يالها من حياة، تتمنى فقط مرور الوقت الذى أصبح طويلًا مملًا باردًا، ويكون ذلك هو أقصى أحلامك. بيت الحاج سعيد... جلست هيام بملل وضيق تحاول فقط قضاء بقية الوقت المتبقى من هذا اليوم متأملة حلول الليل الطويل لتخلد إلى النوم بإنتظار قدوم الصباح لبدأ يوم جديد. حاولت إشغال باقى يومها بعدة أشياء كلها ليست ذات قيمة حتى لا تفكر بأى شئ يمكن أن يُشعرها بما تفقده وتتمناه، فليس لها حيلة بذلك.
على النقيض تمامًا، وصلت سميرة للتو بعد حماسها لإجراء تلك التجربة مع أمير لتشعر بالبهجة لمشاركته هذا الأمر. دلفت نحو غرفة المعيشة بروح الدعابة الشقيه التى تمتلكها لتجد والديها وأختها هبه يتابعون إحدى حلقات أحد المسلسلات التى تعرض بهذا الوقت. سميرة: السلام عليكم... شكلكوا اتغديتوا وسيبتونى صح؟! أجابتها والدتها وهى تشير نحو غرفة هيام. أم هيام: إحنا اتغدينا عشان معاد الدوا بتاع أبوكِ. بس اتغدى انتِ وهيام بقى.
اتسعت عينا سميرة الواسعتين بتفاجئ لعودة هيام مبكرًا اليوم. سميرة: هيام!!! هي جت؟ لوحت هبه بكفها بالهواء وهى تتابع الحلقة بإهتمام دون أن تنحى عيناها عن شاشة التلفاز. هبه: من بدرى. سميرة: غريبة... إيه اللي رجعها بدري النهاردة هي عيانة ولا إيه؟ مصمصت والدتها شفتيها بإشفاق قبل أن تردف قائلة. أم هيام: مش عارفة يا بنتي شكلها متضايق. حاولت أسألها كالعادة بتقولي مفيش حاجة. ابقى شوفيها مالها هي بتحب تتكلم معاكِ.
سميرة: ماشى حـ أشوفها. انتبه الحاج سعيد لحديثهم ليردف قائلًا ببعض السعادة يبلغهم فحوى مكالمة السمسار له منذ قليل. الحاج سعيد: و ابقى قوليلها يا بنتي أن خلاص الراجل أجر المخزن من أول الشهر اللي جاى. أصلها لسه متعرفش. ضغطت على حقيبتها التى مازالت معلقة بذراعها استعدادًا للركض قائلة بسعادة وهى تتوجه نحو غرفة هيام. سميرة: بجد... الحمد لله. أما أروح أفرحها.
تركتهم سميرة مسرعة نحو غرفة أختها، بينما نظر الحاج سعيد إلى زوجته نظرة فهمتها على الفور تعنى أنه آن الأوان أن ترتاح هذه الفتاة من حِملها الثقيل ومسئولياتها تجاههم. فحتى لو كان المال الذى سيتلقاه الحاج سعيد قليلًا إلا أنه سيكون مبلغ كافيًا لهم ومستمرًا بإذن الله ليخفف الحمل عن كاهلها الذى أُثقل للغاية خلال تلك السنوات الطوال. طلت سميرة من خلف باب الغرفة تطرقه بدقاتها المميزة. سميرة: قاعد لوحدك ليه يا جميل...
يا جميل... يا جميل... أشارت لها هيام بالدخول وإغلاق الباب من خلفها قائلة بصوت شجي هادئ. هيام: بلاش لماضة... تعالى ادخلي واقفلي الباب وراكِ. تقدمت سميرة بضع خطوات ثم أغلقت الباب من خلفها لتجلس بعد ذلك إلى جوار أختها بطرف الفراش مندهشة من عودتها مبكرًا اليوم. سميرة: إيه رجعك بدري؟ وأنا عارفة إنك مش بتغيبي من الشغل أبداً. إيه اللي حصل؟ بإنكار لما تحاول سميرة الوصول إليه أجابتها هيام بغموضها المعتاد.
