تحميل رواية لحظات منسيه بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تضاحك الأطفال ويمرحون في الفناء، وآخرون يلعبون ويتدافعون بسعادة في يوم تقليدي معتاد بمدرستهم الابتدائية. جلس المعلمون بغرفهم كوقت مستقطع لراحتهم وسط هذا اليوم الدراسي. توسطت غرفة المعلمين منضدة خشبية طويلة، وعليها العديد من الدفاتر والأقلام، بعضها موضوع بترتيب وأخرى موضوعة بعشوائية. أقبلت إحداهن وهي تضع بعض الدفاتر على المنضدة بإرهاق. سعاد: أوووف، توب علينا بقى يا رب من الشغلانة دي. الواحد قرف. لترد الأخرى بنفس الملل. نهلة: بهدلة وقرف، ومقالناش إسبوعين في الدراسة. سعاد بسخرية ناظرة نحو إحدى المق...
رواية لحظات منسيه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
إلتمس لى العُذر حتى لو لم تُدرك أسباب ثورتى وغضبى ، فهناك دومًا سبب ، ربما أُخفيه أو حتى لا أعرفه ، لكن ما أدركه جيدًا أنك بقلبى مهما فعلت أنا ومهما فعلت أنت ...
يومان فقط هما ما مروا يظن بهم المرء ألا تَغيير يحدث ، لكن الدنيا تتبدل بلحظة دون أن ندرى ...
إستيقظت نورا بتثاقل لا تدرى كم عدد الساعات التى قضتها وهى نائمة غير مدركة سبب تعبها وإعيائها بالأمس ....
نظرت نحو ياسر النائم إلى جوارها بحب قبل أن تنهض من فراشها لتحضير إفطار يعوض ياسر عن تعبه معها بالأمس ....
أثناء تحضيرها للإفطار فى هذا الوقت المبكر أخذت تحضر بعض أنواع الحلوى البسيطة فهى ماهرة جدًا فى صنعها ....
إستيقظ ياسر بتعب باحثًا عن نورا والتى وجدها تعمل بنشاط بالمطبخ ...
ياسر: إيه النشاط دة على الصبح ..؟؟
نورا: أهو إعتبره تعويض عن تَعبك معايا إمبارح ..
طالت نظرته المحبه لها وهو يردف بحنو فقد إنتابه قلق شديد عليها بالأمس ....
ياسر: يا ريت تكونى إنتِ التعب على طول ...
نورا: بلاش الدلع ده أحسن أتعود على كدة ...
ياسر: لا إتعودي على كدة وأبو كده وأم كدة ...
ضحكت نورا ضحكتها العفوية المميزة بها قائله ...
نورا: طب يلا إدخل إنت الحمام عقبال ما أحط الفطار ...
ياسر: ماشى كلام الحلوين ....
تفكرت نورا للحظة قبل أن تخبره ...
نورا: ياسر ... بقولك إيه ... أنا حـ أنزل بعد الفطار أودى شوية حلويات من دول لمامتك تحت ...
ياسر : ربنا يخليكِ ليا حبيبتى .... تسلم إيديكِ ...
أبدلت نورا ملابسها بأخرى تحسبًا لوجود إخوة ياسر بشقة والديه وحملت طبقًا من الحلوي قد أعدتها بطريقه لطيفة ....
خلال الأيام القليلة السابقة كانت والدة ياسر تتجنب نورا بشكل ملحوظ حتى تعتاد على وجودها بالبيت فقد أصبح زواج ياسر منها أمرًا واقعًا وعليها الإعتياد على ذلك ... وهذا ما جعل نورا تُفكر بمحاولتها لكسر هذا الحاجز بينهم والتودد إليها فهى بالنهاية أم زوجها ...
قابلتها أم ياسر برسمية إلى حد كبير حين قدَمت نورا لها طبق الحلوي ...
نورا: أنا جبت لكم شوية حلويات من إللى أنا عملاها ..
تطلعت أم ياسر للطبق بإستحقار قبل أن ترمق نورا بذات النظرة قائله ...
ام ياسر: إيه دة ....؟؟!
نورا: دى حلوة أوى حتى دوقى كدة ...
دفعت أم ياسر الطبق بعيدًا عنها بإشمئزاز لتهتف بحدة ...
ام ياسر : أدوق إيه !!!! ... هو إنتِ أى حاجة حـ تبوظ منك حـ تزليها هنا عشان تخلصى منها .... ويبقى فى الآخر عملتى لنا حاجة حلوة ... ولا دى من الحلويات إللى عملتيها إمبارح لصاحبتك وجايه ترمى البواقى عندنا ...!!!!
بُهتت نورا لتتلاشى إبتسامتها وهى تدافع عن نفسها ...
نورا: لأ طبعًا ... دة أنا لسه عملاها مخصوص والله ...!!!!!
ضربت أم ياسر فخذيها بقوة وهى تنهض من جلستها وقد إحتدت نبرة صوتها المتضايقه ...
ام ياسر: بس إحنا مش صفيحة الزبالة بتاعة حضرِتك ترمى فيها البواقى بتاعتِك ...
بطبعها المرح وطيبتها الزائدة لم يكن من ردود إنفعالاتها الحدة مطلقًا لكنها وجدت نفسها تهتف بإنفعال وقد إحتقنت نبرتها بشدة لإتهام أم ياسر لها بذلك ...
نورا : أنا مقُلتش كدة !!!!! ... أنا غلطانه يعنى أنى عملت حاجة وقلت أنزل لكم منها ..؟؟!!!
إتسعت عينا أم ياسر بإندهاش من حدة نورا وصوتها العالى لتستكمل بصراخ فقد بدأت المشادة تأخذ منحنى أقوى وأعنف ...
ام ياسر: زعقى زعقى .. ما هو دة إلى أهلك ربوكى عليه ...!!
رفعت نورا إصبعها بتحذير وهى تكتم غيظها الذى كان واضحًا للعيان فمشاعرها تظهر تمامًا بملامحها الهادئه ...
نورا: لو سمحتى يا طنط أنا متربيه أحسن تربيه ...
ام ياسر باستهزاء: هه ... لأ ما هو باين ....
صوتهم العالى أثار إنتباه والد ياسر الذى أقبل بوجه مقتضب تجاه زوجته ونورا فيما إحتدم الصدام بينهم ليتسائل بإستغراب فليس من طبع كِلاهما الحِدة مطلقًا ...
والد ياسر: فيه إيه ..؟!!
أشارت أم ياسر تجاه نورا بتقزز توضح لزوجها سبب إنفعالها وتقليل نورا من شأنهم ...
ام ياسر : إتفرج على الهانم إللى جايبه لنا بواقى الأكل نأكلها ....!!!!!!!
بأعصاب منفلته بدأت نورا بالبكاء غير مسيطرة على إنفعالاتها ...
نورا : محصلش يا عمى ... دة أنا عملت حلويات وقلت أنزل لكم منها ...
لوت أم ياسر فمها وهى تتجنبها قائله ...
ام ياسر: أنا مش عايزة من وشك حاجة ...
إحتد والد ياسر بقوة لينهى هذا الصدام تافه الأسباب من وجهة نظرة ...
والد ياسر : خلاص .. الموضوع ميستاهلش ... شكرًا يا بنتى .. إطلعى إنتِ شقتك ...
برجفه قوية إستدارت نورا تخرج من الشقه متجهه لشقتها بالدور العلوى دون نطق كلمة واحدة فيما نظر والد ياسر نحو زوجته يلومها بقوة على إنفعالها الذى لا داعى له ...
والد ياسر: إنتِ إتجننتى ولا إيه ؟!!!!! .... بتكسرى خاطرها ليه كدة ...؟!!!
إستفاقت أم ياسر لنفسها وكأن عقلها كان مغيب تمامًا بتلك اللحظة المنفعله ...
ام ياسر : والله ما عارفه إيه إللى جرى لى .. محستش بنفسى والله بقولها كدة ليه ...!!!!
والد ياسر: لا حول ولا قوة إلا بالله ...
====
شقه ياسر ...
أثناء ذلك كان ياسر يكمل محادثته الهاتفية مع كرم الذى أخذ يلحُ بقوة على معرفة عنوان المدرسة التى تعمل بها نورا وهيام ...
ياسر: بَطل جنانك دة إحنا مش فى لندن ... كل حاجة هنا ليها أصول ..!!!
كرم: وأنا عايز الأصول ... بس الأول أتأكد منها ...
شعر ياسر بخطئه لتيسير الأمور على كرم فطباعه الأوربية لا تصح هنا فمازال لنا عاداتنا وتقاليدنا التى تحكمنا ، حاول ياسر صرف نظر كرم عن الأمر ...
ياسر: سيبك من إللى فى دماغك دة ... نورا بتقول ظروفها صعبة ... سيبها فى حالها ..
لم تكن نزوة أو لقاء عابر أو حتى تسلية وإضاعة للوقت ، فما يشعر به بداخله مختلف تمامًا ، يشعر بأن تلك الفتاة هى وميض الأمل بحياته ولن يتخلى عن هذا الأمل الذى إنتظره طويلا ..
كرم: مش قادر .. ما هو أنا مشفتهاش فى الحلم كدة من غير سبب .. أنا حاسس إن فيه حاجة رابطة بينى وبينها ...
لم يستطع ياسر تحمل إصرار كرم ليخبره بتملل ...
ياسر: إنتَ حُر بقى ... خد العنوان أهو دة لو عرفت توصل له ....
كرم: ملكش دعوة ... حـ أوصل ...
أخبره بعنوان المدرسة وأنهى تلك المكالمة ليجد نورا وقد إمتقع وجهها بقوة دالفه نحوه بصدرج متهدج وإنفعال شديد إثر بكائها الذى فاجئه فهى كانت سعيدة للغاية مشرقة الوجه منذ قليل ...
ياسر بتلهف : نورا ....!!!! مالك ... حصل إيه ....؟؟!
إرتجف جسدها بقوة وهى تبكى بنشيج حاد ...
نورا: مش عارفه ... نزلت أودى الطبق ومامتك معجبهاش .... وقعدت تقول كلام غريب ... وأنا .. أنا ..... أنا كمان زعقت ...!!!! مش عارفه أنا عملت كدة إزاى ...؟؟!! ... غصب عنى محستش بنفسى ....
غاضبة من نفسها قبل كل شئ فهى ليس من عادتها ولا إسلوبها على الإطلاق تلك الحدة والعصبيه التى صدرت منها ، وحتى إذا كانت تلك طباعها فهى مخطئة للغاية بأن تنفعل على والدة زوجها بهذا الشكل المهين ، لتشعر بالسوء لما فعلته رغمًا عنها ...
أحست بأن معدتها لا تتحمل هذا التوتر ولوم النفس لتشعر بالغثيان بقوة ، وضعت كفها فوق فمها تمنع نفسها من التقيؤ لتسرع تجاه مرحاض غرفتهم تتقيأ بصورة غريبة زادت من قلق ياسر عليها ....
ياسر بفزع: مالك ... إنتى تعبانه ولا إيه ..؟؟!
نورا بوهن : مش عارفة ...!!!
إعيائها بالأمس واليوم أيضًا جعله يشعر بالقلق ليردف بتخوف ...
ياسر: تعالى يلا نروح نكشف عند الدكتور ...
نورا بوهن : مالوش لزوم يمكن لما إضايقت معدتى إتقلبت شوية ..... عمومًا لو إتكررت تانى نبقى نروح ...
ياسر: ماشى ...
حاول ياسر إرضاء نورا فهو يعلم أنها ذات قلب صاف و نية طيبة ليتوجه نحو شقه والديه ليرى ما المشكله ويحاول إرضاء والدته أيضًا فيبدو أن بالأمر سوء تفاهم لا أكثر ، لكنه وجد والده قد أرضى والدته وكأن شيئًا لم يكن ....
تعجب ياسر من هذا الموقف الغريب فمع أن والدته لم تحبذ أبدًا فكرة زواجه من نورا إلا أنها لم تُعامل أحد بهذه الطريقة الفظة من قبل ، و بالتأكيد هى لن تعامل زوجته بهذه الطريقة لكنه لا يدرى ما الذى حدث جعلها تتعامل بهذه الصورة الجارحة مع نورا ...
====
المعمل....
أنهت سميره جميع التقارير بعدما أعادت فحص العينة جيدًا لتَحملُها للمهندس أمير للتوقيع عليها ...
طرقت الباب بطرقتها المميزة والتى إنتبه لها أمير هذه المرة لتدلف نحو الداخل بعملية شديدة قائله ...
سميرة: صباح الخير يا باشمهندس .. ممكن حضرتك توقع لى التقارير دى ...؟!!
شعوره بأنه مجبر على التعامل معها جعله مقتضبًا صامتًا متحفزًا لأى خطأ ولو بسيط ليلتقط الملف من بين يديها محاولا إيجاد الخطأ به ...
لكن ما فاجئه حقيقه هو أن تلك التقارير قد شملت كل ما أوضحه لها بالمرة السابقة ...
إنبهر بالفعل من عملها الدقيق لكنه لم يظهر ذلك وإكتفى فقط بتوقيع التقارير فى صمت قبل أن تقع عيناه على إسمها المدون بنهاية التقرير فهو لا يعلم إسمها بعد ...
تطلع نحو إسمها هامسًا دون وعى منه أنها إنتبهت له ...
أمير: سميرة سعيد ....!!
فهمت سميرة على الفور ما يفكر به لتستغل تلك الفرصة لجذبه بحديث جديد بينهم گ فرصة لعلاجها النفسى له كما تظن ، بطريقتها الشقيه المرحه للغاية أردفت تسخر من حالها ...
سميره: خدامتك يا باشا .. الله يكرمك لو فيه أى تريقة نخلصها بدرى بدرى عشان ورايا شغل ...
إسلوبها الجذاب الغير عابئ بشئ أخرجه تمامًا من دائرة أفكاره ليُلقىَ بدوامة حديثها الطريف ، تناسى للحظة ضيقته لينتابه الضحك لطرافتها وخِفة ظِلها ، لكنه أمسك بضحكتة بصعوبة ليتجهم رغمًا عنه فهو لا يريد الإنسياق خلفها حتى لا يعود لنقطة الصفر مع أى أنثى ....
كشفت سميرة ما يقوم به على الفور لتستكمل بمزاحٍ ساخر ...
سميرة : إضحك يا باشمهندس ... إضحك .. أنا متعودة على كدة ...
لملم شفاهه بقوة ينهر نفسه عن إبتسامته التى تُجاهد للظهور ليجيبها أخيرًا بتجهم مصطنع أظهره بصعوبة ......
امير: إتفضلى على شُغلك ...
لم تثنى أمره بل خرجت على الفور من المكتب فيكفيه ذلك حتى الآن ، عادت سميرة لتباشر عملها بسعادة فقد إستطاعت أخيرًا كسر جزء من الحجر ..
فور خروجها أطلق أمير العنان لإبتسامته فللحظات إستطاعت أن تنسيه حزنه لدقائق خلال وجودها بالمكتب بطريقتها الشقية ...
====
هيام...
بدأ يومها بآليه حفظتها عن ظهر قلب حتى وصولها إلى المدرسه ، لكن غياب نورا أثر بها كثيرًا ، فهى الوحيدة التى معها دائمًا ، الوحيدة التى تنتظرها وتهتم لأمرها ، تعجبت فـ كيف لغيابها فقط كل هذا التأثير ، كيف أصبحت وحيدة بين ليلة وضحاها ....
أنهت حصصها وتركت الدفاتر بغرفة المعلمات مع إنتهاء اليوم الدراسى لتخرج متأخرة كالعادة ....
=====
كرم ...
بعد سؤاله المُلح على ياسر وإعطائه عنوان المدرسة إستأجر سيارة من أحد المعارض المخصصة لذلك حتى تُسهل حركته هنا وهناك فيبدو أنه لن يترك الأمر إلى هذا الحد بهذه المدينة ...
وقف بإنتظار خروج هيام من عملها بتلهف ، تلك اللهفة التى دامت لساعات عملها فهو لا يعرف بعد مواعيد إنتهاء يومها الدراسى ....
بعد إنتظار طويل خرجت بسِحرها المعهود والذى ما أن وقعت عيناه عليها هوى قلبه بين ضلوعه يصرخ بدقات عاشقة ، فهل يمكن للقلب أن يذوب عشقًا بمن لا يعرفه ...
إنتفض واقفًا من إستناده بمقدمة السيارة وقد تعلقت عسليتاه بتلك الساحرة (شربات) كما أسماها ...
إستوقفها شاب ما يحمل زهرة يقدمها إليها لترمقه بإحتقار قبل تركه دون الإكتراث به فما هذا بالنسبة إليها إلا ضياع وقت فقط ...
تقدمت بطريقها نحو موقف الحافلات ، إنعطفت يمينًا لتغيب عن مرأى كرم الذى أسرع بالعودة للسيارة وقيادتها للحاق بها ...
ركبت الحافلة مباشرة ليتبع كرم الحافلة بسيارته حتى توقفت وترجلت منها ، أكمل مراقبتها حتى وصلت إلى بيتها القديم ...
ترجل كرم من السيارة ليذهب إلى أحد محلات البقالة مستفسرًا ...
كرم: لو سمحت ... هو البيت إللى فى آخر الشارع دة بتاع مين ...؟؟!
عم حسن: دة بيت الحاج سعيد ...
تطلع صاحب البقالة بهذا الشاب الغريب عن المنطقة بأعين متفرسة فيبدو أنه شاب ميسور الحال يبحث عن مكان يبقى به ليستطرد متطوعًا قبل أن يسأله كرم أسئلة أخرى ...
عم حسن : إنتَ بتدور على شقة فاضية ... أصل الحاج سعيد معندوش شقق فاضية والبيت قديم ... أنا عندى شقة لُقطَة فى بيت جديد قريب من هنا ...
كرم تعجب من كم المعلومات التى أتت إليه بدون حتى عناء السؤال ، ليجدها فرصة لا بأس بها ببقائه بشقة قريبة من صاحبة كأس الشربات ....
كرم: اااه ... أنا عايز شقة ... فين الشقة إللى إنت عايز تأجرها دى ...
عم حسن: شايف البيت إللى جنب بيت الحاج سعيد ... فى العمارة الجديدة إللى فى وشه دى ...
كرم: طيب تمام ... أنا عايز أأجرها ...
إتفق كرم مع صاحب البقالة على تأجير الشقة فهى أفضل له من المكوث بالفندق غير أنها قريبة منها وهو يتمنى التَقرُب منها أكثر فأكثر ....
مع حلول المساء كان قد وقع العقد بإيجار الشقة وأحضر حقيبته من الفندق ، إتفق أيضًا مع أحد المعارض بمعرفة صاحب البقالة على إرسال له بعض الأثاث البسيط فى هذه الشقة ليستريح بعد عناء اليوم فى بيته الجديد البسيط ....
====
بعد أن أنهت هيام جولتها بعملها المسائى عادت إلى المنزل لتجد أسرتها البسيطة مجتمعين بغرفة المعيشة .....
هيام: ما شاء الله دة كلكم متجمعين النهاردة ...
الحاج سعيد: أحلى حاجة فى الدنيا لمتنا الحلوة دى ... ربنا ما يحرمنا منها ...
بنظرة متفرسة بوجه والدها المتعب ...
هيام: آمين يارب ... أُمال مالك يا بابا وشَك تعبان شوية ...؟؟!
الحاج سعيد: أبدًا يا بنتى أنا كويس أهو ...
هيام بفراسة : إنتَ أخدت الدواء النهاردة ...؟!!
بتهرب من ذكاء إبنته أجابها ...
الحاج سعيد: والله الواحد زهق من الأدوية دى مبتعملش حاجة ...
تأكدت هيام أن ظنها بمحله لتسأل والدها بنظرة عتاب ...
هيام : بابا ... الدواء خَلَص صح ....؟؟!
أجابتها والدتها بحرج بالغ ...
ام هيام : الصراحة يا بنتى خلص من إمبارح بس إنتِ كفاية عليكِ إللى إنتِ فيه طول الوقت ...
بإستياء من تفكيرهم الذى ربما يؤذيهم وقد شعروا بالحرج من الإثقال عليها ...
هيام : إزاى كدة يا ماما ودة ينفع برضه ...!!!! أمال يعنى الفلوس دى لازمتها إيه ... لازم يا بابا متهملش العلاج ... إلا صحتك يا بابا ...
الحاج سعيد: ربنا يبارك فيكِ يا بنتى ... وعموما هانت ... ربنا إن شاء الله حـ يفرجها قريب ...
تعلم جيدًا أن هذه ما هى إلا عبارات للتخفيف عنها لا أكثر لتتسائل بِشك ...
هيام: إزاى يعنى ....؟!!
الحاج سعيد: الأسطى محمود السمسار جايب مستأجر للمخزن حـ يجى يشوفه بكرة ... لو إتفقنا حـ تُفرج من وسع ...
الجميع: يا رب ...
شردت هيام بأفكارها هل يكون هذا مصدر دخل جديد ثابت لهم ، وتقل معاناتها و مسؤوليتها تجاههم ..
وبالأخص هل ستسمح لقلبها أن يطرق أحدهم بابه ، وتعيش مثل باقى الفتيات ويهتم أحدهم لأمرها وتحبه هى من أعماق قلبها كما تأمل لتحدث نفسها بأمل ..
هيام : "ممكن .... ممكن أحب و أتحب ... وأعيش حياتى ... ممكن يكون دة باب أمل جديد ... نفسى أعيش زى أى بنت ... نفسى ...."
قاطع شرودها حديث أختها سميرة ..
سميرة : هيام ما تيجى أوريكى حاجة على الموبايل ...!!
نظرت هيام بفراسة نحو أختها فهى بالتأكيد تريد منها أمر ما ...
هيام : لأ تعالى إنتِ معايا ورينى فى الأوضة عايزة أغَيَّر وأريَّح شوية ...
سميرة: طيب جايه ...
بعدما دلفت هيام وسميرة إلى داخل غرفة هيام بدأت سميرة حديثها بأدب مبالغ فيه شَكت هيام فى أمرها بضحك ...
هيام: بصى سكه الأدب الزيادة عن اللزوم دى فاهماها أنا ... إخلصى وقولى عايزة إيه من الآخر ...
بوجه جديد وقناع مؤثر للغاية إستكانت سميرة مُخفضه صوتها بشكل مبالغ فيه لم تصدقه هيام ....
سميرة : بصى بقى أنا عايزة شنطتك السوداء ... شنطتى إيدها إنقطعت النهاردة ولسه بدرى عقبال ما أقبض ... و أوعدك أول ما أقبض حـ أشترى واحدة وأرجعهالك ...
رغم كرهها للإقتراض هذا إلا أنها أشفقت بالفعل على أختها فهى لا تملك سوى تلك الحقيبة التى قُطعت ...
هيام: ماشى بس خدى بالك منها بقى عشان متتقطعش هى كمان ...
سميرة بفرحة : متخافيش والله ....
مدت سميره يدها بخزانة هيام وأخذت منها الحقيبة السوداء لتذهب بها إلى غرفتها ....
رواية لحظات منسيه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
ضيق نفس وتوتر وغضب يجتاح نفسها بلا مبرر وبلا سبب أيضًا. كل ما تشعر به أنها لا تتحمل وجودها ووجودهم معها. لا تنتهي من الطعام مطلقًا، تشعر بالنفور والضيق وتنفعل من أبسط الأمور لتصبح على النقيض تمامًا من طبيعتها النقية التلقائية الاجتماعية.
بتجهم تام جلست نورا صامتة بشكل مثير للانتباه حول مائدة الطعام التي تجمعها بياسر الذي تساءل بتعجب.
ياسر: مالك يا نورا؟ انتِ من الصبح مأكلتيش حاجة؟
نورا: مصدعة وحاسة ماليش نفس خالص.
أردف بمحبة وقلق على ضعفها الذي بدأ يظهر عليها لشحوبها وعدم اتزانها كما حدث بالصباح.
ياسر: انتِ عايزة تتعبى زي الصبح ولا إيه؟
أجابته بإنفعال وحدة برد فعل دخيل عليها مغاير لطبيعتها الودودة.
نورا: ولا عايزة أتعب ولا حاجة، ماليش نفس وخلاص.
ردها العصبي بدون سبب أثار حنقه فما هو إلا مهتم بصحتها لا أكثر ليجيبها بحدة مماثلة.
ياسر: طب أنا قولت إيه يعصبك كده؟ الله!
أفاقت لنفسها بأنها على غير طبيعتها لتردف معتذرة عن حدتها الغير مبررة.
نورا: معلش يا ياسر. الظاهر أعصابي تعبانة من ساعة الصبح شوية معلش.
تراخت ملامحه المشدودة ليردف بحنو.
ياسر: اهدى يا نورا. أنا عمري ماشوفتك متعصبة من حد ولا بتضايقي كده من حد.
نورا: حاضر. ههدى شوية. أنا داخلة أنام.
تعجب ياسر من رد فعل نورا منذ ما حدث بينها وبين والدته بالأمس دون سبب لذلك، فهل ما حدث سبب لها كل هذا الضيق الظاهر على ملامحها.
***
في صباح اليوم التالي.
بآلية معتادة ليومها الذي تحفظه عن ظهر قلب، فهي تقوم بنفس الروتين وتسير بنفس الطريق حتى أنها تجزم أنها ترى نفس الوجوه كل يوم.
وصلت هيام إلى المدرسة لتلاحظ تلك السيارة المصفوفة أمام سور المدرسة. لم تُلفت تلك السيارة الفضية نظرها بل ما استرعى انتباهها هو ذلك الشاب الذي يقف أمامها مستندًا على مقدمتها بشكل درامي كما لو كان يمثل مشهدًا من فيلم سينمائي.
دارت ببصارتها نحو هذا الشاب ذي الملامح المكسيكية والشعر الأسود الطويل المتناثر وعيونه اللامعة الغامضة. أخذت تتذكر وهي تضيق بين حاجبيها بقوة.
هيام: أنا حاسة إني شفت الشاب ده قبل كده، بس مش فاكرة فين. ملامحه مش غريبة عليا خالص.
طبعها الغير مهتم وجديتها التي اعتادت على اقتسام حياتها معها جعلها تنفض أفكارها بثقل متوجهة نحو المدرسة لسماعها بداية طابور الصباح.
لحظة توقفت بها رشقت نظرتها الخفيفة بقلبه بسهمها الفتاك لتتصاعد ضربات قلبه بعنف، لكنها كانت مجرد لحظة وأسرعت نحو داخل المدرسة. ثوانٍ قليلة رسمت ابتسامة سعادة فوق شفتيه قائلاً.
كرم: قمر يا شربات. أروح أنا ألف شوية وأرجع لها في معاد نهاية اليوم يمكن تحن عليا وتكلمني.
استقل كرم سيارته المستأجرة يتجول بها بالطرقات حتى يحين وقت الانصراف ويستطيع رؤيتها والتحدث معها.
***
المعمل.
فاقد الشيء يبحث عنه، تظهر أمامه تلك الأشياء التي يفتقدها بوضوح شديد كما لو كان الأمر يتسلط على الناقص فقط.
هكذا وقعت عينا سميرة على حقيبة عبير الجديدة فقد لفتت انتباهها بوضوح فهي بالفعل تحتاج واحدة بأسرع وقت بعد تمزق خاصتها واقتراض حقيبة هيام.
سميرة: حلوة قوي شنطتك دي يا عبير.
عبير: ومش حتصديقي بكم؟ دي تقريبًا بنص السعر.
فرصة حسم ستوفر لها الكثير لتردف باهتمام.
سميرة: بجد؟ جبتيها منين؟
عبير: محل فاتح جديد بس إيه كل حاجة فيه بنص السعر. حأبقى أوصفهالك.
بحماس شديد تفكرت سميرة بشراء حقيبة مثل تلك وتوفير بعض المال أيضًا لتردف بتخطيط.
سميرة: أيوه. أول ما نقبض حأخذ عنوانه بالتفصيل وأروح أجيب أنا وهيام.
عبير: يا سلام بس كده. عنيا. نقبض بس.
صدح رنين هاتف عبير الذي التقطته على الفور مجيبة اتصال والدتها وبعد حديث لم يطل أكثر من بضع دقائق وضعت هاتفها إلى جوارها فوق سطح المكتب دون إنهاء المكالمة كالعادة لتهتف بها سميرة بتهكم مازح.
سميرة: إنتِ يا حاجة! اقفلي ياما السكة. زمانك مغرمة الست الوالدة مكالمات هي كمان.
انتبهت عبير لأن المكالمة ما زالت مفتوحة لتضغط زر الإغلاق وهي تضحك بشدة.
عبير: والله بنساه يا سميرة. مش بيجي على بالي خالص.
انتفضت عبير بابتسامة وترقب لتقطع حديثها مع سميرة حين استمعت لوقع خطوات تحفظها جيدًا تلاها صوته المألوف على مسامعها، إنه أحمد عشق الروح.
تسمرت عيناها بتلهف وهي تناظر باب المكتب حين دلف إلى الداخل يستكمل مكالمته الهاتفية.
أحمد: أكيد طبعًا. من عنيا حاضر. أمال إيه. حد يقول للمصلحة لأ. أكيد طبعًا. مع السلامة.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فتلك العيون العاشقة المملوءة بالشوق والتلهف لم تنل من أحمد حتى الانتباه. فحين دلف وقعت عيناه على جميلته التي سلبت قلبه سميرة التي جلست خلف مكتبها لا تكترث بمن ذهب ومن أتى، فكل منهم في حال وفكر مختلف. فقط لو يعلمون.
ابتسم أحمد يخص بها سميرة دون الانتباه لعبير بالمرة.
أحمد: صباح الخير. منورانا النهارده يا سميرة.
أجابته برسمية للغاية.
سميرة: شكرًا.
التف نحو عبير قائلاً بما يمليه عليه الواجب الاجتماعي.
أحمد: صباح الخير يا عبير.
عبير: صباح النور.
لم تطُل سميرة بأفكارها لتحاول البحث عن أي عمل أو تقارير تستطيع بها الدخول لمكتب أمير.
سميرة: عبير. بقولك إيه. مفيش عينات في المعمل النهارده؟
عبير: مفيش غير التقرير ده. خدي راجعيه قبل ما ندخله لباشمهندس أمير.
بحماس بالغ سحبت سميرة الملف من بين يد عبير تطالعه بتتمعن بذات الوقت التي لم يشيح به أحمد عيناه عنها.
بمهارة هتفت سميرة تنبه عبير عن خطأ ما.
سميرة: على فكرة فيه غلط في الكمية دي.
هب أحمد بعجالة يتلقى تلك الفرصة للتقرب منها والحديث معها ليقف قبالة مكتب سميرة قائلاً.
أحمد: وريني كده. أه فعلاً. كويس إنك أخدتي بالك قبل ما باشمهندس أمير ياخد باله.
مجرد سماعها لاسمه أطلقت بسمة خفيفة حين تذكرت أيضًا لقائهم الأخير ومحاولته إخفاء ضحكته التي أثارتها.
أردفت عبير بتخوف.
عبير: هات كده يا أحمد أعدله بدل ما نتبهدل كلنا.
وانهمكت عبير بتصحيح الكميات الخاطئة تجنبًا لثورة هذا الأمير.
***
هيام.
بعد انتهاء اليوم الدراسي خرجت من البوابة الرئيسية لتجد هذا الشاب ما زال واقفًا بنفس موضعه وبنفس الهيئة لتتساءل مرة أخرى بداخلها تحاول تذكر أين قابلته من قبل.
لكن حين وجدت نفسها منشغلة بالأمر وهذا شيء لا تستحسنه مطلقًا رفعت هامتها ثم تجاهلت الأمر برمته، فعقلها هو المسيطر على كل تصرفاتها وهذا أمر ليس بالأهمية للإنشغال به. اتخذت طريقها نحو عملها الإضافي دون تخاذل وتفكير بأشياء لن تنفعها.
***
انتهى اليوم كغيره ليلوح بالأفق نهار جديد.
