تحميل رواية لحظات منسيه بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تضاحك الأطفال ويمرحون في الفناء، وآخرون يلعبون ويتدافعون بسعادة في يوم تقليدي معتاد بمدرستهم الابتدائية. جلس المعلمون بغرفهم كوقت مستقطع لراحتهم وسط هذا اليوم الدراسي. توسطت غرفة المعلمين منضدة خشبية طويلة، وعليها العديد من الدفاتر والأقلام، بعضها موضوع بترتيب وأخرى موضوعة بعشوائية. أقبلت إحداهن وهي تضع بعض الدفاتر على المنضدة بإرهاق. سعاد: أوووف، توب علينا بقى يا رب من الشغلانة دي. الواحد قرف. لترد الأخرى بنفس الملل. نهلة: بهدلة وقرف، ومقالناش إسبوعين في الدراسة. سعاد بسخرية ناظرة نحو إحدى المق...
رواية لحظات منسيه الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم قوت القلوب
بعض الأمور نتمنى لو كانت مجرد حُلمًا عابرًا بحياتنا، فبعض الحقائق لا تصدق أحيانًا...
استقلت هيام السيارة برفقة كرم ليعودا إلى الحي الذي يقطنان به ليلتمسا بعض الراحة بعد قضاء ليل مؤلم طويل للغاية.
نورا...
استيقظت نورا مبكرًا لتجد ياسر ما زال يغط في نوم عميق، فقررت أن تقضي بعض الوقت مع والدة ياسر فهي من محبي الاستيقاظ مبكرًا كما تعلم عنها لحين استيقاظ ياسر من النوم فهي لا تريد إزعاجه.
نورا: صباح الخير...
بلطف أجابتها والدة ياسر بخلاف ما عهدته منها.
أم ياسر: صباح الخير يا نورا... عامله إيه النهاردة...؟؟!
نورا: اتحسنت خالص والله يا طنط.
طريقتها العفوية شعرت بها والدة ياسر لتدرك مدى خطأها بحق تلك الفتاة التي لم تُعطِها الفرصة منذ خطبتها لـياسر لتردف بحنو.
أم ياسر: قوليلي يا ماما... مش خلاص أنا بقيت زي ماما...؟؟!!
نورا: طبعًا والله... حضرتك بس إللي مكنتيش بتحبي أقولك كده.
تنهدت والدة ياسر ثم زفرت بقوة فقد أدركت خطأها حقًا لتردف بنبرة معتذرة.
أم ياسر: عشان كنت فاهماكِ غلط.. والله يسامحها بقى واضحة أختي وبنتها كانوا دايما بيشعلولوها جوايا من ناحيتك... بس لما قربت منك لقيتك طيبة وتستاهلي كل خير.
بمزاح لطيف وعفوية تتسم بها عقت نورا.
نورا: ولسه... ده أنا حـأبهرك.
أم ياسر ضاحكة: طالما إبني مبسوط... أنا يهمني إيه تاني... ربنا يهدي سِركم ويبعد عنكم ولاد الحرام.
نورا: آمين يارب.
بوجه ممتعض قليلًا عندما انتبهت والدة ياسر تساءلت بفضول.
أم ياسر: أُمال صاحية النهاردة بدري ليه كده..؟؟!
نورا: هيام صاحبتي باباها كان تعبان أوي إمبارح ودخل المستشفى... كنت عايزة أتصل بيها أطمن عليه بس قلت آجي أصبح عليكم الأول عارفة إنكم بتصحوا بدري.
أم ياسر: يسعد صباحك يا بنتي... طيب كلميها اطمني عليها.
نورا: أحضر الفطار الأول وأكلمها.
أم ياسر: وأنا حـآجي أحضر معاكِ... يلا بينا.
دلفت نورا ووالدة ياسر إلى المطبخ لتحضير الفطور ليفطروا سويًا اليوم لتتقرب نورا أكثر من أهل ياسر ليتجاوزوا ما حدث معهم بسبب خالتها وابنتها.
كرم وهيام...
إحساس هيام بالإرهاق مما حدث في الليلة الماضية جعلها بمجرد جلوسها على مقعد السيارة تميل إلى جانب النافذة لتستند عليها مغمضة عينيها بتعب.
كان كرم ينظر إليها بين الحين والآخر فيرى كم هي بريئة وحساسة بشكل ملفت حتى لو أظهرت عكس ذلك من قوة وصلابة، لاحظ كيف أن مرض والدها قد أثر بها بشكل كبير.
أراد التحدث معها لكن لا يجد الكلمات لتعبر عما في داخله وقرر تركها لترتاح قليلًا.
أحس لو استطاع أن يضمها بين ذراعيه ليخفف عنها تعبها وحزنها لكنه لا يستطيع.
وأخذ يفكر أنه لولا مرض والدها لكان الآن يجمعهما إعلان لارتباطهما أمام العالم بأسره.
وللأسف انتهى الطريق بسرعة ليصلوا أمام بيت الحاج سعيد.
أوقف كرم السيارة أمام المنزل لينظر إليها بابتسامة مرهقة.
فتحت هيام عينيها بثقل عندما توقفت السيارة ناظرة نحو المنزل ثم أدارت وجهها باتجاه كرم.
كرم: حمد الله على السلامة.
هيام: شكرًا بجد.. إنتَ تعبت معانا جدًا من إمبارح.
للمرة الثانية يستنكر كرم طريقة هيام بإعتبارها له غريب عنها ليردف معاتبًا إياها.
كرم: هيام...!! من النهاردة خلاص بقينا أنا وإنتِ حاجة واحدة... مفيش حاجة في الدنيا حـتقدر تبعدنا عن بعض وإللي في يوم حـيتعبك حـيتعبني... وإللي يزعلك يقتلني فبلاش تشكريني على حاجة لازم أعملها وتحطي ما بينا حواجز إحنا لسه في أول الطريق... ودي أقل حاجة أعملها معاكِ ومع أهلك.
كيف يستطيع التعبير عما بداخله بتلك الطريقة الحنونة، هكذا تساءلت بداخل نفسها لكنها تيقنت بشيء واحد أنها بالفعل تشعر بالراحة بقربه لتردف بإندهاش.
هيام: كل ده....!!!
كرم: دي أقل حاجة... اصبري عليّا بس.
تهدج صدرها بقوة بتلك اللحظة لترتفع دقات قلبها الذي لم تسمح له من قبل بخوض تلك المشاعر بالماضي، لم تجد سوى التهرب طريقًا سائغًا بدلًا من بقائها معه.
هيام: طيب أنا حـأنزل بقى وأطلع أنام أحسن أنا حـأموت وأنام.
كرم: ومين سِمعِك... أنا مش حـأصحى غير بالليل.
أجابها ممازحًا لتجيبه بمزاح مماثل.
هيام: إذا كان كده... تصبح على خير بالليل طيب.
كرم: خدي بالك من نفسك.
ابتسمت له هيام ابتسامة خجولة ثم فتحت الباب وترجلت من السيارة.
كان يود لو يمد يده ويأخذها بعيدًا عن أعين الناس جميعًا ويعيش معها أجمل اللحظات فقط هما الإثنان دون غيرهما، كل مرة يتقرب منها يشعر بعشق كبير يتوغل بقلبه لا يود سوى البقاء معها هي فقط.
ظل يراقبها بعينيه حتى رآها تفتح البوابة الكبيرة للبيت وتلج منها للداخل ليطمئن قلبه منصرفًا بسيارته حيث البناية القريبة التي يسكن بها.
هيام...
كادت تحلِّق من فرط سعادتها بكلمات كرم وعشقه لها فلم تكن تتوقع أن يحبُها أحدهم بمثل هذا الحب، والأغرب لم تتوقع وقوعها هي ببحور العشق هائمة فيها.
تحركت نحو الداخل سارحة بأفكارها تتحرك آليًا نحو الأعلى.
استحوذ كرم على تفكيرها بصورة غريبة على قلبها وفِكرِها في هذا الوقت القصير.
وبآلية تعودت عليها مدت يدها إلى داخل حقيبتها السوداء باحثة عن مفتاح الشقة حتى وجدته وسرعان ما وضعته بباب الشقة لفتح الباب فقد تمكن الإرهاق وقلة النوم منها.
في نفس الوقت...
انتظر أمجد هيام لوقت طويل ظنًا منه أنها ما زالت بالمنزل وحان موعد ذهابها إلى العمل، لكنه فوجئ بوصول سيارة غريمه الذي سرق منه حُبه الأبدي.. هيام.
مجرد رؤيتها معه آتية من مكان ما بهذا الوقت من الصباح جعله يشعر بثورة أطاحت بعقلانيته فهو يغار على حبيبته التي يسرقها منه هذا المتطفل.
أمجد: "بقى هو يركب معاها العربية ويقعد معاها ويتكلم معاها وأنا أبقى بعيد كده..."
قالها أمجد لنفسه ناظرًا نحوهم بغيرةٍ طغت على جميع ملامحه وسيطرت على عقله المتيم بهذه الفتاة بشكل كامل.
أمجد: "لا يمكن... لا يمكن تاخدها مني بالسهولة دي... دي حُب عمري... يجي واحد زيك ياخدها مني.... وإنتِ يا هيام... كده تضحكي له وتسيبيني.... تسيبي أمجد إللي حبك ومشفش في الدنيا غيرك...."
نظر أمجد نحوهما بغيظ حين رآهما يتكلمان سويًا ويعلو شَفَتَيْ هيام الرائعة ابتسامة ساحرة طالما تمنى أن تبتسم له مثل هذه الابتسامة.
رأى كرم ينظر إلى هيام بعشقٍ واضح بنظراته وطريقة حديثه إليها.
ترجلت هيام من السيارة وسارت نحو بوابة البيت، كانت تخطو خطواتها بمنتهى الرقة والأنوثة الطاغية، ها هي تمر من أمامه دون أن تراه، وكأنه تلاشى من الوجود، لم تشعر به إطلاقًا سارحة مبتسمة.
وجه أمجد نَظَرَه نحو كرم الجالس بسيارته والذي كان ينظر إلى هيام بوله عاشق متيم بحُسنها وجمالها مما أثار لديه رغبة في الإنتقام منه وإبعاده بأي شكل عن طريق هيام.
وتحول عشقه لـهيام بهذه اللحظة إلى حب للتملك ورغبة في التقرب من هيام بأي صورة وبأي ثمن كان.
أمجد: "هيام دي بتاعتي أنا لوحدي... لا يمكن تبقى لغيري أبدًا... مفيش قدامي غير حل واحد ساعتها هيام حـتوافق تتجوزني أنا... أنا وبس... أنا عارف إنها حـتزعل دلوقتي بس حـتسامحني بعدين... خصوصًا لما تعرف قد إيه أنا بحبها... سامحيني.... سامحيني يا هيام.... معنديش حل تاني... إنتِ إللي أجبرتيني على كده."
انتظر أمجد مغادرة كرم متوجهًا نحو شقته بالحي ليلحق أمجد بـهيام صاعدًا إلى الأعلى وهو يخطط لما سيقوم به من فكرة شيطانية تملكته بالاعتداء على هيام حتى لا تستطيع رفض الزواج منه بعد الآن.
تابع بعينيه الجاحظتَيْنِ هيام وقد فتحت باب الشقة وما زالت واقفة أمام الباب.
بذات اللحظة شعرت هيام بأن هناك شخص ما يلحق بها لكنها قبل أن تستدير لترى من هذا الشخص، كان أمجد أسرع منها ودفعها إلى الداخل بعنف من ظهرها وأغلق الباب بقوة من خلفه.
ارتمت هيام من دفعة أمجد باتجاه إحدى المقاعد بالصالة ثم استدارت برأسها لترى من دفعها بهذه الصورة وماذا يريد منها..؟؟؟
ظنت لوهلة أنه ربما يكون لص أتى للسرقة، لكن ازداد إندهاشها حين رأت أمجد يقف أمامها وتعلو عيناه نظرة شرسة بعدما أغلق الباب بهذا العنف.
هيام بصدمة: أمجد...؟؟! !!!!! إنتَ إيه إللي جابك هنا.... وعايز إيه...؟؟!
لمعَتْ عينا أمجد ببريق هادر ونظرات تملؤها الرغبة والإنفعال جعل تنفسه غير منتظم ناظرًا نحوها بعيون متفرسة وهو يتقدم ببطء نحو هيام.
أمجد: حـأكون عايز إيه... إنتِ طبعًا... عايزك إنتِ..!!
هيام باستنكار: إيه...؟!!
لم يجبها أمجد واندفع نحوها محاولًا تكبيل يديها لتثبيتها بقوة، حاولت التملص من قبضتيه القويتَيْنِ محاولة أن تُحرك يديها في جميع الاتجاهات تجاهد للدفع به بعيدًا عنها.
ظلت تدفعه وتضربه وتركله بكلتا قدميها حتى ابتعد عنها مترنحًا إلى الخلف لعدة خطوات لتظن أنها قد تغلبت عليه، نهضت بسرعة راكضة نحو الغرفة تتمنى لو تصل إليها وتغلق الباب عليها هربًا منه.
لكنه كان أسرع وأقوى منها فأمسكها من ذراعها وألقى بها بقوة فوق الأريكة الكبيرة.
حاولت أن تنهض لتخلص نفسها منه، لكنه ألقى بجسده فوقها وأمسك يديها بيديه القويتَيْنِ فلم تستطع أن تُخلص يديها منه.
لكن على الرغم من ضعفها إلا أنها تحلت بالقوة فلن ترضخ لهذا الذئب الشرس بسهولة.
هيام بحدة: بس يا أمجد إنتَ اتجننت ولا إيه..... ابعد عني بقولك....!!!!
أمجد: أبعد...!!!! ... ده أنا ما صدقت بقيتي بين إيديا.
حاول أن يقبّلها بالقوة لكنها كانت تتحرك بحركات مستمرة صارخة بإستماتة كمحاولة منها بأن تستنجد بأي شخص ربما يستطيع سماعها.
اصطدم رأسها أكثر من مرة بحافة الأريكة الخشبية وهي تحاول التخلص منه وظلت تدور برأسها يمينًا ويسارًا تحاول الابتعاد عن أمجد ووحشيته.
حاولت ركلَه عدة مرات لكنه كان ثقيل جدًا وقد ألقى بجسده فوقها فلم تستطع الفرار منه لم تجد سوى غريزة الأنثى الباقية.. البكاء.. ففي هذا الموقف لم يعد سوى نهاية معروفة ومحتومة.
أخذ أمجد يحاول بإستماتة حتى ترضخ له هيام لأنه لن يجد سوى هذه الفرصة ليمتلكها خاصة ببُعد والديها وأخواتها عن البيت.
كان صوت هيام يرتجف خوفًا يملأ أرجاء البيت بصرخاتها وبكائها واستنجادها طالبة للنجدة لكن بدون أي فائدة.
كانت تدور في رأس هيام رؤى بشعة من الذي ينتظرها الآن من هذا الوحش الذي لا تستطيع مقاومته.
فأغمضت عينيها وحاولت أن تضربه برأسها بكل قوتها بمقدمة رأسه القريبة منها، حاولت التملص من أصفاد قبضتيه المحكمة فوق معصميها فربما تستطيع التخلص من تكبيله لها، لكنها فور ضربها له برأسها بدأت تشعر بالدوار من قوة إصطدام رأسها برأسه.
أخذ لونها يشحب وإحساسها بالإختناق يزيد لتدخل في حالة بين الوعي واللاوعي ويصيب جسدها رجفة خوف فهي لن تترك نفسها بسهولة لهذا الوغد.
وبذات الوقت لا تستطيع قواها أن تساعدها في إزاحته عنها، لتبكي بشدة صارخة لأنها تدرك أن هذه هي النهاية.
وسط بكائها في هذه الحالة الغريبة التي تشعر بها لأول مرة بقلة الحيلة وعدم القدرة على التصرف.
أحست هيام بجسد أمجد يرتفع ويبتعد عنها متوقفًا عما كان سوف يفعله بها.
لتشعر أنه لربما استيقظ ضميره قبل أن يقضي عليها وعلى شرفها.
لكنها رأت شخص ما أمسك بـأمجد من ملابسه ليرفعه عنها بقوة مسقطًا إياه على الأرض ثم ينهال عليه بالضرب و...... فقدت الوعي.
كرم...
اطمئن كرم بإيصال هيام إلى منزلها وتوجه نحو البناية التي يسكن بها مباشرة.
أوقف سيارته محاولًا فتح عينيه على وسعهما لمحاولة الإفاقة والانتباه قليلًا لحين الصعود إلى الشقة.
حمل مفاتيح سيارته وهاتفه بيده مترجلًا من السيارة حين سَمِعَ نغمة واردة تصدر من السيارة.
كرم: إيه إللي بيرن ده... ده زي ما يكون تليفون..؟!!
تتبع كرم مصدر الصوت حتى وجد هاتف ما وقد وقع أسفل المقعد المجاور له.
أمسك كرم الهاتف متمعنًا في الاسم الذي يضيء على شاشته.
كرم: نورا...!!؟
دة أكيد تليفون هيام.. وقع منها.
حمل كرم هاتف هيام وتوجه نحو بيتها لإعادته إليها، فيبدو أن هناك العديد من المكالمات الفائتة التي لم تجيبها وربما تحتاج إليه.
وجد كرم البوابة مفتوحة فدلف إلى الداخل صاعدًا أول درجات السلم ليُلفت سمعه صرخات عالية متتالية.
ركض بقية درجات السلم بتوجس فهو يعلم أنه لا يسكن بهذا البيت غير هيام وأخوتها.
كانت صرخات فتاة تستنجد بأحد ما وسط شهقات عالية، تحرك بشهامة وخوف في نفس الوقت فقد أدرك أن هذا الصوت وهذه البحة المميزة هي لـهيام لا لغيرها.
كانت صرخاتها وشهقاتها كالخناجر تغرس بقلبه، وصل سريعًا إلى باب الشقة ليجد الباب مغلق لكن المفتاح ما زال معلقًا بالباب من الخارج.
أسرع بفتح الباب بالمفتاح ليجد أمجد ممسكًا بهيام من كلتا يديها ملقيًا بكامل جسده فوقها يحاول الاعتداء عليها.
كانت هيام تتحرك بعشوائية تحاول أن تُخلص نفسها من قوة هذا الشيطان الغادر.
تصاعدت الدماء في رأس كرم خوفًا وغيرة وشهامة بها، لم يدر بنفسه إلا وهو ساحب أمجد من ظهره ملقيًا إياه على الأرض ثم أخذ يضربه بأقصى قوة لديه بدون توقف.
كانت هيام تنظر بضعف عليهما وفقدت الوعي تمامًا.
وبعد دقائق، أفاقت هيام لتنظر حولها محاولة إدراك أين هي وماذا حدث..؟؟!!
لتلتفت نحو كرم وأمجد.
وجدت كرم بجسده الرياضي القوي يضرب أمجد بإستماته حتى ألقاه أرضًا ولم يكتفِ بذلك، بل ظل يضربه ويضربه وهو يصرخ به.
كرم بغضب: حيوان...... حيوااااااان...
كانت هيام غير مصدقة لما يحدث لها تتمنى لو أنه مجرد حلم أو كابوس وسوف تستيقظ منه وكأن شيئًا لم يكن.
أخذت تنظر نحو كرم وأمجد وهي ترتعد من داخلها، تشعر بالخوف من أن يضرب أمجد كرم أو يحاول إيذائه.
ووسط انهيارها وبكائها لأول مرة لم تبعد عينيها عنهما.
أعادت خصلات شعرها المتناثر على وجهها إلى الخلف ولملمت جاكيتها على نفسها ضامة أرجلها نحوها بقوة وهي ممسكة بهما بين ذراعيها لتبكي بشدة وانهيار.
أخذ كرم صدره يعلو ويهبط من سرعة تنفسه وغضبه من هذا الحقير وما كان ينوي فعله بهيام وأنه لولا وصل إليها في الوقت المناسب لكانت دُمرت حياتها بسبب هذا الحيوان.
سمع كرم صوت شهقات هيام وبكائها الذي يسمعه لأول مرة منها.
رفع كرم رأسه باتجاهها لينظر إليها بأعين يملؤها الخوف والحنان بذات الوقت.
نظر نحو أمجد بتقزز واشمئزاز بعد أن سكن جسده تمامًا عن الحركة ليدفعه نحو الأرض بنفور كما يتخلص من القذارة من بين يديه ثم التفت نحو هيام، تحرك نحوها وعيناه مثبتتان عليها، شعر بألم قاسٍ بقلبه على حبيبته المنهارة أمامه.
كرم: إنتِ كويسة...؟!
لم تستطع التحدث فقط هزت رأسها بإيماءة خفيفة وسط شهقاتها المستمرة.
اقترب منها ووضع كفيه على جانبي وجهها بكل حنان ونظر في عينيها الدامعتين.
كرم: متخفيش حبيبتي... أنا معاكِ وجنبك... محدش حـ يقدر يأذيكي ولا يمس شعرة منك طول ما أنا جنبك.
أحست هيام بحنانه وخوفه عليها وأنه فعلًا يحبها بصدق فانهارت باكية وصوت بكائها يجرح قلبه بخنجر، انهارت على صدره تحتمي فيه وهي تبكي بحرقة وألم عما كان سيحدث لها لولا تدخله.
مسح كرم على رأسها بحنان محاولًا طمأنتها.
كرم: متخافيش يا عمري... أنا مش حـ سيبك لوحدك أبدًا.
بدأ أمجد في هذه الأثناء يفيق من إغماءته بعد ضرب كرم له، فتح عيناه بصعوبة لينظر نحو هيام وكرم وتعلو عيناه نظرة تحسر وألم لينهض مسرعًا خارجًا من باب الشقة.
شعر به كرم وقام ليلحق به لكن هيام أمسكت بيده.
هيام: سيبه....!!!
كرم بإندهاش: إزاي... دة حاول.. اا........
قاطعته هيام: مش عشانه هو.... عشان نورا أخته.
كرم بعتاب: إزاي بس.... اللي زي ده لازم يتحاسب عشان ميعملش كده تاني..!!
هيام: ربنا حـ يجيب لي حقي...
كرم باستغراب: معرفش عنك إنك ضعيفة أو مستسلمة كده يا هيام...
صمتت هيام وهي تشعر بأن كل خلية فيها تنتفض خوفًا وانكسارًا ليعود إلى جلسته إلى جوارها محاولًا تهدئتها وإشعارها بالأمان وأنه لن يتركها حتى تطمئن.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم قوت القلوب
بعد خروج أمجد مسرعًا من شقة هيام تاركًا كرم يهدئ من روعها، حاول كرم اللحاق بأمجد حتى يعاقب على جُرمه، حين أمسكت به هيام لتستوقفه قائلة:
هيام: سيبه.
كرم باندهـاش: إزاي... ده حاول... اا.
قاطعته هيام: مش عشانه هو... عشان نورا أخته.
كرم بعتاب: إزاي بس... اللي زي ده لازم يتحاسب عشان ما يعملش كده تاني.
هيام: ربنا هيجيب لي حقي.
جلس كرم مرة أخرى وقد تجهمت ملامحه باستغراب شديد لرد فعل هيام الذي لم يتوقعه منها.
كرم: ما عرفتش عنك إنك ضعيفة أو مستسلمة كده يا هيام.
صمتت هيام وهي تشعر بأن كل خلية توجد بجسدها تنتفض خوفًا وانكسارًا. حاول كرم تهدئتها وإشعارها بالأمان وأنه لن يتركها حتى تطمئن.
أكملت هيام بارتجاف ما زال مسيطرًا عليها بقوة:
هيام: اعتبره رد الجميل لأخته.
كرم: جميل!!! جميل إيه اللي تسامحي في حاجة زي دي عشانه؟
تباطأت أنفاسها وزاغت عيناها قليلًا وهي تردف بإعياء:
هيام: كفاية إنها السبب إني عرفتك.
أحس كرم بأن قلبه يخفق بشدة لسماعه كلماتها واعترافها له بسعادتها بلقائه.
كرم: طيب دلوقتي أنا مش هقدر أقعد هنا وفي نفس الوقت مش هقدر أسيبك لوحدك أبداً. ويكون في علمك أول ما أبوكي يطلع من المستشفى هتجوز فورًا وتسافري معايا على لندن.
تقطعت أنفاسها بصورة ملحوظة مجيبة إياه:
هيام: إن... شاء... الله.
كرم بقلق: مالك يا هيام؟
بدأت هيام تتنفس ببطء، زاغت عيناها بثقل وأكملت بصوت واهن:
هيام: الحقني... يا... كرم... أنا... تعبانة.
ارتخى جسدها فجأة وكادت أن تسقط أرضًا حين مالت بجسدها تجاه اليسار. ليلحقها كرم مسندًا إياها بسرعة قبل أن تقع هيام مغشيًا عليها، فما مرت به سبب اضطرابًا غير معتاد بجسدها الذي كانت تظن أنه يتحلى بالقوة.
أعادها كرم على الأريكة فاقدة الوعي وحاول إفاقتها بشتى الطرق.
كرم بخوف: هيام... هيام فوقي حبيبتي.
أخذ كرم يتلفت حوله باحثًا عن شيء يساعده في إفاقتها. وجد زجاجة عطر ملقاة على رف المرآة بالصالة يكاد ينفذ لكنه مضطر لاستخدامه.
أدنى زجاجة العطر من أنف هيام محاولًا إرغامها على استنشاق رائحته النفاذة لتساعد هيام على الاستفاقة من هذه الإغماءة المفاجئة.
بدأت هيام تستعيد وعيها بالتدريج بتعب جم. نظرت نحو كرم وهي تضيق عينيها ممسكة برأسها بكف يدها.
هيام: آه... رأسي بتوجعني أوي.
مع إرهاق يوم الأمس وما حدث اليوم، انتبه كرم أنها لم تتناول أي طعام قط.
كرم: إنتِ آخر مرة أكلتي امتى؟
هيام: مش فاكرة.
كرم: ما هو لازم تتعبى بالشكل ده. إنتِ مهملة في نفسك أوي يا هيام.
ومن أين ستأتي بشهية لتناول الطعام وسط كل ما يدور حولها.
هيام: متقلقش هقوم دلوقتي أشرب أي حاجة تفوقني شوية.
كرم: لأ طبعًا هتقومي تاكلي... وحالًا. مفيش فصال.
هيام بابتسامة متعبة: حاضر.
شعورها بنشوة غريبة لاهتمامه بها وحبه لها الظاهر في جميع تصرفاته دون خجل، بالإضافة إلى الأهم من ذلك وهو خوفه عليها وحمايتها، كل ذلك خلق مساحة كبيرة بقلبها له... وله هو فقط.
***
أمجد...
أثناء تحرك أمجد راكضًا من بيت هيام متذكرًا ما حدث منذ قليل كشريط يمر أمام عينيه، حين انهال كرم عليه بالضرب فهو ظهر له فجأة دون أن يدري من أين قد أتى.
أُغشي عليه من شدة الضرب وحين أفاق لم يرى سوى السواد يحيط به شاعرًا بالألم ينهش بجسده كاملًا.
لكن تلك الآلام لم تساوي الألم حين فتح عينيه ليجد هيام بين يدي كرم تبكي وتشـاهق وهو يخفف من حزنها الذي كان هو سببه.
