تحميل رواية لحظات منسيه بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تضاحك الأطفال ويمرحون في الفناء، وآخرون يلعبون ويتدافعون بسعادة في يوم تقليدي معتاد بمدرستهم الابتدائية. جلس المعلمون بغرفهم كوقت مستقطع لراحتهم وسط هذا اليوم الدراسي. توسطت غرفة المعلمين منضدة خشبية طويلة، وعليها العديد من الدفاتر والأقلام، بعضها موضوع بترتيب وأخرى موضوعة بعشوائية. أقبلت إحداهن وهي تضع بعض الدفاتر على المنضدة بإرهاق. سعاد: أوووف، توب علينا بقى يا رب من الشغلانة دي. الواحد قرف. لترد الأخرى بنفس الملل. نهلة: بهدلة وقرف، ومقالناش إسبوعين في الدراسة. سعاد بسخرية ناظرة نحو إحدى المق...
رواية لحظات منسيه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم قوت القلوب
صدمة لم تكن لتتخيلها سميرة، فلم تظن أن الأمر قريب إلى هذا الحد. هل يمكن أن تلعب الصدفة بسماعها المكالمة اليوم بنفس اليوم الذي يذهب به عصام لأمير؟
وقفت بإندهاش احتلت عيناها المتسعتان، وقد فغرت فاها بقوة مما سمعته من أحمد حين قال:
"عصام أخد مني مفتاح شقة أمير النهاردة الصبح. وراح له من شوية."
سميرة بصدمة: "إيه! أنت بتقول إيه؟ راح له.. طب والعمل؟ أنا لازم ألحقه، لازم ألحقه قبل ما يعملوا فيه حاجة."
بتشتت كبير، أظلمت الدنيا تمامًا أمامها وعبث القدر بتفكيرها المنطقي. لا تدري كيف تتصرف الآن، لكن عليها التحرك بدون تأخير. صرخت به بحدة قائلة:
"اكتب لي العنوان بسرعة."
بحيرة، ارتجف أحمد للحظات، خاصة وقد أشعرته كم هو وضيع وضئيل للغاية. ليسحب ورقة مدونًا بها عنوان أمير. مدت سميرة يدها بقوة لتنتزع الورقة من بين يده الممدودة، وتركتهم مسرعة نحو العنوان الذي أعطاه إليها لتلحق بأمير.
عبير...
رمقت عبير أحمد بنظرة دونية، كما لو أنها تراه لأول مرة، وكأن الغشاوة أُزيلت من فوق عيناها لتراه بصورة بشعة. كيف أحبت هذا المخلوق المستغل؟
عبير بحسرة ولوم: "يا خسارة يا أحمد... يا خسارة... كنت شايفاك حاجة كبيرة أوي، لكن للأسف أنت هدمت صورتك الكبيرة دي بنفسك... يا خسارة."
أحمد بندم: "حتى أنتِ يا عبير؟"
صدمتها به كانت عظيمة للغاية، فقد كانت تراه كاملاً لا تشوبه شائبة. كان حلماً كنجم في السماء لا يمكنها الوصول إليه، لكنها تراه الآن على حقيقته البشعة.
عبير: "أنت ليه مؤذي كده؟ عشان الفلوس؟ تغور الفلوس! هتقول إيه لربنا؟ ما عملتش حساب وقفة ربنا يوم الحساب."
نكس أحمد رأسه بندم ليجيبها بخزي: "الدنيا عمتني، لكن والله ما كنت حأذيه. كنت حأخد البحث بس."
عبير بتعجب: "كل ده ومكنتش حتأذيه؟ راجع نفسك وارجع لربنا وتوب، يمكن يسامحك."
أحمد بانكسار: "مكنتش فاكر إنها حتوصل لكده."
***
شقة أمير...
طال الوقت ومازال الوضع على نفس الحال، فأمير يجلس موثقًا بالمقعد الذي يقيد حركته. لا يستطيع النهوض، خائر القوى من شدة الضرب. لكنه مع ذلك ظل متماسكًا ولم يتنازل عن حلمه ومجهوده طوال هذه السنوات ليتنازل عنه بسهولة لهذا الطاغي ليذهب لغير محله ويستغل أسوأ استغلال.
فاض الكيل بعصام، فحتى الآن لم يستطع الوصول لمبتغاه بعد. زفر بإختناق وقلة صبر:
"وبعدين معاك يا أمير ولا بالرضى نافع... ولا الفلوس نافعة... ولا حتى بالضرب نافع... متتكلم بقى وإلا حأبقى مش مسؤول عن إللي حيجري لك... وأنت إللي حتبقى اخترت."
صامدًا رغم ألمه وتعبه، ليجيب بشموخ وقوة:
"ولو يا عصام... مهما عملت مش حأقولك البحث فين."
تشبثه وإصراره جعل عصام كالذئب الجائع سينهش أي لحم يجده، ليتخذ سبيل التهديد تلك المرة فربما يجدى نفعًا.
عصام: "أنا مش عارف إنت متمسك أوي كده ليه؟ ده بسهولة جدًا ضربة رصاصة واحدة من مسدسي تطير عمرك ولا حد حيدري ولا حد حيسأل عليك... إنت ناسي."
ثم استكمل مذكرًا أمير بوحدته كما لو كان متشمتًا به:
"إنت مقطوع من شجرة، لا ليك أهل ولا ليك حد."
حاول أمير جاهدًا أن يبقى متزنًا رغم ألمه المبرح إثر ضرب هذان الضخمان له.
أمير: "متحاولش يا عصام... ريح نفسك... عايز تقتلني اقتلني واخلص... أنا مش حأقولك البحث فين."
ثار عصام بإنفعال ليعلو صريخه الهادر بقوة:
"إنت كده بتجني على نفسك... وزهران بيه مش حيسيبك في حالك... إنت كده بتعطل له ملايين... وافق وخدلك قرشين وإرحم نفسك من البهدلة دي."
أمير بإستنكار: "ليه... هو أنا زيك يشتريني بالفلوس؟"
عصام بغيظ: "عمرك ما حتفهم وحتفضل دماغك صغيرة طول عمرك."
وأشار مرة أخرى لأحد الرجال بضرب أمير فربما يستسلم هذه المرة.
***
سميرة...
وصلت إلى العنوان الذي أعطاها إياه أحمد بعد أن تأكدت أن أمير يقطن بالفعل في هذا البيت. صعدت نحو الشقة بسرعة وطرقت الباب بقوة تكاد تعادل قوة ضربات قلبها. لم تكن دقات مميزة كعادتها، بل كانت دقات صارخة متخوفة تود لو أن يجيبها أمير على الفور لتطمئن عليه.
إنتبه عصام ومن معه للطرق الشديد على باب الشقة ليتقدم أحد الرجال ليفتح الباب. بتلك اللحظة دفعت سميرة الباب بقوة ليصطدم الباب بهذا الشخص الذي قام بفتحه لها.
تطلعت إليه بفزع لترى شخص ضخم البنية قاسي الملامح. إتسعت عيناها وقد تيقنت أن هناك مكروه أصاب أمير بوجود شخص كهذا معه. لتسرع نحو الداخل راكضة بتلهف وهي تهتف صارخة باسم أمير، لا تدري كيف دفعت هذا الشخص الضخم بيدها الصغيرة بقوة تبحث عن أمير غير عابئة بالأشخاص المحيطين بها.
سميرة: "أمير... أمير! أمير إنت فين؟"
إقتربت نحو الغرفة لتقع عيناها على أمير وقد تورمت ملامحه الهادئة من أثر الضرب القاسي من هؤلاء المتجبرين، مقيدًا إلى المقعد بإستسلام لا تعهده به. يقف إلى جواره شخص آخر قاسي الملامح لا يختلف عن سابقه الذي رأته بالخارج.
تطلع نحوها شخص متوسط الطول ذو شعر بني داكن وملامح باردة بإستنكار شديد وتفاجئ أكبر. لكنها بفطنتها توقعت أن هذا هو عصام.
تفاجئ أمير بسميرة ليرفع رأسه تجاهها وقد علت عيناه نظرات رافضة خائفة قلقة للغاية، فهي آخر من كان يود رؤيتها الآن. دب الخوف بقلبه من أن يؤذيها أحدهم، فهو يستطيع تحمل ما يحدث له، سيتحمل كل الآلام إلا هي، إلا أن يصيبوها بسوء. لن يستطيع رؤيتها تتأذى أبداً. لتخرج منه كلماته القلقة واضحة للعيان.
أمير بصدمة: "سميرة!"
صدمت سميرة بهيئة أمير وأخذت تتقدم نحوه وهي تشعر بالخوف من أن يؤذيه هؤلاء الرجال أكثر من ذلك قائلة بتساؤل قلق:
"أمير... إنت كويس... اا..."
وقبل أن تكمل جملتها، دوى صوت قوي لإطلاق النار مما صدم الجميع وظلوا لوهلة غير مدركين من أطلق النار. وعلى من أطلقه.
نظر عصام بذهول وصدمة نحو أمير تارة وبين هذه الفتاة تارة أخرى، ثم نظر نحو رجاله. دون إدراك من أطلق النار. وعلى من.
بينما تحركت أعين أمير في جميع الاتجاهات للبحث عن سبب إطلاق الرصاص ومن أصابه هذا الطلق الناري. لكن سميرة كانت عيناها مثبتتان على أمير بصدمة. لتنقلب نظرتها إلى الألم. لترف عيناها بترنح وتهوي فوق ركبتيها بثبات ثم ترتمي على الأرض ساقطة على وجهها أمام قدمي أمير الجالس يشاهد سقوطها أمامه بغير تصديق بعينان متسعتان عن آخرهما.
ثبتت سميرة بمكانها وانتشرت الدماء لتسيل كبقعة كبيرة في ظهرها تتسع على المدى تغطي كنزتها الصفراء بلون أحمر قاتم حتى بدأت الدماء تنساب على الأرض المحيطة بها.
لحظات من الذهول وعدم التصديق تلتها صرخة موجعة من أمير حملت كل معاني الألم.
أمير بإنهيار: "سميرة... لااااااااا... لااااااا... قومي... قومي يا سميرة... لااااااااا... اااااااااااه..."
شعر وكأن روحه قد سُلبت منه وآلام رهيبة اجتاحت نفسه. لقد فقدها... فقد سكينة فؤاده التي انتظرها طوال عمره. ها هي تضيع من بين يديه.
نظر عصام بصدمة نحو سميرة التي فاجئته بالقدوم في هذا الوقت ليعيد بصره نحو مطلق النار بعدم تصديق ليردف وهو يزدرد ريقه بهلع:
"إنتَ عملت إيه؟!!!!... الله يخرب بيتك..."
الرجل بلامبالاة: "دي شافتنا وعرفتنا، كانت حتفضحنا، كان لازم أموتها."
أمسك عصام ذقنه بقوة من شدة فزعه بما حدث، فهو لم يكن سيورط نفسه بقتل. فماذا سيفعل الآن؟
عصام: "روحنا في داهية... روحنا في داهية..."
أشار لرجاله بالتحرك فورًا للهروب قبل أن يبلغ أحدهم عن سماعه لطلق ناري وتأتي الشرطة إلى هنا ولن يستطيع الإفلات من الأمر.
عصام: "يلا من هنا إنت وهو بدل المصايب ما تاخدنا كلنا."
بقلب ميت تمامًا، أشار الرجل تجاه أمير قائلاً ببرود:
الرجل: "وهو كمان شافنا وعرفنا... زهران بيه مأكد على كده... محدش يعرف عنه حاجة."
أشهر الرجل مسدسه ليطلق الرصاص على أمير لتصيبه مباشرة بكتفه ويهوي بمقعده بالقرب من سميرة على الفور.
تلفت عصام بهلع حوله ناظرًا نحو أمير وسميرة ليتحرك بسرعة راكضًا نحو باب الشقة.
عصام بإرتجاف: "يلا بينا بسرعة من هنا، محدش حايجي لهم هنا، سيبوه حيموت لوحده."
حاول أمير التحرك بألم محاولاً التقرب من سميرة للإطمئنان عليها، لكنها لم تتحرك مطلقًا.
أمير وقد بدأت الدموع تأخذ مجراها على وجهه المتورم وهو يقترب من سميرة زاحفًا، يناديها بصوت مختنق:
أمير: "سميرة... ردي عليا... أرجوكِ ردي عليا... بالله عليكِ ردي عليا... اااه... ردي يا سميرة... ردي..."
لكن سميرة لم تجب ندائه مطلقًا وظلت على نفس وضعها ملقاة على وجهها والدماء تحيط بها وتغطي ملابسها كافة.
أسرع عصام ومن معه يهربون من الشقة، لكن القدر لم يكن في صالحهم. فبمجرد أن فتح عصام باب الشقة حتى وجد أمامه ضابط الشرطة ومعه العديد من أفراد الأمن ومن خلفهم أحمد الذي ذهب بسرعة ليدلي بإفادته ويرمم الباقي من ضميره محاولاً إنقاذ أمير من يد عصام.
أسرع الضابط علاء بعد القبض على عصام ومن معه بالبحث داخل شقة أمير عن صاحبها. ليجد كلا من سميرة وأمير غارقين في دمائهما ملقيان على الأرض وأمير مقيد بالحبال إلى المقعد الخشبي، لكنه لم يفقد الوعي بعد.
أمر الضابط بسرعة حضور سيارة الإسعاف ونقل سميرة وأمير إلى أقرب مستشفى.
***
لندن...
بعد نوم عميق استيقظت هيام وهي تشعر بنسيم رياح باردة تحيط بها. بتكاسل فتحت عيناها الناعستان لتلاحظ أن النافذة قد فُتحت إثر هبوب تلك الرياح. استقامت بحركة بطيئة لتنهض وتغلقها أولاً قبل أن تجول بعينيها بداخل الغرفة الخاوية، فيبدو أن كرم سبقها واستيقظ قبلها.
خرجت من الغرفة باحثة عنه لتسمعه يدندن بصوت هادئ بإتجاه المطبخ.
إقتربت هيام بدون إصدار أي صوت فوجدت كرم منشغلًا بتحضير الطعام.
هيام: "إيه ده... أنت بتعمل إيه؟"
التفت إليها كرم بإبتسامته الساحرة.
كرم: "إنتِ صحيتي حبيبتي... تعالي أقعدي."
هيام وهي تجلس على المقعد خلف الطاولة المستديرة:
هيام: "قعدت أهو... إنت بتعمل إيه بجد؟"
كرم: "لقيتك نايمة نزلت جبت شوية حاجات من السوبر ماركت وقلت أحضر لك أكلة إنما إيه... عقبال ما تصحى من النوم."
هيام: "طب ومصحيتنيش ليه بس أحضر أنا الأكل."
رفع كتفيه وأهدلهما بتعجب.
كرم: "وإيه الفرق؟!!!!... أوعى تفتكري إني من النوع إللي يقوّم مراته عشان تعمله أكل والجو ده... لا لا... إنتِ كده متعرفينيش خالص... أنا إيدي بإيدك وأساعدك في كل حاجة."
مالت رأسها بدلال لا يليق إلا بها ثم قالت بصوتها العذب:
هيام: "بس أنا مش متعودة على الدلع ده كله."
ترك كرم ما بيده لينظر مباشرة بعينيها بنظراته الهائمة قائلاً:
كرم: "ولو مكنتيش أنتِ تدلعي أمال مين إللي يتدلع بس."
ابتسمت له هيام بحب حين إلتف كرم يستكمل ما يقوم به قائلاً:
كرم: "أنا خلصت أهو... حاجة على قدي كده."
أحضرت هيام أطباق وبدأت هي في توزيع الطعام في الأطباق وكرم ينظر إليها بحب وشغف.
تناولوا طعامهم وجلسوا يحتسون الشاي بالشرفة الواسعة ينظرون إلى غروب الشمس بهذه الأمسية الهادئة.
هيام: "حلوة أوي البلد هنا."
كرم: "ولسه... أنا حأفرجك عليها حتة حتة."
تبدل حياتها للنقيض من حال لحال بهذه السهولة يجعلها تندهش من كل ما يقوم به معها، لتهتف به بإستغراب.
هيام: "كرم... بجد... أنا مش واخدة على كده... بالراحة عليا شوية."
كرم: "إللي فات ده كله عايزك تنسيه... وتبدأي معايا دنيا جديدة مفيهيش تعب."
هيام: "يا ريت... بجد يا ريت."
***
ياسر ونورا...
بتذمر طفولي وقفت نورا تعقد ذراعيها أمام صدرها مستنكرة رفض ياسر المستمر.
نورا: "ماليش دعوة عايزة أروح أقعد معاها شوية."
تقلباتها المزاجية أصبحت أمرًا يثير جنونه بالفعل، ليزفر بعد شهيق طويل محاولًا الحفاظ على أعصابه هادئة من طلباتها المستفزة والمتغيرة بذات الوقت.
ياسر: "اللهم طولك يا روح... يا نورا اعقلي أمال... دول لسه واصلين النهاردة من السفر وملحقوش يرتاحوا... دول لسه مبقالهمش كام يوم متجوزين... اديهم فرصة يشموا نفسهم شوية."
نورا بحزن: "بس بجد وحشتني وعايزة أقعد معاها."
ياسر: "بكرة طيب... سيبيهم دلوقتي يقعدوا مع بعض شوية."
زمجرت بغضب وهي تدلف إلى غرفة النوم قائلة بضيق:
نورا: "حاضر يا ياسر... حاضر."
إستوقفها ياسر بنبرة حانية وهو يلومها بلطف.
ياسر: "الحمل ده صعب أوي مخلياكي بتتعصبي من أقل حاجة."
لم يهدئها ذلك بل زاد من إثارة أعصابها وضيقها.
نورا: "ليه مجنونة يعني؟"
ياسر: "لأ... أنا إللي مجنون... آسف والله... اهدي إنتِ بس... الحكاية مش ناقصة."
إستدارت نورا تجاه المطبخ لتجيب ياسر وهي تحول اتجاهها إليه.
نورا: "ماشي يا ياسر... أنا رايحة آكل."
إتسعت عيناه بتخوف وصدمة قائلاً:
ياسر: "تاني؟"
نورا: "الله... بتعد عليا اللقمة ولا إيه؟"
ياسر: "لأ يا حبيبتي... بالهنا والشفا... روحي كلي... روحي."
تركته نورا وتوجهت نحو المطبخ لتعد طعامًا للمرة الثالثة لتتناوله، فهي تشعر بالجوع كما لو أنها لم تتناول شيئًا بالمرة.
***
المستشفى...
بعد أن قامت إدارة المستشفى بالاتصال بوالد سميرة لإبلاغه بالحادث، أسرع الحاج سعيد ووالدتها وأختها هبه بالتوجه إلى المستشفى على الفور.
تقابلوا مع أحمد وأشرف وعبير أمام غرفة العمليات.
الحاج سعيد: "إيه إللي حصل بالضبط حد يطمني؟"
أشرف: "بإذن الله خير يا حاج."
من قام بالاتصال بهم لم يوضح ما حدث لسميرة مطلقًا، لهذا أخذا يتساءلان عما حدث ليطمئنا قليلاً على وضع ابنتهم.
أم هيام: "يعني إيه إللي جرى لهم بالضبط؟ المستشفى مقالتش إيه إللي حصل خالص؟"
رغم تخوف أشرف من إيضاح الأمر لهما، إلا أن ذلك شيء لن يستطيع أحد إخفائه.
أشرف: "للأسف الآنسة سميرة والباشمهندس أمير فيه حد ضرب عليهم نار."
ضربت والدة هيام صدرها بقوة من هول الصدمة.
أم هيام: "يا مصيبتي... بنتي!!!! إلحقني يا سعيد بنتي حتروح مني!!!!"
لم تستطع ساقيها أن تحملها لتهوي جالسة بإنهيار فوق مقعد الإنتظار تبكي ابنتها.
أشرف: "إن شاء الله الدكتور يطلع ويطمنا عليهم."
بعد فترة طويلة خرج طاقم التمريض من غرفة العمليات يجرون سريرًا ينقل أمير بعد استخراج الرصاصة من كتفه.
مر من أمامهم ليطمئنوا جميعًا على حالته الصحية من إحدى الممرضات وإخبارهم أن الإصابة كانت بالكتف وأن الطبيب مطمئن لحالته وأنها مستقرة إلى حد كبير.
وعند سؤال الحاج سعيد للممرضة عن حالة ابنته سميرة.
الممرضة: "والله يا حاج لسه الدكتور مقالش حاجة، هي لسه في العمليات."
الحاج سعيد: "أستر يا رب... قلت لك يا أم هيام... قلبي مقبوض... ربنا يجيب العواقب سليمة يا رب."
أخذت زوجته تهز جسدها بتوتر وهي تشاهق بالبكاء خوفًا على ابنتها.
أم هيام: "يا ريتني كنت سمعت كلامك ومخليتهاش تروح في حتة... يا حبيبتي يا بنتي... يا رب خد بايدك وطمنا عليها يا رب."
حارت عينا هبه بين والديها ليخطر ببالها كبيرتهم التي كانت دومًا تتحمل مسؤوليتهم لتسأل هبه والدها.
هبه: "أكلم هيام يا بابا؟"
الحاج سعيد: "لأ يا بنتي... متقلقيهاش... لما نتطمن إن شاء الله على سميرة الأول."
مر الوقت ببطء ولم تخرج سميرة بعد من غرفة العمليات مما سبب اضطرابًا أكثر لوالديها وأختها.
أم هيام: "بنتي بتروح مني يا سعيد.... كل ده مطلعتش ليه؟"
الحاج سعيد: "أسترها معاها يا رب."
ضغطت هبه شفاهها بقوة وهي تردف بوجه متجهم للغاية.
هبه: "دي بقالها أكتر من ثلاث ساعات جوه... ومحدش طمنا بكلمة... اشمعنى أمير طلع من بدري؟"
الحاج سعيد: "ربنا يطمنا... يا كريم يا رب... وحبيبك النبي... طمنا عليها... ومتوريناش فيها سوء يا رب."
أم هيام: "وأخرتها يا سعيد حنفضل واقفين كده مش عارفين حاجة؟"
الحاج سعيد: "مش عارف... مش عارف... الواحد خلاص تعب من القلق ومحدش بل ريقنا بكلمة."
***
في إحدى الغرف بالمستشفى...
أفاق أمير من آثار المخدر بعد إجراء العملية بتثاقل ليجد نفسه بغرفة المستشفى. أدار عيناه بتعب ليكتشف بسهولة المكان ويدرك وجوده بالمستشفى وتقع عيناه على صديقه أشرف. تذكر ما حدث في شقته بعد إدراكه سبب وجوده في المستشفى لينتفض محاولًا النهوض بألم.
أمير: "سميرة....؟ سميرة يا أشرف؟"
أعاده أشرف بلطف إلى الخلف ليستلقي مرة أخرى فوق الفراش محاولًا تهدئة أمير.
أشرف: "اهدأ بس يا أمير... إنت لسه تعبان."
أمير: "تعب إيه بس... قومني بسرعة... سميرة فين؟"
زم أشرف شفتيه بإضطراب وهو يجيبه بأعين زائغة.
أشرف: "اصبر يا أمير... سميرة... اااا..."
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم قوت القلوب
أفاق أمير من آثار المخدر بعد إجراء العملية بتثاقل ليجد نفسه بغرفة المستشفى.
أدار عيناه بتعب ليكتشف بسهولة المكان ويدرك وجوده بالمستشفى.
تقع عيناه على صديقه أشرف متذكرًا ما حدث بشقته بعد إدراكه سبب وجوده هنا لينتفض محاولاً النهوض بألم.
أمير: سميرة....؟؟! سميرة يا أشرف...؟!
طأطأ أشرف رأسه قليلاً وهو يهدئ من نفس أمير فهو مصاب بجرح بالغ أيضًا.
أشرف: اهدى بس يا أمير.. انت لسه تعبان....!!!!
أمير: تعب إيه بس.. قومنى بسرعة... سميرة فين...؟!
أشرف: اصبر يا أمير... سميرة.. اااا....
جمدت ملامح أمير بفزع ناظرًا نحو أشرف محاولاً فهم ماذا يقصد.
أمير بإنفعال: سميرة فين...؟؟؟... جرى لها إيه... رد عليا.... رد عليا...؟؟!!
رغم عدم تأكده من أنها بخير أم لا إلا أنه حاول طمئنة أمير بعض الشئ ولو بشكل مؤقت حتى يسترد عافيته.
أشرف: سميرة لسه في العمليات... اِرح إنت بس وأول ما تطلع هـ أقولك على طول....
تسند أمير بألم وهو يتحرك بإنفعال محاولاً نزع أنابيب المغذى الموصلة بذراعه بسرعة قائلاً.
أمير: لسه في العمليات..... كل ده وهي لسه جوه....؟؟؟!!!! أنا مش هـ أستنى لما تطلع وأعرف... أنا لازم أروح لها... مش هـ أسيبها أبدًا....
بقلب قلق حاول أمير النهوض بتألم فلن يتركها تعاني وحدها وهي قد قدمت حياتها لأجله.
لكن ما يفعله أمير أثار إنفعال أشرف للغاية فـ أمير يستهتر تمامًا بسلامته.
أشرف بصرامة: انت بتستهبل يا أمير... استنى هنا... كده خطر عليك...!
لم يكترث أمير لما يسببه الأمر من خطورة فهو لا يفكر سوى بها فقط.
أمير: خطر عليا..!!! واللى هي عملته عشاني ده مكانش خطر عليها ؟!!!!!! أنا لو جرى لها حاجة هـ أموت وراها.. أنا لازم أطمن عليها...
أشرف بإستسلام: بس انت حـ تتعب كده!!
أمير: تعبي وحياتي دي كلها فداها.. وفدى إني أطمن بس عليها....
تسند أمير برفق متعكزًا على صديقه أشرف حتى خرج من الغرفة متوجهًا نحو غرفة العمليات ليجد والدي سميرة وأختها هبه وعبير في حالة حزن جم منكسين رؤوسهم بأسى.
هيئتهم لا تطمئن القلب مطلقًا ليقترب منهم بقلب منهك خائف من فقدها.
أمير بقلق: سميرة جرى لها إيه...؟؟!
خرج الحاج سعيد عن حلمه وهدوئه لينفعل على أمير بقوة محملاً إياه كل اللوم لما حدث لإبنته.
الحاج سعيد: بنتي بتموت... وانت السبب.. انت السبب...!
لم يستمع أمير لأكثر من كلمة "بنتي بتموت" ليشعر بالبرودة تسري في جسده كاملاً ليهوى جالسًا فوق المقعد الحديدي أمام والديها.