استيقظ ياسر بالصباح ليساعد نورا في تحضير الإفطار وتحسين حالتها النفسية قليلاً. وجدها تقف بالمطبخ شاحبة اللون تحيط بعينيها هالة خفيفة من السواد وتبدو مرهقة للغاية، لينتابه القلق على حالتها الصحية التي لا تطمئن على الإطلاق.
ياسر: صباح الخير يا حبيبتي.
نورا: صباح الخير.
ياسر: انتِ كويسة؟
أومأت نورا بالإيجاب بوجه جامد ليس ضحوكًا كعادتها.
نورا: أه بس قلقت شوية ومعرفتش أنام كويس.
ياسر: انتِ شكلك مش مظبوط خالص.
أثارت كلماته عصبيتها مرة أخرى لتجيبه بحدة كما لو كانت تنتهز الفرصة لبدء شجار جديد.
نورا: ما قلت لك كويسة.
دفع ياسر يديه بغضب من طريقة نورا المثيرة للمشاكل بوجه غاضب وأعصاب منفلتة.
ياسر: لا بقى. دي مش طريقة. كل شوية تتعصبي من غير لازمة.
تداركت نورا خطأها لتهم بالاعتذار على الفور خجلها من تصرفاتها الغير محسوبة مؤخرًا.
نورا: أسفة يا ياسر.
لم تستطع نورا تحمل ألم معدتها مرة أخرى لتسرع نحو المرحاض لتتقيأ. لكن قبل أن يسألها ياسر عما حدث وقعت نورا مغشيًا عليها.
حاول ياسر إفاقتها وقد انتابه قلق شديد ليُصر عليها حين أفاقت قائلاً.
ياسر: لا يا نورا لازم نكشف. انتِ تعبانة قوي.
برضوخ لرأيه حركت رأسها بإعياء مردفة بصوت متحشرج يكاد يخرج من حنجرتها.
نورا: ماشي.
***
اصطحب ياسر زوجته للطبيب الذي وقع الكشف عليها ليعود لمقعده قائلاً بعملية وهو يشير لنورا بمشاركتهم.
الدكتور: اتفضلي يا مدام.
سأله ياسر بقلق.
ياسر: خير يا دكتور؟
الدكتور: مفيش أي حاجة. يمكن المدام بتحب تتدلع علينا شوية ولا حاجة.
نظر ياسر نحو نورا الشاحبة ثم أعاد بصره للطبيب بتعجب.
ياسر: بتدلع. إزاي يعني؟ دي دايمًا معدتها مقلوبة ومش قابلة الأكل خالص. دي غير إنه أغمى عليها النهارده.
دون الطبيب بعض الملاحظات والأدوية بدفتره قائلاً.
الدكتور: عمومًا هي تاخد بالها من الغذا بتاعها كويس وممكن تكون أكلت حاجة مش كويسة ومعدتها متقبلتهاش. ده مطهر معوي وإن شاء الله حتبقى تمام.
ياسر: شكرًا يا دكتور بعد إذنك.
انصرف ياسر ونورا من عيادة الطبيب مصطحبًا إياها لقضاء بعض الوقت خارج المنزل لتخفيف التوتر الذي لا يدرك سببه بالآونة الأخيرة.
***
المعمل.
بعد انصراف جميع العاملين بالمكتب في موعد انصرافهم المحدد، وجدها أمير فرصة سانحة للقيام بالتجربة على مشروعه القائم عليه بدون مقاطعة أو انشغال كما يفعل كل مساء.
خرج من مكتبه نحو المعمل الكبير محضرًا بعض الأدوات والمركبات التي سوف يستخدمها على الطاولة الخشبية العالية. وقضى وقت طويل في التحضير لهذه التجربة التي يأمل أن تنجح هذه المرة وينال مراده منها.
ارتدى معطفه الأبيض ونظارة الحماية قبل بدأ التجربة حين بدأ بوضع المواد الكيميائية يحضر بها التركيب الذي قد توصل إليه على قطعة من الجلد وقطعة من القماش ليبدأ بالتجربة التي يتمنى بالفعل نجاحها هذه المرة بعد ثلاث سنوات من التجارب.
بعد أن حضر كل شيء جهز شعلة من النار ليبدأ بحرق قطعة الجلد والقماش ليرى نتيجة تأثير هذه المادة الجديدة.
***
سميرة.
بعد انصرافها من المعمل تذكرت أنها قد نسيت هاتفها هناك بعدما تأكدت أنها لم تضعه بحقيبتها لتعود مرة أخرى بطريقها إليه لتأتي به.
أسرعت الخطى خوفًا من أن يكون عم فتحي الساعي قد أغلق باب المعمل وانصرف هو أيضًا.
لم تكن قد ابتعدت كثيرًا فوصلت بسرعة إلى البناية صاعدة نحو الأعلى بخفة وسرعة.
تنفست الصعداء حين وجدت باب المعمل ما زال مفتوحًا ورأت عم فتحي ينظف المكاتب والمعمل قبل مغادرته.
أردفت سميرة بأنفاس متهدجة لخطواتها السريعة.
سميرة: معلش يا عم فتحي حأدخل أجيب تليفوني أحسن نسيته جوه. ده ربنا بيحبني إنك لسه مروحتش.
عم فتحي: معلش يا بنتي ادخلي شوفيه.
اقتربت سميرة من باب المعمل لتتسع عيناها بتخوف حين رأت من خلف الزجاج الضبابي للمعمل خيال نار تشتعل بالداخل وتوقعت انفجار للمواد الكيميائية بالداخل.
تلفتت حولها بهلع وهي تحث نفسها على التصرف على الفور فلن تنتظر أن ينفجر المكان بأسره.
بدون تفكير أسرعت سميرة بإلقاء حقيبتها ساحبة إحدى طفايات الحريق المعلقة بالممر متوجهة بجرأة مباشرة إلى المعمل وهي تدفع بمقدمة خرطوم المطفأة محاولة منها لإطفاء الحريق المزعوم.
بلحظات تغطي كامل أسطح المعمل بتلك المادة البيضاء التي انبعثت من مطفأة الحريق خاصة حين تحركت بها بكل أرجاء المعمل تمنع تلك الكارثة من الوقوع.
***
أمير.
انكب أمير على تجربته بوضع الشعلة فوق الجلد تارة والقماش تارة وارتفع لهيب النار وجلس يلاحظ النتيجة بترقب.
تفاجأ بأحدهم يفتح مطفأة الحريق فجأة في وجهه حتى تغطى بالكامل من البودرة البيضاء وأفسد تجربته تمامًا، تلك التجربة التي أخذ يحضر لها منذ وقت طويل.
أخذ يصك أسنانه بغيظ وغضب من هذا التصرف الأهوج الذي لا يدرك من صاحبه حتى الآن من انعدام الرؤية إثر هذا الضباب الكثيف الذي ملأ المعمل بأكمله.
أمير صارخًا بغضب: إيه ده!
اتسعت عينا سميرة بصدمة لم تتوقعها فقد ظنت أن المعمل يحترق ولم يتراود إلى ذهنها مطلقًا أن هناك شخص ما بالمعمل لتردف بدهشة وبلاهة أيضًا.
سميرة: مين هنا؟
زاد غيظ أمير وقد بدأت الرؤية تتضح شيئًا فشيئًا ليردف بنبرة ممزوجة بين الغضب والسخرية بذات الوقت.
امير: مين هنا؟ مش تشوفي الأول قبل ما تعملي مصايبك السوداء دي على طول!
أيقنت سميرة أنه أمير من صوته الغاضب، لكنها لم تستطع أن تكتم ضحكتها على مظهره فقد تراكمت البودرة البيضاء بكثافة على شعره ووجهه ذي نظارة الحماية وغطت جسده كله حتى حذائه لتجيب بقهقهات عالية وسط حديثها.
سميره: آآآسفة. والله. ماكنتش أعرف إنك هنا. افتكرت المعمل بيولع.
ببعض التحسر والغيظ من تلك المخلوقة الضاحكة المتسرعة.
امير: بيولع! ده أنا اللي حـ ولع منك يا شيخة!
أكملت دون توقف عن الضحك.
سميرة: والله ما أخدت بالي. متوقعتش خالص إنك تكون لسه موجود في المعمل أصلاً.
لم يستطع تحمل كل هذا الضحك ليردف بعصبية.
أمير: ممكن أفهم بتضحكي على إيه؟ بلاش تعصبيني أكتر ما أنا!
سميرة: أصل منظرك بصراحة. يهلك من الضحك. أسفة بجد.
بقلة صبر سألها أمير عن وجودها بالمعمل بهذا الوقت.
امير: اللهم طولك يا روح. انتِ إيه اللي جايبك دلوقتي؟
سميرة: نسيت التليفون بتاعي ورجعت أخده.
امير: طيب اتفضلي خديه وامشي مع السلامة يلا.
أخذ أمير ينظف شعره ووجهه وينفض البودرة عن يديه وملابسه حين سألته سميرة بفضولها الذي لا ينتهي من حياتها.
سميرة: هو إنتَ بتعمل إيه في المعمل؟
حدجها إليها أمير بغضب فهي السبب في فشل تجربته هذه المرة وسوف يستغرق وقتا لحين تجهيز التجربة مرة أخرى.
أمير بغيظ: إنتِ مالك. متدخليش في إللي ملكيش فيه. الله يسامحك بوظتيلي كل حاجة.
سميرة بتحدي زائف مغلف ببعض الضحك.
سميرة: الله. مش أكل عيشي يا بيه وبحافظ عليه. افرض مثلا المعمل ولع. أشتغل فين أنا بقى؟
امير: بقولك إيه أنا مش رايقلك.
رفعت سميرة هامتها بجدية قائلة.
سميرة: طيب أنا مستعدة أساعدك. أنا شاطرة على فكرة وبحب الشغل قوي.
أمير بقله صبر: اللهم طولك يا روح. يا ستي ابعدي عني.
بتشبث وإصرار على إقحام نفسها فيما يفعله.
سميرة: لا اااااا. غلطتي وحـ أصلحها. قولي بس أعمل إيه وأنا حـ أعمله.
ارتدت سميرة معطفها الأبيض الخاص بها دون إذن منه ثم اقتربت من الأدوات التي وضعها أمير لتنظف الطاولة من البودرة البيضاء لبدء تجربته مرة أخرى.
لا يدري أمير لماذا لم يرفض تدخلها ربما لأنه يريد إنهاء هذه التجربة اليوم كما أمل.
بدأ يخلط نفس المادة مرة أخرى بينما جهزت سميرة شعلة النار وقطعة من الجلد والقماش كما طلب منها أمير باقتضاب.
سميرة بفضول: إيه المادة دي؟
امير باقتضاب: تركيبة عاملها.
سميرة: مخترعها يعني؟
امير: أيوه.
بانبهار شديد من قدرة هذا الشاب صغير السن على ابتكار شيء جديد.
سميرة: بجد. واو. مكنتش أعرف إنك مجنون كيمياء زيي. بس أنا موصلتش لأي حاجة خالص. بس شاطرة في المواد المعروفة.
نظر إليها أمير لوهلة ثم أعاد بصره مرة أخرى لما يقوم به.
بمزاحها اللطيف من تلك النظرة العابرة دون تعقيب منه.
سميرة: إيه يا باشمهندس من تواضع لله رفعه. هو عشان ما حتبقى مخترع حاجة. تقوم متردش علينا كده.
ابتسم أمير ابتسامة جانبية أخفاها بسرعة ليرتدي قناع التجهم مرة أخرى.
أمير موضحًا: دي مادة بشتغل عليها بقالي ثلاث سنين تمنع الاحتراق. ودي كانت آخر تجربة.
سميرة: حلو قوي. يلا نجربها سوا. لو سمحت.
أمسك أمير بالشعلة بعدما وضع المادة وبالفعل حاوطت النيران القطعة الجلدية وقطعة القماش لكنها لم تحترق.
زاد انبهار سميرة من هذه المادة التي ستفيد في أشياء كثيرة إذا تم التعامل بها.
سميرة بإعجاب: عبقررري. تحفة. برافو عليك.
إطراء سميرة أشعره بقيمة ما مر به خلال سنوات. يكفي إحساس الإعجاب بعمل قام به المرء ليشعر بقيمته وينسى تعبه على مر أيام وليالي طويلة.
امير بامتنان: شكرًا.
سميره: مش بجامل والله فكرة عبقرية. لازم تتسجل براءة اختراع.
تناسى أمير إحساسه بالضيق والحدة وعاد لدقائق أثناء حديثه معها لنفسه القديمة الهادئة.
امير: إن شاء الله. أظبط أوراقي وأقدمها للجنة.
سميرة: مبروك مقدمًا.
امير: عطلتك معايا. تقدري تروحي عشان متتأخريش.
تطلعت بفزع تجاه ساعتها قائلة بعجالة.
سميره: أه صح. ده زمانهم في البيت قلقانين قوي دي أول مرة أتأخر كده وكمان ما اتصلتش بيهم أطمنهم. بعد إذنك.
أنهت سميرة جملتها وهي تخلع معطفها الأبيض بسرعة متوجهة إلى الخارج لتعود إلى البيت حتى لا تتأخر أكثر من ذلك.
تراود إلى ذهن أمير مقارنة مفاجئة بين سميرة وميادة كيف أن ميادة كانت دائمة الخروج والسهر وقَلما استأذنت قبل تأخرها فهي لم تفعلها مطلقًا من قبل بينما سميرة الساعة لم تتجاوز السادسة وقلقة من تأخرها بدون علم والديها.
كم هما نقيضان. هكذا فكر أمير قبل أن يلملم أدواته ويحمل حقيبته الجلدية ويترك المعمل متوجهًا نحو منزله.
رواية لحظات منسيه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
وهل من الحب صدقة وشفقة، أم إنه إحساس يغمر القلوب ويفيض بما فيه حتى يغرق من يحب بعشق كموج البحر يغرق بتقلباته وهياجه. فمن منا ينكر غرقاً ببحور العشق.
أمجد
إدمان رؤيته لها بكل صباح كان بمثابة متنفس الهواء الذي يبقيه على قيد الحياة. فمنذ زواج أخته انقطع سبيل الحياة بالنسبة إليه. فهو لم ير معشوقته هيام منذ ذلك الحين. بعدها عنه جعله عكر المزاج يشعر بالضيق طوال الوقت. جلس يزفر بقوة حتى كاد يختنق.
أمجد:
أووووه... إيه الخنقة دي؟
أشوفها إزاي أنا دلوقتي؟
كده كتير... كتير قوي.
أروح لها المدرسة؟
ولا أخلي نورا تعزمها عندها وأقابلها؟
خلاص مش مستحمل إنها تبقى بعيد عني.
ياما نفسي ظروفها تتغير وساعتها مش هسيبها تضيع من إيدي أبداً.
ياسر ونورا
بعد قضاء بقية اليوم بالخارج شعرت نورا بالهدوء والراحة بعض الشيء. فقد كانت في حاجة لتلك الراحة النفسية مع زوجها وحبيبها ياسر.
شعر ياسر بعودة نورا كما كانت من قبل وكأنها في حاجة لهذا الشعور بالراحة والفرحة بصحبته. فهو لم ينس أن أي عروس تتأثر نفسيًا بعدها عن أهلها بعد زفافها. كما قرر إعادة إقناعها بالسفر معه حين تحين الفرصة، لكن ليس الآن حتى تستقر أحوالها النفسية.
إنتصف الليل بسكون هادئ للغاية، خاصة بتلك الشقة الجديدة التي قطن بها كرم ليكون بالقرب من هيام. خلد للنوم مبكرًا للغاية، فهو منذ الصباح الباكر يقف منتظرًا تلك الهادئة (شربات) أمام المدرسة ويشعر بالإرهاق من عناء هذا الانتظار.
استيقظ من نومته المتعمقة يتأكد أن ما رآه كان حلمًا بالتأكيد. حلمًا بطلته الوحيدة هي هيام، لكن هذه المرة ظهرت ملامحها بوضوح ليردف بتأكيد.
كرم:
هي... هي هيام.
نفسي أفهم... إيه معنى الحلم دا؟
وليه هي بالذات بشوفها من قبل ما أعرفها؟
وكأني نزلت مصر مخصوص عشان أشوفها وأعرفها.
استحوذت عليه عقله تمامًا، أسرته بالفعل ليس بسبب ملامحها الجميلة فحسب، لكنه أحبها في أحلامه قبل أن يراها في واقعه. إحساس اعتراه منذ شهور طويلة، يشعر بأن تلك الفتاة هي مخلصته من وحدته. هي أنيس روحه التي ينتظرها منذ طفولته. رؤيته الغامضة لها بالتأكيد لها سبب ما، وسبب قوي للغاية.
كرم:
أنا عايز أقعد أتكلم معاها وأتعرف عليها أكتر.
بكرة هحاول أكلمها.
ضروري... لازم أكلمها.
إنشغال فكره بها وبضرورة لقائها والتحدث معها أبقت كرم ساهرًا طوال الليل حتى لا يفوت تلك اللحظة الهامة في حياته. لقائهم الأول، أو ربما الثاني بعد حفل زفاف ياسر ونورا.
بالصباح أسرع كرم بإنتظار هيام أمام بوابة المدرسة الرئيسية بتلهف، عاقدًا العزم على التحدث معها. بعد قليل أقبلت هيام وقد لاحظت وقوف نفس الشاب بنفس الموضع. إصطنعت عدم الاهتمام وتوجهت نحو البوابة.
حاول كرم الاقتراب من هيام ليتكلم معها، لكن فور اقترابه أسرعت بخطواتها نحو فناء المدرسة ولم يستطع اللحاق بها، كما لو كانت تهرب منه. عاد إلى السيارة يزفر ضيقًا من عدم قدرته على التحدث معها كما خطط وانتظر.
توترت هيام من اقتراب هذا الشاب منها حين لاحظت أنه ينوي التحدث إليها. اضطراب قربه جعلها تشعر بالإرتباك لتفضل الهرب منه ومن نفسها في ذات الوقت. فلأول مرة تشعر بأنها لا تستطيع أن تمر من هذا الامتحان بسهولة. فهي لا تنكر أن بهذا الشاب شيئًا يجذبها نحوه بقوة.
شعرت بقلبها يدق خوفًا ورهبة حين أسرعت بالدخول. توجهت نحو إحدى الفصول المطلة على الشارع الرئيسي لتنظر بهدوء إذا كان هذا الشاب مازال واقفًا أم غادر بعد هروبها بهذه الصورة. لكنها حين رأته مازال يجلس بسيارته أمام سور المدرسة ابتسمت بخفة وتوارت لداخل الفصل لتبدأ عملها بشعور مبتهج لا تدرى سببه حقًا.
المعمل
وصلت سميرة بميعادها المنضبط تمامًا لتجد عبير قد وصلت بالفعل، فهي أقربهن سكنًا للمعلم. بوجه متضايق أردفت عبير.
عبير:
ماما تعبانة قوي يا سميرة.
سميرة:
يا بنتي الكلى دي تعبها صعب، لازم تتابع مع دكتور. إنتي مقصرة معاها بصراحة.
بقلة حيلة أجابتها عبير فقد سأمت من عناد والدتها.
عبير:
مش أنا والله، هي مش راضية أبداً. والله غلبت معاها.
سميرة:
ولو... خليكِ وراها، متسيبيهاش كده. عندك بابا أهو... دايمًا رافض العلاج بتاع القلب وتاعبنا معاه، بس إحنا كلنا وراه دايمًا بنفكره بالدوا.
عبير:
هحاول معاها والله.
وصل أحمد للمعلم للتو وقد بدا واضحًا عليه علامات الإرهاق.
أحمد:
السلام عليكم... عاملين إيه؟
أنهى جملته وقد ارتمى بتعب فوق المقعد لتسأله عبير باهتمام محب.
عبير:
مالك تعبان كده؟ هو إنتَ كل يوم لازم تيجي متأخر؟
أحمد:
أعمل إيه، ما أنا ساكن بعيد قوي وبركب مواصلات كتير على الصبح عشان آجي في ميعادي.
اقترحت عليه عبير بسلامة نية.
عبير:
طيب ما تنقل في شقة قريبة من الشغل؟
أجابها وهو يتطلع نحو سميرة التي لم تشارك معهم بهذا الحوار، لكنه كان يقصدها بالحديث ونظراته العاشقة.
أحمد:
إن شاء الله... لما أكمل نص ديني وأتجوز أبقى آخد شقة قريبة.
أحست عبير بغصة من نظرة أحمد لسميرة غير المنتبهة له، فقد كانت مشغولة بهاتفها طوال الوقت. بدأت عبير تنقل بصرها بين أحمد وسميرة تحاول فهم ما يقصده حقًا، أو ربما تحاول تكذيب ما فهمته من تلك النظرات التي كانت تتمنى أن تكون هي من تخصها.
حاولت لفت انتباه أحمد باهتمامها به وكأنها ترسل له رسالة مضمونها أحبك.
عبير:
فطرت؟ أكيد لأ طبعًا.
تطلع أحمد بتلك اللفافة الخاصة بالشطائر التي سوف تقتسمها عبير وسميرة ليردف بالنفي.
أحمد:
أبدًا... ما أنا لو في دماغكم كنتوا عملتوا حسابي في الفطار معاكم.
عبير:
طب خد الساندوتش ده. إيه رأيكم بكرة نجيب كلنا فطار جماعي؟
انتبهت سميرة لهذه الفكرة وتركت هاتفها واضعه إياه في جيب الجاكيت خاصتها. فقد تبادر إلى ذهنها فكرة جديدة لإخراج أمير من قوقعته ولم تكترث لأمر هذه العيون التي كادت تبتلعها بفرط الشغف والشوق.
سميرة بحماس:
حلوة قوي الفكرة دي.
ابتسم أحمد ليردف بالموافقة.
أحمد:
وأنا كمان موافق. حد بقى يجمع منا الفلوس ويتولى موضوع الفطار ده.
ثم نظر نحو سميرة يود لو أن تتولى هي كل شيء يخصه.
أحمد:
إيه رأيك يا سميرة؟
سميرة:
أنا موافقة. نجمع كام؟
عبير:
عشرة جنيه.
عقصت سميرة فمها بتعجب من دونية هذا المبلغ لتتساءل بضحك.
سميرة:
إيه؟ يعني سندوتشات يعني ولا إيه؟ هنجيب إيه بعشرة جنيه؟ ولا أقولكم... تمام تمام. هو الفول مفيش غيره حبيب الملايين.
عبير:
يا سلام... حلو برضه أي حاجة. فول بقى... بطاطس أي حاجة. روقينا كده.
وقفت سميرة تبسط يدها لهم بحماس.
سميرة:
يلا... هاتوا الفلوس.
بدأت سميرة تجمع المال للإفطار من جميع العاملين بالمعمل لتتجه بعد ذلك لمكتب أمير، فهو المكتب المنشود من هذا الإفطار الجماعي بالنسبة لها.
مكتب أمير
أخذ يحضر أوراق التركيب الذي توصل إليه بعناية ثم شرد بأفكاره فيما حدث أثناء التجربة. تذكر ضحكتها عندما أطلقت مطفأة الحريق عليه. تذكر انبهارها بنتيجة التجربة. تذكر تحديها له منذ وصولها إلى العمل بالمعمل. كل هذه الأفكار جاءت تباعًا بدون وعي منه. ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يراها بكل تلك المواقف بعفويتها وضحكتها المبهجة للنفس.
قطع شرود أفكاره تلك طرقة رقيقة مميزة للغاية. فمن سواها يطرق بهذه الطريقة المميزة. علت لتلك الطرقات دقات قلبه بتلهف لرؤيتها أخفاه بتدارك ليهتف قائلاً.
أمير:
ادخلي.
طلت كالشمس الساطعة من خلف باب المكتب وعلت ابتسامتها الرائعة لتنير الكون من حوله لتصبح هي فقط من تسلطت عليها عيناه حين هتفت بشقاوتها المحببة.
سميرة:
صباح الخير يا باشمهندس.
تظاهر بالانشغال ببعض الأوراق وهو يتنحنح قبل أن يجيب.
أمير:
صباح الخير.
لملمت ابتسامتها وهي تتقدم نحوه مدركة افتعاله للانشغال ثم هتفت بجدية مصطنعة وهي تمد يدها نحوه قائلة.
سميرة:
عاوزة عشرة جنيه.
رفع بصره فجأة تجاهها قاضبًا حاجبيه باندهاش حقيقي ليهتف باستغراب.
أمير:
إيه؟
هزت رأسها كما لو أن الأمر طبيعيًا وهو غليظ الفهم الذي لا يدرك، لتجيبه بنبرة بطيئة تجزأ بها كلماتها.
سميرة:
عـ...ـشـ...ـرة جـ...ـنـ...ـيه.
أمير:
عشرة جنيه!!! بتاعة إيه؟
أكملت بنفس الجدية كأمر واقع.
سميرة:
بنجمع عشان فطار جماعي. إيدك يا باشمهندس.
حاول الاقتضاب أكثر فأكثر، ينهره عن هذه التجمعات.
أمير:
فطار إيه؟ مفيش الكلام ده هنا. هنا شغل بس.
حركت رأسها بتفهم رغم أن عقص أنفها يدل على غير ذلك، لتردف بعد أن انتهى من عبارته بتهكم طريف بروح شقية محببة.
سميرة:
آه... قول إنك غلبان ومعاكش فلوس. يا عيني! واللي يشوفك يقول ياما هنا وياما هناك.
مصمصت شفتيها بإشفاق لتتسع عينا أمير باندهاش لرد فعلها على رفضه.
أمير:
إنتي بتقولي إيه؟
لوحت بكفها قائلة.
سميرة:
خلاص... خلاص... فهمت. أنا هدفع لك يا غلبان. ولما يبقى معاك ابقى اديهم لي.
زاغت عيناه بحيرة بين ما أن يثور ويغضب ويوقفها عند حدها وبين قدرتها على خلق تلك الابتسامة فوق شفتيه رغمًا عنه، ليجد نفسه مسلوب الإرادة أمام ضحكتها ومرحها الذي يجذبه رغمًا عنه من ظلامه نحو الضوء المنبعث من حياتها، ليردف بتعجب.
أمير:
إنتي مجنونة رسمي.
سميرة:
متشكرين. بقى هو ده رد الجميل؟ تشكر يا ذوق! خلاص أنا عملت حسابك في الفطار معانا بكرة. متفطرش في البيت بقى. يلا سلام.
كادت سميرة أن تخرج من مكتب أمير حين تحول وجه أمير بالكامل دون تفكير على الإطلاق إلى ابتسامة واسعة أظهرت بياض أسنانه ووسامته لتستمع لأول مرة لقهقهات ضحكته القوية.
وقفت سميرة مندهشة من ضحكته الرائعة لتردف بتفاجؤ.
سميرة:
هالله هالله... ما إحنا بنعرف نضحك أهو زي البني آدمين.
تدارك أمير نفسه وعدل عن ضحكته مسيطرًا مرة أخرى على نفسه، لتجدها سميرة فرصة بفتح هذا الطريق المضيء.
سميرة:
ما خلاص بقى... والله وظهرت على حقيقتك أهو. اضحك اضحك... أقولك حاجة... أنا ماشية. اضحك إنتَ براحتك بقى.
خرجت سميرة من المكتب وأغلقت الباب خلفها بسرعة ثم أسندت ظهرها إلى الباب المغلق من الخارج واضعة كفها فوق صدرها المنفعل بقوة فقد علت ضربات قلبها لتبتسم بفرحة كبيرة لما أنجزته لتعود بعد ذلك إلى مكتبها.
بداخل مكتب أمير
ترك لنفسه عنان ضحكته، فبالفعل هذه الفتاة استطاعت بخفة ظلها إخراج ضحكاته من قلبه في أيام قليلة. دلف أشرف إلى مكتب أمير ليفاجئ بضحكاته السعيدة والتي لم يرها منذ فترة طويلة.
أشرف بابتهاج:
إيه اللي مفرحك قوي كده؟ ما تفرحنا معاك؟
حاول تمالك ضحكته بصعوبة مردفًا بغموض.
أمير:
ولا حاجة.
أشرف:
ولا حاجة؟ إزاي ده؟ ده فيه وفيه.
أمير:
أبدًا... البنت الجديدة دي... بتعمل حاجات دمها خفيف بس.
يفكر لوهلة أردف أشرف.
أشرف:
بنت جديدة مين؟ آه قصدك سميرة.
تذكر أمير سخريتها من اسمها لتزداد ضحكاته.
أمير:
سميرة سعيد.
أشرف بفراسة:
طب والله كويس إنها قدرت تضحكك كده.
سعل أمير سعلة خفيفة متداركًا نفسه ليسيطر على انفعالاته وضحكاته مرة أخرى وكأنها لم تؤثر به على الإطلاق.
هيام
بعد انتهاء اليوم الدراسي وخروجها من البوابة كان كرم مازال يقف بانتظار هيام لمحاولة التحدث معها. لاحظت هيام ذلك لتتوارى بين زحام بقية المعلمات والتلاميذ مستقلة الحافلة بعجالة متهربة من هذا الشاب الذي يبدو أنه يلاحقها.
بخطوات سريعة حاول كرم اللحاق بها لكنه لم يستطع لتمر الحافلة من أمامه ليعود خالي اليدين مرة أخرى.
نورا وياسر
وقفت نورا في المطبخ تحضر بعض الخضروات لتحضير طعام الغذاء حين وقف ياسر بباب المطبخ قائلاً.
ياسر:
حبيبتي... تعالي عايز أتكلم معاكِ.
نورا:
قول قول... أنا سامعاك أهو.
ياسر:
تعالي بس هجيب لك أكل من بره.
قفزت نورا بسعادة طفولية.
نورا بفرحة:
يا سلام... هو ده الكلام.
تعجب ياسر ممازحًا إياها.
ياسر:
على أساس إنك طبختي الأيام اللي فاتت يعني.
نورا:
الله... مش عروسة.
ياسر:
وأحلى عروسة والله. تعالي بقى.
خرجت نورا من المطبخ ليجلسوا بغرفة الاستقبال سويًا فيبدو أن ياسر يود الحديث معها بشيء هام.
ياسر:
حبيبتي... فكرتي في موضوع السفر. أنا قدامي شهر ونص بالكتير وأجازة السمستر تخلص ولازم أرجع.
نورا بملل:
تاني يا ياسر... إنتَ مبتزهقش؟
ياسر بفراغ صبر:
مبزهقش. نورا أنا عايز مراتي معايا. هتقعدي هنا ليه ومع مين؟
نورا بلامبالاة:
أهلي كلهم حواليا.
بضيق بالغ استطرد ياسر بنبرة معاتبة حزينة.
ياسر:
وأنا خلاص مش أهلك دلوقتي؟ أنا قلت بعد الجواز هغيري رأيك وتيجي معايا.
ثارت نورا بعصبية فلم تعد تتحمل ضغط ياسر المستمر للسفر معه.
نورا:
مش عايزة يا أخي. مبحبش السفر هو بالعافية.
فاجئها ياسر بما فعله دون أن تدري ربما تتعقل وتسافر معه حين ترى تمسكه بها.
ياسر:
نورا!!! أنا أصلاً مخلص ورقك من قبل ما آجي. فكري كويس لأن الموضوع ده هيأثر فينا قوي.
توسطت خصرها بكفيها وقد ازدادت انفعالًا وارتفع صوتها بحدة لم يتوقعها ياسر على الإطلاق.
نورا:
كمان؟ مخلص الورق من ورايا. ده إنت مرتبها بقى؟
تغيرت تمامًا عما كان يظنها عليه، فهي كانت طيبة مسالمة بشوشة الوجه. لمَ تبدلت بتلك الصورة الفظة المتبجحة.
ياسر:
دي مش طريقة كلام. الظاهر إني كنت فاهمك غلط. كنت فاكر إنك طيبة والعيبة متطلعش منك. عمرك ما اتكلمتي بعصبية كده. فيه إيه؟ اتغيرتي كده ليه؟ ولا إنتي كده أصلاً؟
بدأ صوتها يعلو كثيرًا دون وعي منها.
