيلا حينما كانت تأتي لمطعم ليليان تخبرها عن النساء اللاتي عرفهن زوجها وأقام معهن علاقة، لم تفهم مقصده إلا عندما أوضحت لها سيلا من دون خجل، فزوجها عاش لفترة بأمريكا... وكانت الصدمة حينما أخبرتها أنها حملت من كنان، ولكن أجهضت الطفل، ولو كانت تعلم أن خطبتهم ستنتهي، ما كانت تخلت عن الطفل.
ينظرون إليها باستياء، أنها هي من تزوجها كنان كمال الدين، الرجل الذي دومًا اسمه يلمع في الصحف. لم تشعر بالحب إلا مع ليليان والسيدة عظيمة.
صبرت على كل هذا من أجله، وحاولت على تغييره، فهو يعيش بفكر أوروبي، مع أن وطنه يوجد مسلمون حقيقيون.
هذه كانت العولمة التي عرفت اسمها، ولم تفهم معناها إلا عندما دخلت داخلها.
فتجمدت ملامح مهرة وأبعدتها عنها برفق:
- لاء أنا لو معرفتش اللي عمله فيكي دلوقتي... هسافرله تركيا.
ونظرت لجاسم الذي كان يتابعهم بصمت، وكأنه يفكر بالأمر.
وأشارت لجاسم:
- هتحكيلي ولا هي اللي هتحكي؟
فأبتسم ومال نحو جبينها يطبع بقبلة عليه:
- لاء أنا عندي اجتماع مهم.
وانصرف من أمامها هاربًا، لتحدق هي بشقيقتها.
فعلمت ورد لا مفر.
عادت من العمل مرهقة، تشعر بألم أسفل ظهرها. تنظر للوقت في ساعة هاتفها، ف الليلة ستجري عملية الإجهاض بعد أن يرحل كريم. وأردفت للغرفة لتجد كريم يجهز حقيبة سفره.
وعندما رآها، نظر إلى وجهها الشاحب:
- مرام إحنا لازم نروح الدكتور.. شكلك تعبان ومرهق.
ونظر لساعة يده:
- لسا معايا وقت لميعاد الطيارة.
فنظرت له بارتباك، فتعبها تعرف سببه، ولكن كريم شك بالأمر ليلة أمس، ولكن أخبرته أنها متأكدة أنها ليست حامل.
وعانقته بدلال رغم الألم الذي يزداد:
- هتوحشيني ياحبيبي.
فأتسعت ابتسامته وقربها منه أكثر:
- أنتي وحشاني وأنتي معايا... ولولا ضرورة سفري مكنتش سيبتك وأنتي تعبانة كده.
فرفعت كفوفها الناعمة تحتوي وجهه بينهم:
- لاء سافر ياحبيبي وأنت مطمن.
ازداد الألم أكثر، ومع شعورها بيد كريم على ظهرها، كانت تشعر بشيء يتدفق من بين أقدامها، وصرخت من الألم. ليابتعد عنها ناظرًا إليها بصدمة، وعيناه مركزة على يدها التي تضعها على بطنها، والدماء التي تسيل منها، وهنا لم يحتج لتفسير الأمر.
اصطحبهم جاسم للعشاء خارجًا، رغم رفض ورد، إلا أن في النهاية خرجت معهم لكي ترضيهم، حتى أنه دعا أكرم وخطيبته. كانوا يضحكون من أجلها لتخرج من حزنها قليلًا.
وتعالى رنين هاتف جاسم، فالتقطت مهرة الاسم قبل أن ينسحب من على الطاولة، واستأذنت هي الأخرى، فقد كان المتصل كنان، وأرادت أن تعلم بما سيتحدثون.
وشعر بها جاسم خلفه، وأشار لها بأن تصمت، فصلت رغمًا عنها تستمع لحديثهم.
وبعد أن أنهى الاتصال، حدق بها بحنق:
- خرجتي من المطعم ليه؟ فضولك ده هيموتك في يوم.
فعقدت ساعديها أمام صدرها هاتفه:
- قلقانة وعايزة أفهم ليه الأستاذ منزلش مصر؟ ها ليه؟
فأبتسم على حديثها:
- عارفة يامهرة إن نفسي أعلقك، بس اللي منعني إنك حامل. تولدي بس وهعيد إصلاحك من أول وجديد.
فأبتسمت برقة وداخلها يضحك. واقتربت منه خطوة، ووضعت يده على خده تداعبه:
- أهون عليك ياحبيبي؟ ده أنا مراتك حبيبتك الهادية المطيعة. طب شوفت كل ما يتفتح موضوع كنان وورد، وأجي أتكلم تبصيلي وأسكت؟
وتابعت بوداعة تعجب منها، ورفعت كفها الثاني تداعب خده الآخر:
- بس أنت حلو النهارده كده ليه؟
فضحك باستمتاع وهو ينظر لوقوفهم هذا:
- لاء ده أنتي النهارده مش مراتي اللي أعرفها.
ومال نحوها هامسًا:
- نتلم ياحببتي لحد ما نروح بيتنا.
واكمل بتحذير:
- بس عارفة لو نطقتي وقولتي هنام وتعبانة وعندي محكمة الصبح، والحوارات اللي بتعيشي فيها ديه... هتجني على نفسك.
فأرتبكت من كلماته وابتعدت عنه تنظر حولهم:
- إحنا اتأخرنا عليهم، كده يقلقوا علينا.
وسارت أمامه، فابتسم على هروبها.
يعلم أن ما تفعله ما هو إلا بسبب هرمونات الحمل.
لغى رحلة سفره، ووقف يدور بالمشفى كالمجنون، ينتظر أحدًا يطمئنه. لتخرج الطبيبة تنظر إليه بأسف لا يحتاج للفهم:
- الحمل كان ضعيفًا. ولكن زوجتك بخير.
وانصرفت الطبيبة بهدوء. فوقف كالتائه، مرام كانت حامل.
مرت خمسة أيام، وما زال كنان مع شقيقته بالمشفى.
خرج من غرفة عائشة، ونظر إلى بشير وهو آتٍ نحوه وبجانبه ليليان.
واحتضن كنان معتذرًا:
- فور أن وصلت من سفري جئت إليك.
وابتعد عنه، ونظر لشقيقته بضيق:
- اعتذر منك صديقي. عما فعلته تلك الخرقاء.
فتهجم وجه ليليان، فطيلة الفترة الماضية تتلقى توبيخًا من شقيقها عبر الهاتف، رغم أنها اعتذرت آلاف المرات، لأنها لم تكن تعلم أن عائشة شقيقة كنان، فهو المخطئ، ولكن لن تتحدث مجددًا. فبعد رؤيتها لوجه كنان، علمت مدى حبه لورد. حتى أنها قصت لورد كل شيء عبر الهاتف، وأن عائشة شقيقة كنان، ولكن كيف هذا لا تعرف، فجميع الحكاية لدى زوجها.
وطلبت منها أن تظل صامدة، ولا تخبره أنه علم بشيء، إلى أن يوضح لها كل شيء ويعرف خطأه، لأنه لو كان أخبرها بالأمر، ما كان حدث كل هذا.
وشهقت بفزع بعد أن دفعها بشير للأمام هاتفا بها:
- اعتذري ليليان.
فهتفت بغل وضيق، فهي تكره أمثال كنان وشقيقها والرجال جميعهم، لعقم وسطحية تفكيرهم.
- بماذا أعتذر؟ أنا لم أخطئ. لأنني ببساطة لم أكن أعلم أنها شقيقته.
ولم تصمت على هذا، بل أخبرته بكل شيء تعانيه ورد، وأين هو من كل هذا.
كان كنان يقف يستمع لها بحزن، أما شقيقها أخذ يطالعها بوعيد.
نظرت مهرة لهدوء شقيقتها، فكلما هتفت بشيء عن كنان، كانت وكأنها مرتاحة من الأمر، ولا يشغل بالها شيء. واقتربت منها تتفرس ملامحها:
- ورد أنتِ مخبية إيه؟
فأبتسمت ورد وهي تحمل حقيبة يدها من أجل أن تخرج مع أكرم وخطيبته.
- هخبي إيه يعني عنك، بس كل الحكاية بحاول أكون قوية.
فأرتاحت مهرة وتنهدت:
- طمنتيني، أنا أهم حاجة عندي راحتك.
قبلتها على وجنتيها:
- خلي بالك من نفسك.
فقبلتها ورد بحب:
- متقلقيش عليا يامهرة، أنا اتعلمت من اللي حصلي. وأنا مرتاحة وأنا وسطكم، ومش هرجع لكنان غير بنت يعترف بغلطه.
فدفعتها مهرة بيدها برفق صارخة بها:
- ترجعي لمين؟ ده خانك مع المساعدة الشخصية بتاعته. أنتي هبلة يابنت زينب.
فهتفت ورد قبل أن تركض من أمامها، فهي لا تستطيع أن تخفي عليها شيء:
- البنت طلعت أخته.
لتقف مهرة مذهولة للحظات، تسأل نفسها:
- أخته؟
وأخذت تحك فروة رأسها وتتساءل ثانية:
- أخته طب إزاي؟
ونظرت حولها لتجد الغرفة فارغة، وورد انصرفت.
وخرجت من الغرفة حانقة متجهة لغرفتها، لتجد جاسم يقف أمام الشرفة يتحدث مع نرمين من أجل السفر لكندا.
وانتظرت أن ينهي مكالمته، وعندما التفت نحوها، حدقت به متسائلة:
- مين هيسافر مع مين؟
فضحك بمتعة وهو يطالعها:
- نرمين وريان.
فتنهدت بارتياح. فأبتسم على هيئتها، ثم التقط ذراعها:
- ورد مع أكرم مش كده؟
فأجابت دون أن تعي مغزى سؤاله:
- آه، بس بتسأل ليه؟
فجذبها أكثر إليه:
- هتفهمي دلوقتي ياحببتي.
وانتهى حديثهم حينما فهمت.
ابتسم ريان وهو يخرج العلبة التي تحتوي على خاتم الزواج، وعيناه تلمع. ريم لن تأتي إليه إلا إذا تعجل بذلك الأمر. فكل النساء اللاتي عرفهن بحياته، إما كانوا يأتون لفراشه راغبين بماله ووسامته، أو لمجرد أن يظهروا معه كنجمات مجتمع.
ولكن ريم شيء مختلف. وانتبه لجرس المنزل، فأغلق العلبة ووضعها بالدرج جانب الفراش.
وذهب ليفتح الباب، فوجد ناريمان أمامه بهيئتها المغرية، فتنهد بسأم:
- ناريمان لست بمزاج يسمح لأي شيء. لدي طائرة غدًا.
فدفعته ناريمان برفق للداخل وضحكت بدلال:
- جئت من أجل توديعك حبيبي.
وأغلقت الباب خلفها وتعلقت بعنقه:
- أنا أيضًا راحلة لباريس.
وأخذت بعبث بأزرار قميصه. ودفعها نحوه:
- انتهى كل ما بيننا ناريمان افهمتي.
فتقدمت منه بهدوء، ووقفت أمامه مجددًا:
- ليلة واحدة ريان.
ولم تتركه ينطق بعدها، فقد أطبقت شفتيها على شفتيه.
لتنتهي تلك الليلة كما أرادت.
واستيقظت صباحًا لتضم جسدها بالغطاء، وهي تستمع لصوت المياه، فقد استيقظ قبلها نافراً منها ومن نفسه.
وتمطت بسعادة لما حدث، ومدت يدها نحو أحد الأدراج تبحث عن علبة سجائره، لتقع عيناها على علبة زرقاء، فالتقطتها لتعلم إجابة لم ترغب في تصديقها.
"ريان سيتزوج ومن غيرها، فبالتأكيد تلك الفتاة التي جعلت إحداهن تراقبها بالشركة التي يديرها هو حاليًا."
نظر كرم للسيجارة التي يعطيها له نادر، ووضعها بين شفتيه. فسحب نفسًا منها ثم ضحك:
- لاء حشيش أصلي ده.
فضحك نادر، ثم تذكر عدم مساعدة كرم له في الوظيفة:
- فين الوظيفة يا كرم؟
لو مش هتساعدني قول ياصاحبي.
ليتذكر كرم الخلاف الذي نشأ مع شقيقته بسبب استهتاره.
- ما انت عارف يانادر مقدرش أساعدك... جوزها مش بيطقني. غير آخر خلاف بينا ضيع الدنيا.
وزفر أنفاسه من الدخان وضحك بأستمتاع.
- لفيلي سجارة تانية وكله بحسابه.
***
دار كريم بمقعده بعد أن سمع طرقات على باب مكتبه. لتقع عيناه على بسمة التي اقتربت منه تتسأل بجدية.
- كنت عايزني في حاجة يابشمهندس؟
فطالعها كريم وما زال كل شيء يمر أمامه كالفيلم.
متذكراً تلك الليلة التي أجهضت فيها مرام وعاد لمنزله كي يجلب لها ملابس. كان هاتفها لا يتوقف عن الرنين. ليفتح الخط وقبل أن يعلم هوية المتصل لم يصدق ما سمع.
"أحداهن تسأل زوجته لماذا لم تأتي للموعد". في البداية لم يكن ما يسمعه شيئاً غريباً إلا عندما سألتها تلك المرأة إذا كانت غيرت رأيها بأمر الإجهاض.
وانتبه على صوت بسمة.
- بشمهندس.
فوقف كريم واقترب منها. وخرجت آخر كلمة كانت تتوقع سماعها.
- تتجوزيني يابسمة؟
***
ضحكت بأستمتاع وهو يدغدغها بلطف.
- جاسم أبعد انت بتعمل إيه؟
فأبتسم بمشاكسة.
- سيبي ورق القضية اللي في إيدك واهتمي بيا شوية.
فأبتسمت وهي تشعر وكأنه طفل صغير. ووضعت الأوراق جانبًا بعد أن رتبتها.
- نعم يا سيدي.
فقربها منه غامزاً.
- بتحلوي كده ليه؟
فدفعته برفق على صدره.
- قصدك بتتخني كده ليه؟
وأشارت لجسدها بتذمر.
- أنا اتخننت أوي صح؟ قولي إن ديه تهيؤات.
فضَحِكَ على هيئتها.
- يعني شوية.
فلمعت عيناها وهي تنظر له.
- طب شيلني ونشوف.
فتعالت صوت ضحكاته.
- هو أنا ميزان ياحبيبتي؟
فتعلقت بعنقه وهي تهتف بحنق.
- شيلني يا جاسم ياحبيبي لاحسن هفضل أزن للصبح.
فأبتسم وهو يحملها وأخذ يشاكسها بمكر.
- لاء وزنك زاد يامهرة.
وعندما شعر بأسنانها على كتفه.
- آه ياعضاضة. أومال لو مجوعك هتعملي إيه؟
فضحكت وهو ما زال يحملها.
- هاكلك. ده انت بقيت حلو أوي.
وسألته برقة.
- هو انت بتحلو ولا ده من أثر الحمل ياحبييي؟
فضَحِكَ على ظرافتها التي ستقتله يوما.
- وده سؤال يتسأل طبعاً. أنا اللي حلو.
فأبتسمت بعدما وضعها على الفراش ثم هتف متسائلاً.
- محدش هيخبط علينا صح؟
وقبل أن يستمع لردها جذب هاتفه وهاتفها وأغلقهما وأبتسم بأرتياح.
- تعرفي لو اللحظة ديه انقطعت... هخنقك يامهرة.
كانت تكتم ضحكاتها بصعوبة ولكن لم تعد تحتمل فأنفجرت ضاحكة.
- وأنا ذنبي إيه؟
ودقائق مرت وهو يبثها مشاعره بكلمات رقيقة ولكن كما المعتاد... طرقات على باب غرفتهم وصوت ورد تلك المرة يهتف قبل أن تتحرك من أمام الباب وتهبط لأسفل.
- مهرة كنان تحت.
لم يجد إلا الوسادة فدفن وجهه بها.
رواية لحن الحياة الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سهام صادق
وقفت في منتصف الحجرة تضرب أخماسًا بأسداس، يقتلها الفضول فيما تتحدث شقيقتها مع زوجها. عندما هبطوا للأسفل، رحب جاسم بكنان، ثم أخذها من يدها قبل أن تفتح فاها نحو غرفة المكتب. تنهدت بضيق من هدوئه، فقد كان يجلس على المقعد أمام مكتبه يطالع بعض الأوراق.
- ليه خلتنا نسيبهم لوحدهم؟
نظر إليها بعدما رفع عينيه عما يطالع.
- عشان يتكلموا براحتهم يا مهرة. هما ناضجين كفاية إنهم يحلوا مشاكلهم.
وتابع وهو يشير لها:
- ياريت تقعدي وتهدي كده، واشغلي نفسك بأي حاجة.
بروده ما زادها إلا حنقًا. فهي لا تعلم كيف يتحول هذا الرجل. اقتربت منه ونفخت فمها بأنفاسها، ثم زفرت بقوة وكأنها تخلص رئتيها من حنقها.
عادت تبتعد عنه. ابتسم على ما فعلته.
- سلامتك من الفرقعة يا حبيبتي.
فحدقت به بقوة، ثم خطت نحو باب الغرفة تضع أذنيها لعلها تسمع حديثهم. التفتت نحو جاسم تخبره بعينيها باستياء، فلا حديث يصلها منهم.
فحرك جاسم رأسه بيأس منها ونهض من فوق مقعده واتجه نحوها.
- اخرجيهلم يا مهرة، أحسن واقعدي معاهم.
هتف ساخرًا، ولكن هي ظنت أنه جاد بالأمر.
واتسعت ابتسامتها ونظرت إليه.
- أنا بقول كده، لاحسن فضولي هيموتني.
وكادت أن تمسك مقبض الباب، إلا أنه حاصرها بذراعيه.
- ساعات بحسك إنك خارقة الذكاء يا حبيبتي.
فطالعته ممتعضة وأشاحت عيناها بعيدًا عنه متذمرة.
- ما أنا لازم أخرج، الوضع ده مش عاجبني. أنت متعرفش ورد ديه هبلة، ممكن يصالحها بكلمة.
فابتسم بخبث وهو يميل نحوها أكثر، ولكي يلهيها عن فضولها الذي سيقتلها.
- وانتي يا حبيبتي، لو في يوم زعلتك، ممكن أصالحك بإيه؟
فنظرت إليه وهي تفكر، وقد لهى فكرها قليلًا. فهو يعلم إذا خرجت لكنان، سيندفع لسانها بكل ما بداخلها.
***
كانت تتحدث بصوت باكي كلما تذكرت ما عانته. وصفت له كل مشاعر الخوف والقلق التي عاشتها. حكت وحكت، بداية من سماعها لنزواته السابقة قبل زواجه منها، إلى بعده المفاجئ عنها. كان يسمعها بإنصات وقلب يملؤه الألم لما عاشته بسببه. فلو كان صارحها بكل شيء، ما كانوا وصلوا لتلك الحالة. يوم رحيلها، اكتشف أنه لا يستطيع العيش بدونها، حتى لو لم تكن تحمل في أحشائها طفلًا.
- عيشتيني في نعيم، قولت أخيرا لقيت الحب اللي اتمنيته. محيت جوايا كل لحظات الانكسار اللي عشتها، وفجأة لقيتك بتسحب كل ده مني.
واقتربت منه تضرب على قلبها بقبضة يدها.
- فضلت مستنية منك تبرير لبعدك، ملقتش غير صمت وبعد أكتر.
وتذكرت رحلة إيطاليا وتركه لها.
- يوم سفرك كان نفس يوم خطوبة أكرم. أنا مزعلتش إني مسافرتش ليهم، بس قلبي وجعني وأنا لوحدي بتفرج على صورهم وأنت بعيد عني.
ومسحت دموعها بقوة.
- قولت لنفسي: بلاش هبل يا ورد، أكيد ورا شغل مهم عايزاه يسيب شغله ويفضل قاعد جنبك.
قلبه ازداد ألمًا وهو يسمعها. فنهض من فوق مقعده ليضمها إليه، ولكن لم يجد منها إلا يدها أمامه تصده عن لمسها، وهمس باسمها.
- ورد.. أعلم خطأي. عائشة شقيقتي، ونزواتي كانت بالماضي يا ورد.
فضحكت بألم وهي تتذكر. لو لم تكن عائشة شقيقته، هل كان سيحبها؟ وهتفت بلكنته:
- متي علمت أنها شقيقتك يا كنان؟ متي أخبرني؟
كانت الإجابة بالنسبة له ليست هينة. فكيف سيفسر لها المدة التي عاشها مضطربًا وهو لا يعلم سر انجذابه لها؟ هل حقًا كان سيظل عالقًا بين حبه لزوجته وانجذابه لامرأة تشبه شقيقته؟
وسمع صوت ضحكاتها المؤلمة.
- لو لم تكن عائشة شقيقتك يا كنان، لكنت الآن غارقًا بحبها.
ونظرت له بألم.
- حقيقة لن أكذب بها على عقلي، حتى لو لم يقتنع بها قلبي يا كنان.
***
جلس يستمع إلى قائمة مصالحتها، لو أغضبها في شيء يومًا. وزفر أنفاسه نادمًا على اللحظة التي قرر أن يسألها فيها. هذه هي زوجته، كتلة من الوداعة تجلس جانبه. وبعدما أنهت كل ما يمكن أن يصالحها به، هتفت بسماجة تكاد تقتله.
- بس أنت متزعلنيش خالص، ومش هتضطر تعمل حاجة تصالحني.
فتناول رأسها بين كفيه نحو صدره بقوة.
- لاء يا شيخة، قولي كلام غير ده.
فتململت من بين ذراعيه وضحكت بدلال. فعاد يجذبها إليه ضاحكًا.
- أنتي زوجة مظلومة وأنا زوج ظالم يا حبيبتي، وديما مزعلك. وديما قاطع لحظاتنا الرومانسية.
فابتسمت وقد وصلت لها رسالته.