هيام: ولا حصل ولا حاجة. قلت أرتاح يوم ولا يعني مليش نفس؟ سميرة: طب ومالك متضايقة كده ليه؟ براحتك يا ستي. اقعدى بقى وسيبى اللي في إيدك ده عشان عايزة أحكيلك حاجة. تركت هيام ما بيدها منصتة لحديث أختها بإنتباه كما تفعل دائمًا. هيام: قولى. سميرة: عايزة أحكيلك حاجة في الشغل وكلام قالتهولي عبير النهاردة وقوليلي رأيك. هيام: معاكِ. اتكلمي.
أخذت سميرة تقص على مسامع أختها ما حدث في المعمل منذ أول يوم عمل لها حتى اليوم بكافة تفاصيله، ثم أوضحت رأي عبير الغريب كما تراه. برجاحة عقلها المتزن كما تفكر طوال الوقت وهى تدفع العواطف جانبًا أجابتها هيام بعقلانية تامة. هيام: والله يا سميرة أنا قلقانة ليكون فعلًا زي ما عبير قالت لك. هنا هبت سميرة منتفضة وقد قضبت حاجبيها بقوة، فكلاهما لم تفهمها حقًا قائلة بنبرة مختنقة من ظنهما الخالي تمامًا من الصحة.
سميرة: انتوا ليه مش فاهمني!!! ولا أنا ولا هو الكلام ده في بالنا خالص. استطردت هيام توضح أكثر لـ سميرة. هيام: طيب إنتِ ومتأكدة من نفسك ومن اللي بتفكري فيه. إنتِ ليه متأكدة أوي كده إنه مش زي ما بنقول لك؟ إيه اللي يأكد لك كده؟ تعرفي منين إنه فعلًا مش بيعاملك إنتِ معاملة خاصة وإنه ممكن يكون اتشَد ليكِ؟ ثم وضعت هيام كفها فوق كتف أختها تحذرها بجدية. هيام: سميرة... إحنا مش بتوع لف ودوران. متعلقيش الراجل وإنتِ بتلعبي أساسًا.
تهدج صدر سميرة بقوة وهى تردف بإنفعال. سميرة: لااااا دا انتوا اتجننتوا رسمي!!!!!! مفيش حاجة. افهموا... مفيش حاجة. بإبتسامتها الهادئة هدأت من روعها بكلماتها البسيطة. هيام: طيب خلاص خلاص متزعليش نفسك. تطلعت سميرة نحو هيام للحظات حدثت بها نفسها قائلة. سميرة: "مجانين دول ولا إيه؟!!!! ولا هو بيفكر فيا كده ولا أنا على بالي كل الكلام ده. جابوا الكلام ده منين... لالا... لا طبعًا...
كأخت كبرى تهمها مصلحة أختها فقط استكملت هيام بطريقتها الهادئة لكن بكلمات حازمة. هيام: المهم حرصي على نفسك وكفاية لعب بقى لحد كده وبلاش شغل المصلح الاجتماعي والنفسي بتاعك ده. أديني قلتلك أهو... بلاش تورطي نفسك في حاجة ممكن متعرفيش تخلصي منها. رغم عدم اقتناعها بحديثهم إلا أنها أومأت بالإيجاب. سميرة: حاضر... صحيح مش بابا خلاص أجر المخزن. افرحي بقى يا ستي.
تذكرت هيام ملل الشاب منها وعدم مجيئه اليوم لتدرك أنها صاحبة حظ سيء للغاية، فحين تتحسن ظروفها وتُحل عقدتها يتركها هو ويمل من انتظارها لتردف بتنهد حزين. هيام: معدتش فارقة. سميرة بحماس: إيه ده بقى... شكلك مخبية حاجة؟ كبقية مشاعرها يجب أن يبقى حزنها لنفسها سجين بين خبايا قلبها، لتردف بإنكار. هيام: ولا حاجة ولا غيره يلا مش حكيتِ وارتحتِ سيبيني بقى أرتاح شوية. يلا مع السلامة. بروح مازحة عقبت سميرة. سميرة: إنتِ بتطرديني؟
يا للصاعقة. ماشي أنا الحق عليا إني جيتلك. اتجهت سميرة نحو الباب تصطنع التأثر والبكاء بصورة تمثيلية لتتابعها هيام بضحكتها الناعمة، لكن فور خروج سميرة عادت نفس مشاعرهم كالسابق. فسميرة قلقة مما تراه أختها وصديقتها وهى لا تراه، فكيف تنجذب إلى شخص بهذه السرعة ودون وعي منها، متعجبة من ظنهم بأنه منجذبًا إليها وسط صراعاته النفسية وانكساره وعصبيته.