نورا:
أيوة أيوة... زعق واتعصب عشان يبقى إنتَ معاك الحق. وأي حد تاني يتكلم يتخرس.
ياسر صارخًا بعصبية:
نورااااا!!!
انساقت نورا بغضبها الأعمى دون إدراك لما تتفوه به.
نورا:
بطل بقى واعمل راجل على حد تاني.
خط أحمر تجاوزته بإهانته ليشتعل الغضب به مردفًا بصوت جهوري لم ينفعل به من قبل.
ياسر:
قصدك إن أنا مش راجل؟
نورا:
كل واحد عارف نفسه.
قبض ياسر يده بعصبية خشية من أن يمد يده عليها بلحظة غضب وخرج منفعلًا من الشقة إلى خارج البيت.
شقة والد ياسر
سمعت والدة ياسر التي كانت تجلس مع أختها واضحة صوت مشاجرة بين ياسر ونورا، فقامت والدة ياسر باندفاع نحو باب شقتها لتستمع بوضوح أكثر لما يقال.
بينما غمرت الفرحة واضحة لبداية المشاكل بينهما كما أرادت تمامًا.
لم تمر سوى دقائق بسيطة حتى رأت والدها ينزل درجات السلم بسرعة مارًا بها غاضبًا.
أم ياسر بتساؤل:
مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟
تركها ياسر متوجهًا نحو الأسفل إلى خارج البيت بأكمله دون النطق بكلمة.
أم ياسر:
ياسر... يااااسر... خد بس تعالى.
استدارت والدة ياسر نحو أختها بحزن.
أم ياسر:
شفتي يا واضحة... أهي مكملتش أسبوع وطفشته من البيت. يرضي مين ده بس؟
باستصطيادها في الماء العكر فتلك فرصتها.
واضحة:
ولا تزعلي نفسك يا أختي... أدي أخرتها لما تناسبى الأغراب! متعرفيش عنهم حاجة. إنما اللي من لحمك ودمك عمرهم ما يضروكي أبداً.
أم ياسر:
عندك حق والله... إحنا اللي خسرنا حسناء والله لما راح جاب لنا واحدة ولا نعرف عنها حاجة.
نورا...
أفاقت نورا بصدمة مما صدر منها وكأنها كانت مغيبة، لا تدرك ماذا تفعل وماذا تقول. وضعت يدها على فمها بصدمة وأحست بجسامة ما فعلت. أسرعت تلحق بياسر تراضيه وتتأسف له عما قالته وفعلته.
ظنت أنه عند والدته فدلفت إلى الداخل فقد كان باب الشقة مازال مفتوحًا، لتستمع بالصدفة لحديث والدة ياسر وخالتها عنها. وقفت تناظرهم بصدمة.
نورا:
أنا يا طنط! أنا... ده أنا بحبكم كلكم والله!
أم ياسر:
إنتي؟ منك لله. أديكِ طفشتيه ومعداش أسبوع على جوازكم. غوري أنا مش طايقة أبص في وشك.
حاولت نورا أن تتنفس بانتظام لكنها لم تقدر وسيطرت عليها حالة هستيرية غريبة. فأخذت تبكي بشهقات عالية كما لو أن روحها تقتلع منها مع صوت صرخاتها وصياحها الغريب عنها مما أخاف جميع من في المنزل عليها.
تجمع والد ياسر وإخوانه حولها محاولين تهدئتها بدون جدوى. اتصل أخيه بياسر.
علي:
ياسر... ألحق بسرعة... مراتك تعبانة قوي.
ياسر بلهفة:
إيه اللي حصل؟
علي:
مش عارف... عمالة تصرخ جامد وبترتعش جامد قوي.
رغم غضبه منها إلا أنه تناسى ذلك تمامًا عندما علم بما أصابها.
ياسر:
طيب أنا جاي على طول. أنا لسه قريب من البيت.
هرع ياسر عائدًا للبيت فيما ظلت نورا على هذا الحال ما يقرب من النصف ساعة ازدادت على ذلك تشنجها بعصبية بصورة ملحوظة.
حضر ياسر سريعًا ليجد نورا ملقاة على الأرض وهي في حالة هستيرية عصبية لم يراها من قبل. حاول تهدئتها لكنه لم يستطع حتى فقدت الوعي تمامًا.
أحضر والد ياسر الطبيب الذي تعجب من حالة نورا، فقد شخص الحالة بأنه لا شيء عضوي مسبب ذلك. وطلب منهم ألا يزعجها أحد فربما كان توترًا نفسيًا أو شيئًا من هذا القبيل.
حملها ياسر نحو غرفتهما وظل مرافقًا لها غير مصدق لما حدث، ولا يعلم سبب هذه الحالة الغريبة التي تصيبها وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
حين أفاقت نورا شعرت برغبة في أن تتقيأ مرة أخرى وركضت بسرعة نحو المرحاض لتفرغ محتوى معدتها كاملاً. عادت إلى فراشها مرة أخرى لتنام نوم عميق. حدث كل هذا أمام ناظري ياسر.
جلس إلى جوارها حزينًا على حالتها وحالته، وقد ظن أن كل هذا سببه إجباره لها على السفر معه ليؤنب نفسه بقوة على إجبارها.
ياسر:
للدرجة دي مش عايزة تسافري. خلاص حبيبتي.. لو ده هيريحك... هسافر أنا لوحدي. بس قومي إنتِ بالسلامة وأنا مش هضغط عليكِ تاني.
رواية لحظات منسيه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
صباح يوم مشرق جديد بدأ به البعض بالعمل والإلتزام بما يتطلب منه، وصل أحمد إلى المعمل متأخرًا كعادته لكنه مع ذلك لم يجد سوى عبير فقط هي من تجلس بداخل المكتب الخاص بهم.
تعجب لعدم رؤيته لسميرة فهي لم تتأخر يومًا عن موعدها ولم تتغيب أيضًا منذ بدأ عملها بالمعمل، ألقى أحمد تحية الصباح مضطرًا على عبير.
أحمد: صباح الخير يا عبير.
عبير: صباح الخير.
تلفت أحمد حوله ناظرًا نحو الممر المؤدي إلى المعمل تارة وإلى مدخل المكتب تارة ثم استطرد متسائلاً.
أحمد: غريبة... هي سميرة مجتش النهاردة ولا إيه؟
عبير: لأ... لسه مجتش.
أحمد: مش عادتها يعني... دي كل يوم بتوصل قبلي.
تطلعت به لوهلة بأنفاس متصاعدة ثم هتفت بحدةٍ غُلفت بنبرة منفعلة.
عبير: هي إيه الحكاية بالضبط؟! عادي يعني ممكن تتأخر ممكن تغيب.. إيه المشكلة!!!!!!
أحمد: طب مش تسألي عليها يمكن تعبانة ولا حاجة؟
عبير: هي لحقت!!!! دي يا دوب مكملتش ربع ساعة تأخير.. إنتَ فيك إيه بالضبط؟
جلس أحمد على سطح المكتب بهدوء ناظرًا نحو السقف وكأنه يرى شيئًا بخياله، ثم ابتسم بهيام وحالمية مستطردًا.
أحمد: عجبا ني أوي يا عبير.. مش عارف من ساعة ما شفتها من يوم ما جت لما كان الباشمهندس أمير حي طردها وهي داخلة دماغي أوي.. ما تكلميهالي ينوبك ثواب.
برودة قوية اجتاحت أوصالها فيما ثارت الدماء برأسها ليحتقن وجهها الأبيض بحمرة مشتعلة، كيف لا يشعر بها، كيف يطلب منها أن تتوسط للتقريب بينهما، ضاق صدرها بألم لكنها حاولت أن تظهر بطبيعية متحكمة بمشاعرها حتى لا تنفجر باكية مصرحة له بما يكنه له قلبها وتعترف له بحبها منذ بداية معرفتها به، ابتلعت ريقها المتحجر ثم أردفت بنبرة مهتزة رغم التماسك الذي تحاول الظهور به.
عبير: أكلمها.. أكلمها في إيه؟
أحمد: قولي لها إني معجب بيها.. وعايز أتقدم لها.
في نفسها: "يا ريتك ما نطقت.. يا ريتك ما اتكلمت.. أنا!!!!! أنا اللي أروح أقولها إنك بتحبها؟!! للدرجة دي مش حاسس بيا.. ولا باللي في قلبي..."
بنبرة محتقنة للغاية أجابته بعد لحظات من الدهشة.
عبير: طب.. ما.. تكلمها إنتَ.. أنا مالي؟
أحمد: إنتِ صاحبتها.. وتقدري تعرفي حقيقة مشاعرها ناحيتي.
صمتت عبير لبعض الوقت فبما تجيبه الآن؟ كيف تهرب من طلبه الجارح لقلبها، كيف تطلب من صديقتها الارتباط بمن يعشقه قلبها.
قطع صمتها صوت أمير عابرًا بينهم يلقي التحية بهدوء قبل أن يتوجه إلى مكتبه مباشرة دون الالتفات لهم.
مجئ أمير بهذه اللحظة كان بمثابة طوق النجاة لعبير للتظاهر بالارتباك لمروره، لتجلس خلف مكتبها في صمت تدعي الانشغال بقراءة بعض الأوراق تخفي بها دموعها التي حالت في سواد عينيها.
شعر أحمد بالارتباك من دخول أمير المفاجئ وجلس خلف مكتبه يدعو في سره ألا يكون قد سمع حواره مع عبير فهو غير مستعد بأي صورة لعصبيته ولومه على أتفه الأسباب.
مكتب أمير.
بحركة عصبية وتوتر بالغ أخذ يتحرك بخطوات عشوائية كالأسد الثائر، تهدج صدره بقوة وازداد انفعالاً وقد علا وجهه تعبيرات غاضبة ممزوجة بحيرة.
أمير: هو إيه اللي معجب بيها ده.. فاكر نفسه فين كده.. فاتحينها كازينو؟
ليعود ليلوم نفسه على ضيقته بدون داعي.
"طب وأنا مالي متضايق ليه ما يغوروا هم الاتنين.. بس أنا متضايق إنهم بيعملوا كده في المعمل.."
"يووه.. ما هم أحرار.. مش عارف!!!!"
زحام أفكاره حال بين سماعه طرقات أشرف قبل أن يدلف للداخل والذي فاجئه بصوته الخشن.
أشرف: صباح الخير يا أمير.
التزم أمير الصمت لكن ملامحه المقتضبة قالت الكثير ليسأله أشرف بقلق.
أشرف: مالك متضايق أوي ليه كده؟
بضيق وانفعال أشار أمير تجاه الباب قائلاً من بين أسنانه بغيظ.
أمير: شفت البهوات اللي بره فاتحينها كازينو وإحنا نايمين على ودانا.
أشرف: بهوات؟! بهوات مين؟ قصدك إيه؟
تهدج صدره بقوة وهو يوضح بغرابة.
أمير: الأستاذ أحمد قال إيه معجب بالبنت الجديدة دي؟
لم يكن هذا سببًا يدفع أمير للانفعال بهذه الدرجة برأي أشرف، لكن بحنكته وخبرته الطويلة ومعرفته الجيدة بأمير فعلى ما يبدو أن بداخل أمر ما مختلف تمامًا عما يظهره بعيدًا عن كون الأمر يخص العمل والنظام ليردف بمكر.
أشرف: وإنت إيه اللي يضايقك من كده؟
أمير بعصبية: هو إنت معايا ولا معاهم؟ المسخرة دي مش هنا في المكتب.
أشرف ببرود: ما يمكن عجبته وعايز يتقدم لها.
بهت أمير ناظرًا بحدة نحو أشرف، ثم ابتلع ريقه بصعوبة وخرجت الكلمات من حلقه بألم، أيمكن هذا بالفعل، بصوت خافت مهتز عقب أمير.
أمير: قصدك.. إنهم يتجوزوا يعني؟
أكمل أشرف بضغط يود إخراج ما بداخل أمير والذي يتهرب من التصريح به.
أشرف: ممكن.. ليه لأ.
جلس أمير بهدوء فوق المقعد المجاور له بصمت وظهرت ملامح الألم على وجهه، تلك التعبيرات التي لم تخفِ على أشرف الذي سعد لمجرد خروج صديقه من قوقعته المغلقة بعد انفصاله عن خطيبته السابقة، أدرك أشرف بفراسة أن أمير يكن بعض الشعور الدفين لهذه الفتاة حتى لو لم يشعر هو بذلك، استطرد أشرف باعثًا بعض الأمل في نفس أمير.
أشرف: بس ده لو هي كمان موافقة. ما يمكن كل ده من طرفه هو بس.
رفع أمير عينيه المذهولتان ببريق الحياة مرة أخرى ناظرًا نحو صديقه.
أمير: تفتكر؟
أشرف: ممكن ليه لأ. يمكن أحمد معجب بها بس هي لأ. وبعدين إنتَ مهتم أوي بالموضوع ده ليه؟
تخبط بداخله لا يدري بالفعل لم يشعر بهذا الانفعال والضيق، لم يهتم لأمرهما بتلك الصورة، أجابه أمير باضطراب غريب.
أمير: عشان ااا.. عشان.. ااااا.. عشان سمعة المكتب وشغله.. عشان ميهملوش الشغل يعني. أقصد..... ااا.... إنهم يهتموا بالشغل عشان مينفعش يغلطوا. صح؟
أشرف بابتسامة: أه طبعًا.. صح.. أسيبك أنا وأروح المعمل أشوف الدنيا هناك إيه.
أمير: ماشي.
لم ينتبه الجميع أن تأخر سميرة ما كان إلا لشراء لوازم الإفطار الجماعي الذي اتفقوا عليه، فبعد مرور بعض الوقت دلفت سميرة حاملة بعض الأكياس.
تقدمت نحو مكتبها وهي تضع الأكياس وتلقي عليهم السلام بتسارع أنفاسها.
سميرة: السلام عليكم.
عبير: وعليكم السلام. إيه يا بنتي بتنهجي كده ليه؟
أحمد بقلق: إنتِ تعبانة ولا حاجة؟
زفرت سميرة تلتقط أنفاسها لتجيبهم بروحها الخفيفة.
سميرة: أبدًا أبدًا.. الحمد لله.. مفيش حاجة أنا بس كنت بجيب الفطار ولا نسيتوا؟ ولقيت نفسي اتأخرت فكنت بمشي بسرعة عشان ألحق آجي بدري.
نهض أحمد يود التودد لسميرة قائلاً.
أحمد: بنت حلال.. أنا ميت من الجوع.
بعملية أشارت سميرة تجاه عبير لمساعدتها.
سميرة: حاضر.. يلا يا عبير هاتي الأطباق من عم فتحي عشان نوزع لكل واحد فطاره.
عبير بهدوء: حاضر.
أحضرت عبير بعض الأطباق وبدأت سميرة وعبير يضعان لكل شخص قسمته، بعد أن انتهتا من وضع الطعام بالأطباق حملت سميرة طبقًا بكل يد لتندهش عبير من حملها لطبقين معًا.
عبير: إنتِ حتاكلي الاتنين؟
رفعت سميرة حاجبها وهي تجيب عبير بصوت منخفض وقد تجلت ملامحها الشقية بوجهها الصغير.
سميرة: لأ.. واحد ليا وواحد للبشمهندس أمير.
عبير بتعجب: إيه ده؟ هو باشمهندس أمير مشترك معانا؟
ضمت سميرة ابتسامتها متذكرة إجبارها له على الاشتراك معهم ثم أردفت بدون توضيح.
سميرة: حاجة زي كده.. حأروح أنا أديله نصيبه.
عبير: ماشي.
ثم أكملت عبير في نفسها بعد مغادرة سميرة.
عبير: ده فيه تطور كبير أوي.. مش حأسيبك إلا لما أعرف عملتي إيه بالضبط.
مكتب أمير.
بطريقتها المميزة دقت سميرة مستأذنة للدخول لتستمع لصوت أمير من خلفه.
أمير: ادخل.
أمالت رأسها ليميل معها شعرها الناعم قائلة بطرافة.
سميرة: إوعى تكون فطرت! أنا قايلالك من امبارح.
وضعت سميرة طبقًا فوق سطح المكتب وسط اندهاش عيون أمير.
أمير: إيه ده؟
سميرة: نصيبك.
تذكر أمير ما سمعه بين أحمد وعبير لتتحول ملامحه للغضب مرة أخرى ليصيح بها بحدة فاجئتها للغاية وجعلتها تنتفض بقوة.
أمير: شيلي ده من هنا.. أنا مأطلبتش منك حاجة!
رغم تفاجئها برد فعله إلا أنها عنيدة للغاية وصعبة المراس ولن تتخلى عن أمر تود القيام به، على الفور تبدلت ملامحها المازحة لأخرى حزينة للغاية متصنعة كسرة الخاطر.
سميرة: آسفة لو اتطفلت عليك.. أنا كنت عازماك ودي حاجة بسيطة.. مكنتش فاكرة إني بضايقك أوي كده.
التفت سميرة للمغادرة وهي تحمل الأطباق بكلتا يديها حين استوقفها أمير الذي شعر بالتأنيب لما فعله.
أمير: إنتِ زعلتي؟ ما أقصدش أكون قليل الذوق.. هاتي الطبق.
رقصت حاجباها بقوة قبل أن تستدير بوجه هادئ للغاية وهي تمد يدها تجاهه بأحد الأطباق.
سميرة: اتفضل.
وكادت أن تلتف مرة أخرى لمغادرة المكتب حين سألها أمير بعفوية ندم عليها فور النطق بها.
أمير: مش حتفطري معايا؟
سميرة: مش عايزة أضايقك.
طريقتها الناعمة وهدوئها غير المعتاد أظهر جمالها الفاتن الذي اقتلع قلبه بقوة لتضطرب أنفاسه حين تسلطت سوداويتها بخاصتيه لتزيد اضطرابه بقوة زاغت لها عيناه هربًا منها ليردف بارتباك.
أمير: لا.. أصل ااا.. إنتى جايبة طبقك معاكي.. فـ.. لو.. حبيتي يعني ااا.. أقعدي نفطر سوا.
ثم أكمل لغرض في نفسه.
أمير: ولا حابة تفطري مع حد من زمايلك بره؟ عادى.. براحتك.
أنهى جملته بضيق وترقب حين أسرعت سميرة بالجلوس بسعادة.
سميره: لأ.. أنا حأقعد أفطر معاك.
اتسعت ابتسامة أمير كأنه ظفر بشيء ثمين للتو، وليس مجرد إفطار بسيط مع فتاة جميلة.
المدرسة.
غرفة المعلمات.
أمسكت هيام بأحد الأقلام شاردة بذهنها وهي تخطط على أحد الأوراق بعشوائية.
تذكرت حضورها صباح اليوم ولم تجد هذا الشاب الوسيم واقفًا كعادته كما في الأيام الماضية.
هيام لنفسها: "يمكن تعبان ولا حاجة.. أو يمكن وراه شغل.. أو.. أو يكون زهق من صدى لي.. معقول.. يكون زهق مني؟!!!!! صحيح.. وهو حـ يتمسك بيا أوي ليه كده.. واحدة كل ما ييجي يتكلم معاها تهرب منه.. أكيد زهق."
شعرت بالضيق من أفكارها، فبعد خبر تأجير المخزن الذي تحدث عنه والدها شعرت بأن أسوار قلبها التي صنعتها بنفسها قد هدمت.
سمحت لأفكارها أن تتغير.. سمحت لإحساسها أن يتحرك دون وعي منها.
شعرت بأن هذا الشاب مختلف وأن به مشاعر يكنها إليها ويصر على تقربه منها.
لفت انتباهها بوجوده وحضوره، ولا تنكر هذا الشعور بأنها تعرفه من قبل، كل هذا جعلها تقربه من تفكيرها على الرغم من عدم حديثهم سويًا من قبل.
لكنها انتظرت نفسها بأمل جديد أنه ربما تراه حين يحين موعد الانصراف منتظرًا إياها مثل الأيام السابقة.
على جانب الغرفة كانتا تجلسان كعادتهما يتكلمان بهمس وهما يسترقان النظر من وقت لآخر باتجاه هيام.
سعاد بهمس: هي مالها النهارده؟
نهله باستغراب: أنا عارفه؟ هي بقت كده على طول لوحدها من ساعة ما نورا أخدت أجازة فرحها.
سعاد باستهزاء: ما هي اللي عاملة كده في نفسها.. فاكرة إن مفيش حد زيها في الدنيا ومحدش قد المقام عشان تقبل بيه.
نهله: مش قلتلك حـ تقعد وتعنس ومحدش حـ يرضى يبص في وشها. أهو..
مصمصت سعاد شفتيها قائلة.
سعاد: على رأيك.. خلينا إحنا ساكتين.. مالناش دعوة.
نهله: أيوه.. يالله دع الخلق للخالق.
شقة ياسر.
بعد ليلة قاسية وقلقة للغاية استفاقت نورا ومازالت تشعر بوهن وتملك منها صداع قوي للغاية، حاولت تذكر ما حدث لها فهي آخر ما تتذكره انهيارها أمام والدة ياسر وخالته واضحة بعدما تركها ياسر غاضبًا منها.
نهضت بتثاقل لتتناول أحد الحبوب المسكنة التي كانت موضوعة إلى جوارها مستندة على ظهر الفراش بتعب.
شعر ياسر بحركة نورا فاستفاق ناظرًا نحوها يطمئن عليها أولاً بعد نومتها الطويلة منذ الأمس.
ياسر: صباح الخير حبيبتي.
نورا: صباح النور.
ياسر وهو يعتدل مستندًا إلى ظهر الفراش إلى جوار نورا ناظرًا نحو وجهها المتعب.. كيف شحب وجهها وتحلقت عيناها بهالات سوداء زادت من سوء وجهها المتعب بصورة تقطع لها قلب ياسر.
ياسر: لسه تعبانة؟
نورا: دماغي بتوجعني أوي.
ياسر: طب مش كنتِ تستني تفطري الأول وبعدين تاخدي المسكن؟
أحست نورا بضيق رهيب وكأن قلبها يعتصر ألمًا لتشعر برغبة شديدة في البكاء لشدة ضيقها دون أن يكون هناك سبب لذلك.
تساقطت دموعها وعلت شهقاتها بدون سبب لذلك، كان حلاً واحدًا فقط ليشعرها بالطمأنينة، ضمها ياسر نحوه متعجبًا من حالتها الغريبة فهو لا يدرك بالفعل ماذا حدث لها.. وماذا أصابها.
ياسر: خلاص.. طيب.. اهدى.. إيه اللي مزعلك طيب ومش حأعمله خالص؟
نورا: مش عارفه!
ياسر: طيب حد قالك حاجة.. حد عملك حاجة؟
نورا: لأ.
احتر في حيرة شديدة فما سبب ما يحدث لها وإعيائها بدون مبرر.
ياسر: طيب زعلانه مني؟
نورا: لأ.
حرك رأسه بحيرة شديدة قائلاً.
ياسر: أُمال إيه بس.. حيرتيني.. طيب أنا خلاص مش زعلان.. لو هو ده اللي تاعبك أوي كده.. خلاص خليكي هنا وأنا حأسافر لوحدي.. مش حيهون عليا أخليكِ تسافري معايا وتتتعبي كده.. لو موضوع السفر ده مضايقك.. خلاص بلاش منه.. وأنا مش زعلان والله.. بس المهم تبقي كويسة.
رفعت نورا رأسها عن كتفه ناظرة نحو عينيه بعمق بحدقتيها الحمراوتين.
نورا: لا يا ياسر.. أنا موافقة.. أسافر معاك.
ياسر: لأ.. عمري ما حأغصبك على حاجة وتعمليها غصب عنك.. أنا عملت الورق عشان بحبك وعايزك معايا بس لو ده مزعلك أوي كده اعتبرني معملتهوش وخلاص.
أكملت نورا بإصرار.
نورا: لأ يا ياسر.. أنا فعلاً فكرت امبارح كويس.. و.. و.. عايزة أسافر معاك.. وجودي معاك.. يغنيني عن الدنيا كلها.
ياسر: عمومًا لسه بدري على سفري.. المهم دلوقتي إنتِ تبقي كويسة واللي إنتِ عايزاه ساعتها حيكون.. قومي بقى اغسلي وشك الجميل ده وحضري لنا الفطار من إيديك الحلوة.
نورا: حاضر.
نهضت نورا من فوق الفراش وتوجهت بتعب نحو المرحاض لتزيل تعبها وتحاول استجماع رباطة جأشها مرة أخرى قبل خروجها لياسر.
نظر ياسر مطولاً إلى محبسه الفضي ليخلعه من يده ناظرًا إليهتمعن.
ياسر: والله أنا تعبت من تعبك اللي مش مفهوم ده يا نورا.. ونفسي أريحك.. بس يا ريت ميكونش التعب اللي إنتِ فيه ده أنا السبب فيه.
رن هاتف ياسر فجأة فانتفض لصوته المفاجئ فانزلق المحبس من يده ليقع بين ظهر الفراش والمرتبة وقد أحدث صوت رنان لوقوعه على الأرض أسفل السرير.
ياسر بضيق: الله يسامحك يا شيخ.. أهي الدبلة وقعت.. أما أجيبها أحسن نورا تلاقيني قالعها تعمل مشكلة والحكاية مش ناقصة.
حاول ياسر رفع المرتبة ليبحث عن المحبس لكنه فوجئ بشيء غريب رث للغاية مثلث الشكل موضوع أسفل المرتبة فوق الألواح الخشبية.
أمسكه ياسر باستغراب شديد متسائلاً في نفسه عن ماهية هذا الشيء المطوي بهذا الشكل العجيب.
ياسر بتعجب: إيه ده؟ معقول دي حاجة حطاها نورا؟
خرجت نورا من المرحاض الملحق بالغرفة لتجد ياسر ممسكًا بشيء غريب في يده لتقترب بتساؤل.
نورا: إيه ده؟
رواية لحظات منسيه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
عروُش واهية بُنِيت على باطل، وما بُنى على باطل فهو باطل. كقطع الأحجية لابد وأن تكتمل وتَظهر الصورة على الملأ وتتضح الحقيقة دون خدوش ودون تجميل.
وقفت نورا تطالع تلك القطعة المثلثة غريبة الشكل والتي يحملها ياسر بين كفه يُقلبها بين أصابعه بتعجب، خاصة بعدما أخبرته أنها لا تعلم عنها شيئًا.
"جِبتها منين دي يا ياسر؟"
"مش عارف، لقيتها فوق الألواح تحت المرتبة. افتكرتِك إنتِ اللي حطاها."
بنفي لذلك، حركت رأسها بقوة قائلة:
"لأ، أنا أول مرة أشوفها. يمكن مامتك وإحنا بنفرش الشقة مثلًا."
"مش عارف. لما ننزل تحت نبقى نسألها."
بتوتر شديد لدى رؤيتها لهذا الشئ الغريب بغرفة نومها، أكملت نورا بإصرار:
"لأ مش حـ أصبر. يلا ننزل دلوقتي نسألها."
"ماشي."
أسرع ياسر حاملًا هذه القطعة العجيبة بين يديه متوجهًا نحو شقة والديه، تتبعه نورا بحماس لمعرفة ماهية هذا الشئ وما سبب وجوده في غرفة نومهم وتحت فراشهم.
جلس والدا ياسر مجتمعين مع إخوانه وخالته واضحة يستعدون لتناول طعام الإفطار، فالوقت مازال مبكرًا للغاية ولم يبدأ يومهم بعد. بينما كانت حسناء مازالت تضع الأطباق الواحد تلو الآخر على الطاولة وهي تُجهز بقية الأطباق بالمطبخ. فمنذ مجيء واضحة وحسناء، قد اعتمدت والدة ياسر على حسناء لمساعدتها في شؤون المطبخ حتى يحين موعد عودتهم إلى قريتهم.
خرجت حسناء من المطبخ حاملة طبقين بيديها حين دلف ياسر بحدة نحو الجميع قائلاً:
"صباح الخير."
"صباح الخير."
بحنو من قلب أم محبة، أشارت أم ياسر تجاه الطعام قائلة:
"تعالى يا حبيبي أقعد أفطر معانا."
"أنا مش جاي أفطر. إيه ده؟"
سأل ياسر وقد اقشعر وجهه بقوة لمعرفته باقتحام أحدهم خصوصيته وغرفة نومه بدون علمه. لوح بالقطعة المثلثة رثة الشكل في وجه والدته، التي ما إن نظرت نحوها اتسعت عيناها بقوة وصدمة بذات الوقت. بالطبع، هي لا تعرف من صنعه لكنها أدركت ماهيته على الفور.
"إيه ده؟!"
"جبته منين يا ياسر؟"
"لقيته تحت مرتبتي في أوضة نومي. ممكن حد يفهمني إيه ده ودخل أوضتي أنا ومراتي إزاي؟"
نظرات حائرة وصدمة علت وجوه الجميع، حتى واضحة تظاهرت بالإندهاش وعدم معرفة عما يتحدث. لكن حسناء لم تكن بقوة وصلابة والدتها، بل كانت ترتجف فزعة من انكشاف أمرهم.
للحظة لم تتمالك فيها أعصابها التي انفلتت لتشهق بداخلها دون إصدار صوت مطلقًا، لكن فضحها سقوط تلك الأطباق من يدها المرتجفة أرضًا مُحدثة صوت تكسير مدوٍ لفت نظرهم جميعًا نحوها.
تملك حسناء الفزع والخوف من عثور ياسر على الحجاب وأن ما فعلته سيُكشف على الملأ الآن. حاولت التراجع عدة خطوات إلى الوراء لكنها اصطدمت بأحد المزهريات لتقع أرضًا محدثة صوت تكسير عالٍ مزعج مرة أخرى.
تطلعوا جميعًا نحو حسناء باقتضاب، ثم تحولت نظراتهم إلى غضب شديد عند رؤيتها بهذا الاضطراب، كما لو أنها تعترف بدون حديث بأنها من وضعت هذا الحجاب.
ابتلعت ريقها المتحجر لتسرع راكضة نحو المطبخ لاهثة من شدة الخوف. ارتجفت يداها المثلجتان فقد هربت دماؤها من عروقها لتشعر ببرودة أطرافها فجأة. صاح بها ياسر غاضبًا:
"حسناااااااااء!"
انتفضت حسناء حين سمعت صوت صياح ياسر الغاضب باسمها. لم تدرِ ماذا عليها أن تفعل، هل تخرج له وبالطبع سيتأكد من أنها السبب في ذلك، أم تظل بمكانها للاحتماء مما سوف يحدث لها بعد كشف الحقيقة.
تلى ندائه الأول نداء آخر أكثر قوة وغضبًا، انتفض له الجميع فلم يُتوقع هذا الكم الغاضب من ياسر هادئ الطباع.
"حسناااااااااااء! تعالى هنا!"
جرجرت قدميها بذعر لكنها لم تستطع النظر مباشرة بأعين ياسر لتنكس رأسها أرضًا بتذلل وخوف.
"نـ... عم..."
رفع ياسر الحجاب بوجهها متسائلاً:
"إيه ده؟"
"معـ...رفش..."
رفع هامته قليلًا ليصرخ بها مهددًا:
"عليا النعمة لو ما نطقتي ليكون نهار اسود عليكِ."
انهارت حصون الكاذب التي لا أساس يحميها لتتساقط دموعها بذعر راكضة نحو والدتها تحتمي بها وتعصمها من ثورة ياسر.
"حوشيه عني ياما."
رغم قوتها التي ظهرت عليها إلا أنها تخوفت لدرجة مقلقة بداخلها لتهتف بابن أختها تنهره عن غضبه وثورته على ابنتها.
"جرى إيه يا ياسر الله!"
بنظرات كاشفة متيقنة من أن هاتان المخادعتان هما بالتأكيد من وضعا هذا الشئ بغرفة نومهم، دنا نحوهم بأعين متقدة وانفعال قوي.