- أيوه، أنا مظلومة وأنت ظالم أوي، حتى حابسني في الأوضة ومسبتنيش أقعد مع كنان وورد.
كان ينظر إليها بعمق وبرغبة متدفقة. فهي بين ذراعيه وتتحدث معه بدلال ووداعة تعرف إجادتها، رغم أنه يعلم أنها عفوية بكل شيء. ومال نحو شفتيها هامسًا:
- انسي كنان وورد وفضولك ده، وركزي معايا يا حبيبتي.
فأسبلت جفنيها وعانقته.
- مركزة معاك آه.
كان على وشك التقاط قبلة من شفتيها، ولكن صوت كنان العالي فصل كل شيء وجعلهم يعودون إلى واقعهم. فهتف متذمرًا وهو يبعدها عنه:
- لاء كده كتير.
***
لم يتمالك رؤيتها هكذا. حاول ضمها، ولكن نفضت ذراعيه عنها.
- أصبحت أشك بحبك لي يا كنان. أنت نسيتني في زحام حياتك.
فسارع في تبرئة نفسه.
- لا يا ورد، أنتي المرأة الوحيدة التي رأيت بداخلها حنانًا ودفئًا لم أراه من قبل.
فعاد الألم لقلبها. فهي دومًا الطرف الذي يعطي ويمنح. متى ستحظى هي بالعطاء؟
- لم نحظ بفترة كافية قبل زواجنا يا كنان.
لم يفهم مقصد كلامها إلا بعدما أتمت جملتها.
- أنت تحتاج لفترة تتأكد فيها من مشاعرك، وأنا أيضًا.
فلم يعد يتحمل ما قالته. وانتهى هدوئه ليتحول إلى بركان غضب.
- فترة ماذا يا ورد؟ فترة ماذا، وأنتم في أحشائك طفلنا؟
وجذبها إليه بقوة وقد ارتفع صوته.
- لن أرحل لتركيا إلا بكِ يا ورد.
وانصرف بعدها وهو لا يرى شيئًا أمامه، حتى أنه لم يستمع لصوت جاسم الذي هتف باسمه بعدما خرج من غرفة مكتبه.
واندفعت مهرة نحو شقيقتها التي وقفت تتنفس ببطء. فكل هذا الثبات الذي كانت فيه كان يأخذ من روحها، لا القوة من طبيعة شخصيتها. ولا هي تستطيع العيش دونه.
ووقف جاسم يحدق بالفراغ الذي أمامه، متنهدًا من تلك الليالي التي أصبح يعيش فيها.
***
اردفت لغرفتهما متنهدة بعدما جلست قليلًا مع شقيقتها تفهم منها كل ما دار بينها وبين زوجها. رغم أن قرار شقيقتها أسعدها، إلا أنها كانت تشعر بأن شقيقتها ليست سعيدة بهذا. ولكن تريد أن تعلم مكانتها أكثر داخل حياة زوجها، خوفًا من أن يقعوا في نفس تلك الدائرة يومًا ويجد نفسه نادمًا.
ونظرت لجاسم الغافي بأرهاق من كل ما يحدث معه بسببها. فأقتربت منه تجلس في تلك المنطقة الفارغة جانبه على الفراش، وأخذت تمسح على شعره برفق وتبتسم متذكرة كل ما تفعله معه من جنون وهو يتحمل كل ذلك بصدر رحب.
وانحنت تطبع بقبلة على جبينه، وشهقت بفزع وهو يجذبها للجهة الأخرى، فقد كانت تظن أنه نائم.
- خضتني يا جاسم، في حد يعمل كده؟
فضحك، ثم ضحكت هي.
- أنتي اللي صحتيني.
فابتسمت وهي تعلق يديها بعنقه.
- أنا صحيتك من حركة إيدي على شعرك.
فمال على عنقها يهمس بدفء.
- تعرفي أنك لأول مرة تعملي الحركة دي.
وتذكر ذكريات بعيدة عندما كان يفعلها والده له، ومن ثم والدته قبل أن تتركه وتتزوج.
أخبرها بتلك الذكريات بنبرة منكسرة شعرت بها. ومن أجل أن تجعله يضحك وينسى الأمر، شاكسته بمزاح أرادت به أن يبتسم.
- لاء، أنا فاكرة إني عملتها قبل كده. أنت مش بتركز يا جيمي.
فأبتعد عنها ناظرًا لها بنظرات متسائلة.
- مين جيمي ده؟
فضحكت وهي تعانقه مرة أخرى.
- واحد كده مالناش دعوة.
فتنهد بأستياء منها.
- ديما مخرجاني من حالة الهدوء والاسترخاء اللي بكون فيها معاكي.
فوجدت أن سخافتها لم تكن بوقتها. فضمته إليه، ثم أخذت تمسح على شعره مثلما فعلت.
- امتى متابعتك مع الدكتورة؟
هتف بهدوء. فتمتمت.
- بكرة.
فتأمل، وهو يتمنى اليوم الذي سيحمل طفله بين يديه.
- تمام، هنروح سوا.
فتذكرت شقيقتها وشعورها.
- بلاش يا جاسم عشان ورد، أنت ناسي أنها كمان حامل وكنان مش معاها.
تفهم الأمر بسهولة وابتعد عن أحضانها مبتسمًا، ثم عاد لروحه المشاغبة.
- هو إحنا كنا بنقول إيه قبل ما كنان يجي؟
***
نظر كنان للغرفة التي دمرها ليلة أمس بالفندق الذي هو مالك له. وضرب صدره العاري بغضب.
- لن أرحل إلا بكِ يا ورد.
وبدأ رنين هاتفه يعلو، فنظر للمتصل، فقد كان بشير.
- كيف تسير الأمور يا كنان؟
فزفر كنان أنفاسه، لعله صديقه يفهم الإجابة.
- فهمت يا كنان.
وأنهى اتصاله به، لينظر لكل من عائشة وليليان محركًا رأسه بعكس الإجابة التي كانوا ينتظروا سماعها. فشعرت عائشة بندم لما حدث لحياة شقيقها بسببها.
***
جلست بسمة تتناول طعام الغداء مع كريم، وهي إلى الآن لا تصدق عرضه. عرض الزواج لم تكن تتوقعه، فقد كانت ستطلب نقلها بفرع الشركة الذي أسس بأمريكا.
- أنت متأكد من قرارك ده؟ طب مرام؟
فتبادلت ملامحه للضيق، فهو أصبح لا يطيقها بعد ما فعلته.
- مالها مرام يا بسمة؟ إحنا هنتجوز في السر؟
أوجعته ما نطقه. وعندما شعر بوجعها.
- ده وضع مؤقت يا بسمة.
فأخذت تنظر إليه للحظات وهي تصارع انحدار دموعها.
- إيه اللي حصل بينكم يا كريم؟
لم يجيب عليها، ولكن احتوى كفها بكفه.
- لو عرض الجواز مش عاجبك، انسيه يا بسمة.
ووجد الإجابة بعد أن وضعت بيدها على فمه تخبره بتكرار ولهفة.
- موافقة.. موافقة طبعًا يا كريم.
***
نظرت رقية للشقة الجديدة التي اشتراها مراد بعدما باع شقته القديمة.
كانت سعادتها لا توصف لما فعله من أجلها، وأكثر ما أسعدها أن الشقة الجديدة قريبة من مسكن والدها. كانت خالتها تقف معهم سعيدة هي الأخرى بأن كل شيء يسير على ما يرام. سارت بعيدة عنهم نحو الشرفة، ليقترب مراد من رقية هاتفًا:
- ست الكل ديه لماحة وبتفهمني على طول.
لم تنتبه رقية لحديث مراد إلا عندما قبلها على خدها سريعًا. شهقت بصدمة لفعلته ثم دفعته بعيدًا عنها.
- أنت مبقتش مراد المحترم بتاع زمان ليه؟ أنا عايزة مراد القديم.
فضحك مراد وهو يرى غضبها وغمز لها بعينين لامعتين.
- مراد القديم كان شايفك أخت ليه، أما دلوقتي شايفك حاجة تانية.
فلمعت عيناها بمراوغة دون فهم واقتربت منه تسأل.
- حاجة تانية زي إيه؟
فضحك على سؤالها، هو يعلم مدى غبائها أحيانًا.
- لما تكبري هبقى أفهمك يا حبيبتي.
نظرت إليه رقية بغضب، ثم نظرت للشقة بعناد طفولي.
- الشقة عايزة توضيب كتير والديكورات اللي أنا عايزها هتحتاج لوقت. فنأجل الفرح لشهرين كمان.
ولم تدري بنفسها إلا وهي تركض نحو خالتها، وهو يركض خلفها بتهديد.
***
التف بجسده فور أن تسطحت بجانبه على الفراش.
وقفت تنظر لظهره، وقد طال جفائه الذي لا تعلم إلى الآن سببًا له. فمنذ إجهاضها وهو لا يتحدث معها إلا على أضيق الحدود، وكأنه يعاقبها على ذنب ليس لها يد فيه. توترت حينما شردت فيما كانت ستقترفه من قبل، وهتفت داخلها:
- معقول يكون عرف؟ طب هيعرف إزاي؟ أنا لازم أكلمك بكرة مدام سوزي أسألها لتكون بلغته حاجة.
وعادت تطمئن نفسها.
- بس مدام سوزي في فرنسا حاليًا، هتقابلوا فين؟ لا لا، أكيد كريم معرفش حاجة.
وابتلعت ريقها بصعوبة وخوف، واقتربت منه تمسح على ظهره.
- كريم حبيبي.
كان رده ككل ليلة كمثيلاتها الأيام الماضية.
- مرام أنا تعبان وعايز أنام.
ازداد غضبها، فهي لم تعد تتحمل كل هذا دون معرفة السبب.
- لأ أنا لازم أعرف فيه إيه. أنت مش ملاحظ إنك بتعاملني وحش من ساعة ما أجهضت، مع إن ده أكتر وقت محتاجك فيه.
فعدل من وضعيته ونظر إليها، ثم انفجر ضاحكًا وهو ينهض من فوق الفراش وهتف ساخرًا قبل أن يترك الغرفة.
- محتاجاني؟ أشك يا مدام.
***
كل شيء أتى وكأنه مرتب. سفر ريان وغياب ياسر هذا اليوم عن العمل وطلبه من سكرتيرته أن ترسل له أحد الملفات مع أحد موظفي الخدمة بالشركة. كان هذا الخبر بالنسبة لناريمان كالتفاحة المقشرة، بعد أن أخبرتها به سكرتيرة ياسر.
***
حدقت ريم في الملف الذي أعطتها له سكرتيرة ياسر بتوتر.
- ممكن نبعته مع أي حد تاني ياهناء؟
فارتبكت هناء وهي تهتف بعجلة.
- ياريم أنا مش هثق في غيرك، ده ملف مهم.
وتابعت بحزن.
- لولا تعب ماما المفاجئ كنت روحت أنا، بس لازم أمشي حالا.
وربتت على كتفها بتشجيع.
- متقلقيش ياريم، ما فيهاش حاجة لما تروحي بيته. أنتِ هتديله الملف وهتنزلِ على طول.
فوقفت ريم تطالعها وهي تنصرف. فهي لا تعلم كيف ستذهب إلى شقة رجل عازب. لو هناء ترى الأمر عاديًا، فهو ليس عاديًا بالنسبة لها.
وزفرت أنفاسها بحنق وهي مسلوبة الإرادة، وهي تخبر نفسها أنها ستعطيه الملف من أمام الباب وترحل.
***
كانت ذاهبة إليه في عمله تخبره عن نجاحها في القضية. فبعد أن انتهت القضية جاءت إليه على الفور، ولكن عندما وصلت علمت من مني أن زوج شقيقتها هنا. فاندفعت للداخل دون أن تطرق الباب، فوجدت كنان يطلب من جاسم المساعدة ويخبره أنه يريدها.
- جاسم أريد زوجتي، لن أسافر إلا بها.
لينتهبوا لصوت مهرة العدائي.
- لأ يا كنان، أختي مش هتاخدها بالساهل زي ما جوزتها ليك بالساهل.
ووقفت أمامه تنظر إليه بغضب، لا تعلم كيف أتى لها من ناحيته.
- كانت بتتصل بيا تطلب مني أساعدها إنها تصالحك. كانت بتطلع نفسها ديما هي اللي مزعلاك. اضطرابك النفسي وعدم توازنك طفى اختي.
أقولك على خبر يبسطك عشان تحس بالذنب.
- ورد في أي لحظة ممكن تفقد الجنين بسبب كل اللي عاشته معاك الفترة الأخيرة.
وقف قلبه للحظات وهو يسمع ما تخبره به.
- هل حدث لها شيء وللطفل؟ مهرة أخبريني.
فنظر جاسم إليها بعتاب، فتنهدت ببطء.
- متقلقيش، هي محتاجة تبعد عن التوتر والضغط.
وعادت إلى هجومها نحوه، وهو لم يتحدث بشيء، فهو المخطئ بكل شيء. واقترب منها جاسم كي ينقذ كنان من هجومها بعد أن أشفق عليه.
- مهرة خلاص اسكتي.
فحدقت به.
- سيبني أخرج اللي جوايا منه، أنت اللي كنت حايشني الأيام اللي فاتت.
وتابعت وهي تنظر إليهم. فحتى أكرم كان حليف جاسم وكنان بأن يهدئوا الوضع، وتعود له مدام أتى معتذرًا ونادمًا.
- متفتكرش ملهاش حد، لأ. أنا موجودة يا كنان وأقدر أدفع عن أختي.
فجذبها جاسم بعيدًا.
- مهرة كفاية.
فعادت تحدق به، ورفعت كتفيها بتحدي.
- ولعلمك يا كنان، أنا مش هرجعهالك غير لما تولد.
فتعالت الدهشة على وجه جاسم من ذلك القرار. وهتف كنان بلغته الأم من شدة غضبه منها، ثم انصرف بعدها بغضب.
وظلت تتحدث وتتحدث، ولم تشعر إلا بشفتيه على شفتيها كي يوقفها عن الحديث، وبعدها ابتعد عنها متمتمًا بغضب منها.
- شريط راديو وبيتفتح. شكراً يا حبيبتي، ديما فضحاني حتى في شغلي. كل الموظفين تقريباً سمعوا جلسة المحكمة اللي عملتيها على كنان.
***
وقفت رفيف بجانب سيارتها تحدق بريم وهي تتجه نحو البناية الراقية التي يقطنها ياسر. وابتسمت وهي تبعث رسالة لناريمان بأن كل شيء قد تم بنجاح. وأردفت لداخل سيارتها ثم قادتها، متذكرة منذ لحظات عندما كانت تجلس مع ياسر تناقش بعض الأوراق وترتشف من القهوة التي أعدتها له ولها.
***
وقف ياسر متفاجئًا من قدوم ريم لمنزله تحمل الملف الذي طلبه، ولكن ليس منها، وتنظر إليه بارتباك.
- الملف اللي حضرتك طلبته.
كان بعالم آخر، فهو لا يعلم ما به. سخونة غريبة تسري بجسده. ومازالت تمد له يدها بالملف وتتحدث. وأغمض عينيه كي يزيل ما بدأ يسير أمام عينيه.
فقلقت بسبب هيئته تلك، واندفعت لداخل الشقة تهتف بقلق بعد أن سقط الملف من يدها.
- مستر ياسر، فيك حاجة؟ مالك؟
ففتح عينيه ينظر إليها متفحصًا لها، لينغلق الباب بفعل الهواء. فنظرت إليه بغرابة من نظراته، ولكن سريعًا أدركت الوضع وكادت أن تضع يدها على مقبض الباب، فوجدته يجذبها إليه دافعًا إياها نحو الحائط.
رواية لحن الحياة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سهام صادق
كان وكأنه في عالم آخر، عقله مغيب وحرارة جسده تزداد. صراخ يأتي له من بعيد، بكاء وتوسل.
فتح عينيه والعرق يتصبب من فوق جبينه ليجد نفسه يحاول تقبيل إحداهن، ولم تكن إلا آخر امرأة يريد إيذاءها بحياته. العقل كان يرغب بها، فهو من يهيئها له بطريقة مغرية، ولكن قلبه يرفض، بل وأصبح يتألم وهو يسمع أنينها ويديها الصغيرة تدفعه عنها وتطلب منه أن يتركها.
ابتعد عنها سريعًا لينظر إلى هيئتها، فحجابها كان على وشك أن يزيله عنها، وملابسها يبدو عليها أثر عبث يديه.
ارتد للخلف بخطوات مذعورة وهو يشعر بالعطش أكثر إليها. فأبتعد أكثر عنها وصوت بكائها وأنينها يعلو.
ليتجه نحو أقرب أريكة يتمدد عليها، ثم أغمض عينيه لعله يفيق مما هو فيه. ليزداد اضطراب أنفاسه وعرقه الذي بدأ يتفق بغزارة.
وقفت تائهة في مكانها ترتجف بخوف. لأول مرة ترى الرجل الذي أحبته هكذا، لأول مرة تخافه.
لحظة أدركت فيها معنى أن تسقط من حافة الهاوية وترى مصيرك أمام عينيك. وضمت ذراعيها على جسدها وبكت بحرقة وهي تتخيل ما كان سيحدث لولا ابتعاده عنها. لحظات مرت وهي تقف بضياع وعيناها مثبتة نحو الفراغ.
استردت أنفاسها بصعوبة. لتتحرك قدماها للداخل، فرغم كل خوفها منه إلا أنها أرادت أن تطمئن عليه. فالرجل الذي كان أمامها منذ قليل ليس مديرها الذي تعرفه، ليس ياسر الرجل الذي أحبته رغم جمود قلبه.
وسارت بخطوات بطيئة مرتجفة ويداها مازالت مضمومة على جسدها. ووقفت على بعد يمكنها من رؤيته، فوجدته ممددًا على الأريكة مغمض العينين.
أرادت أن تقترب منه، ولكن مشهد ما كان سيفعله بها جعلها تفر هاربة من شقته وتضم حقيبتها لصدرها وتبكي بصمت. ووقفت في الناحية الأخرى من الطريق تطالع البناية. فعاد قلقها عليه يقتحم قلبها المحب وأخرجت هاتفها بأيد مرتعشة لتبحث عن رقم مهرة. وفور أن علا الرنين ردت مهرة.
"ريم"
وقبل أن تسألها عن حالها، سمعت صوت أنفاسها الهادر. فهتفت مهرة بقلق وهي تنظر لجاسم الذي يقود السيارة ويصطحبها للغداء.
"ريم مالك، فيكي إيه؟"
انتبه جاسم للحديث، ولكن ظلت عيناه مثبتة على الطريق. وأخيرًا خرج صوت ريم بتعلثم.
"مهرة... خلي جاسم بيه يلحق مستر ياسر في شقته، شكله تعبان أوي."
كانت مهرة على وشك أن تسألها كيف علمت بذلك.
فانقطع الخط، وعادت تدق عليها، ولكن الهاتف قد انغلق.
فنظرت مهرة لجاسم بقلق.
"جاسم، ياسر تعبان وفي شقته."
فأوقف جاسم سيارته، متسائلاً بحدة. فمنذ عمل ياسر معه وهو دوماً يجد فيه الموظف المخلص، حتى أنه أصبح يعطيه المناصب بشركته ويتولى أشياء كثيرة عنه، لأنه يعلم أن ماله في يد آمنة.
"وريم عرفت ده إزاي؟ ده كان لسه مكلمني من ساعتين."
فحركت رأسها دون فهم، ناظرة إلى هاتفها.
"معرفش حاجة، ده الكلام اللي ريم قالته وتليفونها اتقفل."
وطالعته وعقلها يدور بأشياء بعيدة.
***
أغلقت الباب على نفسها سريعًا بعد أن دارت شحوب وجهها ودموعها عن والدتها. جسدها كان يرتجف، وأغمضت عيناها بألم وهي تكتم صوت شهقاتها. مازالت تشعر بأنفاس ياسر الساخنة على وجهها، مازالت تتذكر يديه التي كانت تضمها وقربهم المتلاصق. وانهارت على البساط القديم خلف باب غرفتها وبكت وهي تلوم نفسها مرددة.
"إزاي أوافق أروح بيته... أنا الغلطانة."
***
انصرف الطبيب بعد أن طمأنه على حالة ياسر وأن ما به ليس إلا أنه تحت تأثير مخدر من الأنواع المنشطة.
وقد قالها الطبيب مبتسمًا بمغزى فهمه جاسم على الفور. فهو في الأصل طبيب صيدلي، ولكن أخذ عقله يدور بنقطة ياسر ومنشط، كيف هذا؟ ياسر لا يهوى النساء، يعيش على ذكرى زوجته، رجل كل حياته في العمل. ولمعت عيناه عندما تذكر ريم.
لتتجمد ملامح وجهه، ريم وياسر ومنشط.
ودار عقله بجميع الاحتمالات، فخرج من غرفة ياسر بعد أن أعطاه الطبيب حقنة تجعله يغفو براحة حتى يعود إلى كامل وعيه.
ومر الوقت وهو جالس بالخارج ينتظر استيقاظه.
***
عاد جاسم ليلاً ينظر إلى زوجته الجالسة على الفراش تقضم أظافرها بتوتر. فخلع سترته بإرهاق متسائلاً.
"فين ورد؟"
فوقفت على أقدامها وهتفت.
"ورد خرجت مع أكرم."
وتابعت بلهفة.
"طمني، إيه اللي حصل؟ ريم عرفت إن ياسر تعبان إزاي؟"
فأتجه نحو المرحاض ينعش جسده بالماء البارد بعدما أخذ ملابسه.
"الإجابة عند ريم يا مهرة."
وتركها دون أن يضيف كلمة أخرى، متذكرًا ما حدث مع ياسر وما أخبره به. فهو لم يتناول غير القهوة مع رفيف التي أتت تناقشه في بعض الأوراق وبعدها انصرفت، لتأتي إليه ريم وقد كان بغير وعيه. ومن نظراته فهم أنه قد حاول أن يعتدي عليها لولا سيطرته على نفسه والدوار الذي شعر به بعد أن انخفض ضغط الدم لديه.
