الفصل 15 | من 40 فصل

رواية لحظات منسيه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
20
كلمة
4,094
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

عروُش واهية بُنِيت على باطل، وما بُنى على باطل فهو باطل. كقطع الأحجية لابد وأن تكتمل وتَظهر الصورة على الملأ وتتضح الحقيقة دون خدوش ودون تجميل. وقفت نورا تطالع تلك القطعة المثلثة غريبة الشكل والتي يحملها ياسر بين كفه يُقلبها بين أصابعه بتعجب، خاصة بعدما أخبرته أنها لا تعلم عنها شيئًا. "جِبتها منين دي يا ياسر؟ "مش عارف، لقيتها فوق الألواح تحت المرتبة. افتكرتِك إنتِ اللي حطاها." بنفي لذلك، حركت رأسها بقوة قائلة:

"لأ، أنا أول مرة أشوفها. يمكن مامتك وإحنا بنفرش الشقة مثلًا." "مش عارف. لما ننزل تحت نبقى نسألها." بتوتر شديد لدى رؤيتها لهذا الشئ الغريب بغرفة نومها، أكملت نورا بإصرار: "لأ مش حـ أصبر. يلا ننزل دلوقتي نسألها." "ماشي." أسرع ياسر حاملًا هذه القطعة العجيبة بين يديه متوجهًا نحو شقة والديه، تتبعه نورا بحماس لمعرفة ماهية هذا الشئ وما سبب وجوده في غرفة نومهم وتحت فراشهم.

جلس والدا ياسر مجتمعين مع إخوانه وخالته واضحة يستعدون لتناول طعام الإفطار، فالوقت مازال مبكرًا للغاية ولم يبدأ يومهم بعد. بينما كانت حسناء مازالت تضع الأطباق الواحد تلو الآخر على الطاولة وهي تُجهز بقية الأطباق بالمطبخ. فمنذ مجيء واضحة وحسناء، قد اعتمدت والدة ياسر على حسناء لمساعدتها في شؤون المطبخ حتى يحين موعد عودتهم إلى قريتهم. خرجت حسناء من المطبخ حاملة طبقين بيديها حين دلف ياسر بحدة نحو الجميع قائلاً:

"صباح الخير." "صباح الخير." بحنو من قلب أم محبة، أشارت أم ياسر تجاه الطعام قائلة: "تعالى يا حبيبي أقعد أفطر معانا." "أنا مش جاي أفطر. إيه ده؟ سأل ياسر وقد اقشعر وجهه بقوة لمعرفته باقتحام أحدهم خصوصيته وغرفة نومه بدون علمه. لوح بالقطعة المثلثة رثة الشكل في وجه والدته، التي ما إن نظرت نحوها اتسعت عيناها بقوة وصدمة بذات الوقت. بالطبع، هي لا تعرف من صنعه لكنها أدركت ماهيته على الفور. "إيه ده؟! "جبته منين يا ياسر؟

"لقيته تحت مرتبتي في أوضة نومي. ممكن حد يفهمني إيه ده ودخل أوضتي أنا ومراتي إزاي؟ نظرات حائرة وصدمة علت وجوه الجميع، حتى واضحة تظاهرت بالإندهاش وعدم معرفة عما يتحدث. لكن حسناء لم تكن بقوة وصلابة والدتها، بل كانت ترتجف فزعة من انكشاف أمرهم. للحظة لم تتمالك فيها أعصابها التي انفلتت لتشهق بداخلها دون إصدار صوت مطلقًا، لكن فضحها سقوط تلك الأطباق من يدها المرتجفة أرضًا مُحدثة صوت تكسير مدوٍ لفت نظرهم جميعًا نحوها.

تملك حسناء الفزع والخوف من عثور ياسر على الحجاب وأن ما فعلته سيُكشف على الملأ الآن. حاولت التراجع عدة خطوات إلى الوراء لكنها اصطدمت بأحد المزهريات لتقع أرضًا محدثة صوت تكسير عالٍ مزعج مرة أخرى. تطلعوا جميعًا نحو حسناء باقتضاب، ثم تحولت نظراتهم إلى غضب شديد عند رؤيتها بهذا الاضطراب، كما لو أنها تعترف بدون حديث بأنها من وضعت هذا الحجاب.