بتلك اللحظة لم تستطع حسناء تمالك نفسها أكثر من ذلك، فدومًا نفس الشر ضعيفة. لم تستطع الثبات على خداعها وتمالكها الذعر من انكشاف أمرها أمامهم لتعترف بخوف وتلقي التهمة على أمها لتتخلص من عظيم أفعالهم وتلقي باللوم عليها فقط متهربة من كل شيء.
"أني ماليش دعوة. أمي اللي قالتلي أعمل كده."
انتفضت واضحة تحدق ابنتها بنظرات قاسية لتوريطها واعترافها بتلك السهولة لتنهرها بحدة:
"اخرسي يا بت. اتكتمي."
ضربت والدة ياسر صدرها بصدمة لثقتها بأختها التي خانت ثقتها بها.
"بقى كده يا واضحة يا أختي. بقى أنا أفتح لك بيتي وأنسى اللي عملتيه فيا وفي ابني وأسامحك على اللي عملتيه انتي وبنتك وتيجي في الآخر وعايزة تأذي ابني؟!"
بتذلل شديد متصنعة قلة الحيلة والقلب الطيب:
"والله يا أختي أنا من حبي ليكي وحبي لياسر عملت كده. والله كنت أتمنى ياسر لبنتي. أنا عمري ما أذيِيه."
لن تتغير تلك المرأة مطلقًا مهما أعطت من المبررات. رغم محاولة الجميع للتغاضي عما فعلنه من قبل، لكنها ها هي تختبئ بقناع الأفعى من جديد. أجابتها والدة ياسر بملامة:
"واللي عملتيه ده مش أذى؟ تعملي عمل لابني ومراته؟ ليه؟ ليه يا أختي؟"
أنهت جملتها بكلمة "يا أختي" بنبرة كلها تهكم وعتاب.
"سامحيني يا أختي. جاهلة بجى."
أرادت أن تنفذ من اللوم والعقاب بأي طريقة حتى لو بالتذلل وإثارة شفقتهم، لكن والدة ياسر أجابتها بحدة وقوة:
"لا يا واضحة ده مش جهل. ده سواد في القلب. اطلعوا بره بيتي انتي وبنتك. أنا غلطانة إني مسمعتش الكلام ومتعلمتش من الدرس بعد اللي عملتوه المرة اللي فاتت."
"سامحيني يا أختي."
"امشي يا واضحة مش طايقة أشوفك دلوقتي. روحي منك لله. حسبى الله ونعم الوكيل."
نَكَسَت واضحة رأسها بخجل لتنهض نحو غرفتها تلملم حاجياتهم لتغادر بيت أختها هي وابنتها خائبين الرجاء لتعودا لبلدتهم مباشرة أمام أعينهم جميعًا.
نطق والد ياسر بعد رحيل واضحة معاتبًا زوجته بعد صمت طويل:
"جالك كلامي. شفتي المصايب اللي دايمًا بتيجي من تحت راسهم."
لم تعد تتحمل والدة ياسر ملامه لأكثر من ذلك لتردف بضيق:
"بالله عليك أنا مش ناقصة. فهمت خلاص. وتوبة إن كنت أكسر كلامك تاني."
نظرت نحو ياسر ونورا مؤنبة نفسها لما وصلا إليه بسببها.
"وإنتوا يا ولاد حقكم عليا."
"وإنتي ذنبك إيه يا طنط. الحمد لله إنها جت على قد كده."
طيبتها الزائدة وتفهمها زادا من تأنيب والدة ياسر لنفسها، فهي لا تستحق ما فعلته بها حقًا وأنها قست عليها بدون وجه حق. ربتت على كتف نورا بحب حقيقي.
"معلش يا بنتي ظلمتك وزعلتك."
نفت نورا ذلك وهي تبتسم بقوة لتوضح لوالدة زوجها أنها لا تكن لها أي ضغينة بقلبها.
"لأ طبعًا ولا زعلتيني ولا حاجة."
أمسك ياسر بالحجاب محاولًا قطعه والتخلص منه.
"أنا حـ أقطع البتاع ده."
وقبل أن يمسه صاحت والدته بسرعة:
"لأاااا. ده لازم شيخ هو اللي ييجي يفكه."
"ليه يعني؟"
"هو كده عشان محدش فيكم يتأذى."
رفع والد ياسر هاتفه قائلاً:
"أنا حـ أكلم واحد يعرف واحد شيخ بيعالج بالقرآن يكلمهولنا وييجي هنا على طول."
"أيوة. صح كده."
***
المعمل.
تناول أحمد طعامه الذي اقتسمته له سميرة وهو يتساءل ببعض التحسر لعدم بقائها معهم لتناوله.
"هي سميرة مفطرتش معانا ليه؟"
لا تدري هل تنفعل عليه أم تشعره بحبها وولهها تجاهه لتجيبه بتملل من تكرار سؤاله عن سميرة.
"أنا عارفه. ابقى اسألها."
نفض أحمد يديه ناهضًا من مقعده متحركًا نحو باب المعمل.
"لا. أنا نازل شوية كده وراجع مش حـ أتأخر."
تفاجأت عبير بما سيقوم به، فمن قواعد العمل ألا يترك أحدهم المعمل دون استئذان صاحب العمل أو أشرف.
"ولو حد سأل عليك أقولهم رحت فين؟"
"أي حاجة يا عبير. الله. قوليلهم في الحمام. أي حاجة."
"ماشي متزعلش كده."
غادر أحمد بعجالة من المكتب، بينما عادت سميرة من مكتب أمير لتشير بكفها أمام عيني عبير الشاردة.
"مالك يا أخت. سرحانة في إيه؟"
"فيكِ."
لم تكذب عبير حقًا، فهي كانت بالفعل شاردة بتفكير أحمد المستمر بسميرة وعدم إحساسه بها.
ضحكت سميرة مداعبة صديقتها:
"فيا أنا. ليه بقى؟"
اعتدلت عبير تستفهم الأمر من سميرة بفضول.
"إيه حكايتك. وإيه حكاية باشمهندس أمير؟"
"حكاية إيه. عادي. ولا حكاية ولا حاجة."
طأطأت عبير رأسها قليلًا وهي تحدق بسميرة بنظرة غير مصدقة.
"سميرة! عليا أنا برضه؟"
اتخذت سميرة جلستها بصورة أفضل راحة، لكن ملامحها المداعبة اتخذت منحنى جادًا بعض الشيء.
"قصدك إيه يا عبير مش فاهمة؟"
"يعني كل شوية عنده في المكتب وبتتكلموا وبتفطروا سوا. كده يعني."
أوضحت سميرة مبرراتها بالاهتمام بهذا المسكين مفطور القلب وما تفعله لمساعدته فقط.
"أبدًا والله. هو بس صعبان عليا من بعد ما قولتيلي أنه مكنش كده واتغير وبقى عصبي ومش طايق حد. فقلت أساعده وأطلعه بره المود ده."
"بس ده عامل زي الطور الهايج خدي بالك ليأذيكِ."
بتفهم لطبيعة إحساس أمير عقبت سميرة:
"اللي مكسور ده بيبقى دايما هو المظلوم مش الظالم. وأكيد مسيره حـ يرجع لطبيعته."
"وبعدين؟"
تضايقت سميرة من عدم فهمها لمغزى حديث عبير منذ أن التقتها هذا الصباح.
"إنتِ مالك النهاردة بتتكلمي بالألغاز كده ليه؟ ما تقولي اللي عايزة تقوليه على طول."
"بصراحة أنا حاسة إنك بدأتِ تميلي ليه. وخايفة عليكِ لتحبيه."
سميرة بضحكة استهزاء لمست جزء من الحقيقة لتُنكرها على الفور، فهذا شئ مختلف تمامًا عما تقوم وتشعر به.
"لأ. لأ. طبعًا. مينفعش. إيه التخريف اللي انتي بتقوليه ده؟ أنا بساعده بس. زملاء يعني وكده."
سألتها عبير بعدم تصديق لتشك سميرة بأمرها كذلك.
"تفتكري؟"
"أه طبعًا. أُمال إنتِ فاكرة إيه؟"
"طب وهو؟"
أسئلتها كانت مباشرة وواضحة مما أثار ارتباك سميرة دون إدراك لسبب ذلك.
"وهو ماله هو كمان؟"
"مش ملاحظة إنه بدأ يتغير؟"
"وده شئ كويس. إنه يتغير ويرجع زي الأول."
قالتها عبير صريحة تنبه بها صديقتها من أن تنزلق قدمها ببئر رغمًا عن إرادتها.
"بس هو متغير معاكِ إنتِ بس."
"معايا أنا بس؟"
"أيوة. هو كده معاكِ إنتِ بس. هو مش معانا كده."
بحزم قاطع نفت سميرة ذلك، فهي تصف واقع غير موجود بالمرة.
"بيتهيألك بس. عادي زيي زيكم. خلاص بقى شوفي كنتِ بتعملي إيه أنا داخلة المعمل عندي شغل."
ابتسمت عبير لفهمها ما يحدث بصورة جلية واضحة تمامًا لتردف معجبة بأفكارها بخيلاء.
"والله وطلعتي بتفهمي يا بت يا عبير. والحلوة شكلها طبت من غير ما تحس. المهم إن أحمد حـ يبقى ليا لوحدي."
اضطربت سميرة من مقصد عبير الخالي من الصحة لتهمس لنفسها مؤكدة غير ذلك.
"مجنونة دي ولا إيه. أكيد لأ طبعًا. لا أنا حبيته. ولا هو حبني. هو أي كلام وخلاص."
***
كرم.
استيقظ من النوم لينظر بتكاسل نحو ساعته فهو لم ينم طوال الليل لينتفض بقوة حين رأى الساعة تخطت الثانية عشر.
"يا نهار اسود. أنا إزاي نمت لحد دلوقتي؟"
أسرع كرم يرتدي ملابسه في عجالة لكنه أخذ يتعثر كثيرًا وكلما يمسك بشيء يقع مرة أخرى من بين يديه من شدة توتره.
وبعد عدة دقائق كان قد انتهى من ارتداء ملابسه، توجه مباشرة نحو سيارته المستأجرة المصفوفة أمام البيت ليغمض عينيه بضيق وعصبية. فقد وجد إطار السيارة قد هوى أرضًا وفرغ منه الهواء ولابد من تغيير هذا الإطار.
استند بضيق على السيارة واكتست ملامحه بحزن جم، فقد تأكد أنه لن يستطيع رؤيتها اليوم، فهي بعد انتهاء اليوم الدراسي لا يدري بأي وجهة تذهب لإعطاء هذه الدروس الخصوصية وهو بالكاد يعلم فقط طريق الذهاب إلى المدرسة، ولا يعلم أيضًا موعد عودتها بآخر اليوم لينتظرها قرابة منزلهم.
ضرب السيارة بكفه بضيق صاعدًا نحو شقته مرة أخرى وألقى بنفسه فوق الأريكة ينتظر أي شيء ينهي به هذا اليوم الكئيب ليراها مرة أخرى في الغد.
***
هيام.
بعد خروجها من المدرسة ولأول مرة توقفت ولم تتخذ طريق عملها الإضافي بل أخذت تتطلع بضيق نحو الفراغ الذي يقبع موضع سيارته حيث يقف كل يوم. نظرت بغصة كما لو أنها أرادت لقائه هذه المرة.
لكنه لم يأتِ. يبدو أنه بالفعل مل من التجاهل والانتظار. شعرت بالضيق وضاق تنفسها، تنهدت بحزن ثم تحركت بآلية نحو موقف الحافلات لتستقل الحافلة بتجهم واضح.
تعجبت لحالها وشعورها بفقده، متسائلة بداخلها لم هو خاصة الذي تشعر بفقده؟ لقد رفضت الكثيرين، فلم تشعر تجاه هذا الشاب بهذا الانجذاب هو وحده فقط. تسائلت لم تشعر بالحزن لعدم حضوره اليوم.
سيطرت عليها حالة من الإحباط لم تستطع تجاوزها مثل سابقيها، فقررت عدم استكمال عملها اليوم وتوجهت مباشرة إلى المنزل.
***
بيت ياسر.
شعور بالراحة اجتاحهم بعد رحيل واضحة وابنتها. جلسوا جميعًا بانتظار هذا الشيخ المعالج بالقرآن الذي سيأتي لمساعدتهم في التخلص مما فعلته واضحة وابنتها من سحر وأعمال لابنهم وزوجته.
تقدم أحد الشيوخ بسيط الهيئة ذو لحية سوداء يخالطها بعض الشعيرات ذات اللون الأبيض بوقار وهدوء. رحب به والد ياسر بحفاوة.
"اتفضل اتفضل يا شيخ."
"السلام عليكم ورحمه الله وبركاته."
رددوا السلام وقد اقتربوا منه جميعًا ملتفين حوله في رهبة، ليس من وجوده فحسب، فهو شيخ عادي المظهر جَلِد الملامح، لكن رهبتهم من مرورهم جميعًا بهذه الأمور لأول مرة وانعدام خبرتهم بهذه الأعمال على الإطلاق.
كانوا دومًا ما يسمعون عن السحر والأعمال خاصة في بعض المناطق الريفية وانسياق الجهلاء وسئي النية وراء ذلك، لكنهم لم يمروا بمثل هذه الأحداث بهذا القرب من قبل.
تطلعوا نحو الشيخ بترقب لما سوف يفعله بهذا المسمى "الحجاب" الذي قامت به واضحة للتفريق بين ياسر ونورا.
نظرت نورا بخوف وترقب لما سيحدث وتلاقت عيونها بعيون ياسر الحزين لما حدث وهم في أول حياتهم ولم يمر على زواجهم إلا أسابيع قليلة.
"إن شاء الله خير. متقلقوش."
يرفض ياسر تمامًا أن يلعب أحدهم بعقولهم بمسمى الدجل والشعوذة، ليسأل هذا الشيخ عما سوف يقوم به، فهو لن يقبل بمثل هذه الأمور.
"إنت حـ تعمل إيه يا عم الشيخ في البتاع ده؟"
"إحنا حـ نقرا قرآن على المياه ونفُك فيها الحجاب عشان محدش يتأذى ونقرأ قرآن عليكم ونرقيكم الرقية الشرعية وربنا يصلح لكم الأحوال وهو الحافظ الحامي."
اطمأن ياسر أن هذا الرجل لن يقوم بأي من الأسحار والدجل والشعوذة، فقط قراءة القرآن وهذا شيء مستحب.
وبالفعل قرأ الشيخ بتمتمة غريبة بعض الآيات على إناء مملوء بالماء ثم وضع القطعة المثلثة غريبة الشكل "الحجاب" في الماء ليثبط عمله.
لكن المفاجأة حدثت عندما بدأ الشيخ يتلو الآيات بصوت عالٍ جهور ليرقي كلًا من ياسر ونورا. فقد تملكت نورا رجفة قوية وظلت تنتفض وتصرخ في هستيرية مثلما حدث منذ بضعة أيام.
"لا حول ولا قوة إلا بالله. الأخت دي واكلة حاجة أو شاربة حاجة معمول بيها سحر."
نظروا جميعًا نظرات تعلوها الدهشة والصدمة والاشفاق في ذات الوقت نحو نورا التي زاغت عيناها الحائرة بوجوههم جميعًا وتملكتها رغبتها الشديدة في البكاء مرة أخرى.
"أنا قلت إن نورا مش طبيعية خالص الأيام دي وعلى طول زعلانة أو تعبانة ومتضايقة طول الوقت. لا حول ولا قوة إلا بالله. بيعملوا فينا ليه كده؟ أذيناهم في إيه بس؟"
"بإذن الله كل شيء حـ يتحل. هاتولي مياه نظيفة وتعالى يا بنتي أقعدي قريب هنا."
استجابت نورا بخوف ورهبة لما قاله الشيخ وسط طمأنة ياسر لها وأنه إلى جوارها ولن يتركها أبدًا.
جلست على أحد المقاعد القريبة من الشيخ وأخذ يتلو بآيات قرآنية معينة تخص آيات السحر وقدرة الله وهو يمسح بكفه فوق الإناء، وعندما فرغ تمامًا طلب من نورا أن تشرب من هذا الماء.
تجرعت نورا بعضًا منه لتشعر برغبة قوية بالتقيؤ لتسرع نحو المرحاض لتفرغ محتويات معدتها كاملة.
ظلت تتكرر معها هذه الحالة كلما تجرعت القليل من هذا الماء. شعرت نورا بالإعياء الشديد وحاوطها الجميع اشفاقًا على حالتها التي وصلت إليها بسبب هذه الغيورة حسناء وأمها.
وبعد وقت ليس بالقليل بدأت نورا تشعر ببعض الراحة وكأن ثقل ما أُزيح عن صدرها وتنفست بحرية وكأنها ترى العالم من حولها بنفس إحساسها ونظرتها القديمة.
انصرف الشيخ بعدما أدى مهمته كاملة وسط توصيات بأن تشرب نورا ما تبقى من الماء وتغتسل به والمحافظة عن الابتعاد عن أصحاب النوايا السيئة والالتزام بالصلوات وقراءة الأذكار اليومية.
حمدوا الله جميعًا على مرورهم من هذه المحنة التي كانت بمثابة درس عظيم لهم جميعًا.
أحاط ياسر نورا بحنان وصعدوا نحو شقتهم لترتاح نورا بعد عناءها الطويل المؤلم.
"الحمد لله إننا خلصنا من اللي حصل ده. وحسِك عينك تحكمي على حد تاني إنه اتغير وبقى كويس. إنتِ متتعامليش مع أي حد أنا أعرفهوش نهائي. طيبتك الزايدة دي متنفعش في الأيام اللي إحنا عايشين فيها."
"والله يا ياسر كنت فاكرة ها بقت كويسة واتغيرت فعلا. وإننا ظلمناهم المرة اللي فاتت وكنت بتعامل معاها بسلامة نية خالص."
"أنا برضه غلطان إني كنت فاهم نيتهم وسبتك تتعاملي معاهم."
"خلاص والله حرمت. ده أنا حتى مش عايزة أقعد هنا وحـ أسافر معاك."
"بجد!!! أخيرًا اقتنعتي."
"أيوة يا ياسر. خلاص. لا يمكن أسيبك تاني. أنا معرفش أعيش من غيرك وعمري ما حـ أسيبك لواحدة تانية تستفرد بيك ومن غير أعمال ولا سحر كمان."
ضحك ياسر على برائتها ونقائها بعد كل ما مرت به في هذه الأيام.
"مش مهم. أيًا كان السبب. المهم إن إنتِ حـ تسافري معايا. ومن النهاردة نحاول ننسى كل اللي حصل ده ونعتبره لحظات منسية ونبدأ حياتنا من أول النهاردة من غير أي تدخل من أي حد في حياتنا."
رواية لحظات منسيه الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
يالها من حياة، تتمنى فقط مرور الوقت الذى أصبح طويلًا مملًا باردًا، ويكون ذلك هو أقصى أحلامك.
بيت الحاج سعيد...
جلست هيام بملل وضيق تحاول فقط قضاء بقية الوقت المتبقى من هذا اليوم متأملة حلول الليل الطويل لتخلد إلى النوم بإنتظار قدوم الصباح لبدأ يوم جديد.
حاولت إشغال باقى يومها بعدة أشياء كلها ليست ذات قيمة حتى لا تفكر بأى شئ يمكن أن يُشعرها بما تفقده وتتمناه، فليس لها حيلة بذلك.
على النقيض تمامًا، وصلت سميرة للتو بعد حماسها لإجراء تلك التجربة مع أمير لتشعر بالبهجة لمشاركته هذا الأمر.
دلفت نحو غرفة المعيشة بروح الدعابة الشقيه التى تمتلكها لتجد والديها وأختها هبه يتابعون إحدى حلقات أحد المسلسلات التى تعرض بهذا الوقت.
سميرة: السلام عليكم... شكلكوا اتغديتوا وسيبتونى صح؟!
أجابتها والدتها وهى تشير نحو غرفة هيام.
أم هيام: إحنا اتغدينا عشان معاد الدوا بتاع أبوكِ. بس اتغدى انتِ وهيام بقى.
اتسعت عينا سميرة الواسعتين بتفاجئ لعودة هيام مبكرًا اليوم.
سميرة: هيام!!! هي جت؟
لوحت هبه بكفها بالهواء وهى تتابع الحلقة بإهتمام دون أن تنحى عيناها عن شاشة التلفاز.
هبه: من بدرى.
سميرة: غريبة... إيه اللي رجعها بدري النهاردة هي عيانة ولا إيه؟
مصمصت والدتها شفتيها بإشفاق قبل أن تردف قائلة.
أم هيام: مش عارفة يا بنتي شكلها متضايق. حاولت أسألها كالعادة بتقولي مفيش حاجة. ابقى شوفيها مالها هي بتحب تتكلم معاكِ.
سميرة: ماشى حـ أشوفها.
انتبه الحاج سعيد لحديثهم ليردف قائلًا ببعض السعادة يبلغهم فحوى مكالمة السمسار له منذ قليل.
الحاج سعيد: و ابقى قوليلها يا بنتي أن خلاص الراجل أجر المخزن من أول الشهر اللي جاى. أصلها لسه متعرفش.
ضغطت على حقيبتها التى مازالت معلقة بذراعها استعدادًا للركض قائلة بسعادة وهى تتوجه نحو غرفة هيام.
سميرة: بجد... الحمد لله. أما أروح أفرحها.
تركتهم سميرة مسرعة نحو غرفة أختها، بينما نظر الحاج سعيد إلى زوجته نظرة فهمتها على الفور تعنى أنه آن الأوان أن ترتاح هذه الفتاة من حِملها الثقيل ومسئولياتها تجاههم. فحتى لو كان المال الذى سيتلقاه الحاج سعيد قليلًا إلا أنه سيكون مبلغ كافيًا لهم ومستمرًا بإذن الله ليخفف الحمل عن كاهلها الذى أُثقل للغاية خلال تلك السنوات الطوال.
طلت سميرة من خلف باب الغرفة تطرقه بدقاتها المميزة.
سميرة: قاعد لوحدك ليه يا جميل... يا جميل... يا جميل...
أشارت لها هيام بالدخول وإغلاق الباب من خلفها قائلة بصوت شجي هادئ.
هيام: بلاش لماضة... تعالى ادخلي واقفلي الباب وراكِ.
تقدمت سميرة بضع خطوات ثم أغلقت الباب من خلفها لتجلس بعد ذلك إلى جوار أختها بطرف الفراش مندهشة من عودتها مبكرًا اليوم.
سميرة: إيه رجعك بدري؟ وأنا عارفة إنك مش بتغيبي من الشغل أبداً. إيه اللي حصل؟
بإنكار لما تحاول سميرة الوصول إليه أجابتها هيام بغموضها المعتاد.
هيام: ولا حصل ولا حاجة. قلت أرتاح يوم ولا يعني مليش نفس؟
سميرة: طب ومالك متضايقة كده ليه؟ براحتك يا ستي. اقعدى بقى وسيبى اللي في إيدك ده عشان عايزة أحكيلك حاجة.
تركت هيام ما بيدها منصتة لحديث أختها بإنتباه كما تفعل دائمًا.
هيام: قولى.
سميرة: عايزة أحكيلك حاجة في الشغل وكلام قالتهولي عبير النهاردة وقوليلي رأيك.
هيام: معاكِ. اتكلمي.
أخذت سميرة تقص على مسامع أختها ما حدث في المعمل منذ أول يوم عمل لها حتى اليوم بكافة تفاصيله، ثم أوضحت رأي عبير الغريب كما تراه.
برجاحة عقلها المتزن كما تفكر طوال الوقت وهى تدفع العواطف جانبًا أجابتها هيام بعقلانية تامة.
هيام: والله يا سميرة أنا قلقانة ليكون فعلًا زي ما عبير قالت لك.
هنا هبت سميرة منتفضة وقد قضبت حاجبيها بقوة، فكلاهما لم تفهمها حقًا قائلة بنبرة مختنقة من ظنهما الخالي تمامًا من الصحة.
سميرة: انتوا ليه مش فاهمني!!! ولا أنا ولا هو الكلام ده في بالنا خالص.
استطردت هيام توضح أكثر لـ سميرة.
هيام: طيب إنتِ ومتأكدة من نفسك ومن اللي بتفكري فيه. إنتِ ليه متأكدة أوي كده إنه مش زي ما بنقول لك؟ إيه اللي يأكد لك كده؟ تعرفي منين إنه فعلًا مش بيعاملك إنتِ معاملة خاصة وإنه ممكن يكون اتشَد ليكِ؟
ثم وضعت هيام كفها فوق كتف أختها تحذرها بجدية.
هيام: سميرة... إحنا مش بتوع لف ودوران. متعلقيش الراجل وإنتِ بتلعبي أساسًا.
تهدج صدر سميرة بقوة وهى تردف بإنفعال.
سميرة: لااااا دا انتوا اتجننتوا رسمي!!!!!! مفيش حاجة. افهموا... مفيش حاجة.
بإبتسامتها الهادئة هدأت من روعها بكلماتها البسيطة.
هيام: طيب خلاص خلاص متزعليش نفسك.
تطلعت سميرة نحو هيام للحظات حدثت بها نفسها قائلة.
سميرة: "مجانين دول ولا إيه؟!!!! ولا هو بيفكر فيا كده ولا أنا على بالي كل الكلام ده. جابوا الكلام ده منين... لالا... لا طبعًا..."
كأخت كبرى تهمها مصلحة أختها فقط استكملت هيام بطريقتها الهادئة لكن بكلمات حازمة.
هيام: المهم حرصي على نفسك وكفاية لعب بقى لحد كده وبلاش شغل المصلح الاجتماعي والنفسي بتاعك ده. أديني قلتلك أهو... بلاش تورطي نفسك في حاجة ممكن متعرفيش تخلصي منها.
رغم عدم اقتناعها بحديثهم إلا أنها أومأت بالإيجاب.
سميرة: حاضر... صحيح مش بابا خلاص أجر المخزن. افرحي بقى يا ستي.
تذكرت هيام ملل الشاب منها وعدم مجيئه اليوم لتدرك أنها صاحبة حظ سيء للغاية، فحين تتحسن ظروفها وتُحل عقدتها يتركها هو ويمل من انتظارها لتردف بتنهد حزين.
هيام: معدتش فارقة.
سميرة بحماس: إيه ده بقى... شكلك مخبية حاجة؟
كبقية مشاعرها يجب أن يبقى حزنها لنفسها سجين بين خبايا قلبها، لتردف بإنكار.
هيام: ولا حاجة ولا غيره يلا مش حكيتِ وارتحتِ سيبيني بقى أرتاح شوية. يلا مع السلامة.
بروح مازحة عقبت سميرة.
سميرة: إنتِ بتطرديني؟ يا للصاعقة. ماشي أنا الحق عليا إني جيتلك.
اتجهت سميرة نحو الباب تصطنع التأثر والبكاء بصورة تمثيلية لتتابعها هيام بضحكتها الناعمة، لكن فور خروج سميرة عادت نفس مشاعرهم كالسابق. فسميرة قلقة مما تراه أختها وصديقتها وهى لا تراه، فكيف تنجذب إلى شخص بهذه السرعة ودون وعي منها، متعجبة من ظنهم بأنه منجذبًا إليها وسط صراعاته النفسية وانكساره وعصبيته.
بينما هيام أخذت تفكر بأن الأحوال المادية التى ستبدأ بالااستقرار جاءت متأخرة للغاية، فقد صدت الجميع عنها خاصة هو، فقد مل ولن يأتي مرة أخرى.
قطع سيل أفكارها مكالمة واردة من نورا التى لم تتجاذب معها حديث مطلقًا بعد زيارتها الأخيرة لها وإنشغالها بزوجها وبيتها الجديد.
هيام: نورا... وحشتيني.
بحزن طفولي عاتبت نورا صديقتها المقربة على بُعدها عنها تلك الأيام.
نورا: لو كنت وحشتك بجد كنتِ عبرتيني.
هيام: أنا قلت أخف عليكِ شوية عروسة بقى وقلت أريحك مني ومن دوشتي وتفضى لعريسك.
زمت نورا فمها جانبيًا تسخر من حالها بالفترة الماضية.
نورا: عروسة!!! اسكتي متعرفيش إيه اللي جرالي.
إنتاب هيام القلق لتعتدل أولًا بجلستها متسائلة بإهتمام.
هيام: خير... احكي لي.
كصمام قد فُتح بدأت نورا بقص كل ما حدث معها ومع ياسر بأدق التفاصيل، فبداخلها اشتياق لحديثها مع هيام لتندهش هيام لكل ما حدث بتلك الأيام القليلة.
هيام: يا خبر... كل ده يحصل وأنا معرفش حاجة.
نورا: شفتي يا هيام... مستكترين عليا ياسر!!!
هيام: بس الحمد لله إنكم جبتوا الشيخ ده.
نورا: آه والله كان زماني لسه بتعذب.
بتحذير قد كررته كثيرًا على مسامعها حتى ملت.
هيام: معلش... أهو درس تتعلمي منه برضه. وأحسن حاجة إنكِ قررتى تسافري مع ياسر. وده أحسن قرار على فكرة.
نورا: آه... ما أنا مش حـ أسيبه لغيري تاني. غير إن أنا ببقى مطمنة وإنا جنبه. بس إنتِ اللي حـ توحشيني أوي.
ضحكت هيام بخفة ورزانة وهى تجيبها بصوتها الشجي العذب.
هيام: متقلقيش... ياسر حـ ينسيكِ الدنيا كلها. وبرضه حـ نبقى على تواصل مع بعض.
بتعجل شديد وإصرار متعمد تحولت نورا بحديثها لشئ مغاير تمامًا.
نورا: المهم... بكرة لازم تيجي تتغدي معايا.
رغم أنها تشتاق لها بالفعل إلا أن هيام تدرك أن إلغائها للدروس الخاصة اليوم لابد وأن تعوضها بالغد لتردف رافضة دعوتها قائلة.
هيام: لا يا نورا مش حـ ينفع. ورايا شغل كتير لأني لغيت كل الدروس النهاردة.
صمتت نورا لوهلة ثم أردفت بتأكيد.
نورا: طيب خلاص... يبقى بعد بكرة ومفيش لأ المرة دي.
بإيجاب لدعوتها الكريمة عقبت هيام بتقبل.
هيام: حاضر... حـ أظبط ظروفي وأكلمك.
نورا: مفيش تظبيط... مستنياكي يعني مستنياكي.
هيام: حاضر.
أنهت هيام مكالمتها لتعود بأفكارها لما وقفت عنده، فهى ليست من النوع مشتت الأفكار فتفكيرها مرتب دومًا ذكية لحد بعيد ولا تنسى بسهولة.
بذات الوقت وضعت نورا هاتفها فوق الطاولة وهى تنظر نحو ياسر الذى كان يستمع للمكالمة بإنصات شديد حين قالت.
نورا: تمام كده... أديني أصرت عليها تيجي بعد بكرة. كويس؟؟
أنهت عبارتها تسأل ياسر عن تقييمه لمهمتها التى اتفقا عليها على أكمل وجه دون إفساد للأمر ليجيبها ياسر بإثناء على ذلك.
ياسر: تمام الله ينور.
عاد ياسر بذاكرته ليتذكر مكالمة كرم له منذ قليل.
كرم: ياسر... أخبارك؟؟
ياسر: الحمد لله... إنتَ فين؟ أُمال لو تعرف حاجة في مصر!!! دة لا زيارة ولا تليفون. مختفي فين اليومين دول؟
بعتاب لطيف أردف كرم.
كرم: أيوه ما إنت سايبني كده عمال أطش. وأنا مش راضي أكلمك وأضايقك.
ياسر: ده كلام برضه!!! بس كان عندنا مشكلة كده أما أشوفك حـ أبقى أحكيلك.
وجدها كرم فرصة ذهبية لطلب المساعدة من ياسر ونورا فقد يأس من أن تنتبه هيام له.
كرم: ياسر... أنا عايزكم تساعدوني بقى أنا خلاص تعبت.
