تحميل رواية لهيب الروح بقلم هدير دودو pdf
بقلم هدير دودو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في الصباح، زحفت رنيم أرضًا والدموع تنهمر فوق وجنتيها بقهر وحسرة. قدميها لم تتحمل الوقوف عليهما. وصلت نحو المرحاض وبدأت تزيل عنها ملابسها البالية من أثر ضرباته لها ليلة أمس. بدأت تتطلع نحو جسدها والعلامات التي تملأ جسدها. أغمضت عينيها بضعف شديد تحاول أن تقف أسفل المياه لعلها تهدئ من الألم الذي يعصف بها. نجحت في النهاية بعد عدة محاولات أن تقف أسفل المياه الساخنة لتخفض من آلام جروحها الجديدة. ارتدت فستانًا من اللون الأسود طويل يصل إلى كاحليها ذو أكمام تغطي ذراعها بأكمله، لا تريد أن تظهر أي أثر في ج...
رواية لهيب الروح الفصل الأول 1 - بقلم هدير دودو
في الصباح، زحفت رنيم أرضًا والدموع تنهمر فوق وجنتيها بقهر وحسرة. قدميها لم تتحمل الوقوف عليهما. وصلت نحو المرحاض وبدأت تزيل عنها ملابسها البالية من أثر ضرباته لها ليلة أمس. بدأت تتطلع نحو جسدها والعلامات التي تملأ جسدها.
أغمضت عينيها بضعف شديد تحاول أن تقف أسفل المياه لعلها تهدئ من الألم الذي يعصف بها. نجحت في النهاية بعد عدة محاولات أن تقف أسفل المياه الساخنة لتخفض من آلام جروحها الجديدة.
ارتدت فستانًا من اللون الأسود طويل يصل إلى كاحليها ذو أكمام تغطي ذراعها بأكمله، لا تريد أن تظهر أي أثر في جسدها المشوه بسبب زوجها. بدأت تخفي العلامات المتواجدة على وجهها بمساحيق التجميل. فيكفي استماع جميع من في المنزل طوال الليل إلى صوت صراخها وإهانتها، هل سيجعلهم يرون آثارها أيضًا؟
نزلت من الغرفة ببطء تحاول أن تتجاهل الألم الذي تشعر به. فأصبح يلازمها دائمًا، لا يوجد شيء جديد، قد اعتادت على هذا الألم.
تفاجأت عندما وجدت جواد ابن عم زوجها يجلس أسفل صحبة والدته. وقفت تتابع هيئته الشامخة ومظهره الخلاب. ابتسمت ابتسامة شاحبة تزين محياها، وتوجهت نحو والدته مدت يدها تصافحها، متمتمة برقة وخفوت:
"أهلا وسهلا يا طنط، عاملة إيه؟"
بادلتها جليلة والدة جواد ابتسامتها ونهضت قامت باحتضانها مردفة ترد عليها بهدوء:
"الحمدلله يا حبيبتي، أنتِ عاملة إيه؟"
همهمت بخفوت تجيبها وهي تأومأ برأسها إلى الأمام تحت نظرات مديحة والدة عصام زوجها، التي كانت ترمقها بنظرات غاضبة يملأها الكره:
"الحمدلله كويسة.."
لم تستطع أن تتحدث مع جواد بسبب نظرات مديحة لها التي أربكتها، فصمتت بعد ذلك وتوجهت تجلس فوق الأريكة. إلا أنه فاجأها وفاجأ الجميع عندما تخلى عن صمته الذي كان يلتزمه طوال جلسته معهم وغمغم متحدثًا معها بجدية وخشونة يظهرها أمامهم وهو يطالعها ببنيتيه بنظرات شغوفة لم يفهمها سواه:
"رنيم.. ازيك عاملة إيه؟"
ابتسمت ابتسامة سعيدة من احترامه لها وطريقته معها المختلفة، لم تجد أحد يتعامل معها بتلك الطريقة من قبل. تمتمت ترد عليه بخفوت:
"الحمدلله أنا كويسة.."
لم تتحدث أكثر من ثلاث كلمات تلك التي تفوهت بهم للتو. لكن أروى شقيقة زوجها لم يعجبها ما حدث؛ لذلك تطلعت نحو والدتها بغضب عارم وقد بدأت نيرانها تشتعل بداخلها. فهمت والدتها ما تريده فاومأت برأسها إلى الأمام تخبرها أن تهدأ ولا تبدي غضبها.
وجهت مديحة بصرها نحو تلك التي كانت تجلس على الأريكة وأردفت بحدة وعجرفة مشيرة لها بسبابتها بتقليل وهي تضع ساقها فوق الساق الأخرى:
"أنتِ قاعدة ليه معانا أصلا، هو أنتِ ناسية نفسك ولا إيه، إحنا عيلة وقاعدين مع بعض. أنتِ إيه اللي دخلك، قومي يا ماما ادخلي شوفي الشغل اللي وراكي ومتنسيش نفسك كتير أحسن لك."
اجتمعت الدموع داخل مقلتيها بحزن من إهانتها أمام الجميع. لكنها لم تستطع أن ترد عليها فابتلعت تلك الغصة القوية التي تشكلت داخل حلقها ونهضت بالفعل كما قالت لها متمتمة بخفوت ونبرة شبه باكية:
"حـ…حاضر يا طنط أنا آسفة ليكم."
أنهت جملتها ونهضت تاركة إياهم خلفها. بينما هو كان منتبه معها بشدة شعر بالغضب من زوجة عمه لما فعلته معها ومن إحراجها لها أمام الجميع.
نهضت والدته مع مديحة التي غمزت لها لتنهض، تاركين إياه مع أروى بمفردهما. تنهد هو بغيظ ولم يعقب على ما يحدث بل تناول هاتفه وظل يتطلع فيه من دون أن يعير وجودها أي اهتمام.
تنهدت بغيظ من تجاهله الشديد لها، وتحدثت متسائلة مدعية الاهتمام بشأنه:
"قاعد ساكت يعني يا جواد، عامل إيه، وشغلك عامل إيه فيه؟"
رد عليها بجدية ورسمية شديدة من دون أن يرفع بصره بها:
"الحمدلله كويس وشغلي كويس تمام."
التقطت أنفاسها بصوت مرتفع لعلها تتحكم في انفعالاتها من طريقته الحادة معها، وتمتمت تتحدث مجددًا وهي تبتسم باقتضاب:
"كويس إنك جيت أنتَ ومرات عمي بقالكم كتير مجيتوش. عمي وسما أختي بس هما اللي بيجوا."
أومأ برأسه إلى الأمام، وأردف متحفظًا على طريقته الجادة معها:
"عندي شغل ومش فاضي عشان أجي وماما مش بتحب تخرج كتير، أنتِ عارفاها بقى."
عضت على شفتيها بعصبية شديدة لاعنة إياه بطريقته تلك معها، تمتمت بمرح لعلها تعدل الأجواء المتوترة بينهما:
"عارفة إنك مشغول أكيد بس كدة مش بتسأل عليا خالص، دة أنا بنت عمك حتى."
قطب جبينه بضيق من تعاملها معه وثرثرتها التي بلا فائدة ورد بحدة بعض الشيء:
"آه طبعًا بنت عمي واختي الصغيرة كمان زيك زي سما. حقيقي معلش متزعليش بس مش ببقى فاضي."
ظلت تسبه وتلعنه سرًا. هل يشبهها بشقيقته بعد كل ذلك وما تفعله لتجذبه نحوها؟ فعلت العديد من المحاولات يقول لها في النهاية أنها مثل سما. تحدثت بغيظ وتهكم ساخرًا:
"زي سما آه أختك.."
اصطنعت ضحكة مزيفة أمامه، وكادت تتحدث مجددًا لكنه قطعها عندما صدح رنين هاتفه فأردف في عجلة ودون اهتمام بها:
"هقوم أرد على موبايلي عن إذنك."
تنفس بصعداء ما أن نهض من أمامها وأنهى جلسته معها التي لا يريدها، هي تعلم ذلك والجميع أيضًا يعلمون لكنهم يفعلون محاولات بلا جدوى.
وقف يرد على هاتفه وهو يضع يده داخل جيب سترته وقف متحدثًا بشموخ:
"تمام يا حسام هاجي أشوف أنا الحوار وأخلصه خلاص متدخلش فيه."
استمع إلى رد الجهة الأخرى ثم عاد يتحدث مجددًا بثقة شديدة لم تليق سوى عليه:
"يا ابني خلاص الدنيا مش محتاجة كل اللي هتعمله ده، بقولك اعتبره خلصان سيبلي الموضوع."
أغلق مع صديقه بعد ذلك وقد لفتت عينيه وهي تقف في الحديقة بمفردها تتطلع أمامها في اللاشيء بصمت تام. استنتج أنها تفكر في شيء ما بعمق شديد. وجد قدميه تأخذه عندها ليقترب منها ويبقى بجانبها. غمغم باسمها من بين شفتيه بنبرة لا أروع، نبرة تخرج من بين قلبه:
"رنـــيــم"
طالعته بابتسامة خافتة فوق وجهها ذو ملامحه الجذابة الساحرة التي حتى الآن وبالرغم من كل ما يحدث لها وافتقداها لروحها لم تفتقدهم:
"نعم يا جواد باشا في حاجة؟"
قطب جبينه بعدم رضا من اللقب التي تردفه له مع اسمه. ابتسم وغمغم قائلًا لها ببساطة وسعادة يشعر بها معها:
"لا باشا إيه جواد بس، هو إحنا في القسم. بعدين مفيش حاجة أنا بس كنت عاوز أقولك متزعليش من اللي مرات عمي قالتهولك قدامنا عشان عارف إنك زعلتي. هي طريقتها كده أنتِ عارفاها أكيد مش محتاجاني أقولك."
ابتسمت بسخرية ووجع في آن واحد. هل يخبرها بألا تحزن وتنزعج؟ هل يوجد من يهتم لحزنها وأمرها؟ هي قد تناست كلمة الاهتمام وحذفتها من قاموسها. بدأت قاموسًا جديدًا في حياتها يملؤه الوجع، والقهر، الحزن، والألم، الضعف، والبكاء… لكن الاهتمام وما يفعله هو الآن معها لا، فقد تناسته تمامًا.
كان هو مستغلًا شرودها في ذاتها وعينيه تراقبها وتتمعن في النظر بها، ينظر في كل شبر بوجهها وملامحها. عسليتيها التي تشبه القهوة في الحقيقة. نعم تشبه القهوة ليس في اللون فقط بل في المر المتواجد داخل الاثنين. نظر إلى خصلات شعرها البنية التي تفاجأ أنها قد قصته، فهو كان أطول من ذلك عدة مرات. في الحقيقة لم تكن هي من قصته بل عصام هو من قصه لها بالقوة ليجبرها على الخضوع له. تطلع نحو وجنتيها البيضاء التي يوضع عليها مساحيق التجميل ولم يرى ما خلفهم.
طالع شفتيها ذات اللون الوردي الجذاب يجذبانه نحوهما بشدة يريد أن يقترب ويقترب أكثر منها ومن كل تفاصيلها الذي يعشقها. في النهاية قد تطلع نحو عنقها لكنه تفاجأ عندما وجد عليه بعض العلامات والجروح التي تملأه بأكمله. ظل يطالعه بنظرات غير مريحة.
فهمت معنى نظراته المصوبة على عنقها المجروح بتلك الطريقة. خشيت أن يكون قد شك في شيء. أسرعت تجذب شعرها فوق عنقها تخفيه من أمام عينيه ونظراته المصوبة عليها التي تذكرها بإهانتها التي تلازمها. سارت من أمامه بخطوات واسعة شبه راكضة تريد أن تختفي من أمامه مسرعًا.
اندهش من تصرفها المفاجئ الذي باغته، لكن سار هو الآخر نحو الداخل وغمغم لوالدته بهدوء:
"يلا يا ماما كفاية كده عشان مش فاضي."
تحدثت مديحة معترضة متمسكة بهما:
"إيه ده ليه ما تخليكم، هو انتو لحقتوا تقعدوا. روح اقعد مع أروى واستنى عصام على ما يجي."
شحب وجه تلك الواقفة على المصعد عندما استمعت إلى اسم عصام يدوي داخل أذنيها، شعرت بقلبها يعتصر داخل قفصها الصدري والخوف يملؤه. تبغضه وتبغض عودته إلى المنزل. عينيها لا تريد رؤيته ولا تطيقه. أغمضت بنيتيها ضاغطة فوقهما بألم شديد لا يضاهي ألمها الذي تشعر به بداخل قلبها الممزق من فرط أوجاعه وآلامه.
تحدثت والدته وهي تعد ذاتها للذهاب معه ممسكة بحقيبتها ونهضت معه:
"معلش بقى مرة تانية يا حبيبتي جواد مش فاضي تتعوض إن شاء الله."
قامت باحتضان مديحة وابنتها وأضافت معقبة بابتسامة بشوشة وهي تقف على أعتاب المنزل بعدما سبقها جواد وذهب إلى سيارته:
"ابقي سلميلي على رنيم وبراحة عليها شوية يا مديحة، البنت غلبانة وطيبة."
مصمصت شفتيها ساخرة بعدم رضا، وقد بدا ذلك على وجهها أيضًا:
"طيبة آه مين دي اللي غلبانة، أنتِ اللي متعرفيهاش يا جليلة دي عقربة والله، بعدين أنا مليش دعوة بيها."
أومأت لها برأسها وسارت متوجهة نحو الخارج. ركبت السيارة، وتطلعت نحو جواد متمتمة بعدم رضا:
"عاوزين نتكلم يا جواد."
بالطبع يعلم ماذا تريد منه. تنهدت بصوت مسموع وغمغم بجدية وهو يأومأ برأسه أمامًا:
"ماشي يا ماما هفضى وأجي نتكلم."
اكتفت والدته بإيماءة بسيطة من رأسها من دون أن تعقب وتتفوه بأي شيء آخر معه.
في المنزل..
جلست أروى تشعر بالغيظ تطالع والدتها بضيق. غضت على شفتيها بقوة، تمتمت بعدها لوالدتها بحدة وغضب:
"شايفة عمل إيه معايا وبيتعامل إزاي، دة كان بيتعامل مع بنت الـ*** التانية اللي فوق دي أحسن مني. هو شايف نفسه على إيه عشان يعمل معايا كده عاوز يشوفني وأنا متمسكة بيه ولا إيه."
جلست والدتها بجانبها تربت فوق كتفها تعمل على تهدئة ابنتها المدللة:
"خلاص يا حبيبتي اهدي أنتِ بس وهو هيجي هيجي، هو يطول حتى، دة هيجيلك راكع وبكرة تشوفي أمك قالت. وال*بالة اللي فوق دي أنا هتصرف معاها وعصام جاي كده كده هتاخد نصيبها طالما غايظاكي هو إحنا عندنا كام أروى، ما عاش ولا كان اللي يضايقك ويزعلك."
هدرت الأخرى بغيظ تقلده بطريقة ساخرة يملأها المكر والحقد:
"أنتِ زيك زي سما…أنا زي سما يا ماما بيقولي إني أخته، هو شايف نفسه على إيه ده."
اتسعت عيني والدتها وتمتمت بخبث ماكر يشبه نواياها الداخلية التي زرعتها في نفوس أبنائها:
"هتعرفي تربيه وهيجيلك لحد عندك إهدي أنتِ بس واتفرجي على اللي أمك حبيبتك هتعمله."
ظلت تخطط مع ابنتها في الوصول لجواد وكيفية الإيقاع به، ليصبح في النهاية تحت سيطرتها تكون ابنتها سعيدة معه. لكنها تناست أمر هام هو طبيعية شخصية جواد الصارمة الحادة، التي مهما فعلت لن تستطيع أن تسيطر عليه ولا أحد يقوى على فعلها.
❈-❈-❈
في المساء..
عاد عصام إلى المنزل كان مثل عادته اليومية ثملًا. كان سيتوجه إلى أعلى حيث توجد هي ليفرض سيطرته وقوته عليها. لكنه تفاجأ بوالدته التي كانت تجلس في انتظاره مع شقيقته. تحدثت والدته بجدية مشيرة له بيديها أن يقف أمامها:
"عصام استنى، تعالى هنا عاوزينك في حاجة أنا وأختك بخصوص الوسـ*ـة اللي مرمية فوق دي."
حرك رأسه عدة مرات بضيق، لا يريد أن تثرثر الآن، يريد أن يصعد مسرعًا ليمارس ما اعتاده يوميًا عليها وهو ضربها وإهانتها، يتلذذ برؤية خوفها وضعفها أمامه، يشعر بقوته وتفاخره بذاته وهو يراها ساقطة أرضًا كالجثة الهامدة بعدما ينهي ما يريده منها. ابتسامة ماكرة زينت محياه عندما تذكر أفعاله معها اليومية وما الذي سيفعله اليوم أيضًا.
سار على مضض متوجهًا صوب والدته كما أشارت، وغمغم بخشونة وعدم ترتيب لما يتفوهه:
"مالها اللي فوق… إيه يا ماما أنتِ عاوزة إيه دلوقتي."
طالعته بسخرية وعدم رضا تلوى شفتها بسخط، وهتفت ترد عليه بصرامة شديدة وحدة:
"لأ بقولك إيه اتعدل كده يا عصام معايا، ركز في اللي بقوله أنا زي ما جوزتهالك عشان تعمل فيها ما بدالك، أقدر أخفيها خالص وأنتَ عارفني كويس."
اعتدل في وقفته أمامها، وأغمض عينيه بضيق ثم طالعها بعدها وغمغم متسائلًا بجدية:
"إيه يا ماما في إيه، وإيه اللي حصل عشان تقولي كلامك ده دلوقتي."
وزعت بصرها الحاد عليه من أعلاه إلى أدناه وتحدثت بعد ذلك بمكر وخبث:
"الوسـ*ـة بتاعتك اللي فوق دي مزعلة أختك وخليتها تعيط وأنتَ عارف كله إلا أروى، ونزلت تتمايص على ابن عمك لما جه النهارده بسهوكتها دي، إيه مش عارف تلمها وتكسر رقبتها."
شعر بالغضب يشتعل بداخله زمجر بصوت غاضب مرتفع متحدثًا بلهجة مشددة حازمة:
"خلاص يا امي أنا هطلع اتصرف معاها كده كده وهتشوف اطلع بقى ولا في حاجة تاني."
حركت رأسها بيأس وسخرية مشيرة له بيدها أن يسير من أمامها متمتمة بغيظ ساخر:
"روح الحق اطلع الحق أصلها هتطير ما هي متلقحة فوق كده كده."
سار من أمامها متوجه نحو الأعلى يصب كل غضبه طوال اليوم بها، فغضبه قد ازداد بعد حديثه مع والدته التي تعمدت إهانته وفرض سيطرتها عليه. سيصب كل ذلك بها متلذذًا بصرخاتها التي ستطرب أذنيه معلنة قوته. نظراتها المليئة بالرهبة والخوف ترضيه وتجعله يشعر بلذة الانتصار والقوة.
فتح الباب بوجه مكفهّر غاضب منطبع على ملامحه القسوة. ما أن خطى خطواته داخل الغرفة حتى شعرت هي برعشة قوية تصيب جسدها، حبست أنفاسها بداخل قفصها الصدري لا تريد أن تدنس أنفاسها بأنفاسه التي تكرهها. هل من الممكن أن يحب أحد السوط الذي يجلده؟ بالطبع لا، هو تمامًا كالسوط بالنسبة لها، تكرهه أكثر من أي شيء في العالم بأكمله.