هو السبب في بكائها الذي يفطر قلبه. لقد لجأت لغريمه وتركته، ولم ستتمسك به بعد ما كاد يفعله بها. أخذ ينهر نفسه بقوة بعدما أفاق من ظُلمته التي كان فيها.
أمجد: أنا عملت إيه؟!!! إيه اللي أنا هببته ده!!! إزاي أنا عملت كده. إزاي فكرت أأذيها أوي كده. كانت دماغي فين. أهي ضاعت مني للأبد... للأبد.
شعر فجأة بالندم والحسرة على ما قد فعله مع هيام ليركض مسرعًا خارجًا من باب الشقة. عُميت عيناه عن إدراك كل ما يحيط به حين ركض درجات السلم بتشتت متجهًا نحو الطريق.
أثناء عبوره غير واعٍ لما حوله ظهرت له سيارة مسرعة من العدم ليجد نفسه أمامها مباشرة.
لم يستطع سائق السيارة تجنب أمجد الذي ظهر أمامه فجأة، فااصطدم به بقوة ليرتفع جسد أمجد يتطاير في الهواء ليسقط بعيدًا عن السيارة وقد بدأت الدماء تنسال من حوله ليتجمع المارة يحيطون جسد أمجد الملقى غارقًا في دمائه على الطريق ليسارع أحدهم بالاتصال بسيارة الإسعاف ناقلًا إياه إلى أقرب مستشفى.
***
كرم وهيام...
بعد أن اطمأن كرم أن هيام قد تناولت من الطعام ما يعطيها القوة فهو متأكد أنه إذا تركها بمفردها ما كانت لتتناول شيئًا من نفسها.
بدأت هيام تستعيد عافيتها ببطء متذكرة بتأثر ما حدث معها منذ قليل.
كرم: إنتِ أحسن دلوقتي؟
هيام: آه الحمد لله... أحسن كتير.
ثم انتبهت هيام ملتفتة نحو كرم مستفسرة وهي تميل برأسها في اتجاهه:
هيام: صحيح... إنتَ عرفت منين إن... اا... أمجد هنا؟
كرم وهو يخرج الهاتف من جيب سترته الرمادية مبتسمًا بسخرية وهو ينظر إلى الهاتف:
كرم: أخته... أنقذتك.
ثم مد كرم يده بالهاتف لتلتقطه هيام تنظر بفحواه لتجد العديد من المكالمات الفائتة ومنها نورا أخت أمجد. فيا لها من مفارقة غريبة هي تتصل بها لتتفقدها وتنقذها بذات الوقت من براثن أخيها الغادرة.
انتبهت هيام لهاتفها فلابد وأنه قد وقع منها دون أن تدري.
هيام: ده أكيد كان واقع مني.
كرم: لما لقيته بيرن في العربية استغربت وعرفت إنه بتاعك. رجعت أجيبهولك سمعت صوتك.
هيام: وفتحت الباب إزاي؟
كرم: المفتاح كان لسه في باب الشقة من بره.
هيام: آه... صح.
بحيرة أردف كرم قلقًا على محبوبته:
كرم: أنا عايزك ترتاحي من كل اللي حصل ده... بس مش هينفع أسيبك تاني لوحدك.
عادت هيام لنفسها القوية مرة أخرى لتردف ببعض القوة التي تتمتع بها، فهي لطالما تحملت كل الأمور بنفسها دون مساعدة.
هيام: متقلقش عليا.
كرم: وهو أنا ليا غيرك عشان أقلق عليه.
هيام: أنا هـ اتصل بـ سميرة تيجي.
استحسن كرم تلك الفكرة تمامًا ليردف بالموافقة:
كرم: كويس أوي. أول ما تيجي هنزل أنا ولسه حساب الحيوان ده معايا. أنا سبته بس عشانك.
هيام بفزع: لا بالله عليك خلاص... ربنا ينتقم منه... بس إنتَ متعملش حاجة.
تعجب كرم من إصرار هيام بعدم التعرض لهذا الحقير ليتساءل باندهاش:
كرم: ليه؟ سيبيني آخد حقك. أمال أسيبه كده من غير ما ياخد عقابه. ده أنا لو إيدي طالته هكسره بإيدي.
أنهى كرم جملته وهو يشعر بالغضب عندما تذكر ما فعله أمجد وكيف كان يفكر في الاعتداء على هيام بهذه الصورة الوحشية.
أظهرت هيام حقيقة خوفها حين أوضحت بنبرة تكاد تشبه للهمس الخجل:
هيام: أنا خايفة عليك إنتَ... أحسن يعني... يأذيك ولا حاجة.
كرم بسعادة: خايفة عليا؟
هيام بخجل: كرم!!!
كرم: عيون كرم.
رفعت هيام هاتفها بسرعة متهربة منه بإنشغالها بالهاتف.
هيام بارتباك: أنا هـ اتصل بـ سميرة.
كرم: بتهربي... ماشي ماشي... كلها كام يوم ونتجوز وميبقاش ليكي حجة.
ابتسمت هيام بخجل لتمسك بهاتفها باحثة عن اسم سميرة لتتصل بها على الفور.
هيام: أيوة يا سميرة.
هتفت سميرة بانفعالها المعتاد وصوتها العالي:
سميرة: إنتِ فين من بدري غلبت أرن عليكِ.
هيام: التليفون كان واقع مني في عربية كرم.
سميرة: إنتِ فين دلوقتي؟ أنا جيت المستشفى لما قلقت وأنا برن عليكِ ومردتيش عليا.
لم تود أن تقلق أختها فقالت بكذب:
هيام: أنا روحت البيت... بس... مش لاقية المفتاح... ما تيجي وتجيبي لي مفتاحك.
سميرة: ماشي... أنا اطمنت على بابا أهو وجاية لك على طول.
هيام: ماشي متتأخريش.
أنهت هيام مكالمتها مع سميرة ليسألها كرم عن سبب إخفائها ما حدث عن أختها.
كرم: إنتِ ليه مقلتلهاش على اللي حصل؟
ربما إخفائها للأمر نابع من شخصيتها الكتومة نوعًا ما، وأيضًا بسبب انفرادها بحياتها دون تدخل من الآخرين لوقت طويل ولم ترد إزعاجها بما يحدث بحياتها من مشكلات كما اعتادت لسنوات طويلة.
هيام: محبتش أقلقها... لما تيجي هبقى أقولها... كمان عشان متقلقش بابا وماما هم مش ناقصين... كفاية اللي هم فيه.
كرم: عندك حق. عمومًا لما تيجي سميرة ترتاحي بقى... وبكرة كمان مفيش شغل.
اتسعت عيناها اندهاشًا خاصة عندما حدثها بطريقة آمره لم تعتدها.
هيام: إيه؟ ليه؟
أوضح لها بطريقته الحانية التي سلبت قلبها:
كرم: إنتِ مش شايفة إنتِ عاملة إزاي!!! كفاية عليكِ تعب بقى... وارتاحي شوية.
هيام باستسلام وانصياع لطلبه بصورة تفاجأت نفسها به:
هيام: حاضر.
كرم: أيوة كده... أحبك وإنتِ مطيعة.
بعد مرور بعض الوقت وصلت سميرة إلى البيت لتتفاجأ بـ هيام بالداخل ومعها كرم. كما أن ترتيب الصالة وكأن حادثة ما قامت هنا فكثير من الأشياء ليست في موضعها.
وقفت بعينين مندهشة تلف عينيها بالمحيط من حولهما وهي ترفع كفيها بطريقة متفاجئة مما حدث للشقة فقد تركتها منذ قليل وهي مرتبة تمامًا.
سميرة: الله... ما إنتِ فتحتي الباب أهو. إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
أزاح كرم بيده في الهواء ملوحًا بإرهاق وهو يردف بنعاس:
كرم: لا... دي حكاية طويلة أسيبكم إنتوا بقى تحكوا براحتكم وأروح أنا أحسن خلاص هنام وأنا واقف. وهبقى آجي آخر اليوم عشان نروح سوا المستشفى.
وقفت هيام تودعه بامتنان.
هيام: تعبتك معايا.
رفع كرم حاجبه باستنكار متحليًا ببعض الحدة المازحة حتى لا تكرر هيام شكره طوال الوقت.
كرم: تاني... ما قلت لك... بلاش الكلام ده... يلا سلام.
جلست سميرة إلى جانب هيام متعجبة مما يحدث حولها بين هيام وكرم. انتظرت حتى مغادرة كرم ثم هتفت بعدم فهم بطريقتها الطريفة:
سميرة: إيه بقى الحكاية بالضبط؟!!!! وإيه اللي مقعد الجدع الحليوة ده معاكي لوحدكم هنااااااا؟!!!
هيام: هقولك يا أختي... بس متقوليش حاجة لبابا وماما هم مش ناقصين تعب.
سميرة: وعد... قولي بقى.
قصت هيام ما حدث بالتفصيل لأختها التي اندهشت بصدمة وهي تتطلع بخوف باتجاه هيام.
سميرة: ده إنتِ ربنا بيحبك إنه رجّع كرم تاني عشان يديكي التليفون.
هيام: فعلًا يا سميرة... أنا كنت حاسة إني خلاص هـ أموت.
كزت سميرة على أسنانها بغيظ:
سميرة: الواااطي.... لازم تقولي لـ نورا.
هيام: هقولها إيه بس؟!!!
سميرة: أمال إيه... خلاص كده... وتسيبى حقك؟
هيام: أنا مش عايزة أعمل مشكلة مع نورا.
تكتفت سميرة بامتعاض من سلبية هيام التي لا تعرف عنها ذلك.
سميرة: غلطانة!!!!!
هيام: خلاص بقى كفاية كلام في الموضوع ده... ويلا نرتاح شوية أنا عايزة أنام.
سميرة: ماشي... ادخلي إنتِ نامي وأنا هتصل بعبير أبلغها إني مش رايحة الشغل وأدخل أنام عقبال ما ترجع هبه من الامتحان.
***
المعمل...
تجول أمير بنظره داخل المكتب باحثًا بعينيه عن سميرة لكن خاب رجائه حين لم يجدها. ألقى التحية على عبير وأحمد المنهمكين بالعمل خلف مكاتبهم.
أمير: السلام عليكم.
رددوا التحية باندهاش فهم لم يألفوا هذا الود منذ فترة طويلة مع أمير.
أمير: أمال فين الآنسة سميرة؟
عبير: مجتش النهاردة يا باشمهندس... باباها تعبان شوية.
إجابة لم يتوقعها بل لم يريدها إطلاقًا لتظهر على ملامحه الضيق على الفور فهو لا يستطيع إخفاء ما يشعر به فيظهر جليًا على ملامحه.
أمير بخيبة أمل: إيه؟!!! يعني مش جاية؟
عبير: لأ هي اعتذرت.
أمير: طيب تمام.
تابع أحمد بصمت رد فعل أمير لغياب سميرة والذي أثار الغيرة بقلبه لاهتمام أمير بسميرة. في حين تركهم أمير متحسرًا على تلك الفرصة الضائعة اليوم، تلك الفرصة التي تمناها اليوم وحلم بها طوال الليل. لكنه أخذ يمني نفسه بأن ما لم يحدث اليوم سيحدث غدًا عند حضورها إلى العمل ورؤيتها.
***
نورا...
جلست مثقلة العينين تُسند رأسها إلى مسند الأريكة بشقة والدة ياسر بعد تناولهما الإفطار سويًا.
أم ياسر: شكلك عايزة تنامي... اطلعي ارتاحي فوق شوية.
فتحت نورا عينيها بصعوبة مردفة بالنفي:
نورا: أبدًا يا ماما خالص... أنا نايمة كويس بس شكلي داخل عليا برد من امبارح.
أم ياسر: طيب خدي بالك... ولو حبيتي تطلعي شقتك ترتاحي براحتك.
تقدم ياسر من نورا ووالدته ليتحدث مباشرة إلى نورا.
ياسر: نورا... كنت عايزك...
انتبهت نورا لدخول ياسر بهذا التجهم الجديد غير معهود عليه.
نورا: مالك يا ياسر... حاجة مضايقاك؟
ياسر: تعالي بس.
نهضت نورا بتوجس نحو ياسر ليضع ياسر ذراعه فوق كتفها بحنان مزدردًا ريقه محاولًا البحث عن الكلمات المناسبة لنقله لهذا الخبر المشؤوم الذي كُلف به.
ياسر: نورا... كنت عايز أقولك خبر بس بلاش تصرفات متهورة.
نورا بقلق: قول على طول بقى متقلقنيش.
ياسر: أمجد عمل حادثة وهو دلوقتي في المستشفى.
نورا بفزع: أمجد!!!!!
ياسر: أبوكي كلمني دلوقتي عشان أبلغك.
تعجلت نورا بخطواتها وهي تخرج من شقة والد ياسر قائلة بتوتر وقلق:
نورا: أنا لازم أروح له المستشفى حالًا.
ياسر: تمام.
استوقفته والدته مستفسرة عما حدث.
أم ياسر: إيه اللي حصل بالضبط؟
ياسر: مش عارف... أبوها كلمني وقالي أقولها بالراحة بس معرفش إيه اللي حصل.
أم ياسر: طيب ابقى طمنا عليه يا ياسر.
ياسر: إن شاء الله حاضر.
اصطحب ياسر زوجته نورا نحو المستشفى للاطمئنان على حال أمجد بعد الحادث، لتتقابل مع والديها بالمستشفى.
نورا ببكاء: بابا... إيه اللي حصل... أمجد فين؟
والد نورا: في العمليات... ربنا يستر.
سأله ياسر بتخوف:
ياسر: إيه اللي حصل يا عمي... وحالته إيه بالضبط؟
والد نورا: كان ماشي في الشارع عمل حادثة... عربية جت بسرعة خبطته.
ياسر: لا حول ولا قوة إلا بالله... وحالته إيه دلوقتي؟
والد نورا: من ساعة ما المستشفى بلغتنا وهو في العمليات لحد دلوقتي... ادعوله يقوم بالسلامة.
نورا وياسر: يا رب.
وقفوا جميعًا خارج غرفة العمليات بانتظار الاطمئنان على أمجد حيث التفوا حول والدة نورا التي تبكي بانهيار لما أصاب ولدها البِكر.
بعد عدة ساعات... فُتحت غرفة العمليات ليخرج منها الطبيب والمجموعة المصاحبة له في العملية ليجد أهل أمجد ينتظرون معرفة حالته.
أمر روتيني اعتاد عليه الطبيب في هذه الحالة تجاه أهل المريض.
والد نورا: طمنا يا دكتور... ابني أمجد عامل إيه؟
الدكتور: إحنا عملناله حوالي ٦ عمليات لأن الكسور كانت مضاعفة وفي أماكن صعبة جدًا. اضطرينا نركب له شريحة في ذراعه ورجله... وحوالي ٦ مسامير. لكن المشكلة إنه عنده كسر في الحوض وده اللي لازم نشوف مضاعفاته بعد ما يقوم بالسلامة لأنه هيـفضل قاعد كتير وهيحتاج جلسات العلاج الطبيعي. عمومًا... حمد الله على سلامته.
قالها الطبيب بروتينية وتركهم بسرعة يتخبطون فيما سمعوه وكأن أمجد مجرد آلة... وليس شاب في مقتبل العمر وهذه الحادثة ربما تؤثر عليه وعلى حياته فيما بعد.
خرجت الممرضات تدفع بالسرير المتحرك الذي وضع عليه أمجد غائب عن الوعي محاط بالجبائر البيضاء ليتم نقله إلى غرفة بالطابق الثاني للإفاقة.
أسرع الجميع مهرولين نحو الغرفة المخصصة لـ أمجد في انتظار رؤيته والاطمئنان عليه عندما يفيق من آثار المخدر.
رواية لحظات منسيه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم قوت القلوب
•• إنه حقي ...
•• حتى لو لم أسعى لرد حقي فإنه بالكتاب محفوظ، وسيأتي وقت رد الدين بيوم القصاص دون حتى سعي لذلك ...
المستشفى ...
حينما حل المساء وسط هذا التجمع من العيون المرتقبة والقلوب القلقة، أوقف تلك الضوضاء صوت واهن ضعيف للغاية يخترق آذانهم المصغية ...
"أنا فين" ...؟؟!!
جملة قالها أمجد وهو يحاول أن يفتح عيناه ببطء محاولًا استيعاب ما حدث له لتهتف والدته بتأثر بالغ ....
أم نورا: حبيبى يا ابني ... حمد الله على سلامتك ...
رفع أمجد رأسه قليلاً محاولاً إدراك لم والدته هنا ...
أمجد: ماما ....!! ... آآآه ..... أنا فين ...؟؟ .. وإيه اللي حصل ...؟؟!
أم نورا: حادثة يا بني منهم لله خبطوك بالعربية وجريوا بعيد ... قدر الله وما شاء فعل ...
تذكر أمجد بضيق ... إنه لم يكن يحلم ... لقد فعل ذلك حقاً ... كيف استطاع فعل ذلك ... بل حتى كيف استطاع مجرد التفكير في أن يؤذي هيام بهذه الصورة ....
لقد أنزل الله عقابه به ... نعم هذا هو العقاب على ما كان ينوي فعله بهذه البريئة لمجرد فكره التملكي بها ..... لكنه يحبها ... وقد فكر بذلك من شدة حبه وعشقه لها .....
لحظات شرد بها أمجد بتشتت لتكسو ملامحه الغضب والانفعال فهو يستحق ذلك، بل وأكثر من ذلك أيضاً ...
تهدج صدره مؤنبًا نفسه على تفكيره الغير سوي وتصرفه الأحمق ليصرخ بإنفعال ...
أمجد: سيبوني لوحدي ... سيبوني لوحدي ...!!!
تطلع بعضهم إلى بعض بتعجب من رد فعل أمجد الغاضب ظنًا منهم أن أمجد لم يتحمل وضعه بهذه الجبائر فهو شاب رياضي من الطراز الأول ...
أخذوا يتطلعون نحوه بنظرات يكسوها الشفقة على حاله ليُعيد أمجد كلماته بغضب أكثر وكأنه ينفث غضبه بهم معاقبًا إياهم وكأنهم السبب فيما فعله ...
أمجد صارخًا: عايز أقعد لوحدي .... سيبوني .. سيبوني ...!!
انصاعوا له بحزن ليتركوه وحيدًا بغرفة المستشفى بعدما أوصوا بعض الممرضات بالانتباه له والاتصال بهم في حال حدوث أي طارئ ....
=====
كرم وهيام ....
عندما أتى المساء ونال كلا منهما قسطًا من الراحة خاصة بعد الإرهاق النفسي بسبب ما حدث اليوم، والذي كان له التأثير الأكبر بنفسهم أكثر من إرهاقهم الجسدي، لتعود هيام إلى قوتها وصلابتها الزائفة المعتادة لتتصرف وكأن شيئًا لم يكن ...
تقابل كرم مع هيام وأختيها ليقلهما إلى المستشفى لزيارة والد هيام والاطمئنان عليه، توقف كرم بسيارته المستأجرة أمام المستشفى ليطلب من هيام وأختيها الترجل أولاً ...
كرم: انزلوا انتوا هنا واطلعوا لعمي .. وأنا حـ أركن العربية وأحصلكم على طول ...
ترجلت الفتيات من السيارة وسط امتنانهن له ولوجوده معهن في هذه الظروف، لكنهن رفضن التحرك بدونهم لينتظروا عودته ليصعدوا جميعًا إلى غرفة والدهن ..
كرم: انتوا استنتوني برضو ...!!!
هيام: طالما جينا سوا حـ نطلع سوا ..
كرم بايماءه تمثيليه: تحت أمرك طبعاً ... اتفضلوا يلا ..
وأشار لهم بيده ليتقدموا إلى الداخل ....
أثناء دخول هيام برفقة سميرة وهبه مدت رأسها مثبتة عيناها نحو شخص ما باهتمام وكأنها تتأكد مما تراه، لتتأكد أنها هي بالفعل نورا ...
انتبهت نورا لوجود هيام فأسرعت الخطوات نحو هيام باكية ...
نورا: هيام .... شفتي اللي حصل ..؟!
هيام بقلق: خير يا نورا ... انتِ بتعملي إيه هنا ..؟؟!
نورا: أمجد يا هيام ... أمجد ...!!!!!
فقط سماعها لاسمه أصابها بالغثيان لكنها تحاملت على نفسها لتتغاضى عن إحساسها لتتسائل ماذا تقصد نورا بالضبط، رغم أنها من داخلها لا تود أن تعرف شيئًا عن هذا الحقير ...
هيام: ماله ....؟!
نورا: أمجد عمل حادثة وحالته صعبة أوي ..
رفعت هيام بصرها نحو كرم وكأنها تبلغه أن الله قد أخذ بحقها من هذا المتوحش فهو وكيلها، تعجب كرم من تدابير الله فما حدث هو بالتأكيد عقاب لما فعله أمجد مع هيام وكأن هذا هو رد حقها ....
هنا نحت هيام تمامًا ضيقها وغضبها المكتوم منه فهي لن تتشمت به إطلاقًا فقد أخذ عقابه ويكفيها ما حدث له ..
هيام: ربنا يشفيه ...
انهارت نورا ببكاء مؤثر فوق كتف هيام صديقتها الوحيدة ورفيقة دربها لتحاول التخلص من هذه المشاعر الحزينة التي تملؤها ....
بينما صمتت هيام فلن تشفق عليه بعدما فكر في إيذائها بهذه الصورة البشعة ..
ربتت على كتف نورا ببطء غير مكترثة لما حدث له على الإطلاق، اقترب منهم ياسر ليفاجئ بوجود كرم معهم ....
ياسر: إنتَ فين يا كرم ...؟!
كرم بعتاب: أخيرًا افتكرت أن ليك صاحب ميعرفش حاجة في البلد دي ...!!!
ياسر: أعذرني والله عارف إني مقصر معاك ...
كرم: ولا يهمك ... عمومًا إحنا جايين نزور عمي سعيد ولينا قاعدة في وقت تاني أحسن من كده ...
ياسر: أكيد ... لأن خلاص معاد رجوعي مش باقي عليه إلا أسبوع ... هو انتَ مش راجع معايا ولا إيه ؟!!
تطلع كرم نحو هيام ليردف قاصدًا التريث قليلاً ...
كرم: لا أنا قاعد شوية في مصر .. فيه حاجات مهمة لازم أخلصها الأول ...
فهم ياسر مقصد كرم الذي كان ينظر تجاه هيام ليردف ببسمة خفيفة ...
ياسر: آآآه .... فهمت .... طيب يلا يا نورا بقى ... كفاية كده خلينا نروح نرتاح .... وإن شاء الله لازم نشوفكم قريب ...
أنهى جملته متحدثًا إلى كرم الذي أومأ له بالموافقة ثم أشار لـ هيام بالتقدم نحو غرفة والدها ...
كرم: يلا بينا إحنا يا هيام ... سميرة وهبه سبقونا ..
هيام: أه ... يلا ...
تحركت هيام برفقة كرم نحو غرفة والدها بينما انصرف ياسر ونورا إلى خارج المستشفى، وجدها كرم فرصة سانحة ليثني على قرارها بالصباح .....
كرم: كان عندك حق ... سبحان الله .. كأنكِ حاسة بإللي حـ يجرى ...
هيام: عمر ما فيه حق بيضيع أبداً ... ربنا بيمهل ولا يهمل ...
====
غرفة الحاج سعيد بالمستشفى ....
استكملت والدة هيام حديثها بإصرار ...
أم هيام: أنا برضو حـ أبّات الليلة دي مع أبوكم اعملوا حسابكم على كده ...!!
سميرة: حـ تتعبى يا ماما ... خليني أنا النهاردة وروحي انتِ ارتاحي ...
أم هيام: لا والله ما أنا سايبه أبوكم أبداً ...
مالت سميرة على والدها تغمز بعينيها متضاحكة ....
سميرة: أيوة يا حاج شايف مش قادرة تستغني عنك إزاي ....
الحاج سعيد: وهي دي عشرة يومين ... ربنا يبارك لي فيها ويخليها لينا يا رب ..
استقامت سميرة رافعة كفيها موجهة حديثها لأختها هبه ...
سميرة: نطلع منها إحنا بقى مش كده يا هبه ...؟!!
هبه: أيوة يا أختي ... بقينا عزول دلوقتي ...
طرق الباب برفق لتطل هيام ومن خلفها كرم بابتسامة هادئة صافية ...
هيام: بابا حبيبي عامل إيه دلوقتي ..؟!!
الحاج سعيد: تعالوا حبايبي ... تعالي يا هيام جنبي هنا ...
ربت الحاج سعيد برفق إلى جواره لتقترب هيام من والدها مقبلة جبينه بحب، ثم اعتدلت لتجلس إلى جانبه ممسكة بكف يده الضعيف بين يديها الرقيقة ...
هيام: شكلك الحمد لله أحسن كتير قوي من امبارح ...
الحاج سعيد: الحمد لله ...
رفع بصره نحو كرم المنتظر دوره في تحية الحاج سعيد والاطمئنان عليه ليردف الحاج سعيد قائلاً ...
الحاج سعيد: كرم يا ابني ... إنتَ طلبت مني إيد هيام ... وأنا وافقت ... بس عايز أقولك أن هيام دي جوهرة واللي حـ يكون من نصيبه هو الكسبان والله .... مش عشان بنتي لأ ... هيام جدعة وبنت أصول وعشرتها طيبة ...
كرم: أنا متأكد من كل اللي حضرتك بتقوله ده يا عمي ...
خشى الحاج سعيد مع مرضه وكبر عمره أن يمر الوقت دون الاطمئنان على بناته ليجد بـ كرم نعم الزوج المتحمل للمسؤولية وعليه إتمام تلك الزيجة بأسرع وقت خوفًا مما يحمله له المستقبل ....
الحاج سعيد: خد بالك منها يا ابني وحطها في عنيك ... أنا مش عارف حـ أعيش لها لحد امتى ..!!
هيام بتأثر: بعد الشر عنك يا بابا .. ربنا يخليك لينا يا رب ..
كرم: ربنا يديك الصحة وطولة العمر يا عمي ...
بعيون مترددة صمت الحاج سعيد لوهلة لكنه استطرد قائلاً بعد تفكير ....
الحاج سعيد: طيب أنا عارف إن المكان مش مناسب بس الظروف بقى هي اللي حكمت وبما إننا كلنا متجمعين فنقرأ فاتحتكم بقى عشان يبقى ارتباطكم رسمي وأبقى مطمئن عليكم ...
كرم بسعادة: يا ريت يا عمي يا ريت ....
كان كل ما يهم الحاج سعيد الآن أن يوثق ارتباط هيام وكرم برباط قوي خوفًا من أن يصيبه أي مكروه وتتعطل مرة أخرى حياة ابنته وسعادتها بسببه .....
تعالت نظرات الفرح والابتسامات بينهم لتعتدل هيام في جلستها بخجل ناقلة بصرها بين والدها وبين كرم ليبدأ الحاج سعيد برفع كفيه ليقرأ الفاتحة ويعقبه الجميع برفع أيديهم لقراءتها ...
