بعد مغادرة كرم، جلس الحاج سعيد وسط بناته وزوجته يقضون أمسية لطيفة يتابعون بها أحد الأفلام بالتلفاز لحين حضور هيام من بيت صديقتها. دَلَفت هيام لداخل شقتهم الواسعة لتبتسم لتلك الأسرة الدافئة الملتفة حول بعضهم البعض ثم قالت برضا: "ما شاء الله.. دة إنتوا كلكم قاعدين النهاردة." بمزاحها اللطيف المحبب لنفوسهم جميعًا أجابتها سميرة: "دة قَرّ دة ولا إيه.. تعالِ تعالِ أقعدي معانا."
أشارت سميرة إلى جوارها لتشاركهم هيام جلستهم وسهرتهم. "أه والله بقالنا فترة متجمعناش كلنا كده." "ربنا ما يحرمناش من بعض.. إيه يا حبيبتي روحتي لـ نورا؟ "أه لسه جايه من عندها أهو." تطلعت والدة هيام نحو زوجها بنظرة خاطفة وهى تستكمل سؤالها عن نورا: "ومبسوطة مع جوزها؟ "أه الحمد لله.. جوزها طيب وأهله طيبين." أعادت والدة هيام نظرها نحو زوجها كما لو أن هناك ما يخفونه عنها، لكنها عادت وتساءلت بما سبب الشك بنفس هيام:
"أه.. ما إحنا عارفينهم كويس.. وكلامهم ثقة.. مش كدة برضه يا حاج؟ "أيوة طبعًا." دارت هيام بعينيها بين والديها لتزداد الشكوك بداخلها، فهم بالتأكيد يخفون شيئًا عنها لتردف بفراسة: "مالكم.. فيه حاجة زي ما تكونوا عايزين تقولواها؟ "والله يا بنتي متقدم لك شاب النهاردة وكنا عايزين نسأل جوز صاحبتك عليه." تسارعت دقات قلبها بقوة، فهل صدق وفعلها حقًا؟ اضطربت بشدة وهي تتساءل بتلعثم: "مين.. مين دة؟ "واحد صاحبه اسمه كرم."
اتسعت ابتسامتها لتشق وجهها بقوة لتثير فضولهم، حتى أن عيونهم تساءلت عن سر ابتسامتها، فهي تبدو سعيدة لطلب هذا الشاب بخلاف من تقدم لها من قبل. "إنتِ تعرفيه يا هيام؟ لم يكن من طبعها الكذب لتجيبه بصدق تتصف به: "شُفته في فرح نورا.. وكام مرة كده يا بابا." "وإيه رأيك طيب طالما تعرفيه؟ "إللي حضرتك تشوفه." هللت والدة هيام بفرحة كما لو أنها تنتظر خبرًا مفرحًا كهذا:
"يا ريت يا حاج.. ونفرح بـ هيام بقى وعقبال إخواتها نطمن عليهم كلهم." رفعت سميرة حاجبيها باندهاش مصطنع: "دة إنتوا عايزين تخلصوا مننا كلنا بقى." ضربتها أمها بخفة على رأسها قائلة: "إسمها نفرح بيكم يا غلباوية إنتِ." "بس لازم نسأل عليه ونطمن الأول." "أه طبعًا.. ربنا يجعله من حظك ونصيبك.. دة حاجة كده تفرح وشكله ابن ناس ووحداني." اضطرابها الشديد شيء لم تعتاد عليه لتنهض هيام مستأذنة منهم وقد تورّد وجهها بحمرة خجل شديدة:
"طيب حـ أروح أنا أرتاح بقى." قفزت سميرة متعلقة بذراع هيام قائلة: "خديني معاكِ." لحقتهما هبه وسط ضحكات الجميع: "طب وأنا.. خدوني معاكم طيب." تلاحت الثلاث فتيات إلى غرفة هيام، بينما جلس الحاج سعيد وزوجته بمفردهما. "تفتكري خلاص ممكن ربنا يسهل لها جوازها بالسرعة دي؟ "تعبت أوى يا سعيد.. شقيت ياما شغل وقلة راحة.. آن الأوان نفرحها ونريحها بقى." "أيوه والله.. تعبت كتير من أيام ما كانت في الثانوي." "وأنا ارتحت له لما شفته."