ابتلعت ريقها المتحجر لتسرع راكضة نحو المطبخ لاهثة من شدة الخوف. ارتجفت يداها المثلجتان فقد هربت دماؤها من عروقها لتشعر ببرودة أطرافها فجأة. صاح بها ياسر غاضبًا: "حسناااااااااء! انتفضت حسناء حين سمعت صوت صياح ياسر الغاضب باسمها. لم تدرِ ماذا عليها أن تفعل، هل تخرج له وبالطبع سيتأكد من أنها السبب في ذلك، أم تظل بمكانها للاحتماء مما سوف يحدث لها بعد كشف الحقيقة.

تلى ندائه الأول نداء آخر أكثر قوة وغضبًا، انتفض له الجميع فلم يُتوقع هذا الكم الغاضب من ياسر هادئ الطباع. "حسناااااااااااء! تعالى هنا! جرجرت قدميها بذعر لكنها لم تستطع النظر مباشرة بأعين ياسر لتنكس رأسها أرضًا بتذلل وخوف. "نـ... عم... رفع ياسر الحجاب بوجهها متسائلاً: "إيه ده؟ "معـ... رفش... رفع هامته قليلًا ليصرخ بها مهددًا: "عليا النعمة لو ما نطقتي ليكون نهار اسود عليكِ."

انهارت حصون الكاذب التي لا أساس يحميها لتتساقط دموعها بذعر راكضة نحو والدتها تحتمي بها وتعصمها من ثورة ياسر. "حوشيه عني ياما." رغم قوتها التي ظهرت عليها إلا أنها تخوفت لدرجة مقلقة بداخلها لتهتف بابن أختها تنهره عن غضبه وثورته على ابنتها. "جرى إيه يا ياسر الله! بنظرات كاشفة متيقنة من أن هاتان المخادعتان هما بالتأكيد من وضعا هذا الشئ بغرفة نومهم، دنا نحوهم بأعين متقدة وانفعال قوي.

بتلك اللحظة لم تستطع حسناء تمالك نفسها أكثر من ذلك، فدومًا نفس الشر ضعيفة. لم تستطع الثبات على خداعها وتمالكها الذعر من انكشاف أمرها أمامهم لتعترف بخوف وتلقي التهمة على أمها لتتخلص من عظيم أفعالهم وتلقي باللوم عليها فقط متهربة من كل شيء. "أني ماليش دعوة. أمي اللي قالتلي أعمل كده." انتفضت واضحة تحدق ابنتها بنظرات قاسية لتوريطها واعترافها بتلك السهولة لتنهرها بحدة: "اخرسي يا بت. اتكتمي."

ضربت والدة ياسر صدرها بصدمة لثقتها بأختها التي خانت ثقتها بها. "بقى كده يا واضحة يا أختي. بقى أنا أفتح لك بيتي وأنسى اللي عملتيه فيا وفي ابني وأسامحك على اللي عملتيه انتي وبنتك وتيجي في الآخر وعايزة تأذي ابني؟! بتذلل شديد متصنعة قلة الحيلة والقلب الطيب: "والله يا أختي أنا من حبي ليكي وحبي لياسر عملت كده. والله كنت أتمنى ياسر لبنتي. أنا عمري ما أذيِيه."

لن تتغير تلك المرأة مطلقًا مهما أعطت من المبررات. رغم محاولة الجميع للتغاضي عما فعلنه من قبل، لكنها ها هي تختبئ بقناع الأفعى من جديد. أجابتها والدة ياسر بملامة: "واللي عملتيه ده مش أذى؟ تعملي عمل لابني ومراته؟ ليه؟ ليه يا أختي؟ أنهت جملتها بكلمة "يا أختي" بنبرة كلها تهكم وعتاب. "سامحيني يا أختي. جاهلة بجى." أرادت أن تنفذ من اللوم والعقاب بأي طريقة حتى لو بالتذلل وإثارة شفقتهم، لكن والدة ياسر أجابتها بحدة وقوة:

"لا يا واضحة ده مش جهل. ده سواد في القلب. اطلعوا بره بيتي انتي وبنتك. أنا غلطانة إني مسمعتش الكلام ومتعلمتش من الدرس بعد اللي عملتوه المرة اللي فاتت." "سامحيني يا أختي." "امشي يا واضحة مش طايقة أشوفك دلوقتي. روحي منك لله. حسبى الله ونعم الوكيل." نَكَسَت واضحة رأسها بخجل لتنهض نحو غرفتها تلملم حاجياتهم لتغادر بيت أختها هي وابنتها خائبين الرجاء لتعودا لبلدتهم مباشرة أمام أعينهم جميعًا.