بينما هيام أخذت تفكر بأن الأحوال المادية التى ستبدأ بالااستقرار جاءت متأخرة للغاية، فقد صدت الجميع عنها خاصة هو، فقد مل ولن يأتي مرة أخرى. قطع سيل أفكارها مكالمة واردة من نورا التى لم تتجاذب معها حديث مطلقًا بعد زيارتها الأخيرة لها وإنشغالها بزوجها وبيتها الجديد. هيام: نورا... وحشتيني. بحزن طفولي عاتبت نورا صديقتها المقربة على بُعدها عنها تلك الأيام. نورا: لو كنت وحشتك بجد كنتِ عبرتيني.
هيام: أنا قلت أخف عليكِ شوية عروسة بقى وقلت أريحك مني ومن دوشتي وتفضى لعريسك. زمت نورا فمها جانبيًا تسخر من حالها بالفترة الماضية. نورا: عروسة!!! اسكتي متعرفيش إيه اللي جرالي. إنتاب هيام القلق لتعتدل أولًا بجلستها متسائلة بإهتمام. هيام: خير... احكي لي. كصمام قد فُتح بدأت نورا بقص كل ما حدث معها ومع ياسر بأدق التفاصيل، فبداخلها اشتياق لحديثها مع هيام لتندهش هيام لكل ما حدث بتلك الأيام القليلة. هيام: يا خبر...
كل ده يحصل وأنا معرفش حاجة. نورا: شفتي يا هيام... مستكترين عليا ياسر!!! هيام: بس الحمد لله إنكم جبتوا الشيخ ده. نورا: آه والله كان زماني لسه بتعذب. بتحذير قد كررته كثيرًا على مسامعها حتى ملت. هيام: معلش... أهو درس تتعلمي منه برضه. وأحسن حاجة إنكِ قررتى تسافري مع ياسر. وده أحسن قرار على فكرة. نورا: آه... ما أنا مش حـ أسيبه لغيري تاني. غير إن أنا ببقى مطمنة وإنا جنبه. بس إنتِ اللي حـ توحشيني أوي.
ضحكت هيام بخفة ورزانة وهى تجيبها بصوتها الشجي العذب. هيام: متقلقيش... ياسر حـ ينسيكِ الدنيا كلها. وبرضه حـ نبقى على تواصل مع بعض. بتعجل شديد وإصرار متعمد تحولت نورا بحديثها لشئ مغاير تمامًا. نورا: المهم... بكرة لازم تيجي تتغدي معايا. رغم أنها تشتاق لها بالفعل إلا أن هيام تدرك أن إلغائها للدروس الخاصة اليوم لابد وأن تعوضها بالغد لتردف رافضة دعوتها قائلة.
هيام: لا يا نورا مش حـ ينفع. ورايا شغل كتير لأني لغيت كل الدروس النهاردة. صمتت نورا لوهلة ثم أردفت بتأكيد. نورا: طيب خلاص... يبقى بعد بكرة ومفيش لأ المرة دي. بإيجاب لدعوتها الكريمة عقبت هيام بتقبل. هيام: حاضر... حـ أظبط ظروفي وأكلمك. نورا: مفيش تظبيط... مستنياكي يعني مستنياكي. هيام: حاضر. أنهت هيام مكالمتها لتعود بأفكارها لما وقفت عنده، فهى ليست من النوع مشتت الأفكار فتفكيرها مرتب دومًا ذكية لحد بعيد ولا تنسى بسهولة.