"ربنا يقدم إللي فيه الخير." "يا رب." *** تجمع ثلاثتهن بغرفة هيام حين همت سميرة بإغلاق باب الغرفة من خلفها، ثم التفتت نحو هيام وهبه الجالستان فوق الفراش. "يلا يا حلوة قولي بقى وبالتفصيل المتفصل كده.. و فهمينا إيه الحكاية دي بالضبط؟ بطبعها الكتوم تهربت هيام من محاصرة سميرة لها قائلة: "ولا حكاية ولا حاجة.. مَتقلبوش دماغي." لوت سميرة حاجبيها لتنظر بنظرة كاشفة نحو أختها قائلة بتهكم:
"عليا أنا برضه.. وهو إنتِ كنتِ بتوافقي على حد أصلًا.. دة حدث تاريخي ولازم نفهم.. صح يا هبه ولا إيه؟ تربعت هبه فوق الفراش قائلة بحماس: "مظبوط." قرصتها هيام من أذنها بمزاح: "وإنتِ إيه إللي حشرك إنتِ كمان؟ "لا اااا.. أنا مبقتش صغيرة وداخله على كلية السنة اللي جايه." "طب خلاص بقى.. بلاش شغل المخبرين إللي إنتوا فيه ده وروحوا أوضتكم."
ليست معتادة بأن تكشف خبايا قلبها لأحد، لتصر هيام على التهرب، لكن سميرة لا تتراجع بتلك السهولة، فهي بها الكثير من العناد كـ هيام بالضبط. جلست سميرة بمواجهة هيام ثم قالت بإصرار: "لأ.. فيها لا أخفيها." "أوووه.. مش حـ أخلص منكم أنا عارفه." "أيوة." لم تجد هيام بُدًا من أن توضح لهم الأمر، لكن ستحتفظ لنفسها بكافة التفاصيل، فقط ستعطيهن الخطوط العريضة.
"هاه.. الأمر لله.. فاكرة فرح نورا.. مش قلت لك إني خبطت في واحد وقعت عليه كأس الشربات." "ااه.. الأتوبيس." "هو ده.. اِرتَحتِ؟ ضحكت سميرة مقهقه ثم عقبت بسخرية مازحة: "دي الحادثة كان ليها آثار جانبية بقى." "مش ناقصة خفة." "لا والله.. شكلك جبتيه على بوزة." برفض لتلك الطريقة السوقية بالحديث: "يا بنتي اِعدلي كلامك ده.. خليكِ رقيقة كده." "الصراحة.. إنتِ أخدتي الرقة كلها وإحنا طلعنا كده."
ضحكوا جميعًا، وأخيرًا ستدق أبواق الفرح أبواب هذا البيت. يمر الليل السعيد ليأتي صباح يوم جديد ملئ بالفرحة والترقب. *** المعمل. كـ يوم اعتيادي للغاية بدأت سميرة عملها بمراجعة بعض التقارير، ثم دلفت للمعمل للقيام ببعض الفحوصات لبعض العينات، حين أقبل أشرف نحو سميرة متسائلًا: "آنسة سميرة.. ممكن أعرف رأيك في كلام امبارح؟ اعتدلت سميرة باهتمام تجاه أشرف ثم سألته: "أنا فعلًا كنت عايزة أفهم قصد حضرتك إيه بالضبط؟ "يعني مهتمة؟
"أكيد طبعًا." "طيب اتفضلي اقعدي." جلست سميرة أمام طاولة المعمل الخاصة بـ أشرف تستمع بإنصات له. "أمير إنسان طيب جدًا.. ووحيد جدًا.. وبالنسبة لي عشرة عمر وأكتر من أخ.. وطبعًا يهمني إني أشوفه سعيد وإنه يخرج من أزمته ويرجع زي الأول.. وده اللي أنا شفته بيحصل في وجودك.. لكن كان لازم أتأكد في الأول من إحساسك ناحيته وإنك مش ممكن تأذيه وتكوني سبب في تعاسته." "أنا.. لأ طبعًا.. عمري ما أكون سبب في ده أبدًا."