انتهوا من قراءة الفاتحة ليباركون جميعًا لـ كرم وهيام وتحتضن والدة هيام ابنتها وتختلط ابتسامتها بدموع الفرح لابنتها الكبيرة ....
وعلى خلاف أجواء الفرح الغامرة التي تغمر هذه الغرفة كان حال أمجد مختلف تمامًا فشعوره بالذنب والدنائه كان هو المسيطر على نفسه ...
تساقطت دموعه الحزينة على فقدان كل شيء في لحظةٍ واحدة استمع فيها لنداء الشيطان ....
ياللدنيا تتساقط فيها الدموع ... دمعة حزن وفقد وندم ... ودمعة فرح وسعادة وحب ...
انتهت الليلة بفرحها ودموعها ليأتي الصباح محملاً ببداية جديدة ...
====
المعمل ....
لم يفارق أمير الحماس لرؤية سميرة وتوضيح كل شيء لها اليوم حتى أنه قد وصل للمعمل مبكرًا عن عادته بحماس متلهف للقائها، دلف إلى المكتب ليجد نفس ما رآه بالأمس ..
أحمد وعبير فقط هم المتواجدون خلف مكتبيهما بينما سميرة غائبة عن هذا المشهد المتكرر، تملك أمير شعور بالغ بالضيق لا يدرك سببه بالضبط لكنه زاد من حدة طبعه وعصبيته بالحديث ...
امير بغضب: أمال فين الآنسة سميرة تاني النهاردة ..؟!!
عبير بارتباك: مـ..مجتش يا باشمهندس .. أخدت النهارده كمان اجازة ...
كانت كلماتها بمثابة الشرر الذي أوقد النار في داخله ليهتف بغضب حاد غير مبرر ....
امير: غياب .. غياب .. إيه الاستهتار ده ... مفيش مسؤولية خالص ...!!!!
عبير بخوف: أصل حضرتك باباها تعبان جداا ... و ....
امير مقاطعًا: الحجج دي مش عندنا هنا ... التسيب ده مش حـ اسمح بيه أبدًا في المعمل ...
لم ينتظر أمير رد عبير لأنه يدرك تمامًا أن سبب عصبيته ليس غيابها عن العمل ولكن لعدم قدرته على توضيح الأمور معها وعدم رؤيتها ليومين متتاليين خاصة وأنها كانت مختفية عنه أسبوع كامل لم يستطع رؤيتها فيه قبل مرض والدها هذا ...
تركهم أمير يتطلعان نحوه في ذهول وتوجه إلى مكتبه ليدخل صافقًا الباب من خلفه بقوة ....
احمد باستياء: ماله ده ... للدرجة دي مش قادر يقدّر ظروفها ....!؟؟
عبير بابتسامة: يمكن حاجة تانية ...!!!
قالتها عبير دون توضيح لمقصدها بينما تعجب أحمد من تقلبات هذا الأمير فاليوم غاضبًا غير مقدرًا لظروفها وبالأمس كان مهتمًا على غير العادة، ليردف متعجبًا من كلمات عبير المبهمة ...
احمد: حاجة تانية زي إيه .... مش فاهم .... ؟؟!
عبير وقد تعمدت فتح هذا الموضوع لتوضح له أن سميرة لا تفكر به إطلاقًا، وربما في هذه الحالة ينتبه لها ولمشاعرها تجاهه ....
عبير: أصل أنا ملاحظة كده .... إن يعني فيه استلطاف بين الباشمهندس أمير وسميرة ..
انتفض أحمد عاقدًا حاجبيه بضيق ينظر بحدة نحو عبير التي شعرت بأنها قد أخطأت حين تفوهت بهذه الكلمات أمام أحمد ...
لم تتوقع رد فعله هذا نهائيًا، فكم تغيرت ملامحه الهادئة إلى غضب وتجهم، قبض أحمد كفه بقوة مزمجرًا بضيق وهو يستفسر من عبير ..
احمد: انتِ بتقولي إيه ... ؟؟! إزاي ده حصل وامتى ....؟!
عبير بثقة مصطنعة: وانتَ إيه يهمك يا أحمد ... عادي ما أنا قلت لك إن سميرة رفضت الارتباط بيك وكل شيء نصيب ... فرق إيه أمير من غيره ...
احمد: لااااا ... تفرق كتير ... تفرق أوي كمان .. أنا كان في بالي إن ده شغل تقل بنات يعني ....!!!! ... مش إنها بترسم لفوق قوي كده ....!!!
عقدت عبير حاجبيها باستنكار لظن أحمد بـ سميرة لتردف بتعجب ...
عبير: بترسم ...!! لا يا أحمد انتَ متعرفهاش ... سميرة مش كده ....
عقب أحمد ساخرًا بضحكة تهكمية قصيرة ...
احمد: هاه ... أمال إيه ؟؟! ... الباشمهندس المحترم هو اللي عايز يعوض ... ويخطف سميرة مني ... وياخدها بدل من حبيبة القلب ....
كزت عبير على أسنانها بغيظ لتردف ببعض الحدة ...
عبير: أحمد ... فكر كويس ومتخليش الشيطان يلعب في دماغك ... هي رفضتك وانتهينا ... والباقي بقى حياتها وهي حرة فيها ....
همهم أحمد بغيظ وهو يمسك بهاتفه متوجهًا إلى خارج المكتب دافعًا المقعد بقوة بعيدًا عنه محدثًا نفسه ....
احمد: "وديني لأعرفك مين أحمد ..."
صدمت عبير من رد فعل أحمد هل يمكن في هذه المدة القصيرة التي مرت على وجود سميرة بالمكتب جعلته يحبها إلى هذا الحد ....
عبير: معقول .... ولا عمرك حسيت ولا حـ تحس بيا ... عينيك معميه مش شايف غيرها .....
جلست عبير بضيق لكنها تذكرت أن سميرة ليست السبب فيما تشعر به فقلبها السبب لحبها لشخص لا يشعر بها إطلاقًا ...
عبير: " منك لله يا أخي نسيتني أتصل بـ سميرة أطمن على باباها .."
أمسكت عبير بهاتفها لتتصل برقم سميرة التي ردت على الفور ...
سميرة: بنت حلال كنت لسه حـ أرن عليكِ ...
عبير: القلوب عند بعضها ...
سميرة: عملتيلي الإجازة يا عبير ... أصل أنا عارفة كده غياب كتير ...
طمأنتها عبير لهذا الأمر بينما حاولت إخبارها بما حدث اليوم ...
عبير: متقلقيش .. أنا بلغت الأستاذ أشرف وهو مقدر الظروف ... بس ....!!!
سميرة بتخوف: بس إيه ...؟!
عبير: الباشمهندس أمير ... اتعصب قوي لما غبتي النهاردة تاني ...
سميرة: مش انتِ قولتي له أن بابا في المستشفى ..!!
حركت عبير حاجبها بمشاكسة وهي تحدث صديقتها بحديث ذات مغزى ...
عبير: قلت له والله .. بس الظاهر كده الأخ مشتاق يا جميل ومش قادر على فراقك ...
سميرة بفرحة: بتهزري ....
عبير: لا يا أختي مبهزرش ... ده حـ يموت من الغيظ عشان مجتيش ....
سميرة: بجد والله ...
عبير: آه والله ... المهم أخبار باباكي إيه ...؟!!
سميره: الحمد لله اتحسن خالص وحـ يطلع النهاردة من المستشفى ...
عبير: الحمد لله ...
تأهبت سميرة للمغادرة وهي تنهي مكالمتها مع عبير ...
سميرة: أنا حـ أروح لـ هيام بقى عشان نروح نجيب بابا من المستشفى ...
عبير: ماشي حبيبتي ... مع السلامة ...
تركت عبير الهاتف إلى جوارها ناظرة نحو باب المكتب منتظرة عودة أحمد من الخارج، بينما سميرة نظرت إلى الهاتف بضحك وهي تضغط على زر إنهاء المكالمة قائلة ...
سميرة: عمرك ما حـ تقفلي الخط لوحدك أبداً ...
قبل أن تخرج سميرة من الغرفة أخذت تعيد سماع المحادثة بينها وبين عبير لتستمع إليها مرة أخرى وهي تقول ...
"عبير: قلت له والله .. بس الظاهر كده الأخ مشتاق يا جميل ومش قادر على فراقك ..."
لتهيم سميرة بابتسامة وهي تتخيل أمير يشعر بالضيق والاشتياق لغيابها مرددة بهم ...
"الظاهر إني بحب المعقد ده "....
لتنتبه فجأة على نداء هيام هاتفه باسمها للمرافقتها ...
====
نورا وياسر ....
غرقت نورا بسبات عميق مرة أخرى بعد أن استيقظت منذ قليل ليهتف بها ياسر باندهاش ...
ياسر: يا نورا ... نوراااااا ...
فتحت نورا عيونها بعدم إدراك ما يحدث فقد كانت مستغرقة بالنوم للغاية ...
ياسر: بقيتي عجيبة . مكنش نومك تقيل أوى كده ... ده أنا بقالي ساعة بصحيكي ...
نورا: فيه إيه يا ياسر ... حتى النوم مش عارفة أتهنى عليه ... ما انت شايف اللي حصل امبارح ...
ياسر: طيب يلا فُوقي كده عشان نروح لـ أمجد المستشفى ... مش لازم نسيبه لوحده في الحالة اللي هو فيها دي ...
بتأثر بالغ لطبع ياسر الحاني أردفت بابتسامة ...
نورا: انت حنين قوي يا ياسر .. ربنا كرمني بيك قوي ...
ياسر: وكرمني بيكي حبيبتي ... يلا بقى وبلاش الكسل اللي انتي فيه ده ...
نورا: فوريرة ...
ضحك ياسر على كلمة نورا التي لم تتناسب مع ما تفعله نهائياً، فقد وقفت بتكاسل رهيب تشد ساقيها بصعوبة للسير نحو المرحاض ....
لترتدي ملابسها بتكاسل متوجهين لزيارة أمجد بالمستشفى ....
ويبقى للأحداث بقية ،،،
رواية لحظات منسيه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم قوت القلوب
جلس أمير يزفر بضيق لعدم حضور سميرة لليوم التالي على التوالي.
دلف أشرف إلى المكتب ناظرًا نحو أمير بتساؤل.
أشرف: صباح الخير يا أمير... مالك على الصبح مقفلها كده ليه؟
بضيق شديد أجاب صديقه.
أمير: ولا مقفل ولا حاجة، إنت كمان.
أشرف: لا واضح... ده على أساس إني مسمعتش صوتك جايب آخر المكتب.
لوح أمير بقوة وهو يدفع بجسده جالسًا خلف مكتبه بإنفعال.
أمير: يوووه بقى يا أشرف... أنا مش فايق لك الساعة دي.
أخرج أشرف ورقة طويلة ليعطيها لأمير قائلاً بهدوء.
أشرف: طب اهدى طيب... خد الفاكس ده وصلك الصبح.
هدأت نفس أمير المضطربة قليلاً ثم أردف باهتمام.
أمير: فاكس... إوعى يكون بتاع البحث؟
أشرف: أيوه.
جذب أمير الورقة متمعنًا بها.
أمير: بيقول إيه، وريني كده.
أشرف: أجلوا معاد مناقشة البحث بتاعك أسبوعين.
ألقى أمير الورقة فوق سطح المكتب وهو يعيد بجذعه للخلف متذمرًا ساخرًا من حاله.
أمير: وأدي سبب كمان... ومش عايزينى أتضايق!
ارتمى أمير بجسده باستسلام ليبدأ أشرف دوره الهادئ العقلاني.
أشرف: كل شيء بوقته... معلش كل تأخيرة وفيها خيره زي ما بيقولوا.
تحولت نبرة أمير لحزن يائس متحسرًا على حاله.
أمير: وأنا الوحيد اللي كل أحلامه متأجلة.
أشرف: بلاش التشاؤم ده... حد عارف إيه اللي جاي... مش يمكن يكون أحسن بكتير من اللي إنت بتفكر فيه.
أمير بيأس: يمكن.
وقف أمير مادًا ذراعه نحو حقيبته الجلدية السوداء ليمسك بها ويحكم إغلاقها ملتفتًا بحزن نحو أشرف قائلاً.
أمير: أنا مروح... ماليش مزاج أكمل اليوم.
أشرف: على راحتك.
انصرف أمير من المعمل مباشرة نحو منزله ليقضي باقي يومه ناظرًا من شرفته المحببة يعيد ترتيب أفكاره مرة أخرى فقد بعثرت هذه الفتاة كل أفكاره بتشتت غريب وآثارت الفوضى داخل نفسه لتتخذ تصرفاته منحنى آخر غير الذي اعتاد عليه.
***
المستشفى.
لملمت والدة هيام أغراضهم المنتشرة بالغرفة استعدادًا لخروج الحاج سعيد من المستشفى حين أردف الحاج سعيد بامتنان.
الحاج سعيد: الحمد لله... أخيرًا هروح البيت... أنا مبحبش المستشفيات ولا الدوا خالص.
هيام: بس يا بابا لازم تهتم شوية بالدوا بتاعك... أديك شايف عدم الانتظام عمل إيه.
مرت سميرة ذراعها ليتخلل ذراع والدها وهى تردف ببعض المزاح.
سميرة: توبة أسيبك تاني يا حاج... أنا اللي هأدي لك الدوا عشان أطمن إنك مش هـ تنساه.
ابتسم الحاج سعيد بخفة متسائلاً.
الحاج سعيد: أمال فين كرم؟
هيام: راح يخلص إجراءات الخروج مع الدكتور ويجيب الروشتة.
مصمصت والدة هيام شفتيها وهى تلقي بما علمت به اليوم على مسامعهم.
أم هيام: كثر خيره يا سعيد... أنا عرفت إنه دفع مصاريف المستشفى كلها من يوم ما إنت جيت هنا.
تنهد الحاج سعيد بقلة حيلة ثم أردف بعزة نفس وضيق مما علم به.
الحاج سعيد: إحنا تقلنا عليه أوي... عمومًا أنا هـ أحاول أستلف من جارنا الحاج محمد عشان أرد له ديني ده... ميصحش كده.
تفاجأوا جميعًا بصوت كرم من خلفهم وقد أخذته الحمية والكرم كما يسمى بالفعل.
كرم: عمره ما هيحصل يا عمي... هو مش إنت خلاص اعتبرتني زي ابنك وأنا كمان اعتبرت حضرتك زي والدي... إزاي تدخل غريب ما بينا... الأهل بينهم رابط كبير أقوى من الفلوس... يا ريت كانت الفلوس هي اللي بتقرب القلوب... مفيش حاجة في الدنيا تساوي لمة العيلة وحبهم حواليك... وأنا فعلاً سعيد جدًا ويشرفني إنكم تكونوا عيلتي.
الحاج سعيد: مهما كان يا ابني كده حملناك حمل تقيل أوي.
أجابه كرم بصدق فهو يقصد كل كلمة نطق بها.
كرم: يا ريت تبقى كل الأحمال كده... وبجد والله ما هاخد أي حاجة... كفاية أحس إني ليا عيلة وإني موجود وسطكم.
بنظرة حانية تطلعت بها والدة هيام بهذا الشاب الخلوق لتردف بمحبة.
أم هيام: والله يا كرم إنت محبتك اتزرعت في قلوبنا من يوم ما شفناك كده لله في لله.
الحاج سعيد: صدقتي يا أم هيام... فعلاً والله... اللي ربنا يحبه يحبب فيه خلقه... وإنت بسم الله ما شاء الله محبتك بتنزل على قلوبنا كلنا من غير ما نعرفك.
ابتسم كرم لإطرائهم له بهذه الصورة لكن ما لفت الانتباه وأثار تساؤلات كثيرة بداخل هيام هو فكرة وحدته وأنه ليس لديه عائلة تحيط به وتشمله برعايتها.
تحركوا جميعًا إلى خارج المستشفى ليستقلوا السيارة مع كرم ليصلهم إلى المنزل والاطمئنان على حالة والد هيام.
وبعد إصرار منهم أن يتناول كرم معهم طعام الغذاء وافق كرم بالحضور في الغد لتلبية دعوتهم حتى يتسنى لوالد هيام اليوم الفرصة للراحة.
***
أمجد.
لم يتغير حاله اليوم عن الأمس إلا أن مفعول المسكنات أصبح يتلاشى ليحل الألم موضعه ليزداد فوق آلامه النفسية آلامه الجسدية، فهو لا يدري أيحزن لما بدر منه تجاه أحب مخلوقة إلى قلبه، أم يحزن لكونه لا يستطيع الحركة وسيظل مقعدًا حتى بعد شفاء كسور جسده وجروحه.
دلت نورا ببسمتها المرحه غرفة أمجد يرافقها زوجها لزيارته.
نورا: عامل إيه النهاردة يا أمجد؟
ياسر: شد حيلك يا بطل... ده إنت راجل رياضي خلي عندك عزيمة كده عشان تقوم بالسلامة.
نظر ياسر نحو نورا بحيرة فهو لا يدري عما يتحدث ليخفف وطأة الأمر على أمجد، خاصة وقد انتابته تلك الحالة النفسية السيئة للغاية فور إفاقته بالأمس.
حاول ياسر حث نورا على التحدث مع أمجد لبث بعض التفاؤل داخله فربما يتقبل حالته ولو بالقدر الضئيل.
نورا: أمجد... إنت بس لو تقول إيه اللي مضايقك أوي كده... معلش الحادثة كانت كبيرة وإن شاء الله كل حاجة هـ ترجع زي الأول... هي بس مسألة وقت.
التزم أمجد الصمت فهو لا يجد من الكلمات ما يمكنها وصف شعوره الآن، لكن عند ذكر أخته كلمة "كل حاجة هـ ترجع زي الأول" ولمعت دمعة قهر داخل عينيه فهو متأكد أن لا شيء سيعود مثلما كان.
بعد قضاء نورا وياسر بعض الوقت مع أمجد ورفضه التام للحديث معهم اضطروا للانصراف آملين أنه في زيارتهم المقبلة يكون قد هدأ قليلاً وربما يتحدث معهم ويتقبل الأمر.
خرج ياسر أولاً من الغرفة لتلحقه نورا التي ما إن وصلت إلى باب الغرفة حتى سمعت صوت أمجد المختنق ينادي باسمها.
أمجد: نورا.
التفتت له نورا مهرولة فقد نطق أخيرًا وقرر التحدث معها، ظنت أنه ربما شعر بالحرج من وجود ياسر فعادت لتطلب من ياسر أن ينتظرها بالخارج لترى ما سيقوله لها.
نورا: معلش يا ياسر... يمكن مخنوق ومش قادر يتكلم قدامك.
ياسر: المهم يبقى كويس... اتكلمي معاه براحتك وأنا هـ استناك تحت في الاستقبال.
نورا: ماشي.
عادت نورا لداخل الغرفة لتلبي نداء أمجد حين استكمل بوجه مقتضب.
أمجد: نورا... أنا عايز أطلب منك طلب... بس اوعديني محدش يعرفه أبدااا.
نورا: طبعًا... قول يا أمجد.
لم يستطع النظر لعيناها فأخذ يتهرب منكسًا خاصرتيه بعيدًا عنها فهو لا يقوى على مواجهة أفعاله ورؤية رد فعلها عما سيخبرها به، إحساسه بالخزي جعله يتمزق من داخله.
أمجد: أنا عارف... إن... اللي أنا فيه ده... عقاب من ربنا.
نورا متعجبة: ليه بتقول كده؟
أمجد: أنا عملت حاجة فظيعة أوي... مكنتش حاسس بنفسي إزاي فكرت وعملت كده... وده كان عقابي.
تجهمت نورا بعدم فهم لتتسائل تنتظر إيضاحه للأمر.
نورا: إزاي ده أنا مش فاهمه حاجة.
ابتلع أمجد ريقه بصعوبة مركزًا بصره نحو نورا فهو لا يدري كيف ينطق بها، ليردف بترجى.
أمجد: هـ أقولك بس بالله عليكِ افهميني.
نورا: قول يا أمجد.
حان وقت الاعتراف بما حدث ليخبرها بما فعله وسط دموع الندم، شعر أثناء حديثه هذا كم هو حقير جدًا، كيف سيطلب من نورا أن تعذره في حين أنه لم يجد عذرًا لما فعله.
أحست نورا بصدمة مما أخبرها به أمجد وكأنه يتحدث عن شخص آخر وليس بأخيها الذي تعرفه جيدًا، كيف تجرأ على أن يؤذي هيام لهذه الدرجة، كيف يسمى هذا حبًا وعشقًا، كيف له من الأنانية أن يقوم بفعل شنيع كهذا؟
نورا بصدمة: إنت يا أمجد... إنت تعمل كده؟
أمجد: نورا... أنا عارف إن أنا غلطان متزوديهاش عليا.
نورا بغيظ: مزودهاش عليك!.... ده أنا الود ودي أخنقك بإيدي... وإنت بقى طالب مني إيه دلوقتي بعد المصيبة اللي إنت عملتها دي؟
رفع عيناه القلقتان قائلاً باستجداء.
أمجد: هيام!
تكتفت نورا بضيق وهي تردف بحدة.
نورا: عاوز منها إيه تاني... سيبها في اللي هي فيه... أوري لها وشي إزاي دلوقتي!!!!... ليه بتعمل فيها وفيا كده؟
اهتز صوته بارتجاف قوي وهو يصرخ نادمًا.
أمجد: مش عارف... مش عارف... غصب عني والله... خفت تروح مني.
أنهى جملته واجهش بالبكاء فـ رق قلبها له فهذه أول مرة تراه في هذه الحالة من الانهيار فهي تدرك تمامًا كم يحبها أمجد بصدق.
نورا: خلاص طيب... عايز منها إيه؟
أمجد: عايز أشوفها عشان أعتذر لها يمكن تسامحني.
حركت نورا رأسها برفض فالأمر صعب للغاية.
نورا: صعب أوي... إنت متعرفش هيام لما بتزعل بتقفل جامد أوووي... ممكن تنسى إنها عرفتك في يوم من الأيام.
أمجد: حاولي يا نورا... أنا عندي إحساس رهيب بالذنب ناحيتها... حاولي تكلميها.
نورا: هـ أحاول... بس ما أوعدكش.
أمجد: لازم... خليها تسامحني.
نورا: اللي أقدر أوعدك بيه إني أكيد هـ أكلمها... وربنا يستر.
تركت نورا أمجد يصارع آلامه وحزنه، بينما حاولت أن تخفي آثار غضبها مما أخبرها به أمجد فهي في النهاية وعدته ألا تخبر أحد بذلك.
***
صباح اليوم التالي.
سحبت عبير لسميرة من يدها بعدما قابلتها بحرارة لتجلس إلى جوارها قائلة باشتياق.
عبير: وحشتيني أوي اليومين دول.
سميرة: يااه... للدرجة دي؟
عبير: آه والله.
رغم انشغالها بوالدها إلا أنها لم تنس والدة عبير لتسألها عن حالها.
سميرة: حبيبتي... صحيح مقولتيليش... أخبار طنط إيه؟
تذكرت عبير أن سميرة كانت ستأتي لها بعنوان أحد الأطباء الماهرين من أختها هيام.
عبير: لسه تعبانة... ما تبقي تجيبيلى عنوان الدكتور اللي هيام أختك بتقول عليه كويس ده؟
سميرة بتذكر: اااه... معلش والله موضوع تعب بابا ده نساني خالص... إن شاء الله بكرة هـ أجيب لك الاسم وعنوان العيادة.
عبير: آه بالله عليكِ متنسيش عشان ممكن أروح بكرة بعد الشغل على طول.
انتبهت سميرة لموعد الدواء الخاص بوالدها لتفكر بأمر يجعلها متواجدة معه كل يوم حتى لا يهمل دوائه كما حدث بالسابق.
سميرة: هو أنا ينفع اليومين دول أستأذن بدري ساعة... أصلي أنا اللي متابعة الدوا بتاع بابا ومش عايزة أهمل فيه أحسن يتعب.
رفعت عبير كتفيها وأهدلتهما مقوسة شفتيها بمعنى لا أدري.
عبير: كلمي الباشمهندس أمير.
سميرة: ممكن يوافق يعني؟
عبير بمكر: ولو موافقش عشانك هـ يوافق عشان مين؟
سميرة بابتسامة: آه يا خبيثة إنتِ.
ضحكت كلا منهما لفهمها ما تقصده الأخرى، دلف أحمد إلى المكتب ناظرًا نحو سميرة بريبة ليلقي بالسلام في تجهم غير معهود.
جلس على مقعده ناظرًا نحوها ثم نكس رأسه يطالع أحد الأوراق فوق سطح المكتب مصطنعًا الانشغال.
لتهامس سميرة باتجاه عبير قائلة.
سميرة: ماله ده؟
عبير وهي تلوح لها بيدها في الهواء بعلامة عدم الاكتراث.
عبير بهمس: سيبك منه.
اعتدلت سميرة مرة أخرى فوق مقعدها لتبدأ بقراءة التقرير الموضوع على المكتب والمتأخر في تسليمه نظرًا لغيابها.
دلف أمير إلى المكتب، وفور أن وقعت عيناه عليها وهي جالسة خلف المكتب المواجه له شعر كأن أحدهم أشعل كل المصابيح حوله، كما لو أنه يرى النور مشعًا أمامه، ذلك الضوء الذي أزال سواد حياته بمجرد رؤيتها.
كيف تكون لرؤيتها فقط مثل هذا التأثير عليه، ابتسم لا إراديًا لتثبت عيناه عليها لتشعر سميرة بوجود أحدهم يقف مقابل مكتبها، رفعت رأسها للأعلى لتجده يطالعها بابتسامة أعطت لوجهه بريقًا لم تره من قبل.
ردت بنفس الابتسامة وكأنها تعني سلامًا بينهم وحديث بدون كلمات.
تابعهما أحمد بغيرة واضحة حاول إخفائها، لكن الحقد الذي نظر به إلى أمير لم يستطع إخفائه مطلقًا.
ألقى أمير التحية يخصها هي بها وحدها.
أمير: السلام عليكم.. حمد الله على السلامة.
سميرة: الله يسلم حضرتك.
أمير: والدك عامل إيه دلوقتي؟
سميرة: الحمد لله بخير.
لن يمر اليوم دون أن يضع كل النقاط فوق الحروف ليطلب منها ببعض الاضطراب.
أمير: اا..... لو سمحتي لما تخلصي الشغل اللي في إيدك عاوزك في المكتب.
سميرة: إن شاء الله حاضر.
تركها أمير متجهًا نحو مكتبه وهو يحاول السيطرة على نفسه المبتعثرة بوجودها وتنظيم أنفاسه اللاهثة.
أمير: "بالراحة كده... لازم أرتب الكلام اللي هـ أقوله... دي فرصتي ومصدقت أنها جتلي."
بعد مرور بعض الوقت.
ترقب أمير عقارب ساعته وهي تمر ببطء وهو ينظر نحو باب غرفة المكتب ينتظرها بشغف وقلق بذات الوقت.
أمير: "إيه اللي أخرها كل ده... مجتش ليه؟!"
لم يكاد ينهي عبارته إلا وقد سمع صوت طرقتها المميزة فوق باب المكتب، تلك الطريقة التي دق لها قلبه بعنف واتسعت ابتسامته فرحًا بقدومها سامحًا لها بالدخول.