أغمضت عينيها بقوة تخفي صورته من أمامهما ومن ذهنها. ابتسم هو معجبًا بملامح وجهها التي تبدلت تمامًا برؤيته. ضحك بصوت صاخب رنت صوت ضحكاته في أذنيها جعلتها تتمنى لو أنها ألا تستمع في حياتها بدلًا من أن أستمع لصوت ضحكاته المقززة.
وجدته يجلس فوق المقعد بأريحية مبتسمًا، يطالعها بنظراته الشرسة وكأنه سينقض عليها يقـ ـتلها، لما لا فقـ ـتلها سيكون أهون مما تعيشه وتشعر به معه. لكنها كانت تفهم مغزى نظراته وماذا يريد؟
نهضت من مكانها بانكسار وألم متوجهة نحوه تنكس رأسها أرضًا، وجلست أسفله فوق الأرضية والدموع تلتمع داخل عينيها. مد لها قدمه ببرود تام وانتصار وابتسامته الماكرة تزين ثغره تعبر عما ينوي فعله.
"إن أخرى الضربة اللي بتاخديهم لا هتشوفي وهتندمي."
أطاحها أرضًا بقوة المتها جعلتها تصرخ، لكنه لم يعط ذلك أهمية بل ضغط بقدمه فوق ذراعها بقوة شديدة وتحدث بتوعد ووحدة:
"قسما بالله لهتشوفي، صوتك ده مش هيطلع بعد كده غير بإذن مني أنتِ فاهمة."
ظلت تأومأ برأسها عدة مرات إلى الأمام وهي تصرخ بألم من ذراعها الذي يهرسه أسفل قدمه. تمتمت بخفوت وألم شديد:
"حاضر يا عصام حاضر أنا آسفة، مش هعمل حاجة تاني كفاية، أنا آسفة."
لم يتركها بالطبع بل تعامل كأنه لم يستمع إلى حديثها، بل يستمع إلى صرخاتها التي تعبر من خلالها عن وجع ذراعها الذي لازال يضغط عليه. هل سينتهي الأمر هنا؟ بالطبع لا. وجدته يجلب الزنار الخاص به _حزام جلدي قوي_. تطلعت نحوه برعب وصرخت متوسلة إليه:
"عصام عشان خاطري خلاص مش هعمل حاجة تاني أنا آسفة خلاص بالله عليك ارحمني مش هقدر تعبانة بجد أنا آسفة ليك هعمل كل اللي أنتَ عاوزه والله هعمل كل حاجة تقولي عليها بس كفاية، بلاش تضربني بيه، اعمل أي حاجة تاني تعجبك."
لم يستمع إلى حديثها من الأساس بل ابتسم بسعادة وقسوة وهو يرى المتعة في رؤيته لنظراتها المرعبة بما تحمله الكلمة. الرعب يبدو في عينيها وملامح وجهها. رفع يده بالأعلى وهوى على جسدها بقوة، غير مبالٍ لصرخاتها أو آلامها الذي يبدو عليها، غير عابئ بجروحها التي فُتحت من جديد أو الدماء التي تسيل من جسدها، بل كان يطالع كل ذلك بانتصار وملامح وجه فرحة لما فعله بها.
صوتها قد انتحب واختفى تمامًا من فرط الصرخات التي كانت تصرخها. كانت تشبه الجثة الهامدة والجروح تملأ جسدها، الدماء تسيل من جروحها.
وقف يطالع هيئتها بلا مبالاة وانتصار شديد، سعيد كونه يمارس قوته عليها، ويجعلها ضعيفة ذليلة أمامه. سار ببرود متوجه نحو المرحاض من دون أن يعطيها أدنى اهتمام بل ضربها بقدمه عن عمد وهو يسير من جانبها. تأوهت بخفوت وصوتها بالفعل قد انحبس بداخلها وكأن أحبالها الصوتية قد انقطعت بسبب ضراوة ارتفاع صرخاتها.
ها قد انتهت ليلتها الآن، ولكن ماذا عن باقي لياليها؟ ستمضيها أيضًا في ذلك العذاب، والوجع، الألم والذل، الضعف والخوف. لماذا تعيش تلك الحياة القاسية بضراوة؟ لماذا لا تعيش حياتها بحرية مثلها مثل أي إنسان طبيعي تفرح متى تحب! تحزن متى تريد! تضحك بطريقتها الخاصة، وتبكي لحزنها هي.
لكنه سلب منها كل ذلك جهلها تفرح وتضحك، تحزن وتبكي متى يريد هو.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي..
عاد جواد إلى المنزل للتو بعد ليلة شاقة قد عمل بها العديد من الأعمال الهامة. وجد الجميع يجلسون يتناولون فطورهم، كان سيدلف على غرفته في صمت تام من دون أن يتحدث معهم إلا أن والدته استوقفته متمتمة بحنان:
"تعالى يا حبيبي افطر شكلك تعبان."
بالفعل كان الإرهاق يبدو على قسمات وجهه وعينيه بوضوح. هو لم ينم من ليلة أمس، وأيضًا عقله الذي انشغل بتفكيره بها بعدما رآها مرة أخرى. كل شيء كان يدفنه قد تجدد من جديد. يشعر وهي أمامه بالعجز والضعف. يريدها ويريد أن ينعم باقترابها منه لكنه لم يستطع. يجب أن يخفي كل ذلك بداخله ولا يريد أن يجعل أحد يعلمه. تنهد بصوت مسموع يخرج من تلك الدوامة التي بها، ورد على والدته بهدوء بابتسامة سعيدة تزين ثغره:
"لأ يا حبيبتي افطروا انتو أنا عاوز أنام مش قادر."
كاد يسير متوجهًا نحو غرفته لكن استوقفه والده تلك المرة مغمغمًا بخشونة وجدية:
"تعالى اقعد عشان عاوز أتكلم معاك يا باشا."
سار جواد مقتربًا منهم جاذبًا مقعدًا خاصًا بمائدة الطعام وجلس فوقه متناولًا شطيرة صغيرة يطالع والده منتظرًا يتحدث ويردف بما لديه. عندما طال انتظاره أردف متسائلًا:
"خير يا بابا عاوز إيه قولت إنك عاوزني؟"
أومأ والده برأسه أمامًا، متحدثًا معه بجدية صارمة:
"عملت إيه امبارح مع أروى بنت عمك، كويسة أروى مش كده."
عض على شفتيه بضيق كان يعلم أنه سيحدثه في ذلك الأمر. التقط شهيقه بصوت مرتفع محاولًا أن يسيطر على انفعالاته، تمتم يرد عليه ببرود:
"معملتش حاجة يا بابا هعمل إيه مثلا، بعدين أكيد كويسة أروى زي سما بالظبط."
طالعه والده بعدم رضا ساخرًا من حديثه، متطلعًا بصرامة نحو جليلة التي ادعت انشغالها مع سما ابنتها، فتحدث بحدة ولهجة مشددة:
"بس أروى مش زي اختك يا جواد وأنتَ عارف كده كويس وعارف كمان اللي أقصدُه."
وقف واضعًا يده داخل جيب سترته متخليًا عن هدوئه الذي يصحبه دائمًا، وأردف بجدية هو الآخر:
"ماهو أنا عشان عارف قصدك بقولك أن أروى زي سما وياريت حضرتك تفهم قصدي وإيه اللي عاوزه أنا مش اللي عاوزينه أنتم."
وقف والده قبالته بعصبية شديدة وغمغم بسخرية وتهكم مطالعًا إياه بضيق:
"أنتَ عاوزنا تحت مزاجك لا بقولك إيه هو محدش غيرك أصلًا بيعمل للي أنتَ بمزاجه بس مش المرة دي بقى المرة دي لأ يا جواد."
أسرعت جليلة تتطلع نحو ابنها بخوف وقلق، تخشى أن الأمر يكبر ويزداد فأسرعت بعينيها نحو ابنها تترجاه أن ينهي الأمر من قبل أن يتحول من نقاش إلى مشاجرة بينهما، لكن الأمر بينهما من البداية لم يكن نقاش هو كان مشاجرة هادئة ستشتد، لكنه فهم مغزى نظراتها فأومأ لها برأسه يهدئها، عاود بصره نحو والده متمتمًا بجدية:
"عن إذنك يا يابا، أنا مش فاضي عاوز اطلع ارتاح ينفع ولا في حاجة."
لم ينتظر رده بل سار متوجهًا إلى أعلى نحو غرفته متأففًا عدة مرات بضيق.
تطلع فاروق نحو جليلة التي كانت مرتبكة بشدة تحدثت معه بتوتر محاولة أن تهدئ الأمر والأجواء المشتعلة التي حدثت:
"خلاص يا فاروق مفيهاش حاجة هو راجع تعبان أنا هروح أتكلم معاه براحة، بس الجواز مش بالغصب."
طالعها بحدة آخرستها، وتحدث بعدها بجدية شديدة:
"اطلعي شوفي ابنك يا جليلة ليني دماغه عشان بتجوزها مش واقفة تقوليلي غصب."
أومأت له إلى الأمام وصعدت متوجهة إلى أعلى من دون أن تتحدث معقبة على حديثه.
دقت فوق باب غرفته بهدوء وسرعان ما آتاها رده سامحًا لها أن تدلف. جلست بجانبه واضعة يدها فوق كتفه برفق وتحدثت معه بحنو:
"مش هتنفع يا جواد، هي لو آخر واحدة في العالم مش هتنفع. هي مش ليك دي واحدة متجوزة، حتى أنا ناوية أكلمك في اللي حصل امبارح."
جزء كبير بداخله وبداخل عقله يعلم صحة حديث والدته ومتأكد مليون في المئة أنها ليس له، من المستحيل أن تكون له كما يتمنى، لكن قلبه يريدها، قلبه يعشقها منذُ أن رآها، لا للحق قلبه قد تعلم العشق وكل مشاعره بسببها، هي بالنسبة له كنز ثمين يريده وسيحافظ عليه، سيخفيها عن الجميع. يعلم أن مشاعره الآن خاطئة لذلك يبتعد بقدر المستطاع. هو لم يذهب هناك سوى عندما يشعر بنيران الاشتياق التي تشتعل بداخله، نيران قوية لن تهدأ سوى برؤية عينيها. يعلم أن تلك النيران لن تنطفئ مادام قلبه ينبض لكنه يحاول أن يجعلها تهدأ ولو قليلًا.
تطلع بعينيه نحو والدته، وغمغم بضعف شديد يملأ صوته وعينيه:
"مش قادر يا أمي أنا بحاول بس مش قادر صدقيني… بحبها مهما ابعد بحبها وهفضل أحبها يا أمي، هبعد عنها ازاي بس وأنا بعيد بس برضو هي مش خارجة من قلبي."
احتضنته بشدة وظلت تربت فوق ظهره بحنان، غير سعيدة برؤيته وهو بتلك الهيئة الضعيفة بسبب شيء من المستحيل أن يتحقق. غمغمت بتعقل وهدوء:
"سيبك منها اشغل نفسك بأي حاجة أنتَ ظابط وقد الدنيا متفكرش فيها وهي بعيدة كده كده، أنتَ امبارح كنت بتبصلها بطريقة تانية نظراتك كانت كاشفاك ده حتى مديحة مرات عمك لاحظت وشوفت زعقتلها قدامنا ازاي، خرجها من تفكيرك عشان خاطري يا ابني هي مش مكتوبالك، ريح نفسك ده أنتَ ألف واحدة تتمناك."
وضع رأسه فوق ساقيها بحزن شديد، وتحدث مردفًا بوهن وحزن حقيقي:
"مش عاوز حد من الألف ولا من العالم كله يا أمي، مش عاوزهم أنا مش عاوز غيرها وعارف إن مش هينفع عشان كده مش عاوز حد ومش هتجوز ولا واحدة."
ردت عليه بعدم رضا وهي تغرز أصابعها في خصلات شعره البنية بحنان وحزن لأجل حالة ولدها:
"يعني إيه مش هتتجوز لأ يا جواد أنتَ مش هتعمل كده يا حبيبي، أنتَ هتنساها وتخرجها من حياتك، بعدين أروى بنت عمك كويسة وجميلة وبتحبك مش هتلاقي أحسن منها."
حرك رأسه برفض حازم، وغمغم بنبرة ضعيفة محزنة تقطع أنياط قلب جليلة التي تستمع إليه بحزن هي الأخرى لحال ابنها:
"لأ يا امي انا مش عاوز أروى ولا حد، متفتحيش الحوار ده معايا عشان خاطري مش دلوقتي."
لم تتحدث تعارضه تلك المرة، مقررة أن تتحدث معه في وقت لاحق يكون في حالة أفضل من الآن. ظلت تربت فوق كتفه بحنان وحب حتى وجدته ذهب في النوم. قبلت جبينه بهدوء ورقة.
ثم خرجت من الغرفة بهدوء تام حذرة في خطواتها حتى لا تزعجه وتقلق منامه، نزلت إلى أسفل مرة أخرى لتتابع ما ستفعله في يومها، وجدت فاروق ينتظرها طالعها من أعلاها إلى أدناها بضيق وغمغم بصرامة وتشدد متهكم:
"طبعًا ولا عملتي حاجة محدش مدلعه هنا علينا غيرك، أنتِ اللي مخلياه كده وعاملة كل ده مبوظاه."
تنهدت بصوت مسموع ملتقطة أنفاسها بصوت مرتفع، وردت عليه بيأس لاستماعها الدائم لذلك الحديث الذي من الواضح أنه لن يمل من التفوه به:
"خلاص يا فاروق هكلمه يا سيدي، براحة عليه هو معملش ومش بايظ ابني ظابط قد الدنيا ربنا يخليهولنا ولا متدلع ولا حاجة شايل المسؤولية وكلنا عارفين كده."
طالعها بسخرية واستهزاء ثم أمسك هاتفه وسار بشموخ متوجهًا نحو الخارج، مردفًا بضيق ووحدة:
"مش بقولك محدش عامل كده غيرك، خليهولك اهو اللي شايل مسؤولية من غير جواز."
جلست هي فوق الأريكة التي كانت خلفها بضعف ومالت بجذعها واضعة يدها فوق رأسها بتعب مما يحدث معها، حزينة على حال ولدها والذي يشعر به، وغير راضية على طريقة زوجها معه الذي لم يفهم ما يمر به ابنه، هو فقط يريد أن يجعله ينفذ ما يريده ويطلبه منه.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع…
وقفت رنيم في المرحاض ممسكة بذلك التحليل الذي في يدها والتي طلبت من إحدى الخادمات إحضاره لها سرًا. تطلعت نحوه بوجه شاحب وقد ملأ الخوف قلبها، وجدت دموعها تسيل فوق وجنتيها بضعف. حركت رأسها نافية عدة مرات متتالية، ولازالت دموعها تسيل بلا توقف. وضعت يدها فوق بطنها برعب.
يطرح داخل عقلها سؤال واحد هل هي الآن تحمل داخل أحشائها طفل منه؟ لا ذلك لم يهمها إن كان منه أم لا. هل ستصبح أمًا حقًا وتحمل طفلًا ينمو ويكبر داخل أحشائها؟
وجدت أملًا جديدًا ينمو بداخلها، أمل يجعلها تتمسك بالحياة وتعيش مرة أخرى. ستصبح أمًا ومسؤولة عن طفلها، ستهتم بجميع تفاصيله. ابتسمت بسعادة لم تشعر بها من زمن. كانت تبتسم من بين دموعها التي لازالت تهطل فوق وجنتيها. لكن هناك شيء قد تناسته أمره من الواضح، ذلك الشيء الذي دومًا يدمر سعادتها وفرحتها، ويمحي ابتسامتها نهائيًا.
كيف ستخبر عصام زوجها بخبر حملها؟ وما هو رد فعله معها عندما يعلم؟! شعرت بالخوف يتسرب من جديد إلى قلبها. أغمضت عينيها ضاغطة عليهما بضراوة وخرجت من المرحاض بصمت تفكر في عصام وما سيفعله معها عندما يعلم بذلك الخبر؟
لم يمر وقت طويلًا على عودته، ما أن رأته يدلف الغرفة حتى نهضت مسرعة بارتباك وتوتر. تقسم أنها أصبحت تستمع إلى صوت دقات قلبها غير المنتظمة بأذنيها. جلست مسرعة أسفل قدمه كما يحب دومًا ذلك المريض؛ حتى لا تجعله يغضب عليها. بدأت تزيل عن قدمه حذاءه، فطالعها هو برضا. نعم يرضى عنها عندما تبقى ذليلة ضعيفة أمامه بلا قوة وتمرد معلنة ضعفها وخضوعها التام له.
يحبها تترك ذاتها تحت سيطرته. سندت رأسها فوق ساقه ولازالت جالسة أرضًا على موضعها. تمتمت بخوف شديد والرعب يتملك من قلبها:
"هو يـ.. ينفع أقولك على حاجة، بـ…. بس بلاش ضرب بلاش ضرب يا عصام."
رمقها بنظراته الحادة التي جعلت خوفها يزداد والرعب يتملك منها، وغمغم بخشونة حادة:
"قـولي على حسب الحاجة، بس مينفعش يا رنيم يومك يعدي من غير ضرب لازم أعلم عليكي كده وأروقك ولا أنتِ شايفة إيه."
كان يتحدث وهو ممسك وجهها يضغط عليه بقوة شديدة بين يديه. أومأت له إلى الأمام مغمضة عينيها، وردت بضعف متوددة إليه بخضوع تام لما يريده حتى لا تثير غضبه:
"ا… اللي تشوفه يا عصام، كل اللي أنتَ عاوزه اعمله فيا براحتك وهعمل كل حاجة تعجبك."
ابتسم برضا ابتسامته الخبيثة التي تشبهه وتليق به. لكنه فجأة ضحك بصوت صاخب، وتحدث بإعجاب لطريقتها تلك معه:
"لأ قولي كده اللي عاوزة تقوليه."
تطلعت ببصرها أرضًا ملتقطة أنفاسها بصوت مرتفع تحاول أن تشجع ذاتها للتفوه بما تريد. نجحت أخيرًا وخرج صوتها مرتعشًا بضعف وخوف:
"أنا….حــــ… حـــــامـــل بـ.. بس عاوزاه."
تحولت نظراته الراضية إلى أخرى مشتعلة بغضب عارم التهبت النيران بشدة داخل عينيه، تحول هدوءه إلى التعصب والحدة. لم ينتظر كثيرًا بل قام بدفعها بقدمه بقوة في بطنها عن عمد مما جعلها تصرخ بألم، فـ أردف صائحًا بحدة غاضبة:
"حـامل إيه يا وسـ*ـة، أنتِ اتجننتي وعاوزاه كمان وقال مش عاوزة تضربي ده أنتِ هتموتي."
قام بلف شعرها على يده يجذبها منه يجبرها على النهوض أمامه، قبل أن تتحدث مرة أخرى، كان يضرب رأسها بقوة عدة مرات متتالية في الحائط غير مبالٍ بالدماء التي تسيل من رأسها.