"كويس أوي.. أمير كان بيمر بأزمة نفسية خصوصًا إنه عايش لوحده بعد وفاة والده ووالدته.. وده خلاه زي ما إنتِ شايفة عصبي ومتوتر طول الوقت." أومأت سميرة بالتفهم حين أردفت بتوضيح: "أنا عرفت ده.. عشان كده كان هدفي إني أطلعه من القوقعة الحزينة اللي هو عايش فيها." "طريقتك فعلًا جابت نتيجة.. ده غير إني شايف قد إيه هو معجب بيكي." خجلت سميرة من ذكر ذلك لتُنكس عينيها قليلًا قائلة: "حضرتك شايف كده؟
"أيوة.. بس ممكن بصراحة أعرف لو كنتِ إنتِ كمان بتبادليه الشعور ده؟ "ا.. أيوة." رُسِمت بسمة خفيفة فوق ثغره ليردف بحنكة رجل ذو خبرة وفراسة: "يبقى دلوقتي لازم نفوق أمير عشان ينسى كل اللي فات ويفكر لقدام." "طب أعمل إيه؟ أوضح أشرف ما يفكر به لـ سميرة حتى تسير على خطواته في مساعدة أمير بالتعبير عن مشاعره وخروجه من تلك الأزمة.
"أنا اللي حـ آخد الخطوة دي.. لازم أفهمه إن أحمد طالب يتجوزك وإنك ممكن توافقي يمكن ساعتها يبدأ ياخد الخطوة دي ويقرب منك." "فكرة كويسة أوي." "وعليكِ إنتِ بقى تتجنبيه اليومين دول عشان هو كمان يتأكد إنه مش قادر يستغنى عنك ولازم ياخد الخطوة دي عشان متضيعيش من إيده." "اِعتبره حصل." ***
منذ لقاء سميرة بـ أشرف واتفاقهم على أن تتجنب سميرة لقاءها بـ أمير مرت عدة أيام، كانت تتعمد الوصول متأخرة إلى المعمل لتضمن وصوله قبلها وتُشغل نفسها بداخل المعمل الكبير حتى نهاية اليوم، فلا تتوفر أي فرصة لرؤيته مطلقًا حتى يحين موعد انصرافها. *** المدرسة. جلست هيام بغرفة المعلمات في انتظار انتهاء الحصة لتحضر نفسها للحصة التالية، حين حضرت نورا بضحكتها المعتادة مقبلة عليهم بسعادة بالغة لتتفاجئ هيام بوجودها اليوم بالمدرسة.
"نورا.. وحشتيني." "إنتِ أكتر يا هيام.. ازيك يا أبلة سعاد أخبارك إيه؟ "الحمد لله حبيبتي.. ألف مبروك إيه خلاص نويتي ترجعي الشغل بقى؟ "لأ.. دة أنا جايه أقدم على إجازة بدون مرتب أصلي حـ أسافر مع جوزي." "ربنا يوفقك." "تعالي.. أقعدي." جلست نورا إلى جوار هيام بنفس مقعدها القديم بغرفة المعلمات، لتتنهد قليلاً تأثرًا بتركها المكان، لتردف بتأثر: "حـ يوحشني المكان هنا أوي يا هيام." لتجيبها هيام بصوت عقلاني طالما
احتاجته نورا برفقتها: "بس إنتِ أخدتي القرار الصح." غمزت نورا بعينها وهي تعقب: "ما يمكن تحصليني ولا إيه؟ حركت هيام رأسها يمينًا ويسارًا مردفة بتهكم: "طفلة والله." ضمت نورا شفتيها وهي تحاول التحلي ببعض الجدية ثم قالت: "كنت عايزة أقولك حاجة." "قولي." "أمجد كان عندي امبارح.. وقلت له إن كرم اتقدم لك." "وبعدين؟ "هو زعل شوية وسابني ومشى.. بس متقلقيش حـ يتقبل الأمور بس لما يعدي شوية وقت." "إن شاء الله."