أمير: إدخل.
دلت سميرة مستكملة ما اتفقت عليه مع أشرف لتحدثه ببعض الرسمية.
سميرة: خير يا باشمهندس.
أمير: اتفضلي.. بس اقعدي الأول وبعدين نتكلم.
سميرة: أصل أنا سايبة الشغل كتير بره عشان كنت غايبة.
اضطرب أمير للغاية فقد حانت تلك اللحظة الحاسمة وعليه إخراج تلك الكلمات التي قد حضرها بعناية، لكن توتره الشديد أثر على طريقته المتعثرة بعض الشيء.
أمير: أنا.... ااه.. أصل...
سميرة باستفهام: خير يا باشمهندس حضرتك عايز تقول إيه؟
نهض أمير من مقعده ليلتف تجاه سميرة الواقفة أمام مكتبه، وقف قبالتها بأعين تصرخ عشقًا لتلك المشاكسة حتى دون التفوه بكلمات، لكن عليه التحدث.. والآن قبل أن يندم على تأخره، فعليه الاعتراف.
أمير: أنا.... بصراحة مش عارف أتكلم.. بس يا ريت تفهميني... أنا كنت بسأل عن طلب الأستاذ أحمد اللي طلبه منك.
عقدت سميرة حاجبيها بعدم فهم لتجيب بتساؤل.
سميرة: طلب... طلب إيه بالضبط؟
أخذت الكلمات تتأرجح في عقل أمير غير مستقر على جملة واحدة يستطيع بها مصارحتها بحبه بها، لكنه حسم الأمر ولن يستطيع تركها تضيع من يده فتكلم بسرعة حتى لا يترك لنفسه عنان الخجل أو الاضطراب.
أمير: بصراحة يا سميرة... أنا.... أنا..... أنا عاوز أقولك أني معجب بيكي وعاوز أتقدم لك.. إيه رأيك؟
قبل أن يرد لسان سميرة ردت عيناها التي كانت تشرقان من بريق الفرحة والسعادة.
همت سميرة بالرد على طلبه وسط ابتسامتها التي شقت وجهها المستدير فأخيرًا نطقها (المعقد) لكنها تفاجأت بشخص ما يفتح باب المكتب بدون استئذان.
دلت فتاة متوسطة الطول ذات شعر مموج باللون الأشقر غير الطبيعي على الإطلاق، يتلون وجهها بعدة ألوان من مساحيق التجميل المختلفة يكاد عطرها النفاذ أن يخترق أنفها الصغير.
أخذت تتقدم بتغنج ودلال مغث للنفس باتجاه أمير الواقف أمام مكتبه مندهشًا من رؤيته لها.
لم تعر الفتاة انتباهًا مطلقًا لوجود سميرة، كما لو كانت غير موجودة بالمكتب لتقفز بلهفة وهي تحاوط أمير بذراعيها برعونة تتحدث بصوت خليع مصطنع.
ميادة: وحشتني أوي.
اتسعت عينا أمير بصدمة فور رؤيتها لتنقلب نظرته من الصدمة إلى الاشمئزاز ليعيد نظره نحو سميرة التي كانت كل شاغله الآن فهو لا يكترث لـ ميادة إطلاقًا، لكنه قلق من أن تفهم سميرة الأمور بشكل خاطئ.
أسرع أمير ومد يده ليزيل ذراع ميادة الملتف حول رقبته بخشونة مردفًا.
أمير: إنتِ؟؟؟ إنتِ إيه اللي جابك يا ميادة؟
مطت شفاهها الملطخة باللون الأحمر المزعج بتغنج وهي تميل برأسها تكاد تلمس كتفيه مصطنعة التعاسة.
ميادة: للدرجة دي لسه زعلان مني؟ مكنتش فاكرة هـ أهون عليك أوي كده.
أبعدها أمير بحدة وهو ينهرها عما تفعله.
أمير: لو سمحتي يا ميادة!!!!
أنهى أمير جملته ناظرًا نحو سميرة التي لم تتحرك ولم تتفوه بكلمة واحدة.
وقفت صامتة يعلو ملامحها الصدمة والدهشة خاصة نظرة عيناها لهما.
شعر أمير بالتخوف من تفسير سميرة لما يحدث فهو لم يلبث منذ دقائق بسيطة صرح لها بمكنون مشاعره.. فهل سيكون حضور ميادة المفاجئ له رد فعل عكسي لدى سميرة الآن.
حاول أمير إبعاد ميادة عنه بدفعها بيديه بعيدًا عنه لمسافة يعتبرها آمنة.
بينما تحولت نظرات سميرة نحو الغضب من دخول هذه المتلونة واقترابها إلى هذا الحد الملاصق لـ أمير.
تجهم سميرة جعل عقلها يتشتت بتلك الفتاة ميادة فهل يمكن أن شعورها بالضيق سببه أنها تعدت على مساحة خصوصيتها، أم أن هذا هو الشئ المسمى بالغيرة.
انتبهت ميادة لوجود سميرة لتلتفت لها محدقة بها من الأعلى إلى الأسفل لتكمل بنظرة دونية.
ميادة: اطلعي يا شاطرة بره... أنا عاوزة باشمهندس أمير في حاجة خصوصي... خصوصي أوي.
شعرت سميرة بالإهانة والضيق من طريقة هذه المتلونة معها لتتحرك بغضب نحو الباب نافضة كتفيها بضيق ليلحق بها أمير على الفور ويقف قبالها ليمنعها من الخروج قائلاً بقوة.
أمير: إنتِ رايحة فين؟.... استنى هنا..... لأ طبعًا متطلعيش ده مكانك ومش هـ تطلعي منه.
وأكمل مردفًا نحو ميادة يخصها بالحديث.
أمير: اتفضلي أنتِ يا ميادة من غير طرود... معدش ليكي مكان هنا.
فتحت ميادة عيناها بصدمة غير متوقعة فهي تعلم مقدار حب أمير لها فكيف يفضل هذه الفتاة عليها ويطردها بهذا الشكل.
ميادة باستنكار: أمير.... إنت بتقول إيه؟
أمير وقد وجد الفرصة للانتقام لكرامته المجروحة، كيف كان مغيبًا إلى هذا الحد، كيف تعلق بها وأحبها، كم هي مثيرة للاشمئزاز والحقارة.
أمير: أنا مكنتش واعي إزاي في يوم من الأيام ارتبطت بواحدة زيك!!!.... إنتِ اللي زيك مينفعنيش... اطلعي بره المعمل واطلعي بره حياتي كلها.
ميادة بعصبية وتعالي: أنا!!!!... بتقولي أنا الكلام ده؟.... ماشي يا أمير... ماشي... بكرة تندم على اللي إنت عملته معايا ده.
انصرفت ميادة غاضبة بنفس سرعة دخولها وصفقت الباب من خلفها بقوة.
أعاد أمير بصره باتجاه سميرة ينظر إليها نظرة أسف واعتذار، في حين شعرت هي بنشوة الانتصار على غريمتها بعد مناصرته لها حين قام بطردها.
استطاعت سميرة أن تدرك من حديث أمير مع هذه الفتاة إنها هي نفسها خطيبته السابقة التي سمعت عنها من قبل.
أمير: أنا آسف يا سميرة... أوعدك أن الموقف ده مش هـ يتكرر تاني.
سميرة بضيق: إنتوا لسه بتشوفوا بعض؟
برد قاطع نفى ذلك أمير تمامًا.
أمير: لأ طبعًا... أنا مش عارف هي جت ليه النهاردة!!!!... ومش عايز أعرف.... المهم إنتِ متزعليش من اللي حصل.
زمت سميرة شفاهها ببعض الضيق لكنها حاولت تمرير الأمر.
سميرة: حصل خير.
أمير: طيب.. أنا عايز أعرف رأيك في الطلب اللي طلبته منك من شوية؟
سميرة بتفكير: موافقة... بس نستنى لما بابا يقوم بالسلامة الأول.
تهلل وجه أمير بسعادة مردفًا.
أمير: أكيد طبعًا.
رواية لحظات منسيه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم قوت القلوب
لقد فعلتها ....
بين الأمانى وتحقيقها ما هى إلا خطوة واحدة ، لقد إقتربت كثيرًا ، إقتربت إلى حَد كاد يدهشنى ولم أستَعب بعد تلك السعادة التي سأصلُ إليها ...
بأحدى الكافيتريات ....
جلست تُحرك ساقيها بغضب وهى تنفث دخان سجارتها بضيق فتلك أول مرة يعاملها أحد بهذه الصورة الوقحة ...
ميادة: أنا ....!!
أنا يطردني ويبهدلني قدام الموظفة بتاعته !!! ... أنا ميادة زعزوع يعمل فيا كدة !!! ... بس الغلط مش عليه ... الغلط عليا أنا إنى طاوعتك يا عصام ....
رفع هذا الشاب الثلاثينى هامته بتماسك لتتجلى ملامحه القوية ووجهه العريض لشاب خمرى ذو وجه بيضاوى ولحيه سوداء منمقة بعناية وفم عريض ، رغم ضيقهُ مما فعله أمير إلا أنه حاول أن يُظهِر رد فعل هادئ تمامًا حتى لا يثير تلك المحتدة ليردف برزانة وصوت خشن مميز ...
عصام: معلش بقى يا حبيبتى .. متعمليش فى نفسك كدة ....
مالت رأسها بإستنكار لهدوئه المستفز لها ...
ميادة: أنتَ حـ تعديها كدة بالساهل ... لأ بقولك إيه .. أنت لازم تعلِمُه الأدب ... مش أنا إللى أنطرد بالشكل دة ...
أومأ عصام بخفة ليرضيها ويهدئ من روعها المتشنج منذ عودتها من المعمل ...
عصام: حاضر ... ولا تزعلى نفسك إنتِ بس ... هو فيه جَميل بيزعل كدة ...
ميادة: أيوة أيوة ... إضحك عليا بالشويتين بتوعك دول ...
عصام: وأنا أقدر برضه ...
ميادة: ماشى ... لما نشوف ....
بيت الحاج سعيد ....
بعد راحة لليلة كاملة جلس الحاج سعيد بالصالون ينظر نحو زوجته ويعيد النظر مرة أخرى نحو كرم الجالس أمامه يترقب رده بصبر قَلق يملؤه كل شغف وترقب حين أجابه الحاج سعيد .....
الحاج سعيد: بس كدة بدري أوى يا إبنى ...؟!
لم يعتاد كرم على أى رفض مطلقًا بحياته ، فله القدرة على الإقناع بشتى الصور وهو لن يتنازل الآن عن تحقيق حُلمه الذى يسعى إليه ...
كرم: إفهمنى بس يا عمى .. دة كتب كتاب بس ... عشان ألحق أخلص الورق لـ هيام عشان تسافر معايا ...
بتَفكُر للحظات فهو أيضًا يتمنى أن يرتاح ويطمئن على مستقبل إبنته الكبرى ليردف بإيجاب ...
الحاج سعيد: الأمر لله .... خلاص يا إبنى إللى تشوفه يبقى بإذن الله الخميس الجاي نعمل الخطوبة وكتب الكتاب وخلى الفرح قبل معاد السفر على طول ...
كرم: تمام يا عمى ... إللى تشوفه حضرتك ...
طلب الحاج سعيد بإظهار الفرحة بخطبه إبنته طالبًا من زوجته إحضار المشروبات ...
الحاج سعيد: يا أم هيام .. يلا هاتوا لنا الشربات بقى ...
تَذكّر كرم هذا المشروب السعيد الذى أصبح يشبه حياته وما حدث لها منذ مجيئه للقاهرة ...
كرم: الله ... شربات ...!!!
الحاج سعيد: إنتَ بتحبه أوى كدة ...؟!
كرم: جدًا يا عمى ... مش قادر أقولك بحبه قد إيه ....
تقدمت هيام تحمل صينية موضوع عليها أكواب الشربات فهى تعلم كم يحبه كرم ..
غمرت السعادة كرم وهو ينظر نحو هيام المقبلة نحوه بجمالها الساحر الذى أمتلك قلبه قبل أن يراها فقد أسرَتِه فى أحلامه وتحقق اليوم حُلمه ليصبح واقعًا أجمل من الأحلام .....
حدد كرم مع الحاج سعيد بعض النقاط والتفاصيل الخاصة بحفل عقد قرآنه بـ هيام وطلب منه ألا يرهق نفسه بأى تجهيزات فهو سوف يتولي ذلك عوضًا عنه ....
وبعد تحديد كل التفاصيل إنصرف كرم لتطل أجواء الفرحة والسعادة على هذا البيت العتيق ....
تجمعت الأخوات بغرفة هيام لقضاء أمسية لطيفة تضم ثلاثتهم بعد إعلان خطبة هيام منذ قليل ...
سميرة: الله ..... وأخيرًا حـ نفرح بقى ....
هبه: عقبالي يا رب ...
بمزاح رزين للغاية عقبت هيام تجاه هبه ...
هيام: إتأدبى يا بنت ... مش نقول سميرة الأول ...
ها قد أتت اللحظة الحاسمة التى تنتظرها سميرة منذ عودتها من المعمل لتقص على هيام ما حدث اليوم لتهتف بحالمية ...
سميرة: قريب ... قريب أوى كمان ...
هيام : بتهزرى .... إزاى ....؟!
إستكملت سميرة هيامها بأحداث يومها المثيرة موضحه ...
سميرة: نطقها المعقد النهاردة .. حـ يكلم بابا بس لما يتحسن شوية ...
هيام: أنا مش مصدقه إننا حـ نتجوز أنا وإنتِ بالسرعة دى ..!!!
هبه: وتسيبونى لوحدى كدة ...!!
هيام: خلصي دراستك الأول أهم يا مفعوصه إنتِ ....
تضايقت هبه من شعورها بأنها الطفلة بينهم طوال الوقت لتنهض متجهه نحو غرفتها المشتركة مع سميرة وهى تهتف بحنق ...
هبه: ماشى ماشى ... عمومًا أنا قايمه أذاكر معدش نافع القاعدة معاكم ...
سميرة بضحك: فظيعة البت دى .. صحيح بقولك ... أنا عايزة إسم الدكتور بتاع الكلي وعنوانه لأم عبير ...
إنتبهت هيام لما قد سألته لها سميرة من قبل لكن مرض والدهم قد شغلهم عن ذلك ...
هيام: أه صح .. إنتِ كنتِ سألتينى قبل كدة ...!!
أحضرت هيام ورقة وقلم من داخل حقيبتها لتدون إسم الطبيب وعنوانه ثم أخرجت رقم هاتفه من سجل هاتفها لتدونه أيضًا قبل أن تعطى الورقه لـ سميرة ...
هيام: أهى بياناته ... ربنا يشفيها يا رب ...
نظرت سميرة وهى تزم شفتيها نحو حقيبة هيام البالية ....
سميرة: إن شاء الله حـ أبقى أروُح أجيب لنا شنطتين من المحل إللى عبير قالت لى عليه ... إنتِ عارفه لولا تعب بابا كنا نزلنا وإشتريناهم من ساعة ما قبضت ....
رفضت هيام الإثقال على أختها بشراء الحقائب فهى بالكاد تدخر من راتبها القليل لنفسها ...
هيام: لا لا .. خلي الفلوس معاكِ أنا مش عايزة حاجة ...
سميرة: لأ طبعًا ...دى حلاوة المرتب ... وإنتِ كفاية عليكِ كدة ... دة إنتى عروسة وكلها يومين وييجى يوم الخميس ونكتب كتابك على الجدع الحليوة دة ...
إحساس جديد للغاية يطيح بقلبها فهى أخيرًا عروس ، لتردف بسعادة ...
هيام: ماشى ... حتى ممكن نجيبهم وأحنا بنشترى فستان كتب الكتاب ...
سميرة: خلاص بكرة حـ أسأل عبير على المحل بالضبط بس يا رب متوهنيش دى فظيعة ... مبتعرفش توصف أبداااااا ...
بطبعها الدقيق والمحدد عقدت هيام حاجبيها وهى تردف ...
هيام: لا .. إسأليها على مكان المحل بالضبط ... مبحبش ألف على الفاضى ...
سميرة: إن شاء الله ... يلا أنا حـ أروح أنام بقى تصبحى على خير ...
هيام: وإنتِ من أهله ...
إستلقت هيام فوق فراشها تستعد بنوم هادئ بعد فرحتها اليوم بتحديد موعد عقد قرآنها ، ذلك اليوم الذى لم تظن سيحدث مطلقًا من قبل ...
نورا وياسر....
تطلع ياسر نحو ساعته فقد تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل ليعاود إيقاظ نورا المستغرقة فى النوم منذ وقت طويل بعد وعدها له بالسهر معه اليوم ...
ياسر: يا نورا .. إصحى يا نورا كلمى ماما ....
فتحت نورا عيناها بذهول تلبى نداء ياسر ...
نورا: هاه ... أيوه حاضر ...
تعجب ياسر من وضع نورا مؤخرًا فهى كانت نشيطة للغاية ...
ياسر: بقيتى مش طبيعيه والله ... بتنامى كدة فى أى وقت و أى مكان ....!!!
حاولت نورا الإنتباه لحديث ياسر فهى تشعر بالفعل بنعاس شديد ...
نورا: مش عارفه يا ياسر ... يمكن واخده برد ...
ياسر: معلش ... قومى بس كلمي ماما .. بتحضر لنا شوية حاجات عشان سفرنا يوم الجمعة وكانت عايزة تسألك على حاجة ...
أومأت نورا بالإنصياع وهى تهم بالنهوض فعليها مساعدة والدة زوجها بتحضير بعض الأشياء التى ستأخذها معها بسفرهم بنهاية الأسبوع ...
نورا: حاضر ... هى الساعه بقت كام ...؟!!
ياسر: داخله على إتناشر أهى ....
تزمرت نورا تلوم نفسها بشدة ...
نورا: يوووه ... زمانها نامت ..
لم يدرك عم تتحدث نورا ومن تقصد فوالدته بإنتظارها بالأسفل ...
ياسر: هى مين ....؟!
نورا: هيام ... كنت عايزة أكلمها ضرورى وراحت عليا نومه ...
ياسر: خلاص خليها بكرة بقى ....
إستقامت بتكاسل لتذهب لوالدة ياسر حتى لا تتأخر عليها ...
نورا: طيب .. الأمر لله ...حـ أقوم بقى أنزل لماما تحت أشوفها عايزة إيه ...
ياسر: ماشى ... بس متتأخريش ...
حذرته نورا مشيره بسبابتها قبل مغادرتها قائله ...
نورا: حاضر .. إستنانى إوعى تنام ...
ياسر ممازحًا : إوعي إنتِ تنامي تحت ...
ضحكت نورا من سخريته منها ثم إتجهت لشقة والديه كما إتفقت مع والدته ...
أمير ...
جلس فى شرفته المحببة يغمض عينيه فى هدوء مستمتعًا بنسمات الهواء وهى تتطاير تعبث ببعض خصلات شعره بنسيم محبب ليأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يعيد بصره نحو الأوراق الموضوعة أمامه على الطاولة محدثًا نفسه ....
امير: "يعنى بعد كل الشغل إللى عملته دة ومش قادر أستحمل شوية تأخير فى معاد المناقشة ... الورق دة صعب أسيبه كدة لازم أشيله فى مكان كويس لحد معاد اللجنة الجديد ..."
أخذ يفكر أمير فى مكان مناسب لوضع أوراق البحث فلم يجد فكرة مناسبة فلملم الأوراق بعناية ووضعها مرة أخرى بالحقيبة السوداء حتى يفكر بمكان مناسب لوضع الأوراق به ....
فى اليوم التالى .....
تقابل ياسر مع كرم ليقضيا بعض الوقت فقد إنشغل ياسر كثيرًا بزفافه وعروسته وأيضًا بالأحداث التى تلت زفافهم والتى لم تسنح له الفرصة لسردها لـ كرم الذى صدم تمامًا من تفكير خالته واضحه وإبنتها ولجوئهم للسحر للتفريق بين ياسر ونورا ...
كرم: هو لسه فيه ناس بتفكر بالعقلية دى .... سِحر وأعمال ...!!!!!
ياسر: أه والله يا كرم ... بجد نورا كانت بقت غريبة أوى وتصرفاتها غير طبيعية دة غير المشاكل إللى كانت كل يوم ...
بتفهم لكل ما حدث جعله ينشغل عنه أومأ كرم بهدوء ثم أردف ببعض العتاب ...
كرم: الله يعينك ... بس متاخدنيش بكلمتين .... برضه مقصر ...
ياسر: حقك عليا .. وأهو كلها كام يوم وأسافر وإنتَ تحصلنا ونرجع زى زمان ...
رفع كرم ساقه ليضعها فوق الأخرى بثقة مردفًا بالنفى ...
كرم: لااااا... إنسى ... أنا مش حـ أرجع زى زمان ... أنا مش ماشى من هنا غير وهيام فى إيدى ...
فتح ياسر فاه ببلاهه مردفًا بعدم فهم ...
ياسر: إزاى دة ...؟!
كرم: ما إنت غِبت عليا أوى ومتعرفش إللى حصل ...
ياسر: حصل إيه ...؟!
كرم: أنا لما إتقدمت لـ هيام وعم سعيد جه وسألكم يومها لما رحت له بلغنى إنهم موافقين ... وإمبارح حددنا معاد كتب كتابنا إن شاء الله يوم الخميس ...
أجابه ياسر بتفاجئ من كل تلك التطورات التى لا يعلم عنها شيئًا ...
ياسر: كل دة حصل !!!! ... هو أنا بعدت كتير أوى كدة .....
كرم: خليك إنت فى عروستك ... إنت دريان بحاجة ...
ياسر: مقبولة منك برضه ... ما إنت عريس بقى ... وأخيرًا يا كرم ....
تنهد كرم غير مصدقًا لكل ما حدث بحياته بتلك الفترة القصيرة للغاية ...
كرم: أنا نَفسِى مش مصدق وحاسس إن كل دة حلم ... حاسس إن السعادة إللى أنا فيها دى كتير عليا أوى ...
ياسر: ربنا يتمم لك على خير ... أنا عمومًا حـ أحضر أكيد كتب الكتاب وأسافر الجمعة على طول ونشوفكم على خير فى لندن بقى ...
كرم: إن شاء الله ... بس أخلص أوراق هيام فى السفارة وأحصلك على طول ...
تذكر ياسر طبع نورا الإجتماعى وتخيل سعادتها بمعرفة خبر كهذا ...
ياسر: دى نورا حـ تفرح أوى إن هيام مسافره معاها ....
كرم: وحـ نبقى جيران فى بيت واحد كمان ...
ياسر: أحلى جيره ....
نورا ....
بعد تفكير عميق لم تجد نورا بُدًا من أن تقابل هيام أفضل من مكالمتها حتى تستطيع إيصال لها رسالة أمجد ، قامت بالإتصال بـ هيام تطلب منها المرور بها لقضاء بعض الوقت سويًا قبل سفر نورا يوم الجمعة ...
وافقت هيام لتذهب فى الصباح لصديقتها الوحيدة خاصة عندما أخبرتها أن ياسر سوف يتغيب طوال اليوم لإنهاء بعض متعلقاته قبل السفر ....
نورا: وحشاني أوى يا هيام ...
هيام : وإنتِ كمان والله يا نورا ... بس أديكي شايفه الدنيا شغلتنا إزاى كلنا ... وكمان تعب بابا ....
توجست نورا مما حدث بين هيام وأمجد لتردف بتوتر خشية من أن تكون مستاءة منها أيضًا گ أمجد ...
نورا: الدنيا شغلتك ولا حاجة تانيه ...؟!!
إبتسمت هيام لظنها أن نورا قد أدركت أن كرم هو من ألهاها بوجوده فى هذه الفترة ، لكن لم تدرك أن نورا كانت تقصد شئ آخر غير ذلك ....
هيام: إنتِ عرفتى ...؟!
مالت نورا فمها جانبيًا بإستياء ثم أردفت بأعين يملؤها الخزى ...
نورا: أيوة ... للأسف ...
تطلعت هيام بإنزعاج نحو نورا متسائله لم هى منزعجة من وجود كرم ، هل هناك أمر لا تعرفه عنه ...
هيام بإنزعاج : للأسف !!!! .... إنتى زعلانة يا نورا ...؟!!
بإستغراب شديد لتَقَبُل هيام ما حدث من أمجد بتلك الأريحية ...
نورا : أمال يعنى حـ أفرح ؟؟!!!! ... أنا مش عارفة إزاى دة حصل ....؟!
إعتدلت هيام بجلستها باهتمام وقد تجهمت للغاية ثم أردفت بنبرة متشككة ...
هيام : إنتِ تعرفى حاجة ومش عايزة تقوليهالى ولا إيه ...؟!!
نورا: هو لما قالى أنا مبقتش عارفة أعمل إيه ... خُفت عليكِ وزعلت أوى ....!!
دب القلق بنفس هيام لتتعالي معها ضربات قلبها بتخوف ...
هيام: قلقتينى على فكرة ... إيه الحكاية بالضبط ....؟؟
نورا: أنا إللى مستغربة إنك واخده الأمور عادى كدة ومش هامك ....
لم تعد تتحمل كل ذلك الغموض لتهتف ببعض الحدة وقلة الصبر ...
هيام: مش هاممنى إيه ..؟! .. إنتى بتتكلمى عن مين بالضبط ... كرم ..؟؟!!!
بتلقائية أجابتها نورا وهى تحرك رأسها نفيًا بقوة ...
نورا: لأ طبعًا ... أنا بكلمك عن أمجد ...
وكأنها بهذه اللحظة فقط إسترجعت ما حدث مع أمجد وقد تناسته بالفعل لإنشغالها بكرم وزواجها القريب ...
زفرت هيام بضيق وأغمضت عينيها لبرهة ثم أردفت قائله ....
هيام: أمجد إللى قالك ....؟!
نورا: أيوة .. ووشى منك فى الأرض ...
هيام: أنا مرضتش أعمله حاجة عشانك إنتِ بس ... ومرضش أقولِك عشان كفاية إللى إنتِ كنتِ فيه ....
رغم أنها غير مقتنعة بالمرة لكن واجبها تجاه أخيها و وعدها له ، كذلك من طبعها أن تحاول إرضاء جميع من حولها حتى لو أقحمها ذلك بمشاكل هى بغنى عنها ، إستكملت نورا محاولة إيجاد مبرر مقنع حتى تسامحه هيام ...
نورا: بس أمجد ندمان أوى وعاوز يشوفك ويعتذر لك عشان تسامحيه ....
هيام بإنفعال: إستحاله طبعًا ... لا يمكن أشوف وشه تانى ... ده يحمد ربنا إنى معملتلهوش حاجة على قذارته وحقارته إللى عملها معايا ...
نورا: دة إتغير خالص وندمان بجد ...
من الصعب أن تُغير هيام قرار إتخذته لتردف بقوة ...
هيام: لنفسه .. إنما أنا لأ ... ولا عايزة أشوفه ولا عايزة أسمع إسمه تانى ...
ثم إستكملت بتحذير جاد للغاية ...
هيام : وخليكِ إنتِ برة القصة دى ... أنا كل دة عشانك إنتِ وعشان ما أخسركيش ...