وخرج من المرحاض يجفف شعره، ليجد مهرة تقف أمام المرحاض تنتظره بلهفة وفضول. وقبل أن تسأله هتف.
"مش هتلاقي غير الصمت لو سألتي، فغيري الموضوع يا مهرة."
وكادت أن تجادله، إلا أن إشارة من نظرة عينيه جعلتها تصمت. فلو لم يخبرها، فستهاتف ريم غداً لتلتقي بها وتعرف منها ما حدث.
وأقنعت نفسها بالأمر، لتنظر إليه وهو يعدل من هندام قميصه القطني ويمشط خصلات شعره بأصابعه. ثم هتف بنبرة حازمة قبل أن يغادر الغرفة.
"اللي حصل في الشركة ده يا ريت ميحصلش تاني."
كانت تظن أنه نسي أمر ما فعلته مع كنان، ولكن يبدو أن زوجها يخزن لها ما اقترفته لنهاية اليوم.
وبعدها تركها تنظر إليه متسعة العينين من مزاجه تلك الليلة.
"لأ شكل الليلة دي محتاجة سيطرة على لساني، ده مش طايق نفسه ولا طايقني."
***
لم يتناول العشاء معها وأردف لغرفة مكتبه يتابع عمله وينظر للإيميلات التي كان عليه مطالعتها بالشركة. ومر بعض الوقت وهو جالس هكذا.
ولكن شرد قليلاً وهو لا يصدق إلى الآن أن رفيف من وضعت لياسر المخدر. فمن سيفعل ذلك؟ فهي من أعدت القهوة، ولكن نفس السؤال الذي لم يجد له إجابة، لماذا تفعل ذلك؟
وعاد بذاكرته لبضعة أشهر قبل رحيل عمار لديه، وقد اعترف له لما حدث مع رفيف معتذرًا منه.
وابتسم ساخرًا على حاله، ففي يوم كان معجبًا بها وبجمالها وثقافتها ويريدها زوجة له.
وانقطع حبل أفكاره وهو يجد مهرة تحمل طبقين بهم قطع كعك وبجانبهم أكواب من الشاي. وهتفت بحماس كي تلطف الجو المشحون بينهم.
"لقيت نفسي قاعدة لوحدي وانت مرضتش تتعشى، قولت أجيب الكيكة اللي عملتها ونقعد نتسلى ونأكل ونشرب الشاي ونرغي شوية."
فطالعها بفهم وهو رافع حاجبيه.
"نرغي، وأكيد في نفس الموضوع."
وتابع وهو يعود لمطالعة ما أمامه.
"خدي بعضك وامشي، أنا ولا جعان ولا فاضي أتسلّى."
وفجأة وجدها أمامه تجذبه من ذراعيه.
"أبدا، ده أنا مش ماشية غير لما تدوق من الكيكة اللي عملتها، دي كيكة بمقادير تركية يا جاسم عملتها مع ورد وقولت لا يمكن آكلها إلا لما جوزي حبيبي يجي."
وجذبته بقوة أكبر كي تحركه من مقعده.
"يلا نقص الشريط."
وضحكت وهي تتابع.
"قصدي ناكل الكيكة وتقولي رأيك."
ونهض معها مرغمًا وجلس جانبها، فهو يعلم أنها ستستدرجه لتعلم ما حدث، ولكن سيلتزم الصمت.
ونظر لشكل الكعكة مضيقًا عينيه.
"إنتي متأكدة إنك إنتي اللي عملاها؟"
فابتسمت وهي تعطيه طبقه.
"إنت ليه شاكك في قدراتي المطبخية؟"
فضرب جبهتها بعد أن تناول منها الطبق.
"قدرات مطبخية... مصطلحاتك ديما بتبهرني يا حبيبتي."
وأخذ يستطعم بشوكته الكعكة، فقد كان طعمها لذيذًا، ولكن لا يصدق أنها صنع زوجته.
"هحاول أصدق إنك إنتي اللي عملتيها من غير مساعدة ورد."
فضحكت وهي تأكل القطعة التي بشوكتها. وشهقت فجأة بعدما وقفت القطعة بحلقها وأخذت تسعل. إلى أن أعطاها كأس الشاي خاصتها سريعًا ناظرًا لها بقلق. وارتشفت بعض قطرات الشاي وعادت تأخذ أنفاسها بعدما هدء السعال. ونظرت إليه ثم هتفت باعتراف.
"مش أنا اللي عملت الكيكة دي، ورد."
فطالعها جاسم للحظات ثم انفجر ضاحكًا من اعترافها، وكأنها خافت من كذبتها.
ودفعته على صدره برفق.
"متضحكش."
فوضع الطبق الذي يحمله وأخذ منها كأس الشاي وابتسم وهو يحدق بها.
"تعرفي إني بحب جنونك على هبلك ده."
فابتسمت باستحياء، ثم اتسعت عيناها وهي تتذكر أنه يذمها.
"أنا مجنونة وهبلة."
فمال نحوها يعبث بخصلات شعرها ضاحكًا.
"ده مميزات فيكي وأنا بذكر دلوقتي مميزاتك."
ولثم وجنتيها بقبلات دافئة وامتدت يداه يعبث بلياقة منامتها. فسألت.
"هو إيه اللي حصل مع ياسر وريم؟"
فرفع يداه نحو وجنتيها يداعبهم وحدق بشفتيها مبتسمًا.
"حصل كل خير يا حبيبتي."
فتمتمت وهي تجد شفتيه تتحرك ببطئ نحو شفتيها.
"عايزة أعرف حصل إيه."
وصدح صوت أكرم عاليًا بالخارج وهو يصرخ بورد على تركها المطعم بعد أن انضم لهم كنان.
فنظر جاسم إليها وأخذ يزفر أنفاسه بقوة على وجهها، وهي تكتم صوت ضحكاتها حتى لا يفتضح أمرهما.
"بتضحكي على إيه؟ على خيبتك."
فانفجرت ضاحكة بخفوت وهي تطالعه كيف ابتعد عنها.
"بصراحة بقيت تصعب عليا... بس متقلقش، كله في ميزان حسناتك يا حبيبتي."
ونهضت من فوق الأريكة راكضة لخارج الغرفة بعد أن طالعها بنظرات حانقة.
واتبعها وهو يجدها تقف بينهم تسألهم عن سبب صراخهم، وورد تهتف بضيق.
"الأستاذ بيقولي مبسوطة ومقضياها خروج وهو هنا قاعد في قلق، ومدام نفسيتي ارتاحت أرجع معاه على تركيا. ده كان عايز يخدني معاه على المطار يا مهرة ومجهز كل حاجة وهو اللي قايله يخرجني."
وصعدت لأعلى تبكي على كلمات كنان وهو ينعتها ببرودة القلب وهو لا يقدر على بعدها.
لتنظر مهرة لأكرم معاتبة.
"ليه عملت كده؟ ورد هترجع كده كده لـ كنان بس محتاجة وقت تهدي وتريح أعصابها."
فنظر إليها أكرم متأسفًا.
"الراجل بيحبها يا مهرة وسايب شغله وحياته وجاي وراها يتحايل ويعتذر وندمان، كفاية كده عليه."
فتهكم وجهها، فهو من فعل ذلك فليتحمل. وسمعت صوت جاسم مؤكدًا.
"أكرم عنده حق يا مهرة، كنان ندمان."
فوقفت تحدق بهم هم الاثنان، ثم تركتهم وهي تهتف.
"خليه يندم أكتر وأكتر."
***
نظرت رفيف لناريمان التي اقتحمت مكتبها وهتفت بسعادة.
"نجحت خطتنا، أليس كذلك؟"
فابتسمت إليها رفيف.
"لم يأتي للعمل ولم تأتي هي أيضاً، يبدو أنها كانت ليلة حافلة."
فأتسعت ابتسامة ناريمان وهي تتذكر ريان عندما يعرض الزواج على ريم وترفض، فكيف ستقبل الزواج به بعد ما حدث بينها وبين ياسر وغير سمعتها التي ستتولى تلك المهمة هناء سكرتيرة ياسر.
ففي كل الاتجاهات، عند عودة ريان من سفره، سيدرج أن ريم ليست الفتاة التي يظنها. سيثيروا الشكوك بين علاقتها بـ ياسر.
وزفرت رفيف أنفاسها بحنق.
"ماذا فعلتي مع السيد عدنان؟ هل قبل منحك عمار كحارس شخصي لكي؟"
فحركت ناريمان يدها على خصلات شعرها وهي تتذكر ليلة أمس وهي تقضيها مع عدنان والذي يعمل عمار حالياً حارساً له.
"لا تقلقي."
سيعمل لدي من بعد غد.
ضحكت بأستمتاع.
- وستسير خطتنا كما اتفقنا.
فنهضت رفيف من مقعدها وانحنت نحو صديقتها.
- ريان لن يتزوجك. ناريمان لا تحلمي بهذا الشئ. وأنا فعلت ذلك معك لأني أعلم بحب ياسر لريم، ولكن لن يعترف بشئ وسيظل هكذا. فأردت تحريكه.
وابتعدت عن صديقتها. فأخذت ناريمان تطالعها بضيق من أخبارها الدائم بأن شقيقها لن يتزوجها. فهي تعلم ذلك وليست بحاجه لمعرفتها، ولكن تأمل في يوم أن يدرك ريان حبها. ولكن مدام لن تجعله يتزوج تلك الفتاة التي هي متأكده أنه إذا تزوجها ستمتلكه لها وحدها، عكس زوجته السابقه التي كانت نسخه منها ومن رفيف.
نظرت بسمه للفستان الأبيض الذي انتقته لكتب كتابها وعرسها في نفس الوقت. لم يكن فستان زفاف، ولكن رغبت أن ترتدي مشابه له. وأخذت تتأمل تفاصيل جسدها بابتسامة واسعه. بعد عدة أيام ستسير زوجته وستعطيه كل ما يريد. ستكون زوجة معطاءه عكس مرام. فقد علمت نقاط ضعف مرام ولن تصبح مثلها وتخسره. وفي دوامة سعادتها نسيت خطتها القديمه مع مشيرة وكيف دخلت إطار حياتهم.
حمل كريم حقيبة سفره. فرحلة عمله التي أجلها في تلك الليلة بعد ما حدث مع مرام وبعد ما مر به.
ووجد مرام تقترب منه متفاجئة.
- أنت مسافر يا كريم؟
فطالعها ببرود اعتادته منه.
- أنتِ شايفه إيه؟
واتجه نحو غرفة أولاده يقبلهما وهي تتبعه متسائلة.
- دي رحلة لندن اللي اتأجلت مش كده؟
فخرج من غرفة صغيريه ولم يعد يحتمل اهتمامها هذا، فهتف ساخرا.
- آه رحلة لندن اللي اتأجلت عشانك.
واقترب منها بفحيح وهو يحدق بها.
- كنتِ عايزة تجهضيه. وأه اتحققتلك أمنيتك في نفس الليلة.
وحمل حقيبته بعدها وانصرف ليتركها تقف مصدومة من معرفته. ووضعت بيدها على شفتيها تكتم شهقتها ثم ركضت خلفه تهتف باسمه، ولكن قد رحل.
تغيبت عن عملها أمس، فأخذت والدتها تسألها عن السبب. أخبرتها عن عدم ذهابها لعملها مرة أخرى، فهتفت والدتها بقلق.
- حصل حاجة في شغلك يا ريم؟ اتطردتي يا بنتي؟
ومن دون إجابة ضربت على صدرها.
- هندفع فلوس الجمعية منين اللي دخلناها عشان عملية أبوكي؟
وأخذت تذكرها بقيمة المرتب وحالهم وأن والدها لم يعد قادرًا على العمل. ولكن عندما رأت الدموع بعين ابنتها، احتضنتها مشفقة.
- خلاص يا بنتي مش مهم. ربك مبينساش عباده تدبر.
وخرجت والدتها من غرفته. فجلست على فراشها باكية متذكرة المسئوليات التي أصبحت على عاتقها.
صحيح لم يحدث شئ لها من ياسر، ولكن قلبها يؤلمها كلما تذكرت أنها لولا رحمة الله بها لحدث ما لم تريد تذكره.
ونهضت من فوق فراشها تذهب لعملها، فهي بحاجة لذلك المرتب.
وقف ياسر يرتشف من فنجان قهوته وهو ينظر من شرفة شقته مفكرا فيما حدث. ويتوعد داخله لرفيف. ولكن قرر الصمت هو وجاسم حتى لا تتأذى سمعة ريم. وقرر أن يبتعد عن الفرع الإداري ويمسك إدارة أحد المصانع التابعة للمجموعة.
وأغمض عيناه بندم وقد قرر أن يعتذر من ريم.
ونظر لساعة يده فكانت تسير ببطء، وهو لن يذهب لعمله إلا على الظهيرة، فليست لديه رغبة بالعمل.
وسارت من أمامه صورة ريم وهي تبكي وتدفعه عنها بضعف كي لا يفعل بها شئ.
فقبض على يده بقوة متمتما.
- حسابك معايا يا رفيف، بس الدنيا تهدى وهعرف آخد حقها منك.
تمطت مهرة على الفراش بتكاسل وهي تنظر نحو جاسم الذي تأخر للذهاب لعمله بعد سهرتهم سويا ليلة أمس. ووجدته يلتف نحوها مبتسما.
- هنتغدى بره النهاردة وابقي شوفي ورد.
فنهضت من فوق الفراش بثوبها القصير وعانقته.
- فكرة حلوة، وأه بدل الغدا اللي اتأجل من يومين.
ولمعت عيناها عندما تذكرت ذلك اليوم وإلى الآن جاسم لم يخبرها عما حدث وريم هاتفها مغلق.
- أنت مش هتقولي على اللي حصل؟ أنا قلقانة على ريم يا جاسم.
فضحك على أفعالها، فهي تدور حول ذات الموضوع منذ ذلك اليوم. فحدقت به بضيق.
- على العموم أنا هروح لها بيتها أطمن عليها لو ما فتحتش التليفون بتاعها.
فتنهد جاسم وهو لا يريدها أن تعرف السبب الذي بالتأكيد حكايته لن تكون مكتملة، إلا إذا شرح ياسر الأمر لريم وأوضح لها كل شئ.
- مهرة، ريم لو عايزة تقولك حاجة هتيجي وتحكيلك. بلاش فضولك ده.
فحركت رأسها بضيق وهي تعلم صحة كلامه، ولكنها تخاف على ريم وتعدها كشقيقة لها. وانحنى نحو جبينها يلثمه بقبلة حنونة ثم داعب وجنتيها.
- بحبك وأنتِ بتسمعي الكلام.
وانصرف من أمامها لتقف هاتفه بحنق.
- مبقولش غير اللي عايز يقوله.
منذ بداية دوامها هذا الصباح وهي تستمع إلى همهمات الموظفين وخاصة النساء. لم تضع في بالها أن تعرف بما يتحدثون فيه، ولكن اتضح كل شئ لها وهي تجلس في استراحة العمل وترتشف فنجان قهوة من أجل الصداع الذي يدق رأسها كالطبول. واقتربت منها إحداهن تسأله بخبث.
- وهيتجوزك على كده؟
ثم تابعت.
- لأ، طلعتي شاطرة. وقعتي واحد من المديرين.
ووقفت تصرخ دون وعي.
- أنتِ بتقولي إيه؟
لتتعالى الهمهمات واحداهن تهتف.
- إن الله حليم ستار.
وأخرى تنظر لها باشمئزاز ويتحدثون عن ذهابها لشقة مديرهم وما بينهم.
فتذكرت هناء، فهي بالتأكيد من لديها الحقيقة لهؤلاء. فهناء من بعثتها من يومين. وتحركت بخطى سريعة لمكتب هناء، ولكن وجدتها تقف في بهو الشركة أمام ياسر الذي قد جاء للعمل ووقف يزيل نظارته عن عينيه وبجانبه أحد محامين الشركة.
فجذبت يد هناء قائلة لها برجاء وهي تتحاشى نظرات ياسر.
- هناء تعالي معايا، قوليلهم إن انتي اللي بعتيني بالملف لمستر ياسر.
ونطقت اسمه بصعوبة. لتتسع عين ياسر وهو ينظر لهناء التي وقفت مرتبكة، ثم صاحت بها.
- أنا بعتك يا ريم؟ ده انتي اللي اتحيلتي عليا عشان تروحي.
فنظرت إليها ريم بصدمة من كذبتها، فهي ذهبت من أجلها لأنها كانت تريد الانصراف مبكرا من أجل والدتها. ووجدته ينظر لياسر يخبرها بكذب أنها من رغب بذلك.
صدمتها كانت كبيرة، هي تدرك أنها في غابة حقيقية، غابة بها بشر. ووقف ياسر يستمع لهم وعيناه تدور بينهم، وبعض الموظفين انتبهوا للحديث الدائر، فخرج صوته صادحا بجمود.
- وفيها إيه لما تيجيلي شقتي؟ أنا وريم جوازنا بعد شهر ومن يومين كتبنا الكتاب، وما أظنش أننا لازم نوضح كل حاجة لأي حد.
ونظر إلى يدها التي تعلقت عين هناء عليها، فأكمل وهو يطالع تلك التي وقفت متخشبة بمكانها.
- قولتلك يا حبيبتي ألبسي خاتم جوازنا. أنا عارف إنك أكيد نسيتيه.
ورسم ابتسامة على شفتيه، فأبتسم البعض وتحولوا لمهنئين، ليتقبل ياسر التهنئة بملامح جامدة. أما هي فوقفت لا تشعر بأي شئ يدور حولها.
وقفت خلف باب المرحاض تكتم صوت أنفاسها بعد أن استمعت لاسم زوجها في الحديث الدائر بين المرأتان ولم ينتبهوا لوجودها. كان جاسم قد اصطحبهما لمطعم فخم ليتناولوا طعام الغداء.
ولكن حديث المرأتان جذب أذنيها.
- شفتي مرات جاسم الشرقاوي؟ عادية خالص، بيقولوا كانت موظفة عنده.
فضحكت المرأة بتهكم وهي ترد على صديقتها.
- ولا استايل حتى. تقريبًا نزوة وهيزهق منها قريب.
فتابعت الأخرى وهي تهندم خصلات شعرها.
- الفرصة قدام نرمين سهلة أنها تتجوزه، بس الهانم رافضة تخرب حياتهم.
فتعالت ضحكاتهم لتكمل وهي تضع أحمر الشفاه على شفتيها.
- خليها معجبة بيه في صمت كده، لحد ما تخسر فرصتها.
وغادروا بعدها ولم يعوا أن طعناتهم وصلت لمن يعنوها دون تخطيط.
رواية لحن الحياة الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سهام صادق
جلست بينهم تتناول طعامها دون شهية وترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة وهي تستمع إلى الحديث الدائر بين شقيقتها وجاسم. كانت تشاركهم الحديث من حين لآخر إلى أن لاحظ جاسم شرودها، فوضع كفه على يدها يداعب أناملها بحنان متسائلاً:
- مالك ياحبيبتي؟
ثم نظر لطعامها فوجدها لم تأكل إلا القليل منه.
- شكل الأكل مش عاجبك.. لو حابة أغير النوع.
ونظر إلى ورد مبتسماً، فهو وورد من اختاروا لها وجبتها بعد أن تأخرت في المرحاض.
فأشارت إليه برأسها وهي تتحاشى النظر لعينيه.
- لأ، الأكل حلو وعجبني.
فداعب جاسم وجنتها وضحك بحب.
- طب كلي ياحبيبتي.
فابتسمت لهم ورد وهي سعيدة برؤية جاسم يدلل شقيقتها التي تستحق أن تحب وتحصل على السعادة. فكلتاهما عانوا من الحياة ما يكفيهم.
وعادوا إلى طعامهم.. وهي مازالت كما هي، صامتة هادئة. وانتهى الغداء كما انتهت تحليتهم، وخرجوا من المطعم لتقف ورد تطالع ذلك الواقف أمام سيارته يطالعها، ثم تقدم منها.
- أريد الحديث معكِ يا ورد.
أوجعها رؤيته هكذا، فلحيته قد طالت والسواد يحيط عيناه من قلة النوم. كنان زوجها الذي يعشق الاهتمام بأناقته يقف أمامها وكأنه يحمل هموم الدنيا على عاتقه، وهو في الحقيقة أصبح كذلك.
والدته التي كانت تعيش حياتها كما يحلو لها أصبحت قعيدة الفراش. شقيقته إلى الآن محاطة بالخطر من قبل طليقها وزوجته، بعيدة هي وطفله الذي في أحشائها، ومشاكل بالعمل.
أعباء وأعباء تراكمت. لو عادت معه لاستطاع أن يصمد أمام كل شيء. وتمتم برجاء:
- أرجوكي تعالي معي.
فالتفت ورد نحو جاسم ومهرة اللذان وقفا يتابعان الموقف. جاسم يخبرها بعينيه أن تذهب معه ويتحدثوا، ومهرة كانت تقف شارده معهم وغير معهم.
ونظرت إلى كنان الذي يطالعها برجاء. وحسمت قرارها، ستذهب معه وترى ما يريد إخبارها به.
وعندما خطت خطوة للأمام ابتسم كنان وهو ينظر لجاسم الذي أخبره عن وجودهم هنا بذلك المطعم.
وانصرفت ورد، ليضم جاسم زوجته الشارده إليه مبتسماً.
- أول مرة تسكتي على حاجة ومتعترضييش.
لم تفهم سبب سؤاله وسألت عن ورد.
- هي ورد راحت مع كنان؟
فابتسم جاسم، ثم سألها بحيرة من شرودها هذا.
- آه ياحبيبتي.. مالك يامهرة؟
قادها نحو سيارته وهو مازال يضمها إليه، يخبرها عن خطته في إكمال باقي اليوم بالمنزل والاستجمام سوياً.