يتبع…
رواية لهيب الروح الفصل الثاني 2 - بقلم هدير دودو
صرخات متألمة ترتفع في المكان وخارجه، ترتفع بقهر وهو يضربها بجنون وقوة شديدة كأنه يخوض معركة ضارية لابد من أن ينتصر فيها عليها، يريد قتل روحها تمامًا بقتل طفلها، يضربها بتلك الطريقة عن عمد، يصب تركيزه على بطنها يركلها بقدمه بقوة شديدة.
تحاول بكل جهدها وطاقتها النافذة أن تحمي طفلها لا تريد أن تفقده، تحاول التمسك به، تحاول أن تصمد امامه في معركته التي يخوضها، لكن كيف ستقف أمامه وهي في تلك الحالة الهزيلة الضعيفة، لازال هو يضربها بتلك الطريقة الجنونية المتوحشة، يتعامل وكأنه يهاجم وحش مفترس لكنها هي عكس ذلك تمامًا هي كالهشة أمامه ضعيفة منكسرة، تضع ذراعيها أمام بطنها بضعف، تمتمت بخفوت من بين صرخاتها مقتربة منه زاحفة ارضًا:
خلاص يا عصام…خلاص عشان خاطري كـفـايـة يا عصام كفاية، ابوس رجلك كفاية متقتلهوش دة ابنك..
انهت حديثها ممسكة بقدمه تقبلها بقهر، بكاءها يزداد وصوتها ينتحب مما يحدث لها، لكن هل سيكتفي ويتركها؟ هل هو ساذج ليعفو عنها ببضع الكلمات التي تفوهت بها وبتلك الحركة المهينة التي افتعلتها؟
بالطبع لا لن يتركها، هو لا يريد حملها ضغط بقدمه التي تمسكها فوق وجهها بقوة شديدة، وقدمه الاخرى يركلها بها في بطنها العديد من الركلات القوية حتى بدأ الدماء يسيل من بطنها بغزارة، صائحًا بغضب عارم مستمر في ركلاته لها:
مش عاوزه، أعمل اللي يعجبني فيه.
أغمضت هي عينيها مستسلمة بضعف بعدما رأت الدماء التي بدأت تسيل منها شعرت بالدماء اللزجة بين قدميها، علمت أنها لم تستطع أن تحافظ على طفلها وقد نجح في قـ ـتله، ألم شديد تشعر به لكنه لم يضاهي ألم قلبها وحسرتها التي توجد بداخلها، استسلمت تمامًا لتلك الدوامة القوية المؤلمة التي دلفت بها.
وقف يطالعها بانتصار وهي فاقدة لوعيها والدماء تسيل من أسفلها معلنة عن فعل ما كان يريده وهو قـ ـتل ذلك الطفل الذي لم ياتي على الدنيا، قـ ـتل مجرد نطفة تتكون بداخلها، قـ ـتله لمجرد أنه لم يريده، قـ ـتل روح بريئة لينفذ ما يريده فقط.
جلس فوق الفراش غير مبالي بتلك المُلقاة أرضًا ودمائها حولها، كأنه فعل شئ معتاد مألوف يفعله الجميع.
بعد مرور بعض الوقت عليه خرج من الغرفة متوجه إلى غرفة والدته التي كانت تجلس ببرود فوق الفراش تستمع صرخات تلك المسكينة الضعيفة ببرود لم تبدى أي رد فعل أو شفقة عليها، تقابل تلك الصرخات المرتفعة التي تقطع انياط القلب بلا مبالاه وبرود من دون أدنى اهتمام لما يحدث في تلك الغرفة اللعينة.
طالعته بنظرات مندهشة عندما رأته يدلف الغرفة عليها، تحدثت مردفة بنبرة متسائلة لم تخلو من الدهشة والسخرية:
إيه يا عصام خير عاوز إيه لو أن من وراك ميجيش خير؟
لم يرد عليها أو يعير لحديثها أي اهتمام بل تعامل كأنه لم يستمع إليها، سار مقتربًا منها في عجالة مقبض فوق يدها يغمغم مسرعًا:
تعالى بصي جوة في حاجة مهمة حصلت.
نفضت يدها الممسك بها وتنهدت بضيق، ثم نهضت على مضض متمتمة بتهكم ساخرًا:
اما نشوف في إيه تاني ماهي جوة صوتها كان مسمع إيه ماتت، اهو يكون احسن برضو هتغور.
ولجت الغرفة ووقفت متطلعة ببرود نحو تلك الساقطة كالجثة الهامدة أرضًا ببركة الدماء التي تحطيها، كيف لها أن تقابل رؤيتها لذلك المشهد ببرود؟ كيف لم تثور وتغضب عليه بسبب ما فعله؟ هل انتزعت الرحمة من قلبها أم قلبها متوقف من الأساس ألة تنبض بلا مشاعر؟
مدت شفتيها إلى الأمام بغضب وسارت مقتربة منها نزلت إلى مستواها وبدأت تضرب فوق وجنتها بقوة، متحدثة بضيق ساخر:
ما تقومي يا بت أنتِ هتستهبلي علينا ولا إيه، أنتِ كدة كدة مكانك في الزبالة حتى لو موتي قومي ومتستهبليش.
ظلت تكرر ضرباتها عدة مرات متتالية بقوة أكثر تزداد عن كل مرة سابقة حتى فقدت الامل من أن تجعلها تستعيد وعيها، فنهضت تقف قبالته مغمغمة له ببرود شديد وصرامة:
لأ بص أنا مليش دعوة ماتت عاشت متهمنيش شوف أنتَ هتعمل إيه فيها بس مع نفسك بقى، أنا مليش فيه او روح للي خلاك تتجوزها هو يتصرف ويشوف عاملتك هو.
أنهت حديثها وسارت متوحهة نحو الخارج بلا مبالاه كأنها لم ترى شئ غير مألوف، هي بالاساس تعامل تلك الفتاة كالدمية، تتعامل معها وكأنها شئ لا يشعر ولا يؤثر بها أي فعل يفعله ابنها، حتى أن حدث لها شئ لن يعنيها، بل من الممكن ان تشارك في اذيتها أيضًا لما لا فـ عصام مثلها يشبهها كثيرًا، ولكن هو على نسخة أسوأ منها.
وقف هو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله، بالطبع من المستحيل أن يذهب بها إلى مستشفى أو أي مكان للرعاية الطبية لأن ذلك سيجعله يدلف في العديد من التحقيقات والتساؤولات لم يجد أمامه حل سوى الاتصال بعمه كما تحدثت والدته قبل ذهابها من الغرفة وتركها له بمفرده.
أسرع ممسك هاتفه ودق على فاروق الذي كان في تلك الأثناء يجلس في منزله مع زوجته وابنته، قطب جبينه بدهشة عندما علم أن الأتصال من عصام وفي ذلك الوقت المتأخر يعلم جيدًا أن هناك كارثة قد حدثت أو قد افتعلها.
نهض مبتعد عن الجميع ليستطع التحدث بأريحية، غمغم متسائلا بجدية شديدة ونبرة حازمة مشددة:
إيه يا عصام في إيه عملت إيه أنتَ دلوقتي؟
رد عليه يخبره بما حدث معه بتوتر وقلق، بالطبع لم يكن قلق عليها بل كل قلقه من أن يحدث له شئ بسببها، لكن أن كان الأمر عليها كان سيتركها بدمائها من دون أدنى اهتمام بها:
الموضوع مش هينينفع في التليفون يا عمي، تعالى بس بسرعة في حاجة مهمة.
همهم يرد عليه ثم أغلق معه وسار مسرعًا نحو الخارج في عجالة ليفهم ما الذي فعله عصام وماذا يريد منه، انطلق سريعًا بسيارته.
وصل فاروق المنزل ترجل من سيارته بشموخ والصرامة بادية بوضوح فوق قسمات وجهه، وجد ذلك يقف في انتظاره والتوتر يبدو عليه، اقترب منه متسائلًا بعدم اطمئنان:
في إيه يا عصام أنتَ جايبني على ملى وشي ليه، عملت مصيبة إيه لكل دة؟
لم يتفوه أو يخبره بأي شئ بل توجه به إلى داخل ممسكًا بيده وسار صوب غرفته جعله يشاهد ما فعله من دون أن يتحدث.
وقف فاروق يشاهد ذلك المنظر الشنيع الذي أمامه من دون أن يبدى أي رد فعل، كان من المتوقع أن يُصدم مما فعله أبن أخيه، ذلك المشهد ليس هين بل يهز له الأبدان، مسكينة غارقة في دمائها ولم يهتم أن يطمئن عليها إن كانت لازالت على قيد الحياة وتلتقط أنفاسها، أم توفت وانتهت حياتها بعد الذي حدث لها.
تخلى فاروق عن صمته الذي طال وهو يشاهد ما حدث، متحدثًا بضيق وحدة:
يعني أنتَ متصل بيا عشان دي، ما خلاص مش عملت اللي عملته أنتَ عاوز إيه مني ماتت ولا عايشة ما تشوفها أنا هعمل إيه يعني.
هل هؤلاء بشر مثلنا؟ كيف يتعاملون معها بتلك الطريقة؟ هي حياتها أو موتها لم يهم أحد ولكن كيف يتحدثون عن الأمر كأنه أمر طبيعي متداول لدى الجميع.
تنهد عصام متمتم بجدية تامة شارحًا له الأمر الذي يريده منه:
لا عايشة يا عمي لو ماتت مكنتش جبتك، بس مش هعرف اوديها مستشفى أنتَ عارف اللي هندخل فيه لو دة حصل.
أومأ برأسه إلى الأمام متفهمًا ما يريده منه، فاردف بجدية شديدة وهو يوليه ظهره:
طب شوف ارفعها من الأرض ولا هتعمل إيه وأنا هجيب حد اعرفه يتصرف هو.
نفذ الاخر ما قاله عمه توجه نحوها يرفعها فوق الفراش بلا مبالاه، يعاملونها كشئ نكرة ليس له قيمة أو أهمية سوى أن تُهان وتلبى رغبات ذلك المريض، بينما فاروق فقد اجرى اتصاله ثم التفت نحوه متحدثًا بصرامة شديدة:
في دكتور هيجي مش هيسأل عن أي حاجة حصلت، والحوار هيخلص خالص على كدة.
ابتسامة ماكرة زينت محياه ووقف في الغرفة يشعر بالأنتصار والسعادة مما فعله معها، يطالع هيئتها بسعادة حقيقية وكأنه انتصر في حرب، لم يستطع أن يستخدم قوته سوى عليها هي، لكن مهلًا هل ما يفعله هو بها قوة؟ بالطبع لا ذلك ليس له علاقة بالقوة بل هو اعتراف صريح منه على عدم رجولته وعجزه.
خرج فاروق من الغرفة متوجه إلى أسفل بعدما قد أنهى ما جاء لأجله، لكن قبل أن يذهب استوقفته مديحة التي تفوهت باسمه:
فـاروق استنى.
تنهد بصوت مسموع يئس ثم عاد ببصره متطلعًا نحوها، غمغم متسائلا بجدية صارمة:
نعم يا مديحة عاوزة ايه؟ لو على الحوار اللي عمله ابنك فخلاص أنا خلصته.
بالطبه هي لن تتحدث عما فعله ابنها كما يقول فذلك أمر لن يهمها ولن تعطيه أهمية فقد اعتادت على أفعال ابنها مع تلك الفتاة إذا قـ تلها لن تهتم، وقفت قبالته وتحدثت ترد عليه بعدم رضا وجدية هي الأخرى مثله تمامًا:
لأ اكيد أنا مالي باللي عمله ابني ما ان ان شاء الله يموتها وتغور في داهية، أنا هتكلم في اللي ابنك أنتَ بيعمله مع بنتي يا فاروق، أنا وأنتَ متفقين أن جواد لـ أروى زي ما أروى لـ جواد وأنا بنتي فاهمة دة ومتقبلاه، ابنك أنتَ ماله بيعاملها وحش ومزعلها دة بيعامل الوسـ*ـة الزبـالة اللي فوق احسن منها.
أغمض عينيه بضيق مزمجرًا بغضب من أفعال ابنه التي يعلمها، غمغم متحدثًا بتعقل:
خلاص انا هتصرف وهشوف الحوار وأحله انا معاه بنفسي، قوليلي لـ أروى متزعلش جواد كدة كدة ليها.
حركت رأسها باستحسان لما يتفوهه متمنية أن ينفذ ما يردف به يقوم بالسيطرة على ولده ليجبره بالزواج من ابنتها، لكنها لم تصمت بل تمتمت بشراسة تهدده بوضوح حاد:
ماشي يا فاروق بس أنتَ عارفة الليلة واللي أنا أقدر اعمله كمان، أنا بسكت بمزاجي.
ازدادت ملامحه غضب وحدة، رامقًا إياها بنظراته المشتعلة بضراوة، سار بخطواته الشامخة متوجه صوب الخارج من دون أن يعقب على حديثها، لكنها استوقفته مرة أخرى مردفة بسخرية:
صح يا فاروق ابقى سلملي على جليلة حبيبتي، أنتَ عارف بحبها ازاي.
رد عليها بلهجة مشددة حازمة يملأها الصرامة والغضب معه:
مديحة ملكيش دعوة بيها، أنتِ عاوزة ايه دلوقتي جليلة متخصكيش اصلا.
سار بخطوات واسعة مسرعة نحو الخارج من دون أن ينتظر ردها، يشعر بالغضب الشديد يجتاح كل ذرة به خاصة أنه يعلم المعنى الخفي لحديثها الملئ بالشفرات، تلك الشفرات الخاصة الذي يستطع هو فقط أن يفكها ويفهم ما تريده من خلالها.
صعدت هي متوجهة نحو غرفتها مرة أخرى بابتسامة شيطانية واسعة تزين ثغرها الماكر تعكس شعورها الداخلي الذي تخفيه في قلبها لذاتها فقط.
بعد المرور بعض الوقت جاء الطبيب الذي احضره فاروق وكان يقف في الغرفة يمارس عمله متكلت نحو جسد تلك الفتاة الملئ بالكدمات المتنوع زمنها من بين الحديث والذي حدث للتو، محاولًا فهم ما يحدث معها، لكنه لم يجرؤ على التساؤل أو التفوه بأي شئ، بل ظل مع حيرته في صمت تام.
قام الطبيب في النهاية بحقن بعض الأدوية في وريدها، ثم عاود بصره نحو عصام قائلًا له بعملية:
كدة تمام يا عصام بيه، المدام هتبقى كويسة خلاص وهتفوق كمان.
أومأ برأسه أمامًا ثم أردف بمكر شيطاني خبيث:
بقولك ايه يا دكتور مفيش حاجة أو عملية تخليها متحملش خالص، أصل أنا وهي مش عاوزين عيال.
تطلع الطبيب ارضًا بأسف، وغمغم بحزن متنهد تنهيدة حارة:
هو للأسف يا عصام بيه دة اللي كنت هقوله لحضرتك المدام بعد اللي اتعرضتله دة كله أثر على الرحم بتاعها هي مش هتقدر تحمل تاني، دة مسكن ضروري تاخده لأنها ضعيفة وتعبانة جدًا دة هيحاول يقلل معاها الوجع.
ابتسم بسعادة عندما يستمع إلى كل كلمة بتفوهها الطبيب عما فعله بها، هو جعلها غير قادرة على الإنجاب نهائي سيستخدم كل ذلك للضغط عليها سيجعلها تتألم نفسيًا ايضًا ليس بدنيًا فقط كما كان يفعل من قبل.
نعم هو يفعل كل ذلك من اجل رؤية ألمها وذلها بعينيه متلذذًا فرحًا بدموعها التي تسيل من عينيها، بصرخاتها المتألمة التي ترتفع بعد كل ضربة يهوى بها فوق جسدها، نظرات الرهبة والرعب الظاهرة بوضوح داخل عينيها عندما تراه فقط، أنفاسها التي تكتمها عندما فقط يدلف الغرفة، كل ذلك يرضيه بشدة ذلك يسعى لفعله، سار مع الطبيب بعد ذلك متوجه به إلى أسفل ليصل به خارج المنزل.
في تلك الأثناء قد استعادت تلك المسكينة الهزيلة وعيها، لكن لأنها تعيسة الحظ لا هي ليست تعيسة فقط بل هي ليس لديها حظ من الأساس قد استمعت إلى كلمات الطبيب تخترق أذنيها بقوة، نعم قد علمت أنها أصبحت غير قادرة على الإنجاب مرة أخرى في حياتها باكملها، وضعت يدها فوق بطنها بضعف شديد، فقدت صحتها، قوتها، وجمالها كل ذلك بسببه وها الآن اكتمل شعور الفقدان لديها بعد فقدانها لطفلها مصطحبًا لشعور الأمومة التي كانت تحلم أن تحظى به يومًا منذ صغرها.
تود الصراخ…الصراخ حتى الفناء من تلك الحياة القاسية عليها بضراوة، تريد أن تصرخ من حسرتها ووجع قلبها على ما فقدته تلك المرة، لا تعلم ماذا يجب عليها فعله لتنهي ذلك الألم الذي تعيش فيه، لم يكن ألم طبيعي مثل الذي يشعر به الجميع لفترة ويزول بل ألم مستمر معها حتى نهاية الدهر.
تفكر في الهروب منه، لكنها فعلتها ثلاث مرات من قبل، هل ستفعلها الرابعة؟! تتذكر هروبها في المرة الاولى عندما قد عادت إلى والديها ثم بعد ذلك بدأت تهرب منه في الشوارع من دون أن تحدد هدفها لكنه كان يبحث عنها ويعيدها الى سجنه وجحيمه مرة اخرى، كان فقط يشدد السجن عليها، يزود عدد الحراسة في المنزل بالخارج والداخل، لكن من أكثر المرات التي حُفرت في عقلها عندما هربت وعادت إلى منزلها مع والديها ورد فعلهما القاسي معها.
شرد عقلها في أحداث تلك المرة القاسية عليها بشدة، ذكرى من اسوأ الذكريات الغير مستحبة لديها.
أخبرته في ذلك اليوم قبل أن يذهب أنها ستجلس في الحديقة الخاصة بالمنزل، لكنها لم تكن نواياها الجلوس في الحديقة بل كانت خطتها الهروب من الباب الصغير الموجود في الحديقة والذي لم يعلم حتى يومها هذا أنها تمتلك مفتاح ذلك الباب.
استخدمت ذلك الباب في الخروج من المنزل وسارت من خلاله نحو الحارة الشعبية التي كان يسكن فيها والديها، لكنها تفاجأت حينها بعدم وجود أي شخص بها، وبعد العديد من التساؤولات تتذكر جارتها التي اخبرتها بتعجب مدهش:
إيه دة يا رنيم يا حبيبتي أنتِ متعرفيش ولا إيه غريبة، ما أهلك نقلوا با بت في شقتهم الجديدة داخلين في شهرين تلاتة.
بدت معالم الدهشة حقًا فوق قسمات وجهها هي الأخرى متذكرة حديثه عن أهلها وكلمته الدائمة لها بأنه قد اشتراها ودفع ثمنها الزهيد الهابط نسبةً له، تمتمت متسائلة بخفوت شديد وقلق:
طـ… طب يعني يا طنط، هو…حضرتك متعرفيش العنوان الجديد معلش لو بتعب حضرتك أصل بتصل محدش بيرد نهائي.
طالعتها السيدة في ذهول وتعجب من تلك التي تقف تسأل عن عنوان منزل والديها الجديد، لكنها أسرعت تجيبها مسرعة بتعجل:
أه يا حبيبتي استني أمك كانت مدياني العنوان في ورقة عشان لو حبينا نزورها، ثواني هدخل اشوفهولك، ادخلي طب يا حبيبتي.