إبتلعت نورا ريقها من حِدة وإنفعال هيام قائله بإضطراب ...
نورا: طب هَديّ نفسك .... خلاص خلاص ...
زفرت هيام بضيق لتصمت لفترة لتمتص غضبها من أمجد والذى لا تستحقه نورا ...
بينما حاولت نورا أن تُغير موضوع الحديث حتى تقلل من عصبية هيام وتوترها بسبب أمجد ....
نورا: إيه حكاية كرم بقى ...؟!
فهمت هيام غرض نورا بذكاء على الفور ...
هيام : بتغيرى الموضوع .... ماشى ... كرم إتقدم لى وأنا وافقت .. وكتب كتابنا يوم الخميس ... لازم حـ تيجى ..
تفاجئت نورا مما أخبرتها به للتو ...
نورا: بالسرعة دى ...!!!
هيام: كرم مستعجل عشان يخلص ورق السفر ... بيقول بياخد وقت طويل ...
نورا: دة أحلى خبر سمعته فى حياتى يعنى حـ نفضل أنا وإنتى مع بعض ونسافر مع بعض ....
هيام: ما إنتى ورايا ورايا بقى ..
قالتها هيام ببعض المزاح لتخفف من توتر الأجواء بينها وبين نورا ...
نورا: مكنتش أتمنى حاجه أكتر من كدة .. حـ أسافر مع ياسر وتبقى إنتِ معايا هناك ....
هيام: لازم تيجى يوم الخميس طبعًا ..
نورا: طبعًا .. وأنا أقدر أتأخر .. أي نعم إحنا مسافرين الجمعة ... بس لازم آجى ...
هيام: ما تيجى معايا أنا و سميرة نروُح نشترى فستان كتب الكتاب ..
بحماس شديد قَبِلت نورا دعوة صديقتها وأختها هيام ...
نورا: موافقة طبعًا ... حـ أقول لـ ياسر وأحَضَّر نفسي وآجى معاكوا ...
هيام: تمام ...
قضت هيام وقت طويل برفقة نورا يتحدثن بكل التفاصيل التى مرت بكل منهما بغياب الأخرى وسط حماس نورا المبالغ فيه لقرب سعادة صديقتها التى ستتغير حياتها الرتيبة أخيرًا ...
رواية لحظات منسيه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم قوت القلوب
المعمل ....
أخذت سميرة تُقلب في الأوراق والملفات على مكتبها بملل لتقف فجأة وهي تُعدل من ملابسها.
سميرة: أنا داخلة لأستاذ أشرف.
نظرت نحوها عبير بتفحص لتجهمها الغير معتاد.
عبير: خير... مالك وشك مقلوب ليه من بدري؟
سميرة: ولا مقلوب ولا حاجة... بس عايزة آخد إذن بدري النهاردة ورايا مشاوير كتير.
عقدت عبير ذراعيها أمام صدرها تتطلع نحو سميرة بنظرة كاشفة.
عبير: مشاوير برضه ولا عشان باشمهندس أمير مجاش النهاردة؟
أدركت عبير ما بها، وصرّحت به لتلتفت سميرة نحوها بتشتت.
سميرة: ده عمره ما غاب... من يوم ما جيت الشغل وهو دايماً موجود... حتى يوم ما راح عشان البحث جه بعدها على طول.
عبير: الغايب حجته معاه... مش يمكن تعبان ولا حاجة؟
سميرة بقلق: تفتكري؟
ثم راودتها أفكار في مخيلتها عن مكوثه بالبيت بمفرده وهو مريض ويعاني، انتابها إحساس بالشفقة على حاله لكن ليس بيدها حيلة.
سميرة: أنا داخلة أستأذن من أستاذ أشرف عشان أمشي وخلاص.
دلفت لداخل المعمل لتجد أشرف يتابع أحد الأجهزة فا انتظرت لحين انتهائه لتتحدث معه.
أشرف: خير يا آنسة سميرة؟
سميرة: لو سمحت عايزة أستأذن النهاردة بدري شوية لو ممكن.
اشرف: مفيش مشكلة... النهاردة مفيش ضغط شغل ولا حاجة.
سميره: شكراً يا أستاذ أشرف.
كادت أن تنصرف حين عادت لتسأله مرة أخرى بارتباك.
سميرة: هو... باشمهندس أمير... مجاش ليه النهاردة؟ هو تعبان ولا حاجة؟
لم ينتبه لتلك النبرة القلقة بصوتها ليجيبها بانشغال لما يقوم به من فحص.
اشرف: لا أبداً... هو كلمني وقالي وراه شوية شغل ومش جاي المعمل النهاردة.
أومأت سميرة رأسها بتفهم ثم انصرفت وقد جالت برأسها عدة أفكار كلها تدور حول أمير وخطيبته السابقة.
سميرة: "يكون راح يقابلها ويصالحها عشان اللي حصل امبارح!!!!!... ولا يمكن هي اللي كلمته... ما هي واحدة زي دي باين عليها مش سهلة... وهو ميتسابش... بقى كده... لا لا... اللهم اغزيك يا شيطان... إيه اللي أنا بفكر فيه بس ده..."
كانت تتحرك بخطواتها دون وعي ليقطع صوت عبير الخشن تخيلاتها المضطربة.
عبير: إيه... أخدتي الإذن ولا إيه ما تردي عليا؟
انتبهت لها سميرة لتجيبها وهي تسحب حقيبتها معلقة إياها بكتفها.
سميره: هاه... آه... همشي أهو.
تناولت سميرة هاتفها واضعه إياه في جيب الجاكيت، ثم أنزلت حقيبتها مرة أخرى تنظر بداخلها لتتأكد أنها قد أحضرت النقود معها.
وجدت أثناء بحثها تلك الورقة التي قد كتبتها لها هيام بالأمس وبها عنوان الطبيب ورقمه هاتفه، فأشارت بها نحو عبير قائلة.
سميره: خدي صحيح كنت هنسى... ده اسم الدكتور وعنوانه.
عبير: شكراً يا سميرة... ربنا يخليكي والله أحسن ماما كل يوم تعبانة أكتر.
هزت سميرة رأسها بضيق بمعنى لا شكر على واجب ثم علقت حقيبتها بكتفها متوجهة إلى خارج المعمل مباشرة وهي تتخيل أن أمير الآن يقابل ميادة مما أثار غيرتها وغضبها.
تقابل أحمد مع سميرة على درجات السلم لكنها لم تنتبه له إطلاقاً فقد كانت شاردة بأفكارها، دلف احمد بعدها إلى المعمل ليسأل عبير مباشرة.
احمد: مالها سميرة... فيه حاجة حصلت ولا إيه؟
عبير: لا عادي... استأذنت ومشيت بس عشان وراها حاجات.
احمد: آه... طيب.
جلس أحمد بمقعده خلف المكتب وهو يحك ذقنه بكف يده وكأنه يفكر بشيء ما، تلا ذلك بفترة قصيرة خروج أشرف من المعمل متجهاً نحو الخارج.
اشرف: أنا رايح لشركة الأسمدة لو حد سأل عليا أنا مش راجع المعمل النهاردة تاني... تمام.
احمد: تمام يا أستاذ أشرف.
قلبت عبير شفتيها بتعجب.
عبير: إيه المعمل اللي مفيهوش حد ده... كل الناس مشيت بدري معدش باقي غيرنا.
أردف أحمد بتذمر.
احمد: كل واحد شاف حاله وأدينا هنقعد لآخر اليوم ومنقدرش نمشي.
رغم سعادتها لبقائها معه إلا أنها لاحظت استيائه من الأمر لتردف بضيق.
عبير: إنتَ زعلان ولا إيه؟
احمد: بالعكس... بلا وجع دماغ... كده أريح.
عبير: أه... كده أريح.
أمير...
أغلق باب سيارته ممسكاً بهاتفه وهو يعاود الاتصال بأشرف فهو لم ينتبه لاتصالاته الفائتة منذ قليل.
امير: إزيك يا أشرف.
أجابه أشرف بقلق.
اشرف: إنتَ فين يا أمير... رنيت عليك كذا مرة؟
امير: كنت بحط البحث في مكان أمان بدل ما أنا رايح جاي بيه كده.
اشرف: عملت طيب... أنا كنت بتصل بيك عشان تروح شركة الأسمدة كانوا عاوزينك... بس خلاص لما إنتَ ما رديتش أنا رحت خلاص.
باعتذار شديد عقب أمير فقد أثقل على أشرف كثيراً اليوم.
امير: سامحني والله... ما أخدتش بالي خالص... أنا راجع المعمل أهو لو فيه حاجة هخلصه.
اشرف: مالوش لزوم بقى... أنا خلصت الشغل ورحت شركة الأسمدة أهو... والباقي أحمد وعبير يخلصوه.
بتوتر عن سؤاله عنها تساءل أمير باندهاش.
امير: أحمد وعبير...؟!!! أمال فين... سميرة؟
اشرف: أخذت إذن ومشيت بدري.
أمير بضيق: طيب تمام أنا رايح.
اشرف: تمام... أشوفك بكرة بقى.
امير: إن شاء الله... مع السلامة.
أنهى أمير مكالمته ببعض ضيق ليتوجه مباشرة إلى المنزل فعودته للمعلم الآن ليس لها داعي.
سميرة...
عادت سميرة إلى البيت للاطمئنان على والدها أولاً ثم دلفت لغرفتها وقد احتل عقلها بعض الهواجس التي تملكتها فهل تسرعت وأقحمت نفسها بحياة أمير وهو ما زال يكنّ لهذه المتلونة بعض المشاعر!!!!
تذكرت فجأة أختها هيام وأنها من المفروض أن تتقابل معها الآن، أخرجت هاتفها من جيبها لتتصل بهيام ليتفقا أن تمر سميرة ببيت نورا للتتقابل مع أختها وصديقتها ليذهبوا جميعاً لشراء فستان لـ هيام اليوم.
غادرت المنزل متجهة لبيت نورا لكنها تذكرت بطريقها أن عليها شراء الحقائب لها ولـ هيام لكنها لم تسأل عبير بعد عن اسم المتجر الذي ابتاعت منه حقيبتها.
سميرة: يا خبر... ده أنا نسيت آخد اسم المحل بتاع الشنط من عبير.
لتخرج هاتفها لتتصل بـ عبير وتسألها عن المكان بالتحديد.
المعمل...
لاحت وقت الانصراف ليسأل أحمد متجهاً بسؤاله نحو عبير المنشغلة بآخر تقرير معها.
احمد: مش ماشية يا عبير ولا إيه؟
عبير: آه خلاص أهو... إنتَ ماشي؟
احمد: آه... هخلص بس التقرير اللي في إيدي ده وأحفظه على الكمبيوتر وأمشي على طول.
دق هاتف عبير من داخل حقيبتها لتخرجهُ منها لترتسم ابتسامة فوق ثغرها حين رأت اسم سميرة يعلو شاشته.
عبير: إيه... لحقت وحشك؟
عقصت سميرة أنفها بطرافة وهي تجيبها بتهكم.
سميره: يا أختي اتلهي... أنا نسيت أسألك فين محل الشنط بالضبط.
ضحكت عبير ساخرة من تأخر سميرة بسؤالها عن هذا المتجر.
عبير: خلاص نويتي تفكي الكيس وتشتري؟
احتدمت سميرة من مزاحها الثقيل مردفة بانفعال.
سميرة: ... عبير...!!... إخلصي أنا في الشارع.
بدأت عبير بوصف المكان بطريقتها العشوائية غير المرتبة.
عبير: بصي عارفة المحل اللي كنت جبت منه البلوزة الأخيرة دي.
سميرة: اللهم طولك يا روح... بلوزة إيه ارحميني مرة واوصفي عدل... كده هتوه.
عبير: استني بس عليا... المحل الكبير ده اللي يافطته كبيرة ولونها أزرق.
سميرة بقله صبر: أنا عارفة إن اليوم ده مش هيعدي.
حاولت عبير أن تكون أكثر تحديداً لكنها بالفعل لا تعرف كيف تصف المكان بدقة.
عبير: اسمعيني بس للآخر... خلي المحل ده في ظهرك وخدى الشارع اللي في وشه للأخر هتلاقي محل كده بتاع اكسسوارات... ادخلي من جنبه هتلاقي محلات بتبيع الشنط... هو محل صغير بس عنده حاجات حلوة قوي وأسعارها أقل من النص... بصي هتلاقي قدامه واحد بتاع عصير.
فغرت سميرة فاها من وصف عبير الذي وضعها في المتاهة فهي تصف بعشوائية كحياتها تمامًا.
سميرة: يا حووووستي.... دي وصفة هايلة!!!!... ماشي يا عبير ربنا يستر ونعرف نوصل.
عبير: امشي بس على الوصفة هتلاقيه والله.
سميرة: ماشي سلام.
عبير: مع السلامة.
أنهت سميرة حديثها مع عبير ووضعت الهاتف مرة أخرى بجيبها متوجهة لمنزل نورا لمقابلة هيام، تركت عبير هاتفها إلى جوار المكتب كالعادة وأخذت تبحث عن شيء ما وسط الأوراق.
احمد: بتدوري على إيه يا عبير؟
عبير: على الورقة اللي فيها اسم الدكتور... أهي خلاص لقيتها.
وضعت عبير الورقة بسرعة بداخل الحقيبة وعلقتها بذراعها قائلة.
عبير: أنا همشي بقي عشان ألحق أودي ماما للدكتور.
احمد: ماشي يا عبير... مع السلامة.
انصرفت عبير في عجالة لتلحق بموعد الطبيب.
شقة نورا...
انتهت من ارتداء ملابسها لتخرج متأخرة كالعادة لـ هيام التي تنتظرها بغرفة الاستقبال بعد نهاية عملها.
نورا: أنا جاهزة أهو.
هيام: سميرة كلمتني شوية وهتيجي هنا نروح كلنا سوا.
نورا: كويس قوي.
شعرت نورا بعدم اتزان ودوار برأسها فجأة أثناء حديثها مع هيام جعلها تترنح لبعض الخطوات، نهضت هيام بقلق ممسكة بذراع نورا لتلحق بها قبل أن تسقط أرضاً وقد شحب وجهها تماماً.
هيام: مالك يا نورا... إيه اللي حصل؟
نورا بإعياء: مش عارفة... دماغي بتلف جامد.
هيام: طب تعالي اقعدي أقعدي... أعملك عصير ولا حاجة؟
باستياء شديد لهذا الإعياء الذي أصابها.
نورا: مش عارفة... شكلي مش هعرف أنزل معاكم.
هيام: مش مهم... المهم إنتِ تكوني كويسة.
نورا: كان نفسي أختار معاكي فستانك.
بابتسامة لطيفة وقفت هيام برزانة وهدوء متجهة نحو المطبخ.
هيام: تعوضيها في حاجة تانية... هقوم بس أجيبلك عصير ولا حاجة نامي بس وارتاحي إنتِ.
أمالت فمها جانباً ساخرة من حالها بالآونة الأخيرة.
نورا: هو أنا بعمل حاجة غير النوم.
هيام: معلش.
أحضرت هيام كوب من العصير لـ نورا لتتناوله فوراً ثم تركتها لترتاح بعدما شعرت بدوار آخر لتحاول النوم قليلاً فيبدو أنها متعبة للغاية، غادرت هيام لمقابلة سميرة لبدء تسوقهم لشراء فستان يليق بـ هيام لأجل هذا اليوم المرتقب الذي لم يبق عليه سوى يوم واحد.
احتارتا كثيراً من اختيار شيء ملائم لتلك المناسبة فقد أصاب كل شيء الغلاء لكنهم أخيراً توصلوا لفستان رقيق يشبه هيام ويليق بها في هذا اليوم المميز.
فستان وردي أنيق بانسياب حريري يتسع من الأسفل مطعم ببعض الكريستالات الوردية لتعطيه بريق ساحر.
سميرة: تحفة يا هيام.
هيام: بجد... لايق عليا.
سميرة: جداً... شبهك أوي.
بعد أن انتهتا من شراء الفستان نظرت سميرة إلى ساعتها مردفة.
سميره: كان نفسي نلحق نجيب الشنط.. بس يا دوب نلحق معاد الدواء بتاع بابا أحسن ينساه.
هيام: الشنط مش مشكلة دلوقتي... ممكن نجيبها في أي يوم عادي يعني مش شرط النهاردة.
ضحكت سميرة بقوة حين تذكرت وصف عبير للمتجر قائلة.
سميره: ده أنا بالعافية عرفت المحل بعد وصف عبير اللي يتوه ده.
هيام بضحك: تفتكري هتعرفي توصلي له.
استكملت سميرة ساخرة من طريقة عبير بالوصف.
سميرة: الحمد لله موضوع تسجيل المكالمات ده مع عبير بينفع قوي.
هيام: حرام عليكي.
علقت سميرة ذراعها بذراع أختها بحميمية قائلة بحيرة.
سميرة: تعالي بقى آخد رأيك في حاجة واحنا مروحين.
هيام: قولي.
مطت سميرة شفتيها بتردد ثم أجابت بغموض.
سميرة: أمير.
هيام: ماله... إيه الجديد؟
سميرة: مش عارفة أنا اللي حشرت نفسي في حياته ولا فعلاً هو بيحبني بجد... امبارح جت اللي كانت خطيبته دي... حاجة كده تموع النفس... ملخبطة شكلها وشعرها كلها ألوان كتير كده... لا ورمت نفسها عليه بدلع ماسخ... أنا مش شبهها خالص يا هيام... خايفة يكون لسه بيحبها؟
هنا عادت هيام لرزانة الأخت الكبرى وشعرت بالمسؤولية تجاه أختها معدومة الخبرة بهذه الأمور وعليها إبداء نصيحتها لها.
هيام: يبقى لازم تتأكدي إنك مش مجرد واحدة بتنسيه خطيبته دي... وإنك مش مرحلة وبس.... كمان إنتِ حشرتي نفسك في حياته فجأة... فيمكن شغلت تفكيره بس... لازم كمان تتأكدي إنه هو كمان يكون بيحبك مش مستني الفرصة عشان يرجع لها.
بهتت سميرة من رأي هيام العقلاني لتسأل بتخوف.
سميرة: يعني ممكن تكون رجعت له عشاني؟
هيام: ممكن... وممكن ميكونش بيحبك وحس بس كده عشان تنسيه وجودها بعد ما سابته.
سميرة: يعني بدل... بملا الفراغ بس!!!
هيام: ده اللي فهمته من كلامك... وممكن برضه شافك مختلفة فحبك إنتِ.
بجدية شديدة استمعت سميرة لـ هيام بإنصات وهي تطلب مشورتها.
سميره: طب وأعرف منين؟
هيام: كفاية لحد كده... ولو عاوزك هيحبك... متنزليش من قيمة نفسك أكتر من كده... إنتِ غالية أوي... كنتِ بتساعديه يطلع من الحالة النفسية اللي هو فيها... وأهو طلع... كفاية كده وإدي نفسك وإديله فرصة تتأكدوا إنكم بتحبوا بعض.
سميره: بس ده طلب يتجوزني... وأنا قلت له لما بابا يتحسن.
هيام: لازم تتأكدوا من مشاعركم الأول يا سميرة... أو تتأكدي منه هو الأول قبل ما تاخدي أي خطوة جديدة.
بانصياع لرأي هيام وافقتها تماماً على ذلك.
سميره: صح... كلامك صح... لازم يتأكد من إنه عاوزني وبيحبني الأول.
هيام: عشان كده بقولك... خليكي بعيد... بعيد أوي... عشان تقيموا صح.
سميرة: أيوه... أنا هعمل كده.
هيام: يلا نركب بقى أحسن اتأخرنا أوي.
استقلتا إحدى سيارات الأجرة للوصول إلى المنزل.
مكثت سميرة بغرفتها تفكر بصمت منذ وصولها إلى المنزل وحتى حل الليل.
سميرة: "ممكن يكون مش بيحبني بجد... معقول... يبقى ساعتها لازم أبعد... وحأقدر أبعد عنه؟!!!... صعب أوي... أوي... أنا حبيته بجد... ممكن يكون محبنيش... وكل ده كنت سد خانة... ويوم ما هي ترجع... يرجع لها ويسيبني.... ممكن ده يحصل؟!!!"
أحست سميرة بأن روحها تحترق من مجرد تلك الأفكار فقط، فماذا سيحدث إذا تأكدت من أفكارها وتحولت لحقيقة واقعة، كيف تستطيع أن تبتعد.
قررت سميرة عدم الذهاب إلى العمل لتقييم مشاعرها وإعطائه أيضاً الفرصة لتقييم مشاعره وهي بعيدة عنه.
يوم الخميس...
وصل اليوم الموعود الذي ينتظره الجميع بقلوب متلهفة فقد رتب كرم أن يقام حفل لعقد القرآن فربما يكون هذا هو الحفل الوحيد الذي يستطيع القيام به قبل السفر والاكتفاء باحتفال بسيط قبل سفرهم في ليلة الزفاف.
المعمل...
بغياب سميرة لانشغالها بعقد قرآن أختها سألت عبير عن سبب رفض أحمد حضور الحفل اليوم.
عبير: ليه يا أحمد مش هتيجي النهاردة دي سميرة عزمتنا كلنا؟
احمد: ورايا حاجات مهمة وكفاية كلكم رايحين.
باندهاش لموافقة أمير حضور هذا الحفل برفقتهما.
عبير: تصدق أنا فعلاً مستغربة إن الباشمهندس أمير جاي معانا.
تنهد أحمد بضيق ثم أجابها.
احمد: لا متستغربيش... معدش فيه حاجة على حالها... جت عليه يعني.
عقصت عبير أنفها بعدم فهم.
عبير: قصدك إيه؟
احمد: ولا حاجة.
مكتب أمير...
فكر أشرف بسبيل لبث الراحة بنفس صديقه المتوتر لغياب سميرة لعدة أيام متواصلة.
اشرف: مش إنتَ هتروح النهاردة كتب كتاب أختها؟ خلاص.
امير: أيوه يا أشرف بس مش فاهم لازمتها إيه كل الإجازة اللي هي واخداها دي... دي طلبت أسبوع إجازة!!!!
اشرف: أديك هتشوفها اسألها.
بإيماءة قوية أجابه موافقاً.
امير: أيوه... هأسألها... وبما أن والدها بقى كويس أهو احتمال كبير أفاتحه في موضوعنا النهاردة.
اشرف: إنتَ بتتكلم جد؟
امير: أيوه طبعاً... مش قادر أقولك الكام يوم اللي مش شفتهاش فيهم دول خلاص حأتجنن.
اشرف: والله فرحتني... ربنا يتمملك على خير.
امير: يا رب يا أشرف... يا رب.
ياسر ونورا...
بصدق حقيقي ومحبة لـ كرم اتسعت ابتسامة ياسر قائلاً.
ياسر: أنا مش مصدق إن كرم حـ يكتب كتابه النهاردة.
شاركته نورا بتفاجئهم من ارتباطهم السريع.
نورا: ولا أنا... دي هيام طول عمرها بترفض بس.
ياسر: ده النصيب ده غريب أوي... يعني هو عايش طول عمره في لندن ولا فكر حتى إنه يتجوز.. ويوم ما ينزل مصر بعد ما اتحايلت عليه يجي هنا ويقابل هيام ويتجوزوا.
لم تستطع نورا هذه المرة تحمل الدوار وسقطت أرضاً أثناء حديثها مع ياسر.
انتفض ياسر بقلق ليلحق نورا قبل اصطدام رأسها بالأرضية.
ياسر بفزع: نورا... مالك يا حبيبتي... نورا!!!!!
نورا بوهن: تعبانة يا ياسر.
ياسر: حاسة بإيه؟
تحاملت نورا هذا الدوار الذي يلف برأسها لتجيبه بإعياء وشحوب واضح.
نورا: دايخة وتعبانة بقالي كام يوم.
ياسر: تعالي معايا ارتاحي جوه وحكلم الدكتور سامي يجي هنا البيت يكشف عليك.
أسند ياسر زوجته لغرفتهم لترتاح قليلاً بالفراش بينما اتصل بأحد أقربائه حيث يعمل طبيباً ليفحص نورا.
حضر الطبيب على الفور وصعد معه والد ياسر ووالدته للاطمئنان على نورا.
قام الطبيب بفحص نورا ليبتسم نحو ياسر قائلاً.
سامى: قلقان أوي يا ياسر؟
ياسر: سامي بقولك إيه اخلص... نورا تعبانة بقالها فترة وأنا مش مرتاح وبكره السفر.
ببسمة سمجة للغاية عقب الطبيب قائلاً.
سامى: مبروك يا سيدي... نورا حامل.
لم يصدق ياسر ذلك فلم يتوقع نهائي أن ما يحدث لـ نورا وإعيائها المتكرر سببه الحمل.
ياسر بعدم تصديق ممزوج بالفرحة وهو ينظر نحو سامي ثم يعيد ببصره نحو نورا.
ياسر: بجد... بجد يا نورا.... ده أحلى خبر سمعته في حياتي.
نورا بفرحة: أنا مبسوطة أوي يا ياسر.
أعلى ياسر من صوته ليسمع والديه خارج الغرفة.
ياسر: يا بابا... يا ماما... نورا حامل.
أسرع والداه نحوه بفرحة، فهذا أول حفيد لهما، كم أن الفرحة بهذا الخبر كان يفوق تخيلهم به.
والد ياسر: الحمد لله ألف حمد وشكر لك يا رب.
ام ياسر: حبيبتي يا نورا... ربنا يتم حملك على خير... لازم تاخدي بالك من نفسك كويس وإنت يا ياسر خد بالك منها كويس ده انتوا حتبقوا لوحدكم هناك.
ياسر: نورا في عنيا يا ماما.
هنأ الجميع بسعادة بالغة نورا وياسر فيا له من خبر سار بدأ به يوم مميز.
رواية لحظات منسيه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم قوت القلوب
يوم مميز ....
يوم فارق بحياة الأحبة ، إنه يوم مميز للغاية ، يوم بدأ بمعرفة نورا بحملها لتنعطف حياتها لمنعطف آخر فبمجرد معرفتها بخبر حملها وكأن إحساس الأمومة ينبع من مجرد الفكرة لتتخيل أيامها القادمة وتبدأ ببناء أفكارها التى تتمحور فقط على هذا المولود القادم .
***
استيقظت هيام بسعادة فاليوم حفل عقد قرانها بكرم لترتدى ملابسها متوجهة نحو الفندق الذى سيُقام به الحفل بصحبة أختها سميرة .
الفندق ....
تجولت سميرة ببصرها بانبهار لفخامة هذا الفندق ورُقيه فهى أول مرة تتواجد بمكان مثل هذا . عادت ببصرها نحو هيام الواقفة إلى جوارها فهى على الرغم من انبهارها بروعة وفخامة الفندق إلا أنها كانت تتصرف بهدوء وثقة كما لو كانت معتادة على التواجد بمثل هذه الأماكن .
سميرة: المكان تحفة ... يا بختك يا هيام ...
أومأت هيام برأسها بثقة وهدوء .
هيام: عادي يا بنتي متزوديش الموضوع ... فندق وخلاص ...
عقبت سميرة بطريقتها المشاكسة .
سميرة: وخلاص إيه ...!!! ... دا روعة ... كرم دا بيحبك أوى ... وشكله غني أوى أوى ....