بذات الوقت وضعت نورا هاتفها فوق الطاولة وهى تنظر نحو ياسر الذى كان يستمع للمكالمة بإنصات شديد حين قالت. نورا: تمام كده... أديني أصرت عليها تيجي بعد بكرة. كويس؟؟ أنهت عبارتها تسأل ياسر عن تقييمه لمهمتها التى اتفقا عليها على أكمل وجه دون إفساد للأمر ليجيبها ياسر بإثناء على ذلك. ياسر: تمام الله ينور. عاد ياسر بذاكرته ليتذكر مكالمة كرم له منذ قليل. كرم: ياسر... أخبارك؟؟ ياسر: الحمد لله... إنتَ فين؟
أُمال لو تعرف حاجة في مصر!!! دة لا زيارة ولا تليفون. مختفي فين اليومين دول؟ بعتاب لطيف أردف كرم. كرم: أيوه ما إنت سايبني كده عمال أطش. وأنا مش راضي أكلمك وأضايقك. ياسر: ده كلام برضه!!! بس كان عندنا مشكلة كده أما أشوفك حـ أبقى أحكيلك. وجدها كرم فرصة ذهبية لطلب المساعدة من ياسر ونورا فقد يأس من أن تنتبه هيام له. كرم: ياسر... أنا عايزكم تساعدوني بقى أنا خلاص تعبت. ياسر بقلق: خير؟ كرم: هيام...
عايز أشوفها وأتكلم معاها. ومش عارف... حـ أتجنن خلاص. أنا كل يوم بستناها قدام المدرسة ومفيش ولا مرة عرفت أكلمها. قلبي خلاص حـ يروح مني. اندهش ياسر بشدة لمشاعر كرم المفاجئة له تجاه هيام. ياسر: للدرجة دي؟ كرم: وأكتر والله بجد. أنا مش عارف جرى لي إيه؟ شكلي حبيتها من غير حتى ما أكلمها. ياسر: يا عيني يا عيني... طيب سيب الحكاية دي علينا وإحنا نخليكم تتقابلوا وتتكلموا. كرم بلهفة: بجد؟ إنت أجدع صاحب في الدنيا.
ليتفقا على أن تقوم نورا بالاتصال بـ هيام ودعوتها على تناول الغذاء معهما وتكون حلقة وصل بين كرم وهيام. أمجد... باضطراب ملحوظ أخذ أمجد يؤنب نفسه على بُعده عن هيام وتجنبه توضيح مشاعره تجاهها، ليجد أن أفضل الحلول هو التصريح المباشر لها. أمجد: كده كتير أوي. أنا بكرة لازم أروح وأتفاهم معاها وأقول لها أني بحبها وعايز أتجوزها. مش حـ أستنى أكتر من كده. أيوه...
بكرة أروح لها المدرسة. مش كفايه كل ده مش شفتهاش. كان لازم تتجوزى دلوقتى يا نورا. كان زماني بشوفها كل يوم. بعد انتهاء ليل طويل تأمل به هيام أن يمر الوقت ليأتي الصباح بروتينيته المعهودة لتبدأ يومها بصلاتها وتجهيزاتها ذهابًا للمدرسة. بينما شعرت نورا أخيرًا ببعض الراحة والمتنفس بزوال عارض هذه العقبة التى مرت بأول حياتها مع ياسر لتستقر أمورهم ويعودوا كما كانوا من قبل.
مع بداية يوم جديد انتظره الجميع لغاية بنفسهم، حتى أن سميرة تلك الفتاة الغير متوقعة والتى تبحث دائمًا عن حياة غير عادية، لكن كل الظروف المحيطة بها تجبرها على حياة عادية للغاية مما أثار الملل بنفسها لتقرر اليوم أن يصبح غير عادي. حضرت سميرة علبة ذات حجم كبير، تلك التى تشبه علب الهدايا المحاطة بشريط أحمر كبير تعطيها رونقًا أنيقًا للغاية ثم وضعتها برفق فوق فراشها لتبدل ملابسها استعدادًا لبدأ يوم عملها المعتاد.
ارتدت سروال أبيض واسع وكنزة بنفس اللون ثم ارتدت سترة هيام السوداء دون علمها، فهى ترى أنها تبدو أنيقة بها ولابد من اقتراضها دون أن تدري أختها التى ترفض دائمًا إعطائها شيئًا من ملابسها. دلفت إلى الغرفة أختها الصغيرة هبه لتفرغ فاها بقوة وهى تردف بصدمة. هبه: يا نهار!!!! حـ أقول لـ هيام إنك أخدتي الجاكيت الجديد بتاعها.