كانت فكرة رائعة، ولكن مع ما حدث اليوم لم تكن رائعة. فحديث المرأتين حرك داخلها أشياء تخاف حدوثها.
***
نظرت ورد للشقة التي اصطحبها إليها، فوقفت تتأمل الشقة قليلاً، فارسمت ابتسامة راضية على شفتي كنان واقترب منها متسائلاً:
- أتمنى أن تكون بالفعل أعجبتكِ يا ورد.
فالتفت ورد نحوه، فتابع كنان:
- شقتنا هنا بمصر يا ورد، اشتريتها من فترة عن طريق صديق لي يعمل في العقارات.
فسارت بخطوات هادئة تتأمل الشقة، كانت أنيقة وراقية.
- إنها ملك لكي يا ورد وعقدها باسمك.
وشعرت بيديه على ذراعيها يلامسها بنعومة، ثم انحصرت أسفل معدتها وأنفاسه الدافئة تلفح صفحات وجهها بعد أن مال برأسه على كتفها.
- اشتقت لكِ يا ورد.. اشتقت لكِ كثيراً.
كانت لا تقل شوقاً مثله وذابت مع لمساته، حتى أنها لم تشعر بيديه وهو يزيل عنها حجابها، ولكن أدركت الوضع سريعاً وابتعدت عنه.
- كنان أرجوك.
فجذبها إليه وهو يزفر أنفاسه بقوة صارخاً بها:
- ماذا تريدين أن أفعل يا ورد أكثر من ذلك؟ ماذا أفعل؟ أخبريني.
وسقطت دموعها بصمت وهي تتألم من قبضة كفه على ذراعها. نعم تشتاق إليه بشدة وتريد أن تغفر، ولكن كيف ستغفر وهي لم تتعاف من آلامها وهاجس الخوف الذي عاشته معه. خذلانه معها ذكرها باليوم الذي خذل فيه أباها والدتها. ذكرها باليوم الذي خذلها فيه خطيبها السابق وقد كان أول حب تفتح عليه قلبها.
- كفي يا كنان، كفي. أنت السبب في كل هذا. لو لم تكن عائشة شقيقتك، كنت ستعيش معي رجلاً مشتتاً بجسدك فقط. كنت ستتركني يا كنان.. مثلما تركت سيلا عندما وجدتني.
ألجمته عبارتها الأخيرة كما ألجمتها هي أيضاً، ووضعت بيدها على فمها وهي لا تصدق أنها قالت ذلك. فهي تعلم أن علاقته مع سيلا كانت منتهية قبل أن يحبها، فالسيدة عظيمة أخبرتها بكل هذا. فبعد موت هازان ترك كل شيء وظهرت سيلا على حقيقتها من امرأة عابثة، حتى أنها لم تقدر حزنه على شقيقته.
- لم أقصد يا كنان.
وتنهدت بضيق من حالها وهي تجده يبتعد عنها.
- أنت تعلم أنني لم أقصد. قلت لك اتركني لبعض الوقت يا كنان.
فالتف إليها ثانية ناظراً لها بعمق.
- إلى متى يا ورد؟ كفي دلالاً.
تردد الكلمة بأذنيها قليلاً، حتى ضحكت وهي تعيدها على مسمعه.
- دلالاً؟ أنا أتدلل؟ أنا لم أتذكر أنني تدللت يوماً على أحد يا كنان.
وتابعت وهي تشرد بذاكرتها حينما كانت تمر على متجر والدها تخطف بعض النظرات إليه خلسة وترى كيف يسير برفقة سهير زوجته. متاجر ضخمة يمتلكها والدها وهي وشقيقتها يعانون نظرات البؤس من جيرانهم، حتى خطيبها تركها لأن والدته كانت تراها دون المستوى.
- أنا لم أتدلل يوماً إلا على شقيقتي. أما الدلال فلا أعرفه. حتى أنت لم أطلب منك إلا حبك يا كنان، والآن تسمي بعض تمردي عليك دلالاً.
تألم لرؤيتها هكذا لأنه أكثر من يعلم طبيعة زوجته الهادئة، ووجدها تقترب منه وأخذت تدفعه على صدره بقوة.
- ومدام ما أفعله دلال، سأتدلل يا كنان.
***
وقف يطالعها وهو لا يعلم أيضحك عليها أم يضحك على حظه. فقد خطط أن يقضي اليوم بأكمله يضحكون ويستمتعون ويشاكسها، ولكن في النهاية ضاعت جميع خططه. فمنذ أن وصلوا وهي تجلس تطالع التلفاز وتبكي على بطلة الفيلم التي تعاني من المرض وتكافح من أجل البقاء وقد خذلها حبيبها.
فيبدو أن حتى التلفاز تعاون مع حالتها. واقترب منها بهدوء وهو يرسم على شفتيه ابتسامة هادئة.
- مهرة.
فرفعت عيناها الباكية إليه فسألها:
- مالكِ يا مهرة؟
فتمتمت وهي تلتقط المنديل تزيل به دموعها.
- مفيش حاجة بس مندمجة مع الفيلم.
فنظر للفيلم ثم إليها.
- سكونك ده أنا أكتر واحد عارف إنه لما بيجي وراه عواصف ومصايب، أو بالك مشغول في حاجة.
وألتقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز وأطفئه، ثم نظر إليها بتحديق.
- احكي، أنا أسمعك.
فلمعت عيناها وهي تتذكر حديث المرأتين، لم تحزن من كلماتهما بقدر ما حزنت أنهم يستكثروا زوجها عليها ويروها أنها لا تستحقه ولا تليق به.
واندفعت نحوه سريعاً تدفن وجهها بصدره وتهرب من الإجابة.
- جاسم، أنا بحبك أوي.
فضحك وهو يربت على ظهرها.
- وإنا كمان بحبك يا مهرة... بس هي دي الإجابة اللي أنا عايزها، ولا إنتي بتهربي من الموضوع؟
فابتعدت عنه قليلاً تطالعه وتفكر هل تخبره بما سمعته أم تصمت. وقررت الصمت، ولكن داخلها قرر المحاربة. وأشاحت عيناها بعيداً عنه كي يصدق ما ستخبره به.
- أظاهر إن عندي اكتئاب حمل.. وحاسة إني مش طايقة حد.
فانفجر ضاحكاً مما تخبره به، رغم أنه يعلم أنها تكذب، ولكن لم يرد أن يضغط عليها.
- فاشلة حتى في الكذب ياحبيبتي.
فارتبكت بعد أن كشف أمرها.
- هو إنت مش مصدقني؟
فأقترب منها يحرك وجهه على وجهها مستمتعاً، نافياً بحركة رأسه.
- لأ.
أثارتها حركته، فابتسمت ثم ضحكت بعد أن داعبت لحيته بشرتها الناعمة.
- جاسم، احلق دقنك بتشوكني.
فضحك وهو مستمتع بضحكها وتذمرها وهبط بوجهه نحو عنقها مداعباً إياه.
- بكرة هبقى أحلقها.. بس حالياً أنا مستمتع.
كان صوت ضحكاتهما يعلو، حتى أنها نسيت كل شيء كان يزعجها، وكأن القلب قد سكن العقل بترياق نشوته. ولم يفيقوا من مداعبتهم تلك إلا على نحنه خجلة. فقد كانت ورد تقف مرتبكة. فأبعد جاسم عن مهرة التي تساءلت على الفور.
- عملتي إيه مع كنان؟
فطأطأت ورد رأسها وهي تتذكر ما أخبرها به.
- كنان مسافر بكرة الصبح.
فتفاجأ جاسم بالأمر، لتنظر ورد لشقيقتها التي تحدق بها.
- اتفقنا إني هقعد هنا فترة أريح أعصابي.. مجرد وقت.
فتنهدت مهرة براحة، فهي تريد معاقبة كنان ببعد شقيقتها قليلاً، ولكن لا تريد إنهاء زواجهم. فهي تعلم عشق شقيقتها لزوجها، كما أن أصبح بينهم طفل.
***
وضع وجهه بين راحتي كفيه وهو إلى الآن لا يعلم كيف نطق بتلك الكلمات. ورفع وجهه ليسند ظهره على الأريكة. فقد فهم اللعبة. فـ هناء اعترفت بكل شيء. اعترفت بأن ناريمان وعدتها أن تعطيها وظيفة مرموقة أخرى بكندا هي وخطيبها. ظنوا أنهم يتعاملون مع رجل سهل، فهو لديه أساليبه. لديه وجه آخر يداريه حول الرجل الذي هو عليه. بالأصح، هو لديه أوجه عديدة أصبح يعرف يستخدمها متى أراد.
الزمن علمه كيف يكون وكيف يضع خيوط لعبته بين أصبعه. ولكن سؤال محير مازال لا يعرفه، لما ناريمان فعلت تلك اللعبة وعاونتها رفيف عليها؟ هذا ما ينتظر إجابته التي سيعرفها بالتأكيد. فهو منتظر عودة ريان حتى تكون الصورة واضحة أمامه وهو يسمع أفعال شقيقته وعشيقته.
وتذكر هيئة ريم الشاحبة وهي تستمع لكلماته. فضغط على فكه بقوة وهو يلعن رفيف وصديقتها. ومر الوقت وهو يفكر بذلك الوضع الذي دخل إطاره دون إرادة. وأخيراً انتهى قراره الحاسم.
سيتزوجها ثم يطلقها وانتهى الأمر.
ونهض من فوق الأريكة يلتقط مفتاح سيارته.
***
صعدت ورد إلى غرفتها كي ترتاح، فاليوم كان متعباً للغاية بالنسبة لها. وجاسم اتجه لمكتبه يطالع بعض الملفات، ومهرة جلست أمام حوض السباحة تفكر قليلاً فيما ستفعله لتدافع عن زوجها وحقها فيه. ولكن نهضت بحنق من فوق المقعد الذي تجلس عليه وضربت جانب فخذيها بضيق.
- طب وليه أنا عمالة أفكر في حلول وممكن أروح أحكيله ونخلص خالص وينقل نرمين من الشركة.
وحركت رأسها لتؤكد على قرارها هذا وسارت بخطوات سريعة نحو مكتبه لتطرق الباب ثم أردفت.
ليلتف نحوها مبتسماً ويكمل حديثه في الهاتف مع نرمين، والتي يبدو عليها تخبره عن آخر التطورات التي حدثت في رحلة عملها وجاسم يتحدث معها بعملية.
فندفعت نحوه تحاوط خصره من الخلف بتملك وتضع رأسها على ظهره. أخبرت نفسها أنه لها هي زوجته. وبعد أن كانت اتخذت قرارها بأن تقص إليه ما سمعته، قررت أن تعود لقرارها الآخر.
وأنهت الحديث مع نرمين، ثم ابتسم على تشبثها القوي به. فهتف ضاحكاً:
- مهرة، أنا مش ههرب منك ياحبيبتي.
فارتبكت بعد أن أدركت أنها بالفعل متشبثة به كالعلقة. وأرخت ذراعيها عنه وتساءلت:
- خلصت شغل؟
فضحك على فعلتها والتف نحوها حتى أصبح وجه أمام وجهها.
- أمرك يحير ياحبيبتي، شوية قاعدة مع نفسك سرحانة.
شويه مكتئبة.
شويه بتضحكي.
ثم غمز لها مبتسماً.
- ودلوقتي عايزة إيه بقى؟
فتمايلت بين ذراعيه مبتسمة.
- عايزة أدلعك.
فأتسعت عين جاسم وهو لا يصدق ما تهتف به. ومال للخلف وهو يضع بيده على قلبه بطريقة درامية.
- مش معقول مراتي أخيراً قررت تدلعني.
لاء أنا بحلم
فضحكت ليضحك هو الآخر وضمها إليه.
- لاء، اظاهر إن الحمل هيعمل معايا أفضال كتير.
وأبعدها عنه ثم ربت على بطنها حيث موضع طفلهما.
- أنا بشكرك على مزاج ماما ده.. خلي مزاجها عند نقطة الدلع دي بس، أصل بابا طيب وابن حلال ومحتاج يدلع كتير.
لم تعد تحتمل ما يتحدث به مع طفلهم وانفجرت ضاحكة بقوة.
- هدلعيني بإيه بقى؟
سألها بمشاغبة وعينان تلمعان بما أصبحت تجيد فهمه.
- هعملك مساج.
عبست ملامحه بعد أن كان متحمسًا.. فضحكت على تذمره.
- مساج تاني منك، لاء.
وضربها على مؤخرتها حانقًا من اقتراحها الذي لم يرغب به.
- خدي بعضك وامشي يامهرة.. ديما مضيعة حماسي.
فضحكت باستمتاع وهي تتعلق بعنقه وتجذبه إليها كي يميل نحوها ويصبح بمستوى طولها.
- اسمع كلامي بس، ده تمهيد لحاجات حلوة كتير.
وغمزت بعينيها فجعلته يبتسم، ولكن سرعان ما تذكر مساجها الذي فعلته من قبل.
- متحاوليش يامهرة.. انتي مبتعمليش مساج يريح عضلات الجسم، انتي بتنفضي سجادة ياحبيبتي.
ومع تذمره وإصرارها انتهى الأمر وهي تتعلق بذراعيه صاعدين إلى غرفتهم.
***
أردف والد ريم لمنزله بسعادة وهو لا يصدق ما حدث. فقد كان جالسًا على المقهى القريبة من منزله في حارتهم ليتفاجأ بأحدهم يسأل عنه. أدهشته فخامة الرجل وهيئته التي جعلت الجالسين ينظرون إليه، فهيئته المنمقة لا تدل أنه من منطقتهم ولا من المناطق المجاورة.
وفاق على صوت زوجته تخبره بحزن:
- معرفش ريم مالها.. أنا قلقانة على بنتي.
فنظر إليها زوجها مبتسمًا دون مقدمات.
- مديرها في الشغل جالي على القهوة وطلب إيدها مني.. راجل محترم وابن ناس باين عليه.. ربنا استجاب لدعائي وهطمن عليها أخيرًا.
وتابع بسعادة:
- بكرة جاي البيت يتقدم رسمي.
فحدقت به زوجته وهي تستوعب الأمور بصعوبة.
- مين ده اللي جاي يا حج؟
فتخطاها زوجها وهو يهتف:
- ركزي يا أم العيال.. عريس جاي لريم.
ألقى جملته الأخيرة واتجه نحو غرفته... لتقف زوجته تستوعب ما أخبرها به ببطء ثم انصرفت خلفه.
غير مدركين لابنتهم التي تقف خلف الباب تستمع لحديثهم وتبكي وهي تعلم أنه هو آتٍ ليتزوجها مشفقًا عليها ليس أكثر.
كانت تتمناها بل ودعت الله كثيرًا أن يكون لها، أن يراها بعين المحب ويحبها. وبكت بحرقة وهي تكتم صوت شهقاتها متذكرة تلك الدائرة التي دخلتها وسط عالم كبير على عالمها وأحلامها الصغيرة.
***
هتف متذمرًا وهو متسطح على بطنه.
- انتي بتعملي إيه؟
واتجه بعينيه نحوها حانقًا وزفر أنفاسه بقوة، فهو لم يكن يريد إراحة عضلات جسده ولا شيئًا من كل هذا.
- بتفرج على الخطوات.. سيبني أركز عشان أكمل شغل.
فلوي شفتيه باستنكار.
- عضلات جسمي بالنسبالك شغل.. أنا كده هبرد يامهرة.
فطالعت نصف جسده العلوي العاري ثم عادت تطالع هاتفها على القناة التي تعرض شرح عمل المساج.
وشهقت بفزع وهي تجده يلتقط منها الهاتف وجذبها إليه.
- بلا مساج بلا خطوات.
لتضيع باقية شهقاتها مع قبلاته التي أغمرها بها.
***
جلست مرام أمام بسمة باكية. فلم تجد أحدًا غيرها تقص إليه ما تعيشه. كريم لا يرد على اتصالاتها، خشيت أن تحادث جاسم وتخبره بالأمر كي يجد لها حلاً، ولكن جاسم نبهها كثيرًا على تصرفاتها حتى مهرة.
فوضعت بسمة كفها على يد مرام بارتباك تهدئها.
- أهدي يامرام، أكيد شوية زعل بسيط وهيروح.
فطالعتها مرام ببكاء.
- أنا بحب كريم أوي يابسمة.. أنا مقدرش أستغني عنه.. بس كريم مش هيسامحني على اللي عملته.
لم تكن تعلم بسمة بفعلتها.. وجف حلقها وهي تستمع إلى سبب خلافهم.
- أنا متأكدة إن كريم بيعاقبني.
فاتسعت عيناها بصدمة.. ألهذا السبب كريم عرض عليها الزواج؟ عقاب لزوجته لما كانت تفكر في الطفل الذي نبت بأحشائها وأرادت التخلص منه.
ونظرت إليها بسمة طويلًا ولكن زادت أنانيتها في إتمام ذلك الزواج.
وطأطأت مرام رأسها.
- أنا مستعدة أتغير عشانه.. بس ميضيعش مني.. أنا عارفة إني أنانية بس بحبه.
ونظرت لبسمة برجاء.
- ساعديني يابسمة.
ولمعت فكرة بعينيها بلهفة.
- إيه رأيك أسافرله لندن؟ تعالي اقعدي مع الولاد، أنا عارفة إنك بتحبيهم أوي ومبثقش غير فيكي.
فتبدلت ملامح بسمة.. أتساعدها وتخسر فرصتها؟ وهتفت أخيرًا بتعلثم.
- لاء يامرام، أنا شايفة إنك تسيبيه يهدي ده أفضل ليكي وليه وبعدين تتفاهموا.
فنظرت إليها مرام طويلًا وهي تفكر بالأمر.
- انتي شايفة كده أفضل؟ أستنى؟
فحركت بسمة رأسها سريعًا مؤكدة.
- أيوه طبعًا.
***
استقبلت عائشة كنان بأسف وندم على ما فعلته بحياة شقيقها.
- أسفة يا كنان.. حقًا أنا آسفة، لم أكن أقصد كل ذلك.
وتابعت بندم أكبر.
- أنا مستعدة إن أروح مصر واعتذر من ورد.
فضمها كنان إليه.. هو يعذرها مهما كان، فهو المخطئ في البداية ولو كان مكان عائشة وعاش ما عاشته لتحول مثلها لشخص حاقد.
- لا تعتذري يا عائشة ولا تتحدثي كثيرًا، ما زال جرحك لم يطب.
وأبعدها عنه لينظر لصديقه الذي استضاف شقيقته لديه واعتنى بها.
- شكرًا بشير.. شكرًا على كل شيء.
فأبتسم إليه بشير ثم نظر إلى عائشة، وهو الذي يريد أن يشكرها.. إقامة عائشة لديها حركت مشاعر لم يختبرها من قبل، حتى سيلا التي أحبها يومًا.
وجاء بذهنه أمرها، فهي تستجم في فرنسا قليلًا لدى شقيقتها وقد أراحه ذهابها والتفافها حوله في الآونة الأخيرة.
***
ابتسمت ورد فقد أخرجتها رقية قليلًا من حزنها لرحيل كنان. فقد كانت تود لو أخذها رغماً عنها حتى لو معصوبة العينين، ولكن نفذ لها رغبتها. أصبحت تعيش مشاعر متخبطة. وطرقّت رقية أصابعها أمامها هاتفة بمرح.
- أكيد سرحانة في أبو عيون ملونة.
فضحكت ورد على مداعبة رقية لتتابع رقية حديثها بحماس وتستنشق الهواء ببطء.
- اعملي حسابك إنك لو جبتي ولد.
ورفعت يديها عاليًا داعية.
- يارب تخلف ولد عشان أجوزه لبنتي.
فتعلت ضحكات ورد ونظرت لها مستفهمة.
- بنت! انتي اتجوزتي وخلفتي يارقية؟ لاء فين مراد عشان أحكيله؟
فأعتدلت رقية في استرخائها.
- مستقبلاً يعني... المهم أنا عقدت معاكي الاتفاق، يجي ابنك بقى يقولي لاء بنت بلدي أحلى وبنات بلدي عيونهم ملونة وبينوروا في الضلمة.. هياخد البنت يعني هياخدها.
كانت مهرة متجهة إليهم في تلك اللحظة وسمعت الحديث الدائر فضحكت هي الأخرى باستمتاع.
- مش قولتلك مافيش غير رقية هي اللي هتفرفشك.
وضربت مهرة بخفة على رأسها.
- الله يعينك يامراد.
فحركت ورد رأسها فهي بالفعل لا تضحك إلا مع رقية بأفعالها وحديثها.
وجلست مهرة جانبهم وتسألت.
- اخترتي فستان فرحك؟
فلمعت عين رقية وأخرجت تنهيدة طويلة ونظرت إليهم ثم حركت ذراعيها بأن يقتربوا منها. وأخرجت هاتفها متمتمة.
- تعالوا أفرجكم على الفستان اللي اخترته.
فاقتربوا منها ونظروا إلى الفستان الذي أمامهم وتعلقت عين مهرة بورد باتساع ثم نظروا إلى رقية التي كانت منتظرة أن تعرف رأيهم.
- فستان أسود يارقية.
نطقوا بها بصدمة.. لتهتف رقية باعتزاز.
- عايزة أكون مختلفة.
***
نظر ياسر إلى ريم التي تفرك يديها بتوتر وتنظر إلى الأرض منتظرة حديثه.
- ريم ممكن ترفعي راسك.
فرفعت رأسها.. لينظر لها وهو يتألم من انكسارها هذا.
- والدك قالك أكيد على عرضي.. أحنا لازم نتجوز في خلال الشهر ده ياريم.
فتعلقت عيناها به وقاومت ذرف دموعها من تلك المهانة التي تعيشها.
- أنا معرفتش أقول إزاي لوالدك إني عايزة أتزوجك في أسرع وقت... لأنه أكيد هيشك في الحكاية.
دمعت عيناها وهي تستمع إليه وعادت تنظر للأرض مجددًا.