نطق والد ياسر بعد رحيل واضحة معاتبًا زوجته بعد صمت طويل: "جالك كلامي. شفتي المصايب اللي دايمًا بتيجي من تحت راسهم." لم تعد تتحمل والدة ياسر ملامه لأكثر من ذلك لتردف بضيق: "بالله عليك أنا مش ناقصة. فهمت خلاص. وتوبة إن كنت أكسر كلامك تاني." نظرت نحو ياسر ونورا مؤنبة نفسها لما وصلا إليه بسببها. "وإنتوا يا ولاد حقكم عليا." "وإنتي ذنبك إيه يا طنط. الحمد لله إنها جت على قد كده."

طيبتها الزائدة وتفهمها زادا من تأنيب والدة ياسر لنفسها، فهي لا تستحق ما فعلته بها حقًا وأنها قست عليها بدون وجه حق. ربتت على كتف نورا بحب حقيقي. "معلش يا بنتي ظلمتك وزعلتك." نفت نورا ذلك وهي تبتسم بقوة لتوضح لوالدة زوجها أنها لا تكن لها أي ضغينة بقلبها. "لأ طبعًا ولا زعلتيني ولا حاجة." أمسك ياسر بالحجاب محاولًا قطعه والتخلص منه. "أنا حـ أقطع البتاع ده." وقبل أن يمسه صاحت والدته بسرعة:

"لأاااا. ده لازم شيخ هو اللي ييجي يفكه." "ليه يعني؟ "هو كده عشان محدش فيكم يتأذى." رفع والد ياسر هاتفه قائلاً: "أنا حـ أكلم واحد يعرف واحد شيخ بيعالج بالقرآن يكلمهولنا وييجي هنا على طول." "أيوة. صح كده." *** المعمل. تناول أحمد طعامه الذي اقتسمته له سميرة وهو يتساءل ببعض التحسر لعدم بقائها معهم لتناوله. "هي سميرة مفطرتش معانا ليه؟ لا تدري هل تنفعل عليه أم تشعره بحبها وولهها تجاهه لتجيبه بتملل من تكرار سؤاله عن سميرة.

"أنا عارفه. ابقى اسألها." نفض أحمد يديه ناهضًا من مقعده متحركًا نحو باب المعمل. "لا. أنا نازل شوية كده وراجع مش حـ أتأخر." تفاجأت عبير بما سيقوم به، فمن قواعد العمل ألا يترك أحدهم المعمل دون استئذان صاحب العمل أو أشرف. "ولو حد سأل عليك أقولهم رحت فين؟ "أي حاجة يا عبير. الله. قوليلهم في الحمام. أي حاجة." "ماشي متزعلش كده." غادر أحمد بعجالة من المكتب، بينما عادت سميرة من مكتب أمير لتشير بكفها أمام عيني عبير الشاردة.

"مالك يا أخت. سرحانة في إيه؟ "فيكِ." لم تكذب عبير حقًا، فهي كانت بالفعل شاردة بتفكير أحمد المستمر بسميرة وعدم إحساسه بها. ضحكت سميرة مداعبة صديقتها: "فيا أنا. ليه بقى؟ اعتدلت عبير تستفهم الأمر من سميرة بفضول. "إيه حكايتك. وإيه حكاية باشمهندس أمير؟ "حكاية إيه. عادي. ولا حكاية ولا حاجة." طأطأت عبير رأسها قليلًا وهي تحدق بسميرة بنظرة غير مصدقة. "سميرة! عليا أنا برضه؟

اتخذت سميرة جلستها بصورة أفضل راحة، لكن ملامحها المداعبة اتخذت منحنى جادًا بعض الشيء. "قصدك إيه يا عبير مش فاهمة؟ "يعني كل شوية عنده في المكتب وبتتكلموا وبتفطروا سوا. كده يعني." أوضحت سميرة مبرراتها بالاهتمام بهذا المسكين مفطور القلب وما تفعله لمساعدته فقط. "أبدًا والله. هو بس صعبان عليا من بعد ما قولتيلي أنه مكنش كده واتغير وبقى عصبي ومش طايق حد. فقلت أساعده وأطلعه بره المود ده."