ياسر بقلق: خير؟
كرم: هيام... عايز أشوفها وأتكلم معاها. ومش عارف... حـ أتجنن خلاص. أنا كل يوم بستناها قدام المدرسة ومفيش ولا مرة عرفت أكلمها. قلبي خلاص حـ يروح مني.
اندهش ياسر بشدة لمشاعر كرم المفاجئة له تجاه هيام.
ياسر: للدرجة دي؟
كرم: وأكتر والله بجد. أنا مش عارف جرى لي إيه؟ شكلي حبيتها من غير حتى ما أكلمها.
ياسر: يا عيني يا عيني... طيب سيب الحكاية دي علينا وإحنا نخليكم تتقابلوا وتتكلموا.
كرم بلهفة: بجد؟ إنت أجدع صاحب في الدنيا.
ليتفقا على أن تقوم نورا بالاتصال بـ هيام ودعوتها على تناول الغذاء معهما وتكون حلقة وصل بين كرم وهيام.
أمجد...
باضطراب ملحوظ أخذ أمجد يؤنب نفسه على بُعده عن هيام وتجنبه توضيح مشاعره تجاهها، ليجد أن أفضل الحلول هو التصريح المباشر لها.
أمجد: كده كتير أوي. أنا بكرة لازم أروح وأتفاهم معاها وأقول لها أني بحبها وعايز أتجوزها. مش حـ أستنى أكتر من كده. أيوه... بكرة أروح لها المدرسة. مش كفايه كل ده مش شفتهاش. كان لازم تتجوزى دلوقتى يا نورا. كان زماني بشوفها كل يوم.
بعد انتهاء ليل طويل تأمل به هيام أن يمر الوقت ليأتي الصباح بروتينيته المعهودة لتبدأ يومها بصلاتها وتجهيزاتها ذهابًا للمدرسة.
بينما شعرت نورا أخيرًا ببعض الراحة والمتنفس بزوال عارض هذه العقبة التى مرت بأول حياتها مع ياسر لتستقر أمورهم ويعودوا كما كانوا من قبل.
مع بداية يوم جديد انتظره الجميع لغاية بنفسهم، حتى أن سميرة تلك الفتاة الغير متوقعة والتى تبحث دائمًا عن حياة غير عادية، لكن كل الظروف المحيطة بها تجبرها على حياة عادية للغاية مما أثار الملل بنفسها لتقرر اليوم أن يصبح غير عادي.
حضرت سميرة علبة ذات حجم كبير، تلك التى تشبه علب الهدايا المحاطة بشريط أحمر كبير تعطيها رونقًا أنيقًا للغاية ثم وضعتها برفق فوق فراشها لتبدل ملابسها استعدادًا لبدأ يوم عملها المعتاد.
ارتدت سروال أبيض واسع وكنزة بنفس اللون ثم ارتدت سترة هيام السوداء دون علمها، فهى ترى أنها تبدو أنيقة بها ولابد من اقتراضها دون أن تدري أختها التى ترفض دائمًا إعطائها شيئًا من ملابسها.
دلفت إلى الغرفة أختها الصغيرة هبه لتفرغ فاها بقوة وهى تردف بصدمة.
هبه: يا نهار!!!! حـ أقول لـ هيام إنك أخدتي الجاكيت الجديد بتاعها.
اتسعت عينا سميرة الواسعتين بتفاجئ من دخول هبه وإمساكها بالجرم المشهود لترفع إصبعها أمام شفتيها تنهر أختها بقوة حتى لا تفضح أمرها قائلة بتحذير.
سميرة: اششششش... مشافوهمش وهم بيسرقوا... إسكتي خالص... مرة من نفسي أروح الشغل وأنا لابسة حاجة عليها القيمة.
عقصت هبه أنفها بقوة وهى تردف بطريقة مماثلة لأختها سميرة، فهى تتعلم منها الكثير.
هبه: طب ما هي حـ تشوفك يا فالحة؟
أكملت سميرة تطلعها بالمرآة وهى تردف بإستنكار.
سميرة: حـ تشوفني فين بس؟ هي زمانها نزلت وعقبال ما تيجي حـ أكون أنا رجعت من بدري. حـ تشوفني إزاي بقى؟
رفعت هبه كتفيها ثم أهدتهما بمعنى لا أدرى.
هبه: إنتِ حرة يا أختي أنا ماليش دعوة.
وقعت عيناها على تلك الهدية الموضوعة فوق الفراش.
هبه: "إيه ده...؟!!! الله الله... والهدية الحلوة دي لمين بقى؟"
استدارت سميرة بحركة فجائية وقد لمعت عيناها ببريق ماكر ثم قالت.
سميرة: حبيبتي يا هبه... ليكي يا قمراية افتحيها بقى وشوفي جبت لك إيه.
مدت هبه يدها بسعادة لتفتح العلبة لتفاجئ بدمية مخيفة زنبركية تقفز من العلبة بإندفاع نحو وجهها، فزعت هبه للغاية وألقت العلبة بالكامل من يدها منتفضة وهى تبتعد عن السرير بفزع.
هبه: منك لله يا شيخة... قلبي وقف.
سميرة ضاحكة: إيه رأيك حـ آخدها لـ عبير النهاردة.
بنظرات مشفقة أجابتها أختها.
هبه: دي عبير غلبانة والله استحملت منك ياما أوي. كفاية عليها كده.
عبث بحاجبيها بدعابة كطبعها الذي لا يتغير.
سميرة: لأ طبعًا... دي نسّايَة ومطلعة روحي في الشغل. ده أقل واجب.
مع إصرار سميرة على مقلبها المازح بـ عبير هتفت هبه بتعبير يشابه أختها الشقية قائلة.
هبه: طيب... أبقى قوللي بقى حـ تعملي إيه لما تشوفها.
سميرة: يا سلام... بس كده.
المعمل...
حملت سميرة العلبة لتكون أول الواصلين إلى المعمل، وضعت علبة الهدايا على مكتب عبير ثم جلست خلف مكتبها في انتظار حضورها مستمتعة برد فعلها حين تفتح العلبة أمامها.
انتظرت سميرة مجيء عبير بترقب، فذلك طبعها منذ عهدت عبير وغيرها من صديقاتها أثناء فترة الدراسة، فهى تتمتع بروح محبة للدعابة والمزاح تبتكر على الدوام مثل هذه المقالب الشقية لكسر الملل ونشر البهجة. فمع ضغط وتوتر أجواء العمل فكرت سميرة إعادة هذه الذكريات الضاحكة لأذهانهم جميعًا والبُعد عن توترات الحياة والعمل.
دلفت عبير بعد قليل من الانتظار إلى داخل المعمل ليُلفت نظرها شكل هذه العلبة الفخم والموضوعة بعناية فوق سطح مكتبها، ارتسمت ابتسامة سعيدة فوق ثغرها وقد أطلقت العنان لمخيلاتها بصاحب الهدية.
عبير لنفسها: "الله هدية... يمكن أحمد جابها. ولا سميرة... أنا بحب الهدايا أوي."
أقبلت عبير نحو الهدية لتفتحها لتفاجئ بتلك الدمية المخيفة تقفز بوجهها لتنتفض بقوة وهى تلقي بها بعيدًا بفزع لتدرك أن تلك الأفعال لن تخرج سوى من واحدة فقط.
استدارت بغضب نحو سميرة التى علت ضحكاتها بقوة من هيئة عبير الفزعة، لتهتف عبير بحدة.
عبير: إنتِ مش حـ تكبري بقى وتبطلي لعب عيال ده. خضتيني.
سميرة: الله... مش بضحك معاكِ. فُكي فُكي.
أغلقت عبير العلبة مرة أخرى لتحملها ببعض الضيق واضعة إياها فوق مكتب أحمد الخالي.
عبير: خدي يا أختي هداياكي الله الغنى عنها.
ثم التفتت عبير بعد ذلك تجاه سميرة مستكملة.
عبير: يا بنتي اعقلي إحنا كبرنا خلاص. حـ أقاطعك وأنا الكسبانة صدقيني.
هزت سميرة رأسها بقوة حتى تمايلت خصلات شعرها السوداء هنا وهناك وهى تعقب بطريقتها الطريفة الأخاذة للعقول.
سميرة: متقدريش... ده إنتِ متعرفيش تعيشي من غيري أبداً.
عادت عبير نحو مكتبها وهى تضحك.
عبير: طب كرريها تاني كده وحـ تشوفي.
بعد مرور بعض الوقت دلف أحمد إلى المكتب متأخرًا كعادته ليلقي تحية الصباح عليهن قبل أن تُلفت علبة الهدايا نظره.
أحمد: صباح الخير. إيه ده... لمين الهدية الحلوة دي؟
بغمزة لطيفة من عبير تجاه سميرة أجابته بمزاح.
عبير: ليك طبعًا... من سميرة.
مفاجأة لم يتوقعها أحمد بالمرة لتتسع عيناه بسعادة بالغة ليُمسك بالعلبة متطلعًا نحوها بأعين مندهشة، ثم نظر تجاه سميرة قائلاً بابتسامة.
أحمد: ليا أنا؟ شكرًا يا سميرة. ويا ترى إيه المناسبة؟
لم تستطع سميرة الرد فهى تعلم أن عبير قد أقحمتها بورطة مع أحمد ردًا على مقلبها لها منذ قليل لتنظر نحو عبير معاتبة لها بصمت.
لكن تحول صمت سميرة إلى انفجار بالضحك هي وعبير حين قام أحمد بفتح غطاء العلبة وخرجت الدمية المخيفة قافزة بالزنبرك بوجه أحمد الذى شحب وجهه على الفور من الفزع.
أحمد ضاحكًا: الله يسامحك.
أمسك أحمد غطاء العلبة ليعيدها كما كانت محاولًا تدارك نفسه من الفزعة التى فزعها للتو.
دلف أمير إلى المكتب ليستفزه وقوف أحمد مع سميرة أمام مكتبها حاملًا علبة هدايا أنيقة مغلفة بشريط أحمر زاهي.
وقف أمير لبرهة ينقل بصره بين كلاهما وبين الهدية التى تتوسطهما ليبدأ قلبه بتسارع دقاته بضيق ويعلو فوق وجهه علامات الغضب.
لم يتفوه بكلمة واحدة بل أسرع نحو مكتبه عابرًا طريقه من جوارهما بضيق وغضب واضح.
تعلقت عيون سميرة بـ أمير حتى اختفى تمامًا عن ناظريها لتتعجب من سبب نظرته الغاضبة نحوها وعبوره بهذه الصورة حتى أنه لم يلقي السلام كعادته.
عبير باستنكار: غريبة... باشمهندس أمير ماله؟
لوح أحمد بلا مبالاة وهو يلتف ليجلس خلف مكتبه قائلًا.
أحمد: وإيه الجديد ما هو بقى كده على طول. مش كده يا سميرة؟
انتبهت سميرة من شرودها برد فعل أمير لتجيب أحمد بذهن مشتت.
سميرة: هاه... آه... يمكن!
كان ردها غريب للغاية بل مبهم تمامًا وغير مفهوم بالمرة ليتعجب أحمد قائلًا.
أحمد: هو إيه اللي يمكن؟
انتبهت سميرة لما تفوهت به لتردف بغموض.
سميرة: ولا حاجة... ولا حاجة.
جلست سميرة خلف مكتبها تتابع التقارير التى وضعتها بالأمس ولم تنهها بعد حين سألتها عبير.
عبير: سميرة... بقولك إيه؟ هو ينفع تبقى تيجي تعدي على ماما معايا في أي يوم؟
سميرة بتساؤل: خير يا عبير هي طنط عايزة مني حاجة؟
عبير: أبدًا يا سميرة بس مغلباني خالص في موضوع الدكتور ده مش حابة خالص تروح تكشف وأنا عارفة إنها بتحبك وإنتِ كمان ليكي طريقة كده ممكن تقنعيها بإسلوبك الحلو ده.
سميرة: آه طبعًا... في أي وقت بكرة كويس؟
عبير: كويس خالص... معلش يا سميرة حـ أتعبك معايا.
سميرة: ده كلام برضه... إنتِ عارفه إني بحب طنط أوي وإنتِ زي هيام وهبه.
عبير بامتنان: حبيبتي تسلميلي.
جلس أحمد خلف مكتبه بملل واضح ثم زفر بقوة وقد عقد ملامحه بضيق ملحوظ حين تذكر شيئًا قد نسيه تمامًا ليضرب جبهته بكفه.
أحمد: أوووف... يااه... ده أنا لازم أطبع الورق ده وأديه لباشمهندس أمير ونسيت خالص. يا صباح العكننة على الصبح.
سميرة: وإيه المشكلة؟
أحمد: مش شايفة مزاجه عامل إزاي. والواحد مش ناقص.
وجدتها سميرة فرصة سانحة للذهاب إليه ومعرفة سبب غضبه ونظراته الغير مفهومة التى رمقها بها لتردف بذكاء.
سميرة: عادي إنتَ لو حبيت أنا ممكن آخده منك لما تطبعه وأنا أديهوله. لو مش حابب تدخله إنتَ يعني.
ابتسم أحمد ظنًا منه أن سميرة ستفعل ذلك لأجله فتملكته نشوة سعادة بعرضها.
أحمد: وماله... يبقى كتر خيرك والله أجهزه وأديهولك.
سميرة: تمام.
مكتب أمير...
جلس أمير فوق مقعده بتوتر يحرك ساقيه بطريقة عصبية ويطرق بأطراف أصابعه فوق سطح المكتب بذات الوقت الذى دلف به أشرف إلى المكتب ليطمئن على حاله كعادته كل صباح.
أشرف: أمير!! جيت إمتى؟
أمير بضيق: من شوية.
أشرف: وعملت إيه طمني؟ رحت قدمت طلب في الأكاديمية بتاعة البحث العلمي ولا كسلت؟
أمير بضيق: رحت... وأخدت معاد كمان أسبوعين.
بنظرات متسائلة عن سبب ضيقه الذي اعتراه بدلًا من فرحته بتحديد موعد لمناقشة ابتكاره المميز.
أشرف: كويس... أمال مالك شكلك مش مبسوط ليه؟ واحد تاني مكانك كان زمانه طاير من الفرحة. ده أخيرًا بعد ثلاث سنين حـ تقدم المشروع.
ثبت أمير عيناه نحو أشرف ليُباغته بسؤال لم يتوقعه على الإطلاق واضعًا كل اهتماماته وبحثه وما وصل إليه جانبًا.
أمير: هي سميرة وأحمد بينهم إيه؟
أشرف بتفاجئ: مين؟
زادت حدة أمير واتخذ صوته نبرة قوية منفعلة.
أمير: سميرة وأحمد!!!!!!!! إيه جرى إيه يا أشرف... مش عارفهم؟
ضيق أشرف بين حاجبيه مستنكرًا عصبية أمير دون سبب.
أشرف: جرى إيه... إيه يا أمير... إيه إللى معصبك كده دلوقتي؟ أنا معرفش عنهم حاجة... بس على كل الأحوال... سواء بينهم حاجة أو مفيش بينهم حاجة... إنتَ يهمك إيه؟
أمير باضطراب: ولا حاجة... اااا... بسأل بس.
أشرف بصراحة: أمير... أنا حـ أسألك مباشرة من غير لف ولا دوران. إنتَ حبيتها؟
رواية لحظات منسيه الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
فِهمٌ خاطئ...
بُهت أمير حين فوجئ بسؤال أشرف عن سميرة لتتضارب دقات قلبه المتسارعة وهو يطالع أشرف بتلجلج واضح.
أمير: حب إيه وكلام فاضي إيه!!! أنا... أنا... بسأل عادي يعني!!!
قالها مخفيًا ما يشعر به معللًا سؤاله بالأمر العادي حين صارحه أشرف بشيء من الخشونة الكاشفة.
أشرف: لا يا أمير مش بتسأل عادي، وشكلك وطريقتك بتقول إن جواك حاجة للبنت دي. فكر كويس واعرف أنت عايز إيه الأول بدل ما الوقت يسرقك وتندم في يوم من الأيام وتلاقي نفسك في وقت متأخر. وساعتها تلاقيها راحت من بين إيديك.
إبتلع أمير ريقه بتخوف لتنقبض ملامحه مجيبًا إياه بسؤال قلق.
أمير: قصدك إيه؟ قصدك إنها ممكن تتجوزه؟
رفع أشرف حاجبيه ملقيًا كلماته بحزم حتى يستفيق أمير من غفلته التي يدور بها.
أشرف: وإيه المانع؟ البنت بقالها فترة شغالة معانا. وهي الصراحة أخلاق وأدب وجمال وشكلها بنت ناس طيبين. يعني فرصة لأي واحد مش أحمد بس.
إنتفض أمير واقفًا يهتف بحدة رافضًا بشكل تام ظنه بهذا الأمر.
أمير: لا لا... لا يا أشرف... أنا مش... أنا... هي... لأ... متلخبطنيش. إنت عارف... ميادة لسه جوايا. أنا... لسه منستهاش.
عقد أشرف ذراعيه أمام صدره قائلًا بحنكة رجل ذي عقلية راجحة وعقل حكيم.
أشرف: أمير إنت مفكرتش قبل كده... هل إنت فعلًا كنت بتحب ميادة؟ ولا كنت بس عايز تحس بجو الأسرة والعيلة اللي إنت محروم منه من سنين؟
أمير: إيه؟ أكيد كنت بحبها... هو ده سؤال يعني!!!
أشرف: أيوة هو ده السؤال. إنت كنت متأكد فعلًا من مشاعرك ناحيتها؟ ولا هي كانت الوسيلة اللي هتخليك تعيش في أسرة وبيت واستقرار؟
تجهمت تقاسيم أمير متفكرًا بتردد فيما يقوله أشرف.
أمير: قصدك إيه؟
كانت تلك المرة الأولى التي يقصف بها أشرف بما يضجه بصدره منذ لقائه بـ ميادة وظنه بها ليردف بتوضيح.
أشرف: قصدي... هو إنت فعلًا زعلت إنك خسرتها؟ ولا زعلت إنك بقيت لوحدك؟ حاسس إنها هي نفسها بتوحشك ولا حاسس بالفراغ؟ ركز يا أمير... واحكم بنفسك على مشاعرك كانت إيه. كفاية حابس نفسك جوه فكرة إنت مش فاهمها لحد دلوقتي!!!
صمت أمير مستمعًا بتفكر بحديث أشرف الذي استطرد مستكملًا.
أشرف: طيب مفكرتش في سميرة بالنسبة لك إيه؟ وغيابها وفراقها بالنسبة لك إيه؟ ولو اتخطبت ولا اتجوزت عادي بالنسبة لك ولا لأ؟ ده إنت اهتمامك بيها النهاردة نساك فرحتك بتعبك وشغلك اللي بتحبه بقالك سنين. راجع حساباتك تاني يا أمير.
أنهى أشرف حديثه مع أمير تاركًا إياه يتخبط في أفكاره الصادمة فقد أوضح له أشرف أشياء لم يكن منتبهًا لها من قبل.
أخذ أمير يتحدث مع نفسه بصوت مسموع كما لو أنه يذكر نفسه بتلك الكلمات.
أمير: "أنا فعلًا حسيت بوحدة بعد ميادة مش زعل عليها... كان نفسي أبني أسرة وبيت... بالعكس... أنا تقريبًا هي مش بتيجي على بالي خالص... بس سميرة...؟ طيب... أنا ليه زعلان إنه جاب لها هدية ولا هي جابت له هدية؟ طب لو حبها ولا هي حبته..."
مجرد تفكيره فقط شعر له أمير بضيق قوي لاح بصدره وانتبه لقلبه الذي زادت دقاته حينما طغت على تفكيره فهو يتمنى رؤيتها والتحدث معها طوال الوقت، يتمنى رؤية ضحكتها الشقية وأسلوبها المرح.
لكن ما تساءل له حقًا... هل هي تحب أحمد... هل دق قلبها له؟
***
سميرة...
لملمت تلك الأوراق التي تحدث عنها أحمد منذ قليل بحماس يتقد بها فهي لا تقوى على الانتظار لأن تدلف إليه المكتب الذي اتجهت له على الفور حيث طرقته بطريقتها المميزة التي جعلت أمير ينتبه بتلهف نحو مقبض الباب قبل أن يتحرك ويدق معها قلبه فطرقتها حفرت داخل عقله وأدركها من بين جميع الطرقات التي سمعها بحياته.
وجهها البشوش الذي أطل من خلف هذا الباب الخشبي السميك تلقى تحية الصباح بعيون غارقة ببريق متوهج تضج به الحياة.
سميرة: صباح الخير يا باشمهندس.
تذكر الهدية ووقوفها مع أحمد بالصباح ليرد تحيتها بتجهم.
أمير: صباح الخير.
دلفت لبضع خطوات وهي تضع الملف فوق المكتب أمام عيناه موضحة.
سميرة: ده الورق اللي حضرتك طلبته من أستاذ أحمد.
ارتفعت عيناه الغاضبتان يحدق بها بنظراته المتقدة قائلًا لنفسه.
أمير: "وهي الأمور ما بينهم لدرجة إنهم كمان بقوا يعملوا شغل بعض؟!!!! للدرجة دي الأخذ والرد... يعني طول الوقت بيتكلموا...؟!!!! يعني بتقعد تضحك معاه وتتكلم معاه....؟!!!! ويهاديها وتهاديه....؟!!!! دي كمان عايزة تريحه من الشغل وبتجيبه هي بداله."
حديث لم ينته بداخل رأسه فقط بينما تابعت سميرة نظراته الغاضبة المتفرسة بوجهها قائلة لنفسها.
سميرة: "إيه اللي مضايقه قوي كده النهاردة؟ ده أنا ما صدقت لقيت حجة آجي بيها هنا وأحاول أعرف إيه اللي ضايقه!!! بس ليه حاسة أنه متضايق مني أنا...؟!!! هو أنا عملت حاجة زعلته؟!!! ولا إيه؟!!! طيب يزعل مني ليه؟!!! لأ... أنا مش عايزاه يزعل مني... يوووه... إجمعي يا سميرة هو فيه إيه؟!!! إنتي زعلانة إنه زعلان منك؟!!! ده صاحب الشغل بس... افتكري... ده صاحب الشغل بس..."
بعد لحظات من ذلك الحوار الصامت بينهم قطعه أمير بنبرة غاضبة حادة للغاية لم تعتادها سميرة بحديثه معها.
أمير: ارميه هنا واطلعي بره!!!
إلى هنا ولن تصمت لأكثر من ذلك فعليها أن تسأله مباشرة لتتخذ نبرة جادة بحديثها.
سميرة: إنتَ زعلان ليه؟؟
تداركت سميرة تسرعها بسؤالها الصريح لكن بعد فوات الأوان فلقد سألته بالفعل السؤال الذي يدور بعقلها.
تهدج صدره للحظات ليجيبها بطريقة أشبه بالعتاب.
أمير: وهي فارقة معاكِ...!!! خليكِ إنتِ في مشاغلك!!!
سميرة مستنكرة: مشاغلي!! قصدك إيه أنا مش فاهمة حاجة؟!
نهض أمير من فوق مقعده ليلتف تجاهها حتى وقف بمجابهتها تمامًا ليتملكه غضبه وغيرته من أحمد وقربه منها الذي أشعل النيران بداخله.
أمير: مشاغلك... إيه مش عارفاها...؟؟؟!!!
قالها أمير ثم استكمل موضحًا بصيغة اتهام وغضب.
أمير: أقولك أنا... حياتك... زمايلك... هداياكِ... والمرقعة اللي إنتِ فيها!!!
أطلقت كلماته اللاذعة غضبها باتهامها بالميوعة وأغاظها طريقته الحادة الغاضبة بدون سبب لتهتف به بضيق.
سميرة: إنتَ إزاي بتكلمني كده... وبتزعق لي ليه...؟!!! وإنتَ إيه اللي يهمك جبت هدية لحد ولا حد جاب لي هدية...؟!!!
ردها الغاضب وسؤالها سبب له اضطراب شديد فسواها كانت تشعر بالحرج وتلوذ بالصمت لكنها قوية لا ترضخ للأمور باستسلام ليجيبها ببعض الارتباك.
أمير: أنا... أنا... أنا صاحب الشغل... أنا...
برقت عيناها وهي تضعها بعيناه كمن ينتظر توضيحًا حقيقيًا يستحق غضبه وانفعاله بهذه الصورة.
سميرة: إنتَ إيه...؟؟!
زاغت عينا أمير بتهرب وهو يستدير مبتعدًا بعيناه المضطربة من عيناها المتقدة الثابتة نحوه.
أمير: ولا حاجة... اتفضلي اطلعي لأصحابك بره ويكون في علمك الأخلاق دي أنا مسمحش بيها في المكتب هنا فاهمة...!!!
وسط دهشة سميرة من حديث أمير إلا أنه تملكها الغضب عندما وصف تصرفها بسوء الخلق فهي لن تمرر ظنه السيء بها، فهي لا تتحمل ما يهين كرامتها أو سمعتها بما يسمى بسوء الخلق لتهتف بحنق.
سميرة: أخلاق...؟؟!! أخلاق إيه...!!!! أنا محدش يقدر يتكلم على أخلاقي نص كلمة...!!!
وقوفها بتحدي حتى أن كل ذرة بكيانها يصرح بهجومها الشرس عليه جعله يتراجع عن تهربه ليطالعها بلوم وهو يعقب ساخرًا دون أن يهدأ انفعاله الغير مبرر.
أمير: والله...!!!!! أمال يا آنسة يا محترمة إزاي بتاخدي هدايا من واحد مالكيش علاقة بيه؟!!! تقدري تفهميني ده يبقى اسمه إيه...؟؟؟
بهذه اللحظة فهمت تمامًا مقصده خلف هذا الانفعال المحير منذ الصباح، فهو يظن أنها قبلت هدية من أحمد، لم يهدئ ذلك من ثورتها بل زاد ذلك من غضبها فكيف يفكر بها بهذه الطريقة، كيف يظن بها ذلك، لم تتحمل إهانتها بهذا الشكل فلم يجرؤ غيره بالطعن بأخلاقها بهذه الصورة لتشعر بالطعن بكرامتها وأخلاقها التي لم يختلف عليها اثنان.
رمقته سميرة بحدة ثم خرجت مباشرة من المكتب، مغادرتها بهذا الشكل المنفعل صدم أمير للغاية فلم يتوقع رد فعلها هذا لينتابه شعور بلوم نفسه على ما فعله ليؤنب نفسه قائلًا.
أمير: "زعلت... أكيد زعلت... مكنش لازمه اللي أنا قلته ده... بس كنت هـ أقول إيه بس..."
تفاجئ أمير بعودتها مرة أخرى وهي تحمل نفس علبة الهدايا وهي تتقدم نحوه بوجه ممتقع متجهم تمامًا قبل أن تطلب منه بحدة.
سميرة: اتفضل....!!!
لم يفهم أمير لما أحضرت له الهدية التي تلقتها من أحمد طالبة منه فتحها ليردف بدهشة.
أمير: نعم!!!
بإصرار أجابته سميرة بنفس الضيق.
سميرة: اتفضل افتحها...
أمير: وأنا أفتحها ليه... هي كانت بتاعتي...؟!!
سميرة: ممكن تفتحها وخلاص...
رغم ثبات عينيه تجاه ملامحها الملحة على تنفيذ طلبها أمسك أمير بالعلبة و قام بفتحها ليفاجئ بالدمية تقفز أمامه فما كان منه إلا نظرات يملؤها البلاهة والصدمة مدركًا أنه كان مخطئًا في ظنه لتردف سميرة بتعليق لاذع أثناء فتحه للعلبة.
سميرة بسخرية: دي لعبة حضرتك!!! هزار يعني... اللي متعرفوش عني إني مبقبلش من أي حد هدايا...!!!!! عشان أنا واحدة محترمة ومتربية... ومكنش إلزام عليا إني أوضحلك ده... بس محبش أسيب حد يسيء الظن بيا وبأخلاقي.
أنهت عبارتها وهي تستدير للمغادرة قائلة.
سميرة: بعد إذنك... واعتبر النهاردة آخر يوم ليا في المعمل....
صدمة أخرى موجعة، لا لن يتركها ترحل، لقد أدرك خطأه وتسرعه، شعر بالندم لتسرعه وتفوهه بكلمات ليس لها أي أساس من الصحة ليسرع بخطواته متداركًا سميرة قبل خروجها من المكتب وهو يمسكها من زندها محاولًا إيقافها. نظرت سميرة نحو يده المتعلقة بذراعها بغضب لتنفض يده عنها بقوة.
سميرة بغضب: إيه ده...؟!!! إنت إزاي تمسكني كده...!!!
إبتلع أمير ريقه بصعوبة محاولًا إخراج الكلمات المناسبة هذه المرة.
أمير بخجل: آسف...
نظرت له سميرة بحدة عاقدة ذراعيها أمام صدرها بقوة، هي تعلم جيدًا أن اعتذاره الآن ليس بالاعتذار الهين خاصة وسط أحواله النفسية المضطربة. كما تعلم أن هناك سبب آخر خلف عصبيته وغضبه لمجرد هدية. نعم هي لا تدرك هذا السبب حقيقة لكنه شيء يخفيه بداخل نفسه. يكفيها محاولته للاعتذار وشعوره بالذنب لخطئه في حقها، متيقنة بأنها سوف تعرف السبب الحقيقي في حينه. رفعت سميرة رأسها بغرور وثقة متسائلة.
سميرة: أسف على إيه بالضبط...؟؟!
تملكه بهذه اللحظة شعور صادق بأن عليه ألا يخسرها بأي صورة ممكنة.
أمير: على كل حاجة... آسف إني مسكت إيدك... و... آسف إني قلت كلام مش مظبوط عنك...
طرف سميرة بعينيها بخيلاء مردفة بكلمة واحدة وهي ترفع أنفها بشموخ.
سميرة: ماشي...
سألها محاولًا التأكد مما ظنه.
أمير: يعني خلاص مش حـ تمشي...؟!!
سميرة: أيوة...
إبتسم أمير بسعادة أظهرت وسامته وهدوء ملامحه التي كان الغضب دومًا يغطي عليها حين مالت سميرة فمها ببعض المزاح قائلة.
سميرة: حـ أعديهالك المرة دي... إيه ده.... أخيرًا ضحكت...!!!
إتسعت ابتسامته بقوة دون أن يدري فلقد أصبحت سميرة تخرج مشاعره الحبيسة بداخله دون حساب أو تفكير.
أمير: ممكن تقعدي بقى...
طأطأت رأسها قليلًا وهي ترفع كلا حاجبيها قائلة.
سميرة: أعتبر ده عربون صلح يعني..؟!!!
أمير: اللي تشوفيه...
سميرة: ماشي...
جلس أمير فوق مقعده دون أن تبتعد سميرة عن عيناه كذلك شعرت سميرة بفرحة وغمرت السعادة قلبها فور رؤية ابتسامته وتناست كل شيء حولها.
أمير: تشربي حاجة بقى...
مطت شفتيها بتملل وهي تعقص أنفها باشمئزاز دراماتيكي.
سميرة: لاااا وعلى إيه خلينا عطشانين... أحسن تفتكره هدية ولا حاجة وإنتَ دماغك بتروح بعيد على طول.
تلومه بأسلوبها اللذيذ ليتقبله بتوق للمزيد فحتى العتاب منها له مذاق خاص.
أمير: أنا آسف للمرة الثانية... وعارف إني مكنش ينفع أقول حاجة زي كده...
سميرة: خلاص... مش مشكلة...
تاهت جميع الكلمات من أمير ولم يدرِ عن ماذا يتحدث الآن فتذكر ابتكاره الذي سيقدمه للجنة.
أمير: أنا... أنا قدمت النهاردة في أكاديمية البحث العلمي عشان أقدم المشروع بتاعي...
سميرة بحماس وسعادة لم يكن يتوقعهما أمير.
سميرة: بجد... وأمتى حـ تقدمه...؟؟!
أمير: كمان أسبوعين...
لمعت عيناها ببريق يمزج بين الحماس والفضول لتسأله.