أمير بصدمة: بتموت..!! لا.. سميرة لأ... يا رب.... يااااااارب... خدني أنا وبلاش هي.... يا رب....
حاول أشرف أن يخفف وطأة الأمر عليهم جميعًا.
أشرف: وحدوا الله يا جماعة... مينفعش كده...
ثم استطرد متسائلاً.
أشرف: هو الدكتور قال حاجة يا حاج....؟؟!
الحاج سعيد: الممرضة طلعت من شوية وقالت لنا إن الرصاصة جت قريبة قوي من القلب بس لحد دلوقتي مطلعوهاش وفيه خطر على حياتها... بنتي بتموت قدام عيني ومش عارف أتصرف.....
أشرف: إن شاء الله ربنا كريم يا حاج.... ندعي لها تقوم بالسلامة ونقرأ لها قرآن والباقي على الله... هو القادر يشفيها...
الحاج سعيد: ونعم بالله...
اقتربت والدة هيام التي لا تستطيع التحكم بأعصابها المنفلتة أيضًا من أمير لتلومه على ما حدث لإبنتها.
أم هيام: بتجرجر بنتي وراك في مشاكلك ليه....؟؟؟ إحنا طول عمرنا في حالنا... عمرنا لا دخلنا في مشكلة ولا أذينا حد ولا حد اتأذى مننا..... انت السبب... بنتي اااااه يا بنتي....
لم يكن تأثره بوالديها وانهيارهم ولومه على ما حدث بل شعر كما لو أن كل الأبواب أغلقت أمامه.
ارتجف خشية فقدانها، فهو لم يكن يدرك أن سميرة قد امتلكت نفسه وقلبه لهذه الدرجة.
لم يهمه إطلاقًا لوم والديها له، بل إنه مدرك بالفعل أنه السبب فيما حدث لها لا ينكر ذلك.
لكن ما يهمه الآن.... هي فقط....
شعر بأنه هو من تسحب روحه... هو من يفقد إحساسه... هو الغائب الحاضر... هو من يموت بالبطئ في انتظار رؤيتها والاطمئنان عليها... في انتظار كلمة واحدة تعيد له الحياة من جديد.
بعد مرور ساعتين إضافيتين مرت كدهر تهالكت خلالها أعصابهم جميعًا بينما شعر أمير بالوهن والدوار لتحمله على نفسه لانتظار الاطمئنان على سميرة أمام غرفة العمليات، ورفضه بصورة قاطعة العودة إلى غرفته لتلقي العلاج اللازم لحالته.
وعلى الرغم من غضب الحاج سعيد وزوجته من أمير واعتباره السبب فيما حدث لـ سميرة إلا أن وضعه الصحي وتمسكه بالاطمئنان أولاً على سميرة جعلهم يشفقون عليه.
وأخيرًا.... فُتح باب غرفة العمليات ليخرج أحد الأطباء ليلتفوا جميعًا حوله خاصة أمير الذي تناسى إصابته وآلامه ليسأل الطبيب فور خروجه.
أمير: سميرة... عاملة إيه يا دكتور طمني بالله عليك....؟!
الطبيب: الصراحة الرصاصة كانت في مكان صعب جداً جنب القلب بس الحمد لله قدرنا نخرجها بس هي حالتها الصحية وضعفها الشديد حـ يخليها تحت الملاحظة وإن شاء الله تتحسن هي نزفت كتير قوي وده أثر عليها شوية.
بوجه متجهم ونبرة استجداء أردف أمير.
أمير: ممكن أشوفها...؟!
الطبيب: للأسف... الزيارة ممنوعة الـ 48 ساعة الجايين لحد ما حالتها تستقر.. هـ ننقلها العناية دلوقتِ لكن مفيش زيارة....
بحنو أب ملكوم متألم حاول بدوره استعطاف هذا الطبيب لرؤية ابنته فقط.
الحاج سعيد: مش حـ نتعبها خالص... بس نشوفها بس...
أشفق الطبيب على حالهم ورغبتهم برؤية ابنتهم والاطمئنان عليها.
الطبيب: ممكن تشوفوها من برا غرفة العناية لكن ممنوع الدخول نهائي...
ثم وجه الطبيب حديثه لـ أمير الذي يعرض نفسه للخطر ببقائه هنا.
الطبيب: وحضرتك المفروض إنك ترتاح دلوقتِ...
لم يهتم أمير بما يقوله غير عابئ بأي شيء يحدث له، وجل ما يفكر به هو رؤيته لـ سميرة.
بعد نقل سميرة إلى غرفة العناية المركزة حاول والديها ومعهم هبه الاطمئنان على حالتها لكنهم لم يستطيعوا وبعد عدة محاولات ورفض تام من الطبيب اضطروا إلى المغادرة والعودة في الغد لرؤيتها في موعد الزيارة المحددة متأملين أن تتحسن حالتها ويطمئن قلبهم عليها.
لم يتحرك أمير من مكانه ناظرًا من الزجاج المحيط بغرفة العناية المركزة فربما يلمحها ويطمئن قلبه المتلهف برؤيتها.
حتى مع تعذره لرؤيتها إلا أنه أبى العودة لغرفته وظل منتظرًا أي بادرة للاطمئنان عليها.
حينها أشفقت على حاله إحدى الممرضات لتتحدث مع زميلتها لها.
_ أنا مشفتش كده... ده بقاله أكتر من ثلاث ساعات واقف من ساعة ما دخلت العناية ومش راضي يرجع أوضته يرتاح.. للدرجة دي بيحبها....؟؟!
= يا بختها... مش شايفة حـ يموت عليها إزاي..؟؟!
اقترحت الممرضة مساعدته إشفاقًا على حالته وتعاسته الظاهرة على ملامحه المتجهة.
_ ما تيجي ندخله يمكن يرجع أوضته يرتاح شوية...!!
تخوفت زميلتها من تلك المسؤولية خاصة إذا كشف أمرهم.
= وأنا مالي يا أختي.. حد يعرف يبهدلنا إحنا فيها..!!!
_ خليكي إنتِ كده.. أنا رايحة له...
اقتربت الممرضة من أمير محاولة إثنائه عن الوقوف لأكثر من ذلك.
الممرضة: انت واقف بقالك كتير... كده حـ تتعب قوي...
تعلق بصره بها هي فقط متمنيًا لو يخترق تلك الحواجز التي تفصله عنها ليريح قلبه المنهك بمصابها.
أمير: مش مهم... بس أطمن عليها الأول...
الممرضة: طيب لو اطمنت عليها حـ ترجع أوضتك..؟؟
قالتها ببساطة ولم تدرِ كم من بريق أمل تعلق بها بتلك اللحظة.
نظر لها أمير بنظرة الغريق الذي تعلق بقشة لتنقذه من الغرق هامسًا بتمني.
أمير: هو انتِ ممكن تدخليني عندها...؟!
الممرضة: بس توعدني متتأخرش وترجع أوضتك ترتاح...
تهلل وجهه المكفهور وهو يجيبها برجاء.
أمير: طبعًا... بس أطمن عليها...
الممرضة: تعالي معايا...
استطاعت الممرضة إدخال أمير لداخل غرفة العناية المركزة ليطمئن على سميرة لكنها أوصته بأنها مجرد عشرة دقائق فقط وعليه المغادرة بعدها.
إقترب أمير من سميرة الغائبة في عالم آخر لا تشعر بوجوده أو بأي شيء آخر، تائهة بملكوت منفصل تمامًا.
تطلع نحو وجهها الشاحب وقد أحاطت بها تلك الأنابيب وأجهزة التنفس، يعلو صمت المكان صوت جهاز ضربات القلب وكأنها تدق بقلبه.
لم يظهر من ملامحها إلا القليل لتتألم روحه لرؤيتها بتلك الهيئة، كم هي بريئة مستكينة غير التي يعهدها على الإطلاق.
أين حيويتها وضحكتها وجرأتها....!!!!
ليلوم نفسه بشدة عما أصابها.
أمير: أنا السبب.. يا ريتك ما جيتي ولا عرفتيني.... أنا آسف حبيبتي.... آسف أني كنت السبب في كل لحظة ألم حسيتي بيها... فوقي وارجعي زي الأول... فوقي وارجعيلي أنا محتاجك قوي... أنا بحبك قوي... قوي...
كانت تلك هي فرصته لرؤيتها وانتهت بمرور العشر دقائق لتدلف الممرضة واقفة من خلفه منبهة إياه.
الممرضة: لو سمحت.. كفاية كده... يلا بقى أحسن أنا حـ أتأذى كده....
بنظرات متوسلة مستجدية لتركه معها بضعة دقائق أخرى.
أمير: بس....!!
الممرضة: انت وعدتني.... إنك حـ تشوفها بسرعة وتمشي... بكرة تكون فاقت ابقى تعالى زورها...
نكس أمير رأسه بإستسلام وانصياع لطلبها.
أمير: حاضر...
إضطر أمير للعودة إلى غرفته بالمستشفى مستلقيًا فوق الفراش فقد تحامل على نفسه حتى نسيها تمامًا، لكنه الآن يشعر بالألم الذي تناساه طوال اليوم.
لكن ما يهون عليه شعوره بالألم هو رؤيتها قبل أن يعود لغرفته ليغمض عينيه مستسلمًا لبعض الراحة.
بيت الحاج سعيد..
غلب اليوم صمت حزين على حال قاطني هذا البيت فغياب هيام أثر بهم كثيرًا، وإصابة سميرة أنهكت قلوبهم الحزينة.
زفرت والدة هيام بقوة وهي تقطع هذا الصمت قائلة.
أم هيام: ربنا يعديها على خير ويقومها بالسلامة... وجعت قلبي قوي يا سعيد...
ضرب الحاج سعيد كفيه متعجبًا من حالهم اليوم.
الحاج سعيد: أنا مش عارف إيه اللي بيحصل ده... ده إحنا يا دوب اطمنا على هيام... الرحمة من عندك يا رب...
ترددت والدة هيام بالتفوه بكلماتها التي تحبسها بداخلها حتى ألقتها على مسامع زوجها بالنهاية.
أم هيام: بس أمير تحسه زعلان قوي على سميرة...
رفع الحاج سعيد رأسه يطالع زوجته بإنفعال ثم ردد محذرًا بشدة.
الحاج سعيد: متجيبيليش سيرته... الموضوع ده خلاص خلص كده.. أنا مش موافق على الجوازة دي...
لم تشأ أن تقطع والدة هيام الأمر لتردف بشكل مبهم.
أم هيام: بس تقوم الأول بالسلامة يا سعيد....!!!!
استكمل زوجها بصرامة وأمر بأن ما يقوله قرار قاطع لا رجعة فيه.
الحاج سعيد: لأ... مفيش نقاش تاني في الموضوع ده... الشخص ده خطر ومشاكله إحنا مش قدها... أنا مش مستغني عن بنتي عشان أرميها الرمية دي.... جواز من أمير ده مش حـ يحصل أبدًا....
أم هيام: ربنا يقومها بالسلامة واللي انت عايزه يكون...
الحاج سعيد: يا رب...
اليوم التالي....
لندن....
استيقظت هيام من نومها تاركة كرم مستكملاً نومته براحة لتعد فنجان من الشاي الإنجليزي الذي قد أحضره كرم بالأمس.
وقفت تطالع السماء التي اكتست بالغيوم المتحدة بقوة في سماء لندن من خلف النافذة لتحتسي فنجانها بتوتر.
سمعت صوت كرم من خلفها لتنتبه له على الفور.
كرم: غريبة حبيبتي.. صاحية بدري قوي ليه كده....؟؟!
تنهدت هيام مستكملة تطلعها نحو النافذة بقلب قلق.
هيام: مش عارفة قمت من النوم قلبي مقبوض كده مش عارفة ليه...!!!
كرم: يمكن عشان دي أول مرة تبعدي عن أهلك في بلد تانية...
هيام: يمكن....!!
سحبها كرم برفق تجاه طاولة المطبخ وقد علت ملامحه تلك الإبتسامة الجذابة التي تميزه قائلاً.
كرم: خلاص إحنا نفطر بس... وبعد كده نتصل بيهم نطمن عليهم إيه رأيك...؟؟!
هيام: أوك.. فكرة حلوة قوي..
كرم: هـ أنزل بقى أجيبلك كرواسون تحفة نفطر بيه وآجي على طول...
هيام: وأنا حـ أعملك الشاي عقبال ما تيجي....
المستشفى....
مرت ساعات الليل الطويلة حتى حل الصباح ومازال الحاج سعيد وزوجته وهبه مستيقظون لم ينعموا بلحظة نوم واحدة ليسرعوا نحو المستشفى للاطمئنان على حالة سميرة، فكيف تغمض الجفون والقلب متعب إلى هذا الحد.
العناية المركزة...
وقف الحاج سعيد برفقة إحدى الممرضات يسألها عن حال سميرة.
الحاج سعيد: طمنينا يا بنتي أخبار سميرة إيه النهاردة...؟!
الممرضة: هي بتفوق وترجع تنام تاني لأنها واخدة مخدر قوي عشان العملية بس الحمد لله الوظائف بتاعتها كويسة...
الحاج سعيد: الحمد لله... طب إحنا عاوزين ندخل نطمن عليها....
أومأت له الممرضة بالموافقة لكنها حذرت قبل أن تسمح له بتلك الزيارة.
الممرضة: واحد واحد بس يا ريت بدون كلام عشان الإجهاد...
الحاج سعيد: مش حـ نتكلم خالص بس نشوفها....
الممرضة: تمام... اتفضل...
عاد الحاج سعيد إلى زوجته وابنته قائلاً.
الحاج سعيد: يا أم هيام خلاص ممكن ندخل لها... هـ أدخل الأول أطمن عليها وأطلع وتدخلي أنتِ تطمني عليها..
بعجالة شديدة أخذت تحثه على سرعة التحرك.
أم هيام: بسرعة يا سعيد الله يخليك متتأخرش عليا هـ أموت وأطمن عليها...
هبه: وأنا كمان يا ماما... عايزة أطمن عليها قوي...
دلف الحاج سعيد في البداية ليطمئن على سميرة تبعته والدتها وأخيرًا هبه.
في هذه الدقائق البسيطة استطاعوا فقط رؤيتها دون التحدث معها فقد كانت بين الوعي واللاوعي تنظر نحوهم بتشتت ثم تعود في لا وعيها مرة أخرى بوهن.
مر الحاج سعيد على الطبيب المتابع لحالة سميرة وأكد له انتظام جميع العمليات الحيوية، لكن موضع الرصاصة كان صعب للغاية، مما زاد من صعوبة العملية الجراحية لاستخراجها ولهذا ستظل على هذا الوضع بضعة أيام حتى تستعيد عافيتها مرة أخرى.
عاد الحاج سعيد لزوجته وابنته قبل انصرافهم من المستشفى فقد انتهت موعد الزيارة لهذا اليوم.
الحاج سعيد: وجودنا في المستشفى دلوقتي زي عدمه هم منعوا عنها الزيارة تاني لحد ما تفوق خلينا بقى نروح البيت وندعي لها يتم شفاها على خير...
أم هيام بحزن: طب خليني هنا جنبها يمكن تحتاج حاجة...!!!
الحاج سعيد: الدكاترة مش موافقين يا أم هيام... إنتِ كده مش حـ تعملي حاجة...
بإشفاق على حال ابنتها التي لا تعي بوجودهم من الأساس.
أم هيام: يا حبيبتي يا بنتي... هـ أسيبها تاني كده لوحدها....
الحاج سعيد: بس حالتها تستقر وتطلع من العناية ممكن تقعدي معاها هنا إنتِ أو هبه...
غادروا المستشفى ليعودوا بحزنهم مرة أخرى إلى المنزل لا يسعهم إلا الانتظار والدعاء.
بعد ليلة عصيبة استيقظ أمير والألم يمزق جسده بعدما زال أثر المخدر تمامًا، لكنه لم يبالي أو يهتم بهذا الألم فهناك ألم أكثر شدة يغرس بقلبه وذعرًا يجتاح روحه خوفًا من أن يفقد غاليته ويكون هو السبب في ذلك.
نهض من الفراش نازعًا أنبوب المغذى مثلما فعل بالأمس ليخرج من الغرفة بألم متوجهًا مرة أخرى إلى غرفة العناية المركزة.
والتي ما أن رأته الممرضة حتى همت نحوه بقلق.
الممرضة: إنت تاني ؟؟!!!! ... كده صعب قوي... الدكتور كان لسه هنا... كده حـ تأذينا... إنت إزاي بس بتخرج من أوضتك...؟!
لم يهتم ولن يهتم سوى بها فقط، هي من ضحت بعمرها فداء له، عليه الاطمئنان عليها فقط، أجابها أمير بلا اكتراث لما تقول.
أمير: سيبك من كل ده... هي عاملة إيه دلوقتي...؟!
أجابته مباشرة فتلك المشاعر التي تراها واضحة بعينيه القلقة لا تخفى عن الجميع.
الممرضة: اتحسنت شوية الحمد لله عن امبارح... ممكن ترجع أوضتك بقى..؟!
أمير: أطمن عليها الأول...!
بملامح متخوفة من أن تتأذى بمساعدته.
الممرضة: الزيارة النهاردة ممنوعة... كويس قوي إني عرفت أدخلك امبارح...
أمير برجاء: أرجوكِ.... دخليني كمان مرة... أرجوكِ أطمن عليها بسرعة وأمشي....
وهل تستطيع الرفض بعد استجداء هذا العاشق بتلك الصورة التي تفطر القلوب.
الممرضة: اللهم طولك يا روح... حاضر... بس بقولك إيه... أول ما أقولك تطلع تطلع على طول... ماشي...؟!
أمير بتلهف: حاضر... بس أشوفها....
تسللت الممرضة ومعه أمير إلى داخل الغرفة، دلف أمير إلى الداخل بينما انتظرت هي بباب الغرفة لتراقب الأجواء خوفًا من مرور الطبيب أو أن يدرك أحدهم ما تفعله.
لكنهما بالفعل آثارا شفقتها ويبدو أنه يحبها كثيرًا.
إقترب أمير من سميرة النائمة في صمت يتأملها بنظرات تملؤها الحزن والانكسار لما وصلت إليه بسببه.
أمير: يا ريتني كنت اديتهم البحث ولا يؤذوكي أبدا... لو كنت أعرف إنك جايه كنت رميتهولهم.. فداكِ.. ولا إنهم يمسوكِ بأذى... سامحيني حبيبتي... سامحيني يا أغلى حاجة في حياتي... قومي بالسلامة وأنا حـ أعوضك عن كل اللي حصل ده... بس قومي.... أنا مقدرش أعيش من غيرك...
إنهمرت دموعه الحارة خوفًا من فقدان سكينة روحه ونبض فؤاده لكنه تسمر فجأة على وضعه عند رؤيته لسميرة تفتح عيونها ببطء وثقل لتنظر إليه وكأن عيونها تبتسم له.
لكنها لم تقدر التحدث إطلاقًا خاصة وجهاز التنفس موضوع فوق وجهها، مجرد رؤية عينيها تشرقان حياته بنورهما اتسعت ابتسامته لتشق وجهه الحزين وهو يطلق حديثه المتلهف بإشتياق.
أمير: حبيبتي.... إنتِ بخير....!!
رمشت بعيونها ببطء إيجابًا، لم يطلب أكثر من ذلك ليطمئن بأنها على ما يرام.
أمير بندم: سامحيني... سامحيني يا سميرة.... أنا السبب.. أنا السبب في كل اللي إنتِ فيه...
حاولت سميرة تحريك رأسها نفيًا لكنها أرهقت للغاية لتسرع الممرضة وتطلب من أمير المغادرة.
الممرضة: أرجوك لو سمحت.. أنت كده حـ تتعبها قوي...
أمير: لا... لأ.... خليكِ مرتاحة يا سميرة.. أنا مش حـ أتعبك تاني... أنا ماشي أهو....
أشارت الممرضة تجاه غرف المستشفى قائلة.
الممرضة: ممكن تروح أوضتك بقى وتسيبها ترتاح...
أمير: أه طبعًا... اِرحي... اِرحي خالص... أنا حـ أبقى آجي لك تاني..
ابتسمت له سميرة بإعياء من خلف قناع التنفس، لتستسلم للنوم حين زادت الممرضة جرعة المخدر مرة أخرى لتمنعها من الإجهاد.
بينما اكتفى بهذه المؤشرات ليطمئن على سميرة حتى الآن.
رواية لحظات منسيه الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم قوت القلوب
بعد تناول هيام وكرم طعامهم، ظل ذهن هيام مشغولًا بأهلها. لا تدري سبب قلقها غير المبرر، لكنها أرجعت ذلك ربما، كما قال كرم، إلى سفرها وابتعادها عنهم لأول مرة.
انتظرت هيام للحظات قبل أن تردف ببعض القلق:
"ممكن نكلم بابا وماما بقى أطمن عليهم؟"
"أكيد يا روحي... تعالي."
أخرج كرم هاتفه ليقوم بمكالمته الدولية والاتصال بالحاج سعيد، لكنه رغم ذلك لم يتحصل على رد وانتهت المكالمة دون إجابة.
"محدش بيرد... استني حـ أجرب تاني كدة يمكن نايم ولا حاجة."
في ذات الوقت، ببيت الحاج سعيد، كان الصمت يحف جلستهم مع إحساسهم بالضيق لما حدث. نكسوا رؤوسهم بحزن وأسى. جلسوا في انتظار صامت لمرور الوقت، فهذا هو كل ما يستطيعون عمله في الوقت الحالي. قطع صمتهم رنين هاتف الحاج سعيد، لينظر له بضيق قائلًا:
"دة كرم بيرن من الرقم إللي ادهولي امبارح... أقوله إيه بس؟"
تطلعت زوجته إليه بنظرات رافضة تمامًا، وهي تؤكد عليه بحرص:
"لا يا سعيد مفيش داعي تقلقهم، دول لسه عرسان جداد... بعدين إن شاء الله لما سميرة تطلع من المستشفى نبقى نقول لهيام."
"على رأيك... لو قلنا لهم دلوقتي حـ يقلقوا وخلاص."
عاد رنين الهاتف مرة أخرى إليهم. الحاج سعيد بالرد بعدما تهيأ للإجابة عليه:
"السلام عليكم... إزيك يا كرم يا ابني؟ وأخبار هيام إيه؟"
تطلع كرم نحو هيام وهو يأشر لها باستكمال المكالمة مع والدها:
"بخير الحمد لله يا عمي، أهي معاك كانت عايزة تطمن عليكم."
"ماشي يا ابني..."
بلهفة حملت هيام الهاتف، واضعته فوق أذنها، منصتة لصوت والدها الذي اشتاقت إليه:
"إزيك يا بابا... عامل إيه دلوقتي؟"
"بخير يا بنتي الحمد لله."
سألته عن حاله بتوجس، لتستكمل بقلق سؤالها عن والدتها وأختيها:
"وماما وهبه وسميرة... كلكم كويسين؟"
كان سؤالها يشوبه بعض التشكك من شدة قلقها عليهم، ليجيبها والدها مخفيًا ما بداخله:
"آآ... آه يا حبيبتي متقلقيش، كلنا بخير."
رغم طمأنته لها، إلا أن قلبها لم يشعر بالراحة، بل ظلت متخوفة قلقة.
"أمال ليه حاسة إنك تعبان؟"
"أبدًا يا هيام مفيش حاجة... أصلنا صحينا بدري أوي وعايز أنام شوية."
"طيب يا بابا اِرحْ يا انت وابقى سلملي عليهم كلهم، وأنا حـ أبقى أكلمكم في وقت تاني تكونوا نمتوا وارتحتوا."
"إن شاء الله يا حبيبتي... خدي بالك من نفسك ومن كرم."
"إن شاء الله حاضر يا بابا."
أنهى الحاج سعيد مكالمته مع ابنته، مطلقًا زفيرًا قويًا، فقد تخوف من أن تشعر هيام بشيء، خاصة لو طلبت محادثة سميرة.
شعرت والدة هيام ببعض الراحة وهي تعقب على مكالمة هيام:
"كويس إنك مقلتش حاجة... أنا مكنتش حـ أعرف أكلمها، كان حـ يبان عليا على طول."
برجفة صوتها المختنق وحزنها على ما أصاب سميرة، أومأ الحاج سعيد بالإيجاب قائلًا:
"أيوه يا أم هيام... انتِ صوتك وطريقتك كان حـ يبان أوي إن فيه حاجة."
مصمصت شفتيها بإشفاق على حال ابنتها التي لم تهنأ بعد بحياتها.
"وهي يا حبيبتي مش ناقصة، ما صدقنا اِرحت من الشقا ووجع القلب أخيرًا."
زفر الحاج سعيد متنهدًا بتحسر على حال بناته:
"ولادنا كلهم شقوا معانا أوي... وهي أكتر واحدة... بس الحمد لله ربنا عوضها خير."
"عقبالك يا سميرة يا رب."
"تقوم بالسلامة بس."
"آمين يارب."
***
لندن...
وضع كرم هاتفه بجيبه، وقد أشرق وجهه ببسمة عذبة.
"شوفتي... أهم كلهم كويسين... انتِ إللي قلقانة على الفاضي."
"يمكن؟!"
"خلاص بقى اِطمنتِ الحمد لله... خليني بقى أوريكِ شهر العسل إللي بجد هنا في لندن."
برزانة أعطتها جاذبية وسحر خطفت بها قلبه المتلهف لتلك الساحرة.
"حـ تعمل إيه؟ مش المفروض ترجع الشغل بقى؟"
"متقلقيش من موضوع الشغل ده... أنا الشركة عندي شغالة كويس أوي حتى لو أنا مش متابعها، معايا مجموعة متدربة كويسة جدًا... خلينا في شهر العسل أهم."
أطلقت العنان لقلبها المحب بالانسياق براحة وبدون تفكير كما كانت من قبل، لتبتسم بجاذبية مردفة:
"وريني بقى حـ تعمل إيه."
"حـ أبدأ من النهاردة... يلا قومي غيري هدومك عشان ننزل."
"حـ توديني فين؟"
"مفاجأة... يلا بلاش كسل."
"أوكي."
لم يمر عليهم سوى يوم واحد بهذه البلد العريقة، وها هي تتجول وسط شوارعها وأحيائها مع زوجها. انبهار هيام بالمكان الجديد وبهذا الطقس البارد جعلها دومًا تشك أنها تحلم، هذا الحلم الذي تعانقه ولا تود الاستيقاظ منه مطلقًا.
"حبيبتي إيه رأيك نروح نشوف ساعة بج بن؟"
"بجد؟!"
"آه طبعًا."