- ريم جوازنا عشان سمعتك عشان تقدري ترجعي الشركة راسك مرفوعة من تاني.
ترددت الكلمات بأذنيها.. مرفوعة الرأس.. فرحة والدها بذلك العريس وسعادة والدتها وسط جيرانها وقلبها الذي يريده.
ونهضت من أمامه تنهي كل ذلك.
- أنا..
ولم تكمل باقي كلماتها فوجدت والدها يتجه نحوهم مبتسمًا.
- نورت وشرفتنا يابني.
وجلس جانب ياسر بسعادة يربت على ذراعه بفخر.
***
أخذ يحضر حقيبة سفره بحماس. فغدًا سيعود إلى مصر وسيذهب ليتقدم لخطبة تلك الفتاة التي أراقت فكره.. فأنتهى وقت التفكير.
وتذكرها مبتسمًا وهتف باسمها.
- فريدة من نوعك ريم.
***
نظر كريم إلى صور صغيريه وهو متسطح على الفراش في الفندق الذي يقيم فيه حتى تنتهي رحلة عمله.. ينسى كل شيء وهو يطالعهم.. تتدفق مشاعر الأبوة إليه ويراجع قراره آلاف المرات.
وأخذ هاتفه يضيء برقم بسمة.. وفتح الاتصال الذي كان على أحد البرامج الحديثة ذو الصوت والصورة.
لتظهر بسمة أمامه بقميص نومها.
- وحشتني يا كريم.
هتفت برقة وهي تتلاعب بخصلات شعرها ثم أخذت تخبره بحماس عن الفستان الذي اختارته لعقد قرانهم، وهو يستمع لها ويرد عليها ببعض الكلمات المقتضبة.
أشعرته بالبغض من حاله.. فغضبه من زوجته أعمى ليدخلها في الأمر ويلعب بمشاعرها.
***
تفاجأ جاسم بمهرة التي تقف في منتصف الحجرة ترتدي أحد فساتين السهرة العارية ويبدو من ملامحها أنها مستاءة من شيء.
واقترب منها ينظر إليها بهدوء هاتفا.
- إيه الجمال ده ياحبيبتي.
فهتفت باختناق من ضيق الفستان عليها.
- عجبتك ياحبيبي؟
فأبتسم وهو يتأملها من بداية الحذاء العالي إلى خصلات شعرها التي صبغت بعض خصلاتها.
- انتي عجباني في كل حالاتك.
وضمها إليه، فضاقت أنفاسها بقوة.. ولم تعد تحتمل ضيق الفستان.
- جاسم أنا محتاجة أتنفس.. الفستان ضيق أوي.
فأبعدها عنه ونظر إليها وهي تحرك يدها للخلف نحو سحاب الفستان وصدحت صوت ضحكاته عاليًا.
- ولَبستيه ليه مدام ضيق؟
فهتفت بحنق وهي تحاول سحب سحاب الفستان.
- عجبني شكله.. أنا لازم أخس عشانه.
ومدت شفتيها بامتعاض وهي تستمع لضحكاته.
- شوفت أنا عاملة إيه عشانك وانت بتضحك.
فأدارها اتجاهه وما زال يضحك وأزال السحاب ببطء.
- كل اللي انتي عملاه ده شكليات ياحبيبتي.
فأبتعدت عنه لتنظر إليه دون فهم.
- قصدك إيه؟
فأبتسم وهو يحتوي وجهها بين راحتي كفيه ثم مال عليها يخبرها بوقاحة مقصده.. لتتسع عيناها.
فدفعته عنها.. ليضحك على فعلتها.
- ما خلاص ياحبيبتي..
ده انتي بطنك بدأت تظهر.
وقرص وجنتيها بخفة وهو يشاكسها.
- مهرة انتي نمتي؟
كانت تطالعه بثبات إلى أن خطت نحوه ودفعته حتى سقط بجسده على الفراش، وانكبت عليه تلتقط لياقة قميصه.
- فين الكلام الرومانسي اللي بيقولوه في الوقت ده؟ فين رقصة السلو؟ فين كاظم الظاهر اللي المفروض يظهر فيك؟ فين الشعر؟
طالعها في البداية بصدمة إلى أن رنت قهقهته بأرجاء الغرفة وحاوط حضنها بذراعيه.
- لأ ده انتي بقيتي مسلية خالص يا حبيبتي.. وأنا بعشق التسالي.
وجذبها نحوه أكثر فأصبحت بين ذراعيه وقبضتي يديها على صدره.
وتنفست ببطء وهي تشعر بملس يده على ظهرها.
- إحنا مش هنرقص؟
فداعب أنفها بأنفه.
- بكرة نبقى نرقص يا حبيبتي.
ولكن طرقات على باب حجرتهم وبكاء ورد وانقطعت تلك اللحظة الساحرة ونظروا لبعضهم بقلق.
رواية لحن الحياة الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سهام صادق
سحبها من عليه بقهر وهو يتمتم ببعض الكلمات الحانقة مشيرا للفستان الذي ترتديه بعد أن نهضت من فوق الفراش.
- الفستان ده متلبسيهوش تاني.. ولا تعمليلي مفاجآت يامهرة.
ونهض هو الآخر من فوق الفراش متجهاً إلى المرحاض ووضع كامل رأسه أسفل الصنبور يغرق وجهه وشعره بالمياه الباردة، زافراً أنفاسه بقوة.
كانت مازالت تقف في مكانها تطالع الفراغ الذي تركه، وتعذره على ما يحدث. وتذكرت أمر شقيقتها. ففتحت الباب بلهفة وقلق، حتى أنها نسيت هيئتها وقد مال جزء من الفستان على كتفها، غير السحاب المفتوح من الخلف.
كانت ورد قد ابتعدت عن الغرفة وتسير نحو الغرفة التي تقيم بها، وانتبهت لصوت مهرة فركضت نحوها تعانقها دون أن تنتبه لهيئة شقيقتها.
- بابا بيموت يامهرة وعايز يشوفنا.
هتفت ورد بتعلثم وبكاء، وأكملت بألم وهي تتذكر قدومه لهم أمس وكيف كان سينحني ليقبل أيديهم ليغفروا له ما فعله بحقهم.
- كأنه كان حاسس إن في حاجة هتحصله.. هيموت بعد ما سمحناه.
كانت ورد تتحدث ببكاء وخوف على أن تكون تلك نهاية والدهم، ومهرة تقف صامتة شارده في أمس عندما أتى إلى منزلها يطلب غفرانهم، يخبرهم أنه نادم بشدة على ما فعله بهم.. نادماً أنه لم يكن أب لهم.
وابتعدت عنها ورد تنظر إليها بقلق.. صامتة شاحبة، حتى أهدابها لا تتحرك.. وهيئتها مشعثة، وقد أدهشتها هيئة شقيقتها، فخجلت من حالها لإنهاء ليلة شقيقتها مع زوجها، وهتفت باسمها مرددة.
- مهرة انتي سمعاني.
هتاف ورد أخذ يتردد في أذنيها، ولكن عقلها كان كالغائب في تلك اللحظة التي كان يقف فيها والدها ويتوسلها هي خصوصاً بأن تسامحه.. مازال حضنه لها هي وشقيقتها وهو يخبرهم أن لو الزمن عاد به ما كان فعل بهم هذا.
وبدأ عقلها يعود لوعيه، ويد ورد على ذراعها تهزها وتهتف باسمها.
ونظرت إلى شقيقتها تحرك شفتيها بصعوبة.
- مين اللي بيموت.
فأشفقت ورد عليها.
- مهرة ادخلي البسي هدومك عشان نلحق نروحله.
ودفعتها نحو غرفتها.. ثم اتجهت هي الأخرى لتبدل ملابسها.
نظر لها جاسم وهو يجفف شعره بالمنشفة.. ووجدها تجلس على الفراش تهتف بثقل.
- بيموت... بعد ما حضنا هيموت.
لم يفهم جاسم ما تتفوه به.. وجلس بجانبها بعدما بدأ القلق ينتابه، فقد ظن أن ورد أتت من أجل شيء خاص بها مع كنان، فهو يعلم طباع ورد الهشة.
ولكن من هيئتها علم أن الأمر أكبر من ذلك، فسألها بهدوء وهو يحتوي وجهها بين راحتي كفيه.
- مهرة مين اللي بيموت.
فطالعته بتحديق وتمتمت وهي ترمي نفسها بين ذراعيه.
- بابا يا جاسم بيموت.. هيموت بعد ما سمحته.
لتتجمد ملامحه، فليلة أمس لم تنم من اضطرابها بكل ما حدث وعدم تصديقها أن والدها أتى إليهم، حتى أنها بدأت تخبره عن ما اقترفه بحقهم، ثم تعود وتخبره أنها لم تشأ يوماً أن ترى انكساره وانحناءه نحو يدها هي وشقيقتها ليقبلهما من أجل أن يسامحوه.
***
نظرت سهير إلى زوجها الذي يرقد أمامها على سرير المشفى ويلتقط أنفاسه الأخيرة.. فالطبيب أخبرهم أنها مجرد لحظات ليس أكثر، فهم قد فعلوا كل ما بوسعهم.
كانت تتألم وتبكي وهي ترى حبيبها وشريك حياتها بتلك الحالة، فروحه لا تريد الرحيل وكأنها خائفة.
وسمعت صوته الذي يخرج بصعوبة.
- فين بنات زينب.
كان يسأل عنهم وهو يلومها بعينيه.. لترتبك من نظراته، فهي السبب في تفرقته عن بناته. حبها له قد عماها يوماً عندما رأتـه يميل لزينب وينساها.. لتركض إلى خالتها التي اقترحت لها أن تسحر له بالمحبة لها وحدها ولا يرى غيرها.
دفعت المال وهي تنتظر النتيجة، وكانت النتيجة كما أرادت، أصبح كالخاتم بين أصبعها، لم يعد يرى زوجته الأخرى وبناتها، لم يعد يرى إلا غيرها.
وسمعته يخاطب أكرم الذي كان يقف بعيداً.
- فين اخواتك.
وبدأ بالبكاء وهو يهتف.
- خلي بالك منهم يا أكرم وخليك جنب كرم ليضيع.
ونظر لسهير بعتاب.
- روحي مش راضية تطلع يا سهير.
وعاد يلتقط أنفاسه بصعوبة.
- اوعي تاكلي حق بناتي في ورثهم فيا.. حقهم يا سهير.
رددها كثيراً.. وانتبه أكرم لقدوم شقيقتيه يركضون في الممر الطويل، ولكن مجرد أن التفت لوالده يخبره أنهم أتوا، كان قد رحل.
لتصرخ سهير بعويل وهي لا تصدق أنه رحل وتركها.
فوقفت مهرة وورد على أعتاب الغرفة.. لتبكي ورد بقوة، ومهرة تستند على جاسم الذي كان يطالع الموقف بحزن.
***
نظر ريان إلى ياسر بصدمة مما يخبره به من فعلت شقيقته وعشيقته، وصدح صوته بجمود.
- كنت عايز تفهم ده حصل إزاي... أظن كده الإجابة وصلتلك.
لينظر إليه ريان وهو يتوعد داخله لشقيقته التي بات يمقت أفعالها والأفعى الأخرى.
ولكن كلمة ياسر أخذت تتردد في أذنيه، هو وريم سيتزوجان زواجاً صورياً مؤقتاً، وانصرف ياسر بعدها حانقاً من هجومه عليه ثم هدوئه.
ولكن قبل أن يصفع الباب خلفه.
- ريم هترجع تاني تشتغل معايا.
ليضغط ريان على أسنانه بقوة.
- اللعنة عليكي يا رفيف.
وخرج هو الآخر من غرفة مكتبه متجهاً إلى مكتب شقيقته ليتفاجأ بأنه فارغ.
***
سمعت صوته وهو يحادث صغيريهم عبر الهاتف الذي تحمله مربيتهم، والصغيران يهتفان باسمه ويهمهمان بكلماتهم المبهمة.. اشتاقت إليه ولم تعلم مرارة الخسارة إلا تلك الأيام.
علمت اليوم في الشركة أن رحلة عمله امتدت لأيام أخرى، واقتربت من غرفة صغيريها تقاوم دموع اشتياقها لزوجها، والتقطت الهاتف من المربية.
- كريم.
فور أن سمع صوتها، تعالت أنفاسه وتمتم بضيق.
- مع السلامة يا مرام.
وأغلق الخط بوجهها، لتنظر للهاتف غير مصدقة أن كريم أصبح رجلاً قاسياً.
لتطلب رقمه مجدداً من هاتف المربية، ولكن الهاتف قد غلق.
- لدرجة دي يا كريم كرهتني.
ونظرت إلى أعين صغيريها شارده.
- بابا بقى يكرهني أوي.
فحدقت بها المربية بأشفاق.. لتغادر غرفة صغيريها سريعاً وتهوي بجسدها على فراشهما تبكي بحرقة على ما كانت تظن أنها لن تخسره.
***
يومان مرا على وفاة والدهم وهم يأتون للعزاء كالأغراب، متحملين نظرات سهير الممتعضة.
وقفت ورد بجانب سيارة جاسم الذي وقف مع أكرم وزوجها.. فقد أتى كنان اليوم معتذراً من شقيقها على عدم وجوده أمس.
كانت تنظر إليه باشتياق وحب، حتى أنها لم تصعد السيارة مع شقيقتها وفضلت الوقوف لرؤيته، وكأنها تخبره بدعوة صريحة أنها هنا تريده.
لم يقل كنان اشتياقاً عنها، ولكن قرر أن يتركها كما طلبت منه إلى أن تقرر العودة.
وسار كنان نحوها بعد أن صافح أكرم مخاطباً إياه إذا أحتاج لشيء فليخبره.
وتقدم منها ببطء حتى أصبح أمامها ومال نحو السيارة ليقدم العزاء لـمهرة التي كانت تود أن تقول لشقيقتها ارحلي مع زوجك.
ثم عاد يطالع زوجته التي ارتـمت بين ذراعيه.
- كنان.
فضمها إليه بشوق يبثها حنانه، وبعد لحظات ابتعدت عنه بخجل، مدركة أين هي تقف، ووجدت أكرم وجاسم يقتربان منهم.
فنظرت إلى شقيقها الذي هتف وكأنه يترك لها الاختيار.
- كنان طيارته بعد ساعة يا ورد.
فاتسعت عيناها ونظرت إليه، ليشير له برأسه مؤكداً منتظراً منها لو تخبره أنها ستأتي معه، ولكن كان صمتها هو الإجابة.
وأخفضت عيناها نحو يديها تفركهما بتوتر.
فأنحنى كنان نحو جبينها يلثمه بقبلة حانية وانصرف.
لتنظر هي إلى خطاه، ثم ضمها أكرم إليها بحب.
- مدام لسه حاسة نفسك مش قد قرار الرجوع خليكي يا ورد.
وخرج أخيراً صوت جاسم بتأكيد.
- أكرم كلامه صح.
وأشار إليها بالصعود للسيارة.. ليغادروا تحت نظرات أكرم الواهنة.
***
فور أن تحركت السيارة بهم.. ألتفت مهرة نحو شقيقتها تسألها.
- كنان هيسافر ولا هيفضل في مصر.
فطأطأت ورد رأسها بحزن متمتمة.
- هيسافر.
ثم تابعت وهي تنظر في عين شقيقتها.
- مهرة أنا عايزة أرجع شقتنا القديمة أقعد فيها.
وقبل أن تهتف مهرة بشيء.. أتاها صوت جاسم معاتباً.
- ليه يا ورد.. حد ضايقك في حاجة.. انتي عارفة إني بعتبرك أختي مش أخت مراتي.
فخجلت ورد منه.. فجاسم بالفعل يعاملها كالشقيقة، حتى أنه عرض عليها المال لجلب حاجتها مخبراً إياها أنها شقيقة له والشقيق يلبي حاجات شقيقته.
ولكن اكتشفت أن كنان يبعث لها المال وكل احتياجاتها من خلال معاذ الذي كان مديراً سابقاً لها في المنتجع.
وهتفت بصدق وامتنان وانتهت.
- نفس شعوري يا جاسم.. انت بالنسبالي زي أكرم.. بس أنا محتاجة أقعد في بيتنا القديم كل حاجة وحشتني فيه.
ونظرت إلى مهرة التي تطالعها بصمت إلى أن هتفت.
- خلاص أنا هاجي أقعد معاكي... مش هسيبك تفضلي لوحدك.
لتتبدل ملامح جاسم للجمود بعد قرار زوجته.. فلمحت ورد ذلك سريعاً وهتفت بشقيقتها بنبرة مرحة بعض الشيء.
- لأ انتي خليكي مع جوزك.. أنا عايزة أرتاح منك شوية تعاليلي الصبح.. وكمان أنا بقول عايزة أكون لوحدي.
وكادت أن تفتح مهرة شفتيها وتعترض، إلا أن ورد تابعت حديثها مطمئنة إياها.
- متنسيش إني مش لوحدي في البيت.. أستاذ عادل وأبلة صفاء هناك.
وانتهت مناقشتهم بذهابها غداً مدام أنها مصرة على ذلك.
***
تمددت على الفراش جانبه.. لتجده ألتف بجسده للناحية الأخرى، فتعجبت من ابتعاده عنها متسائلة.
- جاسم انت مديني ضهرك ليه.
فأغمض عينيه بحنق منها، فلولا ما هي فيه الآن لكان حاسبها على قرارها الذي اتخذته وهم في طريق العودة.
- نامي يا مهرة.
فاقتربت منه تميل نحوه تفكر بالشئ الذي فعلته وأغضبه.
- أنا معملتش حاجة تضايقك.. وانت شكلك مضايق مني.
فأعتدل حانقاً، فهي حتى لا تتذكر خطأها، تقرر الذهاب مع شقيقتها ناسيه أن قراراتها هذه لابد أن تناقشه فيها.
- معملتيش حاجة.. على العموم نامي يا مهرة وعدي الليلة دي على خير.. ولولا إني عارف اللي انتي فيه وأنك مش بوعيك كنا اتحاسبنا.
فلمعت عيناها بضيق وحدقت به.
- يعني بدل ما تاخدني في حضنك تقولي نتحاسب.
فزفر أنفاسه بقوة وهو يطالعها.
- يعني تاخدي قرار تروحي بيتكم القديم مع ورد وأنا قاعد جنبك كأني كرسي.
فابتسمت بشحوب على تشبيه.
- كرسي.
فتأفف من هدوئها.
- لأ أنا بقول لأنك تنامي لا أنا أسيب الأوضة كلها.
وكاد أن ينهض من فوق الفراش ليترك لها الغرفة، إلا أنها جذبته نحوه.
- متزعلش مني.. مكنتش أقصد ألغي وجودك.
وهتفت وهي تدفعه نحو الفراش.
- نام وخدني في حضنك وطبطب عليا.
فرفع حاجبيه يطالعها وهي تندس أسفل ذراعه وتضع رأسها على صدره.
- أطبطب عليكي وماله يا حبيبتي.
وابتسم وهو يجدها مسترخية على صدره تخبره.
- أنا عايزة أعيط يا جاسم ومش عارفة.
ادهشه ما تخبره به، فتنهد وهو يمسح على ظهرها.
- عيطي يا حبيبتي.
فرفعت عيناها نحوه متذكرة ليلة أمس...
تخبره أنها تريد أن تبكي ثم تنفجر في البكاء.
ولم تتعدّ الدقيقة إلا ووجدها تبكي وتدفن وجهها بين أحضانه.
- أكرم حكالي عن وصيته علينا، كان نفسه يلحق يشوفني أنا وورد.
وظلت تهذي بالكلمات وهو يربت على ظهرها ويهدّئها ويخبرها أن تدعو له بالرحمة، إلى أن مسحت دموعها وهدأت وعادت ترفع عيناها نحوه.
- جاسم، أنا مكتئبة.
لم يجد شيئًا يفعله إلا أنه أغمض عينيه بسأم.
- نامي يا مهرة عشان أنا اللي بدأت أكتئب وضغطي بدأ يعلى عليا.
وكالعادة تنسى كل شيء وتمسك بإحدى عباراته.
- هي في رجالة بتكتئب؟
فزفر أنفاسه وهو يحدّق بها باستنكار.
- آه يا حبيبتي، لما يكون فيه زوجة زيك لازم يكتئب، وكلمة تانية وهسيب لك الأوضة وأنام في مكان تاني.
فطالعته بامتعاض من حنقه منها وقلة صبره.
- خلاص هنام.. وأريحك مني.
فتنهد براحة وأغمض عينيه بإرهاق.
ليجدها تفتح عيناها مجددًا وتخبره.
- جاسم، أنا جعانة.
ولم تكن تكمل كلامها وتخبره أن الطعام هو ما ستخرج به اكتئابها، فدفعها عنه ونهض من فوق الفراش هاتقًا.
- جاسم، سايب لك الأوضة كلها.
وخرج من الغرفة وهو يفرك خصلات شعره بقوة.
نظر ريان لجاسم الذي يخبره أنه لم يعد يرغب بعمل رفيف معهم بعد فعلتها تلك، ليتذكر ليلة أمس بعد أن صفعها على فعلتها.
وكانت إجابتها المؤلمة أنها أراحت ريم من أنانيته، وأن ياسر يحبها وهي تبادله نفس الشعور وأكثر، ولا تنظر حتى إليه.
أوجعته الحقيقة التي يعلمها، ولكن هو اعتاد إذا أراد شيئًا حصل عليه.
- ريان، بلاش ريم. أنا عارف حياتك كويس يا ريان، وعلى فكرة ياسر أتقدم لها رسمي وحددوا ميعاد جوازهم.
لينهض ريان بضيق من أمامه متذكرًا ناريمان التي لا يطيق حتى لقاءها.
وخرج من مكتب جاسم عازمًا أن يهاتف ريم من أجل مقابلتها، فهي لم تعد تأتي للعمل.