سميرة: هو إيه تفاصيله بالضبط...!!؟؟
أمير: قدرت أخترع مادة لما تتحط على الأسطح أو تدخل في تركيب قماش أو أي حاجة تمنعها أنها تتحرق حتى لو حاوطتها نار شديدة هي مبتتأثرش نهائي... أي نعم ليها تأثيرات كتير قوي بس أهمها بالنسبة لي إنها بتمنع الاحتراق وليها استخدامات تانية كتير جدًا...
حركت حاجبيها بشقاوة ثم هتفت بحماس مغلف بمزاحها الذي لا يتجزأ من شخصيتها.
سميرة: فكرة عبقرية... دي حـ تجيب لك فلوس إيييه.... أيوة يا عم...
أمير بضحك: إنتِ مش معقولة على فكرة... إنتِ بتقري عليا... مش لما آخد براءة الاختراع طيب...
سميرة: إن شاء الله واخدها واخدها... بس متنساش الحلاوة بقى... مش أنا ساعدتك في التجربة وكان وشي حلو عليك...
قالتها بعفوية بينما لمست قلبه بوجودها إلى جواره دون حتى أن يعترف هو بذلك، لحظة إدراك لماهية مشاعره تجاهها وأنه قد غرق عشقًا بتلك الساحرة.
لم يستطع إخفاء ما يشعر به بتلك اللحظة ليردف بنبرة محبة متأثرًا بها.
أمير: طبعًا وشِك حلو عليا... وحلاوتك حـ تبقى كبيرة... كبيرة قوي...
وقع كلماته على مسامعها وقلبها كان مختلفًا للغاية تلك المرة، لقد شعرت بإحساس غريب مختلف تجاه هذا الأمير حتى أن دقات قلبها أخذت بالتسارع رغمًا عنها.
زاغت عيناها بخجل شديد لتنهض من جلستها باضطراب.
سميرة: طيب أروح أنا بقى..... ااا... عندي شغل...
أمير: مش حـ أعطلك... اتفضلي...
غادرت سميرة المكتب بخطوات متعجلة وقد رسمت ابتسامة سعادة فوق ثغرها حاولت إخفائها من فوق وجهها الذي أشرق بحمرة خجل وسعادة بنفس الوقت.
***
كرم...
إنتفض بفزع من نومته حين سقطت عيناه على عقارب ساعته الموضوعة فوق الكومود ليهتف بضيق.
كرم: لا بقى مش كل يوم.....!!!
أدرك أنه تأخر لليوم الثاني على التوالي ليرتدي ملابسه في عجالة متخوفًا من تكرار ما حدث بالأمس مرة أخرى.
إستقل سيارته مسرعًا بطريقه نحو المدرسة هذا الطريق الذي لا يدرك سواه حتى الآن.
***
هيام...
أنهت يومها الدراسي بروتينيه لتحمل حقيبتها للخروج من المدرسة بموعدها المعتاد.
تحركت ببطء نحو البوابة الرئيسية لتنظر يسارها كما لو أنها تريد إثبات لنفسها بوجود ولو أمل بسيط بأن سبب غيابه ربما كان لأمر شغله وسيعود مرة أخرى.
لكنها حين رفعت عيناها تجاه اليسار تجاه البقعة الخاوية التي كان ينتظر بها، شعرت بألم كما لو فقدت شيئًا عزيزًا وغاليًا. كيف خانها قلبها بهذه الصورة فقد كانت دومًا القوية المسيطرة على كل مشاعرها وحياتها.
فتحت عيناها بحزن عابرة الطريق لتجد مسلكًا نحو طريق الحافلات لتعود إلى حياتها الرتيبة الماضية.
وسرعان ما سمعت أحدهم يهتف لاهثًا باسمها لتستدير بفرحة وسط تسارع نبضات قلبها راقصًا طربًا.
لكن شعورها بالخيبة والضيق كانا حليفان لها في هذه اللحظة فقد وجدته آخر شخص تتوقع رؤيته الآن.
زفرت بضيق لترد بدهشة لوجود هذا الشخص هنا وفي هذا الوقت.
هيام: أمجد!!
أمجد: إزيك يا هيام... أخبارك إيه...؟!!
أجابته هيام دبلوماسية حزينة متصنعة ابتسامة باهتة.
هيام: تمام الحمد لله... وإنتَ...؟!
إستقبل ردها المجامل بسعادة بالغة شقت لها ابتسامته العريضة بملامحه القوية.
أمجد: كويس طبعًا مش شفتك.... هيام.... أنا.... ااا... عايز أتكلم معاكِ شوية...
بتهرب منه وهي تزيغ بعيناها المحبطتان أمسكت بحقيبتها بقوة تتشبث بها وهى تتعذر لـ أمجد بنبرة مختنقة.
هيام: معلش يا أمجد مرة تانية أصلي متأخرة أوي....
لا لن يترك تلك الفرصة تهدر مثل مثيلاتها ليردف بإصرار.
أمجد: ضروري يا هيام... ده بالنسبة لي مسألة حياة أو موت....
تنهدت هيام بقوة وهي توافق مرغمة على الاستماع إليه.
هيام: اتفضل.. بس معلش مش حـ أتأخر عشان بجد عندي شغل...
أمجد: ممكن نقعد في مكان ونتكلم...
هيام بضيق: لا يا أمجد لو عايز تقول حاجة قولها دلوقتي على طول... أو تسيبني أشوف اللي ورايا...
قالتها بحدّة كطبعها تمامًا فهي لا تقبل أنصاف الحلول، لا تحب القيام بشيء مرغمة عليه، فليس عليه إجبارها على التمادي به فقد قبلت الحديث معه على مضض، شعر أمجد بحدتها ليتراجع على الفور خوفًا من خسارة فرصته معها.
أمجد: خلاص تمام.. اا.. أنا.... هيام.... أنا...
هيام: فيه إيه قلقتني ممكن تتكلم على طول...
أمجد: بصراحة... أنا بحبك أوي يا هيام ومش قادر أعيش من غيرك... وعايز أتوزجك...
إتسعت عيناها القاتمتين بصدمة تفاجئ، لم تفاجئت بالأمر فهي تعلمه من نورا من قبل، لكن تفاجئت بصراحته وطلبه المباشر هذه المرة كما أنها قد اعتبرت هذا الأمر منتهى تمامًا عندما طلبت من نورا عدم التطرق لهذا الأمر مرة أخرى.
هيام: إيه!!!! أمجد بصراحة... أنا بعتبرك زي أخويا... ومكنتش أحب إني أرفض طلبك ده... بس مش حـ ينفع يا أمجد...
رفضها الصريح هوى بقلبه كخنجر حاد يمزق به بضراوة.
أمجد: بس... أنا بحبك... بحبك أوي...
لن تجامله وتضر نفسها لتثبت على رد فعلها القاسي.
هيام: أسفة يا أمجد... بس للأسف مش حـ أقدر...
تقوست عيناه بتذلل ليردف بترجى.
أمجد: طيب إديني فرصة وأنا حـ أسعدك ومش حـ تلاقي حد في الدنيا يحبك قدي...
هيام: إنتَ إنسان كويس جدًا... وألف بنت تتمناك... بس أعذرني يا أمجد... أنا أسفة... بعد إذنك.. لازم أمشي....
تركته هيام محطم القلب ليتحرك مبتعدًا قليلًا يلملم بقايا جرح قلبه المتيم.
وصل كرم إلى المدرسة بعدما قاد السيارة بسرعة جنونية حتى يستطيع اللحاق بها اليوم لكن فور وصوله وقبل أن يوقف سيارته اندهش لرؤية هيام تقف على الجهة المقابلة من المدرسة مع شاب ما.
كرم: مين ده....؟؟! وإشمعنى هو واقفة معاه كل المدة دي....
أخذ ينظر إليهم بتوتر وهو يطرق بأطراف أصابعه فوق عجلة المقود حتى ابتعدت عنه واتخذت طريقها نحو موقف الحافلات.
كرم: أنا مش حـ أستنى أفكر... أنا لازم أسألها على طول.....
ترجل كرم من السيارة متوجهًا بخطوات متعجلة نحو هيام وهو يهتف باسمها ليستوقفها.
كرم: هيام....!!!!
سمعت صوت ينادى مرة أخرى باسمها معتقدة أنه أمجد لتستدير بضيق فقد ملت بالفعل من طلب أمجد ونورا المتكرر.
لكنها حين رأته يقف أمامها مناديًا باسمها ابتسمت لا شعوريًا كما لو أنها كانت تنتظره متلهفة لهذا اللقاء.
هيام لنفسها: "هو... هو... رجع تاني.... وعارفني... وعارف اسمي....."
تقدم منها كرم غير مصدق أنه أخيرًا لحق بها وسيتحدث معها، ليردف بعتاب متنهدًا.
كرم: رايحة فين...؟؟!
إندهشت للغاية من طريقته الحنونة المعاتبة كما لو أن هناك ما يجمعهما معًا من قبل.
هيام: نعم....!!!!
ليستكمل كرم بذات الطريقة.
كرم: دوختيني وراكِ....
هيام بدهشة: أنا....!!!
إعتدل كرم بوقفته متشدقًا وقد ظهرت بملامحه ضيق ما محدثًا إياها بغيرة واضحة.
كرم: قبل أي حاجة.. مين اللي كنتِ واقفة معاه ده..؟!!
هيام: ده.... أخو.... نورا صاحبتي...
شعور هيام بخروجها من واقعها والإحساس كأنها تعيش بحلم كل ذلك جعلها ترد مباشرة على أسئلته بدون إدراك منها وكأنها مغيبة في حضوره الطاغي.
كرم بارتياح: عايز أتكلم معاكِ.. متنسيش إنك مديونة لي...
هيام باستغراب: أنا مديونالك إنت.. إزاي ده.... هو أنا أعرفك أصلًا....؟؟!
إتسعت ابتسامته وظهرت أسنانه المتراصة البيضاء لتظهر جاذبية انساقت خلفها هيام ببلاهة دون أن تدري مستمعة بإنصات لهذا الوسيم.
كرم: أيوة يا شربات... مديونة لي من يوم ما وقعتي عليا الشربات في الفرح....
هنا تذكرت هيام أين رأته من قبل، إنه ذاك الشاب الذي اصطدمت به بزفاف نورا وجعلها تضطرب في حضوره مثلما يفعل بها الآن.
هيام: ااااه.. هو إنتَ... افتكرت...!!
كرم: بس أنا عمري ما أنساكِ يا شربات...
ابتسمت هيام على تكرار اسم (شربات) عليها.
هيام: أنا مش شربات... أنا هيام...
أجابها بهيام وحالمية متناسيًا كل شيء محيط بهما.
كرم: عارف... بس إنتِ شربات حياتي اللي لقيته فجأة وحلى دنيتي....
هيام بارتباك: أنا.... ماشية... عندي شغل...
إستوقفها كرم بترجى.
كرم: عايز أشوفك...!
هيام: ما إنتَ شوفتني أهو...
كرم: تاني...
جمدت ملامحها بصعوبة لتجيبه بحزم وجدية شديدين.
هيام: أنا مش بتاعة الكلام ده... أنا معنديش وقت أضيعه في لعب وهزار...
كرم: أنا لا بعاكس ولا بتاع لعب وهزار....
هيام: وأنا مش فاضية... سلام...
تركته هيام وقد امتلأت حب للحياة وكأنها تريد الركض واللعب مع كل المحيطين بها. أهكذا هي الفرحة... أهكذا هو الاهتمام... أجميلة هكذا الدنيا...
عاد كرم منتصرًا نحو سيارته ليقودها عائدًا إلى الشقة سعيدًا بتحقيق حلمه الذي طالما راوده.
هيام...
كانت عيون أمجد تراقبهم بغيظ. كيف ترفضه وبنفس الوقت تضحك وتتكلم بهذه الصورة مع غيره. أترفض حبه مقابل هذا الشاب الغريب. لن تجد قلبًا مثل قلبه ولا حبًا مثل حبه.
أمجد: بقى كده يا هيام تسيبيني عشان ده.... تسيبى قلبي اللي بيتنفس هواكِ وعايش بس عشانك عشان ده.... ليه.... تعملي فيا كده ليه.... تعملي في قلبي كده ليه.... ليه....
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب
فور أن تركت هيام هذا المبتسم لتتخذ طريق عملها الإضافي لهذا اليوم، أخرج كرم هاتفه متحدثًا لصديقه الوحيد ياسر من فرط سعادته ليشاركه تلك اللحظة الهامة بحياته.
كرم: ألوو... ياسر.
ياسر: كرم... إبن حلال، كنت لسه حـ أتصل بيك.
كرم: أنا مبسوط... مبسوط أوى.
ياسر: يا رب دايمًا، ليه بقى؟
تلهف وحماس جعل نبرته مختلفة تمامًا، نبرة يملؤها الحياة حين أردف قائلًا:
كرم: كلمتها... أخيرًا كلمتها.
اندهش ياسر تمامًا، فهي أيضًا سبب ما كان سيتحدث معه بشأنها.
ياسر: مين؟ هيام!!! دة أنا كنت لسه حـ أكلمك عشانها.
كرم: عشانها... إزاي؟
بتلقائيته أجابه ياسر دون اللعب بأعصابه، فمن طبعه أن يكون واضحًا مباشرًا دون الالتفاف.
ياسر: نورا عزمتها بكرة عندنا عشان تيجوا إنتوا الاتنين وتتكلموا سوا.
تهلل وجه كرم بفرصة ثانية لرؤيتها.
كرم: بجد... إنتوا أحسن ناس في الدنيا.
ياسر بمكر: بس إنتَ شُفتها خلاص... مش مهم بقى.
تعكر صفو ضحكته ليصطنع كرم الضيق قائلًا:
كرم: هو إيه إللي مش مهم!!!! أنا جاي.
ياسر: على راحتك يعني.
بإستنكار مازح أردف كرم:
كرم: دة أنا كنت لسه بشكر فيك.
ياسر: ماشي، مستنيك بكرة على الغدا متتأخرش.
كرم: أتأخر!!!! دة أنا ما صدقت... يلا سلام.
ياسر: سلام.
***
المعمل.
لم يمر سوى ساعات قليلة منذ بدء العمل ومازال هناك وقت طويل بعد حتى ينتهوا من عملهم اليوم، فاجئهم طلب أحمد دون توضيح.
أحمد: أنا حـ أستأذن بدري النهاردة أشوفكم بكرة... سلام.
سميرة وعبير: مع السلامة.
نظرت عبير مطولًا نحو سميرة كما لو كانت تُجري الحديث برأسها أولًا، فهي تود منذ مجيئهم بالصباح التحدث إليها لكنها كانت مترددة للغاية.
عبير: سميرة... كنت عايزة أسألك سؤال بصراحة.
اندهشت سميرة من جدية عبير المبالغ بها لتردف بتعجب:
سميرة: ومالك واخداها جد كدة!!! متقولي على طول.
ثبتت عبير عيناها تجاه سميرة وهي تردف بغموض:
عبير: أحمد!!!
تطلعت بها سميرة ببلاهة وبدون فهم.
سميرة: ماله؟
عبير: أصل... يعني...
مطت سميرة شفتيها بتملل لتحث عبير على التحدث مباشرة.
سميرة: عبير... مبحبش التهتهة دي... اخلصي.
بنبرة مختنقة يشوبها بعض الانكسار لم تفهمها سميرة، أردفت عبير متسائلة:
عبير: كان يعني لمح لي أنه عايز يتقدم لك؟
سميرة بتعجب: يتقدم لمين؟ ليا أنا؟
عبير: ليه؟
هو غاية بالنسبة إليها، فكيف سميرة تهمش قيمته إلى هذا الحد لتردف عبير باستنكار:
عبير: هو إيه اللي ليه؟
سميرة: هو قالك كدة؟
ألا يكفيها تلك الرسالة التي تحملها رغمًا عنها، شعرت عبير ببعض الانفعال لتردف بضيق:
عبير: أمال يعني حـ أقولك كدة من نفسي!!!
سميرة: الصراحة أنا مش بحبه خالص... تقيل كدة على قلبي مش عارفة ليه.
هل يمكن أن يشعر المرء بالسعادة لمجرد عدم تقبل شخص لآخر؟ بل هذا ما شعرت به عبير بتلك اللحظة، إنها سعيدة للغاية لتجيبها بفرحة.
عبير: والله.
إشراقة وجه عبير أثارت التساؤل بنفس سميرة حين ضحكت معقبة:
سميرة: مالك يا عبير... إنتِ فرحانة؟
عبير: أصلي حموت ويحس بيا ولقيته جاي يكلمني عليكِ فمعرفتش أعمل إيه.
سميرة: لا يا أختي دة مش شبهي خااالص... بالهنا والشفا على قلبك إنتِ.
حركت عبير رأسها براحة لكنها استكملت حديثها مع سميرة بتساؤل آخر.
عبير: مجنونة... أمال مين بقى اللي شبهك؟
أنهت جملتها ونظرت بمكر نحو سميرة، فهي تشعر بأن هناك مشاعر خفية تخفيها سميرة بداخلها.
لكن سميرة لم تجيبها بما يريح قلبها بل أجابتها بشقاوة تثير غيظها.
سميرة: مالكيش فيه.
عبير: على راحتك... عمومًا أنا عارفة وباين على وشك مووت.
تجهمت ملامح سميرة المبتسمة فهل هناك ما يظهر عليها لهذه الدرجة.
سميرة: هو إيه اللي باين على وشي!!!!
عبير: باين إن اللي شبهك واحد عصبي دماغه في الشغل ولما بتدخلي المكتب بتطلعي وشك مليان قلوب حمراء بتلف حواليكِ كدة.
ابتسمت سميرة.
سميرة: أنا!!!
عبير: أيوه إنتِ... يلا ربنا يهني. المهم تسيبيلى أحمد.
سميرة: إشبعي بيه يا روحي.
تذكرت عبير أمرًا ما لتتحول ضحكاتها لجدية تامة قائلة:
عبير: طيب سيبك بقى من القلوب وخلينا في الجد.
سميرة: عايزة إيه تاني؟
عبير: ما تجيبي خمسين جنيه لحد ما نقبض الأسبوع الجاي.
رغم إمكانياتهم المادية البسيطة إلا أن سميرة تدخر راتبها ولا تنفق المال إلا للضرورة لتجيبها قائلة:
سميرة: إنتِ مستغلة على فكرة... المفروض أنا اللي أخد فلوس مش جايه لكم زيارة بكرة.
عبير: نقبض بس وأنا أظبطك.
سميرة: خدي يا آخر بختي... أنا أحوش وإنتِ تاخديهم بالساهل.
مدت سميرة يدها بالنقود لـ عبير التي أخذتها بتلهف، فهي كانت واثقة أن سميرة على الرغم أن أحوالهم المادية بسيطة للغاية إلا أنها ماهرة في الادخار وليست مسرفة إطلاقًا.
***
مر بقية اليوم مفرحًا للبعض حزينًا للآخرين، فقد كان يومًا حافلًا بحقائق لم يتوقعها الكثير، زادت من دهشة وحيرة البعض وسعادة وحزن البعض.
مشاعر متضاربة، فهكذا هي الحياة تميل بنا حيث تميل القلوب دون وعي ولا إدراك، فهو قدر مكتوب يُلقى بسهام الحب دون اختيار من نحب.
ليس له علاقة بشكل ولا هيئة ولا جاه ولا مال، فقط عشق القلوب للقلوب، فهي أرواح تتلاقى حتى قبل لقاء العيون.
***
أمجد.
تعامل مع الجميع بعصبية غير مبررة، لكنه أقسم لنفسه ولـ هيام بألا يضيعها من يديه ليأخذها منه هذا الشاب الذي لا يستحقها، وسيجعلها تتأكد من حبه حتى تحبه كما يحبها.
***
هيام.
مع إرهاق هذا اليوم الطويل إلا أنها تشعر بالسعادة لمجرد رؤيتها له اليوم، هل يمكن أن يكون هذا هو الحب؟ أهو يدق الأبواب بهذه السرعة ولا يحتاج لوقت أو لحديث؟
فقط قلبان تحابا دون ترتيب أو إدراك.
لكنها انتبهت لشيء هام، فهي حتى الآن لا تعرف اسمه بعد.
***
كرم.
كان لقرب هيام منه لهذا الوقت القصير مفعول ساحر، فقد حُفرت ملامحها الهادئة وابتسامتها الرقيقة وبحة صوتها المميزة في ذاكرته التي ظلت تعيد حديثهم القصير مرارًا حتى غفى في انتظار الغد.
***
أمير.
كانت الليلة مختلفة، فكانت عبارة عن مقارنات كثيرة بداخل رأسه المملوء بالأفكار، كم قارن بين كل كلمة نطقتها سميرة وأخرى تفوهت بها ميادة.
قارن بين رد فعل سميرة على أبحاثه وبين ملل ميادة منها.
قارن بين عزة وكرامة سميرة لمجرد كلمة جرحتها أمام تصرفات ميادة التي كانت كلها تنساق نحو سوء التصرف والخلق.
كم أدرك أمير أنه كان مغفلًا بارتباطه بمثل هذه الفتاة وإيهام نفسه بحبها طوال هذا الوقت.
أزاحت سميرة ميادة عن تفكيره تمامًا لتتربع فوق عرش أفكاره لتأخذه بسحرها لابتسامة ترسم بملامحه وأفكاره منذ عرفها.
***
سميرة.
لم ينقضي الليل بسهولة على تلك الشقية بل ظلت تحدث نفسها طويلًا لاكتشافها هذا الإحساس والمشاعر بداخلها.
سميرة: معقول!!! أكون حبيته كده على غفلة وأنا مش واخده بالي... بس حلو الحب ده... كده بقى مش ناقصني إلا إني أتأكد منه... بس إزاي بقى؟
ماهو لازم أصححه كده... مش معقول حـ أروح أنا أقوله بحبك... ميصحش برضه... أي نعم باين عليه النهاردة... بس ممكن يكون حس بالذنب أو بيراضي خاطري بس عشان قال لي كلمة تضايقني... يبقى لازم يقر ويعترف الأول... خليني وراك يا سي الباشمهندس أمير.
انتهت الليلة بأحزانها وأفراحها ليأتي الصباح بإشراقة جديدة ومشاعر جلية.
***
شقة ياسر ونورا.
جلس ياسر يتأمل نورا وهي تتوسط المطبخ لتقف بحيرة بماذا تبدأ لإعداد قائمة الطعام التي حددتها لدعوة غذاء اليوم.
ياسر: ها يا حلالة العقد... جهزتي كل حاجة؟
نورا بتوتر: بقولك إيه يا ياسر متوترنيش بقى... روح إنتَ أي مشوار ولا أنزل عند مامتك وباباك تحت عقبال ما أخلص ترتيب البيت وأعمل الغدا.
ضرب ياسر كفيه بصورة درامية مازحًا.
ياسر: لا حول ولا قوة إلا بالله... دة إحنا مبقالناش شهر متجوزين و تكرشيني من البيت... أمال لما يعدي علينا خمس ست سنين حـ تعملي إيه؟
رفعت نورا كفيها بوجه ياسر بحركة ضمنية كما لو أنها تمنع الحسد.
نورا: أهو هو قرك ده اللي عامل فيا كده... وبعدين إنتَ بتوترني وأنا عايزة أظبط كل حاجة قبل ما كرم وهيام يجوا... ياااه... شكلها كده حـ تبقى قصة حب بقى وحركات.
لوح برأسه غير مصدقًا، فهي لن تتعلم الدرس مطلقًا مهما حدث.
ياسر: مش حـ نخلص من خيالك الواسع ده... أنا نازل ولما تخلصي بقى أبقى رني عليا.
نورا: مع السلامة يا أبو العيال.
ياسر ضاحكًا: عيال... عيال مين؟ إنتِ إتهبلتي تاني؟
عقدت بين حاجبيها بطريقة طريفة للغاية وهي تجيبه.
نورا: في اعتبار ما سيكون يعني... خليك متفائل.
ياسر: ماشي... يلا أنا نازل.
***
المعمل.
أعادت سميرة اختبار العينة لمرات عديدة بدون جدوى، فقد تشتت تركيزها هذا الصباح فلم تنم جيدًا البارحة. انتبهت سميرة لوجود أشرف متحدثًا إليها.
أشرف: آنسة سميرة... شكلك مرهق النهاردة لو تحبي تاخدي إذن وتمشي براحتك.
بعيون مرهقة للغاية إلا أنها عاندت نفسها لاستكمال العمل.
سميرة: لا أبدًا... حـ أبقى كويسة... شكرًا يا أستاذ أشرف.
أومأ برأسه متفهمًا ليتابع عمله في صمت، بينما أنهت سميرة عملها اليوم بإرهاق شديد حتى أنه لم يتسن لها الخروج من المعمل إطلاقًا، فكم العينات اليوم كان أكثر من المعتاد بالإضافة إلى أخطائها المتكررة التي جعلتها تعيد فحصها لأكثر من مرة.
سميرة: أوف... اليوم النهاردة كان لا يطاق.
رغم إدراك عبير لإرهاق سميرة إلا أنها أصرت على اصطحابها معها لوالدتها كما اتفقا بالأمس.
عبير: ماليش فيه... إحنا متفقين إنك حـ تيجي معايا عند ماما.
سميرة: آه طبعًا أنا وعدتك.
أشارت لها عبير بإصبعها كما لو أنها تستأذنها أولًا.
عبير: تمام... استنيني بس ثواني أظبط هدومي في الحمام وأرجعلك.
سميرة: طيب متتأخريش.
تقدم أحمد بخطوات خفيفة متنحنحًا محاولًا إخراج الكلمات التي بداخله بصورة منمقة. فقد حاول لعدة مرات ترتيب هذه الكلمات في عقله قبل التفوه بها.
أحمد: سميرة... اا... ممكن أتكلم معاكِ في موضوع كده؟
نظرت نحوه سميرة بفراسة لتدرك سبب هذا الحديث لتقطع سبل هذا التقرب المرفوض تمامًا إليها.
سميرة: أستاذ أحمد أظن أني بلغت ردي لـ عبير إمبارح.
أحمد: طيب ممكن أعرف السبب؟
سميرة: السبب يخصني... وأظن الموضوع قبول ورفض.
بخيلاء لا تليق به مطلقًا حاول أحمد إظهار ما يزيغ به عينا سميرة ظنًا منه أنه بهذا يحثها على الموافقة.
أحمد: على فكرة متفتكريش إني مجرد موظف والجو ده.
زفرت سميرة بتملل، فكيف يظن أن بتلك الطريقة يستطيع كسب ودها، إنها ليست سلعة لمن يعرض مالًا أكثر لتهتف مستطردة:
سميرة: إنتَ كده بتثبت أكتر إننا منفعتش لبعض... أنا عمري ما كنت بقيس الناس بالفلوس ولا المنصب... مش دي الحاجات اللي تشدني للبني آدم اللي حـ أكمل معاه حياتي... إنتَ فاهمني غلط.
صك أحمد أسنانه بقوة ليردف من بينهما:
أحمد: يعني دة آخر رد عندك؟
سميرة بحزم: أيوه.
أحمد بضيق: بعد إذنك... أنا ماشي.
أنهى أحمد جملته وانصرف مغادرًا المعمل بخطوات متعجلة، عَكر المزاج لتحدث سميرة نفسها بتقزز.
سميرة: مش عارفه البني آدم ده مش مريح ليه كده... والله ما عارفه يا عبير عاجبك فيه إيه؟
أشرف مباغتًا: آنسة سميرة!!!
تفاجأت سميرة بوجود أشرف من خلفها فقد ظنت أنه قد غادر المعمل.
سميرة: أيوه يا أستاذ أشرف... فيه حاجة؟
أشرف: أولًا كده... أنا آسف أني سمعت الحوار بينك وبين أحمد بدون قصد... بس ممكن أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة؟
سميرة: اتفضل.
بسؤال مباغت صريح للغاية حاول منه أشرف أن يستشف أمرًا يفكر به.
أشرف: بعيد عن رفضك لـ أحمد... وإن دي حاجة شخصية خاصة بيكِ... بس ممكن أعرف لو إن سبب الرفض شخص تاني ولا لأ؟
ارتبكت سميرة من هذا السؤال المباشر لكنها حاولت إجابته بدبلوماسية.
سميرة: وحضرتك بتسأل ليه... إيه اللي يهمك في حاجة شخصية زي دي؟
أشرف: ممكن تجاوبيني وأنا حـ أكلمك بكل صراحة ووضوح.
سميرة: الصراحة... تقريبًا... حاجة زي كده.
أشرف بفراسته المعهودة أراد أن يزيل الحرج عن سميرة.
أشرف: الشخص ده أمير؟
اتسعت عينا سميرة من الدهشة ليكسو وجهها حمرة خجل غير طبيعية، فلم تتوقع أن يسألها مديرها في يوم من الأيام أسأله بهذه الخصوصية.
سميرة: مين اللي قال كده... ااا... لا... لا...
أشرف: أنا فاهم كويس وعندي أسبابي للسؤال الخاص ده.
سميرة باهتمام: أسباب... أسباب إيه؟
قطعت حديثهم عبير التي لم تتوقع أن الأستاذ أشرف مازال موجود بالمكتب.
عبير: خلاص يا سميرة أنا خلصــ..... آسفة يا أستاذ أشرف ماخدتش بالي إن حضرتك موجود.
أشرف: لا عادي مفيش مشكلة... عمومًا يا آنسة سميرة لو إنتِ مهتمة بالموضوع اللي كلمتك فيه ممكن نكمل كلامنا بكرة.
سميرة بتوتر: آه طبعًا... إن شاء الله.
غادر أشرف ثم لحقته سميرة وعبير متوجهات نحو منزل عبير، بينما ظل أمير بمكتبه يكمل ترتيب أوراق بحثه بضيق شديد فقد حبس نفسه طوال اليوم في المكتب ينهي أوراقه ولم يتسن له أي فرصة في رؤيتها أو الحديث معها.
***
شقة ياسر ونورا.
وصلت هيام بعد انتهاء يوم عملها بالمدرسة لتستقبلها نورا بأسلوب عجيب للغاية، حيث فتحت باب الشقة لتمد يدها ممسكة بـ هيام من ذراعها جاذبة إياها نحو الداخل على الفور دون أن تمهلها حتى فرصة للاندهاش.
نورا: إنتِ فين!!!! إدخلي أنا محتاسة أوى وعايزاكِ تساعديني.
هيام: هي العزومة دي حـ تيجي على دماغي ولا إيه؟
نورا: بطلي غلبة وإدخلي معايا أحسن ياسر ما حـ يصدق ويمسكها عليا... دة أنا كرشته مخصوص عشان ألحق أخلص.
ضحكت هيام من صديقتها التي لا تستطيع التصرف مطلقًا حين توضع تحت أي ضغط ولو بسيط.
هيام: حرام عليكِ يا مفترية.
دلفت هيام إلى المطبخ لمساعدة نورا بتجهيز ما تبقى من الطعام حين بدأت نورا بحديثها.
نورا: احكي لي بقى عملتي إيه في الفترة اللي فاتت دي وبالتفصيل على الله تنسي فتفوته.
هيام: المدرسة زي ما هي مفيش جديد بس.....
التفتت إليها نورا بحماس لشعورها بأن شئ هام قد حدث ولا تعلم به.
نورا: بس إيه؟
هيام: يا بنتي بطلي الفضول اللي حـ يوديكِ في داهية ده.
نورا: فضول... فضول... شكل فيه حكاية كبيرة ومش حـ أسيبك إلا لما تحكي لي بالتفصيل الممل.
حملقت هيام بالزاوية قليلًا وهي تقص على صديقتها ما حدث.
هيام: هي حاجة كده عاملة زي الحدوته وشغل الروايات كده... عارفه يوم فرحك... فيه واحد قابلته وخبطت فيه غصب عني وكأس الشربات وقع كله على القميص بتاعه... أنا نسيت الحكاية دي خالص بس هو بعدها بقى يستناني كل يوم عند المدرسة لحد ما كلمني امبارح.