هيام: الفلوس دي مش بتفرق معايا خالص ... اللي فارق معايا إنه بيعمل كل ده عشاني وعشان يفرحني ....
سميرة: عندك حق ....
مالت هيام برأسها تحث سميرة على التقدم بدلاً من وقفتهم بوسط البهو بهذا الشكل .
هيام: يلا نطلع الأوضة اللي هو حاجزها قبل ما يجوا بتوع البيوتي سنتر دول ...
سميرة بحماس : يلا يا أحلى عروسة ....
صعدتا نحو الغرفة التى أرشدتهما إليها عامل الفندق ليكتمل انبهارهما بالتجهيزات المحضرة لتزيين العروس .
مع حلول الليل وتوافد أقارب هيام وأصدقائها الذين قامت بدعوتهم إلى الحفل تلاهم والديها وأختها هبة . حضرت عائلة ياسر بأكملها لتهنئة العروسين فكرم طلب من ياسر ذلك لأنه ليس لديه أقارب يحضرون معه الحفل ولا يريد الإحساس بالوحدة في هذا اليوم بالخصوص .
لكن المفاجئ كان حضور أمجد مع نورا حيث أصر على مقابلة كل من هيام وكرم ليعتذر لهما عما بدر منه ويطلب الغفران من هيام ، وأيضًا لتكون الليلة هي الليلة الحاسمة ليقنع نفسه بأن هيام لم تكن له وأنها الآن زوجة لآخر .
صدحت أصوات الموسيقى معلنةً قدوم العروسين وسط الإضاءة المبهرة والورود على الجانبين ليظهر كل من هيام وكرم ببهائهما يخطفان الأنفاس من شدة حسنهما .
تحركا ببطء على الدرج الخشبي المؤدي إلى قاعة الفندق المبهرة فأرتدى كرم حُلته البيضاء وقميصه الأبيض لتزيد من وسامته المكسيكية الساحرة بينما طلت هيام بفستانها الوردي برقة وانسيبابية فأخذت الأنظار كملكة متوجة إلى عرشها بثقة .
حاوط والدها وبعض المدعوين منضدة كبيرة ومعهم المأذون وجلسا كرم وهيام على جانبيهم في انتظار بدء مراسم عقد القرآن .
والتي ما أن بدأ المأذون بكلماته وكان كل حرف ينطق به تتعالى معه دقات قلبيهما بفرحة وسعادة ....
توالت فقرات الحفل بعد انتهاء المأذون من عقد القرآن في سعادة وحب ....
***
أمير ...
أخذ يبحث بعينيه عن سميرة التى لاحظت وجوده مما جعلها تتهرب بعيدًا عنه حتى لا يراها لكنه في النهاية وجد حوريته تتألق بفستانها الأسود الناعم الذي أعطاها سحرًا ونعومة زادت من حسنها وجمال عينيها .
اقترب منها أمير ببطء متحدثًا معها بإشتياق لغيابها كل هذه الأيام عنه .
أمير: سميرة .... إنتِ فين من بدري ...؟!
سميرة بارتباك: حـ أكون فين يعني ... أنا هنا أهو ...!!!
اهتز قلبها مع نبرته الحنونة المعاتبة .
أمير: غبتي من الشغل كل ده ليه ....؟!
ازدردت ريقها باضطراب لتجيبه بتهرب .
سميرة: أبدًا ... كنا بنحضر لفرح هيام وكده ... عادي يعني ... ااا ... معلش بعد إذنك ...
همت أن تتحرك مبتعدة عنه حين التف إليها من الجانب الآخر مقطبًا عينيه وكأنه أدرك تهربها منه .
أمير بتساؤل : فيه إيه ... بتهربي مني ليه ...؟! هو فيه حاجة حصلت ...؟!
ابتلعت سميرة ريقها بتوتر وقررت التحدث بصراحة لتوضح له ما سبب ابتعادها عنه ، فهي لا تحب الكذب والحركات الملتوية غير الواضحة .
سميرة: باشمهندس أمير ... أنا حاسة إني حشرت نفسي فجأة في حياتك وإن كل اللي انتَ حاسس بيه ده مش حب ولا إعجاب ده بس انتَ حسيت كده عشان التجربة اللي انت مريت بيها ووجودي في حياتك عشان تنساها بس ... فيا ريت تدي نفسك فرصة تتأكد من مشاعرك بعيد عن أي ضغط مني ....
أمير بصدمة : إنتِ .... بتقولي إيه ... إنتِ مش فاهمه حاجة خالص ... أنا لما كنت فاكر إني بحب ميادة مكنتش بحبها هي ... كنت حابب فكرة الاهتمام وإني أكون بيت وعيلة ... ولما سابتني مزعلتش عليها قد ما زعلت أني بقيت لوحدي ... سميرة .... أنا عمري في حياتي ما حسيت بقلبي متعلق بحد زيك ... أنا الكام يوم اللي انتِ فيهم بعيد دول أنا كنت بتخنق ... حاسس إني حـ أموت ... أنا عمري ما حسيت كده مع أي حد ....
تمالكت قلبها الذي أطرب بسعادة لسماعها كلماته المحبة لتردف بذات التجهم .
سميرة: برضه .. ادي لنفسك فرصة تفكر .... و ااا...
أمير مقاطعًا بنظرات عاشقة صريحة لهذه الفتاة التي أثارت بعفويتها وجرأتها كل مشاعره وأطاحت بقلبه في سمائها ....
أمير: اللي أنا حاسس بيه ناحيتك متأكد منه ميه في الميه ... سميرة أنا ..... بحبك بجد وعايز أتوزجك ... مش عايزك تبعدي عني لحظة واحدة ... أنا عمري ما حسيت قلبي بيدق ويبقى ملهوف على حد زي ما هو بيدق لما بشوفك أو أسمع سيرتك .... مش عايز غير إني أبقى معاكِ بس .... متحرمنيش منك بعد ما لقيتك ... على فكرة أنا مش حـ أستنى أكتر من كده .... أنا حكلم والدك دلوقتي واطلب إيدك منه .. أنا مش حـ أقدر أصبر تاني ...
سيل من الكلمات تراقص لها قلبها الصغير فرحًا وشقت وجهها ابتسامة سعادة ظهرت في عينيها الجميلتين لتنظر بعدها نحو الأرض بخجل لتتوهج وجنتيها بحمرة مشتعلة وكأنها إشارة لأمير ليتركها متوجهًا نحو الحاج سعيد ليفاتحه في الأمر ....
***
نورا ....
جلست نورا إلى جوار أمجد ووالديها تتطلع نحو أمجد بحزن فقد تعلقت نظرات أمجد اليائسة بـ هيام وكرم ليهمس باتجاه نورا قائلاً ....
أمجد: ممكن توديني عندهم يا نورا ...؟!
نعم هو مخطئ لكنها أشفقت عليه للغاية لتردف محاولة إثناءه عن تلك المواجهة .
نورا : إنتَ برضه مصمم يا أمجد ... ؟!
أمجد: أيوة ... ساعديني أروح لهم ...
قامت نورا بمشاعر متضاربة بين ضيقها واشفاقها عليه لتمد يدها وتدفع الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه باتجاه هيام وكرم .
شعرت هيام بضيق وغضب فور رؤيتها لأمجد يقترب منهم برفقة نورا لتنحي عينيها عنهما فاليوم لا تريد رؤيته مطلقًا ، لا تريد إفساد فرحتها بوجود هذا الدنيء بينهم .
تملك أمجد الحزن والحرج من انزواء نظرات هيام عنه ، ليستجمع ما تبقى من شجاعته وهو يحاول إخراج الكلمات من حلقه الجاف بصعوبة .....
أمجد : مبروك ...
انتبه كرم لوجود أمجد لينهض غاضبًا تعلو عينيه ثورة الانتقام ، يود لو يلكمه بقوة الآن فبأي وجه استطاع القدوم اليوم .
أمسكت هيام يد كرم لتهدئته قليلاً طالبة منه الجلوس مرة أخرى .
هيام: استنى يا كرم ... اهدى لو سمحت ...
أعادت بصرها بنفس نظرة الضيق والاشمئزاز نحو أمجد .
هيام: خير .. جاي ليه ...؟!
نكس نظراته بخزي وهو يستجمع شجاعته للاعتذار عما بدر منه .
أمجد: أنا جاي أقولك ... سامحيني ... أنا آسف ... عارف إني غلطت غلطة كبيرة ... وربنا حاسبني .. قبل ما انتِ تحاسبيني عليها ...
هيام: ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي ...
وزع نظراته المتوسلة بين هيام وكرم يستجدييهم بمسامحته وقبول اعتذاره .
أمجد: أرجوكم سامحوني .. أنا خلاص اتعلمت الدرس كويس ...
هيام باستخفاف : يا رب تكون اتعلمته .. سامحتك بقى أو مسامحتكش أنا مش عايزة أشوفك تاني أبدا ... وادعي ربنا هو اللي يسامحك ...
أمجد: أنا فعلاً ندمان على اللي حصل ... أوعدك مش حـ تشوفى وشي تاني أبدا ...
رغم عدم تقبلها لوجوده إلا أنها كانت تود انتهاء هذا اللقاء .
هيام: خلاص ... ويا ريت اللي حصلك ده يكون درس ليك ..
أمجد: أكيد ... درس كبير قوي ... بكرر أسفي ليكم ... و .... ألف مبروك ...
تركهم أمجد بانكسار ليغادر الفندق على الفور بصحبة نورا حيث أصر على العودة للمنزل ، ليساعده ياسر بذلك ثم عاد مرة أخرى إلى الفندق ليكمل الحفل مع صديقه كرم .....
***
أمير....
اقترب أمير من الحاج سعيد ليعرفه بنفسه ....
الحاج سعيد: أهلاً وسهلاً يا ابني ... اتفضل اقعد ...
جلس أمير بالمقعد المجاور للحاج سعيد عاقد العزم على الدخول مباشرة بطلبه .
أمير: شكرًا يا عمي ... عمي أنا من غير مقدمات كتير ... أنا طالب ايد بنتك سميرة ...
ببسمة خفيفة لم تظهر حجم سعادته بخطبة ابنته الثانية بتلك السرعة .
الحاج سعيد: ده أنا يزيدني شرف يا ابني والله ... انتَ ونعم الناس والله ... بس ادينا كده فرصة نفكر وناخد رأي سميرة ونرد عليك ... انتَ شايف ده مش وقت مناسب خالص ...
طلب زواجها هو إنجاز بحد ذاته ويكفيه ذلك حتى الآن ليردف أمير بتفهم .
أمير: على راحتك يا عمي وأنا في انتظارك وتحت أمرك يا عمي فأي حاجة المهم موافقة حضرتك وأكيد حـ آجي أزور حضرتك ونتكلم في كل التفاصيل ...
الحاج سعيد: بإذن الله خير ...
رغم عدم معرفته بأمير إلا أن إحساسه بزواج بناته الوشيك سبب نوعًا من الراحة ليطمئن عليهن قبل وفاته ، فإذا تمت زيجة أمير وسميرة لن يتبقى سوى هبة ليدعوا الله في سره ليرزقها برجل طيب يحافظ عليها من بعده كما رزق أختيها من قبلها ....
انتهى الحفل سريعًا وانقضت تلك الليلة السعيدة التي حلقت بقلوبهم لعنان السماء ....
***
اليوم التالي ....
يوم جديد مختلف كليًا ستبدأ به حياة من نوع آخر ، حياة الغربة والسفر فها هي نورا تستعد للتحرك باتجاه المطار برفقة ياسر ، ستستقل الطائرة لأول مرة بحياتها لتبدأ طريق مجهول تمامًا لا تعرف عنه شيئًا .
تخوفت كثيرًا من اقتحامها لبلاد لا تدرك عنها شيئًا ولا تعرف بها أحد ، لكن وجود ياسر برفقتها كان أهم من قلقها واضطرابها الذي تشعر به .
وقف ياسر ونورا إلى جوار والديه بينما ساعداه أخواه بحمل الحقائب لوضعهم بالسيارة ، أخذ والد ياسر تهدئة والدته الباكية لفراق ولدها الأكبر مرة أخرى ....
والد ياسر: خلاص بقى يا أم ياسر متعمليش كده ....!!!
أم ياسر: حـ يوّحشوني أوي ....
ياسر: ما إحنا بنتكلم على طول أهو وإن شاء الله كلها سنة وأنازل أجازة أنا ونورا ..
بنظرات حانية تطلعت نحو نورا ثم عادت ببصرها تجاه ولدها توصيه بزوجته .
أم ياسر: خد بالك منها ومن البيبي ...
ياسر: متقلقيش يا ماما ... يلا بقى أحسن حـ نتأخر على الطيارة ...
ودعت والدة ياسر ابنها وزوجته بقلب متأثر متمنية لهم السلامة بينما رافقهم والده وأخيه إلى المطار .
أم ياسر: مع السلامة يا حبايبى ... مع السلامة يا نورا ... في رعاية الله ... لا إله إلا الله ....
نورا وياسر: محمد رسول الله ....
***
المطار ...
تقابل كرم وهيام مع نورا وياسر لوداعهم قبل سفرهم بالمطار .
كرم: توصلوا بالسلامة إن شاء الله .. وهانت ... أخلص بس ورق هيام ونحصلكم على طول ...
ياسر: الله يسلمك ... وأنا حـ أظبط لك الشقة بتاعتك عقبال ما تيجوا إن شاء الله ..
تذكر كرم طريقة ياسر غير المنسقة إطلاقًا وذوقه الرديء باختيار الألوان والمفروشات ليردف بمزاح .
كرم: الله يكرمك بلاش ... خلي كل حاجة في مكانها زي ما هي ...
ياسر: متقلقش بقى معايا نورا ...
بنظرات مستنكرة عقد كرم حاجبيه وهو ينهره عما يفكر به .
كرم: يا أخي خلي عندك شوية دم ... حـ تتعبها وهي حامل ... سيب الشقة زي ما هي متعملش فيها حاجة ...
ياسر: إنت حر ... أنا كنت عايز أخدم بس ....
كرم : متشكرين ... واجبك واصل ....
احتضنت نورا هيام ببكاء مؤثر فهذه أول مرة تسافر فيها وتبتعد عن كل أحبائها .
نورا: حـ أستناكِ متتأخريش عليا ...؟!!
هيام: كرم بس يخلص الورق وحـ تلاقيني عندك على طول ... كفاية نكد بقى عشان البيبي ...
قلبت نورا شفتيها وهي تردف بطفولية .
نورا: أصلك حـ توحشيني أوي ...
هيام: وإنتِ كمان بس هو شوية بس وأحصلك أهو إن شاء الله ...
نورا: إن شاء الله ....
تقدم ياسر نحو نورا يحثها على المضي باتجاه داخل المطار لإنهاء إجراءات السفر .....
ياسر: مش يلا بينا بقى ولا إيه ... يا دوب ندخل عشان نخلص الجوازات والشنط ...
نورا: يلا يا ياسر ...
ابتعدا عنهما ملوحين بأيديهم مودعين لهم بعيون دامعة وابتسامة حزينة .....
أمال كرم رأسه باتجاه هيام قائلاً .
كرم : حبيبتي ... إيه رأيك نتغدى مع بعض النهاردة ....؟؟
لكل حياتها واضحة صريحة قوية أجابته هيام .
هيام: بس أنا مقلتش لبابا ...!!!
كرم: بسيطة نكلمه في التليفون .. وبعدين متخافيش كده إنتِ دلوقتي مراتي .....
رغم عقد قرانهما إلا أنها لا تندرج بسهولة نحو أي تنازل أو تحايل على الوضع المفترض أن يكون عليه .
هيام: لأ .... لسه ...
كرم بمكر: لأ مراتي ... غصب عنك بقى قولتي إيه ...؟!!
واجهته بقوة فطبعها الشرس لا يقبل التهاون لتهتف محذرة .
هيام: بقولك إيه ....؟؟!
كرم: أنا مش سايبك النهاردة ... حد يبقى القمر قدامه ويبعد عنه ...
طريقته الناعمة جعلتها تبتسم وهي تردف بخجل فهي غير معتادة على عبارات الغزل تلك .
هيام بخجل: كرم ...!!!!
سبل بقاتمتيها بعشق فضحه بها عيناه ونبرته الحانية مردفًا .
كرم: عيونه وقلبه وروحه ... ثم تمالك نفسه قائلاً ...
كرم : يلا كلمي باباكِ عشان نروح نتغدا ..
هيام: طيب ...
كرم: حلاوتك يا مطيع انتَ .....
بعد أن هاتفت والدها لاستئذانه اصطحب كرم هيام لتناول الغذاء مع إرشادات هيام له لمعرفة الطريق فهو مازال غريبًا عن البلدة .
هيام: بس اركن هنا عشان مفيش مكان قريب من المطعم ...
كرم: تمام يا قمر .... ولا أجدعها ضابط مرور ...
هيام : طيب يلا عشان مش عايزة أتأخر ....
ترجلت من السيارة ناظرة نحو كرم تولي الطريق ظهرها دون أن تنتبه لتلك السيارة المسرعة الآتية من خلفها ، اتسعت عيناها بذعر متفاجئة منها لتتأكد أن لا محالة ستصطدم بها السيارة حتمًا ...
أسرع كرم نحو هيام يجذبها من ذراعها نحوه ليبعدها عن الطريق متجنبًا تلك السيارة التي كادت تدهسها ...
شعر كرم بالهلع حين شعر لوهلة أنه سوف يفقدها ، ليضمها بشدة إلى صدره ودقات قلبه تتسارع من شدة خوفه عليها .....
أحست هيام بالأمان والسكينة ، استمعت لدقات قلبه المتلهفة عليها ، كم هي محظوظة بحبه وخوفه عليها ولولاه ما كانت بقيت على قيد الحياة أو ربما لكانت الآن في حال لا تستطيع أن تتخيله وما كان من الممكن أن يحدث لها ....
رفعت رأسها ناظرة نحوه بامتنان ، تذكرت بتلك اللحظة خوفه عليها يوم حاول أمجد الاعتداء عليها وأنه هو من أنقذها من بين يديه ...
كرم : إنتِ كويسة حبيبتي ...؟؟؟
هيام: أنا كويسة طول ما إنتَ معايا ....
كرم : أنا معاكِ ومش حـ أسيبك أبدا مهما حصل ...
تخوفت هيام بتلك اللحظة من فقدانه بعد ما وجدته لتهمس بخوف ...
هيام : مش عايزك تبعد عني أبدا يا كرم ....
نظر إليها كرم متعجبًا .....
كرم : وإيه اللي ممكن يبعدني عنك ....؟؟؟
هيام : أنا حاسة إن انتَ كتير عليا أوي ... حبك ده كتير عليا أوي .... أنا خايفة تضيع مني .. أنا عمري ما فرحت أوي كده ... خايفة مقدرش استغنى عنك أبدا ويحصل حاجة تفرقنا عن بعض ....
بيقين تام لمشاعره تجاهها أجابها باطمئنان .
كرم : متخافيش أبدا أنا من غيرك مش عايش انتِ كل حياتي وعمري اللي جاي .... أنا عشت حياتي كلها مستنيكِ ومستني وجودك في حياتي إزاي أبعد عنك في يوم من الأيام ....
دلفا إلى المطعم لتناول الطعام ، كانا ملفتين للنظر لما يبدو عليهما من عشق فمن ينظر إليهما يرى بعينيهما نظرات متبادلة بينهما تدل على محبة كل منهما للآخر .
هناك من أحب رؤيتهم سعداء وتذكر أحواله مع أحبائه وهناك أيضًا من شعر بالغيرة منهم .
تمنوا لو أن الدنيا تخلو إلا منهما هما فقط لكن ما يصبرهم أنه يتبقى القليل حتى تجهز أوراق هيام ليتما زفافهما ويغادران إلى لندن ....
ويبقى للأحداث بقية ،،،
رواية لحظات منسيه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم قوت القلوب
جلس ياسر ونورا على مقعدي الطائرة بعد إنتهاء إجراءات السفر. استقرت نورا بمقعدها بجوار النافذة، بينما جلس ياسر إلى جوارها يتأمل خوفها الهستيري الذي انتابها فور إقلاع الطائرة.
ياسر: نورا... اهدّي كده أمال... مالك خايفة كده؟
بأعين زائغة محدقة بكل ما يحيط بها وهي تتشبث بمسند المقعد بذعر.
نورا: أنا مش خايفة، أنا مرعوبة... حـ أبقى طايرة كده ومتشعلقة بين السما والأرض ومش عايزني أخاف؟
ياسر: دي متعة... حـ تنبسطي منها أوي.
حركت رأسها بسرعة برفض لما يقوله ياسر.
نورا: لأ لأ برضه.
إقترح ياسر بتبديل مقعديهما لتبتعد عن النافذة وتطمئن قليلاً.
ياسر: طيب بدلي الكرسي بتاعي بتاعك عشان متخافيش لو بصيتي من الشباك.
مصمصت شفاهها بنبرة ممازحة تحاول بها التغلب على خوفها.
نورا: أيوة كده ابتديت تفهمني.
ياسر: أقولك حاجة أحسن كمان... حاولي تنامي شوية وأنتي مش حـ تحسي بحاجة.
بنومها العميق الذي يسيطر عليها بالفترة الماضية، وجدت نورا فرصة جيدة لاستغلال ذلك للسيطرة على خوفها.
نورا: أمرّي لله... متصحينيش إلا لما نوصل.
ياسر بضحك: حاضر... نامي إنتِ بس.
قضت نورا ساعات السفر الطويلة وهي نائمة باستغراق كعادتها في الآونة الأخيرة، بينما كان ينظر إليها ياسر من وقت لآخر بابتسامة. كم هي عفوية وتلقائية تشبه الأطفال.
أعلنت الطائرة بعد عدة ساعات وصولها إلى مطار (جيثرو). التفت ياسر نحو نورا المستغرقة في نوم عميق منذ بداية الرحلة ليهزها من كتفها برفق محاولاً إيقاظها.
ياسر: نورا... نورا... اصحي يلا حبيبتي... إحنا وصلنا.
تململت نورا وهي تفتح عيناها بصعوبة بالغة، فقد أصبح نومها مؤخرًا يغطيها في نوم عميق جدًا بمنتهى السرعة.
نورا: إيه ده بجد وصلنا؟ إحنا لحقنا؟
رغم مزاحه القليل وعفويته بالحديث، إلا أن وضع نورا كان مجالاً خصبًا لأن يرد مزاحها الثقيل معه.
ياسر بضحك: لحقنا؟ ده إنتِ مسافة ما قولتلك نامي شوية وقضيتي الساعات دي كلها نايمة ولا كأنك نايمة في بيتكم يا شيخة. فضحتيني... عمالة تقولي كلام غريب وتتكلمي مع ناس مش موجودة وأنا بحاول أعتذر للناس اللي حوالينا على الدوشة اللي إنتِ عملاها دي.
اتسعت بنيتها بإندهاش وحرج بالغ عما فعلته أثناء نومها، فقد صدقته حقًا.
نورا: يالهوي... أنا؟ أنا عملت كده؟
ضرب ياسر كفيه متصنع الجدية والحرج.
ياسر: يا خبر... الله يسامحك. يلا قومي ولا ناوية تباتي في الطيارة.
استقامت نورا وهي تشعر بالحرج الشديد لما صدر منها أثناء نومها وهي لم تشعر به. وقف ياسر يمد يده لفتح الجزء العلوي الخاص بالحقائب من فوقهم وأخرج منها حقيبة صغيرة، ثم أخرج منها جوازات سفرهم ناظرًا نحو نورا المحرجة يكسو وجهها البريء حمرة الخجل ليبتسم محاولاً إبعاد وجهه عن نورا يكتم ضحكته بعيدًا عنها.
ياسر: يلا يا نورا.
تحركت نورا ببطء خلف ياسر لترى ماذا سوف يفعل وإلى أين يذهب، فهذه أول مرة تقوم بالسفر ولا تدري كيف تتصرف.
أنهى ياسر إجراءات الخروج واقفًا إلى جانب نورا لاستلام حقائبهم من فوق السير المتحرك. انبهرت من لباقة ياسر وتحدثه بطلاقة للغة الإنجليزية مع العاملين بالمطار حتى خروجهم واستقلالهم لسيارة الأجرة التي طلب ياسر من سائقها إيصالهم لعنوان ما.
تطلعت نحوه بإعجاب شديد ثم همست بأذنه تثني عليه بطريقتها الطريفة.
نورا: يا ابن اللذينة ده إنتَ شاطر أوي في الإنجليزي.
ياسر: طبعًا يا بنتي مش بتكلم وبدرس بيها.
زمت شفتيها وقلبتهما بعدم فهم لتلك اللغة ثقيلة الظل عليها.
نورا: أنا مش بطيق الإنجليزي ده خالص... مبفهموش.
أجابها ياسر بجدية هذه المرة، فعليها أن تتعلم وتتغير.
ياسر: لأ... لازم تتعلمي بقى ده إنتِ في إنجلترا. أمال حـ تتعاملي مع الناس إزاي؟
عقصت أنفها باستنكار مجيبة إياه.
نورا: وأنا أتعامل ليه؟ كفاية إنتَ.
ياسر: وهو أنا موجود معاكي طول الوقت؟
بتكاسل شديد عن تعلم تلك اللغة.
نورا: ساعتها حـ أبقى أخلي هيام هي اللي تتعامل، هي شاطرة زيك في الإنجليزي. لكن أنا مبحبوش.
ضحك ياسر.
ياسر: بكرة تتعودي عليه... أهو أحسن من لغة الجن اللي كنتِ بتتكلمي بيها وإنتي نايمة في الطيارة دي.
مطت شفتيها باستياء وهي تعقد ذراعيها بضيق أمام صدرها.
نورا: كده برضه... حـ تمسكها لي بقى.
ياسر: الصراحة أه.
تطلعت نحو الجانب الآخر بضيق.
نورا: بايخ... مش حـ أكلمك على فكرة.
رفع حاجبه بتحدي.
ياسر: متقدريش.
نورا: حـ تشوف.
قاطعهم سائق السيارة متحدثًا بالإنجليزية نحو ياسر ونورا منبهًا لهما بالوصول إلى العنوان المطلوب.
السائق: لقد وصلنا يا سيدي للعنوان.
ترجل ياسر ومن خلفه نورا من السيارة وساعدهم السائق في إخراج حقائبهم من سيارته قبل أن يرحل.
نظرت نورا بانبهار نحو هذه البناية ذات الطراز الإنجليزي العتيق بلونها الطوبي الداكن ونوافذها الطويلة المميزة، ثم أدارت وجهها على الجانبين لترى الطريق العريق منصفًا بنايات لا تقل روعة وفخامة عن هذا المبنى الواقفين أمامه بهذا الحي الراقي.
نورا بانبهار: دي لندن دي طلعت حلوة أوي... هو ده البيت اللي حـ نسكن فيه؟
ياسر: إيه رأيك... عجبك؟
نورا: تحفة... البلد حلوة ونظيفة أوي.
سحب ياسر الحقيبة لتتحرك بعجلاتها الصغيرة من خلفه وهو يردف بتشويق.
ياسر: ولسه... حـ تحبي المكان هنا أوي بجد.