ودق عليها وهو متجه نحو سيارته، ولكن كالعادة الهاتف مغلق.
ليردف داخل سيارته بغضب متمتمًا.
- ناريمان العاهرة.
استيقظ على صوت طرقات قوية على باب شقته، وبعدها صوت شقيقته المصدومة من اقتحام الشرطة لمنزلهم، صارخة باسمه.
- عمار.
ليندفع عمار خرج غرفته متسائلاً.
- في إيه يا باشا؟
ليدفعه الضابط المسؤول أمامه.
- أنت عمار الدسوقي؟
فهتف عمار مجيبًا.
- أيوه.
ليصدح صوت الضابط بجمود مع بكاء شقيقته.
- هتعرف دلوقتي.
وخرج أحد العساكر من غرفته ممسكًا أسوارًا من الألماس وسترته.
- لقينا دي يا فندم.
لتتسع عين عمار بصدمة.
جلست مهرة بجانب شقيقتها بعد أن نظفوا المنزل، وقد أتت إليهم رقية لتعزيهم على وفاة والدهم ثم عاونتهم.
وبعدها سمعوا طرقات على الباب، فهتفت مهرة.
- أكيد دي ريم، اتصلت بيا الصبح.
وذهبت لتفتح لها الباب، وعندما رأتها ريم احتضنتها بقوة.
- أنا آسفة إني جيت لك متأخر أعزيك.. بس أنا.
وقبل أن تكمل كلامها همست لها مهرة.
- أنا عارفة يا ريم.
وقادتها نحو شقيقتها ورقية، التي كالعادة تضيف لهم بعض المرح.
كانت ورد تبتسم على حديث رقية، ومهرة تحدق بريم التي تجلس منطوية على نفسها.
ومر الوقت إلى أن أشارت مهرة لريم.
- ريم، تعالي معايا ساعديني نعمل حاجة نشربها.
فنهضت ريم ببطء وسارت خلفها.
وعندما أصبحا بمفردهما بكت ريم بحرقة وأخذت تقص لها كل شيء يثقل على كاهلها.
- هما ليه عملوا فيا كده يا مهرة؟
كانت مهرة تقف أمامها مذهولة من يوم ما هاتفتها وأخبرتها أن يذهب جاسم لياسر، إلى اليوم الذي تحدثوا عنها بالشركة وحديث ياسر أنهم سيتزوجون قريبًا.
- أنا مش عايزة أتجوّز ياسر يا مهرة، أنا بقيت أخاف منه.
فطالعتها مهرة بهدوء.
أمنية ريم قد تحققت ولكن بطريقة مؤلمة، تعلم أنها ستزول مع الزمن ما دام ياسر ليس له ذنب كما تقول هي.
- أهدي يا ريم.
فتابعت وهي تمسح دموعها.
- مبقتش عارفة أروح الشركة إزاي، قبل ما أجيب لك كنت بدور على شغل، هو ده أنسب حل ليا.
ولمعت عيناها وهي تتذكر صمت جاسم عن الأمر.
- ياسر مقالش لك مين ورا الحكاية دي مع هناء؟
فحركت رأسها نافية وعادت للبكاء مجددًا.
لتضمها مهرة إليها.
- ياسر بيحبك يا ريم.
عادت للمنزل بوجه محتقن وهي تريد أن تعلم من فعل ذلك.
علمت من هدى أنه عاد مبكرًا من عمله ويجلس بغرفة مكتبه.
وأردفت للغرفة واقتربت منه.
- مين اللي عمل كده يا جاسم في ريم؟
فرفع عينيه ببطء نحوها وقد علم أنها تحدثت معها.
- مش لازم يا مهرة.. ياسر كمان ضحية لعبة قذرة.
أعادت سؤالها مرة أخرى ولكن الإجابة كانت.
- مهرة، قولت لك مش لازم.. مش لازم كل حاجة تعرفيها. الوحيدة اللي من حقها تعرف ريم وبس، وده ياسر أكيد هيوضحه ليها، إمتى بقى دي حاجة تخصهم.
فعقدت ساعديها أمام صدرها بعدما وجدته يعود لمطالعة الأوراق التي أمامه.
ومالت نحوه.
- جاسم حبيبي.
فضحك بسخرية.
- لأ، شغل المحامين ده بلاش معايا.
فداعبت وجهه بأناملها.
- لأ، ده شغل زوجة مع جوزها.. قولي مين وأنا هسكت خالص.
فحدق بها مبتسمًا.
- مفيش إجابة هاخديها مني.
وجذبها نحوه حتى اختلطت أنفاسهم.
- روحي يا حبيبتي شوفي أي حاجة اعمليها وسبيني أكمل شغل.
وتركها كما جذبها برفق وعاد لمطالعة بعض الأوراق التي أمامه.
لتقف تحدق به بحنق واندفعت خارج غرفة مكتبه تتمتم بقلة حيلة.
- مهما أصرّيت مش هيقول.
كانت على موعد بإحدى صديقاتها.
لتردف للمطعم الذي قرروا تناول الطعام به والحديث، لتجد صديقتها تشير إليها بالاقتراب.
فأقتربت رقية من صديقتها لتقف بعد عدة خطوات تطالع مراد الذي يجلس مع إحداهن ويتناول الطعام معها ويتحدثون.
ونظرت للمرأة التي تعرفها ولم تكن أي امرأة، فهي طليقته.
وخطت نحوهم ببطء تستمع إلى طليقته التي تخبره أنها تطلقت من زوجها وأنها تعلم أنه لم يتزوج إلى الآن.
معنى كلماتها كان واضحًا.
وقبل أن يرد مراد عليها وجد رقية أمامه تحدق به بقوة منتظرة إجابته.
حدق ريان بهاتفه وهو يعاود الاتصال مرة أخرى بريم ولكن نفس الرسالة الهاتف ما زال مغلقًا.
ليترك الكأس الذي يرتشف منه الخمر بعد أن سمع رنين جرس المنزل وسار نحو باب الشقة يترنح في خطواته.
وعندما فتح الباب وجد ناريمان أمامه واردفت للداخل.
- لقد أتيت لك بنفسي يا ريان.. ماذا تريد؟
قالتها ساخرة.
ل يجذبها ريان من خصلات شعرها المصفوفة.
- لو كنتي تظني أنني سأتزوجك بعد ما فعلتيه.. لن يحدث يا ناريمان.
فابتسمت وهي تزيح خصلات شعرها من يده واقتربت منه تعانقه.
- لا أحد ينفعك غيري.
وقبلته.
ليدفعها عنه بقوة.
- اخرجي من هنا لا أريد رؤيتك.
فعادت تقترب منه تقبله مرة أخرى.
ومرة وراء مرة إلى أن أصبح يبادلها، حتى ابتعدت هي عنه.
- أرأيت.
ف فاق من نشوته وسحبها بقوة إلى أن دفعها خارج شقته.
ارتدت بسمة ملابسها بسعادة بعد أن علمت عودة كريم.
وارتدت الخاتم الذي أخبرته أنها ستشتريه لزواجهم.
كانت سعيدة أنه أخيرًا اقترب موعد زواجهم، فغدًا سيعقدون قرانهم.
ونظرت لساعة معصمها وحملت حقيبتها لتغادر الشقة التي تقطن بها متلهفة لرؤيته.
وعلى الجانب الآخر كانت مرام تستعد للقاءه وهي تحضر بعض كلمات الاعتذار إليه.
وتخبر نفسها أنه أتى دور التنازل، إما أن تخسر زوجها أو تستعيده مجددًا.
تسطحت على الفراش بعد أن انعشت جسدها بحمام منعش وجلست تحرك قدميها بملل.
إلى أن وجدت يفتح باب الغرفة وينظر إليها ببطء ثم أشار لتسريحة شعرها.
- إيه ده يا مهرة.. مالك قلبتي على معزة كده؟
فأحتقن وجهها ووضعت بيديها على عقدي شعرها من الجانبين على هيئة كعكة.
- معزة.. دي قطتين.
وأقترب منها مبتسمًا.
- قطتين.
فحركت رأسها مؤكدة.
- اسم التسريحة كده.. والمفروض تجبر بخاطري مش تقولي معزة.
فضحك بمتعة وهو يفك خصلات شعرها.
- إنت بتعمل إيه؟
وازالت يده عنها.
ل يجذبها إليه.
- بفك لك المعزتين.. قصدي القطتين.
فمدت شفتيها بتذمر ليلاحظ المنامة التي ترتديها.
- بيجامة سودة ومرسوم عليها أرنب بياكل جزرة.
وتابع هو يتحكم في نفسه قبل أن ينفجر ضاحكًا.
- إيه عالم الحيوان اللي إنتي عايشة فيه النهارده؟
فأبتعدت عنه ليلتقط الحذاء الناعم المنزلي الذي ترتديه في قدميها.
- لابسة لي لكلوك على شكل فار.
فنظرت لقدميها كما نظرت للأرنب المطبوع رسمته على الجزء العلوي من منامتها.
- في إيه.. ده طقم كامل، هي البيجامة كده.
فتحرك فوق الفراش ليجذبها نحوه ثانية.
- لأ، ده أنا كده هتقهر.
ومال نحوها أكثر يداعب جانب وجهها بوجهه متمتمًا قبل أن يغرقها بدفء ذراعيه.
- لو محدش قطع علينا اللحظة دي.. أنا هحب بيجامة عالم الحيوان أوي بفارها وأرنبها.
رواية لحن الحياة الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سهام صادق
أستيقظ علي لمسات ناعمة من يديها. فتح عينيه ببطء مبتسمًا وهو ينظر إليها بحب.
- صباح الخير.
فاتسعت ابتسامتها بخجل، متذكرة ليلة أمس.
فقهقه جاسم بصخب، ووقعت عيناه على صينية الفطور الموضوعة على ساقيها.
- ده إيه الهنا اللي أنا فيه النهارده؟ فطار لحد عندي، وهدوء ونعومة ورقة من مراتي حبيبتي.
فأسبلت جفنيها بطريقة مضحكة.
- ميرسي يا حبيبي.
نظر طويلًا إليها، ورغم ذكائه الشديد في عمله وحنكته، إلا أنه إلى الآن لم يفهم طباع زوجته. ليلة يشعر وكأنها أنثى كاملة، وليلة أخرى طفلة صغيرة واجب عليه إرضاؤها، وليلة يريد خنقها. ولكن مع كل هذا، يحبها.
وداعب أنفها بإصبعه مبتسمًا.
- شوفتي الهدوء والرقة ليهم سحر حلو إزاي؟
فوجدها تمد يدها تطعمه وتحرك كتفيها بغنج.
- بحاول وبعمل قصارى جهدي عشان أكون زوجة رقيقة، بس أنت اصبر عليا.
كانت تهتف بمزاح، إلا أنه ابتسم بدفء وحنان.
- انتي عجباني في كل حالاتك يا مهرة.. وأكتر حاجة بتغفر لك مواقفك معايا إن كل حاجة بتعمليها بتعمليها بعفوية.
وقضم لقمة الطعام الممدودة له وشاكسها بتذوق.
- عسل بليل وعسل الصبح.. لأ أنا حد كان بيدعي لي.
ضحكت من قلبها على مغزى مزاحه وأكملت إطعامه.
- شوفت الأرنب والجزرة واللكلوك أبو فار عملوا إيه؟
فضحك هو الآخر وهو يمسح فمه.
- وتسريحة القطتين.. لأ كترّي من البيجامات دي، الاحتشام طلع حلو وبينتهي بحاجات أحلى.
قالها ضاحكًا وهو يغمز لها بخبث. قد فهمته سريعًا. فدفعته بخفة على صدره.
- جاسم.
هتفت باسمه بنبرة حازمة يتخللها الخجل. ليبتسم على هيئتها.
- أنا زوج وقح يا حبيبتي.. أقول اللي أقوله براحتي. سبيني آخد حقي من الأيام اللي فاتت عشان أشحن بطارية صبري.
وانحنى يقبل خدها بلطف ونهض من فوق الفراش. لتسأله وهي تحدق به.
- رايح فين؟ مكملتش فطارك.
فأتسعت ابتسامته وطالعها قبل أن يتجه للمرحاض.
- عندي اجتماع بعد ساعتين.. ولو فضلنا قاعدين القاعدة دي، انتي عارفة إيه اللي هيحصل.
ألقى كلماته مبتسمًا بمكر، وأكمل طريقه.
لتطالعه وهي تتنهد بسعادة لإسعاده لها. فعندما استيقظت قبله بعد ليلة حالمة يشعرها فيها بكل مشاعر الدفء والحنان، ووجدته يضمها إليه يغفو براحة، مطمئنًا. لحظتها أدركت أنها معه مكتملة.
وبعد مرور الوقت، كان يقف أمام المرآة ينظر إليها وهي تزرر له أزرار قميصه بحب ويشاكسها بيديه، أما يعبث بخصلات شعرها أو يحرك كفه بحنان على وجنتها، ثم يقرصها بخفة على خدها، ثم يطبع بقبلة عليه.
- يا جاسم اقف مؤدب يا حبيبي.
قالتها وهي تضحك على أفعاله. فضحك هو الآخر بحبور.
- أنا مستمتع كده.. مراتي وأنا حر.
فضحكت على عباراته بشدة وهي تهتف.
- تصدق إنك أقنعتني.
فأبتسم بحب وداعب ذقنها بأنامله برقة. لتساعده في ارتداء سترته، فهتف بمزاح مضحك.
- قلبي راضي عنك النهارده يا مهرة يا بنت زينب.
وانفجروا ضاحكين. ليضمها إليه بحب وانحني يقبل قمة رأسها.
- عشان الدلع والحاجات الحلوة دي كلها، قولي نفسك في إيه.
فأبتعدت عنه تضع بيدها أسفل ذقنها تفكر بحماس.
- بما إنك عرضت.. فهستغل العرض.
فضحك وهو ينظر لوقفتها المضحكة.
- اطلبي. العرض ساري لحد باب الأوضة.. طلعت من هنا اتسحب العرض.
فأخذت تحرك حاجبيها بمكر، ووضعت بيديها على عنقه تحاوطه بدلال جعله يبتسم.
- عايزة فلوس. قول كده مثلا أربعين ألف.
فضحك على طريقة طلبها، ثم نظر إليها بهدوء.
- اسحبي من الحساب المفتوح ليكي.
وتابع ضاحكًا.
- ده حتى الفلوس مبتقلش فيه.. زوجة مؤدبة انتي يا حبيبتي، طلباتك مش كتير.
فضحكت وهي تتميل عليه بخفة.
- لأ بس أنا عايزة الفلوس دي منك.
ومدت يدها نحوه بمشاكسة.
- هات الفلوس.
فضرب يدها بكفه بخفة.
- هات إيه.. ما تسحبي من رصيدك. ما أنا كده كده بحولك فلوس يا مستغلة.
وعادت ترفع يدها مجددًا إليه، حتى أنها وضعتها أسفل عينيه.
- هات ومش هتندم والله.. بتاجر بفلوسك متخافش.
فداعبها ضاحكًا بمتعة.
- بتاجري بفلوسي يا مهرة.. وإمتى الربح بقى؟
فأبتسمت وهي تعود لمعانقته.
- في الآخرة إن شاء الله هتلاقيهم، وفي الدنيا برضه.. يلا بقي يا جاسم هات الفلوس.
ليقهقه عاليًا وهو يخرج دفتر الشيكات الخاص به. ليضع لها رقم المال الذي طلبته ويوقع إمضاته، ثم ناولها إياه.
- اتفضلي ياستي.
فتناولته منه بسعادة حقيقية، ثم عادت تتعلق بعنقه كطفلة صغيرة.
- شكرا يا حبيبي.. وع فكرة الفلوس دي لدار مسنين. أنا بتاجرلك مع ربنا في فلوسك.
فأبتسم بحب لها وضمها إليه.
- هو أنا بستحمل جنونك وهبلك من فراغ.. بس إيه السر اللي بيخليكي تيجي تاخدي مني الفلوس مع إن في فلوس موجودة في حسابك وتقدر تسحبي منها من غير ما ترجعيلي؟
فأبتعدت عنه تطالعها بأعين متمردة.
- بعيدًا عن مدحك الجميل ليا بالهبل والجنون.. بس هقولك يا سيدي.
فضحك وهو يقترب منها خطوة للأمام.
- قولي يا سيدي.
لتلمع عيناها وكأنها طفلة صغيرة.
- كان نفسي أجرب الإحساس ده مع بابا.
وأخذت تقص عليه أحد المواقف عندما كانت ترى مرام تركض نحو أبيها تطلب منه المال ليعطيها بحب، حتى لو كان آخر قرش معه. حينها تمنت لو كان لديها أب مثل السيد عادل.
ومسحت دموعها التي سقطت على وجنتيها.
- أول حب حقيقي بيكون للأب يا جاسم.. وأنا معشتش الحب ده.. ف بعيشه معاك.
ورغم أنه عانى فقدان الأب ورحيله من الحياة، إلا أنه ضمها بقوة إليه.
- يا حبيبتي أنا كلي ليكي، زي ما انتي بقيتي كل حاجة ليا.
وأبعدها عن حضنه يشاكسها بتلذذ.
- واتأخرت على الشركة بسببك.
لتتسع ابتسامتها، ثم تأوهت بألم عندما قرص وجنتها.
- آه إيدك تقيلة.
فتحرك من أمامها ضاحكًا.
- دي ضريبة التأخير يا حبيبتي.
***
وقفت مرام خلف زوجها وهو يربط ربطة عنقه ببطء، متذكرة ليلة أمس عندما أتى كانت تنتظره بشوق، ولكن أطفأ كل هذا بجملة واحدة.
"كل حاجة حلوة بينا انتهت يا مرام."
واقتربت تلامس جسده، ولكنه نفض ذراعيها عنه وانصرف دون كلمة. فسقطت دموعها بعجز.
***
كانت بسمة تجلس متلهفة للقائه. فبعد عدة ساعات ستصبح زوجته، ولكنه بعث لها رسالة صباحًا يخبرها أنه يريد الحديث معها. ووجدته يتجه نحوها. فأاتسعت ابتسامتها بإشراق. وجلس أمامها يحضر الكلمات المناسبة التي سيخبرها به. وهي تنتظر بلهفة ما سيقوله وترسم داخلها أحلامًا وردية. ولكن مع مرور الوقت وصمته.. جف حلقها.
- بسمة أنا مش هقدر أكمل معاكي ونتجوز.
كلمات قالها في جملة واحدة. سقطت على قلبها كسوط. وتلاشت بسمتها واهتزت يدها وهي تنظر إليه بصدمة وهتفت بصعوبة.
- ليه يا كريم؟
فتأملها كريم بألم وهو يطأطأ رأسه أرضًا.
- أنا عارف إني آذيت مشاعرك.. بس مش هقدر أذيكي معايا لحد كده. أنا بحب مرام ودي حقيقة مش هقدر أهرب منها.
وتابع وهو يشفق عليها أكثر.
- بس بحب ولادي أكتر يا بسمة. مش هاذيهم الأذى ده. أنا جربت شعور اليتم. رباني راجل غريب، صحيح هو عاملني زي ابنه، بس في النهاية مكنش أبويا. شوفت جاسم إزاي عاش حياته بعد جواز ماما وبعدها عنه.
وتذكر شقيقه الذي رغم مسامحته لوالدته قبل وفاتها، إلا أنه كان يعاتبها بنظراته اللائمة.
دموعها أخذت في الهطول بصمت. تحرك له رأسها وكأنها تخبره أنها كانت تعلم ذلك.
لينهض من فوق مقعده ناظرًا إليها طويلًا قبل أن يرحل من أمامها.
- آسف يا بسمة.
عاد من ذلك اللقاء وعندما وجد مرام تجلس تطعم الصغيران بحزن، تقدم نحوها ونظر إليها طويلًا واتجه بعدها نحو غرفته التي نقل ملابسه إليها من أجل الابتعاد عنها.
***
نظر ريان إلى ريم التي أتت الشركة كي تقدم استقالتها. فقد اتخذت قرارًا أنها ستعمل في مكان آخر بعيدًا عن كل هذا. وفور أن دخلت مكتبه عندما استدعاها من شؤون العاملين، جاءت إليه مطرقة الرأس. لينظر لها ريان بصمت، ثم سألها دون مقدمات.
- زواجك من ياسر بسبب ما حدث أم كنتي تحبيه يا ريم؟
فاجأها سؤاله. لترفع عيناها إليه وتقف الكلمات على طرف شفتيها. لحظتها علم أن حديث شقيقته حقيقي. هي تحب ياسر وقد جاء كل ما حدث كفرصة.
ليلتف بظهره خافضًا رأسه مفكرًا، ولكن تلك المرة ليست بأنانية.
- أتمنى لكي السعادة يا ريم.
***
ضحك مراد وهو يتأمل رقية التي تجلس بجانب والدته تأكل بغل من طبق الحلويات الذي أحضرته لها. وبعدما نهضت والدته من جانبها، كما نهض والده هو الآخر كي يتركهم بمفردهم. اقترب منها مراد يجلس على مقربة منها متسائلًا.
- هتفضلي زعلانة كده لحد إمتى؟
فرفعت شوكتها أمام عينيه تحركه بشراسة وهي تتذكره عندما كان يلتقي بطليقته التي تريده أن يعود إليها، بل استنكرت كيف سيتزوج منها. وعادت صدي جملتها الخبيثة تتردد في أذنيها.
"هتتجوز رقية الطفلة اللي ربيتها."
ثم تابعت بتهكم.
"أنا دلوقتي عرفت سبب نظراتها ليك وكرهها ليا لما كنا متجوزين."
كلماتها مازال صداها داخلها، ولولا احترامها له وتعقلها في ذلك الوقت لكانت أخرجت لها الطفلة التي داخلها.
وفاقت من شرودها عندما ألتقط مراد إحدى قطع الحلويات من طبقها لتضربه على كفه بحنق.
- ده طبقي على فكرة.. خد من طبقك.
فقهقه مراد عاليًا.