رفعت نورا حاجبها بخيلاء لإدراكها من هو هذا الشخص.
نورا: مش محتاجة ذكاء يعني باينة أوي... دة طبعًا أكيد كرم صاحب ياسر... دة مجنون بيكِ يا بنتي... دة كان بيحلم بيكِ من قبل ما يشوفك... عارفه حاجة كده زي ما هو بيقول عليكِ سندريلا في نفسك.
هيام باستغراب: إنتِ عرفتي منين كل ده؟
بعفوية تتميز بها استكملت نورا بدون تفكير.
نورا: دة دوشنا كل شوية عايز يشوفك... عايز يشوفك... مفيش في حياته غيرك أصلًا.
سهمت هيام مرددة بصوت خفيض.
هيام: اسمه كرم.
نورا: آه كرم... اللي عايش مع ياسر في لندن ما أنا كنت قلت لك إنه عايش معاه في نفس الشقة.
هيام بتذكر: آه صح افتكرت.
قطع حديثهما صوت رنين جرس الباب لتطلب نورا من هيام أن تجيب الطارق لإنشغالها بتحضير الطعام.
نورا: معلش يا هيام... مش عارفه أسيب اللي في إيدي... افتحي الباب ده أكيد ياسر.
هيام: الأمر لله... جايه معزومة أنا ولا إيه بالظبط؟
همت هيام بفتح الباب لتجد كرم يقف أمامها بطوله الفارع وملامحه المكسيكية المميزة وشعره الأسود متناثر بفوضى معطيًا إياه جاذبية وغموض.
اتسعت ابتسامته العريضة لرؤيتها ليهتف بنبرة عاشقة.
كرم: شربات... إنتِ هنا؟
قضبت حاجبيها بقوة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها مستنكرة من هذا الاسم الذي يطلقه عليها.
هيام: إيه حكاية شربات دي بقى؟ لو سمحت مينفعش كده.
استند كرم بكتفه إلى الحائط مسبلًا بعينيه الواسعتين قائلًا بتغزل.
كرم: وحشتيني.
اتسعت عيناها بدهشة متفاجئة من جرأته لتتعثر بكلماتها بخجل.
هيام بخجل: بقولك إيه أنا قلت لك قبل كده أنا مش بتاعة الكلام ده.
كرم: طب إيه اللي يرضيكِ وأنا أعمله؟
هيام بهدوء: أنا مينفعش ولا أشوفك ولا أكلمك طالما منعرفش بعض ولا قرايب ولا تربطنا أي صلة.
اعتدل كرم بوقفته ليستقيم قائلًا بملامح جدية.
كرم: بس... أنا حـ أحلها.
هيام بتساؤل: حـ تعمل إيه يعني؟
كرم بهدوء مماثل: أنا رايح دلوقتي لبيت الحاج سعيد وحـ أطلب منه إيدك رسمي.
هيام بدهشة: إنتَ بتهزر؟
كرم وهو تاركًا إياها متخذًا طريقه نحو درجات السلم مغادرًا.
كرم: لأ طبعًا... أنا رايح له دلوقتي حااالا... أنا ما صدقت.
تركها في ذهول من تصرفه المجنون لتضحك على ما فعله للتو قائلة.
هيام: بيقول إيه ده... أما مجنون صحيح.
اقتربت نورا بتسلل وهي تنظر نحو هيام باستغراب شديد متطلعة نحو وجه هيام المبتسم تارة ونحو الفراغ الذي تنظر إليه هيام تارة أخرى.
نورا: يا عيني يا أختي... إنتِ واقفة تضحكي وتكلمي نفسك.
هيام: لا أبدًا... متحطيش في بالك.
نورا: طيب يلا قدامي نلحق نخلص وتكملي لي الحكاية.
ضحكت هيام بصوت مسموع ثم قالت.
هيام: لأ حكاية إيه بقى... تعالي نخلص الغدا اللي أنا جايه أعمله ده.
***
سميرة.
دلفت سميرة برفقة عبير إلى الصالون الخاص بالضيوف بشقة والدة عبير حين حذرت عبير سميرة قائلة.
عبير: إوعي تقولي لماما إن أنا اللي قلت لك تيجي تكلميها.
سميرة: ليه شايفاني مدب أوى كده متقلقيش.
تذكرت عبير أشرف حينما كان يحدث سميرة بأمر ما يبدو أنه مهم للغاية.
عبير: هو أستاذ أشرف كان عايز منك إيه؟
سميرة: هاه... شغل شغل.
استقبلتهم والدة عبير بحفاوة بالغة، فهي تحب سميرة منذ تعرفت إليها ابنتها أثناء دراستهما.
جلسوا واستمتعوا بحديثهم حتى بدأت سميرة تحث والدة عبير على الذهاب للطبيب الذي تكره الذهاب إليه ووعدتها بذلك بالفعل، انتبهت سميرة للوقت الذي مر لتهتف بتعجل.
سميرة: أنا إتأخرت قوي... حـ أمشي أنا بقى وإن شاء الله تطمنيني يا طنط و إنك لازم تروحي تكشفي... علاج الكلى سهل بس المهم متهمليهوش.
والدة عبير: إن شاء الله يا بنتي... وابقي خلينا نشوفك بقى متغيبيش علينا كتير كده.
سميرة: أكيد إن شاء الله.
ودعتهم سميرة وتوجهت مباشرة نحو المنزل.
***
بيت الحاج سعيد.
دق الباب بطرقات غريبة لتلبي هبة الطارق متسائلة باندهاش لرؤيتها هذا الشاب لأول مرة بباب بيتهم.
هبة: أيوة.
كرم: الحاج سعيد موجود؟
هبة: أقوله مين حضرتك؟
كرم: لا هو ميعرفنيش بس أنا عايزه في موضوع ضروري.
أشارت له هبة بالولوج للداخل أولًا.
هبة: طيب اتفضل حضرتك.
تقدم كرم بخطوات بسيطة، فكم كان منزلهم بسيط لكن مريح جدًا للنفس.
جلس كرم على الأريكة بانتظار قدوم الحاج سعيد والد هيام بعدما تركته هبة لمناداته.
أقبل كهل ضعيف البنية نحو كرم ينم وجهه عن طيبة وعراقة، لم يكن يشبه هيام بالمرة لكنه به روح وعزة تشبه تلك التي رآها بها.
وقف كرم برقي لتحية الحاج سعيد مصافحًا إياه.
الحاج سعيد: أهلًا وسهلًا يا ابني... اتفضل.
كرم: شكرًا يا حاج سعيد... أحب أعرفك بنفسي... أنا اسمي كرم الزايدي يمكن اسم العائلة مش معروف أوي بس إحنا أصل عيلتنا من الشرقية بس أنا مقيم في لندن وعايش تقريبًا عمري كله هناك معرفش هنا أي حد من أهلي.
الحاج سعيد: اتشرفنا يا ابني... خير إن شاء الله.
حياته بلندن جعلته صريحًا واضحًا قويًا لا يهاب المواجهات مطلقًا، لهذا كان طلبه يسيرًا جدًا عليه ولم يشعر بمثل ما يشعر به أقرانه بنفس الموقف بل كان واثقًا من نفسه بقوة شعر بها الحاج سعيد بالفعل.
كرم: الصراحة وبدون مقدمات كتير.. أنا جاي أطلب إيد بنتك هيام وطبعًا زي ما قلت لحضرتك أنا ماليش حد هنا... ووالدي متوفى ووالدتي مسافرة بره ووحيد ماليش إخوات... عشان لو كنت بتسأل ليه محدش من أهلي جه معايا.
الحاج سعيد: سيماهم على وجوههم يا ابني بس الموضوع ده مش بالساهل كده... وهيام بنتي... غالية أوي.
كرم: عارف والله يا عمي... أنا مش عايز من الدنيا غيرها وعندي استعداد أعمل أي حاجة بس عشان تبقى من نصيبي... حضرتك بس وافق وأنا مش عايز من حضرتك أكتر من كده.
الحاج سعيد: ادينا طيب فرصة نسألها عن رأيها ونسأل عنك.
تفكر كرم لبعض الوقت ثم أوضح للحاج سعيد.
كرم: آه طبعًا... بس مش عارف حضرتك حـ تسأل عليا مين... معرفش هنا غير ياسر جوز نورا صاحبة هيام... دة عشرة وعيش وملح بقالنا فترة طويلة ساكنين مع بعض في نفس الشقة.
الحاج سعيد: ونعم الصداقة... دة راجل محترم وابن ناس محترمين... ادينا بس فرصة وإن شاء الله أرد عليك قريب.
كرم: إن شاء الله... هيام بالنسبة لي حاجة كبيرة أوي... لو وافقتم حـ أشيلها فوق دماغي وعمري ما حـ أزعلها وحـ أكون السند ليها وتكون ونس ليا في غربتي.
تفهم الحاج سعيد الأمر ولفت نظره شخصية كرم القوية وطلبه المباشر دون الالتفاف والتلميح.
الحاج سعيد: خلاص يا ابني إديني بس كام يوم كده وحـ أرد عليك.
كرم: أنا ساكن قريب منكم هنا... حـ أبقى آجيلك حضرتك أطمن على ردكم.
الحاج سعيد: إن شاء الله... نورت يا ابني.
كرم: متشكر أوي.
خرج كرم من منزل والد هيام غير مصدق أن حياته يمكن أن تتغير بهذه السرعة. لقد كانت زيارته الأولى لمصر تحمل الكثير من تقلبات القدر التي لم يظن أنها ستحدث على الإطلاق.
اتصل كرم بـ ياسر معتذرًا عن حضوره اليوم لأمر هام سيبلغه إياه عند رؤيته له وتوجه مباشرة إلى شقته الجديدة.
***
هيام.
بعد زيارتها لصديقتها الوحيدة نورا والتي اشتاقت لها كثيرًا. هذه الزيارة التي حملت الكثير من الشوق والأحاديث عما حدث لـ نورا خلال هذه الفترة، كما سردت هيام بعض أحداثها باختصار كعادتها.
عادت هيام في طريقها نحو المنزل متذكرة حديث كرم لها اليوم لترتسم بوجهها ابتسامة خفيفة دون أن تلاحظ ذلك.
رواية لحظات منسيه الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب
بعد مغادرة كرم، جلس الحاج سعيد وسط بناته وزوجته يقضون أمسية لطيفة يتابعون بها أحد الأفلام بالتلفاز لحين حضور هيام من بيت صديقتها.
دَلَفت هيام لداخل شقتهم الواسعة لتبتسم لتلك الأسرة الدافئة الملتفة حول بعضهم البعض ثم قالت برضا:
"ما شاء الله.. دة إنتوا كلكم قاعدين النهاردة."
بمزاحها اللطيف المحبب لنفوسهم جميعًا أجابتها سميرة:
"دة قَرّ دة ولا إيه.. تعالِ تعالِ أقعدي معانا."
أشارت سميرة إلى جوارها لتشاركهم هيام جلستهم وسهرتهم.
"أه والله بقالنا فترة متجمعناش كلنا كده."
"ربنا ما يحرمناش من بعض.. إيه يا حبيبتي روحتي لـ نورا؟"
"أه لسه جايه من عندها أهو."
تطلعت والدة هيام نحو زوجها بنظرة خاطفة وهى تستكمل سؤالها عن نورا:
"ومبسوطة مع جوزها؟"
"أه الحمد لله.. جوزها طيب وأهله طيبين."
أعادت والدة هيام نظرها نحو زوجها كما لو أن هناك ما يخفونه عنها، لكنها عادت وتساءلت بما سبب الشك بنفس هيام:
"أه.. ما إحنا عارفينهم كويس.. وكلامهم ثقة.. مش كدة برضه يا حاج؟"
"أيوة طبعًا."
دارت هيام بعينيها بين والديها لتزداد الشكوك بداخلها، فهم بالتأكيد يخفون شيئًا عنها لتردف بفراسة:
"مالكم.. فيه حاجة زي ما تكونوا عايزين تقولواها؟"
"والله يا بنتي متقدم لك شاب النهاردة وكنا عايزين نسأل جوز صاحبتك عليه."
تسارعت دقات قلبها بقوة، فهل صدق وفعلها حقًا؟ اضطربت بشدة وهي تتساءل بتلعثم:
"مين.. مين دة؟"
"واحد صاحبه اسمه كرم."
اتسعت ابتسامتها لتشق وجهها بقوة لتثير فضولهم، حتى أن عيونهم تساءلت عن سر ابتسامتها، فهي تبدو سعيدة لطلب هذا الشاب بخلاف من تقدم لها من قبل.
"إنتِ تعرفيه يا هيام؟"
لم يكن من طبعها الكذب لتجيبه بصدق تتصف به:
"شُفته في فرح نورا.. وكام مرة كده يا بابا."
"وإيه رأيك طيب طالما تعرفيه؟"
"إللي حضرتك تشوفه."
هللت والدة هيام بفرحة كما لو أنها تنتظر خبرًا مفرحًا كهذا:
"يا ريت يا حاج.. ونفرح بـ هيام بقى وعقبال إخواتها نطمن عليهم كلهم."
رفعت سميرة حاجبيها باندهاش مصطنع:
"دة إنتوا عايزين تخلصوا مننا كلنا بقى."
ضربتها أمها بخفة على رأسها قائلة:
"إسمها نفرح بيكم يا غلباوية إنتِ."
"بس لازم نسأل عليه ونطمن الأول."
"أه طبعًا.. ربنا يجعله من حظك ونصيبك.. دة حاجة كده تفرح وشكله ابن ناس ووحداني."
اضطرابها الشديد شيء لم تعتاد عليه لتنهض هيام مستأذنة منهم وقد تورّد وجهها بحمرة خجل شديدة:
"طيب حـ أروح أنا أرتاح بقى."
قفزت سميرة متعلقة بذراع هيام قائلة:
"خديني معاكِ."
لحقتهما هبه وسط ضحكات الجميع:
"طب وأنا.. خدوني معاكم طيب."
تلاحت الثلاث فتيات إلى غرفة هيام، بينما جلس الحاج سعيد وزوجته بمفردهما.
"تفتكري خلاص ممكن ربنا يسهل لها جوازها بالسرعة دي؟"
"تعبت أوى يا سعيد.. شقيت ياما شغل وقلة راحة.. آن الأوان نفرحها ونريحها بقى."
"أيوه والله.. تعبت كتير من أيام ما كانت في الثانوي."
"وأنا ارتحت له لما شفته."
"ربنا يقدم إللي فيه الخير."
"يا رب."
***
تجمع ثلاثتهن بغرفة هيام حين همت سميرة بإغلاق باب الغرفة من خلفها، ثم التفتت نحو هيام وهبه الجالستان فوق الفراش.
"يلا يا حلوة قولي بقى وبالتفصيل المتفصل كده.. و فهمينا إيه الحكاية دي بالضبط؟"
بطبعها الكتوم تهربت هيام من محاصرة سميرة لها قائلة:
"ولا حكاية ولا حاجة.. مَتقلبوش دماغي."
لوت سميرة حاجبيها لتنظر بنظرة كاشفة نحو أختها قائلة بتهكم:
"عليا أنا برضه.. وهو إنتِ كنتِ بتوافقي على حد أصلًا.. دة حدث تاريخي ولازم نفهم.. صح يا هبه ولا إيه؟"
تربعت هبه فوق الفراش قائلة بحماس:
"مظبوط."
قرصتها هيام من أذنها بمزاح:
"وإنتِ إيه إللي حشرك إنتِ كمان؟"
"لا اااا.. أنا مبقتش صغيرة وداخله على كلية السنة اللي جايه."
"طب خلاص بقى.. بلاش شغل المخبرين إللي إنتوا فيه ده وروحوا أوضتكم."
ليست معتادة بأن تكشف خبايا قلبها لأحد، لتصر هيام على التهرب، لكن سميرة لا تتراجع بتلك السهولة، فهي بها الكثير من العناد كـ هيام بالضبط. جلست سميرة بمواجهة هيام ثم قالت بإصرار:
"لأ.. فيها لا أخفيها."
"أوووه.. مش حـ أخلص منكم أنا عارفه."
"أيوة."
لم تجد هيام بُدًا من أن توضح لهم الأمر، لكن ستحتفظ لنفسها بكافة التفاصيل، فقط ستعطيهن الخطوط العريضة.
"هاه.. الأمر لله.. فاكرة فرح نورا.. مش قلت لك إني خبطت في واحد وقعت عليه كأس الشربات."
"ااه.. الأتوبيس."
"هو ده.. اِرتَحتِ؟"
ضحكت سميرة مقهقه ثم عقبت بسخرية مازحة:
"دي الحادثة كان ليها آثار جانبية بقى."
"مش ناقصة خفة."
"لا والله.. شكلك جبتيه على بوزة."
برفض لتلك الطريقة السوقية بالحديث:
"يا بنتي اِعدلي كلامك ده.. خليكِ رقيقة كده."
"الصراحة.. إنتِ أخدتي الرقة كلها وإحنا طلعنا كده."
ضحكوا جميعًا، وأخيرًا ستدق أبواق الفرح أبواب هذا البيت. يمر الليل السعيد ليأتي صباح يوم جديد ملئ بالفرحة والترقب.
***
المعمل.
كـ يوم اعتيادي للغاية بدأت سميرة عملها بمراجعة بعض التقارير، ثم دلفت للمعمل للقيام ببعض الفحوصات لبعض العينات، حين أقبل أشرف نحو سميرة متسائلًا:
"آنسة سميرة.. ممكن أعرف رأيك في كلام امبارح؟"
اعتدلت سميرة باهتمام تجاه أشرف ثم سألته:
"أنا فعلًا كنت عايزة أفهم قصد حضرتك إيه بالضبط؟"
"يعني مهتمة؟"
"أكيد طبعًا."
"طيب اتفضلي اقعدي."
جلست سميرة أمام طاولة المعمل الخاصة بـ أشرف تستمع بإنصات له.
"أمير إنسان طيب جدًا.. ووحيد جدًا.. وبالنسبة لي عشرة عمر وأكتر من أخ.. وطبعًا يهمني إني أشوفه سعيد وإنه يخرج من أزمته ويرجع زي الأول.. وده اللي أنا شفته بيحصل في وجودك.. لكن كان لازم أتأكد في الأول من إحساسك ناحيته وإنك مش ممكن تأذيه وتكوني سبب في تعاسته."
"أنا.. لأ طبعًا.. عمري ما أكون سبب في ده أبدًا."
"كويس أوي.. أمير كان بيمر بأزمة نفسية خصوصًا إنه عايش لوحده بعد وفاة والده ووالدته.. وده خلاه زي ما إنتِ شايفة عصبي ومتوتر طول الوقت."
أومأت سميرة بالتفهم حين أردفت بتوضيح:
"أنا عرفت ده.. عشان كده كان هدفي إني أطلعه من القوقعة الحزينة اللي هو عايش فيها."
"طريقتك فعلًا جابت نتيجة.. ده غير إني شايف قد إيه هو معجب بيكي."
خجلت سميرة من ذكر ذلك لتُنكس عينيها قليلًا قائلة:
"حضرتك شايف كده؟"
"أيوة.. بس ممكن بصراحة أعرف لو كنتِ إنتِ كمان بتبادليه الشعور ده؟"
"ا.. أيوة."
رُسِمت بسمة خفيفة فوق ثغره ليردف بحنكة رجل ذو خبرة وفراسة:
"يبقى دلوقتي لازم نفوق أمير عشان ينسى كل اللي فات ويفكر لقدام."
"طب أعمل إيه؟"
أوضح أشرف ما يفكر به لـ سميرة حتى تسير على خطواته في مساعدة أمير بالتعبير عن مشاعره وخروجه من تلك الأزمة.
"أنا اللي حـ آخد الخطوة دي.. لازم أفهمه إن أحمد طالب يتجوزك وإنك ممكن توافقي يمكن ساعتها يبدأ ياخد الخطوة دي ويقرب منك."
"فكرة كويسة أوي."
"وعليكِ إنتِ بقى تتجنبيه اليومين دول عشان هو كمان يتأكد إنه مش قادر يستغنى عنك ولازم ياخد الخطوة دي عشان متضيعيش من إيده."
"اِعتبره حصل."
***
منذ لقاء سميرة بـ أشرف واتفاقهم على أن تتجنب سميرة لقاءها بـ أمير مرت عدة أيام، كانت تتعمد الوصول متأخرة إلى المعمل لتضمن وصوله قبلها وتُشغل نفسها بداخل المعمل الكبير حتى نهاية اليوم، فلا تتوفر أي فرصة لرؤيته مطلقًا حتى يحين موعد انصرافها.
***
المدرسة.
جلست هيام بغرفة المعلمات في انتظار انتهاء الحصة لتحضر نفسها للحصة التالية، حين حضرت نورا بضحكتها المعتادة مقبلة عليهم بسعادة بالغة لتتفاجئ هيام بوجودها اليوم بالمدرسة.
"نورا.. وحشتيني."
"إنتِ أكتر يا هيام.. ازيك يا أبلة سعاد أخبارك إيه؟"
"الحمد لله حبيبتي.. ألف مبروك إيه خلاص نويتي ترجعي الشغل بقى؟"
"لأ.. دة أنا جايه أقدم على إجازة بدون مرتب أصلي حـ أسافر مع جوزي."
"ربنا يوفقك."
"تعالي.. أقعدي."
جلست نورا إلى جوار هيام بنفس مقعدها القديم بغرفة المعلمات، لتتنهد قليلاً تأثرًا بتركها المكان، لتردف بتأثر:
"حـ يوحشني المكان هنا أوي يا هيام."
لتجيبها هيام بصوت عقلاني طالما احتاجته نورا برفقتها:
"بس إنتِ أخدتي القرار الصح."
غمزت نورا بعينها وهي تعقب:
"ما يمكن تحصليني ولا إيه؟"
حركت هيام رأسها يمينًا ويسارًا مردفة بتهكم:
"طفلة والله."
ضمت نورا شفتيها وهي تحاول التحلي ببعض الجدية ثم قالت:
"كنت عايزة أقولك حاجة."
"قولي."
"أمجد كان عندي امبارح.. وقلت له إن كرم اتقدم لك."
"وبعدين؟"
"هو زعل شوية وسابني ومشى.. بس متقلقيش حـ يتقبل الأمور بس لما يعدي شوية وقت."
"إن شاء الله."
نهضت نورا من مقعدها حتى تستكمل ما جاءت من أجله أولاً:
"أنا حـ أروح بقى أقدم الطلب بتاعي وأرجع لك تكوني خلصتي الحصص بتاعتك نروح سوا."
"ماشي حـ أستناكي."
***
بيت والد ياسر.
بحفاوة بهذا الكهل طيب القلب، فلهم معرفة ببعضهم البعض بعد خطبة نورا لـ ياسر، رحب والد ياسر بالحاج سعيد حينما أتى لزيارتهم بتلك الزيارة غير المتوقعة.
"أهلًا أهلًا اتفضل يا حاج سعيد."
"معلش بقى زيارة على غفلة كده."
"دة إنتَ تشرفنا.. يا أهلًا وسهلًا."
جلس الحاج سعيد وهو يشعر ببعض الإعياء لا يدرك سببه بعد.
"الله يكرمك.. والله أنا كنت جايلكم في سؤال وعارف إن شاء الله إنكم حـ تدلوني على الصح."
"أه طبعًا تحت أمرك."
أغمض الحاج سعيد عينيه لوهلة يخفي بها هذا الألم الذي حل بصدره منذ الصباح، ثم أكمل:
"والله كنت عايز أعرف رأيكم في كرم صاحب ياسر أصله متقدم لـ هيام بنتي."
كان الرد تلك المرة من ياسر نفسه، فهو أكثر من يدلهم على طبع هذا الشخص ولن يخفي عنهم أمرًا.
"والله يا عمي كرم من عشرة أكتر من سنة مع بعض.. إنسان خلوق وممتاز من كل حاجة وعنده شغله الخاص ووضعه المادي فوق الممتاز."
"والله يا حاج سعيد أنا لما شفته وشفت تصرفاته من يوم فرح ياسر وشايفه إنسان أخلاق ومحترم."
وضع الحاج سعيد كفه فوق صدره من الألم، بينما ظن البقية أنها احتفاء بهم وبما أخبروه.
"الله يطمن قلوبكم.. أنا حـ أستأذن بقى أروح أرتاح شوية."
وجهه المكفهر جعل والد ياسر يردد بقلق:
"إنتَ كويس شكلك تعبان."
"مرهق شوية بس."
"ألف سلامة يا حاج."
التفت الحاج سعيد تجاه ياسر قائلاً:
"اِبقى كلم كرم بقى يا ياسر وخليه ييجي البيت بعد العشاء أنا مستنيه."
"أكيد يا حاج حـ أكلمه طبعًا.. شرفت ونورت."
أوصل ياسر ووالده الحاج سعيد لباب البيت ليغادر منصرفًا لبيته مباشرة ليرتاح قليلاً من إرهاقه هذا اليوم، فلابد أن يتم خطبة هيام كما يتمنى.
***
أمجد.
لم يكن الخبر سعيدًا مطلقًا على مسامعه، فكيف يتقبل مجرد فكرة بأن هيام ليست له؟ جلس وحيدًا بين جدران غرفته، فمنذ الأمس يشعر بأن روحه تزهق منه ببطء شديد.
هل هذه هي النهاية؟ هل ضاع حلمه إلى الأبد؟ هل بتلك السهولة أصبحت هيام ملكًا لغيره؟ لكن لا.. لن تكون هذه نهاية عشقه المشتعل لهذه الفتاة التي سلبت روحه قبل قلبه. سنوات وسنوات وهو يراها أمام عيناه يزداد حبه وعشقه لها بقلبه، أيتنازل عنها بهذه السهولة؟
"هيام بتاعتي أنا.. محدش حـ يقدر ياخدها مني.. دي ملكي أنا لوحدي.. تحبني أنا بس.. مش ممكن أسيبها له.. مش ممكن بالسهولة دي أخرج حبها من جوة قلبي.. إزاي.. إزاي تعملي فيا كده يا هيام.. إزاي تضحي بقلبي اللي بيعشقك.. إزاي أهون عليكِ بالشكل ده.. ده أنا محبتش في الدنيا غيرك.. مش شايف غيرك في الدنيا يملي عيني وقلبي."
***
شقة ياسر.
بالتأكيد سيكون هو من يزف هذا الخبر السعيد لصديقه، ليسرع ياسر بالاتصال بـ كرم ليبلغه بأن الحاج سعيد يريد لقاءه اليوم بعد صلاة العشاء.
"ألو.. كرم.. أخبارك إيه؟"
"قاعد ألف بالعربية يا أخويا.. مش عارف أروح فين."
"غريبة مع إنك عرفت حاجات كتير في البلد أهو."
بتعجب من ظن ياسر له، فهو بالفعل لا يدري عن تلك البلدة الكبيرة شيئًا.
"فين ده؟!!! ده أنا مش عارف غير بيتكم ومدرسة هيام."
بتلقائية أجابه ياسر مباشرة كعادته:
"على سيرة هيام.. الحاج سعيد كان عندنا ولسه نازل وعاوزك تروح له النهاردة."
"ياااه أخيرًا."
"اللي يصبر ينول.. شفت بقى مصر حلوة إزاي."
قالها ياسر بمكر لما يحدث مع صديقه الذي كان يرفض تلك الزيارة.
"مصر دي طلعت أحلى حاجة في الدنيا."
"طيب لما تروح للحاج سعيد ابقى تعالى نسهر مع بعض شوية."
"حـ أحاول كده.. ادعي إنتَ بس يقولي حاجة تفرحني."
"يا رب يا كرم.. عمومًا ابقى طمني."
"أكيد إن شاء الله."
خبر مفرح للغاية تفاجأ به اليوم، فلم يكن يظن أن تلك الزيارة كانت سببًا لسعادته التي تملأ قلبه الآن. تجول كثيرًا بسيارته المستأجرة وأحضر بعضًا من الحلويات والشيكولاتة الفاخرة كهدية بسيطة لزيارته هذا المساء، كما أحضر باقة رائعة من ورد الجوري مغلفة بإطار أبيض كبير أعطاها رونقًا بهيجًا مثل روحه في هذه اللحظة.
***
هيام.
بعد نهاية يومها الدراسي خرجت هيام مع نورا لتتجه كلا في طريقها، فـ هيام اضطرت للعودة مرة أخرى لأحد الدروس الخصوصية التي تقوم بتدريسها لأنها قد ألغت بعض الحصص منذ عدة أيام ويجب تعويضها اليوم، بينما توجهت نورا مباشرة إلى بيتها.
***
المعمل.
عدة أيام مرت دون رؤيتها، كان ذلك سببًا كافيًا لشعوره بالضيق والتوتر، ليتساءل في نفسه:
"يا ترى مشغولة عني بإيه.. ولا أنا اللي مكبر الموضوع؟"
طرق أشرف الباب قبل دخوله مباشرة إلى المكتب.
"مشغول؟"
"لأ أبدًا.. تعالى."
"أصل أنا خلصت شغل المعمل قلت آجي أقعد معاك شوية."
"أه.. طبعًا طبعًا.. تعالى نطلب قهوة من عم فتحي ونقعد سوا."
تلك فرصة جيدة تمامًا وعليه استغلالها، فـ أمير على ما يبدو أنه قلق ومضطرب جدًا لغياب سميرة عنه، ليبدأ أشرف محاورته يستدرجه بحديثه لما يود الوصول إليه.
"مفيش أخبار من اللجنة عشان البحث؟"
"لسه."
تفحص أشرف توتر أمير بطرف عيناه ليردف بطريقة ماكرة للغاية:
"سمعت اللي حصل.. أتاريك فيك شيء لله."
"خير.. تقصد؟"
أشرف يتحدث بتلك النبرة التشويقية لإثارة انتباهه الكامل.
"مش أحمد طلب إيد سميرة؟"
اتسعت عينا أمير بصدمة لينتفض متأهبًا وهو يحملق بـ أشرف دون رد، لتزداد ضربات قلبه انفعالًا وهو يردف بحلق جاف:
"و.. وهي.. وافقت؟"
"تقريبًا.. مش متأكد بصراحة."
انفعل أمير بقوة وهو يردف بحدة:
"يعني أه ولا لأ؟"
أجابه أشرف بهدوء تام يريد به اكتشاف ما بداخل صديقه:
"وإنتَ متضايق ليه؟"
"مفيش.. عايز أعرف بس."
"سميرة بنت ممتازة وتستاهل كل خير.. وأحمد برضه.. ربنا يوفقهم."
هب أمير واقفًا يرفض بصورة قاطعة ما يمليه عليه صديقه.
"إنتَ بتقول إيه!!!!!.. لأ.. لا يمكن."
وقف أشرف بمواجهة أمير يكشفه أمام نفسه أولًا:
"لأ يمكن ليه.. إنتَ زعلان إنهم ممكن يتجوزوا؟"
"إنتَ مش فاهم.. مش فاهم."
عقد أشرف ذراعيه أمام صدره متسائلًا بأعين مدققة بإنفعال أمير:
"فهمّني."
تنهد أمير بقوة وهو يحاول السيطرة على انفعاله، محاولًا الجلوس ببطء فوق المقعد المجاور لـ أشرف.
"مش عارف.. بس مش عاوزها تعرف أو تكلم حد.. بتضايق لما بشوفهم بيتكلموا مع بعض.. بتخنق لو يوم مشوفتهاش أو إني متكلمش معاها."
"حبيتها يا أمير؟"
"مش عارف.. بس مش عايزها تضيع مني."
وضع أشرف كفه فوق كتف أمير ينصحه بإخلاص ومحبة حقيقية:
"تبقى نصيحتي ليك.. اتكلم معاها وصارحها قبل ما تطير من إيدك.. الموضوع دخل في الجد.. ده جواز."
هام أمير بشرود مرددًا بتخوف حين انتبه لحديث أشرف:
"تضيع مني!!!.. إنتَ شايف كده؟.. أنا مش حـ أقدر أعمل كده."