وبالفعل اصطحبها كرم لزيارة هذه الساعة الغريبة التي تشتهر بها لندن منذ القدم. انبهرت هيام تمامًا برؤيتها وزيارتها لها. وقبل تحركهم للعودة، أمال كرم على أذنها هامسًا بنبرة عاشقة:
"سعيدة معايا حبيبتي؟"
سؤال لم يكن له إجابة مقنعة، فهي بالتأكيد تعيش بعالم الأحلام، فحتى بأحلامها ما كانت لتجرؤ بأن تعيش حياة كتلك.
"سعيدة؟... كلمة سعيدة كلمة قليلة أوي عن إللي أنا حاسة بيه حبيبي."
"عارفة يا هيام انتِ بقيتي كل حياتي... مكنتش متخيل إني ممكن أحب حد كل الحب ده."
"حـ تصدقني لو قلت لك وأنا كمان."
سحب كرم كفها بين راحته مقبلاً إياها بعشق، وهو يسبل ببقمتيها الساحرتين، وقد تداخلت خصلات شعرها السوداء تتطاير فوق وجهها المشرق، لتزداد ضربات قلبه عنفًا بسحرها. استقام ليحيط كتفيها بذراعه مبتسمًا بعشق:
"يلا بينا."
"يلا بينا فين؟"
"تعالي بس."
جذبها من ذراعها نحو محطة القطار ليستقلانه، مستكملين جولتهما الرائعة بحلمهما الحقيقي. نظرت من النافذة تتابع المنازل والأراضي يمران بجوارها بسرعة شديدة، تابعت جمال هذه المدينة الساحرة. وبعد قرابة الساعة، توقف القطار ليكمل كرم سلسال عشقه بنظراته الساحرة قائلًا لها:
"يلا بينا يا أميرتي... وصلنا خلاص."
تحركت معه هيام دون تفكير عن وجهتهما، بل تركت له العنان بصحبتها معه أينما ذهب. بعد فترة قصيرة قضاها الثنائي المحب، وجدت هيام نفسها أمام شاطئ البحر، ونسمات الهواء الرائعة تهب عليها وتداعب وجهها الجميل.
"بحر؟!"
"آيوة بحر... ده شاطئ برايتون... حـ يعجبك أوي."
نظرت هيام حولها لتجد الصخور بدلاً من الرمال، ذلك مزيج من الصخور وتلاطم الأمواج جعل الأجواء مبهرة للغاية. أوقفها كرم قائلًا:
"اِستنيني هنا... ثواني وحـ أرجعلك."
ظلت هيام فترة منتظرة بشوق، تناظر أمواج البحر المتلاطمة، حتى رأت كرم آتٍ من بعيد يبتسم إليها.
"يلا بينا يا أميرتي."
"على فين بقى المرة دي؟"
"اِشششش... تعالي بدون كلام."
سارت برفقته حتى وصلا إلى قوارب ترسو بشاطئ البحر. استدارت بإندهاش متسائلة بتفاجئ:
"إحنا حـ نركب مركب؟"
"آيوة."
تقدم كرم أولاً لسطح القارب قبل أن يمد بيده ليمسك بيدها لتصعد بخفة وتوتر بذات الوقت، ثم انطلق القارب بالبحر. إحساس داخلي بالسعادة فقط لشعوره بأنه السبب في رسم هذه الابتسامة على شفتيها الجميلتين. مسح بظهر إصبعيه فوق وجنتها الباردة بفعل الرياح، لتنساب هي أيضًا بنظراتها الهائمة نحوه، فلا شيء يكفيه شكرًا على كل ما يفعله من أجل إسعادها.
"انتِ أجمل حلم حلمته في يوم ولقيته قدامي أجمل من إللي حلمت بيه."
"كفاية بقى... أنا خايفة أتعود على كده."
"بس أنا عايزك تتعودي فعلاً على كده."
ظل الاثنان يعيشان حلم واقعهما بحب وعشق، وانتهى يومهما بعودتهما إلى شقتهما ليكملوا روعة اليوم برومانسية حالمة لعشقهما الحلال.
***
مرت عدة أيام...
بدأت سميرة تستعيد عافيتها ووعيها، ومع استقرار حالتها الصحية، فقد قرر الطبيب إخراج سميرة من غرفة العناية المركزة إلى غرفة خارجية بعد استقرار حالتها.
قبضت والدة هيام كف ابنتها بقوة، رغم حنانها للهفتها على ابنتها التي أوشكت على فقدانها.
"أنا مش مصدقة إنك فوقتِ يا سميرة، كنا حـ نموت من قلقنا عليكِ."
"عمر الشقا بقى... الحمد لله."
"ربنا لا يعيدها أيام، الحمد لله إنك كويسة."
قبل أن ينهي الحاج سعيد جملته، استمعوا لطرق صدح بباب الغرفة، ليطل بعدها أمير بابتسامته الهادئة، مقبلاً عليهم بوجه شاحب. أحاطت رقبته ضمادة عريضة، تعلق بها ذراعه لمنعه من حركة كتفه حتى يشفى تمامًا من إصابته. تجول بنظره نحو الحاج سعيد وزوجته، حتى استقرت عيناه على سميرة، التي ما أن رأته وارسمت ابتسامة اطمئنان على وجهها، فهي بالفعل كانت تتمنى رؤيته والاطمئنان عليه.
"السلام عليكم... أخبار حضرتك إيه يا عمي؟" ثم استكمل على الفور بسؤال متلهف نحو سميرة:
"عامله إيه دلوقتي يا سميرة؟ أنا الدكتور كتب لي خروج النهارده وإن شاء الله انتِ كمان تخرجي بكرة."
وقبل أن تجيب سميرة المبتسمة، قاطع الحاج سعيد حديثه بحدة:
"الحمد لله إنها قامت بالسلامة، وأظن إن انت ملكش مكان هنا بعد إللي حصل."
انتفضت سميرة من استلقائها وهي تتطلع نحو والدها بأعين يملؤها العتاب والأسى، فبكلماته أحكم قبضته على قلبها ليعتصره بقسوة، لتردف بنبرة منخفضة تحمل ألمًا عظيمًا:
"بابا...!"
لوهلة تابعها أمير بنظراته، قبل أن تتحول عيناه تجاه والدها قائلًا بخزي مستجديًا إياه:
"يا عمي... أنا عارف إن كل إللي حصل لـ سميرة ده بسببي... و...."
رفع الحاج سعيد رأسه بحزم، فلن يجدي استعطافه له شيئًا، فهو لن يستغني عن ابنته ولن يلقي بها للهلاك برفقته.
"كويس يا ابني إنك عارف، عشان كده أنا بقولها لك من دلوقتي سميرة مش ليك يا ابني... إحنا ناس مش بتوع مشاكل، وأنا أغلى حاجة عندي بناتي... عايزهم يعيشوا مرتاحين بعيد عن الأذى... ومعرفتك وقربك أذى ليها... ابعد عنها... مفيش نصيب."
تهدج صدره بقوة محاولًا إثنائه عن هذا القرار المجحف القاسي بقلوبهم.
"يا عمي اسمعني... أنا... أنا عارف إللي حصل كويس... أنا حي وموجود بينكم بس دلوقتي بسببها... سميرة أنا مديون لها بحياتي، ده لولاها كان زماني مقتول ومحدش حس بيا... ولا حد سأل عليا... أنا شاريها وعاوزها يا عمي... أرجوك متحرمناش من بعض."
"شوف طريقك يا ابني بعيد عننا... وطالما بتقول ليها جميل عليك، فـ رد الجميل إنك تبعد عنها ومتتعرضلهاش تاني... وكل شيء قسمة ونصيب... كفاية إللي حصلها من تحت راسك... إحنا طول عمرنا ماشيين جنب الحيط... وأنا راجل كبير وعايز أطمن عليها... وهي معاك مش في أمان."
نظر أمير نحو سميرة بنظرة حزينة منكسرة، فرغم حبه لها، إلا أن والدها محق تمامًا، وهو لن يكون السبب بما يؤذيها. ألقى نظرة يودعها بها، فإذا كان وجودها في حياته أذى لها، فهو على استعداد للتنازل عن سعادته مقابل سلامتها. نكس رأسه بانكسار، مغمضًا عيناه بألم، ساحبًا نفسًا طويلاً قبل أن يردف مستطردًا:
"أنا ماشي يا عمي... أنا ميهونش عليا أكون السبب في أذيتها أبدًا."
كانت تلك آخر كلماته قبل أن يغادر الغرفة باستسلام. اعتدلت سميرة من استلقائها، تود لو أن تتبعه وتلحق به، رافضة كل ما قاله لها والدها، لكنها لا تستطيع فعل ذلك، لا تستطيع مخالفة والدها حتى لو تسبب ذلك بكسر قلبها. حاولت جاهدةً منع دموعها وشهقاتها من الظهور، فأخذت تعض على شفتيها تحاول أن تتمالك نفسها، لكنها لم تستطع في النهاية، لتنهار في أحضان والدتها التي استقبلتها بحنانها البالغ. لتبكي خسارتها لهذا القلب العاشق المحب الطيب. فقد فرق بينهم الزمن، وتمنت في هذه اللحظة أن تمحى كل الأحداث السابقة ويعود بهم الزمن كما كان، وتعد هذه الأوقات فقط... لحظات منسية.
"يا بنتي أنا لا بظلمك ولا بظلمه، بس أنا بعمل كده خوف عليكِ... الحياة دي متعبة أوي وأنا عايزك ترتاحي في حياتك مش تعيشيها في خوف وقلق."
لم تستطع سميرة التحدث، فهذه المرة آلام قلبها أتعبتها بالفعل. لتأتي إحدى الممرضات مهرولة قائلة بحزم:
"يا جماعة انتوا تعبتوها أوي وإحنا ما صدقنا حالتها استقرت وطلعت من العناية... ممكن تتفضلوا لو سمحتم وبكرة إن شاء الله تتحسن وتخرج معاكم."
اضطر الحاج سعيد ووالدتها لتركها بالمستشفى لتهدأ قليلاً، وعادا إلى المنزل في صمت.
***
كما لو كان ينتظر تمامًا تلك المكالمة لتؤكد له أنه على حق، نظر الحاج سعيد لشاشة هاتفه المضيئة باسم كرم، ليزفر ببطء أولاً قبل أن يجيبه:
"السلام عليكم... إزيك يا كرم يا ابني؟"
"الحمد لله يا عمي... انتوا عاملين إيه؟ هيام كانت عايزة تطمن عليكم."
"الحمد لله على كل حال... ادهاني."
"إزيك يا بابا... أخبارك إيه وصحتك عاملة إيه دلوقتي؟"
تمنى بداخله لو أن إحداهن سعيدة، ليسألها متشوقًا لسماع إجابتها بالإيجاب.
"الحمد لله يا بنتي... انتي عاملة إيه... مبسوطة؟"
"جدًا يا بابا الحمد لله... وكرم بكرة حـ يجيب لي رقم جديد أبقى أكلمكم منه على طول."
"إن شاء الله."
"أمال فين ماما وسميرة وهبه؟... وحشتوني أوي."
لم يعد الحاج سعيد يتحمل، ليناول الهاتف إلى زوجته على الفور دون حديث مطلقًا، لتلتقط منه والدة هيام الهاتف متلهفة لسماع صوت هيام.
"هيام وحشتيني أوي."
هنا أدركت هيام بفراستها وذكائها المتقد أنهم يخفون أمرًا ما.
"مالكم يا ماما فيه إيه... حاسة إن فيه حاجة مخبيينها عليا."
"سميرة أختك... تعبانة أوي... انضربت بالنار... من كام يوم... بس الحمد لله بكرة حـ تطلع من المستشفى."
أخرجت ما بجعبتها مرة واحدة لتقذف به على مسامع هيام دون إخفاء أو تجميل.
"إيه؟... سميرة..... وهي عاملة إيه دلوقتي؟ يا خبر يا ماما كل ده حصل.. إزاي بس كل ده يحصل ومتقولوليش حاجة؟"
"حـ نقلقك في غربتك ليه بس... هي الحمد لله اتحسنت خالص... بس....آآآ..."
ابتلعت كلماتها بغصة وهي تنظر تجاه زوجها بلوم، حين تساءلت هيام بقلق:
"بس إيه... فيه إيه يا ماما قلقتيني عليها؟"
"أبوكِ رفض أمير وهي زعلانة أوي."
"ليه... مش بابا كان موافق؟"
زمت والدة هيام شفتيها وهي تستكمل دون أن تسقط عيناها عن زوجها، الذي كان ينصت لرد هيام الذي يحتاجه بالفعل بالوقت الحالي كصوت العقل الرزين بهذا البيت.
"أصله هو السبب في إللي حصل لها."
"هو السبب... إزاي... احكي لي بالراحة واحدة واحدة كده."
وبعد أن شرحت لها والدتها ما حدث، ردت هيام بعقلانية كعادتها في التفكير، لتطلب من والدتها أن تفتح السماعة الخارجية لتتكلم مع والدها ووالدتها معًا.
"طبعًا يا بابا انت وماما عارفين إحنا بنحترم رأيكم قد إيه... بس برضه ده ميخليناش ننسى إن كل شيء بيحصل لنا قدر ومكتوب علينا... وإللي كان حـ يحصل لـ سميرة كان حـ يحصل لها سواء كانت مع أمير ولا حتى ماشية في الشارع... بلاش نحمله ذنب هو ملهوش ذنب فيه... ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا... فكروا تاني وبلاش تظلموهم."
دافع الحاج سعيد عن قراره بإيضاح:
"بس ربنا برضه قال واتقوا الشبهات."
"طبعًا يا بابا... بس ده لو كل حياته كده... مش ظرف طارئ بس، وعدى الحمد لله."
"والله كلامها معقول يا سعيد."
"مش عارف... بس لا لا... خلاص... الموضوع خلص... المهم سلامتكم عندي يا هيام."
"يابابا انت راجل مؤمن وعارف كويس إن محدش بياخد غير نصيبه... عشان كده.. فكر تاني في موضعهم وأنا متأكدة إن إللي حضرتك حـ تقول عليه سميرة حـ تنفذه حتى لو على حساب سعادتها ونفسها."
"تطلع الأول بالسلامة من المستشفى وربنا يعمل إللي فيه الخير."
"إن شاء الله... وأنا برضه حـ أبقى أكلمكم لما سميرة تطلع عشان أطمن عليها... مع السلامة."
"مع السلامة... خدي بالك من نفسك."
أنهت هيام مكالمتها مع والديها، لتتأكد من إحساسها الذي لا يخيب أبدًا، فقد كانت تشعر أن هناك سوءًا ما يمر به والديها. حاولت أن تطمئن نفسها على سميرة، فوالديها لن يكذبا عليها، وأنها بالطبع تتحسن. بينما جلس والديها يتفكران في حديث هيام، التي كانت دائمًا صوت العقل والرزانة بالبيت وسط أخواتها جميعًا.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم قوت القلوب
مرت ساعات اليوم ثقيلة للغاية بقلوب أمير وسميرة المجروحة، لكنه رغم ثقله إلا أنه قد مر أخيرًا وحل سواد الليل، محاولين الهروب من الواقع المؤلم بمحاولة النوم الذي يهرب من جفونهم، فكلما حاول كل منهما النوم ذكره ألم قلبه بما حدث وفرق بينهم ليغرقا في حزنهما مرة أخرى.
اليوم التالي...
استيقظ أمير بملل وعدم رغبة في هذه الحياة الكئيبة التي دومًا ما تصفعه بقسوتها وتجبره على وحدته يومًا بعد يوم.
نهض أمير ببطء جالسًا بفراشه متمللاً يناظر صفاء السماء والشمس المشرقة المطلة عليه من نافذة غرفته التي تركها مفتوحة منذ الأمس، فقد شعر بأن الجو خانق للغاية من حوله.
صدع رنين هاتفه برقم غريب ليمد يده بملل ليتلقى المكالمة.
أمير: السلام عليكم.
...
وعليكم السلام... باشمهندس أمير...؟!!
أمير: أيوة أنا... مين معايا...؟!
...
معاك الضابط علاء... كنت عايزك تعدي عليا النهاردة ضروري في القسم.
تذكر أمير أن هذا هو نفس الضابط الذي تولى البلاغ الذي قدمته سميرة وهو أيضًا من قام بالقبض على عصام.
أمير: أه طبعًا مفيش مشكلة... ساعة وأكون عند حضرتك.
الضابط علاء: وأنا في انتظارك.
أنهى أمير المكالمة ليبدأ يوم ممل جديد مثل حياته قبل وجود سميرة بها.
سميرة...
بعد استقرار حالتها الصحية وتوصية الأطباء لها بالخروج من المستشفى لكن مع مراعاة عدم الإجهاد إطلاقًا حتى تتم التعافي.
اصطحبها والديها إلى المنزل لتستقر بغرفتها بحزن وصمت شديدين، فهي على الرغم من رفضها لقرار والدها بالابتعاد عن أمير، إلا أنها لن تخالفه الأمر أبدًا حتى لو جاء ذلك على حساب قلبها وسعادتها.
قسم الشرطة...
ولج أمير إلى داخل قسم الشرطة لمقابلة الضابط علاء كما طلب منه والذي استقبله باهتمام شديد.
الضابط علاء: أهلاً وسهلاً يا باشمهندس... اتفضل.
جلس أمير حيث أشار إليه الضابط قائلًا.
أمير: شكرًا يا فندم... خير إن شاء الله...؟؟!!
الضابط: إحنا كنا مستنين إنك تطلع من المستشفى بعد اللي حصل وكنت عايز أتكلم معاك شوية.
أمير: أه طبعًا... اتفضل.
بجدية تامة بعد البحث عن الأمر والتأكد من كل ما بلغتهم به سميرة، أوضح الضابط الغرض من زيارة أمير له.
الضابط: إحنا عرفنا من بلاغ الآنسة سميرة إنك عامل تركيبة مادة هي اللي كان عليها كل المشاكل دي... وعشان كده خلال الفترة اللي جاية وإن شاء الله هيتحدد لك معاد قريب للمناقشة بتاعتك، هيبقى فيه معاك فرد أمن للحراسة.
باندهاش شديد لاهتمام الضابط بمشروعه بتلك الصورة التي لم يكن يتخيلها.
أمير: معقول!!!!!... دي حاجة كويسة قوي.
الضابط: بس إحنا عرفنا إن خصائص المادة دي فيها جانب تاني ممكن يستخدم في أسلحة.
بسط أمير شرح الأمر بصورة علمية للضابط ثم قال.
أمير: هو ممكن بس أنا فكرت فيها بس من الجانب المدني.
الضابط: بإذن الله لو أخدت براءة الاختراع في المادة دي وأثبت فعلاً أهميتها في تركيب بعض الأسلحة الجديدة، فطبعًا إحنا أولى نشتري منك الاختراع ده ونستخدمه.
أمير: أه طبعًا دي حاجة تشرفني لما يبقى مجهودي لبلدي.
الضابط: يبقى اتفقنا... إن شاء الله كمان أسبوع اللجنة هتناقش المادة دي وبإذن الله تكون لصالح بلدنا وإحنا بس المتصرفين فيها مع حفظ أجرك طبعًا في البحث.
لقاء مثمر بكل المقاييس، فهو سيكون بأمان تام منذ هذه اللحظة وحتى مناقشة براءة الاختراع، وبالطبع استفادته من جميع النواحي العلمية والمادية والأمنية، فهو لم يكن يصل إلى كل ذلك لولا ما حدث.
أي أنه لولا مساعدة سميرة وإبلاغها الشرطة عن ذلك لما حصل على كل ما يقدم له.
توالت الأيام بتسارع حتى اكتمل أسبوعًا آخر تعافت به سميرة إلى حد كبير، لكن تفضيلها العزلة وبقائها بغرفتها أصبح واقعها، حتى مع محاولتهم جميعًا لإبعاد البهجة في نفسها، إلا أن الانكسار بروحها جعلها لا تشعر بملذات دلالهم لها.
بينما قرر أمير بقرارة نفسه أن ينهي مناقشته البحث والتجربة أولًا ثم يعود إلى والد سميرة، تاركًا أحمال عناء هذا البحث وما حدث جراء ذلك جانبًا، لكنه عليه الانتهاء منه أولًا.
فوقتها لن تصبح هناك مشاكل معلقة وربما حينها يقبل الحاج سعيد به زوجًا لابنته مرة أخرى، فهو لن يستسلم ولن يتركها بهذه السهولة.
لندن...
استقرت أمور نورا وياسر إلى حد كبير، كما تزداد فرحتهم بحمل نورا يومًا بعد يوم، لكن الطبيب طلب من نورا الحرص لأن حركتها المستمرة وسفرها بالطائرة في شهورها الأولى سبب عدم استقرار الجنين وعليها الالتزام بالراحة التامة حتى يحين موعد ولادتها.
حاول ياسر جاهدًا أن يريح نورا قدر المستطاع ولا يرهقها بأعمال المنزل، لكن من وقت لآخر يصطحبها إلى الأسواق القريبة ليبتاعوا بعض احتياجاتهم دون إرهاق أو تعب لها.
هيام وكرم...
مرت الأيام ليزداد تعلق كل منهما بالآخر، فمنذ زواجهم لم يتركوا بعض مطلقًا، فكانت هيام هي شغله الشاغل ولم يفكر بسواها ليبقى قابعًا إلى جوارها طوال تلك الفترة كاملة، ذلك التشبث المحبب لها.
وجودهم الدائم سويًا جعلهم يتقربون لبعضهم البعض بصورة عميقة للغاية حتى أصبح كل منهما لا يستطيع أن يستغنى عن الآخر ووجود الآخر بحياته شيء أساسي لا يمكن التغافل أو الاستغناء عنه.
أمير... (يوم مناقشة البحث)
استعد أمير بشغف، ربما شغفه هذه المرة مختلف تمامًا عن كل مرة يذهب لتقديم بحثه، فما يحركه الآن هو أن ينتهي من مشاكل هذا البحث ليستطيع أن يعيد البسمة لحياته وإقناع والد سميرة بأن الخطر قد زال نهائيًا.
توجه أمير بصحبة الشرطي المكلف بحمايته إلى أكاديمية البحث العلمي لمناقشة بحثه والمادة التي ابتكرها.
وبعد عرض كل التفاصيل على اللجنة وقرارهم بابتكارية أمير لهذا المزيج الرائع الذي كوّن منه هذه المادة.
منحته اللجنة حق براءة الاختراع لها وسجلت بالفعل باسمه ليحقق أول إنجاز له منذ سنوات طويلة من العمل والاجتهاد.
بعد انتهائه من العرض ومنحه شهادة بذلك، توجه نحو نفس الضابط الذي رحب به بحفاوة مرتبًا مع أحد القيادات المسؤولة موعدًا في القريب العاجل مع أمير لدراسة كيفية الاستخدام الأمثل لهذه المادة لصالح الوطن.
عقد أمير العزم متوجهًا نحو بيت والد سميرة فورًا بعد انتهائه من كل متعلقات هذا البحث ليعيد الروح لحياته البائسة.
بيت الحاج سعيد...
بوجه متجهم وملامح مقتضبة حزينة تساءل الحاج سعيد.
الحاج سعيد: برضه مش عايزة تطلع من أوضتها...؟؟!!
تنهدت والدة هيام بتحسر على حال ابنتها الذي تبدل كليًا وتلاشت ضحكاتها ومرحها الذي لم ينقطع عنها.
أم هيام: سيبها شوية... لحد ما تنسى يا سعيد... هي مش عايزة تزعلك... بس هي زعلانة قوي.
جلس الحاج سعيد بحزن مماثل، فهو قد أصر على ذلك لمصلحتها وسلامتها لا أكثر.
الحاج سعيد: كله عشان مصلحتها والله.
طرقات هادئة دقت بباب الشقة لتتحرك هبه نحو الباب لترى من الطارق، الذي سبب لها نوعًا من الدهشة والتوتر بذات الوقت، حين عادت لوالديها قائلة بتوجس.
هبه: بابا... ده... ا.... أمير.
استقام الحاج سعيد بضيق بالغ متذمرًا من إصرار هذا الشاب.
الحاج سعيد: وبعدين بقى في الحكاية دي...؟!!
لحقته زوجته وهي تتشبث بذراع زوجها قبل مقابلة أمير برجاء.
أم هيام: اديله فرصة واسمعه يا سعيد... انت مش فاكر كلام هيام.
بإيماءة خفيفة رغم معارضته للأمر، وافق الحاج سعيد بضيق على مقابلة أمير بعد أن ذكرته زوجته بما قالته له هيام من قبل طالبة منه أن يعيد التفكير مرة أخرى، طلب من ابنته هبه السماح له بالدخول.
الحاج سعيد: الأمر لله.
تقدم أمير نحوهم بشبح ابتسامة رسمها على وجهه خوفًا من أن تكون نتيجة هذه المقابلة كسابقتها في المستشفى.
أمير: السلام عليكم.
الحاج سعيد باقتضاب: وعليكم السلام... خير يا باشمهندس...؟!!
أمير: ممكن أتكلم مع حضرتك شوية...؟
الحاج سعيد: اتفضل.
قبعت سميرة بغرفتها بصمت لازمها منذ خروجها من المستشفى، أخذت تنظر نحو يديها بفراغ تام وكأنها تبحث عن شيء يملأ فراغ تفكيرها، فربما تجد أي شيء يشتتها عن نفس أفكارها التي تدور بها منذ الحادث.
لكنها لا تجد سوى أمير دائمًا في مخيلاتها.
اقتحمت هبه عنوة غرفتها مع سميرة لتخبرها لاهثة من آثار ركضها واندهاشها معًا.
هبه: سميرة...!! أمير بره.
انتفضت سميرة بقوة وقد لمعت عيناها ببريق متفاجئ بسعادة لاحت لتبدل ملامحها العابسة على الفور.
سميرة: بجد...!!
هبه: والله.
توجست سميرة حين تذكرت رفض والدها لتخفض نبرتها بتخوف من رد فعل والدها.
سميرة: وبابا...؟!!
توسطت هبه خصرها بكفيها قائلة بسعادة.
هبه: دخله الصالون.
سميرة باندفاع: أنا رايحة.
اتسعت عينا هبه الواسعتين بتخوف.
هبه: لا بقولك إيه... متجيبلناش الكلام.
دفعتها سميرة بخفة من طريقها وهي تغادر الغرفة بخطوات متلهفة.
سميرة: مش قادرة يا هبه... وسعي كده.
وقفت بهدوء وهي تستمع لصوت حديثهم لتتسلل بخفة وهي تدنو من غرفة الصالون حتى لا يشعروا بوجودها.