ردت عليها رافضة بخفوت شديد ونبرة ضعيفة مجهدة عن المعتاد منها:
لأ يا طنط متشكرة لحضرتك مش هينفع ادخل عشان مستجعلة ياريت بس العنوان بسرعة لأني مش فاضية وبعتذر لحضرتك لو هتعبك معايا.
ردت عليها بهدوء وهي تسير صوب الداخل تبحث عن تلك الورقة التي تريدها التي يوجد بها العنوان الجديد لوالديها:
لا يا حبيبتي تعب إيه مفيش تعب ولا حاجة.
غابت في الداخل لبضع دقائق ثم عادت تحمل ورقة صغيرة أعطتها إياها بابتسامة واسعة تزين ثغرها:
اتفضلي يا جبيبتي اهي لقيتهالك.
أخذتها منها وفتحتها تقرأ العنوان الذي يوجد بها وجدته عنوان في منطقة راقية بشدة، أغمضت عينيها تحاول أن تخفي ما تشعر به، تمتمت بخفوت تشكر تلك السيدة التي ساعدتها باحترام شديد:
شكرًا لحضرتك يا طنط بجد مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.
سارت متوجهة إلى اسفل ثم بدأت تسأل بعض الناس المتواجدة في الشارع عن كيفية ذهابها إلى ذلك العنوان المدون في الورقة التي معها، نجحت في النهاية في الوصول.
وقفت أمام الباب تشعر بالحيرة والتردد قبل أن تدق الباب، لا تعلم صِحة ما يدور داخل عقلها، حسمت أمرها ودقت فوق الباب دقات هادئة.
وجدت والدتها تفتح لها الباب وتطالعها بعدم تصديق في دهشة وتعجب، قبل أن تتحدث وجدت تلك تلقي ذاتها داخل حضنها تعانقها باحتياج شديد، متمتمة بنبرة باكية ضعيفة وجسدها يهتز بضعف شديد:
ماما متسيبونيش تاني عشان خاطري، أنا تعبت أوي مش عاوزة حاجة غيركم.
ظلت والدتها متسنرة في مكانها لم تبدي أي رد فعل سوى الدهشة المسيطرة عليها، لكنها سهقت بعد ءلك بصوت مرتفعة تبعدها عنها وغمغمت متسائلة بجدية أدهشت تلك الواقفة أمامها:
إيه دة أنتِ إيه اللي جابك الله يخربيتك هتعمليلنا مصيبة جوزك عرف ازاي أنك جاية، تعالى يا حسين شوف البت دي هتعمل فينا إيه بالبي بتعمله دة.
جاء والدها وقف يطالعها هو الاخر بعدم تصديق متمتمًا بجدية وقلق بدا على منحنيات وجهه:
رنيم إيه اللي جابك دلوقتي، أنتِ عارفة جوزك لو عرف هيعمل فينا إيه، ادخلي دلوقتي ادخلي الله يخربيتك أنتِ وحركاتك.
وقفت تستمع إلى حديثهما وهما يعاملونها بحزم وشدة جعلت أنياط قلبها تتقطع وقلبها ينشق منقسمًا داخل صدرها، لم تتخيل في حياتها أنهما يخبرونها بذلك الحديث القاسي الحازم معها.
يرى كل منهما حالتها الهزيلة الضعيفة، أثر علامات ضربه عليها، كل ذلك يظهر بوضوح شديد عليها، فهو منذُ أن تزوجها وقام بتحويل جسدها إلى لوحة يرسم عليها ما يريد من علاماته الذي يتخذ بعضها ألوان مختلفة، لم يهمها كل ذلك بل كل ما فكروا به هو أن وجودها سيسبب لهما كارثة حقيقية مع ذلك المختل زوجها الذي أعطاهما المال مقابل اخذها وامتلاكها.
دلفت معهما بخطوات متهالكة، تتطلع الى أركان تلك الشقة الذي يبدو عليها الفخامة، تلك الشقة التي أمامها، علمت أنهما قد تخلو عنها مقابل تلك الرفاهية التي يعيشونها الآن.
جلس والدها فوق المقعد بضيق، يرى حالتها الهزيلة وما بها لكنه يدعي عدم رؤيته لها، ويتعامل على هذا الأساس، أردف متسائلًا بتعجب:
جيتي هنا ازاي، جوزك سابك ازاي، دة هو قايل اننا مش هنشوفك تاني إيه اللي جد.
أغمضت عينيها بألم شديد ودموعها نزلت فوق وجنتيها بصمت، تشعر أنها فقدت روحها حقًا بعد استماعها لذلك الحديث القاسي من والدها، ردت تجيبه بنبرة خافتة:
هربت منه وجيت من غير ما يعرف.
وضعت والدتها يدها فوق صدرها وصرخت بقلق وريبة تخشى أن يفعل لهما زوجها اي شي بسبب فعلتها المتهورة:
يا مصيبتي إيه اللي عملتيه دة الله يخربيتك زي ما عاوزة تخربي بيتنا، تهربي منه ازاي، منك لله وجاية عندنا ليه هتلبسينا مصيبة.
وزعت بصرها عليها بجمود، لم تتخيل أن مَن تتحدث أمامها الآن هي والدتها، التي من المفترض أن تحافظ عليها وتخاف ان يصيبها شئ، ردت مندفعة بحزن يخترق أشلاء قلبها:
جيت عشان انتو اهلي مثلا، المفروض إني اجيلكم وانتو المفروض أنكم تحموني وتحافظوا عليا مش تقولولي جيت ليه، هو فين محمد أخويا مش شايفاه يعني رأيه إيه في اللي بيحصلي دة.
اندفعت والدتها ترد عليها بحدة ونبرة مشددة حازمة:
وأنتِ مالك بأبني عاوزة ايه من محمد، هو ملوش دعوة بيكي وباللي بيحصلك دة متدخليهوش في حاجات مش عاوزينها، بعدين تيجي ليه وتهربي ليه من جوزك أصلا هو دة تربية واحترام.
عندما كانت منشغلة في التحدث مع والدتها، استمعت الى صوت والدها المرتعش الذي صدح مرتبكًا خائفّا:
ا…الو يا عصام بيه، كـ…كنت بس عاوز أقول لحضرتك يا بيه أن رنيم جت عندنا مستنيين حضرتك تيجي تاخدها، أو شوف لو حضرتك يا بيه عاوز نجيبهالك، خلاص تمام يا باشا احنا مستنيين حضرتك وهي مش هتتحرك غير على ايد سيادتك.
شعرت أن قلبها توقف عن النبض قي تلك الوهلة بعدما استمعت إلى حديث والدها، روحها تهالكت تمامًا، وجعها تضاعف عما كان في البداية، الجميع تخلى عنها وتركها ماذا يجب عليها أن تفعل.
اقتربت من والدها بعدما اغلق الهاتف وتمتمت بنبرة متوسلة راجية، ودموعها تهطل بوجع وحسرة:
بابا عشان خاطري بلاش…بلاش ترجعني ليه والله ما هقدر استحمل بيعمل فيا حاجات محدش يستحملها، عشان خاطري يا بابا لأ بلاش أنا عشان خاطر محمد ابنك حبيبك طيب أنا هرجع اشتغل تاني واصرف عليا وعليكم بس بلاش ترجعني بيه بص حتى بيعمل فيا إيه.
رفعت شعرها عن عنقها ليظهر تلك الجروح التي تملأه، اكملت حديثها مجددًا:
بص بيعمل فيا إيه، والله جسمي كله كدة، دة بيقتلني كل يوم بيضربني بكل حاجة ممكن تتخيلها، عشان خاطري يا بابا بلاش أنا تعبانة معاه بجد هيقتلني والله.
اشاح والدها بصره مبتعد عنها لا يريد أن يرى بشاعة جروحها التي تعلن بوضوح ما يحدث لها وما يفعله بها ذلك المختل، رد عليها بجدية:
مش هينفع يا رنيم احنا مش قده ممكن يقـ ـتلنا احنا، بعدين انتي الللي عملتي كدة لما روحتي اشتغلتي عنده في شركته هو وعمه، كل واحد يبقى قد اختياراته، هو هيجي دلوقتي ياخدك.
حركت راسها عدة مرات برفض لفكرة عودتها معه مرة اخرى، كيف لها أن تعود إلى السجن الذي تعيش فيه؟! هل أحد يحب ان يعود الى الجحيم مرة أخرى؟
تمتمت برفض شديد حازم:
أنا خلاص مش عاوزة منكم حاجة، أنا همشي مش عاوزة حاجة، أنا همشي وهتصرف أنا.
نهضت بسرعة جنونية متوجهة صوب الباب لتذهب وتترك المكان، لكن امسكتها والدتها بإحكام متمتمة بحدة وصرامة:
تمشي إيه أنتِ اتجننتي، لأ بجد اتجننتي خلاص هتمشي وتلبسينا ليه إيه الجنان دة، اقعدي لغاية ما جوزك يجي.
جلست ارضًا تبكي بعنف شديد، وجسدها يهتز بألم، تشعر بالقهر يستحوذ على كل أنش بها، الجميع تخلى عنها وتركها له كالفريسة يفترسها ويفعل ما يشاء بها، ظلت على حالتها حتى وصل عصام إلى المنزل، فتح له والدها مشيرًا له عليها متمتمًا بتوتر:
أ…اهي يا عصام بيه.
اقترب منها وهي وجهه ابتسامة شيطانية منتصرة، وضغط بحذاءه على قدمها مما جعلها تصرخ بألم، واعتلت صرختها المتألمة تطرب أذنيه فصدحت أصوات ضحكته المرتفعة بصخب وسعادة، ثم اخرج من جيب سترته حفنة من المال القاها ارضًا باتجاه والدها، مغمغمًا له بتعالي:
خد دول ليك عشان اللي عملته مكافأة مني ليك.
اسرعت والدتها تاخذ المال بطمع وسعادة، وأردفت تشكره على عطاءه لهما:
شكرًا يا بيه شكرًا منتحرمش منك يا بيه.
لم يعير لحديثها اهتمام بل ضغط بقوة فوق قدم تلك المسكينة يهرسها اسفله جعلها تصرخ بصوت مرتفع متألم اكثر، لكنه اردف بحدة شديدة:
أنتِ يومك معايا أنا اسود يا وسـ*ـة، عاوزة تهربي مني دة بموتك يا ز*ـالة بموتك.
أمسك شعرها بقوة يجبرها على النهوض أمامه ثم صفعها بقوة عدة مرات متتالية جعلت الدماء تسيل من فمها وأنفها، ضرب رأسها في الحائط بقوة مستمتع بصرخاتها أمام الجميع، ثم جرها من شعرها يسحبها خلفه ويسير بها نحو الخارج تاركًا المكان بها بتلك الطريقة المهينة.
بعدما ذهبت معه إلى المنزل فعل بها أضعاف ما فعله عند والديها، تتذكر أن تلك المرة هي التي قص لها شعرها بها عنوة عنها، تتذكر ضربه لها بطريقة جنونية تزداد عن كل مرة أخرى.
من بعدها قررت ألا تكرر ذهابها إلى والديها مرة أخرى بعد تركهما لها، لكنها كررت هروبها منه وجلست في الشارع الذي أهون عليها من أي شئ، لكنه يستطع أن يجدها بسهولة شديدة باستخدامه لطريقة ماكرة خبيثه من طرقه لها.
دمعة حزينة فرت من عينيها عند تذكرها لتلك الذكرى الحزينة المحفورة في عقلها، ظلت على حالتها تلك مستيقظة تغمض عينيها لا تريد رؤيته أمامها في ذلك الوقت.
ظلت على حالتها حتى شقشق الصباح وهي لازالت على وضعها، لكنها شعرت بالألم يشتد عليها من المتوقع أنه موعد دواءها، فتحت عينيها في ذلك الوقت بوجه متألم، حزين، شاحب خالي من أي معالم للحياة، وجدته يجلس فوق المقعد الذي أمامها عينيه لم تتحرك مثبتة عليها بضراوة بطريقة أرعبتها، نهض مقتربًا منها بوجه شيطاني تكرهه، مال عليها وغمغم بحدة صارمة داخل أذنيها:
اخيرًا فوقتي دة أنا قاعد مستنيكي شوفتي قلبي طيب ازاي، معلش يا حبيبتي بس علقة امبارح كان سخنة وشديدة حبتين أنتِ لسة بعد كل دة جسمك متعودتش على الضرب.
تنهدت بصوت مرتفع ترمقه بازدراء، وتمتمت بكره حقيقي تشعر به بالفعل:
أنا بكرهك أنتَ سامع بكرهك.
ضحك بصخب ضحكاته ترن في أذنيها تزعجها بشدة، ثم ضغط بيده فوق جرحها بقوة جعلها تصرخ بوجع شديد، فتمتم هو متسائلا بخبث وسخرية:
إيه بيوجعك صح بيوجع أنا عارف، مش دة ابنك اللي انتِ كنتي عاوزاه للاسف ادعيله بالرحمة.
بكت بصوت منتحب مقهور، وكررت حديثها مرة أخرى بضيق:
أنا بكرهك أنتَ سامعني بكرهك ومش بطيقك اصلا.
ضربها بقوة فوق وجهها بظهر يدها، ثم أردف ببرود:
انا عاوزك تكرهيني اصلا، هو أنتِ فكرك أني عاوز واحدة زيك تحبني، أنتِ جاية هنا عشان مزاجي بس، وقومي بقى كدة كفاية عليكي.
جذبها من شعرها ارضًا يجبرها النهوض من فوق الفراش، لم ترد عليه بل فضلت أن تصمت الآن، واقتربت تتناول دواءها لعله يسكن لها الألم الشديد الذي تشعر به من جرحها، لكن قبل أن تتناوله جذبه هو من بين يديها وجلس ببرود يمد لها قدمه قائلًا بسعادة ومكر، وهو يحرك شفتيه بتسلية واستمتاع:
بو.سي ر.جلي الأول عشان اوافق انك تاخديه.
ظلت جالسة ارضًا من دون أن تنفذ ما طلبه منها أو ترد عليه، فصرخ بها بعصبية وغضب:
يــــلا مسمعتيش اللي بقوله يا وسـ*ـة
تخلت عن صمتها وردت عليه بتحدي وعناد معلنة تمردها عليه:
مش هعمله مش عاوزة حاجة استحمل الوجع ارحملي، خلاص من انهاردة مش هعمل حاجة أنتَ عاوزها حتى لو هتـ ـقتلني.
ثار بغضب شديد، وهاج عليها كالثور، ضربها بقدمه في بطنها بقوة شديدة، جعلت الدماء تسيل من جرحها مرة أخرى، ثم وضع قدمه بقوة شديدة فوق وجهها وضربها بها عدة مرات، فارتفع صراخها وسالت الدماء مرة أخرى من وجهها، ثم تركها وسار نحو الخارج غالقًا الباب خلفه بقوة شديدة، تارك إياها تشعر بالالم شديد يعصف بداخلها، زحفت بألم شديد متوجهة نحو المرحاض لعلها تخفض ما تشعر به من الألم تحت المياة الدافئة، التي من الممكن تزيل وجع جسدها لكن ماذا عن وجع قلبها وروحها؟! ماذا عن قهرتها الشديدة لفقدان طفلها وشعور الأمومة إلى الأبد؟! لا شئ سيزيل كل ذلك مهما حدث.
سيظل ذلك الألم مصاحبًا لها حتى النهاية. تتألم حتى نهاية وجودها في الحياة التي لم يكن لها نصيب من السعادة بها.
بعد مرور يومين.
كان جواد يجلس فوق مكتبه بشموخ وثقة تليق على ملامحه الجادة، كان يعد ذاته للذهاب لكن استوقفه رنين هاتفه وجد أن ذلك الإتصال من والده امتعضت ملامح وجهه وبدت عليه الضيق، أجاب عليه متسائلًا بجدية تامة:
الو يا بابا خير في حاجة؟
جاءه رد والده الحاد ولهجته الحادة الصارمة متحدث معه بطريقة آمرة يبغضها جواد:
أروى بنت عمك عاوزة تروح مشوار مهم وعصام معايا في شغل، روح وصلها أنتَ.
لو كان يتحدث بطريقة غير التي بتحدث بها الآن لكان وافق ولبى طلبه، لكنه يتحدث بطربقة يرفضها؛ لذلك رد عليه بلهجة حادة غاضبة:
هو عصام بيشتغل وأنا بلعب مثلًا، ما أنا كمان بشتغل زيي زيكم بالظبط ومش فاضيلكم.
صاح بغضب وضيق من عناده معه الدائم:
تشتغل تلعب ميهمنيش أنا قولتلك تروح تشوف بنت عمك محتاجة تروح مشوار مهم وأنت هتروح معاها سمعت اللي بقوله.
غرز أسنانه في شفته بغضب لو كان أحد غير والده هو الذي يقول له ذلك الحديث لكان سبه وتشاجر معه، لكن هذا والده، تنهد تنهيدة حارة ملتهبة وغمغم بعناد حقيقي ومكابرة:
لا أنا مش رايح في حتة، أنا مش فاضي وورايا كذا حاجة عن إذنك عشان مش فاضي مضطر اقفل.
أغلق الهاتف معه بضيق متأفأفًا، لكن لم يمر عليه شئ حتى وجد والدته تدق عليه الهاتف هي الأخرى، رد عليها، فتمتمت بهدوء وتوتر يظهر في صوتها:
جواد يا حبيبي عشان خاطري أنا روح شوف بنت عمك دي أبوك اتصل وبهدل الدنيا فعشان خاطري أنا يا حبيبي ساعة زمن وارجع تاني.
تنهد بيأس وضيق، مغمض عينيه بعدم رضا، لكنه أردف موافقًا على مضض:
ماشي يا أمي عشان خاطرك أنتِ بس هروح أشوف عاوزة إيه ست أروى دي.
زفرت بارتياح لموافقته، وأردفت بهدوء تام توصيه:
طيب يا حبيبي بس براحة عليها البنت ملهاش ذنب عشان خاطري عارفك لما بتبقى متعصب.
بدأ يلملم أشياءه مستعد للذهاب، مهمهمًا بهدوء وتعقل ليجعلها تطمئن وتهدأ:
خلاص يا ماما متقلقيش.
ركب سيارته منطلقًا بها إلى منزل عمه رحمه الله، وعقله شارد بها من حين لآخر متمني رؤيتها هناك، سيكون حينها سعيد الحظ عندما يراها، فقلبه مشتاق إليها بضراوة، يريد أن يملأ عينيه برؤيتها.
في نفس الوقت.
كانت رنيم تجلس أسفل بوجه شارد، يدور في عقلها العديد من الأفكار، مقررة ألا تصمت مرة أخرى بل سترد عليهم جميعًا لن تصمت مجددًا يكفي ما حدث لها بسببهم حتى الآن.
جلست أروى أمامها تنتظر قدوم جواد بابتسامة منتصرة، ومديحة بجانبها واضعة ساق فوق ساقها الآخر بكبرياء وغرور، مغمغمة بتسلية معتلي ثغرها ابتسامة ماكرة تشبهها:
عرفت من عصام أنك سقطتي لأ وكمان مش هتخلفي تاني، بصراحة تستاهلي أصل اللي زيك تخلف ليه يبقى عندنا حد من عيلة الهواري أنتِ امه متشرفيش بصراحة.