"عمومًا الأمور قدامك.. يا تصارحها وتختار.. يا تسيبها ومتفكرش فيها تاني.. خليها تشوف حياتها.. وتحب وتتحب وتتجوز."
تركه أشرف بين حيرة قلبه وعقله الذي يجب أن يحسم أمره بينهما في ذلك الجدال القاسي. أيصارحها بحبه أم يظل هائمًا في ظلمات قسوته الزائفة ورفضه لحياة جديدة وارتباطه بالماضي إلى الأبد.
***
بالمكتب الخارجي للمعمل.
وضعت عبير قبضتها فوق خدها بحزن وهي تحدث سميرة:
"أنا تعبت والله.. لفيت كتير أوي على دكاترة لماما من يوم ما كنتِ عندنا وبرضه لسه تعبانة."
"اممم.. طيب أنا حـ أسألك هيام على دكتور كويس هي بتعرف أسماء دكاترة كويسين.. وابقى أجيب لك اسمه وعنوانه."
"أه والله.. يبقى كتر خيرك."
تطلعت سميرة بساعة يدها الصغيرة تتابع وقت انصرافهم الذي قد أوشك.
"شكلك مطولة النهاردة.. مش حـ تمشي ولا إيه؟"
"أه ثواني بس.. أجيب شنطتي ونمشي."
***
بيت الحاج سعيد.
تأنق كرم بحلته الرمادية ساحرًا للأعين، لكن لم يكن السر في وسامته ولا طوله الفارغ ولا بملبسه الأنيق باهظ الثمن، بل كانت سعادته الظاهرة على محياه وبريق عينيه الغامضات لهذه السعادة. طرق باب الشقة بموعده المحدد كما طلب والدها اليوم لتقابله والدة هيام بترحيب شديد.
"أهلًا وسهلًا يا ابني اتفضل."
"شكرًا لحضرتك."
دلف كرم بهدوء من خلف والدة هيام التي أوصلته إلى تلك الغرفة المنمقة المسماة بالصالون، تلك التي أُعدت خصيصًا لاستقبال الضيوف.
"اقعد يا كرم يا ابني وأنا حـ أدخل أنادي لك عم سعيد."
أومأ كرم بابتسامة خفيفة لتلك السيدة:
"اتفضلي حضرتك."
فور أن غابت والدة هيام لتُطلع زوجها بمجيء العريس المنتظر بتلك الزيارة التي يتحمس لها الجميع، أقبلت هبه تخطو بخطوات متسللة على أطراف أصابعها باختلاس نحو غرفة الصالون لتسترق النظر لعريس أختها. وقعت عينا كرم على تلك الفتاة التي تسترق النظر إليه ليفاجئ بفتاة تشبه هيام لكنها تميل إلى الطفولة أكثر، ليست كمثل هيام ساحرته.
ابتسم كرم:
"إنتِ أخت هيام؟"
تلفتت هبه حولها ثم قالت بهمس:
"إششش.. بس حـ تفضحنا؟"
"ليه بس.. عملت إيه؟"
"بابا لو شافني هنا حـ يزعق لي وأنا عايزة أتفرج."
اتسعت عينا كرم بدهشة وضحك بذات الوقت، فهي طريفة للغاية.
"تتفرجي على إيه؟"
سمعت هبه صوت من خلفها لتنتفض بفزع من مكانها تتلفت نحو مصدر الصوت لتجدها سميرة وقد عادت من عملها متأخرة لشراء بعض احتياجات المنزل عند عودتها.
"بتعملي إيه هنا؟"
أخذت هبه تخفي فمها بأصابعها وهي تنهر سميرة بهمس متخوف:
"لأاااا.. إنتوا غاويين فضايح بقى وحتودوني في داهية."
"ليه.. ها.. ليه؟"
"العريس في الصالون."
فور سماعها لتلك العبارة تركت سميرة ما بيدها لتتسلل خلسة هي أيضًا لتدنو بأطراف أصابعها كما فعلت هبه من قبل.
"اِحلَفي."
ازداد اندهاش كرم لرؤيته نسخة ثانية من هيام، لكن بالطبع هيام أجمل وأكثر نضجًا وأنوثة منهما، ليعقب بدهشة:
"لأ بقى إنتوا كام واحدة؟"
رفعت سميرة كفيها تلوح بهما من أمامها وهي تضم شفتيها بطريقة طريفة للغاية:
"لأ خلاص كده.. أنا سميرة ودي هبه."
"اِتشرفنا والله."
جاء صوت والدتهم من خلفهم تنهرهم بحدة لتصرفاتهم المخجلة الطفولية لهم.
"إنتوا واقفين بتعملوا إيه!!!!.. اِمشوا على جوه يلا."
أسرعت هبه تلحقها سميرة نحو الداخل، في حين خرج والد هيام من غرفته يسير ببطء وتثاقل، أثناء اعتذار والدة هيام من كرم عما فعلته ابنتيها.
"معلش يا ابني.. الاتنين دول دماغهم مش فيهم طول الوقت كده.. هو إحنا خلّفنا عقل وهدوء زي هيام ربنا يبارك فيها."
"لأ طبعًا يا طنط دول إخواتي براحتهم خالص."
تساءل الحاج سعيد عما حدث سبب اعتذار زوجته.
"إيه اللي حصل؟"
"لأ أبدًا."
دنا الحاج سعيد من كرم مصافحًا إياه شاحب الوجه يشعر بوهن شديد.
"أهلًا يا كرم يا ابني.. اتفضل استريح."
"أنا جيت في معادي يا عمي ويا رب يكون الرد خير."
"خير إن شاء الله.. أنا سألت وارتحت في السؤال والله.. وإن شاء الله أنا وهيام وأمها موافقين."
تهدج صدر كرم بسعادة لتنفرج شفتيه عن ابتسامة عريضة للغاية قائلاً:
"أنا مش مصدق يا عمي.. الحمد لله.. إن شاء الله حـ أكون قد كلمتي وعمري ما حـ أزعلها ولا حـ أخليها محتاجة أي حاجة في الدنيا."
تقطع صوت الحاج سعيد الواهن وهو يشعر بثقل أنفاسه.
"ده.. العشم.. فيك.. يا.. ابني."
لاحظ كرم تحول وجه الحاج سعيد الشاحب إلى اللون الأزرق وبدأت أنفاسه تتقطع بألم.
"عمي.. إنتَ كويس؟"
ويبقى للأحداث بقية.
رواية لحظات منسيه الفصل العشرون 20 - بقلم قوت القلوب
أستندُ عليه ، إنه تلك الأعمدة والركائز التى تشد عضدنا فلا نهوى ، إنه أبى ....
لاحظ كرم تحول وجه الحاج سعيد الشاحب إلى اللون الأزرق وبدأت أنفاسه تتقطع بألم.
كرم بفزع: عمى .. إنتَ كويس ...؟!
لم يستطع الحاج سعيد تحمل الألم لأكثر من ذلك ليطلب من كرم المساعدة وهو يهوي بإرتخاء فوق المقعد.
الحاج سعيد: إلحقنى ... يا كرم يا إبنى ... قولهم يجيبولى .... الدواء .... من جوه ...
إنتفض كرم من مكانه متلفتًا فى كل الإتجاهات فهو لا يدري إلى أين يذهب ليعلى من صوته مناديًا.
كرم: يااا .... طنط ... يا سميرة .... أى حد ...!!!
خرجن جميعًا بإندهاش لندائه عليهن الذى أثار إستغرابهم الشديد.
ام هيام: خير يا إبنى ... إيه إللى حصل ..؟!!
كرم بإضطراب: عمى تعبان أوى وعاوز الدواء بتاعه ...!!
ام هيام بفزع: سعيد ..!!! إجرى يا سميرة هاتى الدواء ...
هرولت والدة هيام نحو الصالون لتجد زوجها ممسكًا بصدره بتألم شديد ووجهه إمتقع للون الأزرق يحاول إخراج الكلمات من فمه دون إستطاعة.
ام هيام: سعيد ... سعيد .. رد عليا يا سعيد ... رد عليا بالله عليك ...
إلتف كرم وأخوات هيام حولهم فى حزن شديد.
هبه: مالك يا بابا ....
سميره: الدواء .... أهو .... إديله الدواء يا ماما ...
أمسكت والدة هيام بعُلبة الدواء لكنه كان قد فقد الوعي ملقى بإرتخاء فوق المقعد.
ضاقت عينا كرم بإمتعاض مستنكرًا ما يفعلونه.
كرم: إيه إللى إنتوا بتعملوه دة ... وسعوا للهواء شوية كدة وحد يتصل بالإسعاف فورًا ...
إتصلت سميرة بالإسعاف بينما حاول كرم جس نبض الحاج سعيد وإعطائه مساحة للتنفس.
=====
هيام ....
إنتَهت من جولتها اليومية بعملها الإضافى بالدروس الخصوصية متجهة بإرهاق نحو المنزل.
لم تكن تدري أن أبيها قد وافق على زواجها من كرم، كما أنها لا تعلم بالموعد المحدد اليوم بينهم.
قُبض قلبها عند إقترابها من البيت لتجد سيارة الإسعاف منتظرة بالقرب من البيت والأجواء لا تخلو من تلك الصافرة محطمة الأعصاب لتدل على إصابة أحدهم بمكروه ما.
سَبَقَت عيناها خطواتها لمعرفة من المصاب بخِيفة وتوجس.
صدمها رؤية والدها يحمله إثنان من المسعفين بإتجاه سيارة الإسعاف يتحرك إلى جوارهم كرم بقلق شديد، تلحقهم والدتها وأخواتها ببكاء وصراخ مكتوم.
إهتزت من داخلها وتشدقت عيناها بفزع فتظاهرها بالقوة يتلاشى الآن فهو سندها وأمانها.
بأعين متسعة يكاد يضيء لمعانها من هول تلك الصدمة ركضت بذعر بإتجاه سيارة الإسعاف لتطمئن على والدها.
هيام بخوف: باباااااا .... إيه إللى حصل .... باباااااا ...
وقف قبالها أحد المسعفين يبعدها بشدة.
المسعف: بعد إذنك يا آنسه عشان نتحرك ....
رغم إيقافه لهيام إلا أنه لم يستطع إيقاف والدتها حين أصرت على الركوب مع زوجها بسيارة الإسعاف.
ام هيام: أنا جايه معاكم .... مش حـ أسيبه ....
ركبت والدة هيام إلى جوار زوجها عِشرة عُمرها الماضية الحُلوة والمُرة لن تتركه أبدًا يصارع آلامه بمفرده الآن.
هيام بصدمة وقد لمعت عيناها بشبح دمعة، وتوهجت وجنتيها وأنفها بحمرة قوية وهي تتطلع نحو كرم كالغارقة دون مُنقذ.
تلاقى كرم عيناها المتخبطتان بنظراته الحانية كما لو يبث بها بعض الطمأنينة.
سألته هيام بتشتت:
هيام: إيه إللى حصل .. ؟؟!
كرم: تقريبًا كدة أزمة قلبية ... إهدى ... إن شاء الله حـ يبقى كويس ...
بتلك اللحظة لم يشغل فكرها سوى والدها فقط، تناست من كانت بحضرته ولم تهتم لتهتف بتأثر:
هيام: يا حبيبي يا بابا ... أنا لازم أروح المستشفى ...
سميرة وهبه: خدينا معاكِ ...
أشار كرم تجاه سيارته المتوقفة أسفل بيتهم قائلًا:
كرم: تعالوا معايا فى العربية ... نلحقهم بسرعة ....
أسرعت الثلاث فتيات بإستقلال السيارة برفقة كرم الذي تبع سيارة الإسعاف.
خلال سيره كان يحاول الإطمئنان من وقت لآخر بطرف عيناه نحو هيام الحزينة.
بكل مرة من قبل كان يراها القوية التي لا تبكي ولا يهزها شئ. هل هي الآن تخر قواها بفقدانها لهذا الكهل.
كرم: إهدوا شوية ... مينفعش تعملوا كدة ... إن شاء الله أزمة وتعدي ويقوم بالسلامة .. والدتكم حـ تتعب لو شافتكم كدة ... وهو تعبان شوية بس ... وحـ يقوم من الأزمة ...
هيام بتمني: ياااارب .... يارب ...
حاولت هيام التماسك قليلًا حتى لا تنساق أختيها في هذه المشاعر السلبية فوالدتهم بالفعل لن تتحمل كل هذا.
هيام: بالراحة يا بنات ... إن شاء الله بابا حـ يبقى كويس ... إن شاء الله ....
سميره: يا رب ...
أكمل كرم طريقه وسط صمت لاذ بالمحيط قطعه رنين هاتف هيام لتخرجه من حقيبتها ناظرة نحو اسم نورا الذي يحتل شاشته.
هيام: ألو ...
نورا: إنتِ فين رنيت عليكِ كذا مرة مش بتردي ليه ...؟؟!
هيام: بابا تعبان أوى والإسعاف أخده على المستشفى ....
نورا: لا حول ولا قوة إلا بالله ... إن شاء الله خير ... أبقى طمنيني يا هيام ...
هيام: إن شاء الله ....
أنهت هيام مكالمتها بتوتر وإرتعاش يديها.
إنتبهت لوصولهم إلى المستشفى.
هبه: يلا المستشفى أهي ... يلا نلحقهم ....
ركضوا جميعًا إلى الداخل خلف والد هيام الموضوع فوق السرير المتحرك حتى وصلوا إلى غرفة العناية المركزة.
إرتمت سميرة وهبه على المقاعد الموضوعة أمام غرفة العناية المركزة، بينما وقفت والدة هيام تحاول إستراق النظر إلى داخل الغرفة من تلك الفتحة الصغيرة التي بأعلى الباب الخشبي لكنها لم تستطع رؤية شئ يطمئنها فعادت لتجلس باكية تقرأ ما تحفظه من القرآن حتى تطمئن عليه بأي خبر.
دنت هيام من والدتها لتضع يدها على كتفها يشدان من أزر بعضهما البعض في حزن.
وقف كرم حزينًا على ما حدث فهو لم يرى والد هيام سوى مرتين فقط لكنه شعر بطيبة هذا الرجل وخوفه على أسرته.
نظر نحو هيام الحزينة لكنها صامدة، شعر بأن بداخلها صراع كبير وضعف تُخفيه عن الجميع وأن بداخلها خوف وهلع من فقدان والدها الحاني وأنها لن تتحمل صدمة فقدانه.
ظل يدعو في داخله لأن تمر هذه الأزمة بسلام ويعود إلى بيته حتى لا يرى حبيبته بمثل هذا الحزن والإنكسار.
=====
أمسية مختلفة فبها ألم وترقب وقلق، وأيضًا مواجهة للنفس.
فقد جلس أمير بشرفته المحببة بشقته وحيدًا يصارع أفكاره ويواجه نفسه بما لا يعترف به.
امير: أنا فعلًا حاسس بشئ مختلف ناحية سميرة ... حاجة مش زي ميادة خالص ... أنا خايف ... خايف تروُح مني.
تذكر ما قاله له صديقه أشرف اليوم.
امير: لازم أواجه نفسي لازم آخد القرار ... لازم أتكلم معاها وأوضح لها مشاعري قبل ما تضيع مني ... بكرة لما تيجي المعمل لازم أقولها ... لازم أتكلم .... لازم أقولها ... إني .... ااا ... إني حبيتها ....
=====
المستشفى ....
تمر دقائق الانتظار خارج غرفة العناية المركزة بالمستشفى وكأنها ساعات ثقال عليهم، إنتظروا أن يطمئنهم أي شخص عن حالته لكن لا جديد.
وبعد فترة من الوقت خرج الطبيب من غرفة العناية ناظرًا نحوهم مستفسرًا:
الدكتور: إنتوا أهل المريض ..؟؟!
همّ كرم متصدرًا حديثه مع الطبيب فهن جميعًا لن يستطعن التصرف بمفردهن.
كرم: أنا إبنه ...
الدكتور: دي كانت حالة جلطة بسيطة في القلب ... الظاهر مش منتظم على الأدوية إللي بياخدها وإحنا الحمد لله إدينا له حقن للإذابة بس مفعولها حـ يبان كمان ٨ ساعات لو بإذن الله عدينا المرحلة دي حـ يبقى كويس إن شاء الله وننقله غرفة عادية بره العناية.
كرم: وهى حالته مستقرة دلوقتي يا دكتور ...؟!!
الدكتور: نوعًا ما .... الحمد لله بس لازم يكون تحت الملاحظة الـ ٨ ساعات الجايين عشان ميحصلش أي مضاعفات لا قدر الله.
كرم: بإذن الله ...
تركهم الطبيب بعدما شرح حالته الصحية لهم لينظر كرم نحوهن محاولًا بث الطمأنينة وحثهم على العودة للمنزل لينالوا قسطًا من الراحة.
كرم: أظن كدة إطمنتم شوية ... ممكن تروحوا البيت وأنا حـ أفضل معاه هنا وحـ أطمنكم لكن وجودكم هنا في المستشفى صعب أوي .. وإنتوا كلكم شكلكم مرهق وتعبان.
أخذت عيناه تجوبان وجوههن المتعبة فكلًا من هيام وسميرة كانتا قد وصلتا للتو من عمل مرهق قضيتا به طوال اليوم، كذلك والدتها وأختها الصغيرة، لكن هو لا عمل له ولم يشعر بهذا الإرهاق، كما أراد أن تنال هيام بعض الهدوء والراحة وهو سيقوم بكل ما يلزم لراحة والدها.
رفضت والدة هيام أن تترك زوجها بمفرده قائلة:
ام هيام: لأ ... أنا قاعدة لا يمكن أسيبه أبداااااا ...
لم يكن الرفض منها فقط بل أصرت هيام أيضًا على البقاء.
هيام: ولا أنا مش حـ أمشي إلا لما أطمن على بابا الأول.
إلتفت هيام نحو سميرة وهبه لتقوم بدور طالما أُلقي فوق عاتقها منذ صغرها، دور الراعي المسؤول عن بقية أخواتها لتردف بحزم:
هيام: إنتِ يا سميرة خدي هبه وروحوا إنتوا ... هبه عندها بكرة إمتحان ومينفعش تغيب.
زاغت عينا سميرة الدامعتين برفض لما تطلبه أختها.
سميره: بس ...!!
هيام بحزم: مفيش بس ... عشان هبه تلحق تنام وتروح المدرسة بكرة. هي الكبرى وعليهن الخضوع والإنصياع لرأيها فهي تفكر بعقلانية بالفعل ووجودهم لا معنى له خاصة أنهم عليهم الالتزام بموعد امتحانات هبه حتى لا يتأثر مستقبلها.
سميرة: حاضر ... يلا يا هبه ... بس حـ أبقى أتصل بيكي كل شوية أطمن على بابا ماشى.
هيام: ماشى.
قبل أن تخطو هبه وسميرة خطوة للمغادرة كان كرم يستكمل بصورة تماثل هيام بجدّيتها التامة والمسئولية تجاه أختيها ليردف بما يشبه الأمر الواقع وليس طلبًا:
كرم: إستنوا حـ أوصلكم مينفعش تروحوا لوحدكم دلوقتي.
تحركت سميرة وهبه برفقة كرم متوجهات نحو المنزل بصمت، فيما لاحظت والدة هيام وقوف كرم بجانبهم دون تهرب.
ام هيام: كتر خيره والله ... كان جاي في إيه وجرى له إيه !!!! ... ده أبوكِ كان يا دوب بيقوله إنه موافق على جوازكم ... ملحقش يفرح برد أبوكِ عليه.
إتسعت عينا هيام بإندهاش فهي لا تعلم شيئًا عن هذا الأمر بعد.
هيام: بجد !!!! ... يعني هو كان عندنا عشان كدة ...!!!
ام هيام: أيوة يا بنتي .. والناس ولاد الأصول مش بيبانوا غير في الشدة وهو من ساعتها واقف كأن إللي جوه ده أبوه.
شعرت هيام بأن كلمات والدتها تبث فيها الطمأنينة تجاه كرم فهو مازال شاب غريب عنها ولا تعلم عنه شيئًا بعد.
بلحظات مرت شعرت كأنه سند لها فأخيرًا تستطيع رمي حمولها عليه وترتاح قليلًا حتى لو بمجرد إحساس.
جلست أم هيام تبكي في صمت وهي تقرأ ما تحفظه من القرآن خوفًا من فقدان سندها ورفيق دربها في الدنيا.
أوصل كرم سميرة وهبه إلى البيت لتصعدا فورًا ليرتاحا من عناء اليوم وتستعد هبه لاختبارها في الصباح بينما عاد كرم إلى المستشفى سريعًا.
مر كرم على قسم الحسابات بالمستشفى وقام بدفع حساب الحاج سعيد كاملًا واضعًا مبلغًا تحت حساب إقامة والد هيام فيها حتى يتسنى له الشفاء.
أحضر كوبان من العصير وصعد نحو غرفة العناية ليجد هيام ووالدتها بنفس وضعهما بمقاعد الانتظار.
إقترب نحوهما مادًا يداه بأكواب العصير لتأخذاه منه بإبتسامة حزينة وإمتنان.
وقف كرم مرة أخرى في مقابلهم في انتظار مرور الوقت حتى يطمئن على حالة والد هيام.
تطلعت به هيام لبعض الوقت قبل أن تنهض متجهه نحوه بهدوء طبعها المميز ناظرة نحوه بإمتنان لما فعله معهم اليوم.
هيام: بصراحة مش لاقية كلام أشكرك بيه على إللي إنت عملته النهاردة معانا ومع بابا.
هامت عيناه بسوداوتيها قبل أن يردف بنبرة معاتبة:
كرم: تشكريني ....!!!!!! إنتِ إزاي تقولي كدة ... دة إنتِ قلبي إللي أنا أموت لو شفت دمعة واحدة تنزل من عينيكِ من غير ما أشيلها عنك ... أنا حـ أكون دايمًا جنبك .. طول ما فيا نفس حـ أكون جنبك ومخليكيش تحسي بأي زعل ولا حزن أبداااااا طول ما أنا عايش.
دقات قلبها أعلنتها صريحة بكلماته الحانية المحبة، سيل من الكلمات أخرج من داخلها هيام مختلفة.
شعرت أخيرًا بضعفها وقلة حيلتها فلمعت عيناها بدمعة حزن أحس بها كرم كأنها نزيف في قلبه.
كرم: كفاية حبيبتي حزنك ده بيقتلني ... إطمني أنا معاكِ .... مش قادر أستحمل حزنك وزعلك ده.
كيف استطاع بلقاءات خاطفة أن يسرق قلبها بتلك السهولة.
كيف شعرت بحاجتها له وكأنها تعرفه منذ عقود.
تماسكت هيام لتعود جالسة إلى جوار والدتها في انتظار مرور الساعات الثقيلة للإطمئنان على حالة والدها.
حاول كرم أكثر من مرة الإطمئنان من الأطباء المناوبين على حالة الحاج سعيد من وقت لآخر حتى تمر الثمان ساعات.
=====
بعد عدة ساعات ....
حل الصباح عليهم وهم مازالوا جالسين في انتظار أي خبر يطمئن قلوبهم.
قضت هيام ليلتها جالسة على مقاعد الانتظار مسندة رأسها إلى الحائط بإرهاق وتعب.
إلتفتت نحو والدتها لتجدها بنفس الوضعية منذ الأمس جالسة تقرأ القرآن وتدعي لوالدها بالشفاء.
بينما جلس كرم بالجهة المقابلة لهم شاعرًا بالإرهاق الشديد ورغبة في النوم.
توجه إلى المرحاض ليضع ماءً فاتر على وجهه وشعره ليشعر بالإنتعاش ويستطيع الجلوس وإنتظار الطبيب.
إقترب كرم من هيام ووالدتها.
كرم: مش كفاية تعبكم ده ممكن بقى تروحوا البيت ترتاحوا وحـ أطمنكم والله.
ام هيام: لا يا إبني ... إحنا قاعدين مستنيين نطمن ... إنتَ كتر خيرك على تعبك معانا من امبارح .. روَّح إنتَ إرتاح ونام لك شوية إنتَ منمتش.
رفض كرم ذلك بصورة قاطعة فهو لن يتركهم حتى تطمئن قلوبهم.
كرم: لا والله مش حـ أمشي إلا لما نطمن كلنا على عمي سعيد.
====
بيت الحاج سعيد.
علقت سميرة الهاتف فوق أذنها لفترة من الوقت وسط قلق شديد إجتاحها لتضرب بتوتر سطح الطاولة بقبضتها حين هتفت هبه بقلق مماثل.
هبه: ها ... ردت ....؟!
أغلقت سميرة الهاتف بعد أن قطع الإتصال دون رد وهي تجيب هبه بتوتر:
سميرة: أبدًا ... مش عارفة مبتردش ليه ..؟؟! خايفه بابا يكون جرى له حاجة.
أشارت هبه على هاتف أختها مرة أخرى قائلة:
هبه: رنى تاني طيب يمكن ترد ..!!!
حاولت سميرة الإتصال بهيام مرة أخرى لكنها لم ترد.
سميرة بقلق: دي سادس مرة أرن ومتردش ... أنا كدة قلقت ... قومي إنتِ روحي الإمتحان وأنا رايحه المستشفى أشوف إيه إللي حصل.
هبه: ماشى.
====
أمجد.
جلس أمجد بغرفته فهو لم ينم طوال الليل، أخذ يحرك ساقه بإنفعال وضيق بالغ ظهر بقوة على ملامحه المتجهمة.
امجد: يعني بالساهل كدة ياخدها مني ... لا ... لا ... أنا لازم أروح لها دلوقتي وأتكلم معاها زمانها رايحة المدرسة.
نهض فورًا من جلسته متجهًا لبيت هيام للتحدث معها قبل ذهابها للمدرسة فهو لن يتنازل عنها بتلك السهولة.
بعد وقت ليس ببعيد وصل أمجد لبيت هيام لينتظر تحت تلك الشجرة الكبيرة ببداية الحي فعليه التحلي بالصبر حتى خروج هيام من المنزل، متخيلًا بعقله ما سيقوله لها وماذا سيكون رد فعلها.
====
المستشفى.
فُتحت أبواب غرفة العناية لنقل الحاج سعيد إلى غرفة خارجية بالطابق الثاني بعد إستقرار حالته وتوصية الطبيب بذلك.
تنفست كلًا من هيام ووالدتها براحة فور رؤية الممرضات ناقلات والد هيام نحو إحدى الغرف الخارجية وإنتهاء الأزمة وإستقرار حالته.
توجهوا جميعًا نحو الغرفة مهرولين للإطمئنان عليه.
بعد أن إطمأنت الممرضات على وضع الأجهزة والمراقبة للمريض خرجوا من الغرفة تاركين الفرصة لإطئمنان أهله عليه.
إقتربت هيام من والدها قائلة بحنو وشجن:
هيام: حمد الله على السلامة يا بابا.
الحاج سعيد: الحمد لله يا بنتي.
ام هيام: كدة برضه تخضنا عليك الخضة دي يا سعيد.!!
إبتسم الحاج سعيد بإعياء ثم ردد ممازحًا:
الحاج سعيد: عُمر الشقي بقى ... الحمد لله.
كرم: حمد الله على سلامتك يا عمى.
الحاج سعيد: الله يسلمك يا كرم يا إبني.
أخذت والدة هيام تمدح بكرم ووقوفه معهم بتلك الأزمة.
ام هيام: كرم ده ونعم الرجال ... ماسبناش ولا دقيقة من ساعة إللي حصل كتر خيره والله تعب معانا أوي يا سعيد. ربنا يبارك فيك يا إبني.
الحاج سعيد: تعبناك يا إبني والله.
رفع كرم عيناه بنظرة خاطفة تجاه هيام ثم عاد مسرعًا تجاه والدها قائلًا:
كرم: إحنا خلاص يا عمي بقينا أهل ودي أقل حاجة بين الأهل طبعًا. المهم حمد الله على سلامتك ومتتعبش نفسك دلوقتي بالكلام.
الحاج سعيد: الحمد لله. أنا كدة إرتحت إنك فعلًا تستاهل هيام. ربنا يسعدكم يا ولاد.
جرأته جعلته يتطلع بتلك النظرات العاشقة تجاه هيام والتي شعرت بخجل شديد منها لتتهرب بفرك كفيها بتوتر حتى لا تناظر عيناه التي تذوبان بداخلها بتلك الصورة خاصة بعد ما قاله والدها الآن وكأنه إعلان بإرتباطهما رسميًا أمام والديها.
ام هيام: روَّحوا إنتوا بقى يا أولاد إرتاحوا إنتوا طول الليل صاحيين.
نظرت هيام نحو والديها بقلق من إصطحاب كرم لها.
هيام: بس ...!!!
الحاج سعيد: روُحى يا هيام مع خطيبك وسيبني أنا وأمك هنا. هي خلاص خدت عليا وعلى تعبي. مش كدة ولا إيه.
ام هيام: ربنا يديك الصحة يا سعيد. أُمال .... دي عِشرة عمر.
إبتسم كرم لدفء الجو العائلي بينهم ذلك الإحساس الذي حُرم منه منذ طفولته، ولربما آن الأوان أن يؤسس أسرته ليعيش في دفء الأسرة مرة أخرى.
كرم: يلا بينا إحنا .. أوصلك البيت الأول ونرتاح ونبقى نيجي نطمن على عمي آخر اليوم في معاد الزيارة.
هيام: ماشى. خد بالك من نفسك يا بابا. ومتهملش في الدواء تاني ... عشان خاطرنا.
الحاج سعيد: توبه والله. إن شاء الله. كرم ... مش حـ أوصيك. خد بالك من هيام.
كرم: في عيني يا عمى.
أنهى كرم جملته وهو يثبت عيناه بذات النظرة نحو هيام ثم أشار لها بالخروج من الغرفة ليتوجهوا نحو السيارة ليعودوا بطريقهم إلى البيت.
====
سميره.
وصلت سميرة إلى المستشفى لتطمئن على والدها فقد حاولت الإتصال كثيرًا بهيام لكن دون رد.
صعدت سميرة نحو غرفة العناية المركزة وسألت إحدى الممرضات بتوجس عن والدها بالداخل.
سميرة: من فضلك ... الحاج سعيد أخباره إيه ...؟؟!
الممرضه: الحمد لله إتحسن خالص وإتنقل لغرفة خارجية من شوية.
سميره بفرحة: بجد ... الله يبشرك بالخير.
توجهت سميرة فورًا تجاه الغرف الخارجية مستعلمةً عن غرفة أبيها.
طرقت الباب بخفة ناظرة من خلف الباب لتجد والدها ممدد فوق الفراش المعدني ووالدتها تجلس إلى جواره.
هرولت بلهفة لتحتضن والدها بقوة من شدة خوفها من فقدانه.
سميرة: بابا .... حمد الله على سلامتك.
نهرتها والدتها بقوة عن إنفعالها بهذه الصورة.
ام هيام: بالراحة يا سميرة ... أبوكِ لسه تعبان.!!
سميرة: كنت خايفه عليه أوي.
الحاج سعيد: الحمد لله يا بنتي بقيت كويس أهو.
تلفتت سميرة باحثة بعينيها ثم نظرت إلى والدتها متسائلة:
سميرة: الله. أُمال فين هيام ..؟!
ام هيام: دي لسه نازلة من شوية تروَّح مع كرم.
دفعت سميرة كفها بالهواء ضجرًا وهي تزم شفتيها بقوة.
سميرة: دة أنا غلبت أرن عليها مبتردش.
ام هيام: يمكن كانت عملاه صامت ولا حاجة.
سميرة: يمكن !! المهم أن إنتَ بخير يا حاااااااج.
إبتسموا جميعًا على خفة ظل سميرة المعهودة.
====
امير.
إستعد أمير نفسيًا لمواجهة سميرة اليوم فهو غير مستعد لخسارتها بهذه السرعة فوجودها في حياته غير الكثير بدون أن تدري وأوضح العديد من الأفكار المضطربة في داخله.
إرتدى ملابسه سريعًا في حماس متوجهًا نحو المعمل لرؤيتها كما يتوقع اليوم.