اتسعت عينا سميرة الواسعتين بتفاجئ من دخول هبه وإمساكها بالجرم المشهود لترفع إصبعها أمام شفتيها تنهر أختها بقوة حتى لا تفضح أمرها قائلة بتحذير. سميرة: اششششش... مشافوهمش وهم بيسرقوا... إسكتي خالص... مرة من نفسي أروح الشغل وأنا لابسة حاجة عليها القيمة. عقصت هبه أنفها بقوة وهى تردف بطريقة مماثلة لأختها سميرة، فهى تتعلم منها الكثير. هبه: طب ما هي حـ تشوفك يا فالحة؟ أكملت سميرة تطلعها بالمرآة وهى تردف بإستنكار.
سميرة: حـ تشوفني فين بس؟ هي زمانها نزلت وعقبال ما تيجي حـ أكون أنا رجعت من بدري. حـ تشوفني إزاي بقى؟ رفعت هبه كتفيها ثم أهدتهما بمعنى لا أدرى. هبه: إنتِ حرة يا أختي أنا ماليش دعوة. وقعت عيناها على تلك الهدية الموضوعة فوق الفراش. هبه: "إيه ده... ؟!!! الله الله... والهدية الحلوة دي لمين بقى؟ استدارت سميرة بحركة فجائية وقد لمعت عيناها ببريق ماكر ثم قالت. سميرة: حبيبتي يا هبه...
ليكي يا قمراية افتحيها بقى وشوفي جبت لك إيه. مدت هبه يدها بسعادة لتفتح العلبة لتفاجئ بدمية مخيفة زنبركية تقفز من العلبة بإندفاع نحو وجهها، فزعت هبه للغاية وألقت العلبة بالكامل من يدها منتفضة وهى تبتعد عن السرير بفزع. هبه: منك لله يا شيخة... قلبي وقف. سميرة ضاحكة: إيه رأيك حـ آخدها لـ عبير النهاردة. بنظرات مشفقة أجابتها أختها. هبه: دي عبير غلبانة والله استحملت منك ياما أوي. كفاية عليها كده.
عبث بحاجبيها بدعابة كطبعها الذي لا يتغير. سميرة: لأ طبعًا... دي نسّايَة ومطلعة روحي في الشغل. ده أقل واجب. مع إصرار سميرة على مقلبها المازح بـ عبير هتفت هبه بتعبير يشابه أختها الشقية قائلة. هبه: طيب... أبقى قوللي بقى حـ تعملي إيه لما تشوفها. سميرة: يا سلام... بس كده. المعمل...
حملت سميرة العلبة لتكون أول الواصلين إلى المعمل، وضعت علبة الهدايا على مكتب عبير ثم جلست خلف مكتبها في انتظار حضورها مستمتعة برد فعلها حين تفتح العلبة أمامها.
انتظرت سميرة مجيء عبير بترقب، فذلك طبعها منذ عهدت عبير وغيرها من صديقاتها أثناء فترة الدراسة، فهى تتمتع بروح محبة للدعابة والمزاح تبتكر على الدوام مثل هذه المقالب الشقية لكسر الملل ونشر البهجة. فمع ضغط وتوتر أجواء العمل فكرت سميرة إعادة هذه الذكريات الضاحكة لأذهانهم جميعًا والبُعد عن توترات الحياة والعمل.
دلفت عبير بعد قليل من الانتظار إلى داخل المعمل ليُلفت نظرها شكل هذه العلبة الفخم والموضوعة بعناية فوق سطح مكتبها، ارتسمت ابتسامة سعيدة فوق ثغرها وقد أطلقت العنان لمخيلاتها بصاحب الهدية. عبير لنفسها: "الله هدية... يمكن أحمد جابها. ولا سميرة... أنا بحب الهدايا أوي." أقبلت عبير نحو الهدية لتفتحها لتفاجئ بتلك الدمية المخيفة تقفز بوجهها لتنتفض بقوة وهى تلقي بها بعيدًا بفزع لتدرك أن تلك الأفعال لن تخرج سوى من واحدة فقط.