شحب وجهها بحزن شديد وفرت الدماء هاربة منه، شاعرة بنصل حاد يُغرز في قلبها بقوة، هيئتها جعلت تلك تضحك بشماتة مع ابنتها رامقين إياها بانتصار.
تحدثت مديحة مجددًا بشماتة واضحة عليها:
تؤتؤ يا حرام صعبتي عليا بجد أصل برضو الامومة حاجة حلوة أوي مش هتعرفيها بقى أنتِ.
نهضت تلك تقترب منها بجنون متخلية عن صمتها وضعفها صارخة بارتقاع وقهر:
حرام عليكي انتي عاوزة ايه مني مش هسيبك والله ما هسيبك هوريكي انا مش هعرف إيه بالظبط.
اقتربت منها بسرعة جنونية تقبض فوق عنقها بقوة تمنع وصول الهواء إلى رئتيها، فارتفع صوت أروى صارخة تخشى ان يصيب لوالدتها مكروه، تحاول أن تبعدها عنها إلا أنها فشلت.
كانت رنيم تمسكها بقوة شديدة محكمة غير دارية بما يحدث حولها بل كانت تقبض فوق عنقها بقوة شديدة وغل، حاولت أروى أن تجعلها تتركها ألا انها جذبتها إلى الخلف بقوة شديدة أسقطتها أرضًا ولازالت ممسكة في عنق مديحة كما كانت.
في تلك الأثناء ولج جواد وقف يشاهد ذلك المشهد الذي أمامه بصدمة وعدم تصديق وعينيه متسعة باندهاش تام مما تفعله رنيم في زوجة عمه، رنيم التي كان دائمًا يراها كالملاك لا تستطع أن تفعل شئ ما الذي تفعله الآن.
رواية لهيب الروح الفصل الثالث 3 - بقلم هدير دودو
وجد جواد انتباه أروى، وجدته يقف في حالة من الصدمة يتطلع إلى ما يحدث أمامه بعدم تصديق. يرى حالة تلك المسكينة الضعيفة، لكنه يراها في صورة أخرى. لم تكن ضعيفة مظلومة، بل كانت مذنبة. لم يرى أنها هي المجني عليها، بل يراها الجاني. ليس هو فقط المُخطئ، فأي أحد سيدلف في ذلك التوقيت تحديدًا كان سيفسر الأمر هكذا حقًا.
ابتسمت تلك بمكر شديد، مقررة أن تستغل ذلك الأمر الذي يحدث الآن لصالحها. نهضت من فوق الأرضية مدعية الألم الشديد، وبدأت تحاول مجددًا أن تجعلها تترك والدتها، متمتمة بمكر خبيث يشبهها:
"خلاص يا رنيم حرام عليكي، طب ماما عملتلك إيه. سيبيها يا رنيم هتموت في ايدك، هو يوم وأنا ويوم ماما، احنا تعبنا معاكي في اللي بتعمليه دة، سيبيها حرام عليكي."
كانت تحاول أن تظهرها أمامه في صورة سيئة، ولم تفشل. فهي قد ساعدتها أيضًا، فكان كل ما تردده كلمة واحدة تكررها بلا وعي منها لما يحدث حولها:
"هقتـ ـتلها…هقـ ـتلها…لأ انا هقـ ـتلها."
وجهت بصرها تلك المرة تلك لجواد تخبره أنها رأته، تطالعه بأعين باكية تمثل ما تريده بإتقان، مغمغمة بتوسل زائف وقلق تبديه:
"تعالى يا جواد بسرعة عشان خاطري ساعد ماما، هتقـ ـتلها بجد المتوحشة دي عشان خاطري يا جواد، دي عاوزة تقـ ـتلها بجد زي ما بتقول."
أسرع مقتربًا منهم بعدما قد فاق بسببها، اتضحت له الرؤية بتلك النظرة الماكرة الخبيثة. قام بالقبض بقوة شديدة فوق ذراع رنيم، يجذبها من خلاله إلى الخلف، جابرًا إياها أن تبتعد عن زوجة عمه وتنهي ما تنوي فعله. وقد نجح بالفعل، فأبعدها عنها ممسكًا إياها بضراوة، صائحًا بها بغضب شديد:
"إيــه اللي بتـعـمليه دة، أنتِ اتجنـنتي؟"
لم يتلقى منها أي رد، فتركها بعد ذلك تسقط أرضًا، مقتربًا من زوجة عمه، تاركًا إياها تجلس بانهيار تام، وصوت بكائها المنتحب يزداد ويرتفع:
"لأ حـ…حرام، حرام عليكم، أنا بكرهكم كلكم، مش بحب أي حد."
لم يفهم لماذا تتفوه بتلك الكلمات الآن. لكنه أسرع يعطي كوب الماء الذي كان أمامه متواجد فوق المنضدة لزوجة عمه، حتى يساعدها لتهدأ وتلتقط أنفاسها بهدوء شديد. ظل يساعدها على التقاط شهيقها وزفيرها حتى هدأت وتحسنت حالتها. تحدث مغمغمًا بجدية وحزم:
"خلاص يا مرات عمي، بقيتي أحسن، اهدي أنتِ بس وخدي نفسك براحة، هتبقي تمام."
ظلت تنفذ ما قاله لها الآن لتصبح بخير. ثم سار مقتربًا من أروى الواقفة مبتعدة عنه ببضع خطوات، مدعية القلق الذي يرسم فوق قسمات وجهها بإتقان. أردفت متسائلة بتوتر:
"هي بقت كويسة صح، مفيهاش حاجة؟"
أومأ لها برأسه أمامًا لتهدأ وتوقف ذلك التوتر المسيطر عليها. ثم غمغم بتعقل وجدية ليجعلها تطمئن على والدتها:
"آه هي كويسه يا أروى، خلاص متخافيش، أهي قدامك، اهدي أنتِ بس ومتتوتريش."
زفرت بارتياح، معتلي ثغرها ابتسامة هادئة تحاول أن تجذبه بها، لكنه لم يعطيها أي أهمية. غرزت أسنانها بشفتيها بضيق شديد وغضب. ثم أسرعت متوجهة نحو تلك الجالسة أرضًا، مقررة أن تتخذ ما حدث سبيلًا لإهانتها والتقليل منها أمامه وفي ذلك الوقت بالتحديد. جذبتها من ذراعها بقوة، تجبرها على النهوض والوقوف أمامها، مغمغمة بها بغضب شديد:
"أنتِ اتجننتب يا بنت الــ*ـلب، والله شكلك كدة، دي اخرتنا معاكي، عاوزة تقـ تلي أمي اللي معملتلكيش حاجة، إيه هتنسي نفسك وأصلك الوسـ*ـ"
لن تصمت تلك المرة مثلما كانت تفعل دائمًا ولن ترد بإنكار وضعف، متخذة سبيلًا جديدًا لها معهم، وكأن كل شيء كانت تفعله قد انتهى مع نهاية حياة ابنها التي كانت لم تبدأ. قررت ألا تنهزم تلك المرة، بل وقفت ترمقها بنظرات غاضبة مشتعلة هي الأخرى، ترد عليها بشراسة وكره حقيقي ولد لمشاركتها في أذيتها:
"أه اتجننت، اعتبريني كدة، لأ مش هقـ تلها، بس دة أنا هقـ تل كمان أنتِ واخوكي، ولو حد هنا وسـ*ـ، فأكيد مش أنا هيبقى أنتم."
ثارت غضبها حقًا بعد ذلك الحديث، فغرزت أظافرها في ذراعها بقوة وغيظ تجرحها بهم. ثم رفعت يدها عاليًا بضراوة مقررة أن تهوي بها فوق وجنتيها.
رأى جواد ذلك المشهد شاعرًا بالغضب الشديد يجتاح كل ذرة بداخله، نيران قوية متأهبة تشتعل بداخله. لم يتحمل ما يراه الآن. هو يعلم جيدًا أنها مخطئة في فعلتها وفي ردودها الحادة مع أروى، لكنه أيضًا لن يتحمل رؤيته لـ أروى تصفعها. لذلك أسرع مقتربًا منهما، جاذبًا إياه من قبضة أروى القوية فوق ذراعها، واضعًا إياها خلفه كأنه يحميها به وبجسده القوي. وتحدث مردفًا لـ أروى بتعقل وجدية شديدة:
"خلاص يا أروى، اهدي، أنتِ بتعملي إيه، مينفعش اللي هتعمليه دة، أنتِ هتمدي إيدك عليها."
رمقته بضيق موزعة بصراتها عليه بتعجب، مندهشة من حديثه الذي أدهشها. وتحدثت بضيق وغضب:
"يعني إيه يا جواد، أنتَ عاوزني اقف اصقفلها ولا اقولها تقـ تلني أنا المرة الجاية عشان تبقى مرتاح، ما أنتَ شوفت بنفسك اهو اللي كانت هتعمله فينا وكله قدامك."
وقفت رنيم خلفه كما وضعها متشبتة في قميصه بضراوة وكأنها تريد أن تحتمي به، لا تريد أن يتركها معهما. تعلم أنها لن تستطع عليهما بمفردها، بل ستسقط لمديحة وابنتها كالفريسة يفعلان بها ما يشاءان من دون ذرة رحمة أو شفقة توجد داخل قلوبهما المتحجرة الخالية من أي معالم الإنسانية والرحمة.
غمغم يرد على حديث أروى بجدية تبدو بشدة فوق منحنيات وجهه ولهجة حازمة مشددة:
"خلاص يا أروى وأنا واقف هتصرف، اهدي أنتِ كدة وروحي شوفي مرات عمي."
ردت بغضب حاد، شاعرة بالضيق مما يفعله معها من طريقته الحازمة في التعابير والحديث:
"يعني ايه هتقولها كلمتين وخلاص يا جواد، دي قتـ الة قتـ ـلة، سيبني أنا هعرف اتصرف معاها ومع أشكالها الزبالة اللي زيها."
استمع إلى حديثها شاعرًا بالغضب هو الآخر من حديثها عنها بتلك الطريقة المقللة منها. أشار لها نحو والدتها متحدثًا بجدية صارمة:
"روحي شوفي مرات عمي يا أروى، اقعدي شوفيها وأنا هتصرف، قولت."
توجهت تجلس بجانب والدتها كما أشار لها، شاعرة بالغضب والنيران الملتهبة تشتعل بداخلها، تود أن تنهض حارقة إياها بها حتى تخفيها من أمامه. تجلس تطالعه بعدم رضا، غير راضية بما سيفعله، بل كانت تريد أن تهينه بدلًا مما سيفعله هو الآن.
تركت رنيم ثيابه التي كانت تتشبت بها بقوة، فاعتدل يقف قبالتها، مغمغمًا بغضب وصوت عالٍ حاد، صائحًا أمام وجهها بصرامة وكأنه يثبت لـ أروى عكس ما تشعر به ويخيب ظنها:
"إيه بقى اللي أنتِ عملتيه دة، هو في إيه، ازاي تعملي كدة اصلا، دي زي والدتك."
دُهشت من حدته معها التي لم تعتد عليه منه. هو دومًا يتحدث معها بهدوء شديد، لم يرفع صوته عليها أبدًا. لكنها لم تصمت، نظرت متطلعة داخل عينيه البنية بضعف تحاول إخفاءه، وردت عليه بشراسة، لا تريد منه أن يجعله يستشعر ضعفها:
"أنتَ مالك أصلا، هو أنت بتزعقلي ليه كدة، أنا اعمل اللي يعجبني خلاص، مش هعمل حساب لحد."
كادت تسير من أمامه تاركة إياهم من دون أن تعطي أي اهتمام لأحد منهم. لكنه أوقفها ممسكًا إياها من معصمها بهدوء، يجبرها على النظر نحوه مرة أخرى، مانعًا إياها من استكمال سيرها وتركه. هتف متسائلًا بهدوء كما يتحدث معها دائمًا، غير مبالٍ لوجود زوجة عمه وابنتها:
"رنيم استنى خلاص، في إيه طيب ولا إيه اللي حصل عشان تعملي كدة؟"
تمنت لو أن لديها القدرة على أن تلقي ذاتها داخل حضنه وتبكي بضراوة، تبكي لتفرغ ما في قلبها من قهر وقسوة، تسرد عليه ما يحدث له وما تعانيه في حياتها القاسية عليها، ما رأته حزن يكفيها لسنواتها القادمة. لكنها لن تستطيع أن تبوح لأحد عما بداخلها. لذلك صدر عنها تنهيدة حارة ملتهبة لعلها تطفئ نيرانها المتواجدة بداخلها، مغمغمة ترد عليه بنبرة خافتة لهجتها هدأت عما كانت من قبل:
"مـ…مفيش، أنا بس تعبانة، أعصابي تعبانة عشان لسة يعني مسـقطة، الموضوع مزعلني ومأثر لا عليا."
أنهت جملتها بنبرة متلعثمة شبه باكية، والدموع قد ملأت مقلتيها اللامعتين بحزن شديد وحسرة متألمة حقيقية تشعر بها في قلبها، قلبها الممزق من ضراوة القسوة والألم المتواجد بداخله.
استشعر هو كم الحزن الشديد يوجد داخل عينيها وفي نبرة صوتها الحزين المقهور. تمنى لو أن لديه القدرة على جذبها داخل أحضانه وبين ذراعيه، يريد أن يخفيها من العالم وشدته عليها. هي كالهشة لم تتحمل أي شيء، لكن مهلًا عن ماذا يتحدث، هي تحملت كل شيء في الحياة لا يأتي على باله. نعم هي رقيقة ضعيفة، ولكن ما حدث لها في حياتها يثبت عكس ذلك تمامًا.
تركته يقف كما كان، وسارت هي بخطوات متعثرة شبه راكضة تصعد الدرج متوجهة صوب غرفتها، تاركة الجميع خلفها ودموعها تسيل فوق وجنتيها بحزن شديد، شاعرة بنصل حاد مغروز في قلبها بلا شفقة، تنتظر من ينزعه حتى يهدأ ذلك الألم الذي أصبح ملازمًا لها.
نهضت أروى تقف أمام جواد تطالعه بغضب، متمتمة بعدم رضا وجدية:
"بجد هو دة اللي ربنا قدرك عليه معاها، أنتَ كان ناقص تقولها تقتـ لنا المرة الجاية."
طالعه بنظرات حادة غاضبة اخترقتها، متمتمًا بجدية ولهجة مشددة حازمة:
"خلاص يا أروى، كانت حامل وفقدت حملها، ليها حق، بعدين أعصابها تعبانة، خلاص محصلش حاجة الحمدلله، اقفلي الحوار بقى."
طالعته بطرف عينيها بنظرات غاضبة بشدة، تود أن تصعد خلف تلك التي ذهبت وتقتلها. لا تعلم لماذا يتعامل معها بتلك الطريقة الحادة، ومع غيرها يتعامل بهدوء ولطف شديد. غرزت أسنانها في شفتها بغيظ شديد يتآكل في قلبها بضراوة.
توجه نحو زوجة عمه جالسًا بجانبها، وضع يده فوق كتفها يربت عنها بهدوء. ثم غمغم متسائلًا بقلق:
"أنتِ كويسة صح، ولا حاسة بحاجة؟ لو في حاجة تعباكي قوليلي، لو كدة أوديكي ونكشف."
حركت رأسها نافية، متمتمة لترد عليه بتعقل ونبرة هادئة بشدة:
"لأ خلاص يا حبيبي، أنا كويسة متقلقش، أنتَ الحمدلله مفيش حاجة."
تنهد بارتياح، وحمحم بعدها بجدية محاولًا ألا يجعلها تغضب وتفعل لتلك شيء يضرها أو يزعجها:
"معلش طيب يا مرات عمي، متزعليش من رنيم واللي عملته، أنتِ سمعتي اللي قالته وإن أعصابها تعبانة، مكنش قصدها."
رمقته بنظراتها الغير مفهومة لما يفعله هو من تصرف وحديث غير مفهوم أيضًا، متحدثة ترد عليه بهدوء ماكر مميت يشبهها:
"اكيد يا حبيبي، أنا عارفة وعذراها، مش محتاج تقولي وتوصيني عليها، دي مرات ابني."
هتفت بالكلمة الأخيرة عن عمد لتذكره بذلك الرابط، تريد أن تذكره أنها زوجة أبنه، تفعل بها تشاء من دون أن يتدخل. تريده يوفر خوفه وقلقه لأبنتها، ليس لتلك الفتاة التي لا قيمة لها.
أومأ برأسه أمامًا بتفهم، فهو ليس أبله، بل مدرك جيدًا معنى كلمتها الأخيرة وما تريد أن تصل إليه بذلك الهدوء الذي تتحدث به، وتلك الرسالة الخفية التي ترسلها عبر حديثها، وكأنها تريد أن تمنعه من الدفاع عنها. هي ماكرة حقًا، تخفي خلفها حقيقتها وحقيقة نواياها، متخذة الهدوء قناعًا لمكرها وخبثها، تخفي حقيقة عقلها المفكر بتفكير شيطاني يشبهها خلف ذلك القناع الذي ترتديه بإتقان.
اقتربت أروى منه مرة أخرى، متسائلة بتعجل:
"طب إيه يا جواد، مش يلا عشان نلحق نوصل، حفلة مهمة أوي أصحابي عاملينها وأنتَ هتحضر معايا، عمو قايلي."
رمقها بنظرات ساخرة حادة مليئة بالغيظ منها ومن والده بسبب تفاهتها الشديدة وأعمالها التي لا قيمة لها. لا يصدق أنه ترك عمله الهام لأجل ذلك الأمر الساذج. تطلع نحو هاتفه الذي ارتفع صوته معلنًا عن وصول اتصال له.
ابتعد بعض الخطوات عنهما وتحدث عبر هاتفه، ثم عاد مرة أخرى كما كان، معتذرًا من أروى بجدية ممسكًا بمفاتيحه وهاتفه استعدادًا لذهابه:
"معلش يا أروى مش فاضي، جالي شغل مهم، تتعوض بقى مرة تانية، مش ضروري تروحي الحفلة أو شوفي عصام لو خلص شغله، عن إذنك عشان مستعجل."
أنهى جملته متوجهًا صوب الخارج، يركب سيارته الذي انطلق بها مسرعًا، تاركًا إياها تستشيط غضبًا والنيران تشتعل بداخلها من إهماله الواضح الصريح لها، عدم اهتمامه بما تريد منه.
تطلعت نحو والدتها متمتمة بلوعة وغيظ شديد:
"شايفة يا ماما شايفة بيعمل ايه، كل مرة بعوز منه حاجة، هو كدة على طول معايا، أنا مش فاضي ليا ولا للي عاوزاه، هو بس فاضي للوسـ*ـة اللي فوق بقف يشوف مالها ويدافع عنها، يجي مع مرات عمي بالعافية وفي الآخر يقولي لأ ويطلع مية عذر، خليكي شاهدة عليه يا ماما…"
أومأت لها بشرود، عقلها منهمك في التفكير في أمر آخر بعيد تمامًا عن ثرثرة ابنتها الآن وغيظها مما يفعله جواد، مكررة أن تتخذ خطوة جادة فيما تفكر.