"بس ده عامل زي الطور الهايج خدي بالك ليأذيكِ." بتفهم لطبيعة إحساس أمير عقبت سميرة: "اللي مكسور ده بيبقى دايما هو المظلوم مش الظالم. وأكيد مسيره حـ يرجع لطبيعته." "وبعدين؟ تضايقت سميرة من عدم فهمها لمغزى حديث عبير منذ أن التقتها هذا الصباح. "إنتِ مالك النهاردة بتتكلمي بالألغاز كده ليه؟ ما تقولي اللي عايزة تقوليه على طول." "بصراحة أنا حاسة إنك بدأتِ تميلي ليه. وخايفة عليكِ لتحبيه."

سميرة بضحكة استهزاء لمست جزء من الحقيقة لتُنكرها على الفور، فهذا شئ مختلف تمامًا عما تقوم وتشعر به. "لأ. لأ. طبعًا. مينفعش. إيه التخريف اللي انتي بتقوليه ده؟ أنا بساعده بس. زملاء يعني وكده." سألتها عبير بعدم تصديق لتشك سميرة بأمرها كذلك. "تفتكري؟ "أه طبعًا. أُمال إنتِ فاكرة إيه؟ "طب وهو؟ أسئلتها كانت مباشرة وواضحة مما أثار ارتباك سميرة دون إدراك لسبب ذلك. "وهو ماله هو كمان؟ "مش ملاحظة إنه بدأ يتغير؟

"وده شئ كويس. إنه يتغير ويرجع زي الأول." قالتها عبير صريحة تنبه بها صديقتها من أن تنزلق قدمها ببئر رغمًا عن إرادتها. "بس هو متغير معاكِ إنتِ بس." "معايا أنا بس؟ "أيوة. هو كده معاكِ إنتِ بس. هو مش معانا كده." بحزم قاطع نفت سميرة ذلك، فهي تصف واقع غير موجود بالمرة. "بيتهيألك بس. عادي زيي زيكم. خلاص بقى شوفي كنتِ بتعملي إيه أنا داخلة المعمل عندي شغل."

ابتسمت عبير لفهمها ما يحدث بصورة جلية واضحة تمامًا لتردف معجبة بأفكارها بخيلاء. "والله وطلعتي بتفهمي يا بت يا عبير. والحلوة شكلها طبت من غير ما تحس. المهم إن أحمد حـ يبقى ليا لوحدي." اضطربت سميرة من مقصد عبير الخالي من الصحة لتهمس لنفسها مؤكدة غير ذلك. "مجنونة دي ولا إيه. أكيد لأ طبعًا. لا أنا حبيته. ولا هو حبني. هو أي كلام وخلاص." *** كرم.

استيقظ من النوم لينظر بتكاسل نحو ساعته فهو لم ينم طوال الليل لينتفض بقوة حين رأى الساعة تخطت الثانية عشر. "يا نهار اسود. أنا إزاي نمت لحد دلوقتي؟ أسرع كرم يرتدي ملابسه في عجالة لكنه أخذ يتعثر كثيرًا وكلما يمسك بشيء يقع مرة أخرى من بين يديه من شدة توتره.

وبعد عدة دقائق كان قد انتهى من ارتداء ملابسه، توجه مباشرة نحو سيارته المستأجرة المصفوفة أمام البيت ليغمض عينيه بضيق وعصبية. فقد وجد إطار السيارة قد هوى أرضًا وفرغ منه الهواء ولابد من تغيير هذا الإطار.