نهضت نورا من مقعدها حتى تستكمل ما جاءت من أجله أولاً: "أنا حـ أروح بقى أقدم الطلب بتاعي وأرجع لك تكوني خلصتي الحصص بتاعتك نروح سوا." "ماشي حـ أستناكي." *** بيت والد ياسر. بحفاوة بهذا الكهل طيب القلب، فلهم معرفة ببعضهم البعض بعد خطبة نورا لـ ياسر، رحب والد ياسر بالحاج سعيد حينما أتى لزيارتهم بتلك الزيارة غير المتوقعة. "أهلًا أهلًا اتفضل يا حاج سعيد." "معلش بقى زيارة على غفلة كده." "دة إنتَ تشرفنا.. يا أهلًا وسهلًا."
جلس الحاج سعيد وهو يشعر ببعض الإعياء لا يدرك سببه بعد. "الله يكرمك.. والله أنا كنت جايلكم في سؤال وعارف إن شاء الله إنكم حـ تدلوني على الصح." "أه طبعًا تحت أمرك." أغمض الحاج سعيد عينيه لوهلة يخفي بها هذا الألم الذي حل بصدره منذ الصباح، ثم أكمل: "والله كنت عايز أعرف رأيكم في كرم صاحب ياسر أصله متقدم لـ هيام بنتي." كان الرد تلك المرة من ياسر نفسه، فهو أكثر من يدلهم على طبع هذا الشخص ولن يخفي عنهم أمرًا.
"والله يا عمي كرم من عشرة أكتر من سنة مع بعض.. إنسان خلوق وممتاز من كل حاجة وعنده شغله الخاص ووضعه المادي فوق الممتاز." "والله يا حاج سعيد أنا لما شفته وشفت تصرفاته من يوم فرح ياسر وشايفه إنسان أخلاق ومحترم." وضع الحاج سعيد كفه فوق صدره من الألم، بينما ظن البقية أنها احتفاء بهم وبما أخبروه. "الله يطمن قلوبكم.. أنا حـ أستأذن بقى أروح أرتاح شوية." وجهه المكفهر جعل والد ياسر يردد بقلق: "إنتَ كويس شكلك تعبان."
"مرهق شوية بس." "ألف سلامة يا حاج." التفت الحاج سعيد تجاه ياسر قائلاً: "اِبقى كلم كرم بقى يا ياسر وخليه ييجي البيت بعد العشاء أنا مستنيه." "أكيد يا حاج حـ أكلمه طبعًا.. شرفت ونورت." أوصل ياسر ووالده الحاج سعيد لباب البيت ليغادر منصرفًا لبيته مباشرة ليرتاح قليلاً من إرهاقه هذا اليوم، فلابد أن يتم خطبة هيام كما يتمنى. *** أمجد. لم يكن الخبر سعيدًا مطلقًا على مسامعه، فكيف يتقبل مجرد فكرة بأن هيام ليست له؟
جلس وحيدًا بين جدران غرفته، فمنذ الأمس يشعر بأن روحه تزهق منه ببطء شديد. هل هذه هي النهاية؟ هل ضاع حلمه إلى الأبد؟ هل بتلك السهولة أصبحت هيام ملكًا لغيره؟ لكن لا.. لن تكون هذه نهاية عشقه المشتعل لهذه الفتاة التي سلبت روحه قبل قلبه. سنوات وسنوات وهو يراها أمام عيناه يزداد حبه وعشقه لها بقلبه، أيتنازل عنها بهذه السهولة؟
"هيام بتاعتي أنا.. محدش حـ يقدر ياخدها مني.. دي ملكي أنا لوحدي.. تحبني أنا بس.. مش ممكن أسيبها له.. مش ممكن بالسهولة دي أخرج حبها من جوة قلبي.. إزاي.. إزاي تعملي فيا كده يا هيام.. إزاي تضحي بقلبي اللي بيعشقك.. إزاي أهون عليكِ بالشكل ده.. ده أنا محبتش في الدنيا غيرك.. مش شايف غيرك في الدنيا يملي عيني وقلبي." *** شقة ياسر.