استدارت بغضب نحو سميرة التى علت ضحكاتها بقوة من هيئة عبير الفزعة، لتهتف عبير بحدة. عبير: إنتِ مش حـ تكبري بقى وتبطلي لعب عيال ده. خضتيني. سميرة: الله... مش بضحك معاكِ. فُكي فُكي. أغلقت عبير العلبة مرة أخرى لتحملها ببعض الضيق واضعة إياها فوق مكتب أحمد الخالي. عبير: خدي يا أختي هداياكي الله الغنى عنها. ثم التفتت عبير بعد ذلك تجاه سميرة مستكملة. عبير: يا بنتي اعقلي إحنا كبرنا خلاص. حـ أقاطعك وأنا الكسبانة صدقيني.
هزت سميرة رأسها بقوة حتى تمايلت خصلات شعرها السوداء هنا وهناك وهى تعقب بطريقتها الطريفة الأخاذة للعقول. سميرة: متقدريش... ده إنتِ متعرفيش تعيشي من غيري أبداً. عادت عبير نحو مكتبها وهى تضحك. عبير: طب كرريها تاني كده وحـ تشوفي. بعد مرور بعض الوقت دلف أحمد إلى المكتب متأخرًا كعادته ليلقي تحية الصباح عليهن قبل أن تُلفت علبة الهدايا نظره. أحمد: صباح الخير. إيه ده... لمين الهدية الحلوة دي؟
بغمزة لطيفة من عبير تجاه سميرة أجابته بمزاح. عبير: ليك طبعًا... من سميرة. مفاجأة لم يتوقعها أحمد بالمرة لتتسع عيناه بسعادة بالغة ليُمسك بالعلبة متطلعًا نحوها بأعين مندهشة، ثم نظر تجاه سميرة قائلاً بابتسامة. أحمد: ليا أنا؟ شكرًا يا سميرة. ويا ترى إيه المناسبة؟ لم تستطع سميرة الرد فهى تعلم أن عبير قد أقحمتها بورطة مع أحمد ردًا على مقلبها لها منذ قليل لتنظر نحو عبير معاتبة لها بصمت.
لكن تحول صمت سميرة إلى انفجار بالضحك هي وعبير حين قام أحمد بفتح غطاء العلبة وخرجت الدمية المخيفة قافزة بالزنبرك بوجه أحمد الذى شحب وجهه على الفور من الفزع. أحمد ضاحكًا: الله يسامحك. أمسك أحمد غطاء العلبة ليعيدها كما كانت محاولًا تدارك نفسه من الفزعة التى فزعها للتو. دلف أمير إلى المكتب ليستفزه وقوف أحمد مع سميرة أمام مكتبها حاملًا علبة هدايا أنيقة مغلفة بشريط أحمر زاهي.
وقف أمير لبرهة ينقل بصره بين كلاهما وبين الهدية التى تتوسطهما ليبدأ قلبه بتسارع دقاته بضيق ويعلو فوق وجهه علامات الغضب. لم يتفوه بكلمة واحدة بل أسرع نحو مكتبه عابرًا طريقه من جوارهما بضيق وغضب واضح. تعلقت عيون سميرة بـ أمير حتى اختفى تمامًا عن ناظريها لتتعجب من سبب نظرته الغاضبة نحوها وعبوره بهذه الصورة حتى أنه لم يلقي السلام كعادته. عبير باستنكار: غريبة... باشمهندس أمير ماله؟
لوح أحمد بلا مبالاة وهو يلتف ليجلس خلف مكتبه قائلًا. أحمد: وإيه الجديد ما هو بقى كده على طول. مش كده يا سميرة؟ انتبهت سميرة من شرودها برد فعل أمير لتجيب أحمد بذهن مشتت. سميرة: هاه... آه... يمكن! كان ردها غريب للغاية بل مبهم تمامًا وغير مفهوم بالمرة ليتعجب أحمد قائلًا. أحمد: هو إيه اللي يمكن؟ انتبهت سميرة لما تفوهت به لتردف بغموض. سميرة: ولا حاجة... ولا حاجة.