استند بضيق على السيارة واكتست ملامحه بحزن جم، فقد تأكد أنه لن يستطيع رؤيتها اليوم، فهي بعد انتهاء اليوم الدراسي لا يدري بأي وجهة تذهب لإعطاء هذه الدروس الخصوصية وهو بالكاد يعلم فقط طريق الذهاب إلى المدرسة، ولا يعلم أيضًا موعد عودتها بآخر اليوم لينتظرها قرابة منزلهم. ضرب السيارة بكفه بضيق صاعدًا نحو شقته مرة أخرى وألقى بنفسه فوق الأريكة ينتظر أي شيء ينهي به هذا اليوم الكئيب ليراها مرة أخرى في الغد. *** هيام.

بعد خروجها من المدرسة ولأول مرة توقفت ولم تتخذ طريق عملها الإضافي بل أخذت تتطلع بضيق نحو الفراغ الذي يقبع موضع سيارته حيث يقف كل يوم. نظرت بغصة كما لو أنها أرادت لقائه هذه المرة. لكنه لم يأتِ. يبدو أنه بالفعل مل من التجاهل والانتظار. شعرت بالضيق وضاق تنفسها، تنهدت بحزن ثم تحركت بآلية نحو موقف الحافلات لتستقل الحافلة بتجهم واضح. تعجبت لحالها وشعورها بفقده، متسائلة بداخلها لم هو خاصة الذي تشعر بفقده؟

لقد رفضت الكثيرين، فلم تشعر تجاه هذا الشاب بهذا الانجذاب هو وحده فقط. تسائلت لم تشعر بالحزن لعدم حضوره اليوم. سيطرت عليها حالة من الإحباط لم تستطع تجاوزها مثل سابقيها، فقررت عدم استكمال عملها اليوم وتوجهت مباشرة إلى المنزل. *** بيت ياسر. شعور بالراحة اجتاحهم بعد رحيل واضحة وابنتها. جلسوا جميعًا بانتظار هذا الشيخ المعالج بالقرآن الذي سيأتي لمساعدتهم في التخلص مما فعلته واضحة وابنتها من سحر وأعمال لابنهم وزوجته.

تقدم أحد الشيوخ بسيط الهيئة ذو لحية سوداء يخالطها بعض الشعيرات ذات اللون الأبيض بوقار وهدوء. رحب به والد ياسر بحفاوة. "اتفضل اتفضل يا شيخ." "السلام عليكم ورحمه الله وبركاته." رددوا السلام وقد اقتربوا منه جميعًا ملتفين حوله في رهبة، ليس من وجوده فحسب، فهو شيخ عادي المظهر جَلِد الملامح، لكن رهبتهم من مرورهم جميعًا بهذه الأمور لأول مرة وانعدام خبرتهم بهذه الأعمال على الإطلاق.

كانوا دومًا ما يسمعون عن السحر والأعمال خاصة في بعض المناطق الريفية وانسياق الجهلاء وسئي النية وراء ذلك، لكنهم لم يمروا بمثل هذه الأحداث بهذا القرب من قبل. تطلعوا نحو الشيخ بترقب لما سوف يفعله بهذا المسمى "الحجاب" الذي قامت به واضحة للتفريق بين ياسر ونورا. نظرت نورا بخوف وترقب لما سيحدث وتلاقت عيونها بعيون ياسر الحزين لما حدث وهم في أول حياتهم ولم يمر على زواجهم إلا أسابيع قليلة. "إن شاء الله خير. متقلقوش."

يرفض ياسر تمامًا أن يلعب أحدهم بعقولهم بمسمى الدجل والشعوذة، ليسأل هذا الشيخ عما سوف يقوم به، فهو لن يقبل بمثل هذه الأمور. "إنت حـ تعمل إيه يا عم الشيخ في البتاع ده؟ "إحنا حـ نقرا قرآن على المياه ونفُك فيها الحجاب عشان محدش يتأذى ونقرأ قرآن عليكم ونرقيكم الرقية الشرعية وربنا يصلح لكم الأحوال وهو الحافظ الحامي." اطمأن ياسر أن هذا الرجل لن يقوم بأي من الأسحار والدجل والشعوذة، فقط قراءة القرآن وهذا شيء مستحب.