❈-❈-❈
كان جواد يقود سيارته بدون تركيز، عقله شارد بها، شارد في رؤيته لها تلك المرة التي كانت تختلف عن كل مرة سابقة يراها بها. كان دائمًا يراها لدقيقة، يلمحها ويلمح خيالها بها، يحاول أن يخلق دقائق لرؤيتها، لكنه يفشل في كل مرة. كانت تختفي هي من أمامه عن عمد مدعية انشغالها في أمر آخر هام ستفعله.
لكنه تلك المرة وقف معها متمعنًا بصره بها جيدًا، عينيه تتأمل كل تفصيلة بها. أصبحت أنحف كثيرًا عما كانت من قبل، بنيتيها بداخلهما حزن شديد يبدو تلك المرة بوضوح. لكنه توقع أن ذلك الحزن من أجل فقدان طفلها. هو ليس على دراية بما يحدث لها وما يفعله معها ذلك المختل من أذى نفسي وجسدي، يحاول أن يلحق بها أي أذى، لا يهمه هو فقط يريد أن يراها تتألم وتخشاه.
نبرة صوتها المقهورة الحزينة وهي تخبره عن خسارة طفلها لن تذهب عن ذهنه ولو لبُرهة واحدة. يتمنى أن يضمها ويذهب بها بعيدًا عن الجميع في رحلة صغيرة، جاعلًا إياها تنسى كل شيء يحزنها عن وفاة طفلها. ولكن تلك الرحلة لن تحدث سوى داخل عقله، فهي متزوجة من ابن عمه، فما يريده من الصعب أن يحدث، بل من المستحيل تحقيقه.
شرد بعقله إلى الماضي متذكرًا عندما كان يراها من قبل. فقد كانت تعمل سكرتيرة في شركة والده، كان يتردد هو على الشركة لأجلها ولأجل رؤيتها. أحبها وأحب التعامل معها، تذكر لقاء قد تم بينهما في الشركة.
❈-❈-❈
جاء جواد الشركة حينها لوالده ولاجل رؤيتها أيضًا. نعم هو كان يحبها، لكن في صمت تام من دون أن يبوح عما بداخله لأي أحد. غاب داخل مكتب والده لبضع دقائق ثم خرج، وكان يتخلس بعض النظرات لرؤيتها بحذر تام، لا يريد أن يلفت انتباه أحد لمشاعره.
دُهش عندما وجدها تقترب منه تلك المرة، فاعتلى ثغره ابتسامة سعيدة فرحة تزينه. أردفت هي متسائلة بفضول:
"هو ممكن أعرف أنتَ ليه مش بتشتغل هنا مع فاروق بيه مع عصام بيه؟"
وجدته لازال صامتًا، متطلعًا نحوها بشرود وصمت، يرى ملامحها عن قرب بشغف شديد. فقطبت جبينها متمتمة بحرج مبتسمة بخفوت، ابتسامة لم تتخط شفتيها فقط لتخفف من موقفها:
"خلاص لو حضرتك مش عاوز تقول عادي براحتك، أنا بس كنت بسأل عادي حابة أعرف لكن خلاص."
انتبه لحديثها وما تتفوه به، متفهمًا إحراجها من صمته وعدم رده بإجابة لسؤالها. أجابها متحدثًا بمرح:
"لأ مش عاوز أقول إيه عادي أكيد، ياستي أنا مش بشتغل معاهم عشان مش حابب، وأنا أصلًا ظابط وبشتغل في شغلي ومجالي وبحبه أوى. هو إنعم دي مش عاجبة فاروق بيه بس عادي، أنا ماشي حالي بعرف أتصرف وأمشي أموري معاه وهو اتعود برضو."
ابتسمت ولمعت عينيها بوميض معجب بما يتفوه به، وتمتمت بإعجاب وهدوء:
"بجد الله دة حلو اوي، ظابط بقى وبتعرف تضرب وتكسر وتقبض على الناس، لا حلو أوي دة، خلي بالك والمهم إنك بتحب شغلك دة."
ضحك بصخب من حديثها، ثم غمز إياها بإحدى عينيه مازحًا معها بمرح، يرد عليها بمكر ومزاح:
"لأ كمان خلي بالك في حاجة تانية، دة أنا بعرف أشيل اوى."
قطبت جبينها بدهشة، متطلعة نحوه بعينيها بعدم فهم، متسائلة بعدم فهم:
"بتشيل؟! يعني إيه بتشيل، قصدي بتشيل إيه؟"
باغتها بحملها فوق ذراعيه ودار بها في الهواء، متحدثًا بضحك ومرح:
"شوفتي أهو بشيل كدة."
كانت ستصرخ بصوت مرتفع، لكنها تحكمت في ذاتها خوفًا من أن يستمع إليها أحد، تمتمت قائلة له برجاء:
"طب خلاص خلاص، ممكن لو سمحت تنزلني بقى، كفاية كدة خلاص شوفت."
استمع إلى حديثها فانزلها من فوق ذراعه مبتسمًا بسعادة لابتسامتها المرسومة فوق وجهها. تمتمت متحدثة بنبرة شبه هامسة خجلة:
"شكرًا عن إذنك، هكمل شغلي."
سارت من أمامه جالسة فوق مقعد مكتبها كما كانت تتابع شغلها بصمت تام، واللون الأحمر القاني يكتسي وجنتيها بخجل شديد.
سار هو الآخر نحو الخارج، لا يريد أن يجعلها تنتبه لاهتمامه بها ومشاعره المتواجدة بداخله تجاهها، مشاعره التي تسيطر عليه ويحاول ألا يجعلها تقوده. يريد أن يتحكم بها ولو قليلًا، حتى لا تكشفه أمامها وأمام أحد، مقررًا أن يؤجل خطوة مصارحتها بمشاعره في وقت لاحق يكون أفضل وعلى استعداد لمواجهة الجميع، ليس هي فقط. لكن مشاعره السعيدة لم تدم طويلًا بعدما سافر في مهمة خاصة بعمله، وعاد وجدها قد تزوجت من ابن عمه. لا يعلم كيف حدث هذا؟ ومتى؟ لكنه يعلم أنه والده كان السبب الرئيسي لتلك الزيجة التي تسببت في تدمير قلب ابنه.
دخل حينها في دوامة كبيرة من الألم والحزن، خرج منها بصعوبة شديدة بمساعدة والدته التي صارحها بحقيقة مشاعره. لكن بعد ذلك قد ازدادت الفجوة بينه وبين والده، الذي يراه السبب الرئيسي في تدمير قلبه وانكساره تمامًا.
❈-❈-❈
فاق من شروده وعينيه يكسوهما اللون الأحمر من فرط الغضب المشتعل بداخله. كور قبضة يده ضاربًا المقود الخاص بالسيارة عدة مرات بغضب، صائحًا بضيق شديد:
"غـبـي غـــبــي يا جواد، مكنش ينفع استنى خالص، لولا كدة كان زماتها بقت معايا، أنا كمان غـبـي…"
أغمض عينيه بألم شديد يعصف بداخله، مصدرًا هدير غاضب مزمجر بحدة شديدة. مسح تلك الدمعة التي فرت من عينيه بحزن عما حدث معه، يشعر بالقهر من وجودها أمامه وممنوع تمامًا الاقتراب منها أو التحدث معها بأريحية. كل ما يريده أصبح ممنوعًا نسبة له.
❈-❈-❈
في المساء…
كان فاروق يجلس في غرفته، وجد اتصالًا واردًا من مديحة. قطب جبينه متعجبًا، رد عليها متسائلًا في دهشة وتعجب:
"ألو يا مديحة، خير، في حاجة حصلت؟"
مصمصت شفتيها بعدم رضا وضيق، تمتمت ترد عليه بإنزعاج وغضب:
"آه يا فاروق، من جهة في حاجة فـآه فيه، ابنك اللي بعته عشان يخرج مع البت وغصبت عليه، جه ومشي من غير ما يعمل أي حاجة ولا يمشي مع أروى، أنتَ مش عارف تمشي كلمتك عليه، بعدين لاحظت حاجة غريبة يا فاروق، تعالى دلوقتي حالًا عاوزاك ولازم تيجي، سامعني."
صدر عنه تنهيدة حارة حارقة بغضب، لاعنًا ابنه سرًا من أفعاله الغير مرضية له، وإصرار مديحة على مجيئه لها في ذلك الوقت. مهمهمًا بحدة شديدة:
"خلاص يا مديحة، بلاش كلامك دة واقفلي، أنا هتصرف وجايلك أهو."
أغلق الهاتف متأفأفًا بغضب حاد، بدأ يرتدي ثيابه بعصبية شديدة، ثم سار متوجهًا إلى الأسفل على مضض.
جلست هي في انتظاره، مقررة أن تلقي بقنبلة قوية ستقلب الحياة بأكملها رأسًا على عقب، وتزداد النيران اشتعالًا لما ستتفوهه، لذلك جلست مبتسمة بمكر وخبث يشبهها حقًا.
في ذلك الوقت…
ولج المنزل بخطى متهالكة مجهدة من العمل الشاق الذي فعله اليوم. فقد فعل عملًا مرهقًا لجسده في العمل وعقله أيضًا بتفكيره بها المتواصل الذي لم ينقطع لوهلة واحدة. لكن جميع تعبه قد زال عندما وجد والدته تجلس في بهو المنزل تنتظره، معتلي ثغرها ابتسامة هادئة عندما رأته.
اسرع مقتربًا منها مبتسمًا هو الآخر يبادلها ابتسامتها الجذابة، طبع قبلة رقيقة حانية فوق جبينتها. اتسعت ابتسامتها لفعلته متحدثة بحب وحنو:
"حمدلله على سلامتك يا حبيبي، هقوم احضرلك العشا، أنا قاعدة مستنياك."
مسك يدها بهدوء مانعًا إياها من النهوض، قائلاً لها بهدوء وجدية:
"لأ يا حبيبتي خليكي زي ما أنتِ، متتعبيش نفسك، أنا مش جعان أصلًا، تعالي عشان عاوز أتكلم معاكي فوق كويس أني لقيتك صاحية."
أدركت ما الأمر سريعًا من قبل أن يتحدث، فأومأت له برأسها إلى الأمام مضيقة عينيه عليه، وتحدثت بهدوء وفهم لما يريده ابنها:
"ماشي تعالى نشوف الكلام اللي فوق اللي أنا عارفاه دة، طالما قولت نتكلم فوق، بس ماشي يا سيدي يلا."
نهضت معه ممسكة بذراعه لتصعد معه حتى يتحدث بما يريده، لكن في ذلك الوقت كان فاروق قد نزل، رمقه بضراوة ما أن رآه، تعكس نظراته الغاضبة ما يشعر به. صاح به بحدة ولهجة مشددة حازمة:
"إيه اللي بتعمله دة، بقى موديك لبنت عمك عشان توديها مشوارها المهم ومكان ما هي عاوزة تروح تستأذن وتمشي، إيه كنت بتشوف الطريق، ولا هو أي عند فيا وخلاص."
تنهد بغضب هو الآخر يحاول أن يكتمه بداخله، يخفي ذلك الغضب ويحترم والده. رد عليه بحزم وجدية واقفًا قبالته:
"أيوة كنت هوصلها وسيبت شغلي المهم اللي أنتَ مش معترف بيه، وروحت لقيت أن الأستاذة بنت عمي مشوارها المهم حفلة صحبتها عاملاها، أروح فين وأنا ورايا شغل مش فاضي للعب العيال دة."
لم يعطِ لما يتفوهه أي أهمية، بل أردف متمتمًا ببرود:
"آيوة يعني إيه، ما هي حرة تروح المكان اللي يعجبها، حفلة مش حفلة، المهم إنك كنت المفروض توصلها، لكن أنتَ كالعادة عاوز تعاند ومتسمعش كلامي، هو دة اللي باخده منك على طول، أيه الجديد."
بدا الغضب والعصبية فوق قسمات وجهه المتشنج، كاد يتحدث يرد عليه، لكن تدخلت والدته مرسلة له نظرات مترجية بعينيها، طالبة منه أن يصمت، لا تريد أن يزداد الأمر بينهما في ذلك الوقت.
أنصاع لطلبها منه بسبب نظراتها المترجية ولم يرد على حديث والده المثير للغضب، بل أولاه ظهره ببرود تام، واضعًا يده داخل جيب سترته من دون أن يتفوه بحرف واحد.
تجاهله له أيضًا لن يرضيه، بل أغضبه أيضًا، مهما يفعل جواد لن يرضيه. إذا تحدث أم لا، سيظل غاضبًا منه، متحججًا له بشيء غير الآخر ليتشاجر معه عليه. لكن ولحسن الحظ، تلك المرة كان يريد الذهاب مسرعًا، لذلك سار خارج المنزل من دون أن يتحدث هو الآخر. سار بخطوات حازمة غاضبة بضراوة.
اقتربت جليلة من ولدها واضعة يدها بحنان شديد فوق ظهره مبتسمة أمام وجهه بهدوء، متمتمة بتعقل:
"خلاص يا حبيبي، متزعلش منه، ما أنتَ عارف فاروق، هو طريقته كدة، هنعمل إيه؟"
أومأ برأسه في صمت، مردفًا بعدها بشرود وعينيه متطلعة على الجهة الأخرى بتركيز شديد:
"مش مهم ياماما، اللي بيعمله اصلا دة كله مش في دماغي ولا هاممني، سيبك أنتِ من كل دة."
احتضنته بضراوة وحنان أمومي بداخلها، ثم أردفت متسائلة باهتمام:
"كنت عاوز تقولي على حاجة فوق قبل ما أبوك ينزل، تعالي يلا عشان أعرف إيه هي الحاجة."
صعد بها إلى أعلى داخل غرفته بالتحديد، مغلقًا الباب خلفهما بإحكام، حذرًا على ألا يجعل أحد يستمع إلى ما سيتفوه به مع والدته الآن. جلست فوق الفراش وجلس هو أمامها. كادت تسأله، لكن قبل أن تفعلها كان هو يجيبها بألم شديد ولوعة، والدموع تلتمع داخل عينيه الحزينتين بقهر:
"لما روحت هناك انهارده شوفت رنيم في حالة وحشة أوى يا ماما، بهتانة كدة وأعصابها بايظة خالص عشان كانت حامل وسقطت، كانت بتتكلم بحزن شديد، أنا لاحظته، وهما هناك محدش فاهم دة وجايين عليها، وصلوها لدرجة أنها عاوزة تقـ تلهم أو تقـ تل أي حد عشان أعصابها تعبانة."
لم تنكر أنها شعرت بالحزن هي الأخرى لما حدث مع تلك الفتاة، لكنها لا تريد أن تجعلها تأخذ مكانة أكبر في حياة ابنها. لا تريده أن يفكر بها أكثر حتى لا يكشف أحد ذلك الأمر الهادم. قطبت جبينها بدهشة عندما انتبهت إلى حديثه وتحدثت متسائلة في دهشة متعجبة:
"إيه يا جواد، أنتَ بتقول إيه، كانت عاوزة تقـ تلهم؟ أنتَ واعي للي بتقوله، يعني إيه الكلام دة."
أسرع يرد عليها في لهفة شديدة وعينين عاشقة ملتمعة بوميض من العشق الحقيقي:
"لأ لأ يا ماما، أنتِ فاهمة غلط، هي مش كدة، ما أنتِ عارفة رنيم وعارفة أسلوب مرات عمي معاها، هي بقى كانت أعصابها تعبانة وكانت هتــ قتلها تقريبًا، عندها انهيار عصبي بسبب حوار الحمل دة، أنتِ فاهمة طبيعة شعورها في حاجة زي كدة."
أومأت برأسها ثم أردفت متحدثة بقلق وتوتر:
"طب إيه مرات عمك دلوقتي كويسة صح، مفيهاش حاجة الحمدلله، أنتَ اتصرفت."
لا يريد خوف والدته على زوجة عمه، بل يريد أن يكون خوفها على رنيم. يرى أنها تستحق هي كل ذلك الخوف والقلق بدلًا عن الجميع. رد بجدية وضيق:
"آه يا ماما هي كويسة ومفيهاش حاجة، رنيم مكانتش هتعمل حاجة أصلًا، بس الحوار مش كدة، أنا عاوزك تكلمي رنيم ياماما تهوني عليها شوية، بجد حالتها كانت وحشة."
لم تقتنع الإقتناع التام للدوافع الذي يريد منها أن تفعلها، لذلك تمتمت بقلق وخوف لتجعله يتراجع عما يريدها تفعله:
"بس يا جواد، احسن حد يعرف حاجة، جواد أنتَ عارف لو حد عرف مشاعرك ناحيتها هيحصل إيه، عارف ولا لأ، دة العيلة هتتقلب كلها، ما بلاش أحسن، أنا يهمني مصلحتك يا حبيبي."
أغمض عينيه بألم وحزن شديد، متمتمًا بضعف ووجع:
"عارف يا أمي، عارف اللي هيحصل."
صمت لوهلة وعقله ليس معه، بل في دوامة من الحزن والألم الذي بسبب تلك المرحلة الذي وصل لها في حبه داخل عقله، مستردًا حديثه بجدية وتعقل:
"بس دي مفيهاش حاجة يا أمي، عرفتي من ابنك إن واحدة سقطت، متصلة تطمني عليها، عادية دي مفيهاش حاجة، كلميها بقى."
تنهدت بصوت مرتفع وتناولت هاتفها، قامت بالاتصال على الرقم الخاص بـ رنيم مباشرة، التي سرعان ما ردت عليها متسائلة بصوت خافت حزين:
"الو… مين معايا؟"
ردت تجيبها بهدوء مبتسمة، لكن أثناء حديثها قام جواد بتشغيل المكبر ليروي قلبه من استماع صوتها ذو نغمة خاصة تتراقص عليها نبضاته:
"أنا جليلة يا حبيبتي مرات عمك فاروق، أنا متصلة أطمن عليكي، جواد قالي أنك أعصابك تعبانة عشان اللي حصل، فقولت أشوفك يا رنيم."
نزلت دموعها بقهر متألمة رغمًا عنها، حاولت أن تمنع صوتها وتكتمه بداخلها، لكنها فشلت ووصل عبر الهاتف صوت شهقاتها، متمتمة بحسرة من بين دموعها المتألمة:
"أنا… أنا الحمدلله أحسن، عايشة اهو يا طنط، شكرا على سؤالك واهتمامك دة."
وصل إليهما صوت شهقاتها الذي شعر هو كأنه نصل حاد غارز في قلبه، بكائها يمزق أنياط قلبه بوجع وضعف، يتمنى لو أن يربت عليها ويخفف عنها ما تشعر به، يحميها من قسوة أيامها داخل حضنه المشتاق لها المتلهف لرؤيتها واقترابها.
حزنت هي الأخرى لصوتها الضعيف، متحدثة معها بحزن تحاول مواساتها على ما بها:
"خير يا حبيبتي، ربنا هيشيلك الأحسن يارب ويعوضك عن فقدانه، متزعليش نفسك بس واهدي عشان متتعبيش، أنتِ كفاية كدة."
استنكرت حديثها هي تطلب منها ألا تحزن، كيف يحدث ذلك؟ الجميع يجعلونها تشعر وتتأكد من أنها خلقت لتحزن فقط. عدم حزنها أصبح من الأشياء المستحيل حدوثها، تمنت لو أن لديها الشجاعة لتخبرها بما يحدث معها.
ما يفعله بها ذلك المختل ووالدته وشقيقته الغير سويين على الإطلاق، لكن تلك الشجاعة لم تمتلكها ولن تنجح في أن تمتلكها، هو جعلها ترتعب منه ومن التحدث لأي شخص بما يحدث لها.