- أخيرًا سمعت ليكي صوت.
فزمت رقية شفتيها بغضب.
- مش هنسالك لقاءك بيها يا مراد.
فتنهد مراد بقوة وقد يأس من شرحه له.
- لو كنت قولتلك إني هقبلها كانت ردة فعلك هتبقى زي كده دلوقتي.. أنا نفسي أفهم انتي مضايقة ليه. دي مقابلة عادية، ما أنا عارف إنها اتطلقت من زمان. لو كنت عايزها كنت رجعتها.
قالها صراحة كي ينهي ذلك النقاش الذي أرهقه، ونهض من جانبها.
- وبتصرفاتك دي هتخليني أتأكد إن مينفعش أحكيلك حاجة.
فأخفضت عيناها نحو طبقها بغضب، ولكن حديث خالتها أخذ يدور بعقلها.
"إن تنشئ لها كيان داخل قلبه. إن تريه رقية المرأة الناضجة وليست الطفلة. مدام تحب فلتربح جولتها."
ونهضت هي الأخرى من فوق الأريكة بعد أن وضعت طبق الحلويات على الطاولة التي أمامها وحملت حقيبتها، لتتخطاه مندفعة من أمامه.
- رقية انتي رايحة فين.. استنى أوصلك.
ولكنها أكملت سيرها دون أن تستمع لندائه، ووقفت فجأة والتفتت إليه تطالعه وهو يلتقط مفاتيحه الشخصية كي يتبعها.
- أنا موافقة نتجوز آخر الشهر.
ومن أجلش الفرح تاني.
واكملت سيرها لتفتح الباب وتخرج من منزل خالتها، تتنفس ببطء غير مصدقة ما تفوهت به.
كان مراد مازال واقفًا لا يصدق ما أخبرته به للتو. لتتسع ابتسامته وهو يهتف ويلحق بها:
- هتجنيني يارقية.
***
وقفت بسمة أمام المرآة، ترتدي الفستان الذي اختارته من أجل تلك الليلة التي حلمت بها، وسقطت دموعها بانكسار. كريم رفضها، عاد لحياته، فاق من غفوته. أما هي فلا شيء، كانت مجرد محطة عابرة عبر من فوقها.
وانسابت دموعها بغزارة وقهر حتى لطخت وجهها بكحل عينيها، لتسقط على الأرض تضرب موضع قلبها بألم:
- ليه بيحصل معايا كده.. ليه أنا حياتي كده؟
ليمُر شريط حياتها أمام عينيها، ولكن مقطع واحد وقف أمامها. ماهي أيضًا مخادعة، كم رجل دارت حوله وهدمت منازل كانت معمورة. عاشت تظن أنها مظلومة فقط، ولم تفكر أنها ظالمة أيضًا.
***
هبط جاسم من سيارته أسفل بناية والدة زوجته. فمهرة قررت أن يتناولوا العشاء مع ورد ويقضوا سهرتهم هنا معها حتى لا تبقى بمفردها.
وقبل أن يردف لداخل البناية، سمع صوت أحدهم يهتف باسمه، ولم يكن إلا حسين الذي تقدم منه بترحيب، بل واحتضنه شاكرًا:
- أخيرًا اتقابلنا.
فابتسم جاسم إليه، رغم أنه مازال يشعر بقليل من الغيرة منه لأنه كان أول شخص تميل إليه زوجته، ولكنه اعتاد أن يسير مع الأمور بحنكة.
- ازيك ياحسين.. عامل إيه في مشروعك؟
لتتسع ابتسامة حسين، فمشروعه قد ربح وبدأ اسمه ينتشر بالسوق.
- أنا مش عارف أشكرك إزاي.. بعد فضل ربنا عليا، لولا مساعدتك مكنتش نجحت.
وربت على كتف جاسم بحفاوة، ليبتسم جاسم من فعلته التي تدل على مدى سعادته وحماسه.
- إنت قولت ده فضل ربنا.
وبدأ يسرد له إنجازاته في تلك الفترة ومن تعرف عليهم بالسوق، وأنه انتقل من الحارة هو وزوجته منذ فترة. وانتهى حديثهم عندما خرج الحاج إسماعيل والد حسين ينظر إلى سيارة جاسم، ورغم أنه رآه بها من قبل، إلا أنه اقترب من السيارة يتفحصها بعينيه.
- سيارة صناعة ألماني.
وظل يدور حول السيارة، ليضحك حسين على أفعال والده، أما جاسم فقد اعتاد الأمر.
- أبويا بيعشق العربيات.. معلش يا أستاذ جاسم.
فأبتسم جاسم إليه وهو ينظر للحاج إسماعيل:
- أنا اتعودت على كده منه.. ربنا يبارك لك فيه.
وانصرف بعد أن صافح حسين متمنيًا له التوفيق.
ليدق على باب الشقة. لتفتح له مهرة الباب وتحتضنه:
- اتأخرت كده ليه.. أنا شفت عربيتك من نص ساعة.
فابتسم وهو يردف للداخل مطالعًا الشقة، ناظرًا إلى ورد التي خرجت من المطبخ.
- ازيك يا ورد.
فبادلته ورد السلام، وعاد ينظر لزوجته يخبِرها بالإجابة التي تنتظرها.
- طلعت لأستاذ عادل ومدام صفاء اطمن عليهم الأول.
فحركت مهرة رأسها بتفهم. ثم نظر إليها وإلى ورد التي وقفت تضحك على شقيقتها.
- مين اللي عمل فيكوا الأكل؟
وأشار لورد وهو يعلم أن في النهاية ستكون ورد هي من فعلت الطعام.
- أكيد ورد.. أنا عارف قدرات مراتي.
فضحكت ورد وهي ترى نظرات شقيقتها نحو زوجها وكأنها توعد له.
- لأ يا جاسم إنت كده ظلمت مهرة.. ده هي اللي عملت كل حاجة، أنا المرادي كنت بشجع بس.
فضحك وهو يدور بعينيه بينهم.
- يعني طلعت أنا كده ظالم.. آسفين يا حبيبتي.
ومسح على وجهها وهو يضحك من طريقة وقفتها الملتوية ونظراتها الممتعضة.
- خلاص هقدم اعتذار لنقابة المحامين كلهم.. عشان ترضي عني.. حلو كده؟
كانت ورد تقف تطالع مشاكستهم بسعادة وحنين إلى زوجها، متذكرة لحظاتهم السعيدة.
وضحكت وهي تجد شقيقتها تجذب جاسم نحو المطبخ بعد أن جعلته يخلع سترته.
- عقابًا ليك هتعمل السلطة.
وجاسم يلتف لورد حانقًا منها.
- ورد تعالي أنجديني من أختك الشرسه.
وفي النهاية وقفت هي تقطع السلطة وهو يقف خلفها يبتسم بزهو.
- طيبة وقلبك أبيض ياحبيبتي.. ياسعدك وهناءك يا جاسم.
وفجأة وجدها تحمل الأطباق وتضعها بين يديه.
- خد بقي جهز السفرة ياحبيبي.. أنا عفوت عنك في السلطة آه.. بس إنت اللي هتحط الأكل.
وتأوهت بألم بعد أن ضرب جبهته بجبهتها.
- أنا جاسم الشرقاوي يتعمل فيا كده.
فردت له ضربته بخفة على جبهته فقد كان مازال مائلًا نحوها.
- بلاش غرور ونافخة كدابة.. ما إنت في الآخر اتجوزتني.
ليضحك بصخب حقيقي على كلماتها.
- عندك حق.. صومت صومت وفطرت...
وقبل أن يكمل باقي تعبيره، نظرت له بشراسة.
- جاسم.
ليبتعد عنها بوداعة ممسكًا الأطباق يخرج بها من المطبخ. وفور أن وجدته ورد أمامه تقدمت منه كي تأخذ الأطباق.
- بلاش يا ورد لتعمل لينا محضر.
وأنقضى اليوم بمتعته وضحكاته، حتى أنهم حادثوا مرام التي كانت ستبكي أمامهم، ولكن تمالكت نفسها حتى لا يشعر جاسم بشيء.
واكتملت نهاية ذلك اليوم بآخر شيء كانوا قد توقعوا حدوثه.
لتقف ورد مصدومة وهي ترى ليليان وجواد وامرأة أخرى تعلم هويتها "عائشة".
فآخر شيء كانت تتوقعه عندما اتجهت صوب الباب لتري من الطارق، وفاقت من صدمتها على صوت جواد.
- ورد اشتقت لكي وللنونو الجديد.
واندفع نحوها يعانقها، فانحنت نحوه سريعًا تعانقه وتقبله على وجنتيه، وهو يخبرها أنه أتى كي يأخذها. وهمس بأذنها حتى لا يسمعه أحد:
- خالو أصبح نحيف ولحيته كبرت كثيرًا ودومًا غاضب.
كان صوته مسموعًا رغم أنه حرص على أن لا يسمعه أحد، فحتى مهرة التي تقدمت بترحيب من ليليان وعائشة سمعت ما حدث وضحكوا على دعابته التي هي الحقيقة.
لتعتدل ورد في وقفتها تحتضن ليليان بشوق. أما عائشة فوقفت تطالعها بخجل. ثم اقتربت منها مطأطأة الرأس.
- آسفة يا ورد.
***
طالعت مهرة الطريق بسعادة وهي لا تصدق تلك المبادرة الجميلة من أهل كنان.
- كده ورد هترجع معاهم.. أنا مبسوطة أوي أنهم بيحبوها.
فنظر إليها جاسم بطرف عينيه وهو يقود سيارته، فقد كانت مفاجأة غير متوقعة.
- فعلًا خطوة حلوة منهم.
ورغب في ممازحتها قليلًا.
- كويس أنك مقولتيش أُقعد معاهم.. وروح أنت يا جاسم.
فابتسمت وهي تحدق به بمشاكسه.
- وأسيبك يا حبيبي.. ده حتى عيبة في حقي.. ده أنا واخداه منك فلوس الصبح.. لأ انت ليك أسبوع عندي دلع وحاضر ونعم.
لِيلتف نحوها بعبوس مصطنع.
- وأنا اللي كنت فاكر حاجة غير كده.. ده المتوقع منك يا حبيبتي.
ثم ضحك وهو يطالع الطريق بتركيز.
- ياريت متبقيش صريحة أوي واكذبي عليا.
***
وقفت ريم تطالع الكارت الذي أعطاه لها ريان من أجل وظيفة بشركة أخرى. ففي آخر لقاء لها معه بالشركة وقبل أن تخرج من غرفة مكتبه، قدم لها الكارت. مدام لم تعد ترغب بالعمل هنا. وابتسمت وهي تشكره داخلها على مساعدته التي لن تنساها قط. وتقدمت نحو مبنى الشركة من أجل مقابلة العمل.
وبعد ساعة كانت تخرج من الشركة بسعادة حقيقية غير مصدقة أنها حصلت على تلك الوظيفة بسهولة.
ووقفت ساكنة بعد أن سمعت صوته يهتف باسمها.
- ريم.. إنتي بتعملي إيه هنا؟
فالتفتت نحوه، ويبدو عليه أنه كان بنفس الشركة من أجل اجتماع ما، وأجابته ببساطة.
- كنت بقدم على شغل فيها واتقبلت الحمد لله.
لينظر لها ياسر بضيق.
- قولتلك مافيش شغل غير معايا وبس.. غير كده لأ.
دام الصمت للحظات قبل أن يرى فتاة أخرى أمامه غير ريم التي يعرفها.
- وأنا هشتغل هنا ومش هفضل البنت المنطوية اللي مستنية حماية وكرم أخلاق حد يا أستاذ ياسر.
وانصرفت بعدها من أمامه، لتتجمد ملامح ياسر ووقف يتابعها بعينيه وهو لا يصدق أن من كانت تقف أمامه "ريم".
***
نظر عمار إلى رفيف التي تجلس أمامه بعدما انصرف الضابط الذي كان يلتهمها بعينيه.
- أرايت عمار من يقف أمامي، أفعل ماذا به؟
فنظر لها عمار بنفور وغضب.
- كنت حاسس إنك وراها.. بس ليه كل ده عشان رغبة حقيرة؟
فوقفت رفيف على الفور وتقدمت منه.
- أريد الزوج منك يا عمار.. أنا أريدك.
ليبصق عمار جانبه، فلم يعد يتحملها.
- ده إيه البجاحة اللي إنتي فيها.. روحي اقضيلك ليلتين مع راجل غيري.
فتجمدت عيناها تطالع اشمئزازه منها، وما زادها إلا رغبة أكثر به.
- أنقذي نفسك من السجن يا عمار وإلا أجعلك تقضي بضعة سنوات به.. وتذكري شقيقتك.
وعندما ذكرته بشقيقته، لمعت عيناه بجمود.
- أوعى تقربي منها.
وقبض على عنقها بقوة حتى اختنقت.
- عمار يكفي.. سأموت.
ليدفعها عنه متمتمًا وقد لمعت عيناه بقسوة.
- موافق أتزوجك.
***
وفي نفس التوقيت كانت تردف داخل مكتب ريان شقيقة عمار، تلتقط أنفاسها بصعوبة بعد أن اقتحمت مكتبه، وسكرتيرته الجديدة تردف خلفها قائلة بخوف.
- اطلب لها الأمن يا فندم.
فصرخت بهم علياء بضيق.
- أختك هي السبب.
وتقدمت من ريان بأعين حادة.
- أخويا في القسم دلوقتي بسببها.. طالعتوه حرامي.. منكم لله.
ليقف ريان مصدومًا مما يسمع، هاتفا بحنق اسم شقيقته.
- رفيف.
وأشار لسكرتيرته بأن تنصرف، فيكفيه فضائح منها. لا تريد أن ترحل من مصر، ولكن يبدو أنها تريده أن يبعثها غصبًا حتى لو ربطها بالحبال.
- إنت يا أستاذ.. إنتوا مش تيجوا من بلدكم وتقرفونا.. خد اختك عديمة الحيا ديه وربيها.
ليلِتف إليها ريان مصدومًا مما يسمع وكأنه بالسوق.
- صوتك مزعج يا فتاة.
لتلوي علياء شفتيها باستياء.
- مزعج وفتاة إيه.. نشرت الأخبار اللي خرجت لي منها.
ليحتقن وجه ريان وأجلسها عنوة على أحد المقاعد أمامه.
- قولي ما عندك لأسمعه وأرحلي.
لترفع علياء رأسها نحوه تستنكر الحديث معه، فهو وكأنه مترجم للغة العربية التي لا تسمعها إلا في برامج الكرتون.
- قولي وارحلي.
نطقت كلماته بتهكم، وأخذت تخبره بجدية عن فعلت شقيقته وما فهمته من المحامي الذي وكلته لشقيقها.
لينظر لها ريان وقد بدأ يفهم لعبة شقيقته، تريد أن تساوم الرجل على الزواج منها.
وزفر أنفاسه بقوة لتهتف هي.
- هتطلع راجل جدع وتساعد أخويا مش كده؟
فحدق بها ريان وهو لأول مرة يرى فتاة مثلها تتحدث وكأنها أتية من الشارع.
- أتمنى ألا أسمع صوتك.. إذا سمعته لن أفعل لكِ ولشقيقك شيئًا.
فوضعت علياء بيدها سريعًا على شفتيها تحت نظراته المتفحصة لها.
***
صرخت سهير بأكرم الذي يطالبها بأن تنفذ وصية والده وتعطي شقيقاته حقهن.
- يا ماما حرام عليكي.. ده حقهم.
لتنهض سهير من فوق مائدة الطعام حانقة.
- حق مين.. ده حقكم إنتوا.. كل الخير ده من فلوس أبويا.. أبوكم مكنش حيلته حاجة.. أنا اللي كبرته وساعدته.
وانصرفت من أمامه تتمتم ببعض الكلمات.
ليقف أكرم مصدوماً، حتى موت والده لم يؤثر بها إلا بضعة أيام، وقد عادت والدته إلى طباعها.
ليجد كرم يردف المنزل هاتفا بضياع.
- صباح الخير يا أخي العزيز.
فأقترب منه أكرم يشم أنفاسه، ليجد رائحة الحشيش تفوح من ملابسه وأنفاسه.
- يا أخي اتقي الله في نفسك، أبوك لسه ميت وأنت راجعلي الصبح ولا على بالك.
فدفعه كرم بخفة واتجه نحو غرفته غير مبالٍ بشيء.
- الحزن في القلب مش في المزاج.
ليتنهد أكرم دون رضى عن حال شقيقه، وهو يتمنى ألا يفيق بعد فوات الأوان، فالنصح أصبح لا يفيد معه.
***
يومان مرا على وجود شقيقه كنان وليليان وجواد بمصر، وقرروا التجول قليلاً في البلد ثم يرحلوا بورد لتركيا، فقد قررت ورد ألا تطيل البعد أكثر من ذلك، خاصة بعد قدومهم إليها، وخصوصاً جواد. وكانت مهرة ترافقهم جولاتهم.
لتهبط الدرج بعد أن ارتدت حذاء مريح لجولة اليوم.
واقتربت من جاسم، وقد كان يرتشف من فنجان قهوته الصباحي ويطالع الجهاز اللوحي الخاص به يتفحصه. وانحنت نحوه تقبله على وجنته.
- صباح الخير يا حبيبي.
فأبتسم لها وترك الجهاز من يده.
- صباح الخير.
ثم سألها باهتمام.
- جولتكم فين النهارده؟
وقبل أن تخبره عن وجهتها، صدح رنين هاتفه، ليتلقط الهاتف ويتحدث وهو ينهض من فوق مقعده.
- ثواني يا ياسر خليك معايا.
واتجه نحو غرفة مكتبه وأردف داخلها، ليتأكد من وجود ملف ما لديه.
وتذكرت حفلة الأمس التي دُعي إليها، وجاءها فضول أن تنظر في الجهاز اللوحي وتتفحصه قليلاً.
لتقع عيناها على بعض الصور المبعوثة لحسابه الشخصي، فلم تهتم بأمرهم إلا صورة واحدة، زوجها يضم خصر نرمين بذراعه، ونرمين تعانقه وكأنها تخشى السقوط.
رواية لحن الحياة الفصل الخمسون 50 - بقلم سهام صادق
شعرت بالغيرة وهي لم تتجاوز حديث المرأتين للتو، لتأتيها تلك الصورة وتشعل ما حاولت إخماده. لمعت عيناها بحدة وهي تدقق في تفاصيل الصورة، حتى سمعت صوته واقترابه منها. فحركت أصبعها سريعًا على شاشة الجهاز اللوحي لتتخطى تلك الصورة، وسمعته وهو ينهي حديثه مع ياسر، وعاد يجلس على مقعده ثانية ناظرًا لها.
"مالك يا مهرة سرحانة في إيه؟"
كانت تصارع داخلها الكثير من المشاعر المضطربة. أتنهض غاضبة من أمامه؟ أم تظل جالسة هادئة؟
ابتسم عندما وجدها تحدق بالصور التي التقطت في حفل أمس، وقد بعثت له من أجل أن يختار الصور التي يفضل نشرها على أحد مواقع المشاهير بالمجتمع.
"مهرة.. انتي نمتي يا حبيبتي؟"
وطرق أصابعه أمام عينيها، لتحرك رأسها كي تفيق من حالة السكون التي رافقتها في تلك اللحظة.
"سبيني أفكر مع نفسي شوية.. عشان آخد قرار."
تمتمت بعفوية لتكتشف بعدها أنها أخرجت ما بداخلها. فسألها بقلق:
"قرار إيه ده؟ لا بلاش تفكري وتقرري.. أنا بقلق منك."
قالها مازحًا وهو يضحك، فوجدها تحدق به بصمت عجيب. ثم عادت تركز مع شاشة الجهاز متسائلة:
"هي دي صور الحفلة؟"
فنظر إلى ساعة يده، ثم نهض من فوق مقعده.
"آه يا حبيبتي.. افطري بسرعة عشان أوصلك عند ورد تكملي جولاتكم وأروح الشركة."
وعندما وجد عينيها نحو الصور، تمتم بدعابة:
"وإحنا في العربية نبقى نختار الصور اللي هتنزل على الموقع سوا."
فنهضت على الفور وحملت حقيبتها لتقف أمامه.
"مش مهم الفطار، أبقى أفطر هناك."
فتعجب من لهفتها ودفعها برفق نحو مقعدها.
"اقعدي افطري يا مهرة ومن غير جدال."
فنظرت له قليلاً قبل أن تحسم أمرها وجلست تتناول وجبة الإفطار سريعًا تحت أنظاره، إلى أن ضحك:
"هتتفطسي وإنتي بتاكلي كده.. أنا مش مستعجل."
فمها كان ممتلئًا بالطعام الذي تدفعه بداخله لتنهي وجبتها في أسرع وقت. فاختيار الصور معه ينتظرها، وتنتظرها الإجابة عن تلك الصورة وسط حديثهم.
وبعد دقائق كانت تتبعه وهو يتحدث بالهاتف، إلى أن جلست جواره بالمقعد الخلفي. وعندما أنهى مكالمته، وضعت الجهاز اللوحي أمامه تشير للصور التي اختارتها، وتعمدت أن تظهر عدم اهتمامها بصورة نرمين.
"هي نرمين كانت معاك في الحفلة؟"
فطالعها ببطء وقد فهم سبب سؤالها.
"اسألي بوضوح يا حبيبتي من غير اللف ده كله.. إنتي عايزة تعرفي إزاي اتخدت الصورة دي مع نرمين؟"
وداعب وجهها بأنامله مبتسمًا.
"بس حلو العقل اللي بقيتي فيه.. ومستنية تعرفي الإجابة بهدوء."
فتفضلت الصمت، فبرودها حاليًا سيجعلها تخرج كل ما في جعبتها. وبدأ يشرح لها، فلوت شفتيها بامتعاض.
"كانت هتقع ومتعلقة في رقبتك."