جلست سميرة خلف مكتبها تتابع التقارير التى وضعتها بالأمس ولم تنهها بعد حين سألتها عبير. عبير: سميرة... بقولك إيه؟ هو ينفع تبقى تيجي تعدي على ماما معايا في أي يوم؟ سميرة بتساؤل: خير يا عبير هي طنط عايزة مني حاجة؟ عبير: أبدًا يا سميرة بس مغلباني خالص في موضوع الدكتور ده مش حابة خالص تروح تكشف وأنا عارفة إنها بتحبك وإنتِ كمان ليكي طريقة كده ممكن تقنعيها بإسلوبك الحلو ده. سميرة: آه طبعًا... في أي وقت بكرة كويس؟
عبير: كويس خالص... معلش يا سميرة حـ أتعبك معايا. سميرة: ده كلام برضه... إنتِ عارفه إني بحب طنط أوي وإنتِ زي هيام وهبه. عبير بامتنان: حبيبتي تسلميلي. جلس أحمد خلف مكتبه بملل واضح ثم زفر بقوة وقد عقد ملامحه بضيق ملحوظ حين تذكر شيئًا قد نسيه تمامًا ليضرب جبهته بكفه. أحمد: أوووف... يااه... ده أنا لازم أطبع الورق ده وأديه لباشمهندس أمير ونسيت خالص. يا صباح العكننة على الصبح. سميرة: وإيه المشكلة؟
أحمد: مش شايفة مزاجه عامل إزاي. والواحد مش ناقص. وجدتها سميرة فرصة سانحة للذهاب إليه ومعرفة سبب غضبه ونظراته الغير مفهومة التى رمقها بها لتردف بذكاء. سميرة: عادي إنتَ لو حبيت أنا ممكن آخده منك لما تطبعه وأنا أديهوله. لو مش حابب تدخله إنتَ يعني. ابتسم أحمد ظنًا منه أن سميرة ستفعل ذلك لأجله فتملكته نشوة سعادة بعرضها. أحمد: وماله... يبقى كتر خيرك والله أجهزه وأديهولك. سميرة: تمام. مكتب أمير...
جلس أمير فوق مقعده بتوتر يحرك ساقيه بطريقة عصبية ويطرق بأطراف أصابعه فوق سطح المكتب بذات الوقت الذى دلف به أشرف إلى المكتب ليطمئن على حاله كعادته كل صباح. أشرف: أمير!! جيت إمتى؟ أمير بضيق: من شوية. أشرف: وعملت إيه طمني؟ رحت قدمت طلب في الأكاديمية بتاعة البحث العلمي ولا كسلت؟ أمير بضيق: رحت... وأخدت معاد كمان أسبوعين. بنظرات متسائلة عن سبب ضيقه الذي اعتراه بدلًا من فرحته بتحديد موعد لمناقشة ابتكاره المميز.
أشرف: كويس... أمال مالك شكلك مش مبسوط ليه؟ واحد تاني مكانك كان زمانه طاير من الفرحة. ده أخيرًا بعد ثلاث سنين حـ تقدم المشروع. ثبت أمير عيناه نحو أشرف ليُباغته بسؤال لم يتوقعه على الإطلاق واضعًا كل اهتماماته وبحثه وما وصل إليه جانبًا. أمير: هي سميرة وأحمد بينهم إيه؟ أشرف بتفاجئ: مين؟ زادت حدة أمير واتخذ صوته نبرة قوية منفعلة. أمير: سميرة وأحمد!!!!!!!! إيه جرى إيه يا أشرف... مش عارفهم؟
ضيق أشرف بين حاجبيه مستنكرًا عصبية أمير دون سبب. أشرف: جرى إيه... إيه يا أمير... إيه إللى معصبك كده دلوقتي؟ أنا معرفش عنهم حاجة... بس على كل الأحوال... سواء بينهم حاجة أو مفيش بينهم حاجة... إنتَ يهمك إيه؟ أمير باضطراب: ولا حاجة... اااا... بسأل بس. أشرف بصراحة: أمير... أنا حـ أسألك مباشرة من غير لف ولا دوران. إنتَ حبيتها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!