وبالفعل قرأ الشيخ بتمتمة غريبة بعض الآيات على إناء مملوء بالماء ثم وضع القطعة المثلثة غريبة الشكل "الحجاب" في الماء ليثبط عمله. لكن المفاجأة حدثت عندما بدأ الشيخ يتلو الآيات بصوت عالٍ جهور ليرقي كلًا من ياسر ونورا. فقد تملكت نورا رجفة قوية وظلت تنتفض وتصرخ في هستيرية مثلما حدث منذ بضعة أيام. "لا حول ولا قوة إلا بالله. الأخت دي واكلة حاجة أو شاربة حاجة معمول بيها سحر."

نظروا جميعًا نظرات تعلوها الدهشة والصدمة والاشفاق في ذات الوقت نحو نورا التي زاغت عيناها الحائرة بوجوههم جميعًا وتملكتها رغبتها الشديدة في البكاء مرة أخرى. "أنا قلت إن نورا مش طبيعية خالص الأيام دي وعلى طول زعلانة أو تعبانة ومتضايقة طول الوقت. لا حول ولا قوة إلا بالله. بيعملوا فينا ليه كده؟ أذيناهم في إيه بس؟ "بإذن الله كل شيء حـ يتحل. هاتولي مياه نظيفة وتعالى يا بنتي أقعدي قريب هنا."

استجابت نورا بخوف ورهبة لما قاله الشيخ وسط طمأنة ياسر لها وأنه إلى جوارها ولن يتركها أبدًا. جلست على أحد المقاعد القريبة من الشيخ وأخذ يتلو بآيات قرآنية معينة تخص آيات السحر وقدرة الله وهو يمسح بكفه فوق الإناء، وعندما فرغ تمامًا طلب من نورا أن تشرب من هذا الماء. تجرعت نورا بعضًا منه لتشعر برغبة قوية بالتقيؤ لتسرع نحو المرحاض لتفرغ محتويات معدتها كاملة.

ظلت تتكرر معها هذه الحالة كلما تجرعت القليل من هذا الماء. شعرت نورا بالإعياء الشديد وحاوطها الجميع اشفاقًا على حالتها التي وصلت إليها بسبب هذه الغيورة حسناء وأمها. وبعد وقت ليس بالقليل بدأت نورا تشعر ببعض الراحة وكأن ثقل ما أُزيح عن صدرها وتنفست بحرية وكأنها ترى العالم من حولها بنفس إحساسها ونظرتها القديمة.

انصرف الشيخ بعدما أدى مهمته كاملة وسط توصيات بأن تشرب نورا ما تبقى من الماء وتغتسل به والمحافظة عن الابتعاد عن أصحاب النوايا السيئة والالتزام بالصلوات وقراءة الأذكار اليومية. حمدوا الله جميعًا على مرورهم من هذه المحنة التي كانت بمثابة درس عظيم لهم جميعًا. أحاط ياسر نورا بحنان وصعدوا نحو شقتهم لترتاح نورا بعد عناءها الطويل المؤلم.

"الحمد لله إننا خلصنا من اللي حصل ده. وحسِك عينك تحكمي على حد تاني إنه اتغير وبقى كويس. إنتِ متتعامليش مع أي حد أنا أعرفهوش نهائي. طيبتك الزايدة دي متنفعش في الأيام اللي إحنا عايشين فيها." "والله يا ياسر كنت فاكرة ها بقت كويسة واتغيرت فعلا. وإننا ظلمناهم المرة اللي فاتت وكنت بتعامل معاها بسلامة نية خالص." "أنا برضه غلطان إني كنت فاهم نيتهم وسبتك تتعاملي معاهم."

"خلاص والله حرمت. ده أنا حتى مش عايزة أقعد هنا وحـ أسافر معاك." "بجد!!! أخيرًا اقتنعتي." "أيوة يا ياسر. خلاص. لا يمكن أسيبك تاني. أنا معرفش أعيش من غيرك وعمري ما حـ أسيبك لواحدة تانية تستفرد بيك ومن غير أعمال ولا سحر كمان." ضحك ياسر على برائتها ونقائها بعد كل ما مرت به في هذه الأيام.

"مش مهم. أيًا كان السبب. المهم إن إنتِ حـ تسافري معايا. ومن النهاردة نحاول ننسى كل اللي حصل ده ونعتبره لحظات منسية ونبدأ حياتنا من أول النهاردة من غير أي تدخل من أي حد في حياتنا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...