ابتلعت ريقها الجاف بتوتر وبدأت تمسح دموعها لذاتها بضعف وألم، وتحدثت بهدوء يكسوه الحزن الذي فشلت في أن تخفيه:
"حاضر يا طنط حاضر، شكرا ليكي بجد وشكرا لسؤالك عليا حقيقي، هحاول أعمل اللي حضرتك قولتي، ادعيلي بس كتير."
ردت عليها الأخرى بهدوء متعاطفة معها:
"حاضر يا حبيبتي هدعيلك والله، في حفظ الله يا رنيم، خلي بالك أنتِ بس من نفسك ومتقلقيش."
أغلقت معها الهاتف شاعرة بالحزن لأجلها ولأجل نبرة صوتها المقهور الحزين، وتمتمت تدعو لها من قلبها بصدق ووجع لأجلها:
"ربنا معاها يارب ويخفف عنها، إن شاء الله تبقى بخير، تعبانة أوي فعلًا يا جواد، ربنا يصبرها."
وضع رأسه ساقي والدته وغمغم بحزن وضيق لأمرها:
"آه يا امي ادعيلها كتير عشان خاطري بجد، صوتها مش قادر استحمله، حتى لما شوفتها انهاردة كانت تعبانة اوي ودبلت خالص."
غرزت يدها بين خصلات شعره تمررها بحب وحنان وردت عليه بحنو وتعاطف:
"هدعيلها يا جواد، ربنا يربح قلبها ويصبرها ويريح قلبك أنت كمان وتعمل اللي نفسي فيه وتفرحني بيك، تحققلي اللي بتمناه."
تحدثت بصدق وألم من غدر العشق الذي به هو الآن، بعدما أحبها بشدة غدر به الحب وأصبحت فجأة ليس من نصيبه بل من نصيب وحق شخص آخر غيره، ومن المؤسف أنه ابن عمه، فـمُجبر على أن يراها معه ويتحمل ذلك الألم الشديد الخاص بالحب:
"مش هينفع يا أمي صدقيني ما هينفع، أنا مش هقدر أعملها مع حد غير رنيم، يا هي يا بلاش، وهي خلاص راحت يبقى بلاش."
شعرت بالحزن لأجل ابنها من ذلك الحديث الدائم الذي يتفوه به عندما تلمح له بسيرة الزواج. لم تريد أن تضغط عليه تلك المرة خاصة بعد رؤيتها لحزنه الشديد، فطبعت قبلة حانية فوق جبهته ودعت له بصدق من قلبها متمنية من ربها أن يقبل دعاءها:
"ربنا يريح قلبك وبالك يا حبيبي ويسعدك ويفرحني بيك يا جواد، هسيبك ترتاح ونكمل كلامنا بعدين، أنتَ شكلك تعبان أصلًا."
ابتسم بسعادة وارتياح من دعائها له الذي يحدث بكل حب وحنان منها، وأومأ برأسه سامحًا لها أن تذهب لترتاح هي الأخرى، وتتركه هو ينام غائصًا في دوامة عشقها الذي كاللعنة المصاحبة له دومًا ولا يمكنه التخلص منها أو الابتعاد عنها.
لم تنكر والدته حزنها لأمر ابنها، بل تتمنى أن يتخلص من كل ذلك ليفوق مجبرًا لحياته القادمة ويبدأ في تكوين أسرة بدلًا من حياته المكرسة للعمل وللتفكير بشيء من المستحيل حدوثه. لكن هل ما تتمناه يتحقق؟ لو كان ذلك لكان تزوج هو منذ زمن من دون كل ذلك التعب الشقاء الشاعر بهما ابنه، هي لم تملك له سوى الدعاء لربها أن يفعل له الأفضل.
❈-❈-❈
ولج عصام الغرفة غالقًا الباب خلفه بقوة شديدة، مطالعًا إياها بنظرات غاضبة كالنيران المشتعلة التي تلهب روحها وتحرقها. لكن تلك المرة مختلفة تمامًا عن مراتها السابقة عندما يأتي. هي جلست تتابع ما كانت تشاهده على التلفاز من دون أدنى اهتمام لوجوده، لم تنتفض بخوف والرعب يبدو في نظراتها مثل كل مرة، متسائلة ذاتها باستنكار تام: لمتى؟ نعم لمتى ستظل هكذا تخاف وتخشاه؟ لمتى ستظل ترتعب من وجوده ووقت عودته؟ لمتى ستفعل كل الحركات المهينة التي يحبها؟ لمتى ستظل ذليلة جالسة أسفل قدميه؟ لمتى ستجعله يسحقها أسفل حذائه متلذذًا بسلب حياتها منها؟
يفعل كل ذلك جاعلًا إياها جسدًا بلا روح… جسدًا يفعل به ما يريد، تاركًا بصمته فوق كل أنش به. لديه حق على إهانتها بكل الطرق الممكنة والغير ممكنة، هي بالنسبة له دمية يسحقها بالأذى كما يريد. لكن السؤال الأهم من كل ذلك هو لماذا؟ لماذا تتحمل هي كل ذلك العذاب من هذا المختل؟ ما الذي تخاف عليه حتى تتحمل لأجله كل ذلك؟ فقد قررت التخلص من طاعتها التي ترضيه، متخذة التمرد سبيلًا جديدًا لها.
هل حمقاء هي ظانة أنه سيصمت؟ أم تعلم عواقب تمردها ومستعدة لها جيدًا؟
اقترب منها قاطعًا المسافة المتواجدة بينهما، ممسكًا زراعها بضراوة يجبرها على النهوض، متمتمًا بقسوة من بين أسنانه:
"ايه دة يا زبـ*ـالة، أنتِ مشوفتنيش دخلت ولا إيه، ما تقومي وتعملي اللي بتعمليه كل يوم يا وسـ*ـة."
أنهى حديثه دافعها أرضًا بقوة أسفل قدميه، يرمقها بإزدراء بنظرات محتقرة مقللًا من شأنها.
لن تصمت تلك المرة حتى تجعل ليلتها بأقل خسائر تمر مثلما تفعل دومًا، بل طالعته بحدة تبادله نظراته وردت عليه بقوة مزيفة تخفي بين طياتها الضعف والخوف الشاعرة بهما:
"لأ أنا شوفتك بس خلاص معدتش هعمل أي حاجة من القرف اللي أنتَ عاوزه، من دلوقتي خلاص فيه حاجة جديدة مش هتعجبك للأسف، فأحسنلك تشوفلك واحدة غيري لأن خلاص مبقاش فيه حاجة تكسرني بيها."
ضغط بحذائه فوق قدمها بقوة مؤلمة، ضاحكًا بصخب واستمتاع لألمها الذي تحاول كتمه بداخلها، لكنه كان يبدو بوضوح فوق ملامح وجهها المتألمة. لم يمر ثوانٍ حتى وجدته يرفع يده إلى أعلى بقوة هاويًا بها فوق وجنتيها بقوة، مكررًا فعلته عدة مرات، حتى تخدرت وجنتيها من ضراوة وقسوة صفعاته، بدأت الدماء تسيل من أنفها وفمها تغرق وجهها.
لم ينتهي بالطبع الأمر هكذا، هو لن يصمت. جذبها من خصلات شعرها الذي قام بلفها فوق يده، يجبرها على النهوض أمامه، مغمغمًا بقسوة وغضب:
"دة أنتِ يوم أهلك اسود وهوريكي اللي عمرك ما شوفتيه، مش كفاية يا وسـ*ـة اللي عملتيه مع أمي، لأ واقفة تبجحي وتردي كمان، طب هتشوفي، أنا هربيكي وأعرفك هكسرك بإيه."
قذفها فوق الفراش بدون اهتمام وبدأ يخلع ثيابه عنه مقتربًا منها بابتسامة ماكرة شيطانية تعكس نواياه الخبيثة لما سيفعله بها الآن. تملك الرعب منها مجددًا وخارت قوتها المزيفة، فبدأت تبكي بضعف منتحبة، لاعنة حظها السيء وما يحدث لها. بدأت تزحف إلى الخلف فوق الفراش بخوف، لا تريد أن يقتلها هو بما سيفعله خاصة وهو في تلك الحالة.
أسرع يجذبها من قدمها، ثبتها وبدأ ينقض عليها ملتهمًا كل أنش في جسدها بقسوة، غير عابئ بوجعها وصراخها المرتفعة، بل كان يترك بصمته فوق جسدها من دون رحمة لألمها ووجعها. ابتعد عنها بعدما انتهى من فعلته المدمرة لها ولكل ما بداخلها، يرمقها بانتصار ضاحكًا بفخر لما فعله بها وبجسدها الذي شوهه كاملًا بعلاماته القذرة نسبةً لها.
تكرهه وتكره جسدها الممتلئ بعلاماته وبصماته، وتكره حياتها وروحها، تكره كل شيء في الحياة بشكل عام بسببه. هو سلب منها كل السعادة في الحياة. أردف بشماتة وانتصار:
"إيه لسة قد كلامك، فاكرة إنك خلاص مبقاش فيه اللي هيكسرك، دة عقاب بس يابيبي إنك مقومتيش وهتبدأي تشوفي نفسك واللي عملتيه في أمي الصبح، بقى أنتِ عاوزة تموتيها يا وسـ*ـة."
لم ترد عليه ولم يسعفها صوتها على فعل أي شيء سوى التأوه من ضراوة الألم الشاعرة به. جذبها مجددًا من شعرها لتنهض مرة أخرى، يقذفها أرضًا بسعادة وفخر. ثم غاب لبضع دقائق لم تهتم لأي شيء، بل احتضنت ذاتها وظلت على وضعها حتى عاد مجددًا.
رأته يمسك حاسوبه واضعًا به شريحة ذاكرة، مقتربًا منها ليجعلها ترى ما بها مبتسمًا، وأردف بفخر وسعادة:
"بصي كدة واتفرجي على اللي هيكسرك بجد، أنا نسيت أقولك إن حاططلك كاميرا في الحمام وفي كل حتة للأسف، بصي كدة الفيديوهات دي هتجيب فيوز عالية لو نزلت."
بدأت تشاهد ما معه، وجدت بالفعل فيديوهات لها وهي عارية تمامًا، كل فيديو يختلف عن الآخر. شعرت بنصل حاد يُغرز في قلبها، تطلب الرحمة من كل ما يحدث لها. لا تعلم ماذا فعلت في حياتها حتى تتلقى كل هذا العذاب النفسي والجسدي. حياتها عبارة عن عذاب وحزن، ألم ووجع، ضعف وانكسار. مُحيت السعادة والفرح من قاموس حياتها إلى الأبد، فحتى قد نسيت تمامًا كيف تبتسم؟ ولماذا؟ ومتى؟
بكت بشدة عندما شاهدت تلك الفيديوهات الذي يذلها بها الآن ليكسرها أسفله مجددًا، ورمقته باحتقار تمتمت مردفة بإزدراء وضيق:
"أنتَ حقير بجد حقير، أنا في حياتي كلها مشوفتش إنسان أحقر منك ولا هشوف، أنا واثقة من دة."
صفعها مجددًا بقوة، ضاحكًا بسعادة وفرح، ثم تحدث مردفًا ببرود ماكر يشبهه كثيرًا:
"لأ هو أنتِ عشان زبالة فمتستحقيش غير كدة، وأنا أعمل فيكي اللي يعجبني، أصورهم، أنشرهم، أقتلك، اللي يعجبني، أنتِ زيك زي أي جزمة عندي مش أكتر، أعمل ما بدالي فيها."
ردت بقوة وضيق شديد من تقليله لها الدائم:
"خلاص اقـ تلني أنا موافقة، أقتلني يلا."
ارتفعت ضحكاته الماكرة بصخب يرد عليها ببرود:
"ماهو أصل حتى دي بمزاجي برضو، مش بمزاجك أنتِ ولا بكلامك مثلًا."
تركها وبدأ يخفي حاسوبه من أمام عينيها بحذر تام، ثم سار متوجهًا نحو المرحاض، وهو يدندن بمرح وسعادة وصوت ضحكاته الماكرة ترتفع مخترقة أذنيها، مما دفعها لوضع يديها فوق أذنيها مانعة ذاتها من استماعها لصوته أو صوت ضحكاته. أصبحت تعلم جيدًا أن ذلك العذاب الذي تعيشه لن ينتهي مهما حدث وسيظل الألم مصاحبًا لها، فكل هذا الذي في حياتها لن ينتهي سوى بموته.
موته؟!! لما لا؟ لما لم تفكر في تلك الفكرة الذهبية من قبل؟ هل هي حمقاء؟ فتلك الفكرة ستنهي كل ما في حياتها من عذابه وألمه، ستنهي حزنها القادم معه وألمها الذي سيتضاعف؛ لذلك هذه هي الفكرة الذهبية حقًا..!
يتبع…
رواية لهيب الروح الفصل الرابع 4 - بقلم هدير دودو
وصل فاروق المنزل الخاص بشقيقه ليلًا. وجد مديحة بالفعل جالسة في انتظاره، والجمود يبدو فوق ملامح وجهها. قطب جبينه في تعجب ودهشة، لا يعلم ما الذي حدث لتجلس في انتظاره هكذا.
توجه جالسًا بجانبها بشموخ، غمغم متسائلًا بجدية وضيق:
"إيه اللي حاصل يا مديحة؟ إيه اللي خلاكي تجيبيني بليل كدة وقاعدة مستنياني كدة ليه؟"
مصمصت شفتيها بضيق هي الأخرى، وردت عليه بغضب ووحدة:
"يعني مش عارف يا فاروق؟ شوف المحروس ابنك عمل إيه، ولا مش عارف؟"
استمع إلى حديثها بدهشة، مضيق عينيه وأردف متسائلًا مرة أخرى بعدم فهم وتعجب:
"ابني!! قصدك جواد؟ ماله عمل إيه؟!"
تمتمت تخبره بتهكم ساخر وعدم رضا:
"أيوه يا أخويا، هو جواد، هو فيه غيره مثلًا. شوف الأستاذ اللي هيتجوز بنت..."
تكدت تتحدث وتواصل حديثها لتخبره عما فعله، لكنه قطعها صائحًا بغضب ووحدة:
"أنتِ أكيد مش مقعداني القعدة دي وجايباني بليل عشان تتكلمي عن جواد، وكل دة موداش بنتك الحفلة والهبل دة؟ تبقي اتجننتي فعلًا يا مديحة."
رفعت شفتها إلى الأعلى وردت عليه مردفة بجدية ومكر شيطاني:
"لأ يا فاروق، مش عشان كدة بس. الغندور ابنك ماله ومال رنيم؟ ابنك عينه منها، ولا تكونش مش عارف؟ تلاقيه هو والسنورة مراتك مخبيين عليك. أنا ملاحظة بقالي فترة وعارفا وساكتة، بس زودها أوي النهاردة. فاروق، جواد لـ أروى ومفيش غير كدة، أنتَ سامعني؟ غير كدة هقلب الدنيا كلها، وأنتَ عارف إني أعملها عادي وأقدر أوي كمان، مجرد ما أقول بـ..."
هدر باسمها بعنف وغضب يمنعها من مواصلة حديثها الذي ليس له داعي:
"مــديــحـــة.."
وقف بغضب شديد، شاعرًا بالدماء تغلي بداخل عروقه مما استمع إليه ومن تهديدها له أيضًا. غمغم متحدثًا بغضب صارم ولهجة مشددة:
"اعرفي أنتِ بتقولي إيه ولمين. أنا فاروق الهواري، محدش يقدر يقف قدامي. واللي يقف بدوسه مهما كان. مش أنتِ اللي هتهدديني خالص، أوعي عقلك يخونك بحاجة غير كدة. أما ابني، فأنا هعرف وأتصرف إذا كان الكلام الفارغ دة صح."
انكمشت على ذاتها بخوف من تحوله المباغت، لكنها حاولت ألا تظهر رهبتها منه، فتحدثت بتحدي ومكر:
"لأ مش هسكت يا فاروق. أنا مغلطتش بقولك إيه، ابنك هو اللي غلطان وباصص لحاجة مستحيلة من سابع المستحيلات كمان. وشوف جليلة مراتك، تلاقيها هي اللي مشجعاه. روح اتصرف معاهم هما، مش أنا."
هدر بها بعنف غاضب، وقد برزت عروقه والدماء تغلي بداخلهم مما يشعر به:
"خـلاص خـلاص يا مـديـحة، بقول مش عاوز أسمع كلمة كمان، أحسنلك."
شعر بالغضب مما يستمع إليه. نـعـم، هو الآن غاضب بضراوة. لم يرد عليها بكلمة أخرى، بل اتخذ الصمت سبيلًا معها. رامقًا إياها بنظرات مصوبة نحوها كالسهام الحادة تخترقها لتخرسها تمامًا.
هب واقفًا بشموخ يملؤه الغضب، وسار نحو الخارج بخطى واسعة غاضبة، ناهيًا لتلك الجلسة معها التي جعلته بتلك الحالة الشديدة الغضب.
لم تحزن وتنزعج من ذهابه إلى المنزل تلك المرة مثلما تنزعج دومًا عندما يذهب. بل تلك المرة ابتسمت بسعادة فرحة بفعلتها الخبيثة التي تشبهها، معبرة عن نواياها الحقيقية. فحديثها سيقلب منزل "فاروق الهواري" رأسًا على عقب. تعلمه جيدًا، لن يصمت بعدما استمع إلى كلماتها السامة كالأفعى.
❈-❈-❈
في مكان آخر لم يعلم أحد عنه شيئ، مكان شبه مهجور لا يوجد به أحد سوى عصام ومعه شخص آخر يقف أمامه بملامح حادة غاضبة، لم يعلمه أحد يدعى "محسن"، الذي هدر بغضب وصوت عالٍ:
"لأ بقولك إيه يا عصام، أنا عاوز فلوسي. مش أنا يا أخويا اللي يتضحك عليا من واحد زيك. دة أنتَ بريالة يلا، على كل واحدة وفيك الصفات الـ*ـ*ـة كلها. هات الفلوس يا عصام وبلاش أنا تعاديني."
ضرب الطاولة بقدمه بعنف، أحاط بها عن مكانها. وهب واقفًا قبالته بغضب، يرد عليه مغمغمًا بضيق:
"ولا أنا يا محسن هيتضحك عليا. وفلوس؟ قولت ملكش عندي حاجة في البت الأخيرة دي اللي أنتَ بتقول عليها دي. مرضيتش وأنتَ عارف، يبقى أجيبلك حقك على إيه وأنا مخدتش حاجة."
أسرع مقتربًا منه بغضب عارم أعماه، ماسكًا إياه من ياقة قميصه ولكمه بقوة غاضبة في وجهه، هادرًا به بلوعة وعصبية:
"لأ بقولك إيه، أنا عاوز فلوسي اللي دفعتها للناس عشان يجيبوها. أنتَ اللي طلعت أي كلام وخايب، معرفتش تتشطر عليها. هلم وسا*ـ*ـك أنا بقى، هات فلوسي يا عصام."
مرر لسانه على شفتيه الرفيعة مبتسمًا ببرود ليخفي وجعه، وأسرع يرد له اللكمة أقوى بغضب وتحدث يرد عليه بمكر منتصرًا:
"بقولك إيه، أنتَ مش هتقدر تعمل حاجة أصلًا وأنتَ عارف أنا مين. وفلوس ملكش عندي حاجة، وكل اللي بينا انتهى خلاص، خلصنا."