الحاج سعيد: بص يا باشمهندس أنا عارف كويس إنك راجل محترم ومن عيلة كويسة جدًا، بس بناتي دول أغلى من نور عيني. ربنا رزقني بيهم بعد ما كنا خلاص قلنا إن ربنا مش كاتب لنا الرزق ده في الدنيا، فمافيش حاجة عندي تساوي ظفر واحدة فيهم.
أمير: أنا فاهم حضرتك والله بس كنت عايز أقول.
الحاج سعيد مقاطعًا: سيبني بس أخلص اللي عندي الأول.
أمير: اتفضل يا عمي.
الحاج سعيد: انت حياتك فيها مشاكل وكانت حـ تروح فيها بنتي من غير ذنب. أنا كل اللي عايزه من الدنيا أشوفها سعيدة ومبسوطة وعايشة في أمان.
أقسم أمير بصدق ظاهر بكل جوارحه وهو يوضح حقيقة الأمر له، فتلك فرصته لاسترجاع سميرة ولن يخذلها بذلك.
أمير: يا عمي أولاً اللي حصل ده قضاء من عند ربنا، أنا مفيش مشاكل في حياتي... أنا أصلاً... ماليش حياة.
إحساسه الصادق ظهر جليًا نبرته المنكسرة ووحدته التي عاش بها لسنوات.
أمير: أنا لا ليا قرايب ولا أصحاب ولا ليا حد أصلًا يسأل عليا ويخاف عليا، أنا طول عمري لوحدي... ده لولا اهتمام سميرة وخوفها أنا كان ممكن يحصل لي حاجة... ومش بعيد كان زماني مت.
الحاج سعيد: أنا فاهمك يا ابني... بس مش مضمون أنه ما يحصلش تاني.
أمير: أنا.
قاطعتهم سميرة وهي تدلف إلى الغرفة لتتحدث أخيرًا عما يدور بداخلها لتنتهز الفرصة فربما يستطيعا تغيير رأي والدها.
سميرة: ممكن أقول رأيي يا بابا...؟!
اندهش الحاج سعيد لوجود سميرة، لكنه أراد إعطاءها فرصة التحدث كاملة خاصة بعد أن خرجت من غرفتها التي لزمتها لأيام عدة.
الحاج سعيد: سميرة!!... قولي يا بنتي.
سميرة: أولًا يا بابا أنا اللي رحت بسرعة عشان ألحق أمير يعني مش هو السبب ولا حاجة. الناس اللي عملت كده دي شوية حرامية كانوا عايزين يسرقوا منه البحث يعني حادثة سرقة ممكن تحصل لأي حد. واللي حصل ده قدر ومكتوب.
ثانيًا يا بابا وانت فاهم ده كويس إن اللي مكتوب إني أشوفه سواء كنت مع أمير أو لأ حـ أشوفه ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾.
الحاج سعيد: ونعم بالله.
أمير: فيه حاجة كمان يا عمي... هم كانوا عايزين البحث بتاعي قبل ما أقدمه للجنة... وأنا خلاص قدمته النهاردة وأخدت شهادة بيه.
تناست سميرة حديثها مع والدها لتهتف بفرحة لحصول أمير على براءة اختراعه أخيرًا.
سميرة: بجد والله... قدمته خلاص.
أمير: أيوة... قدمته وخلاص كده كل حاجة خلصت.
سميرة برجاء: ها يا بابا قلت إيه.
أخذ الحاج سعيد يفكر في كلامهم وأيضًا ما قالته له هيام من قبل، كم أسفرت تربيته لأبنائه عن إيمانهم بالقدر والمكتوب وثقتهم في الله وحسن ظنهم به.
وهو لن يكون أقل منهم ثقة في الله. لقد كان رفضه نابعًا من خوفه مما يمكن أن يصيبهم، لكن ما ينتظرهم بالطبع أفضل بكثير مما يرتبون له.
الحاج سعيد: خلاص يا أولاد.... طالما انتوا شايفين كده... أنا مقدرش أقف في وش سعادتكم... ربنا يسعدكم ويحفظكم.
تلاقت نظراتهم بسعادة لينتفض أمير إلى الحاج سعيد شاكرًا إياه بإحساس صادق وفرحة عارمة.
أمير: ربنا يخليك ليا يا عمي أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي... وأوعدك سميرة حـ أشيلها في عنيا وعمري ما حـ أخلي أي حاجة تأذيها أبداااااا.
ارتخت ملامح الحاج سعيد بأريحية وهو يشير لسميرة قائلًا.
الحاج سعيد: نادي والدتك واختك يا سميرة عشان نقرأ الفاتحة كلنا.
حاوطوا جميعًا الحاج سعيد ليقرأوا الفاتحة إعلانًا لخطبة أمير لسميرة.
هلت والدتها بفرحة.
أم هيام: ألف مبروك يا حبايبي... بس بقولك إيه يا أمير... متاخدهاش مني على طول كده... كفاية هيام.
أمير: طالما وافقتوا... أنا معاكم في أي حاجة انتوا عايزينها المهم في النهاية نبقى مع بعض.
أم هيام: يبقى تدينا وقت نجهز حاجتها ونفرح بيها.
أمير: خلاص أظن ست شهور كويس.
نظرت والدة هيام تجاه زوجها تؤكد عليه هذا الموعد لزفافهم.
أم هيام: إيه رأيك يا سعيد.
الحاج سعيد: لا إن شاء الله حـ يتحدد الفرح على إجازة أختها هيام عشان تحضر الفرح.
استحسن الجميع تلك الفكرة ليردف أمير موافقًا.
أمير: بإذن الله.
أحاطت مظاهر السرور والفرح مرة أخرى على هذا البيت ليسعدوا جميعًا بهذا الارتباط الذي واجه صعوبات عديدة حتى تم.
تتوالى الأيام سريعًا استقرت بها حالة أمير وسميرة الصحية وشفيا تمامًا من آثار الحادث، تعاظم إحساسهم بأن كلًا منهما سندًا للآخر. وعلى الرغم من عملهما بنفس المكان وتقابلهما بشكل ثابت يوميًا، إلا أن سميرة قد فرضت بعض الرسميات على حدود علاقتهما حتى يتم الزواج وقد زاد ذلك من قيمة سميرة واختلافها عن غيرها من الفتيات، فزادت مكانتها بقلب أمير.
لندن...
انتهت إجازة كرم وقرر العودة إلى شركته بعد كل هذا الغياب.
تجمع كرم وهيام ونورا وياسر بشقة ياسر لتناول العشاء سويًا.
ياسر: يااه أخيرًا يا أخي حـ تنزل الشغل، ده انت بقالك ثلاث شهور متعرفش عن الشركة دي حاجة.
أعاد كرم جزعه للخلف بخيلاء وهو يجيب ياسر بثقة متناهية.
كرم: انت إيش عرفك انت... الدنيا ماشية زي الساعة إحنا في إنجلترا يا ابني. وبعدين أنا يادوب قعدت هنا شهر واحد... والشهرين التانيين كانوا إجازة في مصر.
ياسر: المهم إنك راجع بقى... أخيرًا حـ تتحرك.
أنهى ياسر عبارته وهو يشير بعينيه تجاه هيام التي كانت تجلس برفقة نورا، فكرم منذ زواجه بها وهو لا يفكر مطلقًا بالابتعاد عنها مهما كانت الأسباب.
كرم: انت عارف... أنا الود ودي أفضل جنبها كده على طول ما أسيبهاش.
ياسر بلوم: وهو إحنا حـ نفضل قاعدين جنبهم كده بس... لازم نشوف أشغالنا بقى.
تطلع كرم نحو هيام وهو يستكمل حديثه مع ياسر.
كرم: بس بجد أنا اللي عايزه من الدنيا دي هي وبس... ولا شركة ولا فلوس ولا أي حاجة أبدًا.
ياسر: يا عيني يا عيني على الرومانسية.... بس متقلقش... نورا معاها أهي وأهم يونسوا بعض.
كرم: تفتكر.
أجابه ياسر مؤكدًا.
ياسر: أه طبعًا... وأنا عرفت نورا كام مكان كده عشان لو احتاجوا حاجة يعرفوا يتصرفوا.
كرم: أيوه معاك حق.
بعد انقضاء سهرتهم وتناول العشاء عاد كرم وهيام إلى شقتهما للاستعداد للاستيقاظ مبكرًا حتى يتسنى له الذهاب إلى شركته.
صباح اليوم التالي.
استيقظ كرم مبكرًا ليجد هيام قد حضرت له الفطور ووضعته على الطاولة ومعها العصير، كان يشعر أنها تضيء حياته وتسعده لمجرد وجودها فيها وكيف أن حياته اختلفت بعدما دخلت إليها هيام.
تناول طعامه متوجهًا نحو الخارج مع وداع هيام له متمنية له يومًا طيبًا وأن يحفظه الله لها.
تقابل كرم وياسر أمام باب شقتهما ليتحركا سويًا كلاً إلى وجهته، فها هي الدنيا تستقر بحياتهما بوجود نصفهم الآخر يشع نورًا وبهائًا حولهم.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم قوت القلوب
ما أسرع الأيام بدورانها فقد مر قرابة الستة أشهر وإنتظمت بهم حياتهم جميعًا. فللروتين أيضًا هدوء وراحة، ففى بعض النمطية سُكون.
خلال تلك الشهور إستطاع أمير وسميرة تأثيث شقتهما بعناية فقد تبقى على زفافهم ما يقرب من الشهرين فقط، فهم بإنتظار إجازة هيام لإقامة حفل الزفاف.
إنغمس كرم وياسر بأعمالهما لكنهما لم ينسيا هيام ونورا ليقوموا بالتنزه من وقت لآخر. كان كرم كثير القلق على هيام فقد جعل تجولها بمفردها فى أضيق الحدود. بينما نورا كعادتها مهما حاول ياسر شرح وتوضيح الأماكن والطرق إليها إلا أنها تنسى وتخطئ.
بعد مغادرة كرم وياسر بالصباح أخذت نورا تقنع هيام بالخروج سويًا لإبتياع بعض اللوازم.
نورا: يا بنتي بقولك متخافيش أنا عارفة المكان كويس.
رغم قلة تحركها بمفردها إلا أن ما زاد من تخوفها ليس ذلك بالمرة، لكن ثقة نورا الزائدة بمعرفتها للمكان الذى سينشدانه.
هيام: يا خوفي منِك أنتِ. ماشي حـ نشوف. ربنا يستر.
رفعت نورا من رأسها بخيلاء.
نورا: لا. أنا خلاص بقيت إنجليزية وعارفة المكان بالتفصيل.
هيام: ماشي.
إستكملت نورا محايلتها حتى توافق هيام على مصاحبتها اليوم.
نورا: وبقينا لوحدنا. ها يلا بينا بقى.
هيام: مش عارفة مش واثقة فيكِ ليه. بس يلا ربنا يستر. المكان قريب ولا بعيد.
نورا: لا مش بعيد. دة إحنا حتى حـ نتمشى شوية مش حـ ناخد تاكسي.
إنشغلت هيام بترتيب حقيبتها وهى تتسائل برزانة عن هذا المتجر الذى لا تنفك نورا تتحدث عنه منذ بضعة أيام.
هيام: وعندهم إيه بقى.
نورا: كل حاجة. أكل وشرب ولبس وكله. دة مول كبير أوى حـ يعجبك. دة عجبنى أوى لما ياسر أخدني هناك.
هيام: طيب يلا بينا نروح عشان نرجع قبل ما ييجي معادهم.
نورا: أوك.
قالتها نورا بالإنجليزية لتنتبه لها هيام قائله ببعض السخرية المازحة.
هيام: يا واد يا إنجليزي إنت.
تحركتا نحو هذا المتجر إعتمادًا على طريقة نورا العشوائية لكنهم لم يصلوا إليه مطلقًا وشعرت هيام بالتخبط فقد إتخذتا عدة طرق وضواحى مختلفة لتقف بتذمر.
هيام: يا بنتي أنا توهت. إنتِ متأكدة إنك عارفة المكان.
دارت نورا بعينيها بالأرجاء من حولها بتشتت ثم أردفت بصورة مهتزه.
نورا: والله كان هنا. أو بصي ندخل اليمين إللى جاى حـ نلاقيه والله.
تطلعت هيام نحو بطن نورا المنتفخة بعدم ثقة ثم أردفت مرغمة.
هيام: ماشى حـ نشوف. إنتِ إللى حـ تتعبي كدة.
نورا: إستنى بس. ربنا حـ يستر.
بعد عدة محاولات خاطئة من نورا وصلتا أخيرًا إلى المتجر لتهمس نورا بإرهاق بأذن هيام.
نورا: مش قادرة بقى. عايزة أدخل الحمام.
هذا ما كان ينقصها بالفعل لتتملل هيام قليلاً من نورا التى ترهق نفسها بدون داعٍ.
هيام: الله يسامحك. طيب إستني أسألك على مكانه.
وبعد سؤال هيام عن مكان تواجد المرحاض بالمتجر إتجهتا صوبه على الفور أولاً فـ نورا لا تتحمل الكثير بسبب حملها المتثاقل.
فور خروجها من المرحاض وشعورها ببعض الراحة إتسعت إبتسامة نورا المعتادة قائله.
نورا: يا ستار. دة الحَمل دة صعب أوى.
هيام ضاحكة: ربنا يقويكِ.
نورا: عُقبالك.
تجولتا فى داخل المول لبعض الوقت حتى شعرت نورا بالإرهاق فطلبت من هيام الإستراح قليلاً فهى لم تعد تقدر على المواصلة بشكل جيد.
جذب إنتباه هيام أحد المحال الذى يعرض بعض الأوشحة الرجالية ذات الألوان الرائعة فقررت شراء إحداهم كهدية لـ كرم.
هيام: نورا حبيبتي. حـ أروح اشتري حاجة من المحل دة مش حـ أتأخر إستنيني هنا.
ظهر الوهن على وجه نورا وهى تجيبها بأنفاس متثاقلة.
نورا: ماشي متتأخريش بس، أحسن أنا تعبت خلاص ومش قادرة عايزة أروَّح بقى.
هيام: حاضر مش حـ أتأخر.
ولجت هيام إلى المتجر جذبها تنوع الأوشحة وألوانها المختلفة وتلك الساعات وغيرها من الأشياء التى تصلح جميعها گ هدايا مميزة فإحتارت بشدة ماذا تختار منهم، أخذت تقلب فيهم جميعاً وإحتارت أيهم تختار.
مر وقت طويل وهى بداخل المتجر. بهذه الأثناء شعرت نورا برغبة قوية فى قضاء حاجتها مرة أخرى. نظرت تجاه المتجر تحاول رؤية إذا كانت هيام قد إنتهت بعد، لكنها لم تلاحظها جيدًا لتحدث نفسها قائله.
نورا: إتأخرتِ أوى يا هيام. أنا حـ أروح الحمام بسرعة وأرجع قبل ما تخرج من المحل شكلها مطولة.
إتجهت نورا نحو نفس المكان الذى أرشدتها إليه هيام من قبل.
إنتهت هيام من شراء الهدية لتخرج من المتجر باحثة عن نورا فلم تجدها، وقفت لبعض الوقت بإنتظارها متسائله بداخلها بقلق.
هيام: الله. راحت فين نورا. يمكن نزلت تستناني تحت.
خرجت هيام من المتجر الكبير وهى تتلفت حولها بقلق متسائلة. "أين ذهبت نورا". وظلت تنتظرها كثيرًا لكنها لم تظهر بعد.
هيام: يمكن راحت تستناني عند باب تاني.
ذهبت هيام بحثًا عن نورا هنا وهناك لكنها لم تجدها.
بينما كانت نورا تبحث أيضًا عن هيام داخل متجر الأوشحة وأمامه لكنها لم تجدها.
فظنت أنها ربما خرجت ولم تجدها فعادت إلى شقتها، قررت نورا العودة أيضًا لتقابلها هناك.
لم تقدر نورا على السير لأكثر من ذلك فإستقلت إحدى سيارات الأجرة لتيسير الأمر عليها. أخرجت من حقيبتها عنوان المنزل فقد دونه لها ياسر من قبل تحسبًا لذلك لأنها لا تستطيع التحدث بالإنجليزية.
وصلت إلى المنزل بسهولة، لكنها أخذت تبحث عن هيام وتطرق باب شقتها لكنها لم تجيب فظلت جالسة فى إنتظارها لحين عودتها لتطمئن عليها.
هيام. بعد بحثها عن نورا الذى أهلكها فعليًا فأكثر ما يقلقها هى نورا نفسِها فمن الواضح أنها لاتعرف الطريق جيدًا للعودة بمفردها، فتوجب عليها إنتظارها لمساعدتها.
هيام: أه لو بس معايا تليفون كنت كلمتها وخلصنا. أنا بنسي خالص موضوع التليفون دة.
تقلب الجو ليصبح باردًا للغاية. إشتدت الرياح حتى أنها أصبحت تصدر صوت صريرًا مخيفا كأفلام الرعب التى تشاهدها دومًا.
وعلى الرغم من ذلك لم تشأ هيام ترك المكان والعودة إلى البيت بدون نورا.
إنتظرت كثيرًا وأخذ البرد يشتد بقسوة. بدأت الأمطار بالهطول تنهمر بغزارة حتى أن ملابسها إبتلت للغاية بماء المطر. شعرت بالبرودة الشديدة تسري فى داخلها فهى غير معتادة على هذا البرد القارس.
وقفت تحت إحدى المظلات الكبيرة الخاصة بالسيارات فربما تحتمى قليلاً من المطر لكنها لم تحمها من هذه الرياح الباردة القوية. وبعد فترة طويلة من الإنتظار، قررت الذهاب للتأكد إن كانت بالبيت أم لا.
قائله لنفسها أنها إذا لم تجدها هناك سوف تعود مرة أخرى للبحث عنها. فلا يمكن ترك نورا بمفردها فى هذه البلد الغريبة عنها فهي لا تحسن التصرف.
وصلت هيام للبناية التى تقطن بها لتصعد درجات السلم وهى ترتجف من البرد. وقفت أمام شقة نورا ودقت الباب. فتحت نورا الباب وقد تجلت مظاهر القلق على ملامحها الطفولية.
نورا: هيام. إنتِ رُحتي فين قلقتيني عليكِ.
تنهدت هيام بقوة وراحة لرؤيتها ثم أردفت بهدوء.
هيام: ما يهمكيش خلاص. المهم إنك كويسه. أنا رايحه شقتي.
توجست نورا لمظهر هيام المبتل ووجهها الشاحب.
نورا: مالك يا هيام. إنتِ كويسة.
هيام: بردانه شوية بس.
نورا: ماشي حبيبتي. إدخلي إنتِ شقتك وغيرى هدومك دى وإرتاحي شوية ونتكلم بعدين.
أومأت هيام برأسها بخفة لتدلف إلى داخل الشقة وهى تشعر بأن جسدها كله يرتجف من البرد.
توجهت إلى غرفة النوم وبدلت ملابسها بأخرى جافة وثقيلة. وضعت جسدها فوق فراشها محاولة النوم. لكن قبل أن تغمض عيناها إستمعت لـ كرم الذى عاد للتو من الخارج.
كرم: هيام. حبيبتي. إنتِ فين. هيام.
رفعت هيام جسدها لتجلس مستندة لظهر السرير.
هيام: أنا هنا حبيبي. تعالى.
طل كرم ببسمته المحببة.
كرم: و أميرتي هنا بتعمل إيه. مش بدرى شوية على النوم.
هيام: بردانة شويه وقلت أتدفى تحت الغطا.
كرم: أوك. حـ أغير هدومي وأرجعلك نستريح شوية ولما نصحى نخرج نتعشا برة. إيه رأيك.
هيام: زى ما تحب.
بدل كرم ملابسه وجلس إلى جوارها يتطلع لملامحها الشاحبة للغاية.
كرم: مالك حبيبتي.
هيام: مفيش. حاسه بالبرد شوية.
كرم: ماشي حبيبتي. إرتاحي.
=====
مرت ساعات غفيا بها كرم وهيام. إستيقظ كرم أولاً سامعًا صوت همهمة فظن أن هيام قد إستيقظت.
كرم: هيام. إنتِ صاحيه.
سمع صوت الهمهمة مرة أخرى فإستدار تجاهها ليلاحظ توهج وجنتيها بقوة ويبدو أنها غائبة عن الوعي. تحسس جبهتها ليتفاجئ بإرتفاع درجة حرارتها حتى أنها أخذت تهلوس من شدتها.
إنتفض مذعورًا فهو لا يعرف ما الذى أصابها. إنتابه خوف شديد لرؤيتها بتلك الهيئة. وضع ظهر يده مرة أخرى فوق جبينها المتعرق ليجد حرارتها مرتفعة للغاية.
أسرع نحو المرحاض وفتح الماء البارد وأحضر منشفة وبللها بالماء ثم عاد إلى هيام جاثيًا على ركبتيه ليضع المنشفة فوق جبهتها لتخفف من أثر الحرارة.
إنتفضت بقوة لحظة تلامس المنشفة الباردة لجسدها المتوهج فإنتفض هو أيضًا معها.
لمعت عيناه ببريق دامع تأثرًا لإعيائها فـ قلبه المحب لم يتحمل رؤيتها متعبة إلى هذا الحد.
كرم: مالك حبيبتي. ردي عليا. أنا قلبي ميقدرش يستحمل تعبك دة.
نهض بسرعة وأبدل ملابسه ثم سحب عباءة الصلاة الطويلة الخاصة بـ هيام ليدثرها بها قبل أن يحملها فوق ذراعيه مغادرًا الشقة متوجهًا مباشرة نحو المستشفى.
وصل كرم إلى المستشفى دالفًا نحو الداخل وهى كالعصفورة بين ذراعيه هاتفًا بإرتجاف بإنجليزية صريحة.
كرم: مساعدة من فضلكم.
توجه إليه إثنان من الممرضين ومعهم سرير متحرك ليضعوا هيام فوقه.
حاول أحدهم أن يأخذ منه هيام لكنه رفض بشده أن يحملها غيره ووضعها بنفسه فوق السرير المتحرك.
دفعا الممرضان السرير لداخل المستشفى يلحقهم كرم راكضًا من خلفهم.
غاب عن أنظار من يتطلعون إليه منذ أن وصل للمستشفى. هؤلاء من تابعوا لهفته وخوفه عليها. إبتسم البعض قائلين: يالهم من عاشقان.
أثناء نداء كرم طالبًا مساعدة أحدهم إلتفتت هذه المرأة الشقراء لتقضب حاجبيها بضيق يتحول إلى غضب لتنظر نحوه مرة ونحو هيام مرة أخرى بحقد وعصبيه.
أخذت ترمقهم بعيناها حتى غابا عن نظرها ممتزجين بطاقم التمريض بالمستشفى.
إستنكر البعض نظرات هذه المرأة نحو كرم وهيام.
كاد كرم أن يجن فور أن وضعوا هيام بغرفة لفحصها بينما ظل هو بالخارج. أخذ يتحرك فى الرواق مجيئة وذهابًا حتى خرج الطبيب ليسرع إليه متلهفًا.
الطبيب: لا تقلق يا سيدي ستكون بخير. إنها من الواضح أنها تعاني من إنفلونزا شديدة وهذا ما سبب لها الهذيان لكنها مع الرعاية والعلاج ستكون بخير لا تقلق.
كرم: الحمد لله. شكرا لك.
دخل كرم إلى الغرفة ناظرًا نحو هيام النائمة بسلام فوق السرير الأبيض البارد. أغرورقت عيناه من ذبول وجه هيام الذى كان دائمًا يشع بكل حيوية ونضارة.
الممرضه: رجاء الذهاب الآن لقد إنتهت مواعيد الزيارة.
نظر إليها كرم برجاء.
كرم: لكننى أود المبيت معها.
الممرضه: آسفة جدًا لكن هذه هى تعليمات الطبيب.
خرج كرم من الغرفة مجبرًا لكنه لم يستطيع أن يترك هيام ويذهب إلى البيت فجلس فى الإستراحة ينتظر مرور الوقت ويأتى موعد الزيارات حتى يطمئن عليها.
مر الوقت طويل وقاتل قلبه المتألم الذى يعتصر خوفًا وقلقًا لأنه بعيد عن حبيبته وهى فى أشد الحاجة إليه. ظهر نور الصباح وحان موعد الزيارات. يا لها من تعليمات صارمة أبعدته عن حبيبته. خرج من الإستراحة تجاه غرفة هيام بعد إنتظار طويل.
فتح الباب فوجد هيام مستيقظة تتناول دوائها وقد أصبحت أفضل بشكل ملحوظ عن ليلة الأمس. دنا بخطواته تجاهها بتلهف.
كرم: حبيبتي. حمدالله على سلامتك.
هيام بإبتسامة باهتة: الله يسلمك يا حبيبي.
كرم: يا ريت إللى فيكِ دة فيا أنا ولا أشوفك تعبانه كدة أبدًا.
أسرعت هيام بوهن لتمنع كرم من تكرار هذا الحديث القاسي على مسامعها.
هيام: متقولش كدة حبيبي. أنا مقدرش أشوفك تعبان.
إحتضن كفيها بحنو وهو يجلس إلى جوارها قائلاً.
كرم: دة أنا إللى بموت من إمبارح وأنا شايفك تعبانة كدة ومش عارف أعمل لك حاجة تخفف عنك. الحياة من غيرك طعمها وحش أوى.
كم أن وجوده بحياتها لشئ جميل للغاية. تطلعت إليه لوهلة قبل أن تجيبه بعشق نابع من أعماق قلبها الصغير.
هيام: بحبك أوى على فكرة.
كرم: بحبك يا أغلى من حياتي. يلا بينا نروَّح البيت وأنا حـ أخد بالى منك. أنا مش قادر أستحمل وإنتِ بعيد عني.
هيام: أنا كمان مش بحب المستشفيات.
كرم: حالاً حـ أروح للدكتور يكتب لك خروج.
خرج كرم وهيام من المستشفى وهو كاد يحملها من فوق الأرض حتى لا ترهق نفسها. عادوا إلى شقتهم ليصر كرم على حمل هيام ليدخلها الى غرفتهما ويضعها فوق الفراش لتستسلم له هيام بدون مقاومة، حتى أنها فور إحساسها بدفء فراشها سرعان ما غابت بغفوة مباشرة دون إنتظار. دثرها كرم جيدًا حتى لا تشعربالبرد.
توجه نحو المطبخ وحضر لها طعامًا خفيفًا صحيًا، ليوقظها بعد وقت طويل لتناول طعامها ودوائها ثم تركها لترتاح مرة أخرى.
كانت هيام مثل الدمية فى أيدى كرم تتناول الطعام والدواء وتعود للنوم مرة أخرى.