بالتأكيد سيكون هو من يزف هذا الخبر السعيد لصديقه، ليسرع ياسر بالاتصال بـ كرم ليبلغه بأن الحاج سعيد يريد لقاءه اليوم بعد صلاة العشاء. "ألو.. كرم.. أخبارك إيه؟ "قاعد ألف بالعربية يا أخويا.. مش عارف أروح فين." "غريبة مع إنك عرفت حاجات كتير في البلد أهو." بتعجب من ظن ياسر له، فهو بالفعل لا يدري عن تلك البلدة الكبيرة شيئًا. "فين ده؟!!! ده أنا مش عارف غير بيتكم ومدرسة هيام." بتلقائية أجابه ياسر مباشرة كعادته:
"على سيرة هيام.. الحاج سعيد كان عندنا ولسه نازل وعاوزك تروح له النهاردة." "ياااه أخيرًا." "اللي يصبر ينول.. شفت بقى مصر حلوة إزاي." قالها ياسر بمكر لما يحدث مع صديقه الذي كان يرفض تلك الزيارة. "مصر دي طلعت أحلى حاجة في الدنيا." "طيب لما تروح للحاج سعيد ابقى تعالى نسهر مع بعض شوية." "حـ أحاول كده.. ادعي إنتَ بس يقولي حاجة تفرحني." "يا رب يا كرم.. عمومًا ابقى طمني." "أكيد إن شاء الله."
خبر مفرح للغاية تفاجأ به اليوم، فلم يكن يظن أن تلك الزيارة كانت سببًا لسعادته التي تملأ قلبه الآن. تجول كثيرًا بسيارته المستأجرة وأحضر بعضًا من الحلويات والشيكولاتة الفاخرة كهدية بسيطة لزيارته هذا المساء، كما أحضر باقة رائعة من ورد الجوري مغلفة بإطار أبيض كبير أعطاها رونقًا بهيجًا مثل روحه في هذه اللحظة. *** هيام.
بعد نهاية يومها الدراسي خرجت هيام مع نورا لتتجه كلا في طريقها، فـ هيام اضطرت للعودة مرة أخرى لأحد الدروس الخصوصية التي تقوم بتدريسها لأنها قد ألغت بعض الحصص منذ عدة أيام ويجب تعويضها اليوم، بينما توجهت نورا مباشرة إلى بيتها. *** المعمل. عدة أيام مرت دون رؤيتها، كان ذلك سببًا كافيًا لشعوره بالضيق والتوتر، ليتساءل في نفسه: "يا ترى مشغولة عني بإيه.. ولا أنا اللي مكبر الموضوع؟ طرق أشرف الباب قبل دخوله مباشرة إلى المكتب.
"مشغول؟ "لأ أبدًا.. تعالى." "أصل أنا خلصت شغل المعمل قلت آجي أقعد معاك شوية." "أه.. طبعًا طبعًا.. تعالى نطلب قهوة من عم فتحي ونقعد سوا." تلك فرصة جيدة تمامًا وعليه استغلالها، فـ أمير على ما يبدو أنه قلق ومضطرب جدًا لغياب سميرة عنه، ليبدأ أشرف محاورته يستدرجه بحديثه لما يود الوصول إليه. "مفيش أخبار من اللجنة عشان البحث؟ "لسه." تفحص أشرف توتر أمير بطرف عيناه ليردف بطريقة ماكرة للغاية:
"سمعت اللي حصل.. أتاريك فيك شيء لله." "خير.. تقصد؟ أشرف يتحدث بتلك النبرة التشويقية لإثارة انتباهه الكامل. "مش أحمد طلب إيد سميرة؟ اتسعت عينا أمير بصدمة لينتفض متأهبًا وهو يحملق بـ أشرف دون رد، لتزداد ضربات قلبه انفعالًا وهو يردف بحلق جاف: "و.. وهي.. وافقت؟ "تقريبًا.. مش متأكد بصراحة." انفعل أمير بقوة وهو يردف بحدة: "يعني أه ولا لأ؟ أجابه أشرف بهدوء تام يريد به اكتشاف ما بداخل صديقه: "وإنتَ متضايق ليه؟
"مفيش.. عايز أعرف بس." "سميرة بنت ممتازة وتستاهل كل خير.. وأحمد برضه.. ربنا يوفقهم." هب أمير واقفًا يرفض بصورة قاطعة ما يمليه عليه صديقه. "إنتَ بتقول إيه!!!!! .. لأ.. لا يمكن." وقف أشرف بمواجهة أمير يكشفه أمام نفسه أولًا: "لأ يمكن ليه.. إنتَ زعلان إنهم ممكن يتجوزوا؟ "إنتَ مش فاهم.. مش فاهم." عقد أشرف ذراعيه أمام صدره متسائلًا بأعين مدققة بإنفعال أمير: "فهمّني."