أجابته بعفوية وطرافة.
نورا: أنا حبيته خلاص.
دلف ياسر إلى داخل البناية تتبعه نورا كالطفل الصغير المتشبث بأمه خوفًا من تخطيء بشيء.
ياسر: نطلع بقى ونرتاح من السفر أحسن أنا نفسي أناااام.
وافقته نورا رأيه تمامًا قائلة.
نورا: وأنا والله.
التفت إليها ياسر يعلو وجهه نظرة تعجب وصدمة موسعًا عيناه بغير تصديق.
ياسر: تنامي!!! بعد كل اللي إنتِ عملتيه في الطيارة ده... لسه عايزة تنامي؟
نورا: الله... حد شريكي يا أخي... حامل ومرهقة وتعبانة منامش ليه؟
ياسر: نامي يا حبيبتي... نامي... بس نطلع الشقة الأول.
نظرت نورا نحو السلم الصغير أمامها ثم تساءلت.
نورا: هي الشقة في الدور الكام؟
ياسر: الأول.
نورا: كويس.
صعدا نحو الشقة ليدلفا إلى الداخل ليضع ياسر الحقائب جانبًا ويغلق الباب من خلفهم وسط إعجاب نورا ببساطة الشقة، فهي على الطبيعة أجمل بكثير من الصور التي كان يرسلها لها ياسر. وبعد تفقد نورا للشقة ومحتوياتها، أبدلا ملابسهما ليخلدا للنوم وينالا قسطًا من الراحة أولاً.
***
مر أسبوعين استطاع ياسر أن يضبط أمور دراسته بعد هذه الإجازة الطويلة لبدء كورس جديد بالجامعة.
بينما تأقلمت نورا على مكانها الجديد دون الحاجة للتحرك كثيرًا خارج البناية، فهي لا تعلم عن هذا البلد الكثير بالإضافة إلى ضعفها في اللغة الإنجليزية، الشيء الذي جعلها تؤثر أن يقوم ياسر بشراء احتياجاتهم حتى تتعرف نورا على البلد أكثر.
***
لم يمر الأسبوعين الهادئين عليهما فحسب، بل كانا هادئين أيضًا على العروسين كرم وهيام. تعاملت هيام ببعض الرسمية مع كرم لحين تحديد موعد زفافهم واستكملت عملها بدون أن تغيير يذكر.
بينما سعى كرم بإنهاء إجراءات السفر لهيام بالسفارة، والتي كان يتوقع تأخرها كثيرًا لما يتطلبه الأمر من وقت طويل.
بيت الحاج سعيد.
بعد تناول الفطور وعودة الحاج سعيد من صلاة الجمعة، التفوا جميعًا يتحدثون بدفء أسري محبب.
الحاج سعيد: والله وكبرتوا يا بنات وكل واحدة فيكم حـ تبني بيت وأسرة.
أم هيام: أه والله يا سعيد... أدي هيام واتكتب كتابها. الواحد مش مصدق إنك حـ تسافري وتسيبينا يا هيام.
أعادت خصلات شعرها الناعمة خلف أذنيها وهي تجيب والدتها بهدوئها الذي تتميز به.
هيام: لسه بدري يا ماما... هو الورق لسه خلص؟ أنا قاعدة لكم أهو.
الحاج سعيد ناظرًا نحو سميرة التي شرد ذهنها بعيدًا عنهم تمامًا.
الحاج سعيد: وإنتِ يا سميرة؟
انتبهت له سميرة مستفهمة.
سميرة: أنا إيه يا بابا؟
الحاج سعيد: مسمعتش ردك في موضوع الباشمهندس أمير. أنا سألت عليه كويس والحمد لله كل الناس شكرت فيه وفي أخلاقه. مش باقي غير رأيك إنتِ.
تطرق رأسها بخجل وهي تجيب والدها بتلك الإجابة الدبلوماسية التي اعتادت سماعها في جميع الأفلام التليفزيونية.
سميرة: زي ما تشوف يا بابا.
ضحك الحاج سعيد وهو يرى حمرة الخجل تكسو وجه سميرة على غير العادة.
الحاج سعيد: إيه ده؟ إنتِ بتتكسفي أهو.
بذات اللحظة رفعت رأسها مستنكرة وهي تحرك حاجبيها بتعجب أضاع حمرة الخجل بلحظة.
سميرة: أمال إنتَ فاكر إيه؟
ابتسم والدهم وهو يطالع كلاً منهما ثم يردف بحنو.
الحاج سعيد: مش بقولكم كبرتوا... عمومًا بس تيجي الفرصة وأبلغه بموافقتنا إن شاء الله وتحصلي أختك.
رفعت والدة هيام كفها ملوحة برفض تام.
أم هيام: لااااا... سميرة محتاجة وقت يا سعيد. هيام مسافرة، لكن سميرة محتاجة جهاز وتحضير مش حـ ينفع على طول كده.
الحاج سعيد: إن شاء الله.
هبه: يعني مش قاعد لكم غيري... استحملوا بقى.
ضحكوا جميعًا على كلمة هبه حين طُرق الباب ليلتفتوا جميعًا لبعضهم البعض، فمن هذا الزائر الذي يطرق بابهم بصباح يوم عطلتهم؟
توجهت سميرة نحو الباب لترى من زائر الصباح هذا لتتفاجئ بوجود كرم.
سميرة: كرم!!! أهلاً وسهلاً اتفضل.
بأدب شديد ورزانة تشبه هيام، فكم هما زوجان متشابهان إلى حد كبير، أردف كرم.
كرم: إزيك يا سميرة... عمي هنا؟
سميرة: أيوة كلنا قاعدين جوه تعالى.
تشدق الحاج سعيد متسائلاً.
الحاج سعيد: مين يا سميرة؟
سميرة: ده كرم يا بابا.
تلقائيًا ارتسمت ابتسامة فوق ثغر هيام وشعرت بتعالي ضربات قلبها فرحًا عند سماع سميرة تنطق باسمه.
الحاج سعيد مرحبًا: أهلاً أهلاً... تعالى يا كرم.
دلف كرم إلى الداخل معتذرًا عن قدومه بدون موعد.
كرم: معلش جاي لكم من غير معاد كده.
الحاج سعيد: ودة كلام؟ خلاص بقى بقيت مننا وعلينا.
دلف كرم إلى غرفة المعيشة ليلقي السلام على والدة هيام وهبه ثم مد يده مصافحًا هيام محتويًا كفها الرقيق كأنه يبلغها اشتياقه لها، فهو لم يرها منذ أيام لانشغالها بالعمل.
الحاج سعيد: تشرب إيه؟ ولا أقولك قوموا يا بنات حضروا لنا الغدا الأول.
أنهى الحاج سعيد جملته ناظرًا نحو بناته جميعًا، ليشير كرم بكفه رافضًا.
كرم: لا لا... غدا إيه بس... لسه بدري. أنا بس عايز حضرتك في موضوع ضروري.
توجس الحاج سعيد من جدية كرم الظاهرة على تقاسيمه.
الحاج سعيد: خير يا ابني... قول.
كرم: جالي رسالة إن ورق هيام خلص في السفارة... أنا كنت متوقع حـ يطول زي ورق نورا بس تقريبًا عشان أنا معايا الجنسية فالموضوع ماخدش وقت.
مفاجأة صادمة، فمعنى ذلك أن سفرهم وشيك جدًا.
الحاج سعيد: معقول فعلاً بالسرعة دي؟
كرم: أيوة يا عمي... وبستأذن حضرتك إني أحجز لينا تذاكر السفر ونعمل الفرح.
بقلب أم لا يقوى على فراق غاليتها هتفت والدة هيام.
أم هيام: على طول كده؟
كرم: عشان أنا لازم أرجع أشوف الشغل هناك يا طنط متنسيش إني هنا بقالي حوالي شهرين.
أومأ الحاج سعيد بتفهم لذلك.
الحاج سعيد: على خيرة الله.
ابتسم كرم لتمام الأمر مردفًا بإيضاح أكثر.
كرم: تمام... أنا حـ أحجز التذاكر على يوم الخميس الجاي وإن شاء الله نعمل الفرح قبلها بيومين كده... حـ أحجز في نفس الفندق... و...
قاطعه الحاج سعيد غير مستحسن لتلك الفكرة.
الحاج سعيد: هي تكاليف وخلاص يا ابني... إحنا نعملكم ليلة حلوة هنا في البيت وتاخد إنتَ عروستك على الفندق. إحنا لسه عاملين حفلة في كتب الكتاب كبيرة.
برزانة وعقلانية أكدت هيام رأي والدها فلا داعي لكل ذلك البذخ المبالغ فيه.
هيام: كلام بابا مظبوط... ملهاش لازمة حفلة تانية... إحنا مبقالناش أسبوعين من يوم كتب الكتاب.
اتجه بعينيه نحو معشوقته بنبرة لطيفة حانية.
كرم: أنا بس عايز أفرحك.
الحاج سعيد: الفرحة بينكم مش بالهيصة والحفلات.
كرم: زي ما تحبوا... خلاص إن شاء الله يبقى فرحنا الثلاث الجاي مناسب؟
الحاج سعيد: إن شاء الله.
أم هيام: ألف مبروك يا أولاد.
كرم: الله يبارك فيكِ يا طنط.
أشار الحاج سعيد لبناته مرة أخرى.
الحاج سعيد: خلاص يا كرم... قلت اللي عندك... يلا يا بنات حضروا الغدا بقى.
كرم: حضرتك مُصر بقى.
الحاج سعيد: الأكل في اللمة الحلوة دي حاجة تانية.
كان محقًا للغاية، فوجوده وسط تلك العائلة المحبة شعور طالما افتقده لعمر كامل.
***
لندن.
مع مرور تلك الأيام كان الحمل يزداد على نورا ولم تعد تهتم بصحتها كما يجب ليسبب ذلك قلق ياسر على صحتها وعلى الجنين، خاصة وهي تشعر بالتوعك منذ مجيئهم إلى لندن.
ياسر: مش حـ ينفع كده لازم نروح نكشف أحسن... إنتِ من يوم ما جينا وإنتِ تعبانة.
لتأكيدها بأنه مصح تمامًا أومأت نورا رأسها برضا.
نورا: ماشي يا ياسر... أنا مش قادرة خلاص.
وافقت نورا على مضض أن تذهب مع ياسر إلى المستشفى، فهي منذ وصولهم وهى تشعر بألم في بطنها بدأ بصورة بسيطة لكنه أخذ يزيد مع مرور الوقت.
المستشفى.
قام أحد الأطباء الإنجليز بالكشف على نورا وبدأ بوصف الحالة لياسر، الذي قد بدا مدركًا لما يقوله الطبيب ليتحاور معه ويسأله هو الآخر بعض الأسئلة.
بينما أخذت نورا تنقل ببصرها ببلاهة وعدم فهم بينهم حتى أقبل ياسر نحو نورا قائلاً.
ياسر: يلا يا نورا.
نورا: أيوة... إيه اللي عندي بقى؟
بتعجل أجابها ياسر أثناء مغادرتهم المستشفى.
ياسر: حـ أقولك في الطريق.
غمزت نورا بعينها بطرافة.
نورا: بس إيه... دكتور إنجليزي إنجليزي يعني... زي ما الكتاب بيقول.
ياسر ضاحكًا: امشي قدامي حـ تفضحنا.
شكر ياسر الطبيب وتوجه مع نورا نحو إحدى الصيدليات لصرف وصفة الطبيب محاولاً شرح لنورا ما هي حالتها التي وضحها له الطبيب.
ياسر: بصي يا ستي... الموضوع كله راحة... إنتِ أجهدتي نفسك أوي وكمان ضغط الطيارة في الشهور الأولى تعبك شوية فالمطلوب من حضرتك دلوقتي الراحة التامة لحد ما الجنين يستقر وكاتب لك بعض الأدوية أهي مع الراحة والغذاء وإنتِ حـ تبقي تمام.
اتسعت عيناها الواسعتان بإندهاش وانبهار.
نورا: يا حلاوة... كل ده قالهولك وإنتَ فهمته؟
ياسر: طبعًا... أمال إيه... عقبالك كده ما تفكي دماغك دي وتبدأي تعرفي أكتر في الإنجليزي.
أعادت رأسها للخلف قليلاً برفض تعلم اللغة الإنجليزية.
نورا: لا أنا كده تماااام.
ياسر: طيب يلا قدامي على البيت عشان ترتاحي.
نورا: طيب... هو أنا قلت حاجة.
ياسر: مجنونة والله.
رواية لحظات منسيه الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم قوت القلوب
رفع أحمد ورقة عريضة وهى تهتف بصوت متحمس كطفلة تريد جذب انتباه أحمد الغير مكترث لها منذ الصباح.
عبير: الفاكس دة وصل لباشمهندس أمير. بس أنا ماشيه دلوقتِ عندي معاد مع الدكتور أنا وماما. حد فيكم بقى يدخله.
قالتها وهى تتمنى بداخلها أن يلبي أحمد طلبها فهى كما لو كانت تشحذ تلك المشاعر منه، ويا ليته يشعر بها.
أمنية خاطفة تحققت سريعًا حين هتف أحمد فى عجالة.
أحمد: هاتي يا عبير. روحي إنتِ عشان متتأخريش.
تشدقت بسعادة إنه مهتم لها، سيساعدها كي لا تتأخر. شقت ابتسامتها وجهها الصغير وهى تردف بامتنان.
عبير: شكرًا يا أحمد. يلا سلام.
أشارت بيدها مودعة سميرة وأحمد بعدما أخذت من الأستاذ أشرف الإذن بالانصراف مبكرًا.
أمسك أحمد بورقة الفاكس يقرأها بسرعة ثم التفت نحو سميرة التى شغلت نفسها على الفور بكتابة أحد التقارير على الكمبيوتر. تمعن أحمد بها لفترة قبل أن يُقحم نفسه بتعليق سخيف.
أحمد: أنا عارف إنك اخترتيه بس ممكن أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة. ليه؟ ليه فضلتيه عليا؟
تأملت سميرة قليلاً وهى تردف بقلة صبر على هذا المتطفل على حياتها.
سميرة: يا أستاذ أحمد الموضوع ده قبول ورفض وزي ما بيقولوا قسمة ونصيب. بس كده. مش معنى ده إنك قليل أو فيك حاجة بس هو النصيب.
علت نظرة تهكمية عيناه ليردف ساخرًا من سببها الواهي الذي لا تنفك بالتفوه به.
أحمد: بس القسمة والنصيب؟
سميرة بتساؤل: قصدك إيه؟
باغتها بصراحة أقرب للوقاحة متهمًا إياها بالطمع.
أحمد: مش فلوس مثلاً. لأنك لو فاكرة إني مش معايا فلوس تبقى غلطانة. أنا بعمل بزنس غير المعمل هنا بيكسبني دهب.
ثارت سميرة بغضب لتقف فى مقابل مكتب أحمد مباشرة وهى تشير إليه بسبابتها محذرة.
سميرة: إنتَ إزاي تتكلم معايا بالأسلوب ده؟ أنا مسمحلكش على فكرة تتكلم معايا كده وتظن فيا إني إنسانة طماعة ومستغلة بالشكل ده!
شعر أحمد بالارتباك لاستفزاز سميرة إلى هذا الحد فلم يكن يتوقع رد فعلها الغاضب على كلماته اللاذعة بهذا الشكل. فكل ما كان يفكر به هو إثبات أنه يملك من المال الكثير مثله مثل أمير فربما تتساوى معه الفرصة لتعيد سميرة حساباتها مرة أخرى.
أحمد بإضطراب: أنا... ااا... أنا آسف مقصدش كده والله. أنا بس بقولك إني فعلاً بحبك وإني مستعد أعمل أي حاجة عشانك. ومش قِفل زي أمير.
ليس معنى زمالته لها بالعمل أن يتحدث معها بتلك الطريقة، لتجيبه بحزم غاضب من أفكاره السطحية وتدخله بإختياراتها التي لا شأن له بها.
سميرة: شوف يا أستاذ أحمد من الواضح إننا هنا في المعمل حنفضل موجودين مع بعض كتير. فيا ريت يبقى اللي بيجمعنا الشغل وبس. ويا ريت من النهاردة ميكونش فيه بينا كلام غير في الشغل وبس.
مدت سميرة يدها تخطف ورقة الفاكس من بين يديه مستكملة بقوة وغضب.
سميرة: وهات الورقة دي أنا حأديها له.
حدقته بتقزز قبل أن تستدير متجهة نحو مكتب أمير.
طرقت الباب بطريقتها المميزة ليقفز قلبه فرحًا فقد انشغل طوال اليوم بقراءة بحث عبر الإنترنت ولم يراها اليوم قط.
أمير بتلهف: ادخلي.
طلت مشاكسته تشرق كالشمس بسماءه المظلمة قائله.
سميرة: مشغول في إيه؟
أمير: لا أبدًا ولا مشغول ولا حاجة.
نظرت نحو حاسوبه أولاً لتردف بطريقتها المازحة.
سميرة: لا واضح. إنتَ بتنسى نفسك في الأبحاث والكيمياء بصورة كبيرة ده إنتَ طلعت مجنون كيمياء أكتر مني.
أمير: بصراحة بأندمج أوى مع المقالات دي وبحس إني بعمل التجارب دي فعلاً. باين مجنون كيمياء زي ما إنتِ بتقولي.
مدت سميرة بالورقة تجاه أمير قائلة.
سميرة: طب اتفضل الفاكس ده جالك.
أمير: فاكس. وريني كده.
تناول أمير الورقة من سميرة مشيرًا لها بأن تجلس قليلاً ليبدأ بقراءتها وتتحول ملامحه تدريجيًا إلى الشعور بالملل.
سميرة: فيه إيه الفاكس ده أنا مقريتهوش؟
ألقى بالورقة فوق سطح المكتب قائلاً بتملل.
أمير: لجنة البحث أجلت المناقشة عشر أيام تاني. بيعتذروا بس أنا زهقت بقى وكان نفسي أقدمه.
سميرة: أكيد لكل شيء سبب. متزعلش.
أمير: يا رب بس يكون ده آخر تأجيل.
استقامت استعدادًا لمغادرة المكتب.
سميرة: إن شاء الله. أروح أنا أكمل شغلي.
تورد وجهه ببعض الخجل وهو يسألها عن رأى والدها بطلبه الذي تأخر كثيرًا.
أمير: طب... ااا... والدك مقالكش حاجة. أصله مردش عليا.
سميرة وهى تحرك كتفيها للأعلى بمعنى لا أدرى فحتى لو كانت تعلم شيئًا ما كانت ستقول له فهى تريده أن يسعى بذلك الأمر بمفرده.
سميرة: اسأله إنتَ. سلام.
أنهت جملتها وخرجت من المكتب متوجهة نحو مكتبها بدون الالتفات نحو أحمد الذي يعتصر الندم قلبه على تسرعه في الحديث مع سميرة بهذه الصورة المسيئة.
أخذ أمير يحدث نفسه بعد خروج سميرة.
أمير: أسأله أنا!
طبعًا أسأله. أمسك أمير الهاتف متصلًا بالحاج سعيد لمعرفة رأيه بمسألة زواجه من سميرة.
أمير: السلام عليكم. أخبار حضرتك إيه يا عمي؟
الحاج سعيد: الحمد لله يا باشمهندس.
سحب أمير نفسًا عميقًا ثم أردف محاولاً التحلي بالهدوء.
أمير: الحمد لله. كنت عايز أسأل حضرتك على رأيك في موضوعي أنا وسميرة. حضرتك مردتش عليا.
الحاج سعيد: والله يا ابني إنت ونعم الأخلاق والنسب وأنا كنت حاكلمك وأبلغك إننا موافقين بس ظروف جواز أختها الكبيرة وموضوع السفر ده شغلنا شوية.
سعادة لاحت بالأفق حين سمع بأذنيه موافقته على زواجه من ابنته ليهتف بسعادة.
أمير: بجد؟ يعني حضرتك موافق بجد؟ طب آجي إمتى إن شاء الله؟
الحاج سعيد: والله يا أمير يا ابني بإذن الله فرح هيام الاثنين وهي حتسافر الخميس فتشرفنا إن شاء الله يوم الجمعة نقرأ الفاتحة ونتفق. لأننا مشغولين أوي في ترتيب جواز هيام وسفرها.
أمير بسعادة: الله يبارك لك يا عمي. ما اتحرمش منك يا رب.
الحاج سعيد: الله يكرمك يا ابني. في رعاية الله. مع السلامة.
أمير: مع السلامة. مع السلامة يا عمي.
أغلق الهاتف منتفضًا بفرح وكأن اليوم أعظم انتصاراته.
خرج من المكتب مسرعًا نحو مكتب سميرة وأحمد، لتغمره الفرحة وهو يلقي إليها الخبر غير عابئ بوجود أحمد بالمكتب.
أمير: سميرة. أنا كلمت والدك وهو خلاص موافق. وقراية فاتحتنا يوم الجمعة الجاي.
تفاجأت سميرة بموافقة والدها التي لا تعلم عنها شئ بعد لتجيبه بسعادة غامرة.
سميرة: قول والله.
أمير: والله.
سميرة: أنا مش مصدقة. خلاص بالسرعة دي.
انتبه أمير لوجود أحمد ليشير لها بعيناه قائلاً.
أمير: تعالي في المكتب تعالي.
تحركا نحو المكتب يحلقان من شدة فرحتهما ونسيا العيون الحاقدة على هذه السعادة فقد اقتنص أمير سميرة منه ليضرب أحمد المكتب بقبضة قوية من شدة غيظه وغضبه.
بينما بقى أمير وسميرة يحددان ترتيب ما سيفعلونه يوم الجمعة بعد سفر هيام.
***
يوم يجتمع الأحبه هو يوم يتوقف به الزمن ليختلس كل قلب سعادته من أيام متشابهة، ليت كل الأيام كانت خلسة من الزمن.
مرت أيام التحضير ولاح في الأفق يوم مميز منتظر، إنه يوم الزفاف.
جهز الحاج سعيد شقته البسيطة استعدادًا لاستقبال حفل زفاف ابنته هيام وتجهزت العروس بغرفتها بصحبة أخواتها وأصدقائها برقة وبساطة كانت تمامًا كشخصيتها الهادئة البسيطة.
جلست هيام بانتظار قدوم كرم بقلب متوتر، ازداد توترًا واضطرابًا حين سمعت هتافات من خارج غرفتها بعبارة "العريس جه" ليدق قلبها طربًا، دنا منها والدها ممسكًا بيدها بين كفيه الضعيفين ليصطحبها إلى خارج الغرفة لمقابلة كرم، فهو لابد من أن يكون هو من يساندها بتلك اللحظة حتى يوصيه عليها فهي جوهرته الغالية.
وقف كرم بثبات رغم اضطرابه من داخله إلا أنه تحلى بثبات وقوة منتظرًا قدوم هيام مع والدها.
سمع بالفعل أصوات الموسيقى والهتافات تعلن مجيء العروس.
دق قلبه بسعادة لكن قلبه كاد أن يقفز من صدره فور أن وقعت عيناه عليها وهي قادمة نحوه يدها بيد والدها وتمسك بباقة من الورود الحمراء الزاهية.
كانت أشبه بأسطورة تخطف العقول وتنجذب الأبصار إليها، تتلألأ بفستانها الأبيض وأنوثتها الطاغية وجمالها الساحر.
لم يصدق كرم نفسه بأن هذا الملاك الأسطوري هي الآن زوجته وله وحده ولن تكون لغيره أبدًا بعد الآن.
اقترب منهم مصافحًا والدها ثم أمسك بيدها ووضعها برفق بين راحته، أحاط كفها بكفه الآخر ليشعر بأنها فعلاً معه وأنه لا يحلم وأن ما هو فيه الآن حقيقة وليس حلمًا كما اعتاد من قبل.
كان حفلاً جميلاً بسيطًا للغاية بارك به المدعوين لهما وانتهى بسيطًا كما بدأ، ليتوجه العروسين بعد مغادرتهم بيت الحاج سعيد إلى الفندق الذي قام كرم بحجز غرفة به خصيصًا لهذه المناسبة لمدة ثلاث أيام بعدها سيسافرون مباشرة إلى لندن.
***
جناح العروسين بالفندق.
فتح كرم باب الجناح ونظر نحو هيام نظرة العاشق الظافر بحبيبته بعد الغياب وحملها بين ذراعيه بخفة ودخلا إلى الجناح مغلقًا الباب من خلفه بقدمه.
أحاطت هيام رقبته بذراعيها وهي تبتسم في منتهى سعادتها بأن الله جمعهما مع حبيبها.
أنزلها ببطء لتجلس بطرف الفراش الفخم في منتصف الغرفة وقد اشتعل وجهها خجلاً وتوسطت ابتسامة رائعة وجهها المتوهج.
جلس إلى جوارها تعلو عيناه نظرة عاشقة حانية ليكمل بصوت رومانسي جذاب.
كرم: بحبك.
رفعت هيام رأسها إلى الأعلى متطلعة بعيناه القاتمة وشعره البراق قائلة بهمس.
هيام: بحبك يا كرم.
أكمل لها بهمس عاشق.
كرم: بحبك يا ملكة قلبي.
تلك الفرحة التي احتلت قلبها لها نشوة عجيبة لم تشعر بها من قبل مطلقًا، إحساس جديد يولد بينهما هما فقط وكانت على الرغم من قوة شخصيتها إلا أنها أمامه كانت كالطفلة الصغيرة.
ابتسمت بهدوء منكسة عيناها نحو كفيها المتشابكان بتوتر لتهرب من نظرات كرم العاشقة.
وذابا في جمال لحظتهما الحالمة وتتويج حبهما بزواجهما وارتباطهما الأبدي.
***
بعد مرور ثلاثة أيام.
استعدت هيام وأحزمت الأمتعة للسفر اليوم إلى لندن، يالها من تجربة فريدة من نوعها ستقوم بها مع زوجها.
تقابلت أسرتها مع العروسين بقاعة الاستقبال بالفندق ليتجهوا جميعًا نحو المطار لتوديع هيام وكرم.
بأعين باكية متأثرة من والديها لوداعها، وتلك النظرات الحزينة الشقية بأعين سميرة وهبه كان ذلك نهاية فصل بحياتها لتبدأ رحلة جديدة برفقة كرم.
بعد وداعهم لهم خارج المطار أمسك كرم يد هيام متوجهين إلى داخل صالة السفر لإنهاء إجراءات السفر، فهو لم يتركها للحظة تشعر بأن الوضع جديد وغريب عليها.
حتى صعدا إلى متن الطائرة مساعدًا إياها على الجلوس براحة دون توتر وأغلق لها حزام الأمان بالمقعد فالأمر جديد كليًا عليها، نظرت هيام نحو النافذة لترى منظر السماء البديع وهم يحلقون فوق السحاب الأبيض كقطع حلوى القطن الشهية.
كانت تجربة مبهرة للغاية، خاصة مع وجود كرم الذي لم يبعد عيناه عنها مطلقًا وكأن لا شئ بهذه الدنيا أهم من محبوبته لديه أو ربما لأنه لا يصدق بعد أن ما يحدث له واقع حقيقي بحياته.
ضمت هيام شفاهها بخجل من نظراته المسلطة عليها طوال الوقت لتردف بصوتها الشجي.