جلس كرم إلى جانبها يمسح بيده فوق جبينها يود لو ينتزع هذا المرض منه لتعود إلى عافيتها فهو لا يستطيع رؤيتها تتألم.
لم يريد كرم النوم بالفراش حتى لا يزعجها ليفضل النوم على المقعد المقابل لها حتى يستطيع متابعتها طوال الليل.
===
مرت ثلاثة أيام على هذا الحال تكاد هيام تكون نائمة طوال الوقت بإستثناء إفاقتها لوقت مستقطع تتناول به الطعام والدواء وتنام مرة اخرى.
فتحت هيام عيناها فوجدت كرم يغفو بالمقعد المقابل لها فى وضع غير مريح بالمرة. شعرت بالأسى لأجله كيف أنه لم يرتاح الأيام الماضية، بالإضافة لإرهاقه بإهتمامه بها وتغذيتها.
هيام فى نفسها: يااااه. قد إيه ربنا بيحبني إنه رزقني بيك يا كرم.
دفعت جزعها للأعلى حتى تمالكت نفسها ثم أنزلت ساقيها برفق لتتقدم نحو كرم تحاول إيقاظه.
هيام: كرم. كرم.
إستيقظ كرم مفزوعًا فربما هيام متعبة مرة أخرى.
كرم: حبيبتي. إنتِ تعبانه. محتاجة حاجة.
هيام: لا. حبيبي. حـ أبقى محتاجه حاجة إزاى وإنت جنبي.
تنهد كرم بعشق وراحة.
كرم: ياااه. حبيبتي. وحشتيني أوى الأيام إللى فاتت دى.
مد كرم يديه وضمها إلى صدره فى حنان. كم يشعر بالإشتياق إليها. كم يشعر بمدى حبه لها.
هيام: ربنا يخليك ليا.
كرم: وحشني الكلام معاكِ أوى.
هيام: ما إنت حـ تقولى كل إللى إنت عايز تقولهولى بس لما تقوم من على الكرسي المتعب دة.
كرم: مش الكرسي هو إللى مُتعب.
رجعت هيام إلى الخلف لتجلس بحافة الفراش متسائله بفضول.
هيام: أمال إيه.
كرم: إنى أشوفك تعبانة بالشكل دة هو إللى متعب. متعب أوى.
هيام: هو أنا الظاهر إنى بقيت عيانه بحاجة تانية مش حـ تروح. شكلى مريضة بيك.
كرم: لو كان كدة مش عايزك تخفى أبداااااا.
رواية لحظات منسيه الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم قوت القلوب
وقت المِحن تُمتحن القلوب وندرك الطباع، فليس التناغم بالحديث بل الإهتمام تُظهره المواقف.
خلال عدة أيام مرت، إستعادت هيام عافيتها وإنتظم كرم بعمله مرة أخرى، لكن إهتمامه بها ورعايته لها لن تُنسى أبدًا.
تلك الأيام التي تمر، يقترب معها موعد زفاف أمير وسميرة، هذا الموعد الذي كلما يدنو يزيد من إضطراب سميرة بشكل ملحوظ، لكن ما يطمئنها هو أمير نفسه الذي جعل راحة سميرة هي شُغله الشاغل، خاصة بعدما إتفق مع إحدى الجهات الأمنية التابعة للدولة بتبني إنتاج المادة التي قام بابتكارها، مما زاد من العائد المادي له ليدرك أن الخير يعم حياته منذ بداية معرفته بسميرة.
نورا وياسر.
أصبحت نورا وهيام تقضيان الوقت في شقة إحداهما حتى عودة أزواجهن من أشغالهم، أخذتا تتجولان لأكثر من مرة بمفردهما، ذلك الأمر الذي سبب توجس قلق بنفوس كرم وياسر لما حدث بذلك اليوم الذي أصيبت به هيام بالحمى.
ذات صباح.
بعد اتجاه كرم وياسر لأعمالهم، استقبلت نورا صديقتها بشقتها لقضاء الوقت معًا.
تطلعت هيام بصديقتها ذات البطن المنتفخ ووزنها الزائد بشكل غير طبيعي، فكم تغيرت ملامحها للغاية.
هيام: اتغيرتي أوي يا نورا في الحمل.
نظرت نورا نحو هيام بأعين متسعة وابتسامة بلهاء رُسمت فوق وجنتيها الممتلئتان.
نورا: إزاي؟
أكملت هيام وهي تردف بسعادة لصديقتها، لكن من داخلها تتمنى لو أنها أيضًا تمر بنفس ما تمر به نورا وترزق بطفل صغير.
هيام: بقيتي فظيعة ومليتي أوي، تفتكري إنه يعني.. لو يوم يعني.. لو ربنا كرمني وحملت أبقى شبهك كده؟
أدركت نورا ما بنفس هيام لتجيبها بنقاء قلب وعفوية.
نورا: هتبقي زي القمر، ربنا يكرمك عن قريب، بقالك ست شهور بس، لسه قدامكم العمر كله، متقلقيش انتِ بس.
تمنت لذلك أجابتها هيام بتنهيدة طويلة وبعض الضيق.
هيام: مش عارفة متأخرة ليه ده كله، بس أنا عارفة كله بوقته، كفاية حنية كرم عليا.
بمزاح لطيف وهي تسخر من وزنها الزائد، أردفت نورا.
نورا: طب بعيد بقى عن إني مليت شوية، ممكن نتكلم عن حاجة تانية أحسن؟
هيام: حاجة تانية، زي إيه؟
رفعت نورا كتفيها وأهدلتهما بمعنى لا أدري وهي تقلب شفتيها بتقوس للأسفل.
نورا: أنا عارفة، أي حاجة بدل الزهق اللي إحنا فيه ده، أقولك قومي نعمل حاجة نشربها.
مطت هيام بشفتيها متهكمة من تلك المنتفخة قليلة الحركة.
هيام: تقصدي أقوم أعمل حاجة نشربها، هو إنتِ بتقومي من مكانك؟
نورا: أمال إيه فايدة الصحاب في الغربة.
ولجت هيام إلى المطبخ تحضر لهما كوبان من الشاي وبعض الحلوى، حملت الصينية متقدمة بها نحو نورا حين لاحظت شحوب وجهها للغاية ويبدو عليها الإعياء.
هيام: مالك يا نورا؟
بوجه ممتعض متألم وأنفاس متقطعة، أجابتها نورا.
نورا: مش عارفة يا هيام، بطني بتوجعني أوي، مرة واحدة كده مش عارفة ليه.
وضعت هيام الصينية بحركة سريعة وهي تبحث عن الهاتف.
هيام: أنا حأتصل بكرم يوديكِ المستشفى، أنا معرفش هي فين بالضبط.
أومأت نورا بالرفض قائلة.
نورا: لا لا، الدكتور آخر مرة كتب لي دوا عشان المغص ده.
هيام: فين الدوا ده؟
نورا: جوه في الأوضة على الكومودينو.
دلفت هيام إلى داخل الغرفة بخطوات متعجلة لتجد بالفعل علبة الدواء لتسحبها بكفها على الفور، لكنها شعرت بخفتها فأخذت تهزها بخفة مدركة أنها فارغة.
خرجت نحو نورا متسائلة بقلق.
هيام: العلبة فاضية، مفيش علبة تانية يا نورا؟
زاد شعورها بالتوعك لتردف بنبرة متألمة.
نورا: يوووه، ده أنا كنت قلت لياسر يجيب لي علبة جديدة، تلاقيه نسى، ااااه.
هيام بتفكير: إيه العمل دلوقتي؟
رغم محاولاتها للهدوء وضبط تنفسها، إلا أنها مازالت تتألم لتجيب بإعياء.
نورا: معلش يا هيام لو ممكن تنزلي الصيدلية اللي في أول الشارع تجيبهالي، أنا مش هقدر أستنى لما ييجوا.
أومأت هيام عدة مرات وهي تتحرك بخطوات متعجلة.
هيام: حاضر، مش هتأخر، هروح أجيب شنطتي من الشقة وأنزل على طول.
بحركة سريعة دلفت إلى شقتها لتأتي بحقيبتها متجهة نحو الصيدلية القريبة وهي تحدث نفسها.
هيام: الصيدلية آخر الشارع وأنا عارفاها كويس، الله يسامحك يا كرم خليتني أخاف وأنا عمري ما خفت من حاجة، بس هو من خوفه عليا آخر مرة بس.
خرجت هيام من البوابة وهي تضم معطفها بقوة حتى لا تصاب بالأنفلونزا كما حدث في السابق، لم يكن الأمر صعبًا بالمرة بل كان سلسًا للغاية، أحضرت الدواء بسهولة ووضعته بحقيبتها وغادرت الصيدلية.
وقفت لبرهة تغلق سحاب حقيبتها المفتوحة، لكنها فجأة شعرت بدفعة قوية من خلفها حين دفعها أحدهم بداخل سيارة سوداء ذات زجاج أسود معتم.
تلفتت هيام بفزع تحاول إدراك ما حدث للتو، للحظات طفيفة حلت ذكرى ما حدث مع أمجد لتنتابها نوبة من الفزع والخوف.
أعادت جزعها للخلف تحمي نفسها بذراعيها استعدادًا للضرب إذا لزم الأمر، فيما اتسعت عيناها بتخوف وهي تحاول إدراك من هؤلاء، ولم فعلوا ذلك.
نظرت نحو الشخص الذي دفع بها إلى داخل السيارة لتجد رجل إنجليزي عابث الوجه ذو بنية قوية يتحلى وجهه بالغموض والشراسة في آن واحد.
بهذه اللحظة هيام قررت ألا تستسلم هذه المرة لاضطرابها وخوفها وأخذت تتصنع القوة كما اعتادت من قبل لتبدأ بالصراخ بوجه هذا العابس.
هيام: من أنت وماذا تريد مني؟
الرجل بالإنجليزية: اخرسي واخفضي صوتك وإلا قتلتك بهذا السلاح.
حدقت بعينيها نحو مسدسه الذي أشهره بوجهها للتو بارتجاف لتصمت تمامًا فقد أثار فزعها، لتأتي في مخيلتها ما حدث لأختها سميرة.
دارت بعينيها بالطريق من حولها باحثة عن أحد ما لتستنجد به وينقذها من هذا الرجل ذو الهيئة المخيفة، لتعيد بصرها مرة أخرى نحو هذا الرجل قائلة.
هيام: ماذا تريد؟
الرجل: الآن سوف تعلمين.
سارت السيارة طويلاً وعبرت فوق إحدى الجسور وانحرف من الطريق الرئيسي ليتخذ طريق خالي مهجور لا يمر به سواهم.
أخذت تفكر خلال سير السيارة بهذه الطريق أن تحاول الهرب من السيارة لكنها وجدتها موصدة، لتحاول جاهدة الخروج بأي صورة، لكن في النهاية بائت كل محاولاتها بالفشل لتجلس مرغمة في انتظار أي فرصة سانحة للهروب.
نظرت إلى هذا الرجل القاسي لتشعر هيام بالرعب مما يحدث لها، خاصة وهي لا تعرف كيف تتصرف الآن وماذا يريد منها هذا الرجل الغليظ.
وصلت السيارة لإحدى المستودعات القديمة الخاوية لترضخ بأمر واقع بأنه ليس هناك أي شخص يمكنها أن تستنجد به لينقذها.
تلك الأحداث أعادت لها مرة أخرى ذكريات ما حدث مع أمجد وما فعله كرم وتمنت لو كان إلى جوارها الآن ليحميها مما سوف يحدث إليها، لتهمس متمتمة بتخوف.
هيام: "يا ريتني ما نزلت من البيت......!!!!"
توقفت السيارة ليترجل منها هذا الضخم طالبًا منها أن تتحرك برفقته، لكنها أبت ليسحبها من ذراعها بقوة يسوقها من خلفه يجبرها على الدخول إلى المستودع.
أعلت صوتها بصرخات استغاثة محاولة الفرار منه لكنه غلبها بسهولة ليدفعها نحو الداخل عنوة.
تعثرت بضع خطوات قبل أن تتدارك نفسها ألا تسقط أرضًا لتعتدل بوقفتها وهي تناظر هذا الرجل بنظرة كارهة غاضبة للغاية، ارتفعت دقات قلبها المتوتر حين رأته يقبل نحوها مرة أخرى ليدفعها تجاه مقعد وحيد موضوع بمنتصف المستودع بقوة قبل أن يغادر مغلقًا باب المستودع الحديدي الكبير من خلفه.
فور مغادرته أخذت هيام تركض هنا وهناك باحثة عن أي مخرج لكن محاولاتها كلها بائت بالفشل فلا يوجد سوى تلك البوابة التي أغلقها الرجل بهذا القفل الكبير.
حاولت البحث عن أي شيء لفتح الباب لكنها لم تجد شيئًا يساعدها على ذلك.
ظلت على وضعها لبعض الوقت لتتذكر هاتفها الموضوع بحقيبة يدها، أخرجته محاولة الاتصال بكرم لكن يبدو أن هذا المكان المهجور خارج التغطية.
ألقت بالهاتف مرة أخرى بالحقيبة بيأس واضطرت إلى الجلوس والانتظار لما سوف يحدث أو ربما يأتي أي شخص ليخرجها من هذا المكان.
حل المساء.
شعرت نورا بالقلق لتأخر هيام كل هذا الوقت لتأخذها الوساوس بعيدًا وتعيدها مرة أخرى لتقول في نفسها.
نورا: إنتِ اتأخرتي ليه كده بس دي الصيدلية في آخر الشارع، يمكن ملقتش الدوا راحت تدور عليه في مكان تاني، ولا يكون جرى لها حاجة، اللهم إغزيك يا شيطان، لا.. لا.. هيام جدعة وبتعرف تتصرف.
أثناء شرودها عاد ياسر للتو ليهتف أكثر من مرة باسمها حتى تنتبه لعودته.
ياسر: نورا.. يا نورا..
نورا: هاه.
ياسر: بكلمك يا نورا، سرحانة في إيه، بقالي فترة واقف بكلمك وإنتِ مش معايا خالص؟
بوجه مضطرب أجابته نورا.
نورا: مفيش بس قلقانة شوية.
ياسر: ليه.. حصل حاجة؟
حاولت نورا إخبار ياسر عن غياب هيام لكنها كانت تتحدث بعشوائية لم يستشف منها ياسر شيئًا.
نورا: أصل أنا تعبت شوية وكنت عايزة دوا المغص وكان خلص، ما إنت نسيت تجيبه، و.. اا.. هيام نزلت تشتري لي علبة تانية بس مرجعتش لحد دلوقتي.
وقبل أن يجيب ياسر سمع طرقات بباب شقتهم، فتح الباب ليجد كرم يقف قبالته بابتسامته العريضة.
كرم: عاوز المدام بتاعتي لو سمحت.
ياسر: هيام مش هنا.
تلاشت ابتسامة كرم ليدق قلبه بعنف خاصة مع تجهم ياسر الغير مفهوم.
كرم: إيه؟ ولا هناك في الشقة، أمال راحت فين؟
ياسر: نورا بتقول إنها راحت تجيب لها دوا من الصيدلية.
تنهد كرم براحة فالموضوع لا يتعدى شراء الدواء وستعود على الفور.
كرم: تمام، هي نزلت من إمتى؟
أشار ياسر نحو نورا قائلاً.
ياسر: مش عارف، تعالى نسألها.
دلف كرم برفقة ياسر وهو يلقي بالتحية أولاً قبل سؤال نورا عن هيام.
كرم: إزيك يا نورا.. بتقولي هيام نزلت الصيدلية، من إمتى الكلام ده؟
نورا: من الساعة 11 كده.
دب القلق بنفس كرم فهي خرجت بالصباح وقد حل المساء ولم تعد بعد.
كرم: من الساعة 11 ولحد دلوقتي مجتش؟
قلق كرم أثار الدموع بعيون نورا فهي بالكاد استطاعت تحمل القلق بمفردها طوال اليوم.
نورا: اتأخرت أوي، أنا خايفة عليها.
ضرب كرم كفيه بعضهما البعض وهو يهتف بانفعال.
كرم: ومكلمتيناش ليه طول الوقت ده؟
نورا: أنا قلت ملقتش الدوا ولا هتروح تجيب حاجة واتأخرت.
اضطرب تنفس كرم وازداد قلقه وخوفه على هيام فقد تأخر الوقت كثيرًا.
أمسك بهاتفه محاولاً الاتصال بها لكن هاتفها كان خارج التغطية مما زاد الخوف في نفسه.
كرم: يا ترى راحت فين.. إنتِ فين بس رحتي فين.. رحتي فين؟
بهدوء وعقلانية حاول ياسر تهدئة كرم ونورا.
ياسر: اهدوا شوية حتكون راحت فين يعني؟.. تعالى ننزل ندور عليها يا كرم.
حدج كرم ياسر بعينيه فكيف يرى الأمر بهذه السهولة.
كرم: أهدا إزاي بس..!!!!!.. نورا بتقول إنها خرجت من الصبح والساعة دلوقتي سبعة حتكون راحت فين واتأخرت كل ده من غيرنا تقول حتى؟
ياسر: بإذن الله حنلاقيها.. بالراحة على نفسك بس.
بتوجس شديد مما قد يصيبها فقد لعبت الأفكار برأسه.
كرم: يا ريت يا ياسر.. أنا خايف ليجرى لها حاجة.. لالالا.. لا يمكن لا.
ياسر: تعالى بس معايا.. متقلقش أوي كده.. وإنتِ يا نورا لو رجعت أو كلمتك اتصلي بينا على طول.
أسرع كرم وياسر بالبحث عن هيام في جميع الضواحي والصيدليات القريبة فربما يكون رآها أحدهم لكن لم يجدوا لها أثر.
اتصل كرم للعديد من المرات برقم هيام لكن دومًا نفس النتيجة.
خارج التغطية.
كانت كل ساعة تمر ينقبض قلب كرم أكثر ويزداد خوفه على هيام أين ذهبت ولم تأخرت بهذا الشكل؟
كانت تدور برأسه أفكار كثيرة بشعة يصورها له وساوس الشيطان كلما مر الوقت وتأخر دون عودتها.
ربما يكون حدث لها حادث ما.. أو ضلت الطريق..
أو تعرض لها أحدهم.
أو.. أو..
كان يشعر بأن رأسه ستنفجر من تلك الأفكار التي لا يجد لها حل أو يجد كلمة واحدة أو خبر واحد يطمئنه عليها.
مرت الساعات ولم يتغير الوضع كرم يبحث عن هيام ولا يستطيع إيجادها، يزداد قلقه مع كل دقيقة تمر.
منتصف الليل.
ظلا كرم وياسر يحاولان العثور على هيام ومعرفة إلى أين ذهبت وأين يمكن أن تكون ولم يعودوا للبيت بعد.
المستودع.
شعرت هيام بإرهاق شديد ورغبة بالنوم والراحة، إحساسها بأن الأمل بقدوم أحد ما ربما ينقذها من هذا المكان النائي بدأ يتلاشى بيأس، جلست في استكانة إلى جوار باب المستودع فربما تستطيع سماع أي صوت يقترب فتحاول الاستغاثة به.
حيرة شديدة انتابتها فحتى هذا الرجل الفظ قاسي الملامح الذي أتى بها إلى هنا لم يأت مرة أخرى مما جعلها تتساءل.. لماذا أحضرها هنا من الأساس طالما تركها بمفردها دون أن ينطق كلمة واحدة عن سبب اختطافها لها بهذه الصورة دون سابق معرفة أو ضغينة.
وفجأة سمعت صوت سيارة تقترب من المستودع، نهضت من جلستها المنهكة فأخيرًا ظهر بادرة أمل فربما ينقذها أحد من هذا المكان المخيف.
لكن قبل أن تتجه نحو الباب لتستنجد بمن آتى وجدت باب المستودع يُفتح ليدخل الضوء من خلاله.
كان ضوء السيارة قويًا أصاب عينيها فلم تستطيع رؤية أي شيء خاصة وهي تجلس في هذا الظلام الدامس منذ ساعات.
رفعت يدها مظللة عينيها بها لتخفف من قوة الإضاءة التي تؤذي عينيها وتمنعها من الرؤية.
سمعت خطوات تقترب منها ضغطت فوق عينيها بقوة تحاول أن تبصر هذا الشخص الذي يدنو منها، دهشتها رؤية امرأة هي من تتقدم نحوها.
امرأة شقراء متوسطة الطول نحيلة ذات وجه محدب خالٍ تمامًا من أي تعبيرات، كانت تسير إلى جوار رجلين أحدهما هو نفس الشخص الضخم ومعه آخر لا يختلف عنه كثيرًا في بنيته يبدوان وكأنهما رجلان حراسة لهذه السيدة.
عندها أيقنت هيام أن هذه المرأة لها علاقة وطيدة بخطفها مما جعلها توجه لها الحديث مباشرة بالإنجليزية، حاولت بها أن تتحلى بالثقة والقوة مهما كلفها الأمر.
هيام: من أنتِ؟ وماذا تريدين مني؟
ضحكت المرأة ساخرة من ثقة هيام التي بغير محلها قائلة.
المرأة: ما هذه الثقة ألا تخافين وأنتِ هنا بمفردك في الظلام؟
هيام بثقة: لا.
تعالت ضحكة تهكمية غريبة قبل أن تردف بنبرة يشوبها التهديد.
المرأة: لا تثقي بنفسك إلى هذا الحد ربما أنتِ لا تدركين ما أنتِ فيه.
هيام: أنا لا أهتم، ماذا تريدين مني؟
دنت منها المرأة حتى اتضحت ملامحها بشكل ظاهر قائلة بجدية.
المرأة: أريد أن أوضح لكِ شيئًا في منتهى الأهمية ويجب أن تكوني بالعقل والتفكير لتنفذي ما أريده منك.
عقدت هيام ذراعيها بخيلاء دون الاكتراث لموضع ضعفها لتردف بقوة.
هيام: وإذا لم أفعل ما تريدين.. فماذا سوف تفعلين؟
المرأة: قلت لك لا تكوني بمثل هذه الثقة لأن ما سأقوله لك سيؤثر بك حقًا، لا داعي للحماقة.
هيام: فلننتهي.. قولي لي ماذا تريدين مني الآن؟
استقامت المرأة لتعلو بنفسها محدثة هيام بغرور شديد وهي ترمقها بطرف عينيها باحتقار.
المرأة: بداية أعرفك بنفسي.. أنا كاثرين.. زوجة كرم.
رواية لحظات منسيه الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم قوت القلوب
مازال الليل بمنتصفه ومازالت المواجهة بأولها.
وقفت هيام بشموخ تواجه تلك الشقراء التى لا تعلم بعد لما قد جائت بها إلى هذا المكان المقفر، لكنها لم تهتم لخوفها الذى يسرى بداخلها لتخرج تلك القوية المتمكنة من نفسها ومشاعرها وثباتها.
المستودع.
وقفت هيام بتحدٍ موجهة سؤالها بثقة لهذه الشقراء، لكنها لم تتوقع هذه الإجابة على الإطلاق.
هيام: فلننتهي.. قولي لي ماذا تريدين مني الآن؟!
المرأة: بداية أُعرفِك بنفسي...... أنا كاثرين.... زوجة كرم.
لحظات عاشت بها كالمغيبة. بالتأكيد كل ما تمر به هو حُلم أو كابوس مريع. تهدجت أنفاسها بقوة وهى تطالع كاثرين بنظرات مصعوقة من دهشة وصدمة حين وصفت هذه السيدة نفسها بأنها زوجة كرم. لتضطرب هيام من داخلها فلم تتوقع ولو بخيالها أن لكرم زوجة غيرها. بل بالعكس تمامًا، لم تتخيل أن كرم قد عرف أو كان له علاقة بأي فتاة قبله. بالطبع كما شعرت وكما قال لها... أنها الأولى والأخيرة بحياته. فكيف يكون زوجًا لغيرها!!!
إضطراب تفكيرها لدقائق بسيطة جعلها مشوشة تمامًا، لكنها متيقنة بداخلها أن حب كرم لها حقيقيًا وليس مصطنعًا أو مزيفًا. لقد أحبها بكل ذرة تملأ كيانه. لقد أحست بذلك. ولم يُكذِبها إحساسها من قبل.
لتتمالك هيام أعصابها وتبدأ استعادة ثقتها بنفسها، مستكملة حوارها مع هذه الشقراء بثقة ممتزجة بسخرية.
هيام بثقة: كاذبة!!!
رفعت كاثرين حاجبها وهى ترمق هيام الواثقة بنفسها بطرف عينيها قبل أن تجيبها بثقة مماثلة.
كاثرين: لا... لست بكاذبة، بل هو من كذب عليكِ. ويجب أن تتيقني من ذلك. لقد تزوجنا أنا وكرم منذ أربع سنوات. وما لا تعرفينه أننا نحب بعضنا البعض كثيرًا... نحب بعضنا بجنون. لهذا ولمصلحتك يجب أن تخرجي من حياته الآن.. لنعود إلى حياتنا الطبيعية كزوج وزوجة... و.....
قطعت كلماتها لوهلة لتستكمل بكلمتها الأخيرة التي أطاحت بكل ثبات لدى هيام حين لفظت كلمة.
كاثرين: وابن...
لم تكد هيام تفيق من صدمة كلمتها الأولى بأنها زوجته حتى ألقت على مسامعها هذه القنبلة الثانية أن لهما طفل. لـتزداد هيام صدمة واندهاشًا. فحينما ذكرت أنها زوجته ويعشقان بعضهما البعض تخيلت كذبها لأي سبب ما. فكرم فرصة رائعة لأي فتاة، لهذا لم تصدقها. وأوزعت أن كل ما تتحدث به هراء كاذب. لكن صدمتها حين ذكرت أن لهم ابنًا.
لتهمس هيام لنفسها بألم: "ابن"... متجوز وعنده ابن؟؟؟
شعرت هيام بأن تنفسها يضيق شيئًا فشيئًا، كما لو كان قد أطبق فوق صدرها حملاً ثقيلاً أطبق عليها. لتحرك رأسها نفيًا ببطء ويدور برأسها أسئلة عدة.
"ابنه... ابنه إزاي يعني؟!!!!!!... ولما هو متجوز ومخلف ليه يتجوزني؟؟؟!!! ليه يعلقني بيه..؟!!!! ليه ياخدني من دنيتي إللي أخدت عليها عشان يكسرني بالشكل ده....؟!!! وحتى لو كان متجوز وعنده ابن... إزاي ميقوليش حاجة زي دي ولا يجيب لي سيره... ولو هو فعلاً متجوز إزاي ياسر ميعرفش... ويحذرني..."