تنهد أمير بقوة وهو يحاول السيطرة على انفعاله، محاولًا الجلوس ببطء فوق المقعد المجاور لـ أشرف. "مش عارف.. بس مش عاوزها تعرف أو تكلم حد.. بتضايق لما بشوفهم بيتكلموا مع بعض.. بتخنق لو يوم مشوفتهاش أو إني متكلمش معاها." "حبيتها يا أمير؟ "مش عارف.. بس مش عايزها تضيع مني." وضع أشرف كفه فوق كتف أمير ينصحه بإخلاص ومحبة حقيقية: "تبقى نصيحتي ليك.. اتكلم معاها وصارحها قبل ما تطير من إيدك.. الموضوع دخل في الجد.. ده جواز."
هام أمير بشرود مرددًا بتخوف حين انتبه لحديث أشرف: "تضيع مني!!! .. إنتَ شايف كده؟ .. أنا مش حـ أقدر أعمل كده." "عمومًا الأمور قدامك.. يا تصارحها وتختار.. يا تسيبها ومتفكرش فيها تاني.. خليها تشوف حياتها.. وتحب وتتحب وتتجوز." تركه أشرف بين حيرة قلبه وعقله الذي يجب أن يحسم أمره بينهما في ذلك الجدال القاسي. أيصارحها بحبه أم يظل هائمًا في ظلمات قسوته الزائفة ورفضه لحياة جديدة وارتباطه بالماضي إلى الأبد. ***
بالمكتب الخارجي للمعمل. وضعت عبير قبضتها فوق خدها بحزن وهي تحدث سميرة: "أنا تعبت والله.. لفيت كتير أوي على دكاترة لماما من يوم ما كنتِ عندنا وبرضه لسه تعبانة." "اممم.. طيب أنا حـ أسألك هيام على دكتور كويس هي بتعرف أسماء دكاترة كويسين.. وابقى أجيب لك اسمه وعنوانه." "أه والله.. يبقى كتر خيرك." تطلعت سميرة بساعة يدها الصغيرة تتابع وقت انصرافهم الذي قد أوشك. "شكلك مطولة النهاردة.. مش حـ تمشي ولا إيه؟
"أه ثواني بس.. أجيب شنطتي ونمشي." *** بيت الحاج سعيد. تأنق كرم بحلته الرمادية ساحرًا للأعين، لكن لم يكن السر في وسامته ولا طوله الفارغ ولا بملبسه الأنيق باهظ الثمن، بل كانت سعادته الظاهرة على محياه وبريق عينيه الغامضات لهذه السعادة. طرق باب الشقة بموعده المحدد كما طلب والدها اليوم لتقابله والدة هيام بترحيب شديد. "أهلًا وسهلًا يا ابني اتفضل." "شكرًا لحضرتك."
دلف كرم بهدوء من خلف والدة هيام التي أوصلته إلى تلك الغرفة المنمقة المسماة بالصالون، تلك التي أُعدت خصيصًا لاستقبال الضيوف. "اقعد يا كرم يا ابني وأنا حـ أدخل أنادي لك عم سعيد." أومأ كرم بابتسامة خفيفة لتلك السيدة: "اتفضلي حضرتك."