هيام: كفاية كده. حأتغر.
كرم بعشق: اتغري براحتك. حقك. هو فيه حد في الدنيا دي كلها زيك.
ضحكات نبعت من قلبها قبل شفتيها، لقد غمرها حقًا بتلك الأيام القليلة بطوفان من المحبة والعشق عوضها عما حرمت نفسها منه لسنوات طويلة.
هيام: إنتَ كل يوم بتحسسني إنك حنين أوي وبتحبني أوي. ده أكيد حلم صح؟
رغم عدم تأكده من أن هذا واقع وليس حلمًا إلا أنه أجابها بالنفى القاطع.
كرم: لا يا قلبي ده مش حلم دي حقيقة بس احلمي إنتِ بس وشوفي حأحقق لك أحلامك دي إزاي.
هيام بإمتنان: كده كتير عليا أوي.
كرم: إنتِ اللي كتير عليا أوي.
أمالت هيام برأسها فوق كتف كرم مستكملة رحلتها لحين الوصول إلى لندن.
***
سميرة.
خرجت من المطار بصحبة والديها وأختها بعد وداعها لأختها وصديقتها هيام فقد تأثرت كثيرًا لسفرها وابتعادها عنها، فهي كانت أقرب الناس إليها.
لكن انتظارها للغد جعلها تتناسى حزنها قليلاً، فأخيرًا ستبدأ هي حياتها من منعطف آخر، وسوف يربطها ارتباط رسمي بـ أمير، هذا الإحساس الذي خفف من وطأة سفر هيام المفاجئ فكم كانت تود أن تتم خطبتها في وجود أختها.
تطلعت سميرة بعقارب ساعتها والتي أعلنت الحادية عشر فما زال الوقت مبكرًا للغاية لتنتهز سميرة تلك الفرصة للتبضع ليوم الغد.
وقفت سميرة بمواجهة والدها تستأذنه بأن تقوم بجولة بداخل الأسواق لشراء بعض المستلزمات.
سميرة: بعد إذنك يا بابا حأروح نص البلد أشتري شوية حاجات ضروري.
أومأ الحاج سعيد بالموافقة رغم شعوره بعدم الارتياح.
الحاج سعيد: طيب متتأخريش يا سميرة. ولا أقولك بلاش النهارده أحسن.
سميرة: ليه بس يا بابا. أنا كده كده إجازة من الشغل النهارده ومحتاجة حاجات ضروري لبكرة.
بوجه متجهم وافق الحاج سعيد على مضض ليوصيها باتخاذ حذرها.
الحاج سعيد: الأمر لله. خدي بالك من نفسك كويس طيب.
سميرة: إن شاء الله حاضر. سلام.
تركتهم سميرة بعجالة واتجهت صوب طريق الحافلات لتتخذ إحداهم لتصل للأسواق لتبتاع شئ مناسب لخطبتها بالغد.
تطلعت والدة هيام بزوجها بعدم فهم متسائلة.
أم هيام: مالك يا سعيد ما تسيبها تروح تجيب اللي هي عايزاه. ما إنتَ عارف بكرة قراية فاتحتها.
بقلب متوجس للغاية أجابها زوجها الحاج سعيد.
الحاج سعيد: قلبي مقبوض أوي يا أم هيام.
أم هيام: تلاقيك بس عشان هيام لسه مسافرة. وحد الله كده ويلا نروح.
زفر الحاج سعيد بقوة فلا شئ بيده الآن وربما زوجته محقة بذلك ليردف بنبرة قلقة.
الحاج سعيد: لا إله إلا الله. ربنا يجيب العواقب سليمة يا رب.
***
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل الثلاثون 30 - بقلم قوت القلوب
حلقت طائرة هيام بالأفق، بينما اتخذت سميرة مسارها أرضًا.
بعد أن تركت والديها خارج المطار متجهة نحو الأسواق كما حددت تمامًا، استقلت سميرة إحدى الحافلات للوصول إلى منطقة الأسواق. ولحسن حظها، كانت الحافلة بها عدد محدود من الركاب لتتخذ مقعدًا شاغرًا بدون جهد. شعرت بأريحية لهذا الفراغ من حولها. أغمضت عينيها لوهلة لتتذكر شيئًا جعلها تخرج هاتفها من داخل حقيبتها وأخرجت معه سماعة الأذن الخاصة بها.
سميرة لنفسها:
"بالمرة بقى أروح أجيب الحاجة شنطة اللي بقالها شهر مجتش دي... وأدي الموبايل... سمعيني بقى يا ست عبير كنتِ بتقولي المحل فين بالضبط..."
بعد وصف عبير لعنوان المتجر بطريقتها العشوائية غير المرتبة، كان أفضل حل للوصول إليه هو سماعها لتلك المكالمة المسجلة بينها وبين صديقتها لمعرفة العنوان تحديدًا.
وضعت سميرة سماعة الأذن خاصتها بأذنيها لتستمع إلى تسجيل المكالمة بينها وبين عبير وهي تصف لها مكان المتجر لتشترى منه حقيبة جديدة.
المكالمه المسجله:
عبير: إيه... لحقت وحشتك...؟؟!
سميرة: يا أختي اتلهي... أنا نسيت أسألك فين محل الشنط بالضبط...؟!!
عبير: خلاص نويتي تفكي الكيس وتشتري...!!
سميرة: عبير...!! .... إخلصي أنا في الشارع...
عبير: بصي عارفة المحل اللي كنت جبت منه البلوزة الأخيرة دي...
سميرة: اللهم طولك يا روح.... بلوزة إيه ارحميني مرة واوصفي عدل... كده حـ أتوه....
عبير: استنى بس عليا... المحل الكبير ده اللي يافطته كبيرة ولونها أزرق....
سميرة بقلة صبر: أنا عارفة إن اليوم ده مش حـ يعدي...
عبير: اسمعيني بس للآخر... خلي المحل ده في ظهرك وخذي الشارع اللي في وشه للآخر حـ تلاقي محل كده بتاع إكسسوارات... ادخلي من جنبه حـ تلاقي محلات بتبيع الشنط... هو محل صغير بس عنده حاجات حلوة قوي وأسعارها أقل من النص... بصي حـ تلاقي قدامه واحد بتاع عصير...
سميرة: يا حووووستي.... دي وصفة هايلة... ماشي يا عبير ربنا يستر ونعرف نوصل...
عبير: امشي بس على الوصفة حـ تلاقيه والله...
سميرة: ماشي سلام...
عبير: مع السلامة....
ابتسمت سميرة تلقائيًا وهي تستمع لتلك المكالمة، لكنها قبل أن تغلق صوت المكالمة المسجلة استمعت إلى أصوات أخرى فقررت سماعها من باب الفضول. حيث استطاعت بسهولة تمييز صوت أحمد الذي استكمل حديثه مع عبير.
أحمد: بتدوري على إيه يا عبير..؟!
عبير: على الورقة اللي فيها اسم الدكتور... أهي خلاص لقيتها...
عبير: أنا حـ أمشي بقى عشان ألحق أودي ماما للدكتور...
احمد: ماشي يا عبير.. مع السلامة....
مجرد سماعها لهذا الحديث جعلها تضحك بقوة قائلة لنفسها:
سميرة: "نفسي مرة تقفلي التليفون لما تخلصي مكالمة.. خليني أسمع باقي بلاويها عشان أذلها عليها لما أشوفها..."
أكملت سميرة سماع باقي تسجيل المكالمة، لكنها فوجئت بشخص ما يتحدث مع أحمد ويبدو أن عبير قد تركت المكتب.
أحمد: إنتَ!!! ... إزاي تيجي هنا.... ؟؟؟!! .. افرض حد شافك دلوقتي ناقصين مشاكل إحنا يا عصام.... ؟؟!!!!
عصام: لااااا...... بقولك إيه انت مش حـ تعمل عليا الشويتين دول..... إنتَ فاهم كويس أنا جاي لك ليه...!!!!
احمد: وبعدين معاك... هم شافوهمش وهم بيسرقوا ولا إيه....؟!!
عصام: أحمد... !!! ... متخلينيش أفكرك إن المبلغ اللي انتَ أخدته مش شوية... ولحد دلوقتي معملتش حاجة والناس اللي إحنا بنشتغل معاهم دي مبتهزرش...
احمد: طب أعمل إيه....!!!!! .... قلبت الدنيا على البحث اللي انتوا عايزينه في المعمل ملقتش حاجة..... ورحت بيته يوم فرح أخت زميلتنا قلبت البيت كله ملقتش حاجة مش عارف خفاه فين ده بس....!!!!
عصام بتهديد: بفكرك تاني عيسي زهران مبيهزرش..... ولو مجبتش البحث ده قبل ما أمير يقدمه حـ نروح كلنا في خبر كان...
احمد: أنا مش فاهم حـ يعمل بيه إيه بس....؟!!
عصام: إنتَ مش فاهم حاجة.... البحث اللي أمير عامله عبارة عن مادة هو مخليها قال إيه تمنع الاحتراق.....!!!!! ..... بس خواص المادة دي تمتص الإشعاع وتعيد إنتاجه.... وعيسي زهران لو وصل للتركيبة دي حـ يبيع البحث ده بملايين لناس ممكن تعمل منه سلاح محصلش قبل كدة...
احمد بإستنكار: ملايين... و بيرمي لنا إحنا الكام ألف دول...؟؟
عصام محذرًا: أحمد متطمعش.... اللي انتَ واخده زيادة كمان عن اللي المفروض تاخده...
احمد: أنا حـ أدور تاني.. بس لو ملقتهوش أعمل إيه.... ؟!
عصام: ساعتها حـ تديني مفتاح شقته وأنا اللي حـ أتصرف حتى لو فيها موته.... حـ أخد البحث يعني حـ أخده حتى لو بحياته....
احمد: خلاص... استنى مني تليفون قريب... ومتجيش هنا تاني...
عصام: لما نشوف... سلام...
أكملت سميرة لتستمع لصوت عبير مرة أخرى، فعلى ما يبدو أنها عادت للمعمل مرة أخرى لتستكمل سماعها بوجه مقتضب للغاية.
عبير: أه أسفه معلش....
عصام: ولا يهمك... بعد إذنك.....
عبير: مين ده يا أحمد... صاحبك...؟؟؟!!
احمد: إيه... أه... صاحبي... أه.... كان.. اااا.... كان.. جاي يسألني على حاجة.... إنتِ إيه اللي رجعك....؟!!
عبير: أصلي نسيت تليفوني حـ آخده وأمشي على طول...
احمد: طيب أنا نازل.. سلام...
عبير: مع السلامة....
عبير لنفسها: "يالهوي كل ده ونسيت أقفل الخط... دي سميرة حـ تموتني..."
وأُغلق الخط وانتهت المكالمة.
تيبست سميرة تمامًا وقد فغرت فاهها من هول الصدمة بذهول تام مما سمعته، فقد تآمر أحمد والمدعو عصام على أمير لسرقة البحث... أو... أو... قتله ليحصلوا على البحث قبل تقديمه للجنة.
تهدج صدرها بفزع هامسة بصدمة:
سميرة: يقتلوه.....!!!!!!!!! ... للدرجة دي... أنا لازم أتصرف... بس أعمل إيه دلوقتي...؟
أمسكت سميرة بهاتفها تحاول الاتصال بـ أمير لكن دون فائدة، فقد وجدت الهاتف مغلقًا، لتضرب ساقيها بقوة وتوتر شديد قائلة بإنفعال:
سميرة: "راح فين ده بس.... وقافل تليفونه كمان... أعمل إيه وأتصرف إزاي بس دلوقتي....؟"
مجرد تفكير سميرة فيما سوف يحدث لـ أمير قُبض قلبها وبدأ الاختناق يسيطر على تنفسها وكأنها تموت بالبطئ.
***
مطار جيثرو ( لندن) ....
أعلن قائد الطائرة بضرورة ربط حزام الأمان بالمقعد لوصولهم لمطار جيثرو بلندن ليعتدل الجالسون في انتظار هبوط الطائرة بسلام على مدرج الطائرات.
إحساس هيام بهذه التجربة الفريدة والممتعة جعلها تظن أن كل ما تشعر به مجرد حلم جميل، فكيف انقلبت كل حياتها ومخططاتها في أقل من شهر لتحب وتتزوج وتسافر وتبدأ حياتها الجديدة كليًا.
نظر كرم نحو هيام بابتسامته التي تخطف أنفاسها.
كرم: حمد الله على السلامة يا روحي...
هيام: الله يسلمك يا كرم...
كرم: يلا يا حبيبتي ننزل...
أومأت هيام بخفة معقبة برزانة:
هيام: أنا معاك أصلي أنا معرفش أي حاجة فـ اللي حـ تقولي عليه حـ أعمله على طول...
قبض كرم كفها بقبضته يتكئ عليها بتشبث.
كرم: وطول ما انتِ معايا حـ أخليكِ تشوفي حاجات عمرك ما شفتيها حـ أخلي حياتك أجمل بكتير قوي...
هيام: ربنا يخليك ليا يا كرم...
كرم: يلا بينا بقى ولا إيه حـ نفضل قاعدين في الطيارة...
تحرك كرم وهيام نزولاً من الطائرة متخذين الأنبوب الموصل لداخل المطار ليتسلما حقائبهم، ثم استقلا إحدى سيارات الأجرة للوصول إلى شقة كرم.
انبهرت هيام بجمال ورقي هذه المدينة العريقة وأحيائها وشوارعها البراقة حتى وصلا إلى البناية التي يقطن بها ياسر ونورا وهم أيضًا.
كرم: دي بقى العمارة اللي حـ نسكن فيها... شقتنا في وش شقة ياسر ونورا...
لاح طيف صديقتها العفوية لتبتسم قائلة:
هيام: تصدق وحشتني قوي...
كرم: حـ نطلع دلوقتي نسلم عليهم الأول وبعد كده ندخل نرتاح على طول...
هيام: أوك...
صعدا نحو شقتهم وقبل أن يفتح كرم الباب وجدا نورا من خلفهم مرحبة بهم بحفاوة لوصول صديقتها هيام.
نورا: هيااااام.... وحشتيني....
تفاجأت هيام من معرفةِ نورا بموعد وصولهم لتلتفت نحو صديقتها التي تفتح ذراعيها عن آخرهما.
هيام: نورا.!!!!!!!! ... إنتِ كمان وحشتيني قوي... عرفتي إزاي إننا وصلنا..؟!
نورا: أنا قاعدة من الصبح جنب الباب عشان أسمعكم لما تيجوا...
ضحكت هيام بصوت مسموع من طبع نورا الذي لن يتغير مطلقًا.
هيام: عمرك ما حـ تتغيري...
أقبل ياسر فور سماعه لصوت نورا تتحدث مع أحدهم بالباب.
ياسر: حمد الله على سلامتكم...
دنا من كرم ليصافحه بود وحميمية.
كرم: الله يسلمك يا ياسر... أخباركم إيه... ؟!
ياسر: تمام الحمد لله....
ثم أكمل ياسر حديثه موجهًا كلامه لـ نورا.
ياسر: إيه يا ست نورا.. مش الدكتور قالك بالراحة شوية...
تجهمت هيام قليلاً وهي تسأل نورا بقلق.
هيام: دكتور!! .. مالك يا نورا...؟!
مطت نورا شفاهها باستياء من تلك التعليمات التي فُرضت عليها منذ وطأت قدمها تلك البلدة.
نورا: أبدًا يا أختي إنتِ عارفه الجماعة الإنجليز دول محبكينها قوي... عايزيني أنام قال....!!!!
هيام: بس ده ضروري يا نورا إنتِ لسه حملك في الأول....
بتفاجئ من تأكيد هيام لتلك التعليمات التي لابد وأن تنفذها.
نورا: إيه ده بقى!!!! ... إنتِ كمان حـ تعملي زيهم برضه....!!
ياسر: كويس إنك هنا يا هيام دي خلاص حـ تجنني ومش بتسمع الكلام خالص....
قالها ياسر مستنجدًا بها بجدية فـ نورا لا تنصاع للنصائح بسهولة.
هيام: لأ سيبهالي إنت بس... إحنا حـ ندخل نرتاح من السفر شوية وبعد كده نورا حـ تبقى عُهدتي خلاص... مش كده ولا إيه...؟!
تشدقت نورا بعينيها نحو الأعلى ممازحة صديقتها.
نورا: هو أنا جيت تحت إيدك... طيب..... إللي تشوفوه بقى....
مع ضحكات الأزواج السعيدة انتهى هذا اللقاء بإغلاق أبواب الشقق واتخاذ وقتًا للراحة لكل منهم.
***
سميرة ....
بعد تفكير عميق لم تجد إلا حلاً واحدًا هو أفضل وأسلم حل حتى الآن.
يجب أن تبلغ الشرطة فهي لا تستطيع التصرف أفضل مما سيتصرفون، لهذا توجهت نحو أقرب قسم للشرطة لتبلغ عما عرفته وتسمعهم التسجيل الصوتي.
بأحد أقسام الشرطة....
تقدمت سميرة بخطوات واثقة وسريعة نحو مكتب الضابط لتدلي ببلاغها، لكن هذه هي زيارتها الأولى لقسم الشرطة مما جعلها تدور حول نفسها باحثة عن لافتة تدلها إلى أين يمكنها أن تدلي بهذا البلاغ أو ربما عليها أن تسأل أحد الشرطيين الواقفين أمام كل مكتب.
سميرة: لو سمحت... عاوزة أقدم بلاغ ضروري جدًا....
الشرطي: حضرة الضابط علاء معاه تليفون مهم استني شوية....
لن يتحمل الأمر الانتظار، فمن يدري ماذا سيفعل هذا الرجل بـ أمير، أخذت سميرة تترجى الشرطي بالسماح لها بالدخول لمقابلة الضابط.
سميرة: بس دخلني ليه بسرعة الله يخليك دي مسألة حياة أو موت...!!!
الشرطي: حاضر يا آنسة بس يخلص مكالمته وحـ أدخلك على طول...
انتظرت سميرة بضع دقائق مرغمة حتى سمح لها الشرطي بالدخول لمكتب الضابط علاء.
سميرة: السلام عليكم...
الضابط: وعليكم السلام... خير يا آنسه.. إيه المشكلة بالضبط....؟!!
بتعجل شديد أخذت تسرد أهم النقاط لإثارة اهتمام الضابط.
سميرة: فيه واحد أنا شغالة معاه في المعمل بتاعه عامل اختراع لمادة ولسه ما أخدش براءة الاختراع بتاعتها.... وناس عايزين يسرقوا البحث ده عشان يستخدموه في سلاح جديد وممكن يموتوه عشان ياخدوا البحث ده....
الضابط: طب أقعدي كده.. وقوليلي التفاصيل واحدة واحدة....
أخرجت سميرة هاتفها لتسمع الضابط المكالمة المسجلة وتحاول أن تصف ما عرفته بالتفصيل لضابط الشرطة.
***
شقه أمير....
نفث دخان سيجارته في الهواء ناظرًا نحو الطريق الرئيسي الذي تطل عليه شرفة غرفته لترتسم ابتسامة ساخرة مستهزئة قبل أن يستدير قائلاً بصوته الخشن.
عصام: خُسارة.. المنظر من بلكونة شقتك تحفة أووووى... خسارة إنك مش حـ تلحق تتمتع بيه...
كان أمير واقفًا أمام عصام وقد أمسكا به شخصان مفتولا العضلات يعلو وجههم ملامح الشراسة والغضب مكبلين يدي أمير بأيديهم القوية من الخلف، أشار عصام لهما بإصبعه لينصاعا له على الفور ليدفعا أمير بالقوة للجلوس فوق أحد المقاعد الخشبية وهم يستكملان توثيق يديه بالحبال من الخلف، ثم ربط قدماه بعضهما ببعض بالمقعد حتى لا يستطيع النهوض بمفرده.
نظر أمير نحو عصام بغضب محاولاً الإفلات من قبضتهم القوية مستكملاً بإنفعال:
امير: مكنتش أتوقع إنك واطي أوى للدرجة دي...!!!!
لم يتأثر عصام بانفعال أمير ليردف ببرود تام وغرور شديد.
عاصم: إوعي تفكر بقى في شغل المثالية والصداقة والكلام الفارغ ده.... تؤتؤتؤ... كنت فاكرك واعي وبتفهم أكتر من كده...
امير: دي مش مثالية... ده أصل وتربية ودي حاجة ماتعرفهاش ولا إنتَ ولا البني آدمة اللي أنا كنت خاطبها..
أشار عصام بعينيه لأحد الأشخاص لينهال على أمير بالضرب وهو غير قادر على الرد عليه فهو مكبل الأيدي، دنا عصام من أمير لينحني بجزعه مقتربًا من وجه أمير لينفث دخان سيجارته بوجهه قائلاً ببرود.
عاصم: كله إلا حبيبة قلبي ميادة... دي لسه حسابها اللي معاك مخلصش... فاهم يا شاطر... أحسن لك تتكلم بهداوة بدل ما حـ تتأذى..
رفع جزعه للأعلى ليرمقه بنظراته القاسية قائلاً بنبرة تحمل تهديدًا دون النطق بذلك.
عصام: يلا يا شاطر قولنا بالراحة كده البحث بتاعك ده شايله فين....؟!!!
لن يتنازل عن حلمه بتلك السهولة ليجيبه أمير بإنفعال.
امير: ولا حـ أخليك تطوله أبداااااا...
كز عصام على أسنانه بقوة ليشير مرة أخرى تجاه هذان الشخصان ليقوما بضرب أمير بقوة لحثه على التحدث وإخبارهم بمكان احتفاظه بالبحث.
***
قسم الشرطة....
بعد أن شرحت سميرة كل شيء بالتفصيل واستطاع الضابط فهم ماهية الأمر تمامًا أجابها الضابط.
الضابط: حقيقي يا آنسة سميرة أنا مصدقك بس لازم أعمل تحرياتي عن الموضوع ده الأول قبل ما ناخد أي إجراء...
سميرة بصدمة: وأمير... !!! ده ممكن يعملوا فيه حاجة... ممكن يموتوه...!!!!
الضابط: متقلقيش... إحنا حـ نتخذ اللازم بس إحنا حـ ناخد التليفون ده من ضمن الأدلة على البلاغ وإن شاء الله مش حـ يحصل حاجة...
تهدج صدرها بتخوف لتحاول حث الضابط على التحرك بأقصى سرعة.
سميرة: إنتوا لازم تتحركوا بسرعة... أحسن منلحقهوش...
أعاد الضابط جزعه للخلف ليردف بأريحيه وحزم شديد.
الضابط: إنتِ خلاص عملتِ اللي عليكي وبلغتينا والباقي إحنا حـ نعرف نتصرف.. اتفضلي إنتِ دلوقتي ومتقلقيش خالص...
خرجت سميرة من مكتب الضابط علاء وقد أصابها الضيق أكثر مما قبل، فقد ظنت أنه بمجرد الإبلاغ عما حدث سوف يتحرك معها الضابط مباشرة لحماية أمير.
خرجت من قسم الشرطة هائمة تتحرك عيناها بعشوائية لا تدري ماذا تفعل الآن لكنها كانت واثقة أنها لن تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي.
تحركت مباشرة نحو المعمل لتنبيه أمير بما عرفته حتى يتخذ حذره من أحمد والمدعو عصام.
***
المعمل...
أسرعت سميرة نحو المعمل لتدلف إلى المكتب لاهثة بقوة لخطواتها المتعجلة وقلقها المتزايد.
وجدت أحمد يجلس من خلف مكتب لتحدجه بغضب واحتقار قبل أن تدير رأسها نحو عبير المصدومة من هيئة سميرة والتي نهضت بفزع لرؤيتها بتلك الهيئة.
عبير: مالك يا سميرة.... فيه إيه... ؟!
بجدية سألتها مباشرة.
سميرة: أمير هنا....؟!
عبير: لأ.. مجاش النهاردة...
التفت سميرة نحو أحمد لتضع كفيها فوق سطح المكتب متطلعة نحوه بذات النظرة الغاضبة مسلطة عينيها نحو عينيه تمامًا.
سميرة: إنتَ إيه يا أخى!!!!! ... بتعمل كده ليه...؟!
رغم عدم إدراكه عما تتحدث إلا أن هيئتها أخافته للغاية ليبتلع ريقه بتخوف قائلاً.
احمد: بعمل.... بعمل إيه... أنا معملتش حاجة....!!!!
عبير باستغراب: في إيه يا سميرة مالك ومال أحمد بس....؟!
احتدم صوتها للغاية لتصرخ به بقوة غاضبة تفاجئ كلاهما لها.
سميرة: الأستاذ المحترم..... بيتفق مع ناس مش مظبوطة عشان يسرق البحث من أمير ويقتلوه..... ده غير كمان إنه أخد فلوس كتير أوووى عشان يبيعه..
عبير بصدمة: معقول...!!!! .. أنت يا أحمد تعمل كده..؟!
التفت نحوه سميرة مرة أخرى تواجهه بشراسة.
سميرة: ميقدرش ينكر... قد إيه أنتَ نزلت من نظري واستحقرتك... عملك إيه أمير...؟!!.. هاه ما ترد عليا... آذاك في إيه عشان تتسبب في موته.... وتقتله...!!!!؟؟؟؟؟؟؟
اتسعت عينا أحمد بهلع حين سمع كلمة قتله ليردف نافيًا بصورة قاطعة.
احمد: لأ طبعًا.. أنا ماليش دعوة بموضوع القتل ده... ماليش دعوة... أنا... أنا...
سميرة: أنت إيه....؟!!! .... ده عمره ما زعل حد فيكم... آخره كان هو اللي متضايق من نفسه لما كانت نفسيته تعبانة.. وأنتَ نفسك كنت بتقول كده....!!!!
بإيضاح وتبرير ما قام به.
احمد: والله يا سميرة صدقيني... أنا كنت حـ أديهم البحث بس... والله العظيم ماليش دعوة بموضوع القتل ده خالص.....
سميرة بسخرية: يا راجل....!!!!!! ... وإنت فاكر كده لما توصلهم ليه بالصورة دي يبقى إيدك مفيهاش دم!!!!! ... لأ... إنتَ مشترك معاهم وزيك زيهم بالضبط.....
أحمد بفزع: لأ.... لأ.... أنا مش زيهم... لأ....!!!
سميرة: صحي ضميرك وقول اتفقتوا على إيه وحاول تنقذه يمكن ساعتها ربنا يسامحك... هو إنت فاكر إن الفلوس الحرام اللي إنت واخدها دي ربنا حـ يبارك فيها... ده أكيد أكيد زي ما جت بالحرام حـ تروح بالحرام وحسابك عسير عند ربنا....
احمد باضطراب وخوف: حساب....!!!.... أنا... أنا ظروفي هي اللي.......
سميره مقاطعة: ظروف..!! ظروف إيه.... ما كلنا في نفس الظروف وأوحش كمان... ده مش مبرر إنك تمد إيدك للحرام.... صحي ضميرك وقول ناويين تعملوا إيه في أمير.... قول....؟
احمد بتردد: ااا.... عصام... أخد مني مفتاح شقة أمير النهارده الصبح..... وراح له من شوية...
سميرة بصدمة: إيه.... !!!!!....