تشتت ذهنها جعلها تفكر بعشوائية وبدون اتزان. فبعد حديثها مع نفسها عادت مرة أخرى لأفكارها الأولى لتدافع بإستماتة عن كرم حبيبها وعن حياتهما معًا أمام هذه الكاذبة. نعم بالطبع هي كاذبة، فكل ما تتفوه به ينافي كل الواقع والمعقول بالنسبة إليها.
بلا شك أن هذه المرأة لابد وأنها تفترى ظلمًا على كرم لسبب ما، لكنها لا تصدقها.
لتقطع كاثرين أفكارها المتضاربة بحديثها القاطع.
كاثرين: أدرى أنكِ لا تصدقينني!!!
هيام: وكيف أصدقك؟؟؟؟ وإذا كان تزوجك فلم تزوجني؟؟؟
مال ثغر كاثرين بابتسامة جانبية لتحطم بقية الثقة الواهية التي تتحلى بها هيام قائلة بسخرية.
كاثرين: إن هذا هو عيب كرم الوحيد، حبه للمرأة.. كما يقولون مزواج. إنكِ لست الأولى عزيزتي!!!... لكن ماذا أفعل لقلبي الضعيف.... إنني أحبه وأعرف عيبه جيدًا، وتقبلت ذلك وعلىّ أن أعالج هذا العيب.... سوف يعيش معكِ قليلاً حتى يمل منكِ ويتركك كما هو معتاد أن يفعل.
هل توقف قلبها عن النبض للتو أم أنها تتوهم ذلك؟ أيعقل ذلك؟ أهي مجرد رقم للتسلية!!! مثلها مثل نساء أخريات في حياته....؟!!!!
كاثرين: إنني يمكن أن أقاضيه لأن القانون هنا يمنع تعدد الزوجات ووقتها سيذهب إلى السجن حتمًا.... لكنني أحبه... لهذا أطلب منك الإنصراف بهدوء من حياتنا لنكملها سويًا.
ما تتفوه به لابد وأنه خطأ، كذب وافتراء، لا يمكن أن يكون حقيقة، لا يمكن أن يفعل ذلك بها وبقلبها الذي أغرم به.
لتهتف بإنفعال تدافع به عن قلبها وعن زوجها الغائب، هي لا تصدق أي كذب تتفوه به تلك الحاقدة.
هيام بإنفعال: لا.... أنتِ كاذبة.... كرم لن يفعل بي هذا.. لا.... لا....
بخطوات بطيئة تحطم بها أعصاب هيام التي تتعلق أنظارها بها، تقدمت كاثرين لتخرج من حقيبة يدها الجلدية ورقة لوحت بها بوجه هيام بصمت، لكن عيناها قد قالت الكثير من الاستهزاء والتهكم.
مدت هيام يدها تلتقط تلك الورقة ربما بنوع من الفضول للتأكد، أو لتثبت لنفسها كذب تلك المدعية. بقلب مرتجف تأملت الورقة للحظات تحرك مقلتيها بين كلماتها المدونة حتى اتسعت حدقتاها بصدمة ظهرت هذه المرة جلية بوضوح. ارتجف يداها لتهتز معها الورقة بقوة. منعت نفسها بصعوبة بالغة من أن تترك لدموعها طريق للانهما، لتضغط كفها بقوة.
بينما عقبت كاثرين بسعادة ونشوة انتصار.
كاثرين: هذه صورة من عقد زواجنا في السفارة وموثقًا أيضًا.
تيبست عيناها عن مغادرة تلك الورقة فمازالت تحدق بها بغير تصديق، محدثة نفسها بألم يغرس بنفسها.
هيام: "فعلًا.. ده اسمه.... ودي إمضته... ااااااه حاسة إن رأسي حـ تنفجر...."
لم تكتفِ كاثرين بهذا القدر، بل مدت يدها مرة أخرى نحو هيام بإحدى الصور الفوتوغرافية بثقة وهي ترفع حاجبها بانتصار قائلة.
كاثرين: وهذه صورة لنا أنا وكرم مع ابننا آدم.
كانت تلك هي القشة التي قسمت ظهرها. فربما كانت لترتاب بها وبأنها قد زورت توقيعه، لكنها الآن تعزز كذبها بصورة.
تعمقت هيام بنظرها إلى الصورة لترى بالفعل صورة كرم يقف إلى جوار كاثرين يحمل طفل صغير يشبه كرم إلى حد كبير.
أعلن قلبها الاستسلام على الفور لينقبض بقوة يعتصر ألمًا. ضاق تنفسها لتغم الرؤية بعينيها فقد أصبحت ضبابية للغاية. حاولت كثيرًا التماسك لكنها لم تستطع، فخارت قواها ودون أن تدري سقطت هيام مغشيًا عليها وساد الظلام من حولها.
لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي بهذا الحال، لكنها أفاقت لتجد نفسها ملقاة أرضًا بالمستودع بمفردها تمامًا. رفعت رأسها المثقل قليلاً لتجد أن الباب الحديدي مفتوح عن آخره.
تسندت هيام وهي تحاول استجماع قوتها للنهوض، فهي لأول مرة تشعر بمثل هذا الضعف والانكسار.
تحاملت على نفسها لترفع رأسها من فوق الأرضية الترابية التي أثارت بعض غبارها على وجهها وشعرها وملابسها.
استندت بيدها لتجد شيئًا ما تحت كفها وهي تحاول الاعتدال للجلوس. إنها صورة عقد الزواج إلى جانب صورة كرم مع كاثرين وابنهما.
جلست بعناء وهي ترفع الصورة مرة أخرى متمعنة بها لتسمح لدموعها أخيرًا بالانهما بألم. صرخت بتأوه صرخة لم تصدر منها من قبل، صرخت ألمًا لخذلانها وخديعتها به. هو الوحيد الذي تركت لقلبها العنان لحبه، هو الذي حلق بها لعنان السماء ثم خسف بها أرضًا ليحطمها تمامًا.
بعد مرور بعض الوقت وقفت هيام من موضعها لتضع الصورة والورقة بحقيبتها وهي ترتجف لتبكي بكاء لم تبكه في حياتها قط إلى أن هدأت قليلاً قبل أن تخرج من المستودع تسير على الطريق هائمة لا تعلم إلى أين تذهب.
أثناء سيرها على الطريق سمعت من خلفها صوت إحدى السيارات المارة، فأوقفتها وطلبت من صاحبتها أن توصلها إلى داخل المدينة.
قبلت الفتاة طلبها لتقلها إلى إحدى الحدائق بطريقها، بينما بقيت هيام جالسة بمفردها تتفكر بالأمر.
هيام: ليه...؟؟؟! ... ليه تعمل فيا كده؟؟؟ ... بس إزاي قلبي يخدعني... أنا فعلاً حسيت إنه بيحبني أوى... إزاي قدر يخدعني بالشكل ده....!!!!! ... هي برضه ادتني دليل قوي... يعني أنا مش بظلمه... أعمل إيه بس يا ربى...؟؟ معقول بس بيخدعني عشان يرضي نزواته... يعني أنا بالنسبة له مجرد نزوة... معقول كل الحب ده يطلع كذبة!!!!!! لا.... أنا ماقبلش على نفسي أعيش معاه بالشكل ده... لا يمكن أكمل معاه... لازم أسيبه مهما حصل لا يمكن أكمل معاه... ده كذاب... كذب عليا وخدعني.... لا يمكن أسامحه... أبدًا....
دنا الفجر من موعده لتتخذ هيام قرارها بالعودة إلى البناية التي يسكنون بها عازمة على قرارها. فاليوم آخر يوم لحياتها مع كرم. اليوم نهاية حياتها مع هذا المخادع.
تحركت بألم نحو البناية لتصعد نحو شقة نورا.
شقه نورا.
ضاقت عيناها بتأثر وهي تستكمل مكالمتها الهاتفية مع ياسر.
نورا: لا يا ياسر.... لسه مجتش.
تطلع ياسر نحو كرم الذي كاد يجن من غيابها ثم أكمل.
ياسر: أول ما تكلمك بالله عليكِ تكلمينا على طول... كرم حـ يموت.
نورا: يا رب بس ترجع وأنا حـ أكلمكم على طول.
تنهد ياسر قائلاً بنبرة خفيضة.
ياسر: كرم تعبان أوى وبيقولي قلبه مقبوض جدًا... ربنا يستر.
قلبت نورا شفتيها لتدمع عيناها بقلق.
نورا: إنتَ كده بتقلقني أكتر عليها.
ياسر: أنا معاكِ على التليفون أي حاجة تعرفيها كلميني... سلام.
نورا: مع السلامة.
وضعت الهاتف إلى جوارها لتنتبه لصوت طرقات بباب الشقة. أسرعت بخطواتها الثقيلة نحو الباب لتفتحه على الفور بتلهف.
لمجرد رؤيتها لهيام تقف أمامها اندفعت نورا نحوها تضمها بقوة بين ذراعيها فقد قتلها القلق لغيابها.
نورا: هيااام.. الحمد لله إنك رجعتي... كنت حـ أموت عليكِ.
قابلتها هيام بجمود شديد مما جعل نورا تعود بجزعها للخلف قليلاً متطلعة نحو وجهها الشاحب وعيناها المنتفختان وحالتها المزرية وهذا الغبار الذي يملأ ملابسها.
تفاجئت نورا وربما صدمت للغاية ليس بهيئة هيام المزرية بل لبكائها، فتلك أول مرة تراها تبكي.
طوال هذه السنوات التي صاحبتها بها لم ترى حتى دمعة خفية بعينيها، فلابد وأن ما أبكاها اليوم لشيء عظيم.
وقفت نورا بجدية شديدة تسأل هيام عما أصابها بقلق.
نورا: هيام... مالك... إيه اللي حصل...؟!!
تلك المرة هيام هي من ألقت بنفسها بأحضان صديقتها، فهي الآن كل أهلها. انتحبت بقوة وزادت شهقاتها حدة وهي تردف بصوت مرتجف زاد بحة صوتها العذبة.
هيام: اااااه يا نورا...... قلبي بيوجعني أوى يا نورا.
نورا بخوف: طمنيني طيب.. إيه اللي حصلك... وكنتِ فين كل ده...؟؟؟
هيام بإنهيار: مش عايزة أتكلم دلوقتي.
ربتت نورا بحنو على ظهر هيام وهي تسحبها نحو الداخل قائلة.
نورا: طيب يا حبيبتي.... براحتك... ادخلي ارتاحي وأنا حـ أكلم كرم وياسر أطمنهم إنك رجعتي... دول من بدري بيدوروا عليكِ.
تهدج صدر هيام بإنفعال لتصرخ بقوة وسط شهقاتها العالية.
هيام: مش عايزة أسمع اسمه....... مش عايزة أشوفه أبدًا أنا حـ أقعد عندكِ هنا لحد ما يطلقني وأرجع مصر.
اتسعت عينا نورا الواسعتين بصدمة مرة أخرى.
نورا: تطلقي... !!! ليه ؟!!!!!! ... هو إيه اللي عمله بس ....؟؟
كانت قد وصلت لحالة لا تستطيع التوضيح بل تملكتها انفعالية وعصبية لا تستطيع بها السيطرة على نفسها مطلقًا.
هيام: هو أكيد عارف.... وصلي له رسالتي بس... قوليله كده.
أسرعت هيام تجاه الغرفة الصغيرة بشقة نورا موصدة الباب من خلفها، فهي تود الاختلاء بنفسها فلم تعد تقدر على تحمل كل هذا الضغط.
جلست على طرف الفراش لتتجسد حالة انكسارها وتمزق قلبها لتكمل نحيبها وبكائها بدون تفكير أو تمالك لحزنها مثلما كانت تفعل دومًا، فاليوم جرحها عميق جدًا لا تستطيع إخفائه لتترك العنان لبكائها فربما يريح قلبها المتعب.
بعد أن يئس كرم وياسر بحثًا عن هيام، تهاوى كرم جالسًا بإستسلام على أحد الأرصفة مسلوب الروح واضعًا كفاه فوق رأسه بإحباط.
رغم اندهاش نورا من انفعال هيام وعصبيتها، إلا أنها اتجهت نحو هاتفها لتتصل بياسر لتبلغه بعودة هيام وأنها على ما يبدو متعبة للغاية.
حينما قطع صمتهم رنين هاتف ياسر والذي أجابه على الفور، لاحظ كرم إشراق وجه صديقه شيئًا فشيئًا مما جعل كرم ينتبه له منتظرًا أن يخبره بما أخبرته به نورا.
كرم: إيه....!!!... قالت لك إيه...؟!
ياسر بارتياح: هيام رجعت.
أغمض كرم عيناه براحة وهو يدفع برأسه للخلف لوهلة قبل أن يردف بتلهف وحماس.
كرم: يااااه... أخيرًا... الحمد لله... يلا بينا بسرعة نروح لها... يلا يا ياسر.
قاد كرم السيارة مسرعًا نحو المنزل في لهفة للاطمئنان على هيام، ساعده على ذلك خلو الطريق من المارة في هذا الوقت المتأخر من الليل.
صف سيارته بعجالة أمام البناية التي يقطنون بها ليركض بسرعة نحو شقته ليطمئن على حبيبته الذي فطر فؤاده في غيابها.
نظر كرم بسرعة بداخل الشقة فلم يجدها ليعود لمقابله ياسر على الدرج متسائلاً.
كرم: هيام مش جوه.
ياسر: يمكن قاعدة مع نورا... تعالى.
فتح ياسر باب الشقة ومن خلفه كرم متلهفًا باحثًا بعينيه المشتاقة عن هيام ليجدا نورا تجلس على الأريكة بإرهاق.
نظر كرم نحو نورا محركًا رأسه يمينًا ويسارًا محاولاً التجول بعينيه هنا وهناك ليلمحها فقط ويطمئن فؤاده.
كرم: فين هيام... راحت فين... عايز أطمن عليها.
نورا بإرتباك: ااا.... جوه في الأوضة الصغيرة.
تركهما كرم ليركض نحو الغرفة الصغيرة بشوق وتلهف بسعادة لعودتها سالمة. طرق الباب بخفة عدة مرات لكنها لم تجيبه مطلقًا. أمسك بمقبض الباب المتحجر ليجده موصدًا من الداخل. لم يجد سوى صوته المشتاق ليهتف بقلب نابض متسارع بتلهف لرؤيتها ومعرفة ما حدث معها.
كرم: هيام.... حبيبتي... افتحي الباب.... هيام....!!!
لم يجد ردًا على الإطلاق ليعاود طرق الباب مرة أخرى وإدارة المقبض محاولاً فتح الباب لكن دون جدوى ودون رد. لتزداد حدة صوته قلقًا وهو يطرق الباب لكنها لا تجيبه مطلقًا. عاد بنظراته القلقة نحو ياسر ونورا ثم عاود ندائه ومطالبته لها بأن تفتح له الباب.
كرم: هيام... ردي عليا... إنتِ كويسة...؟!! افتحي يا هيام.... افتحي الباب.
التفت كرم نحو نورا وقد تمكن القلق منه ليسأل نورا بحيرة.
كرم: إيه اللي حصل يا نورا... هيام مش بترد عليا ليه... أنا خايف تكون تعبانة ولا جرى لها حاجة.
ابتلعت نورا ريقها بإرتباك ناقلة بصرها بين كرم وياسر اللذان ارتسمت على وجههم علامات القلق من طريقة نورا في النظر إليهم ليسألها ياسر بتوجس.
ياسر: فيه إيه يا نورا... اتكلمي... إحنا مش ناقصين قلق...؟!!!
نورا: ااا.. طيب.. ااا.. أنا عايزة أقولك حاجة يا كرم.
كرم: فيه إيه يا نورا... قلقتيني عليها... هي جرى لها حاجة.
نظرت نورا نحو ياسر ثم عادت ببصرها نحو كرم.
نورا: طب تعالى نقعد الأول.
توجس كرم مما سوف تقوله نورا عن هيام وأخذ يفكر فيما قد يكون حدث لها وأين ذهبت طوال هذه الفترة الطويلة.
تقدم كرم نحو ياسر ونورا ليجلس ثلاثتهم في ترقب لتبدأ عيون كرم بالتخوف والتساؤل قبل شفتيه لتلحقه نورا قائلة.
نورا: بعد ما كلمتك آخر مرة يا ياسر لقيت الباب بيخبط فتحت لقيتها هيام.... كانت واقفة قدامي وشكلها متبهدل ومتعفر بس المشكلة مش في كده... المشكلة إنها كانت بتعيط أوي.... وأنا عمري ما شفتها بتدمع حتى... معنى كده إن إللي حصل لها حاجة كبيرة أوي.
قلق كرم مما قد يكون قد حدث لهيام وأثر بها بهذه الدرجة.
كرم: مقالتش أي حاجة... ولا كانت فين...؟!
نورا: لأ... بس كانت منفعلة أوي و..... و....
هتف بها ياسر بقلة صبر فلم يعودا يتحملا طريقتها المقلقة بالحديث.
ياسر: إخلصي يا نورا مش ناقصة قلق... و.. إيه....؟!!
نورا: قالت لي أوصلك رسالة يا كرم.
كرم: رسالة!!..... رسالة إيه...؟!!
نورا: أنا آسفة فعلاً للي حـ أقوله ده... بس أنا بجد مش عارفة إيه السبب.
ياسر: انطقي يا نورا بوظتي أعصابنا.
نورا: هيام عايزاك تطلقها ومش عايزة تشوفك تاني.
صدم كرم من طلبها الغريب ليجلس بضع دقائق صامتًا في ثبات تام ليقبض حاجبيه وتتضارب دقات قلبه انفعالاً محركًا رأسه نفيًا يرفض بصورة قاطعة ما قد سمعته أذناه للتو.
رواية لحظات منسيه الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم قوت القلوب
توقف الزمن تمامًا حين سمع طلبها الذي غُرس كنصل حاد بقلبه. هل ما سمعه صحيح؟ هل طلبت الانفصال عنه؟ لكن لماذا؟ ما الذي اقترفه لكي يستحق هذا العقاب القاسي المجحف؟
رفع كرم عينيه المشتتة تجاه نورا التي زاغت عيناها بتوتر بعد إخباره برسالة هيام له. بعد لحظات من الصمت وضيق النفس، وبنهج واضح، فتلك الرسالة وقعها كان مؤلمًا للغاية بقلبه المتيم، ليعقب بهمس منكسر:
كرم: طلاق؟ طلاق ليه؟ أنا... أنا عملت إيه؟ عايزة تسيبيني ليه؟
كـمن تزهق روحه حين يتخيل بعدها عنه وإقصاءه من حياتها. قلبت نورا شفتيها بإشفاق على حال هذا العاشق لتردف بأسى:
نورا: مش عارفة. هي قالت لي إنك عارف ليه.
بحركة رأسه النافية دون إدراك بالفعل لسبب طلبها هذا:
كرم: عارف؟ عارف إيه؟ أنا مش عارف حاجة ومش فاهم حاجة!
نورا: مش عارفة، هي قالت كده ومن ساعتها جوة في الأوضة.
هب كرم منتفضًا يتجه مرة أخرى نحو الغرفة، لكنه لم يطرق الباب بخفة هذه المرة، بل دق بانفعال يضاهي ألم قلبه قوة:
كرم بإنفعال: افتحي يا هيام، بقولك افتحي.
اعتصر قلبه ليرتجف بقوة، لتتحول نبرته القوية لأخرى مهتزة يترجاها للاستماع إليه، يستجديها بألا تفعل هذا بقلوبهم ليطلب بنبرة متأثرة كاد يبكي بها:
كرم: متعمليش فيا كده. أنا بحبك يا هيام. عايزة تبعدي عني ليه؟ عايزة تسيبيني ليه؟ أنا محبتش حد في الدنيا قد ما حبيتك. أرجوكِ ردي عليا.
تطلع ياسر ونورا إلى بعضهما البعض بنظرات حزينة مشفقة على ما أصاب هيام وكرم، ليشعروا أنه يجب عليهم الانسحاب الآن وترك مساحة للحرية بينهما، فربما تعود الأمور لما كانت عليه. سحب ياسر مفتاح شقة كرم ليتركاهما بمفردهما بشقتهما، مصطحبًا نورا لشقة كرم وهيام.
لم ينتبه كرم لخروج ياسر ونورا، بل كان كل شاغله حبيبته التي مازالت تحبس نفسها بداخل الغرفة بعيدًا عنه. برجاء شديد أخذ يتوسل لها بصوت مختنق متحشرجًا للغاية:
كرم: أرجوكِ، افتحي الباب. افتحي الباب حبيبتي، أوعدك مش هعمل أي حاجة تزعلك أبدًا. مع إني مش عارف أنا عملت إيه، بس وعد مني مش هكرره تاني، بس متبعديش عني. متموتنيش يا هيام، أنا من غيرك أموت.
خلال هذا الوقت، كانت هيام جالسة فوق الفراش تبكي في صمت، حين بدأت تسمع أصواتهم بالخارج، وخاصة صوت كرم وهو يقترب من الباب محاولًا فتحه، ثم توسله إليها كي تفتح الباب وتتحدث معه. كم أصابتها نبرة صوته الباكية بعاصفة من المشاعر المتضاربة بداخلها. هي تحبه، لا تنكر ذلك، لكنها مجروحة للغاية مما فعله، من كذبه، من خديعته لها، من تسليته بها وبقلبها الذي حطمه حين هوى به من فوق سبع سماوات إلى قاع الأرض.
اقتربت من الباب لتقبع خلفه وهي تستمع إلى رجائه وتوسلاته لها، فهي مع عشقها له إلا أنه كاذب. هي بالفعل غاضبة منه، ومن نفسها لأنها أحبته لهذه الدرجة. ظلت هيام تتأرجح مشاعرها بين غاضبة منه ومما فعله، وفي نفس الوقت تشعر بتمزق قلبها من حالته وانهياره بالخارج. تشعر بأنه صادق وكاذب بذات الوقت.
لم تتمكن من حبس دموعها وآهاتها أكثر من ذلك لتزداد حدة بكائها ويعلو صوت نشيجها.
سمع كرم صوت أنين هيام وبكائها ليصمت لوهلة، واضعًا كفيه على باب الغرفة وكأنه يرسل لها إشارات ليطمئنها. لكنه لم يتحمل بكاءها لينهار تمامًا، انزلق جالسًا أمام الباب يكلمها من خلفه، فقد حال الباب بينهما، فكل منهما يجلس بجانب.
كرم: لا حبيبتي، لا. متعيطيش أبدًا وأكون أنا سبب دموعك الغالية دي. أرجوكِ افتحي الباب. اتكلمي معايا. قوليلي حصل إيه. أنا والله مش فاهم حاجة. معرفش غير إني بحبك وبس ومقدرش أعيش من غيرك، ولا أقدر أستحمل زعلك ده.
أخذت تهز رأسها نفيًا وهي تبكي لأنها متأكدة أنها إذا فتحت هذا الباب ستضعف أمامه، فهي تحبه وتعشق كل ما فيه. شعرت بضعفها أمامه الآن، فعشقها له أصبح الآن نقطة ضعفها، وهي دومًا القوية. تمنت في هذه اللحظة أن تكرهه بقدر ما أحبته، تمنت أنها لم تعرفه ولم تره قط ولم تحبه كل هذا الحب، فحتى لو سامحته، فهذا لا يغير حقيقة زواجه وإنجابه لطفل يجب أن يكون بين والديه الآن، وأنها هي من يعوق طريق لم شمل هذه الأسرة ومعيشة هذا الطفل في جو أسري مترابط.
كلما تتذكر ذلك تزداد حدة بكائها، يختنق قلبها وتنتزع روحها بالبطء، فهي يجب بأي صورة أو شكل أن تبتعد عن هذا الإنسان الكاذب المخادع وتتركه لأسرته. كم هو بارع بالكذب ليؤثر بها لهذه الدرجة.
صرخت هيام بألم:
هيام: ابعد عني بقى! أنا مش عايززززززززززززززززززاك! مش عايزة أعيش معاك! مش عايزة أشوفك تاني! اطلع من حياتي بقى! كفاااااااااااااايه! أنا بكرهك! مبقتش أحبك! طلقني! طلقني وإبعد عني!
أسند كرم رأسه فوق الباب بأسى وحزن مما يسمعه، لا يستطيع تحمل كل ذلك وأن تكون هذه هي نهاية قصة عشقه بهيام، فهو لن يتحمل أن تبتعد عنه وعن حياته إلى الأبد. صوتها المختنق، طلبها القاسي، كلماتها الجارحة، كلها أشياء ضاقت بنفسه ليترك العنان لقلبه المتألم بالبكاء، فلم يعد يتحمل أن تكون تلك هي النهاية.
كرم: لااااا، مقدرش! إنتِ حياتي وعمري! لا! مقدرش أعيش يوم واحد من غير وجودك فيه. أنا من غيرك مش عايش! أنا من غيرك ميت! متعمليش فينا كده!
أخفضت صوتها الصارخ قليلاً، لكن الألم لم يقل بل يزداد بتشبثه بالكذب والتأثير بها.
هيام ببكاء: طلقني وأخرج من حياتي.
كرم: لا، مش هسيبك أبدًا. أنا بعشقك، بعشق كل حاجة فيكِ. مقدرش أستحمل بُعدك عني.
وضعت هيام وجهها بين كفيها وظلت تبكي بدون رد، وظل كرم مستجديًا متوسلاً لهيام أن تفتح له الباب ويتفاهما سويًا، حتى يستطيع شرح مقدار حبه لها وعدم قدرته على الاستغناء عنها.
ساعات تمر دون اختلاف، حتى دقت الساعة الثامنة صباحًا واضطر ياسر العودة إلى شقته ومعه نورا، حتى يستطيع جلب أوراقه قبل الذهاب للجامعة، وأيضًا ليطمئنوا على هيام وكرم. يتمنون بداخلهم أن يكونا قد تصالحا.
فتح ياسر الباب، تتبعته نورا بخطواتها البطيئة. عم الصمت أرجاء الشقة، فلا صوت لكرم ولا لهيام. دلفا إلى الداخل ليجدا الوضع لم يتغير بالمرة، فكرم مازال جالسًا على الأرض أمام باب الغرفة مسندًا رأسه إلى الباب، ويبدو منهكًا وحزينًا، وهيام بداخل الغرفة تحبس نفسها بعيدًا عنهم جميعًا.
دنا ياسر من كرم المرهق:
ياسر: كرم، قوم يا كرم. سيبها تهدأ شوية، يمكن ساعتها تقدر تتفاهم معاها. سيبها معانا هنا يوم ولا يومين وأنا ونورا هـ نحاول نفهم منها إيه اللي حصل وأقولك وتتفاهموا سوا.