فور أن غابت والدة هيام لتُطلع زوجها بمجيء العريس المنتظر بتلك الزيارة التي يتحمس لها الجميع، أقبلت هبه تخطو بخطوات متسللة على أطراف أصابعها باختلاس نحو غرفة الصالون لتسترق النظر لعريس أختها. وقعت عينا كرم على تلك الفتاة التي تسترق النظر إليه ليفاجئ بفتاة تشبه هيام لكنها تميل إلى الطفولة أكثر، ليست كمثل هيام ساحرته. ابتسم كرم: "إنتِ أخت هيام؟ تلفتت هبه حولها ثم قالت بهمس: "إششش.. بس حـ تفضحنا؟ "ليه بس.. عملت إيه؟
"بابا لو شافني هنا حـ يزعق لي وأنا عايزة أتفرج." اتسعت عينا كرم بدهشة وضحك بذات الوقت، فهي طريفة للغاية. "تتفرجي على إيه؟ سمعت هبه صوت من خلفها لتنتفض بفزع من مكانها تتلفت نحو مصدر الصوت لتجدها سميرة وقد عادت من عملها متأخرة لشراء بعض احتياجات المنزل عند عودتها. "بتعملي إيه هنا؟ أخذت هبه تخفي فمها بأصابعها وهي تنهر سميرة بهمس متخوف: "لأاااا.. إنتوا غاويين فضايح بقى وحتودوني في داهية." "ليه.. ها.. ليه؟
"العريس في الصالون." فور سماعها لتلك العبارة تركت سميرة ما بيدها لتتسلل خلسة هي أيضًا لتدنو بأطراف أصابعها كما فعلت هبه من قبل. "اِحلَفي." ازداد اندهاش كرم لرؤيته نسخة ثانية من هيام، لكن بالطبع هيام أجمل وأكثر نضجًا وأنوثة منهما، ليعقب بدهشة: "لأ بقى إنتوا كام واحدة؟ رفعت سميرة كفيها تلوح بهما من أمامها وهي تضم شفتيها بطريقة طريفة للغاية: "لأ خلاص كده.. أنا سميرة ودي هبه." "اِتشرفنا والله."
جاء صوت والدتهم من خلفهم تنهرهم بحدة لتصرفاتهم المخجلة الطفولية لهم. "إنتوا واقفين بتعملوا إيه!!!! .. اِمشوا على جوه يلا." أسرعت هبه تلحقها سميرة نحو الداخل، في حين خرج والد هيام من غرفته يسير ببطء وتثاقل، أثناء اعتذار والدة هيام من كرم عما فعلته ابنتيها. "معلش يا ابني.. الاتنين دول دماغهم مش فيهم طول الوقت كده.. هو إحنا خلّفنا عقل وهدوء زي هيام ربنا يبارك فيها." "لأ طبعًا يا طنط دول إخواتي براحتهم خالص."
تساءل الحاج سعيد عما حدث سبب اعتذار زوجته. "إيه اللي حصل؟ "لأ أبدًا." دنا الحاج سعيد من كرم مصافحًا إياه شاحب الوجه يشعر بوهن شديد. "أهلًا يا كرم يا ابني.. اتفضل استريح." "أنا جيت في معادي يا عمي ويا رب يكون الرد خير." "خير إن شاء الله.. أنا سألت وارتحت في السؤال والله.. وإن شاء الله أنا وهيام وأمها موافقين." تهدج صدر كرم بسعادة لتنفرج شفتيه عن ابتسامة عريضة للغاية قائلاً:
"أنا مش مصدق يا عمي.. الحمد لله.. إن شاء الله حـ أكون قد كلمتي وعمري ما حـ أزعلها ولا حـ أخليها محتاجة أي حاجة في الدنيا." تقطع صوت الحاج سعيد الواهن وهو يشعر بثقل أنفاسه. "ده.. العشم.. فيك.. يا.. ابني." لاحظ كرم تحول وجه الحاج سعيد الشاحب إلى اللون الأزرق وبدأت أنفاسه تتقطع بألم. "عمي.. إنتَ كويس؟ ويبقى للأحداث بقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!