فضحك وهو يرى حنقها الظاهر على ملامحها. ثم التقطت منه الجهاز مجددًا ومسحت تلك الصورة، لتتنهد براحة. ونظرت إليه وهو يحدق بها، فهتفت ببرآة:
"حرام يا حبيبي.. وأنا بخاف عليك من الفتنة."
وارتمت عليه تحتضن ذراعه تخبره باستياء:
"بس كانت حفلة مش حلوة."
ليتأملها بدقة، ومال نحوها هامسًا:
"مجنونة يا حبيبتي."
***
خرجت نرمين من سيارتها حانقة متجهة إلى منزل شقيقتها، لتفتح لها الخادمة الباب مرحبة بها. واتجهت نحو مكان جلوس شقيقتها هاتفة:
"إيه اللي عملتيه ده؟ نزلتِ الصورة على صفحتك الشخصية؟"
لتضحك عايدة بصخب وهي تنظر إليها:
"صورتك وسط مجموعة من الصور."
فحدقت بها نرمين بضيق، هي تعلم هدف شقيقتها. فنهضت عايدة من فوق الأريكة واقتربت منها تريها الكثير على صورتها مع جاسم، فالكل انتبه لتلك الصورة رغم وجود العديد من الصور غيرها.
"الحقيقة بتبدأ بإشاعات يا نرمين."
وهتفت بسعادة حقيقية وهي تنظر للصورة:
"حقيقي مناسبين لبعض."
كانت تقف عايدة منبهرة وهي تتمنى داخلها لو تزوجت شقيقتها بجاسم. وابتسمت بفخر وهي تعلم أن الصورة ستنتشر بسرعة بالغة في الوسط، فمن لا يطالع أخبار الإعلامية المشهورة "عايدة الدميتري".
لتنظر لها نرمين، ثم زفرت أنفاسها وجلست على أحد المقاعد في صمت. مصيرها أن تحب رجلًا متزوجًا، رفضت الكثير والكثير لتسقط في النهاية في حب من لا يحق لها.
وشعرت عايدة بتخبط شقيقتها واقتربت منها لتجلس جانبها تربت على ظهرها.
"أنا بعمل كده عشان عارفة أنك بتحبيه.. إنتي مش بتشوفي نفسك لما بتيجي سيرته."
وأخذت تبرر لها نواياها.
"ما مدحت متجوز عليا.. وهو عايش أه وأنا عايشة والحياة جميلة."
لترفع نرمين عينيها نحو شقيقتها.
"بس أنا مش كده يا عايدة.. أنا مبحبش المكر والخداع.. أنا عايزة أتحب."
فضحكت عايدة بعلو صوتها.
"حب إيه اللي بتتكلمي عنه؟ الفلوس دلوقتي هي الحب.. ووجهتك الاجتماعية."
وتابعت وهي تتخيل المشهد أمامها.
"تخيلي كده لما بدل ما تبقي مجرد موظفة في الشركة تبقي مرات صاحب الشركة نفسها.. تخيلي اسمك مع اسم جاسم."
ونهضت من جانبها وهي ترسم لشقيقتها مستقبلها.
"إنتي وجاسم مناسبين لبعض يا نرمين.. مراته مجرد زهوة بس وهتروح وهيمل منها مع الوقت.. دي كانت مجرد حتة موظفة عنده يعني مافيش مستوى اجتماعي يشرفه."
"أما إنتي عيلة وجمال وتعليم في أوروبا يعني سيدة مجتمع تليق بيه."
وعندما بدأت تشعر بأن شقيقتها تتقبل الأمر وتنصت إليها، ابتسمت ومالت نحوها ترفع ذقنها بيدها.
"جربي اللعبة ومتفكريش بالمبادئ.. الحياة سباق."
لتحدق نرمين بشقيقتها وقد بدأ كلامها يقنعها.
***
كانت رقية تقف تلتقط الصور لهم بمرح في جولتهم تلك، فرقية لا تترك جولة ممتعة لا تكون فيها.
جواد كان متشبثًا بورد يسألها عن أسماء الأهرامات الثلاثة ومن بناهم وكيف تم بناؤهم، وورد تجيب عليه، ورقية تصحح لها معلوماتها. الجو كان جميلًا وممتعًا. وعائشة وليليان كانوا لا يكفون عن التقاط الصور بعد أن توقفت رقية عن تصويرهم.
أما مهرة، جلست على أحد الصخور شارده، خائفة من أن تُسرق حياتها منها، وأن كل هذا وأنهم لا يرونها نجمة من نجوم المجتمع المخملي الذي يعيش فيه زوجها.
واقتربت منها رقية بعد أن لاحظت ابتعادها وجلست جانبها تسألها:
"مالك يا مهرة.. أوعى تكوني زعلانة على الصورة اللي اتنشرت في مواقع التواصل واللي شفتيها؟"
وفركت رقية يديها حانقة من نفسها، فهي من أعطتها هاتفها لترى تداول الصورة.
"رقية، هو أنا ليه مش عارفة أكون زيهم؟"
فنظرت إليها رقية بأسى، وقد فهمت معنى سؤالها، فهو لا يحتاج للتوضيح.
"لأنك بسيطة يا مهرة، مش مصطنعة زيهم، وبتدوري على الرفاهية اللي أقصى أمنيات الناس البسطاء، وبالنسبالهم لا قيمة."
وربتت على يدها بدعم.
"متخليش الكلام يأثر على حياتك.. وجاسم اختارك إنتي وبيحبك إنتي."
ولكي تجعلها تبتسم، أكملت حديثها بمرح:
"هو حد يعني ضربه على إيده عشان يتجوزك ويحبك... إنها قرارات القلب ياسادة."
ألقت عبارتها الأخيرة بطريقة درامية، جعلت مهرة تضحك، وكظتها على ذراعها بخفة.
"إنتي فظيعة... الله يعينك يا مراد."
لتنظر لها رقية بتحديق.
"ياسلام، ما جاسم كمان الله يعينه عليكي."
وحدقوا ببعض للحظات لينفجروا ضاحكين. وعلى ضحكاتهم أتت إليهم ورد راكضة.
"إنتوا شكلكم كنتم بتتكلموا في حوار ممتع."
وأزاحتهم عن بعض وجلست بالمنتصف.
"احكولي بالتفاصيل."
لتلتف كل من رقية ومهرة إليها، ولم ينجدهم من إلحاح ورد إلا جواد الذي أتى نحوها راكضًا يجذبها كي تنهض معه.
***
جلس ريان يطالع بعض الأوراق بجدية، وبعد دقائق مال على مقعده يسترخي قليلاً. لتسير من أمامه صورة تلك الفتاة، فضحك وهو يتذكر مشهد لقاءها بشقيقتها عندما ذهب معها ليخرج شقيقها وينهي الأمر بطريقته الخاصة هو ومحاميه، ولكن تفاجأ بوجود رفيف هناك. واتسعت ابتسامته وما زال المشهد مطبوعًا بذاكرته.
علياء تقف تحدق برفيف بعينين شرستين كالقطة التي تريد أن تنقض بمخالبها على فريستها.
وفاق من شروده على رنين هاتفه، فألتقطه، فقد كان شريكه يخبره بأن الفتاة التي أوصى بتعيينها استلمت وظيفتها اليوم.
***
وضعت علياء الطعام أمام شقيقها الذي يجلس بصمت غير معتاد عليه منه، ولكن تعلم أن الثلاث أيام التي قضاهم بالحبس أثروا به. ونظرت لشقيقها.
"إنت مش هتاكل؟"
ثم ابتسمت بمشاكسة.
"ده أنا عاملة ليك كل الأكل اللي بتحبه."
وتعلقت عين عمار بها ليجذبها إليه ويحتضنها بدفء، فمنذ وفاة والدتهم ووالدهم، وهم كل شيء لبعضهم.
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
هتف بها بعد أن احتضنها، لتبتعد عنه.
"تسلم إيدي إيه؟ هو إنت أكلت حاجة؟"
ومدت يدها تتذوق الطعام.
"تسلم إيدك يا علياء."
جعله يضحك بعد أن كان يشعر بالهم، فمنذ أن دخلت رفيف حياته وكل شيء يتدمر. لا عمل لديه الآن وسمعته بدأت تتأثر في حارتهم، وخوفه يزداد على شقيقته. فنظر لها بعمق ثم تنهد بعد أن اتخذ قرار إخبارها.
"اقعدي يا علياء عايز أتكلم معاكي."
فطالعته علياء بتوجس وجلست على المقعد الذي بجانبه منتظرة منه الحديث.
"أنا هتجوز."
كلمتان قالهم بهم يجليه من قلبه، لتتحمس علياء بسعادة مصفقة.
"هتتجوز فاطمة جارتنا؟"
وعندما لم تجد إجابة منه، أخذت تخمن.
"يبقى أكيد صفا صاحبتي."
جلبت كل فتيات حارتهم على أصدقائها بالمعهد الذي تدرس فيه سنتها الأخيرة، ولكن لا إجابة.
"لأ خلاص أنا تعبت."
وأرخت رأسها على المقعد وقد أرهقها التفكير. لتتسع عيناها بصدمة وهو يخبرها بالعروس.
"هتجوز رفيف يا علياء."
لتنهض من فوق مقعدها ضاربة يدها على صدرها بطريقة مضحكة لا تليق إلا بها.
"يامصيبتي.. تتجوز أم عرقوب."
***
عادت من الخارج بإرهاق تضع بيدها على رأسها من أثر الصداع، لتجد جاسم يجلس بحجرة الجلوس ومعه ياسر ويبدو أنهم قد انتهوا من حديثهم. فياسر ينهض من جلسته واتبعه جاسم.
ليحييها ياسر بحركة من رأسه، وجاسم ينظر إليها بتوعد ثم تخطاها.
وبعد دقائق عاد إليها فوجدها تمد ساقيها وتجلس باسترخاء على الأريكة.
"آه يا راسي.. آه يا رجلي.. آه يا ضهري."
فوقف يطالعها عاقدًا ساعديه أمام صدره.
"ياسلام تلفي زي النحلة طول اليوم وترجعيلي بالمنظر ده."
فحدقت به بصمت.
"يعني عارفة نفسك غلطانة وبتبصيلي كمان؟"
فأستاءت من حديثه واعتدلت في جلستها.
"يعني أبص فين؟ أمرك عجيب."
وتابعت وهي تضع بيدها على رأسها ثم هتفت باستعطاف.
"جاسم إنت إيدك خفيفة تعالا اعملي مساج على راسي."
فطالعها بامتعاض مستنكرًا طلبها، فهو في وضع الخناق معها وليس الدلال. وفجأة وجدها تضع بيدها على بطنها مذعورة ثم ابتسمت.
"ده بيتحرك يا جاسم."
انتهى وقت حنقه منها بعد تلك اللحظة الجميلة.
وجلس جانبها يضع بيده على بطنها.
فصغيره أخيراً قرر أن يشاركهم صخب الحياة.
فضحك وهو يشعر بحركته القوية.
وهي تتأوه من حركته مستمتعة.
- كان قاعد في حاله وساكت ومش تعبك.. أيوه ياحبيبي خد حقي وطلعه عليها.
وتابع وهو يحرك كفه على بطنها المستديرة ببروز صغير أصبح واضح.
- أنا عارف إنها مزعجة ومتبطلش حركة وتعباك معاها.
كان يشكو لصغيره وينظر إليها.
- أنا مزعجة يا جاسم؟
فتأملها بحب.
- جداً.. كلمة إزعاج دي قليلة عليكي.
فمدت كفها تلامس خده بحنو، ثم مالت عليه تقبله.
- بحبك.
كلمة نطقتها أذابت بينهم كل متاعب الحياة.
لتجد نفسها بين ذراعيه وهو يحرك يداه بحنو على موضع الألم برأسها.
..............................................
رحلت ورد وعادت للمنزل الذي خرجت منه مكسورة الخاطر.
ولكن اليوم عادت بإرادتها ولم تجعل عائشة وجواد يخبران كنان بشيء.
ولا حتى عظيمة وليليان.
كانت هي صاحبة الفكرة.
وحزنت على حال فريدة.
فقد علمت أنها ذهبت إلى الضيعة التي تقع فيها مزرعة ملك للعائلة للانفراد بنفسها.
فهي لم تعد تحتمل نظرات الزائرين لها من شفقة.
ونظرت إلى عائشة وجواد الواقفين بجانبها بسعادة.
فقد عادوا بها.
وتخيلت سعادة كنان بالأمر حينما يعود من عمله ليلاً.
فهو أصبح يأتي للمنزل متأخراً.
فهي أحبت عائشة بعد أن علمت حكاية والدتها وما عاشته من حياة قاسية.
..................................................
وقفت والدة ريم تطالع الشقة بأعين منبهرة.
لا تتمتم إلا بكلمة واحدة: "ما شاء الله".
كان ياسر ينظر لوالدتها بحب حقيقي.
فهم أناس بسطاء وأحبهم.
وعلم سبب طيبة ريم.
لتهتف والدة ريم بحنان:
- متغيرش عفش البيت يابني.. حرام العفش جديد.
فأبتسم ياسر لها بلطف ونظر لريم التي تقف صامته.
- لأ طبعاً ريم زي أي عروسة وكل حاجة جديدة تيجي لها.
فأتسعت ابتسامة تلك السيدة الطيبة وهي داخلها لا تتمنى أكثر من ذلك لابنتها.
فهي لا تريدها أن تعيش حياة معدمة وتشقى مثلها.
داخلها كان ألم لا تقوى على تحمله وهي ترى سعادة والدتها وأيضاً والدها.
ف ياسر أصبح لديهم رجلاً شهم الطباع خلوق.
فهو لا يريدها إلا بشنطة ملابسها.
ليس استخفافاً بهم وبفقرهم.
بل لأنه يرى أن هذا واجب عليه.
فيكفيه أنهم أعطوه جوهرة.
وتذكرت تلك الكلمة.
لتبتسم ساخرة وهي تردد داخلها: "جوهرة".
ستعود لهم مطلقة بعد أشهر.
ولم تسمع حديث ياسر ولا والدتها الدائر عن موعد اختيار الأثاث الجديد.
................................................
انتظرته كثيراً حتى غفت من شدة الإرهاق.
ليردف كنان للغرفة غير منتبهاً لوجودها.
ولكن بعد برهة وقف متسع العينين غير مصدق ما يراه.
- ورد.
واقترب منها يلامسها ليتأكد أنها بالفعل هنا.
لتتسع ابتسامته وينحني نحوها يغرقها بقبلات مشتاقة.
لتفتح عيناها ببطء مبتسمة.
وعاد يتساءل.
- إنتي حقيقة ورد؟
فضحكت وهي تحرك رأسها.
- لأ، أنت تحلم يا كنان.
فضحك وهو يحتوي وجهها بين راحتي كفيه.
- إذا مدام حلم فسأغرق به.
لتتألم من خشونة لحيته الطويلة.
فأبتعد عنها خاشياً من أن يكون ضغط على بطنها دون قصد.
- ماذا ورد؟ ما بكِ؟
لتضحك على فزعه.
ناظرة للحيته.
ففهم مقصدها فحرك كفه عليها ضاحكاً.
- أصبحت كالكهف.
وتابع بمزاح.
- أنتم المصريات عقابكم قاسي.. تحزنوا تهجروا على الفور.
فكتمت ضحكتها بصعوبة لتنظر له بعبوس مصطنع.
- وماذا عن نسائكم يا كنان؟
فضحك بسعادة حقيقية وقد تأكد بالفعل أنها هنا وليست حلماً.
فزوجته الشقية قد عادت.
وغمز لها بمكر واستمتاع.
- نُصالحهم بقبلة فقط.
..............................................
اليوم علم أن بسمة قد رحلت من كندا.
نظرة واحدة ألقتها عليه حين أتت الشركة تجمع أشياءها وتقدم استقالتها.
وكأنها كانت تلومه.
انطفأت داخلياً وخارجياً.
وقد شعر بالألم من أجلها.
وهذا ما زاد قسوته على مرام.
كان متكئ بجسده على الأريكة يقلب بقنوات التلفاز بملل.
ليجد مرام تقف أمامه برداء نوم قصير.
ثم جثت على ركبتيها.
- كريم أنا آسفة.. أنا عارفة إني كنت أنانية بس أنا بحبك سامحني.
فأشاح وجهه للجهة الأخرى يؤلمها بكلماته.
- ادفعي تمن أنانيتك شوية يا مرام.
ثم اعتدل في جلسته ونهض من فوق الأريكة وأزاحها من أمامه وسار نحو غرفته.
ليتوقف ويلتف إليها.
- انتي اللي بنيتي الجدار ده بينا.. رغم إني أدّيتك كل حاجة انتي عايزاها.
واكمل سيره ليغلق باب الغرفة خلفه.
فسقطت دموعها حتى خرجت صوت شهقاتها المتألمة.
...............................................
انتظرت يوم عيد ميلاده بفارغ الصبر كي تفاجئه بالتخطيطات التي ستفعلها له.
فقد جهزت كل شيء ولم تخبره قبل ذهابه للعمل أنها تعلم أن اليوم عيد ميلاده.
رغم أنه ذات مرة أخبرها أنه لا يفضل تلك الأشياء.
ولكن لا بأس أن تسعده ويحتفلوا معاً متذكرين اللحظات الجميلة والمضحكة التي مرت بعمرهم والأحلام التي تحققت.
ولا تعلم لما جاء بذهنها أن تهاتف مني وهي تغادر مكتب السيد فؤاد بعد أن أعطت لأحد زملائها أوراق قضية.
وفور أن فتحت مني الخط هتفت بدعابة.
- ما تاخدي جاسم وتسافروا كده شهر شهرين أه ارتاح شوية من طلباته وأوامره.
لتضحك مهرة وهي تسير بجانب الطريق.
فأخذت مني تخبرها عن الضغط بالعمل وتسألها عن حالها.
إلى أن توقفت عن الحديث بعدما أردفت نرمين للغرفة متجهة إلى غرفة جاسم بغنج عجيب تلك الأيام.
فهتفت مني بحنق ولم تعِ أن مهرة ما زالت معها على الهاتف.
- لأ وبتسألني أي ساعة فاضي عشان تعمله مفاجأة هي ومدراء الشركة بمناسبة عيد ميلاده.. من امتى هو بيهتم بالحاجات دي.
كانت مهرة تسمعها بتركيز ويدها تمسك الهاتف بجمود.
- مين اللي هيعمل مفاجأة؟
لتتذكر مني مهرة.
فتضع يدها على فمها.
فحنقها من نرمين جعلها تخرج ما بداخلها.
ومع تردد سؤال مهرة أخبرتها.
- نرمين يا ستي عايزة تعمل مفاجأة لجاسم.
................................................
نظرت إليها مني مبتسمة وهي تجدها تردف لغرفة الاجتماعات وبعض الموظفين المهمين بالشركة بالغرفة يهنئونه بعيد ميلاده.
ونرمين تقف جانبه مبتسمة وهو يشكرها على مبادرتها اللطيفة في جلب قالب الجاتوه.
وانتقلت أعين البعض نحوها.
لتتجه عين نرمين هي الأخرى اتجاهها فتتلاشى ابتسامتها.
فتقدمت نحوه كما تقدم هو الآخر إليها.
فأعطته باقة الأزهار بسعادة وحماس.
أرادت أن ترسل به رسالتها لمن تقف تحدق بهم.
- كل سنة وانت طيب يا حبيبي.
فأحتضنها جاسم على غير مصدق وجودها ومفاجأتها تلك.
وهمس بأذنها.
- حلوة مفاجأتك دي.. بس أنا طماع وعايز هدية أكبر من كده.. مش ورد بس.
وابتعد عنها بعد أن تنحنحت حرجا.
ليطالعهم كل من يقف مبتسماً ما عدا نرمين التي أرادت أن تظهر له نفسها بذلك اليوم.
وألتقطت يده بيدها ونظرت لهم ضاحكة.
- ممكن أخطفه منكم.
فضحكوا على عبارتها.
ففي النهاية هي زوجته ومن يحق لها أن تكون بجانبه ومعه.
فضحك جاسم هو الآخر ومني وقفت تنظر لمهرة بسعادة من أجلها.
وخطي معها خارج الغرفة وهي تشعر بنشوة الانتصار.
فنظرات نرمين جعلتها تدرك أنها حقاً انتصرت اليوم.
في حق لها وحدها.
وبعدما اردفوا لغرفة مكتبه.
حاصرها مبتسماً ومال نحوها.
- فين هدية عيد ميلادي؟
فنظرت لباقة الأزهار التي ما زالت بيده.
- في إيدك أهي يا حبيبي.
فطالع ما بيده باستياء ثم ضحك.
- لأ الورد ده إحنا الرجالة بنضحك بيه عليكم.
وغمز لها وهو يرفع أحد حاجبيه.
لتدفعه عنها برفق.
- قليل الأدب يا حبيبي.
فقهقه بصخب حقيقي وطاوق حضنها بذراعيه.
- انحرف يعني مع ستات غيرك.
فحدقت به بشراسة وهي تضغط على أسنانها.
ليهتف ضاحكاً.
- شريرة انتي يا مهرة.
وأقتربت منه ثم تعلقت بعنقه بدلال ومرح.
- لأ أنا بخوفك بس.. عشان متفكرش تبص لغيري.
فأبتعد عنها ليطالعها بتحديق ثم انفجر ضاحكاً.
- أنا توبة خلاص بعد ما اتجوزتك.. هو اللي يغلط مرة يفكر يغلط تاني.
وتعلقت عيناه بها وهو يجدها تدور حول نفسها بغنج ورقة.
- أنا غلطة يا جاسم.
فعاد يحاوط خصرها مجدداً وهو يدفعها نحو الحائط.
- أجمل وأحلى غلطة عملتها رغم مصايبك وجنانك.
ومال نحو شفتيها يقبلها.
ولكن طرق على باب الغرفة ثم انفتح الباب سريعاً.
لتقف نرمين مرتبكة شاحبة الوجه من رؤيتهم هكذا.