لم يجد كرم حلاً آخر، فأخذ مفتاح شقته وذهب إليها، يأمل أن تكون هيام منفعلة قليلاً وستهدأ مع الوقت، ويستطيع معرفة سبب طلبها الغريب بالانفصال عنه، خاصة وأنهم كانوا في منتهى التفاهم ولم تحدث بينهم أية مشكلة.
هيام... هل أظلمت دنياها وكل ما هو حلو أصبح مُرًا؟ لم يغمض لها جفن، تشعر بطعنة خفية بقلبها المفطور. يومًا كاملاً يمر عليها وهي مازالت قابعة بتلك الغرفة. حاول نورا للعديد من المرات التحدث معها أو حتى إدخال لها بعض الطعام والشراب، لكنها كانت ترفض بشدة. لم تعد تشعر برغبة في أي شيء من هذه الحياة. وبعد انقضاء اليوم كاملاً ومحاولة كرم التحدث معها مرة أخرى ورفضت مثا سبق. أخذت تفكر أن هذا الوضع غير صحيح، يجب أن ترحل من هنا قبل أن تضعف أمام قلبها ويغلبها حبها وتعود إليه.
مر يوم آخر لم يتبدل به الحال، وظلت هيام في الغرفة لم تخرج منها، بينما حاول كرم التحدث معها كثيرًا لكنها دومًا ترفض. إصرار كرم أنه لن يتركها بهذه السهولة جعله قابعًا عند بابها حتى تتكلم معه. حاول ياسر ونورا إقناعه بشتى السبل للبقاء في شقته حتى تهدأ هيام وتستطيع التفاهم معه، فكان يذهب لبعض الوقت ويعود مرة أخرى ليحاول التحدث مع هيام وحثها للخروج للتفاهم سويًا، لكن دون جدوى.
صباح يوم جديد بشقة نورا وياسر. استيقظت نورا لتحضر بعض الشطائر للفطور، واضعة إياهم فوق الطاولة. جلس ياسر وقد تأثر بما يحدث بين كرم وهيام، ليغلب طابع الصمت والضيق على الجميع، فقد بائت كل محاولاتهم للإصلاح بينهم بالفشل، أو حتى لحث هيام على الخروج من الغرفة، والذي أصبح من المستحيلات بهذا الوضع، فهي عنيدة للغاية.
لم يكن ياسر يظن أن هيام بمثل هذا التشبث والإصرار. ظن أنها مع الوقت ستلين لكرم الذي انهارت حصونه أمامها، خاضعًا بانكسار لعشقه المتيم بها. فعلى الرغم من معرفته به لعام كامل، إلا أنه رأى فيه شخصية قوية لا يؤثر به شيء ولا يتأثر بشيء مطلقًا. فماذا فعلت به هيام ليهيم عشقًا لهذه الدرجة ولا يستطيع التخلي عنها؟
تنهد ياسر بضيق متحدثًا لنورا التي لا تختلف عنه تأثرًا بحالتهم:
ياسر: اللي بيحصل بينهم ده مأثر فيا قوي. متعرفيش إيه اللي حصل وزعلها قوي من كرم بعد كل الحب اللي بينهم ده؟
نورا: أبدًا. ولا راضية تتكلم ولا حتى تاكل!
ياسر: كرم كمان صعبان عليا قوي. أنا حاسس إنه من كتر الحزن اللي هو فيه ممكن يجرى له حاجة.
أسندت قبضتها بوجنتها وهي تريح مرفقها فوق الطاولة:
نورا: مفيش حل غير إنهم يقعدوا مع بعض ويتكلموا، يمكن ساعتها يتصالحوا تاني.
ياسر: معاكِ حق. بس إزاي؟ أديكِ شايفة هي رافضة إزاي!
نورا: مش عارفة. ما تقوم تنادي كرم ياكل له لقمة معانا وأهو نفكر في حل سوا.
ياسر: ماشي.
اتجه ياسر نحو الشقة المقابلة ليجد كرم حزينًا بائسًا قد ذبل وجهه بشدة. فهو مرهق، لم ينال قسطًا وافرًا من النوم، لم يتناول طعامه مثلها تمامًا. طلب منه ياسر مشاركتهم بتناول الفطور، تبعه كرم بصمت لتدعوه نورا لتناول شطيرة تسد جوعه.
نورا: يلا يا كرم، تعالى افطر معانا.
رغم إرهاقه وحاجته لتناول الطعام، إلا أنه تذكر هيام التي لم تتناول الطعام ليومين متتاليين.
كرم: هيام أكلت؟
نورا: لأ.
جلس كرم بوجهه المقتضب:
كرم: مقدرش آكل وهي كل ده حابسة نفسها من غير أكل.
نظر ياسر ونورا إلى بعضهما البعض وفي أعماقهم يتساءلون: لم يحبون بعضهم البعض كل هذا الحب وتريد هيام الانفصال عن كرم؟
وقفت نورا بتثاقل وهي تستند على حافة الطاولة قائلة:
نورا: هحاول معاها تاني، يمكن تيجي تفطر معانا.
انتظر ياسر وكرم بترقب لعودة نورا وربما ترافقها هيام هذه المرة، فلابد أنها هدأت قليلاً. لكنها عادت بعد دقائق بسيطة وقد شحب وجهها للغاية، وعلا تقاسيمها اضطراب ملحوظ جعل كرم ينتفض بفزع.
كرم: إيه؟ هيام جرى لها حاجة؟
هتفت نورا بدهشة متخوفة:
نورا: هيام مش في الأوضة.
كرم: إيه؟ راحت فين؟ وخرجت إمتى وإزاي؟
غيابها بهذا الشكل المقلق دب الخوف بداخله ليرتعد قلبه وهو يجلس ببطء متحدثًا نفسه:
كرم: "راحت فين؟ تكون مشيت؟ سابتني ومشيت؟ معقول قدرت تبعد عني كده؟ وتسيبني؟ لا يا هيام... ارجعي تاني... ارجعلي تاني... حتى لو زعلانة مني... كفاية تبقي جنبي... متسيبنيش لوحدي لا..."
دار حول نفسه في اضطراب لعله يجد إجابة لكل هذه الأسئلة. بينما غلب الحزن ياسر ونورا لما يرونه من فراق المحبين بهذه الصورة.
بعد غياب هيام، مرت حوالي الساعة. كان كرم فيها أصبح كالمجنون قلقًا على حب عمره، ترى أين ذهبت منذ الصباح دون أن يشعر بها أحد، يخشى أن تكون بالفعل تركته نهائيًا. رغم قلقهم لغياب هيام، إلا أن نورا وياسر حاولوا قدر المستطاع بث الطمأنينة والهدوء بنفس كرم، معللين ذلك بأنها بالتأكيد قد احتاجت لشئ ما وذهبت لإحضاره.
قطع أجواءهم المتوترة طرقات خفيفة بباب الشقة، لتسرع نورا رغم خطواتها المرهقة لتفتح الباب لتشهق براحة لرؤيتها لهيام تقف أمامها، فقد كانت تخشى حقًا أن تكون قد ذهبت ولن تعود مرة أخرى. تنفست نورا بارتياح لعودة هيام.
نورا: هيام... انتِ كنتِ فين؟ إحنا قلقنا عليكِ أوي.
قبل أن تجيب هيام، كان كرم أسرع ليقفز بتلهف تجاه هيام مقاطعًا:
كرم: أنا كنت هـ أموت من القلق عليكِ حبيبتي.
أدارت هيام وجهها للجانب الآخر بصمت غاضب، تاركة إياه لتتحرك دون رد نحو الغرفة مرة أخرى دون أن تنطق كلمة واحدة. اعترض كرم طريقها ليقف بمواجهتها متوسلاً إليها بألا تفعل هذا معه.
كرم: هيام أرجوكِ اتكلمي. إيه اللي حصل وخلاكِ تكرهيني أوي كده؟
فضلت هيام الصمت لتهرب بعينيها بعيدًا عن كرم، الذي تشبث أكثر بحديثه معها وأن هذه هي الفرصة المناسبة للحديث عما حدث ولن يضعها من يده، لن يسمح لها بأن تحبس نفسها بالغرفة بعيدًا عنه مرة أخرى دون إيضاح.
كرم: أنا مش هـ أتحرك من هنا لحد ما نتكلم ونتفاهم.
شعر ياسر ونورا أنهم يجب عليهما الابتعاد وترك مساحة للحرية والخصوصية في الحديث بين كرم وهيام، ليشير ياسر بعينيه لنورا لتركهم بمفردهما، ففهمته على الفور ليتوجها إلى غرفتها ويغلقان الباب ليتركا هيام وكرم بمفردهما.
كرم: أرجوكِ اتكلمي، أنا مقدرش أتحمل أشوف نظرة الكره اللي في عينيكِ دي، اللي عمرها ما كان فيها غير نظرات الحب بس.
انفلتت أعصاب هيام الصامتة لتثور بحدة وانفعال فاجئ كرم بشكل صادم.
هيام: انت إللي حولت كل الحب ده للكره اللي جوايا.
كرم بدهشة: أنا؟ ليه؟ عملت إيه؟
رفعت كتفها بلا مبالاة وهي تتحرك معرضة عنه قائلة أثناء تحركها:
هيام: انت فاهم قصدي كويس أوي.
ربما يراها كارهة غاضبة، لكنها كانت تحاول الفرار من عينيه الحزينتين وصوته المنتحب الذي يهشم القوة الواهية التي تدعيها بقلبها، فما هي إلا لحظات وستخضع له.
أمسكها كرم من ذراعها وأدارها نحوه بإصرار.
كرم: متسيبنيش كده في النار وتمشي!
أغمضت عيناها بألم لتستدير لمواجهته، متحلية بحزم وقوة دفعة واحدة، تطلق قرارها الذي لن تتراجع عنه، فكرامتها أولاً.
هيام: أنا عايزة أطلق. ويكون في علمك أنا حجزت تذكرة الطيارة بعد بكرة عشان أرجع مصر.
صعق كرم مما تقوله هيام ليصمت لوهلة متفاجئًا، قبل أن يهتف برفض تام يكاد يصرخ بانفعال، لا يصدق ما يحدث له، إنها تحطم قلبه تمامًا.
كرم: لا... لا متسيبنيش يا هيام. أنا بحبك مقدرش أعيش من غيرك أبدًا.
ضجت هيام من براعته في التمثيل، فإلى متى سيظل يحكم تلك التمثيلية والإدعاء بالحب؟ إلى متى سيظل مستمر على خداعها والكذب عليها، لتنفعل بعصبية غاضبة صارخة بقوة.
هيام: كفااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااابقى كفاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
رواية لحظات منسيه الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم قوت القلوب
لقد اكتفيت من الخداع، لقد اكتفيت من الكذب، فلتصمت تمامًا وتتركني أذهب إلى حال سبيلي، فلم أعد أقدر على التحمل، فإنك كاذب.
طريقته الملتوية بتصنع أنه لا يعلم شيئًا مرهقة للغاية، فكيف يقدر على تلك البراعة في التمثيل والخداع، لكن إلى متى سيظل يعاملني كالمغفلة التي تصدق تلك البراءة المصطنعة المزيفة.
ثارت هيام على طريقته الناعمة التي تسحبها تجاه الغرق ببحوره، وقفت لتنهي كل هذا الخداع بصراخ ثأر.
هيام صارخة: كفااااااية!
أنا عرفت كل حاجة.
نظراته البريئة تربكها للغاية، خاصة عندما ينكر ذلك ويتصنع عدم الفهم وإدراك ما تقصده.
كرم: عرفتي إيه؟ اتكلمي.
هيام بسخرية وتهكم: عرفت إنك متجوز، وإن أنا أبقى الزوجة التانية.
نظر إليها كرم بدهشة واتسعت حدقتاه بعدم تصديق لما يسمعه من هيام قائلاً.
كرم بصدمة: أنا!
أكملت هيام وقد أصابتها رعشة مرتجفة خرجت بكلماتها المهتزة، فقد خارت قوى التحمل لديها، لكن لماذا ينكر بعدما قد علمت بكل شيء، لم ما زال ينكر الحقيقة وهي تواجهه بعلمها بكل الحقائق التي يصعب عليها تحملها.
هيام: كفاية بقى ما تنكرش. أنا قابلتها، شفتها بعيني! شفت كاثرين مراتك، إيه مش عارفها هي كمان؟
قالتها بتهكم مستطردة وقد رفعت هامتها بقوة وحدة.
هيام: وقالت لي كل حاجة وأنا اتأكدت كمان إنها مراتك.
لم يجيبها مطلقًا، بل ظل يحدق بها في صمت، تلاقت له عيونه لبعض الوقت، تحولت تلك النظرات الفارغة لأخرى مستنكرة بعيون كرم لتتهدج أنفاسه بدهشة، شعرت بها هيام، أصابتها نظراته المندهشة بنوبة غضب أخرى، فهو ما زال مستكملاً لحلقة الكذب عليها وإصراره على خداعها.
لم ما زال يمثل دور المظلوم غير الواعي بكل ما تتفوه به؟
لماذا يستنكر كل حديثها كما لو أنها تفترى عليه؟
لتتوجب عليها مواجهته بسلاحها القوي، وثائقها التي لا يمكنه إنكارها، أخرجت هيام من حقيبتها بانفعال صورة عقد الزواج الذي وضعته معها بالحقيبة لتلوح به أمام أعين كرم المصدومة دون حراك.
هيام: مش ده عقد جوازكم برضه؟
نظر كرم إلى الورقة بتتمعن يحرك رأسه منكرًا ذلك.
ثم أخرجت صورة كرم مع ابنه وزوجته، لتضعها هيام بقوة في راحته وهو ما زال ينظر إلى عقد الزواج بصدمة، تلك الصدمة التي ازدادت حدتها حين نظر للصورة التي لم يرفع عيناه عنها وثبتت حدقتاه تمامًا كالمغيب.
استكملت هيام صياحها المنفعل.
هيام: ودي كمان حتنكرها؟ إيه مش صورتك دي؟ وده مش ده ابنك آدم؟ ودي مراتك أم ابنك حبيبتك؟
لفظتها بألم واختناق ثم أكملت بانهيار تام لقوتها الزائفة.
هيام: اتجوزتني ليه؟ أوهمتني بحبك ليه؟ ليه خلتني أ...
وقبل أن تكمل حديثها ولومها له تجمد كرم بمكانه بهيئة غريبة للغاية كما لو أصابته حالة من التشنج والغياب عن الواقع.
وفجأة سقط كرم أرضًا مغشيًا عليه أثناء حديثها بدون أن يرد بكلمة واحدة.
تطلعت إليه هيام لوهلة باستغراب واندهاش لردة فعله غير المتوقعة بالمرة.
توقعت أن ينكر أو يحاول أن يبرر، لم تزوجها ويخبرها بطبيعة علاقته بزوجته هذه، لكن أن يغشى عليه هكذا.
أفاقت على الواقع بأنه ملقى على الأرض وهي واقفة أمامه مندهشة للغاية، صرخت بفزع خشية على ما أصابه.
هيام: كرررررم!
كان الشد والجذب وصوت هيام المنفعل وصوت كرم المتوسل يصل بوضوح لياسر ونورا بداخله غرفتهم، لكنهم فزعوا للغاية حينما سمعوا صرخة هيام باسم كرم ليسرعوا نحوهم، فصرختها كانت مقلقة للغاية.
وجدوا كرم ملقى أرضًا شاحب الوجه لا يتحرك مطلقًا كالقتيل، كانت هيئته مخيفة للغاية، فهم جميعًا ظنوا أنه قد مات أو أصابته صدمة ما.
أسرع ياسر بطلب الإسعاف لنقل كرم إلى المستشفى، حضر المسعفون على الفور ليحملوا كرم معهم وتبعهم ياسر ونورا ومعهم هيام إلى المستشفى.
في الطريق.
حاول ياسر فهم ما حدث لكرم ليسقط بهذه الصورة.
ياسر: إيه اللي حصل يا هيام خلاه وقع كده؟
ابتلعت هيام ريقها المتحجر وهي ما زالت تسترجع مشهد سقوطه بصدمة مندهشة.
هيام: أنا كنت بتكلم معاه على اللي هو عمله ولقيته فجأة اتسمر في مكانه ووقع مرة واحدة على الأرض.
أدرك ياسر أن هيام قد أخبرته بشيء ما جعله يصاب بصدمة فقد الوعي إثرها.
ياسر: قلتي له إيه طيب؟
هيام: اديت له الصورة. وقلت له إني عرفت إنه متجوز وعنده ولد.
استدار ياسر بدهشة نحو هيام جعلته يضطرب أثناء القيادة ليعيد إمساكه مرة أخرى بعجلة القيادة بأحكام.
كانت نورا لا تقل اندهاشًا عن ياسر، فقد كان ذلك خبرًا مفاجئًا صادمًا لهما أيضًا.
ياسر: متجوز! أنا ما كنتش أعرف إنه كان متجوز قبل كده، عمره ما قال لي حاجة زي دي.
تذكرت هيام كذبه لتهتف بانفعال.
هيام: ما كانش متجوز، ده ما زال متجوز!
ياسر: معقول ده! وإنتِ عرفتي منين الكلام ده؟
هيام: أنا قابلت مراته.
استطاع ياسر ربط كل الخيوط ببعضها ليردف بإدراك متأخر.
ياسر: ااااه، عشان كده كنتي مصممة على الطلاق. بس إزاي بس يكون متجوز وحتى مقاليش طول الفترة الطويلة اللي كنا فيها عايشين سوا. أنا حاسس إن فيه حاجة مش طبيعية. عموما أنا حأسأل على الموضوع ده بنفسي. أنا ليا واحد صاحبي في السفارة ممكن يساعدني في الحكاية دي، يمكن تكون الست دي بتكذب.
ضحكت هيام ضحكة تهكمية قصيرة ثم أكملت بسخرية.
هيام: معتقدش! بس عموما حأديك اسمها وصورة العقد اللي معايا واسأل براحتك.
المستشفى.
على الفور تم إدخال كرم إلى إحدى الغرف ليقوم الطبيب بفحصه وبعد فترة من الانتظار خرج الطبيب من الغرفة، تلهفوا جميعًا لمعرفة ماذا أصابه.
رغم كذبه وخداعه لها إلا أنها شعرت بالخوف والقلق عليه، لا تعلم لم لا يتوقف قلبها عن حب هذا المخادع.
ترقبت باهتمام وتركيز شديد لكل كلمة يتفوه بها هذا الطبيب الإنجليزي.
الطبيب: بعد الفحص الذي أجريناه لم يتبين لنا أية شيء، بل على العكس إنه بصحة جيدة جداً ولا يعاني من شيء بالمرة.
ياسر: معذرة، لست أفهم. أتقول إنه لا يعاني من أي شيء؟ فما السبب وراء فقدانه الوعي المفاجئ والذي يستمر حتى الآن؟ فعلى ما أظن أن هذا وقت كبير للغاية.
أومأ الطبيب بالإيجاب ليجيب تساؤل ياسر.
الطبيب: نعم بالفعل معك حق. وهذا ما يحيرني أن جميع وظائفه الحيوية تسير بطبيعية وليس هناك أي عرض عضوي.
ياسر: وماذا ترى في ذلك؟
وضح الطبيب بإيجاز ما يظنه لحالة كرم.
الطبيب: من الواضح أن ما يعاني منه ربما يكون نفسيًا وليس عضويًا. هل تعرض لأي ضغط نفسي قريبًا؟
بلمحة طفيفة من عينا ياسر تجاه هيام القلقة أجاب الطبيب.
ياسر: نعم، قليلاً.
الطبيب: هل يمكنني أن أعرف ماذا حدث؟
لم يشأ ياسر أن يعطي للأمور أكبر من حجمها ليردف بإيجاز.
ياسر: بعض المشاكل الزوجية فقط.
بتفهم للأمر أكمل الطبيب.
الطبيب: أووه، إنه هكذا إذن. حسنًا سأكتب تقريري وأرسله إلى الطبيب النفسي بالمستشفى ليرى ما يجب عمله.
لا تعرف لماذا شعرت هيام بالذنب لما حدث لكرم وأنها السبب فيما أصابه وبدأت تتردد بحكمها عليه وقسوتها معه لتحدث نفسها قائلة.
هيام: "معقول ممكن أكون ظلمته وإن الست دي بتكذب؟ بس لااااااا. أنا شفته هو معاها في الصورة وأنا بفهم في الصور كويس قوي، وشكل الصورة حقيقية جداً. أنا حأتجنن."
دلف ياسر لغرفة كرم الغير واعي بما حوله ثم خرج بعد قليل ليصطحب نورا للعودة إلى شقتهما فقد كانت متعبة ومرهقة للغاية، لم يتبقى سوى هيام التي انتظرت خارج الغرفة ولم تجرؤ على الدخول إليه.
ظن ياسر أن برحيلهم ربما يلين قلبها تجاه كرم وتدخل لتطمئن عليه.
جلست هيام خارج الغرفة تحرك يديها بتوتر، فبداخلها صراع عنيف بين قلبها وعقلها، قلبها الذي يرق له ولحالته وعقلها الغاضب الثائر لكرامتها، فهي حتى هذه اللحظة تحتار بين أنها تطمئن عليه وتبقى إلى جواره أم أنها تغادر وتتركه فهو لا يستحق.
ظلت لفترة جالسة خارج الغرفة كما لو أنها غريبة عنه تمامًا، لكن قربها من الجزء المخصص للممرضات لاستقبال الحالات وتلقي الاتصالات جعلها تستمع لأحاديثهم بوضوح لتنصت باهتمام لحديثهم الأخير حين قالت إحداهما للأخرى.
الممرضة: هل رأيتِ هذا الشاب المصري؟ أشعر بأنني قد رأيته من قبل لكن لا أدري أين.
الأخرى: بالفعل أشعر بذلك أيضًا، فوجهه مألوف جداً إليّ لكنني لا أتذكره بالمرة. ربما كان مريضاً لدينا هنا بالمستشفى أو قد أتى إلى هنا من قبل.
الممرضة: ربما.
بعد قليل من انتظارها نظرت هيام نحو باب الغرفة التي يستلقي بها كرم وترددت كثيراً في الدخول والااطمئنان عليه لكنها في النهاية وجدت نفسها لا شعورياً تنهض دالفة نحو الداخل.
اقتربت هيام من كرم النائم بلا حراك فوق السرير لتنظر نحوه بحزن، كم كان شاحب الوجه خائر القوى بصورة لم ترها من قبل.
شعرت بالأسى من أجله وقررت أن تبقى معه حتى يسترد عافيته ثم تعود إلى القاهرة وتنفصل نهائياً عنه، هكذا حدثت نفسها لتقنع عقلها بأنه في هذا الوقت يحتاجها إلى جواره وأن تكون عوناً له.
انتهى موعد الزيارة وانصرف الجميع وعادت هيام إلى شقتها التي ستقضي بها الليلة لأول مرة من دونه.
بعد عناء ليلة قاسية لم تستطع هيام النوم بها، فكم لغيابه أثر موجع بقلبها، فكل ركن بالشقة كان لهما به ذكرى.
انتظرت حتى حلول الصباح لتتجه إلى المستشفى كما قررت، فوجئت بنورا تغلق باب شقتها متأهبة للذهاب لتضيق هيام عيناها بتساؤل عن وجهتها فهي متعبة مثقلة بالحمل للغاية.
هيام: رايحة فين بدري كده؟
نورا: ياسر عنده حاجات ضروري في الجامعة النهارده ومش حيقدر يروح لكرم في الزيارة فأنا مضطرة أروح.
هيام: لا، ااا، خليكِ مرتاحة إنتِ شكلك تعبان قوي. أنا رايحة.
اتسعت عينا نورا بسعادة ظهرت على ملامحها كالأطفال تماماً.
نورا: بجد؟ يعني خلاص مش زعلانه منه؟
بإنكار لرغبتها بالبقاء إلى جواره واتخاذ الواجب سبباً لذلك.
هيام: الموضوع ملهوش علاقة بالزعل أو غيره. أنا لسه أعتبر مراته، ومن واجبي ناحيته إني أكون جنبه دلوقتي في الظروف دي، وبعد ما يقوم يبقى فيه كلام تاني.
بطبيعتها المصلحة بين جميع الأطراف وإقحام أنفها بكل المشكلات من حولها أخذت تحاول حثها على مسامحته.
نورا: والله يا هيام كرم بيحبك ومستحيل يكون عمل كده.
هيام: بلاش تتأكدي قوي كده، إنتِ لسه على نياتك يا نورا!
تنهدت نورا بضيق من ظن هيام بكرم.
نورا: أنا بعرف الناس بإحساسي، وإحساسي بيقول إنك ظلمتيه.
رغم أنها تتمنى من داخلها أن تكون نورا صائبة إلا أنها أجابتها بلا مبالاة.
هيام: هو مش ياسر قالك حيتأكد؟ خلاص. الميه تكدب الغطاس زي ما بيقولوا.
نورا: حتشوفي.
هيام: مش موضوعنا دلوقتي. أنا رايحة المستشفى. خليكِ إنتِ. سلام.
نورا: مع السلامة.
تابعتها نورا متمتمة في نفسها: "يا رب يرجعوا لبعض تاني يا رب."
المستشفى.
"هذا هو واجبها" هكذا حدثت هيام نفسها بأن هذا هو الدافع الوحيد لبقائها معه، مجرد شعورها بالواجب والمسؤولية.
اتخذت درجات السلم المتجهة لغرف المرضى فهي تدرك تماماً غرفته، استوقفها حين وصلت باب الغرفة حديث اثنتين من الممرضات بالداخل يثرثرون أثناء قيامهن بعملهن بالداخل.
لم يكن الباب موصداً لهذا استمعت لثرثرتهم بوضوح حين استكملتا ذات الحديث الذي استمعت إليه بينهما بالأمس.
_ ألم تتذكريه بعد؟
= لا ليس بعد، لكن وجهه مألوفاً جداً بالنسبة لي كما قلت لكِ.
_ لكنني تذكرت.
انتبهت الأخرى بفضول لحديث رفيقتها.
= حقاً من هو هذا الوسيم إذن؟
_ أتتذكرين منذ حوالي العام ونصف كانت هناك حادثة بمدينة برمنجهام لذلك الرجل العربي امممم... ماذا كانوا يطلقون عليها؟ أه نعم تذكرت كانوا يطلقون عليها حادثة القلب الصخري "the rock heart".
انتبهت الممرضة لتلك الحادثة تتذكرها بوضوح.
= أها ااااا، نعم تذكرت. أهذا هو؟
_ نعم. لقد رأيته وقتها في التلفاز والصحف ولم أنسى وجهه مطلقاً.
امتعض وجهها باشفاق وهي تردف.
= نعم، أذكر ذلك. ياله من مسكين.
انتهوا من أعمالهم وغادروا الغرفة دون أن ينتبها لوجود هيام خارجها، اصطنعت هيام الوصول للتو وهي تدلف لداخل الغرفة لتتقابل معهن أثناء مغادرتها.
اشعل في ذهنها ألف سؤال وسؤال، ما الذي يخبئه عنها ولم يخبرها به؟ ما الذي يعرفه الجميع إلا هي؟
نظرت إليه وجدته بنفس حالته دون تغيير، توجهت إلى الطبيب لتستفسر عن تلك الحالة الغريبة وإغمائه الطويل.
الطبيب: أظنه نائمًا الآن وليس في غيبوبة وهذا ما كنت أخاف منه فقط، نائم إلى أن يكون مستعدًا نفسيًا ووقتها سيستيقظ بمفرده.
توضيح حالته أصابتها بالتوجس أكثر من أن تطمئن، فما الداعي لكل هذا الهروب النفسي؟ لم فضل النوم على مواجهتها وإخبارها بما يخفيه عنها، لينحصر تفكيرها بأمر واحد فقط، أن عليها أن تعرف كل شيء عن كرم.
بعد قضائها لوقت لا بأس به بالمستشفى وانتهى ليوم آخر موعد الزيارة، عادت هيام إلى البيت لكنها مرت بشقة نورا وياسر أولاً فهو الوحيد الذي يستطيع مساعدتها بتفسير ما سمعته من حديث الممرضات بالمستشفى.
وقفت هيام بباب الشقة حين أشارت إليها نورا بالتقدم.
نورا: تعالي يا هيام ادخلي.
هيام: ياسر هنا؟
نورا: أيوة تعالي.
دلت بخطوات هادئة وهي تردف.
هيام: عايزة أسأله على حاجة ضروري.
بانفاس متعبة قامت نورا بنداء ياسر لمشاركتهم بغرفة الجلوس قليلاً، سألته هيام مباشرة بجدية.
هيام: مش إنتَ قلت لي إن ليك واحد صاحبك في السفارة حتسأله على الست دي اللي بتقول إنها مرات كرم؟
ياسر: أيوة.
هيام: عاوزاك تسأله على حاجة كمان ضروري.
ياسر: حاجة إيه؟
رغم أن الإيضاح ليس من طبعها إلا أنها أوضحت كل ما سمعته بالتفصيل لهما لترى بالبداية رد فعل ياسر ومعرفة إن كان يدرك شيئاً عن الأمر ويخفيه عنها أيضاً أم إنه مخدوع مثلها بكرم.
امتعاض وجه ياسر واندهاشه مما قصته عليه أكد لها عدم معرفته بالأمر مثلها تماماً.
ياسر: إيه برمنجهام! القلب الصخري! أنا عمري ما سمعت حاجة عن الموضوع ده قبل كده. عموما متقلقيش حأعرف كل حاجة وأبلغك.
هيام: ضروري يا ياسر. أنا عايزة أعرف كرم مخبي عليا إيه؟ وليه مخبيه عليا؟
ياسر: أكيد. أنا كمان عايز أعرف إزاي كل ده في حياته وعمره ما حكى لي أي حاجة عنه.
تركهم ياسر للمرور بصديقه هذا فربما يستطيع مساعدتهم بمعرفة هذا الأمر.
بقيت هيام بشقتها حتى المساء لتزيد وحدتها بدونه، كم كانت الشقة مظلمة وكئيبة للغاية كما لو كانت تبدلت بأخرى فقط لعدم تواجده بها، أخذت تنهر نفسها عن إحساسها وتعلقها به رغم ما عرفته عنه.
هيام: ليه قلبي مش قادر يسكت ويقف ويبطل يحبك بعد كل اللي عرفته ده؟ ليه قادر تعمل فيا كده حتى وإنت بعيد عني؟ يا رب ساعدني. يااااااااارب.
نعم تحبه لكنه لم ينكر زواجه بل صدم منه، أي أنه لم يكن يريدها أن تعرف أنه حقيقة إذن؟
طرقات متتالية بباب شقتها هي فقط ما أخرجتها من دوامة أفكارها، وجدت نورا وياسر لتشير لهما بالدخول.
هيام: اتفضلوا.
بدأ ياسر حديثه بأعين متهربة كما لو كان قد اقترف ذنب ما.
ياسر: أنا رحت لصاحبي في السفارة ولسه جاي من عنده دلوقتي.
هيام باهتمام: هاه. وبعدين؟
ياسر: لقيته عارف بموضوع القلب الصخري ده.
بقلة صبر نهرته نورا عن طريقته المتقطعة بالحديث وأن عليه أن يدخل بصلب الموضوع فلا طاقة لهم بالتشويق الزائد هذا.
نورا: كفاية يا ياسر وادخل في الموضوع حرقت أعصابنا.
دارت عيناه بين نورا وهيام قبل أن يلقي بكلماته الصادمة عليهن ثم ألقى بكلماته كالقنبلة المدوية.
ياسر: كاثرين فعلاً مرات كرم.
رواية لحظات منسيه الفصل الأربعون 40 - بقلم قوت القلوب
يا له من ألم موجع لحظة سماع الحقيقة التي أعرفها. لم أتألم لمعرفة أمر أعرفه بالفعل. هل كان بداخلي ولو جزء طفيف للغاية يتمنى أن أكون مخطئة؟ كنت أتمنى أن يكون صادقًا معي وأن كل ما عرفته ما هو إلا ادعاء وافتراء.
تهدج صدر هيام لحظة سماعها لما تفوه به ياسر وتأكيد بأن كاثرين بالفعل زوجة كرم. للحظة لم يلمحها ياسر أو نورا، طافت بعينيها دموع حزينة سرعان ما وارت عيناها عنهما. فهي لن تضعف ولن تظهر تحطمها. هي قوية وستظل قوية.
استطرد ياسر حديثه يخبرهم بما عرفه من صديقه. عقد ياسر حاجبيه بتأثر قائلاً:
ياسر: كرم فعلاً متجوز كاثرين.
بس؟
يكفي تلك النيران التي تشتعل بداخلها، فلن تتحمل طريقته المملة بالسرد لتهتف به هيام بحدة:
هيام: ياسر! متعملش زي نورا وادخل في الموضوع على طول.
ياسر: هو قال لي إن من سنة ونص فيه شخص بريطاني اتقدم ببلاغ كشاهد عيان على حادثة. حادثة قتل طفل إنجليزي من أصل عربي اسمه (آدم كرم) واللي اتقتل على ايد والدته قدام عيون أبوه.
شهقت هيام بقوة من هول الخبر لتغطي فمها بكفيها من صدمتها لتمنع شهقاتها. اتسعت حدقتاها بقوة مردفة:
هيام: أمه هي اللي قتلته؟ ده قلبها مش صخري، دي معندهاش قلب أساسًا.
أكمل ياسر: بيقول إن شاهد العيان كان شايف الحادثة كلها من بره شباك القبو. هو كان بيشتغل بستاني بينظف الجناين وكان اليوم ده معاده في بيت كرم. شاف كرم متكتف في الكرسي في القبو وواقف وراه اتنين رجالة قويين باين كانوا الحراس الشخصيين للست دي. وكانت كاثرين ماسكة ابنها اللي عنده سنتين من رقبته وبتهدد كرم إنهم لازم يرجعوا لبعض.
تذكرت هيئة الرجلين مفتولي العضلات اللذان اختطفاها حين ذكرهم ياسر، ثم عقبت على حديثه بتساؤل مستنكرة بعدم فهم:
هيام: يرجعوا لبعض؟ هو كان سابها؟
بإيضاح لما عرفه، أخذ ياسر يستطرد بإسهاب:
ياسر: بيقولوا إنها كانت مش سوية نفسيًا. كانت بتحبه بجنون وعندها جنون السيطرة والتحكم. قال لي كمان إنها كانت يهودية ومخبية على كرم وفهمته إنها أسلمت. ولما عرف كده قرر إنه يطلقها وياخد ابنه. وإنه هيخرجها من حياته. ولما رفض إنه يرجع لها كانت بتهدده بابنه وفضلت تضغط على رقبة الولد لحد ما ازرق واتخنق وكرم مقدرش ينقذه من ايديها والولد بيستنجد بيه.
صمت ياسر لوهلة يتطلع بوجوه هيام ونورا المشفقة المتجهمة ثم أكمل:
ياسر: بيقولوا بعدها كرم جاله انهيار عصبي حاد لما شاف المنظر البشع ده وهو كان بيحب ابنه جدًا وهو اللي كان مصبره على وجوده مع المجنونة دي.
بتخمين لبقية القصة وما فعله كرم بعد ذلك، قال ياسر:
ياسر: أظن بعدها كرم ساب البلد اللي كان عايش فيها وجه عاش هنا في لندن بعيد عن الست المجنونة دي.
قصة لا تصدق بالمرة كما لو كانت فيلمًا سينمائيًا وليست حقيقة واقعة. ولولا سماعها من ياسر لظنت أنها تُخدع للمرة الثانية. لكن كرم كان بالفعل هو بطل تلك المأساة. وهي من ذكرته بما حدث لطفله الصغير. لكنها انتبهت لأمر ما لتردف متسائلة:
هيام: طب إزاي مقبضوش عليها؟
أعاد ياسر جزعه للخلف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره باستياء قائلاً:
ياسر: الشاهد غير شهادته في المحكمة. وقال إنها مش نفس الست اللي شافها بتقتل الولد فمتحكمش عليها. الظاهر الست دي واصلة وغنية عرفت تأثر على البستاني ده وتخليه يغير أقواله.
بنفس بريئة رغم تأثرها بالبكاء، نطقت نورا:
نورا: دي حكاية صعبة قوي متتصدقش خالص.
هيام: فعلاً متتصدقش خالص.
أومأ ياسر بالإيجاب ثم أوضح أمرًا ما قد فعله بناءً على ما سمعه من صديقه:
ياسر: أنا طلبت لكرم حماية من السفارة لحد ما نرجع مصر. من الواضح إن كاثرين دي من عيلة كبيرة ولها نفوذ كبير وطالما وصلت له تاني يعني مش هـ تسيبه. يمكن تتعرض له أو لكِ في أي وقت.
أومأت هيام بتفهم. فهي بالفعل ذاقت بعضًا من ذلك بما فعلته تلك الوضيعة معها. لكنها قَلِقَت للغاية على حالة كرم.
هيام: وكرم؟
ياسر: إحنا لازم نكون جنبه دلوقتي. هو محتاج لنا أكتر من أي وقت فات. خصوصًا أنتِ يا هيام. وأنا هـ أحاول أتكلم مع شريكه في الشركة يشتري نصيبه وترجعوا تعيشوا في مصر عشان تبعدوا عن الست المؤذية دي.
نعم، ليس هناك أمان أكثر من أهلهم ووطنهم. لتحبذ هيام تلك الفكرة وتؤيدها بشدة.
هيام: أيوة. أكيد كرم هـ تعجبه الفكرة دي أوي.
ياسر: ده غير إن صاحبي اللي في السفارة أكد لي إننا ممكن نفتح ملف القضية تاني لو فيه دليل جديد. فأنا هـ أكلف محقق خاص يوصل للشاهد ده يمكن يقدر يخليه يشهد بالحق.
هيام: يا ريت يا ياسر. يا ريت.
همت هيام بالوقوف بتلهف لبقائها إلى جوار زوجها دون تأخير.
هيام: أنا رايحة لـ كرم المستشفى.
ياسر: وإحنا كمان. يلا بينا.
غادروا الشقة متجهين نحو المستشفى ليخبروا الطبيب النفسي المعالج لـ كرم بكل تلك التفاصيل لمساعدته على تجاوز تلك المحنة. ليضع الطبيب تصوره الدقيق لحالة كرم قائلاً:
الطبيب: إذن فقد اختار عقله الباطن أن يمحو الثلاث سنوات من ذاكرته حتى لا يمر بألم فراق ابنه بهذه الصورة البشعة. وعندما تمت مواجهته بالصورة عادت إليه ذكرى أليمة كان قد محاها من عقله فسببت له ما حدث.
هيام: وماذا تظن سيحدث له؟
الطبيب: لا تقلقي. كان يجب من مواجهة نفسه وألمه حتى يتغلب عليه. سيأخذ وقته في حزنه ويحاول نسيان ما حدث ويعتبره كحادث ويكمل حياته.
بقلب مشفق محب تساءلت هيام:
هيام: لكنه سيعاني كثيرًا. أليس كذلك؟
الطبيب: بالطبع. سوف يمر بوقت صعب وسنساعده جميعًا على المرور من هذه المحنة.
باستثناء لحالة كرم، طلبت هيام البقاء برفقته حتى يستعيد وعيه وعافيته. لهذا سمح لها الطبيب بذلك. جلست إلى جوار هذا المستكين غير الواعي لها لتقبض كفه بقبضتها كما لو أنها تترجاه للعودة إليها. فإنها تحتاجه بقدر حاجته لها.
حاولت أن تشعره إنها هنا معه ولن تتخلى عنه ولن تتركه مهما حدث. فقد تعلمت الدرس جيدًا.
هيام: سامحني حبيبي. إنتَ عارف إني بحبك أوي. يمكن عملت كده من غيرتي عليك وإني مقبلش إن يكون في حياتك غيري. بس أنا فعلاً بحبك ومش هـ أسيبك أبدًا أو أبعد عنك مهما حصل.
أسندت رأسها إلى جانب السرير متألمة لما وصل إليه كرم. مشفقة على معاناته وألمه.
بعد مرور فترة من الوقت، حاولت فيها هيام التحدث كثيرًا لـ كرم تطمئنه بوجودها إلى جواره وعدم التخلي عنه. مالت برأسها تجاه حافة السرير لتغمض عيناها تستكين بصمت. لتتفاجأ بصوت يشبه البكاء المكتوم.
رفعت رأسها تجاه كرم لتجده قد أفاق من نومته الطويلة يبكي بانهيار وعدم تحكم. لكن بدون أن يصدر صوتًا. فقط يذرف الدموع وينتفض جسده بصمت شديد.
اقتربت منه بتلهف لتضمه إليها ليحاوطها هو بذراعيه كرد فعل. انسجام لحاجة كل منهما بدون كلمات. فأبلغ تفاهم ما ينبع من داخل القلوب وليس الجهر بالكلمات الرنانة.
وجودها إلى جواره أشعره ببعض الراحة. لكنه حزين للغاية. ذو قلب موجوع متألم بقوة. حزين جدًا على فقدان ولده الصغير كأنه فقده اليوم.
بيأس حزين رآى الدنيا مظلمة قاحلة تخلو من كل مظاهر السعادة والفرح. كيف سيجد بسمته وسعادته مرة أخرى؟ فصورة ولده الذي فارقه لا تغيب عن عيناه. صورة كاثرين وهي تضغط بقبضتها على عنقه الصغير لا تمحى من ذاكرته. كيف سيتناسى ذلك ويعيش مرة أخرى بسعادة؟ فذلك أمر مستحيل للغاية.
***
أيام مرة وساعات ثقيلة مرت بـ كرم يدور في دوائر الحزن التي لا تنتهي أبدًا.
خلال تلك الأيام الطويلة الماضية سعى ياسر لإثبات ما حدث. خاصة بعد إيجاده للشاهد بعد سؤال كرم عن اسمه وعنوانه. وطلب منه أن يدلي بشهادته ويخبر المحكمة بالحقيقة.
وبعد إقناع الشاهد، استطاع ياسر بمساعدة صديقه بالسفارة أن يعيد فتح المحاكمة مرة أخرى لتأخذ هذه المجرمة جزاءها.
وبالفعل فتحت القضية وقرر الشاهد تعديل أقواله. فقد كان تحت التهديد عندما غير شهادته، لكنه قرر أن يقوم بتصحيح خطأه في الماضي. لتتحدد جلسة المحاكمة بعد شهر.
طلب الطبيب أن يظل كرم بالمستشفى إلى أن تتحسن حالته النفسية السيئة. فربما تحدث انتكاسة نفسية بدلاً من عبوره للأزمة ويصاب بحالة اكتئاب ومن الممكن أن يؤذي نفسه إذا حدث ذلك.
***
مرت الأيام وكرم على حاله التعيس بالمستشفى وهيام لم تتركه مطلقًا. بل ظلت إلى جواره تحاول أن تخفف عنه. لكنه لا يتحسن كثيرًا.
كان قليل الكلام حزينًا دائمًا. رغم بقائهم معه كأسرة واحدة. لم يكلوا من حزنه وضيقته. بل حاول ثلاثتهم أن يكونوا عونًا وسندًا له. فما العائلة إلا تآلف قلوب.
مع مرور الأيام بدأ يتحسن ببطء ويتحدث معهم بصورة بسيطة للغاية. لكنه لم يتعافى نهائيًا ولم يخرج من المستشفى.
***
بعد مرور شهر على دخول كرم إلى المستشفى وحالة الانهيار التام التي حدثت له بسبب تذكره لمعاناته وحزنه العميق على ولده وتذكره لتفاصيل الحادث المروعة التي حدثت أمام أعينه. وبقائه بالمستشفى تحت رعاية الأطباء وبمساندة هيام التي لم تتركه للحظة واحدة.
دلف ياسر إلى غرفة كرم متطلعًا نحو كرم الصامت بعيون تملؤها القهر والحزن. وهيام التي تلوم نفسها بشدة. فلولا مواجهتها له لما حدث ما حدث ولا تذكر الحادث. كم تمنت لو يرجع بها الزمن ولا تخبره بأي شيء ويعود كرم الأول.
ألقى ياسر التحية على كرم وهيام.
ياسر: السلام عليكم جميعًا.
أجابه كرم بصوت منخفض بالكاد تخرج الكلمات من بين شفتيه.
كرم: وعليكم السلام.
ياسر: عندي لكم خبر هـ يفرحكم جدًا.
هتفت هيام بتلهف. فكم تتمنى لو أن يزال هذا الحزن ويعم الفرح حياتهم مرة أخرى.
هيام: إيه هو؟
ياسر: النهاردة كانت محاكمة المجرمة كاثرين واتحكم عليها بالسجن مدى الحياة.
هيام بفرحة: الحمد لله.
ولأول مرة منذ ما حدث لـ كرم، رسمت شبح ابتسامة على وجهه لسعادته بفرحة القصاص من هذه المجرمة التي قتلت ولده البرئ.
كرم: الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله.
تلك الابتسامة الضعيفة جعلت هيام وياسر يشعران بسعادة غامرة. فأخيرًا تبدل حاله التعيس. خاصة بعدما استطرد كرم حديثه الذي انقطع لوقت طويل.
كرم: مش مصدق إنها هـ تاخد جزاءها في النهاية. الحمد لله ربنا مش بيضيع الحق أبدًا أبدًا.
وجدتها هيام فرصة رائعة لبث القوة والحماس بنفس كرم المهترئة.
هيام: الحمد لله يا كرم. قوم بقى اتوضى وصلي لله واشكره عشان تريح قلبك. فلا علاج سوى بقربه من الله وطاعته.
كرم: فعلاً معاك حق.
توضأ كرم ليصلي شكرًا لله. بينما ألقت هيام بجسدها المنهك على الأريكة بالغرفة تستمد بعض الراحة بعدما غادر ياسر المستشفى ليعود لشقته ليطمئن على نورا. فهي أصبحت متعبة للغاية في شهرها الأخير من الحمل.
مرت بضعة أيام تحسنت بها حالة كرم النفسية بعد خبر محاكمة كاثرين والحكم عليها لقتل ولده.
خلال فترة مكوث كرم بالمستشفى وبعد موافقته على إنهاء شركته بلندن وقرار الاستقرار بين أحضان وطنهم الغالي مصر. فقد قرروا جميعًا العودة بنهاية هذا الأسبوع فور تحديد موعد زفاف أمير وسميرة. كما فضلت نورا أن تلد طفلها بين أهلها وأهل ياسر وألا تلد ولدها بالغربة. لتستعد هي وياسر لقضاء عطلة طويلة بالقاهرة فور ولادتها قبل استئناف ياسر لآخر فصل بالبعثة بعد عدة أشهر.
***
كرم...
استيقظ كرم في الليل ليجد هيام نائمة كالملائكة فوق الأريكة بغرفة المستشفى. نظر بتمعن إلى وجهها البريء وكيف أنه اشتاق إليها وإلى الحديث معها. وأن الله قد عوضه بـ هيام عن كل ما مر به. فهي جائزة من الله وتعويضًا. فهو إلى جوارها لا يتمنى غيرها. وأدرك أنه يجب أن يخرج من حزنه ويكمل حياته مع حبيبته التي يعشقها ولا يتمنى غيرها بحياته.
تلك الفترة الطويلة كان كالمغيب. لم يفق إلا بعد خبر حبس كاثرين. لينتبه أن هيام كادت تضيع من بين يديه بسببها أيضًا.
انتفض كرم بإدراك لذلك قائلاً لنفسه:
كرم: "لا... لا مش هـ أخسرك تاني أبدًا... أبدًا."
مد يده يتلمس شعرها الأسود كالليل الساحر. يأنس بقربها الذي اشتاق إليه. شعرت هيام بقرب كرم لتفتح عينيها بنعاس قبل أن تنظر إليه ببسمتها الهادئة. كم اشتاقت لرؤيته ينظر إليها بهذه النظرة المحبة الحنونة التي كان يغمرها بها.
بهمس يذوب عشقًا بحبيبته التي تملكت عرش قلبه. تلك الجميلة ساحرة أحلامه.
كرم: أميرتي. يلا نصحى بقى عشان منتأخرش على معاد الطيارة.
هيام بإرهاق: أكيد. دقايق وحـ أبقى جاهزة.
قبض كفها بقوة ليدرك أنه لن يقدر أن يبتعد عنها. فهي روحه ومتنفسه وأميرة أحلامه التي عشقها من قبل رؤيتها كما لو كانت هي القدر المحتوم له.
***
عادوا أخيرًا إلى أرض وطنهم الحبيب بسلام. تاركين خلفهم كل الآلام لتبدأ صفحات جديدة. اليوم لتشرق الدنيا بميلاد يحيى ولدًا لـ نورا وياسر. ليسعد به العائلتين برزقهم بأول حفيد بالعائلتين ويتوثق رباطهم بطفل جميل. فها هما اليوم أب وأم.
***
أمير وسميرة...
بعد كل ما مرا به من صعوبات. فاليوم تتجمل حياتهما ببداية حياة جديدة تجمعهما سويًا برباط الحب والتضحية.
في يوم الزفاف...
تعالت الأضواء الساطعة وتلألأت الكريستالات المضيئة في القاعة. هلل الجميع فرحًا بأجمل عروسين. سميرة برقتها وجمالها الذي أخذ قلب وعقل أمير. وأمير برجولته وهدوئه الساحر.
يتقدمان بكل حب وفرحة نحو أحبابهم وأقاربهم ليزفوا فرحتهم ويسعدان بحياة جديدة سويًا.
شقت الابتسامة وجوه الجميع بإتمام جمع الأحبة برباط واحد بحب ورضا.
مال كرم على أذن هيام التي كانت متألقة بلون فستانها الزهري.
كرم: تعالي معايا.
هيام مندهشة: فين؟
كرم: تعالي بس.
رافقت هيام زوجها الذي سحبها من يدها ليخرجا من القاعة تمامًا. مستقلاً سيارته الجديدة حتى وصلا إلى النيل.
أوقف كرم سيارته ليصطحبها نحو قارب يرسو بضفة النيل. كان كرم قد حجزه لهما منذ الأمس. لتتفاجأ هيام بما رتبه لهما.
هيام: إيه ده؟
كرم: أختك وسعيدة وفرحانة مع عريسها. تعالي بقى إحنا نقعد سوا أنا وإنتِ بس وسط النيل.
لم تجادل أو تفكر. بل تركت نفسها بانسيابية لتخطو برفق إلى داخل القارب. وقد أمسك كرم بها برفق حتى جلست بهدوء.
جلس كرم بمقابلها ليرفع المجداف ليتحرك بهما إلى منتصف النهر. أوقف القارب تاركًا المجداف ليلتف جالسًا إلى جوارها. متعمقًا بسوداوتيها الساحرتين التي تتلألأ مع ضوء القمر بمشهد رومانسي بين حبيبين. ضاقت بهما الدنيا ليجد كل منهما ما ضاع منه بالآخر.
حلق قلبها بسعادة لقربها من حبيبها. فهي لم تتخيل يومًا أن تفيض مشاعرها وحبها لشخص كما عشقت كرم. فعشقها له فاق كل حد قد تصورته بعقلها يومًا.
همس كرم بعشق ذاب بجميلته.
كرم: أنتِ عارفة إنك أحلى حاجة حصلتلي في عمري كله.
هيام: أنا مكنتش أعرف إني هـ أحب حد الحب ده كله. ثم أردفت برقة.
هيام: كنت عايزة أقولك حاجة ومش هـ ألاقي أحسن من الوقت ده أقولك فيه.
كرم: قولى حبيبتي.
هيام: كرم... أنا... أنا حامل.
ظن كرم أن تنفسه قد توقف للحظة ليستعيده مرة أخرى بفرحة لم يتوقعها على الإطلاق. فربما يشاء الله أن يرزقه الله بطفل يعوضه ما قد مر به. وأن يكون هذا الطفل منها هي فقط. من حبيبته وآسرة فؤاده. ابن له من أكثر مخلوقة عشقها يومًا. لتزف له خبر حملها فيشعر بأن كل ما مر به فقط ليقدر قيمتها ويزيد من حبه لها.
كرم بسعادة: حامل! من إمتى؟
هيام: عرفت وإحنا في لندن. بس كنت عايزة أقولك بطريقة متنساهاش. وملقتش أحسن من النهارده والجو الحلو ده.
كرم: ده أحلى خبر سمعته في حياتي.
هيام: مسألتنيش عايزة أسميه إيه؟
كرم: إيه يا عمري؟
هيام: آدم.
ترقرقَت دمعة بعيني كرم كقطعة لؤلؤ مع ضوء القمر.
كرم: إنتِ أجمل حلم. وأحلى حقيقة في حياتي.
أمسك كرم بيديها وقبلهما بعشق متيم.
كرم: أنا حاسس بأن حياتي بدأت بس من يوم ما شفتك. حياتي اللي ابتدت بس من يوم ما دخلتيها إنتِ. أه كنت عايش قبلك. لكنها كانت بالنسبة لي... لحظات منسية.
النهاية.