القاه بقوة وعنف إلى الخلف، أسقطه أرضًا. ثم أخذ يطالعه منتصرًا بشماتة. بينما الآخر نهض وظل يطالعه بمكر. هو ليس أبله حتى يصمت ويتنازل عن حقه. سيأخذ مصاريه رغمًا عنه، مقررًا فعل أي شيء ليسترد حقه.
❈-❈-❈
عاد فاروق إلى منزله، لكنه دلف بوجه غاضب مكهف وسار بخطوات واسعة متجهًا نحو غرفة جواد مباشرة من دون أن يتحدث مع أي أحد.
قطبت جليلة حاجبيها بدهشة، وقد تسرب القلق إلى قلبها من هيئة زوجها الغير مبشرة بالخير. وأسرعت تحاول أن تلحقه بخطوات شبه راكضة لتصل إليه، متمتمة باسمه بقلق وضعف:
"فاروق.. يا فاروق استنى، في إيه؟ أنتَ رايح فين كدة؟"
لم يرد عليها وكأنه لم تحدثه، بل ضرب باب غرفة جواد بقدمه بقوة يفتحه. فصرخت باندهاش تحاول توقفه، متمتمة بقلق:
"فاروق اهدي يا فاروق، هو في إيه؟ جواد نايم اهو قدامك، مالك؟"
رمقها بحدة وأعين غاضبة آخرستها تمامًا وجعلتها تبكي خوفًا مما سيفعله. تعلمه عندما يغضب لا يرى أمامه؛ لذلك فضلت الصمت حتى لا تثير غضبه ويزداد.
استيقظ جواد بعد ما فعله والده. فتح عينيه ونهض سريعًا عندما رأى والدته تبكي بصمت. أسرع مقتربًا منها متسائلًا بقلق:
"إيه دة يا ماما؟ في إيه مالك؟ أنتِ بتعيطي كدة ليه؟"
كان لم يفهم شيئًا مما يحدث حوله، فقد كان نائمًا. لكن قبل أن تتحدث والدته، كان فاروق قد تحدث هو بصرامة جاذبًا إياه من ذراعه ليقف أمامه وهدر به بعنف وغضب:
"بقولك إيه، سيبك من أمك دلوقتي وركز معايا. أنا سايبك براحتك، قولت تدخل شرطة ومش هتشتغل معايا، سيبتك وأنا محتاجلك. أروى بنت عمك عاوز أجوزهالك وأنت رافض برضو، بسيبك لكن أنـ.."
وقف أمامه بغضب هو الآخر وجذب ذراعه منه بعصبية، مغمغمًا بعدها بتهكم ساخرًا:
"آه قول كدة بقى، الحوار دة كله والدخلة دي عشان بنت أخوك. بقولك أنا أروى زي أختي ومش هشوفها غير كدة. وبعدين مالك زعلان إني دخلت شرطة، كاني متعلمتش خالص؟ وأن كان البعد بينا، فأنتَ اللي بعيد مش أنا. بس أنا مش عيل ولا بت قدامك هتغصبها على الجواز. أروى زيها زي سما."
رد عليه متسائلًا بنبرة مشددة حادة، رامقًا إياه بنظرات مشتعلة بالغضب المتواجد بداخله:
"ولما أروى زي أختك ومش عاوز تتغصب، رنيم بقى دي إيه؟ مالك ومال رنيم يا جواد؟"
ابتلع ريقه بتوتر، وعينيه أسرعت نحو والدته التي كانت خائفة بشدة تخشى رد فعل فاروق وسؤاله الذي بالطبع يتبعه العديد. لكنه اخفى توتره بمهارة، مدعي عدم الفهم، متخذًا الجدية والحزم سبيلان له في الرد على سؤال والده الماكر:
"رنيم.. مالها رنيم؟ هو إيه اللي أنتَ بتقوله دة وإيه مالي ومالها؟ هو أنا بشوفها أصلًا؟ أنتَ عاوز إيه دلوقتي عشان أنا مش فاضي وأنتَ بتتكلم في حاجة مش مهمة."
ضرب بيده بقوة فوق الخزانة التي كانت بجانبه، ممسكًا به من أطراف تيشيرته بغضب وهتف صائحًا بلهجة مشددة حازمة، والغضب قد أعماه:
"بقولك إيه، لم نفسك. أنا مش عيل قدامك عشان تضحك عليا. هسألك لأخر مرة، إيه بينك وبين البت دي؟ عينك منها ولا إيه؟"
ظل كما هو يقف أمامه من دون رد فعل، لكن عينيه تشتعل بغضب كالجمرات المشتعلة، يرمقه بنظرات حادة غاضبة. لكن جليلة لم تتحمل رؤية ذلك المشهد المؤلم لقلبها المقطع لأنياطه. أسرعت تتشبث في ذراع فاروق الممسك بابنها، متمتمة بخفوت ونبرة باكية حزينة:
"فـاروق خلاص سيبه، سيبه يا فاروق كفاية كدة. جواد معملش حاجة ولا بينه وبينها حاجة، دي متجوزة، أنتَ واعي للي بتقوله؟ كفاية بقى.."
تركه بعد ذلك ووجه بصره نحوها، رامقًا إياها بنظرات حادة غاضبة تخترق جسدها، وهدر بها بعنف:
"بلاش تستهبلي عليا يا جليلة. أنتِ عارفة كل حاجة بينه وبين البت الـ*ـ*ـة دي، فبلاش تعمليهم عليا. من امتى وأنتِ كدة؟ من امتى؟ ولا عشان تداري عليه."
التقطت أنفاسها بصوت مرتفع مجهد مما يحدث حولها بين ابنها وزوجها، تعلم أن كل ذلك سيعود على علاقتهما بالسلب وستزداد سوءًا. لكنها أسرعت ترد عليه بتوتر، لعلها تنجح في إنهاء تلك المشاجرة:
"يا فاروق مفيش حاجة، مين اللي قالك الكلام دة؟ مفيش حاجة صدقني. وهو بيقولك أنه مفيش حاجة، بعدين دة مبيروحش هناك أصلًا غير لما أنتَ بتصمم أنه يروح عشان أروى. هيبص لمرات ابن عمه اللي هو زي أخوه؟ أنتَ بتقول إيه بس."
لم يعط لحديثها أي أهمية وتعامل كأنه لم يستمع إلى ما تتفوه به. عاود بصره نحو جواد وغمغم متسائلًا بحدة حازمة:
"آخر مرة بسألك اهو، بينك إيه وبينها؟ هي و*ـ*ـة ومش معترضة، لكن أنتَ لأ يا جواد، تفضل فاهم أنها لأ. عينك اللي منها دي وعاوزاها تقفلها خالص، سامع اللي بقوله؟ البت الـ*ـ*ـة متنفعش عشان عصام أول حاجة، وتاني حاجة مش شبهك دي *ـ*ـ*ـة مش دي اللي تليق بـجواد الهواري."
انتفخت أوداجه غضبًا من حديثه عنها بتلك الطريقة المهينة، يسبها بألفاظ لا تليق بها من دون أن تفعل شيئ. هي ليست كما يقول عنها، بل هي شئ مختلف، كل ما بها يختلف عن الجميع. عينيها البنية، خصلات شعرها، ملامحها الجذابة الفريدة، وابتسامتها التي لم يراها سوى بضع مرات، لكنها كانت كافية على الإنهاء بقلبه تمامًا.
يعلم أن تفكيره بها خطأ، لكنه لن يستطع أن يمنع ذاته وعقله. عقله الذي عندما يود أن يفرح يتذكرها، وعندما يريد أن يأخذ راحة مما يحدث حوله يتذكرها. هي بالنسبة له كإكسير من السعادة، لكنه حُرم منها. سعادة بداخله ليس من حقه. والأسوأ أن والده هو السبب الرئيسي الذي جعله يُحرم منها عندما قام بزواج ابن عمه منها.
تنهد بحزن ووقف قبالته بغضب، يطالعه بعينيه الغاضبتين كالصقر. وغمغم بحدة جادة تمامًا ولهجة حازمة مشددة يملأها الغضب:
"أنا قولتلك أن مفيش بيني وبينها حاجة، أنتَ اللي عامل حوار على الفاضي وعمال تسأل أسئلة مش فاهم، أنتَ جايبها منين؟ وبعدين هي محترمة وأنتَ عارف كدة كويس، فبلاش تتكلم عليها عشان عندك سما أختي. لكن لو عليا أنا مفيش بيني وبينها حاجة ولا ببصلها، وأعتقد خلصنا كدة."
سار والده نحو الخارج بغضب، وأسرعت جليلة تلحق به مرة أخرى، متمتمة باسمه بخفوت محاولة أن تستوقفه:
"يا فاروق خلاص استنى، خلاص محصلش حاجة اهو، أنتَ عاوز إيه طيب؟"
وجدته متوجهًا نحو الباب الرئيسي للذهاب من دون أن يلتفت نحوها ولا يهتم لأي كلمة تتفوهها، فتمتمت متسائلة بدهشة متعجبة:
"إيه دة يا فاروق؟ أنتَ رايح فين؟ أنتَ لسة جاي؟!"
التفت نحوها بغضب عارم ورد مردفًا بقسوة والغضب يملؤه:
"رايح في داهية من وشه. خليكي أنتِ معاه، طبطبي عليه وبوظيه أكتر ما هو بايظ ومش نافع في حاجة."
تعلم أنه قاسٍ في التعامل مع جواد، لكنها لم تعتاد على قسوته عليها. دائمًا يحدثها بهدوء، لأول مرة يتعامل معها بتلك الطريقة القاسية الحادة، فتمتمت ترد عليه بحزن:
"بس ابنك مش فاشل يا فاروق ولا مش نافع زي ما بتقول. ابنك ناجح ومفيش حد زيه وناجح لوحده بعيد عن الكل، والكل عارف كدة. أنتَ الوحيد اللي مش راضي تقتنع بكدة."
رد عليها بحدة غاضبة، يوليها ظهره مستعدًا للذهاب:
"اهو عندك، خليهولك. أوعي يا جليلة، اعملي اللي يعجبك معاه."
تركها وسار نحو الخارج مبرطمًا بغضب شديد، بينما هي جلست فوق أقرب مقعد وجدته بتعب، تتمنى أن علاقة ابنها ووالده تتحسن بدلاً من أنها محطمة هكذا.
بعد بضع دقائق صعدت نحو غرفة جواد مرة أخرى، مقتربة منه وهو جالس فوق الفراش، تحدثت مردفة بحنان وهدوء:
"متزعلش يا جواد، هو تلاقيه متعصب أو حد لاحظ حاجة لما كنت هناك فقاله. متزعلش نفسك أنتَ وخلاص، موضوع واتقفل."
أومأ لها برأسه أمامًا، ممسكًا يدها التي كانت على كتفه، يقبلها بهدوء، وتمتم بخفوت:
"خلاص يا أمي، روحي بس وأنا هقوم أجهز وأمشي كدة كدة."
طبعت قبلة حانية فوق جبهتها بحنان قبل أن تذهب تاركة إياه، فظل هو جالسًا يفكر بعصبية فيما فعله والده. نهض متوجهًا نحو المرحاض وبدأ يعد ذاته للذهاب، مرتديًا قميصًا من اللون الأبيض وبنطال أسود اللون يتناسب مع هيئته.
وجد باب غرفته يدق، فهتف بهدوء سامحًا لمن يدق أن يدلف:
"ادخلي يا ماما."
لم تكن والدته تلك المرة، بل كانت سما شقيقته التي هتفت بمرح مبتسمة أمامه:
"إيه يا عم جواد، هو مفيش غير ماما خلاص ونسيت سما حبيبتك الغلبانة؟ بطلت تيجي تقعد معايا حتى."
اقترب يحتضنها بحنان، ورد عليها مردفًا بهدوء:
"لأ طبعًا، هو أنا أقدر؟ ياروح جواد أنتِ بس ياستي، الحوار كله في الشغل اللي خد وقت أخوكي خالص، بس هعوضك. أظبط الدنيا بس وهاخدك أعوضك بخروجة ما حصلتش."
ابتسمت بهدوء لحنانه عليها وتحدثت مردفة بسعادة:
"ماشي، أما نشوف يا جواد باشا، هتدلعني امتى؟ اديني مستنية اهو."
أومأ لها برأسه أمامًا، مغمغمًا يسألها بهدوء واهتمام:
"هتشوفي ياستي. المهم، أنتِ عاملة إيه؟"
ردت مجيبة عليه بمرح مبتسمة بهدوء على علاقتها مع شقيقها:
"ما أنا كويسة أهو قدامك وزي الفل كمان. شوية هبقى أروح بكرة عند مرات عمك وأقعد أنا وأروى شوية."
حاول أن يمنع ذاته من التساؤل، لكنه لم ينجح. عقله قد أبى وقلبه رفض الخضوع إليه تلك المرة، فاردف متسائلًا عنها باهتمام، ووميض من السعادة يلتمع داخل عينيه:
"أنتِ لما بتروحي هناك بتشوفي رنيم صح؟ قصدي يعني شوفيها عاملة إيه وكدة؟ دي لسة مسقطة وكانت زعلانة."
رمقته بدهشة من حديثه الغير منطقي المباغت وقطبت جبينها متعجبة. ثم تمتمت ترد عليه بذهول:
"لأ، هي على طول بتبقى في أوضتها فوق، لا عمري شفتها لما روحت، مش بتنزل حتى للأكل. بعدين هو في إيه؟ ماهو أكيد الكلام اللي قاله بابا مش صح. دي مرات عصام، هو آه جوازهم كان غلط، مكنش ينفع يتجوزها، بس هي مراته برضه."
تنهد بصوت عالٍ مسموع، وحاول أن يتحكم في ذاته ويرد عليها بحذر حتى لا تفهم حقيقة مشاعره:
"أنا بسأل عادي. واكيد كلام أبوكي مش صح. أنا لما روحت آخر مرة يا سما، كانت تعبانة وزعلانة عشان الحمل اللي سقط واعصابها بايظة خالص. فعشان كدة بسأل عادي. ما أنتِ بتروحي دايما هناك، لا عمري سألت ولا قولت حاجة. بس بقولك المرة دي من باب الذوق والأنسانية، مش كلام أبوكي خالص. أنتِ تعرفي عن أخوكي كدة."
كان يبرر لها حتى لا تفهم شيئًا من حقيقة مشاعره. يود أن يصرخ على الجميع ويخبرهم أنه يحبها، نعم يحبها وقلبه يهواها، ولم يرى غيرها. يحبها من قبل تتزوج من عصام. لم ينظر لزوجة ابن عمه كما قال والده. هو يحبها من قبل أن تتزوج ومن قبل أن يراها عصام. عصام هو مَن أخذ حبيبته وحبيبة قلبه وروحه. وفي النهاية يظنون أنه هو المخطئ وهي ليس من حقه.
ابتسمت سما واحتضنته مجددًا، ثم تحدثت بهدوء:
"خلاص ياعم جواد، ماشي. أنا هبقى أطلعلها وأشوفها وأتطمن عليها."
احتضنها ثم قبل جبهتها بحنان أخوي، متحدثًا بتعقل وجدية:
"ماشي، خلي بالك من نفسك ويلا عشان تلحقي ترجعي. وابقي شوفي ماما وأنتِ نازلة عشان كانت زعلانة شوية، أبوكي شد عليها المرة دي."
طمأنته عنها مبتسمة بهدوء:
"متخافش عليها، هي كويسة. لسة كانت قاعدة معايا بس طلعت تنام."
ربت فوق ظهرها بحنو ونهض متوجهًا نحو الخارج بخطوات واسعة، يخفي غضبه ومشاعره وكل شيئ بداخله ليظهر قناع الجدية والبرود كما يفعل دومًا.
بينما داخل غرفته كانت سما لازالت جالسة كما هي، تحدثت مردفة بينها وبين ذاتها بتوتر:
"واضح أن بابا معاه حق وشكل جواد فيه حاجة جواه لرنيم. بس دة كدة بابا مش هيسكت."
دعت ربها بفؤاد قلق متوتر، أن تتحسن علاقة والدها بشقيقها ولا تسوء عن ذلك. يكفي ما يحدث بينهما إلى الآن.
❈-❈-❈
كانت تبحث كالمجنونة التي فقدت عقلها. لما لا، فهي معه فقدت روحها وحياتها بأكملها. قلبها وعقلها، كل شيئ مميز بها قد نهاه هو بأفعاله معها. تُعامل كالدمية بين يديه، يفعل بها ما يشاء، يسحق روحها أسفل قدميه بلا رحمة منه أو من أي أحد في الحياة.
عندما تمردت مقررة أن تبتعد عنه وتنهي عذابها، استخدم أساليبه الماكرة المريضة ليجعلها تخضع أسفل قدمه مجددًا، متلذذًا لرؤية آلامها وعذابها، دموعها وصرخاتها، قهرها وضعفها.
يفرح كونه بفرض سيطرته على أحد. شعوره بالنقص من الجميع يملؤه عندما يعذبها بيده ويرى خوفها منه. الرعب الذي يجتاحها ما أن تستمع إلى خطواته مقتربة من الغرفة، خضوعها مذلولة أسفل قدميه. هو مريض بكل تأكيد، لكنه بدلاً من أن يعالجونه جلبوها ليفعل ما يريده بها مبتعدًا عنهم. هي لم تر شخصًا جيدًا في تلك العائلة. تلك العائلة كاللعنة. تكره اليوم الذي دلفت شركة الهواري للعمل بها، لأنه كان ذلك اليوم بداية اللعنة الحقيقية لحياتها التي تبدلت تمامًا.
لا أحد يعاملها برفق وحنو سواه هو فقط. هو مَن يتعامل معها مراعيًا أنها إنسانة لديها مشاعر وتشعر مثلها مثل الجميع. نعم، تقصده هو بعينه، جواد الهواري.
في أثناء بحثها داخل الغرفة التي تبدل حالها رأسًا على عقب، وليتها وجدت ما تريده في النهاية. جلست أرضًا باكية بقهر وضعف، واضعة يدها فوق صدغيها بتعب حقيقي، متمتمة بضيق وحزن:
"امال شايلها فين؟ إيه دة؟ هتجنن بجد."
كادت تنهض لتبحث مجددًا، لكن ولسوء حظها التعيس وجدت مَن يفتح باب الغرفة عليها. وجدته هو قد عاد. ارتبكت كثيرًا حيث أنها أسقطت ما كانت تمسكه بيدها من الخوف والأرتباك اللذان أصابنها لعودته ورؤيته لما تفعل.
كان استمع لآخر كلمات تمتمت بها قبل دلوفه الغرفة، فاقترب منها بخطوات غاضبة يجذبها نحوه، ضاغطًا فوق خصرها بقوة شديدة ألمتها جعلتها تتأوه بألم مغمضة عينيها. لكنه لم يهتم لأمرها، بل تحدث بهمس فحيح كالأفعى وأنفاسه الحارة تلفح عنقها:
"تؤتؤ يا رنيم، كدة هتضايقيني عليكي. مش هتلاقيها كدة كدة بس في عقاب عشان بتدوري في حاجتي يا ***."
شعرت أن أنفاسه كالنيران الملتهبة التي تحرقها. تكره اقترابه منها لكنها لم تستطع. ارتعشت بين يديه بخوف عندما وجدته يرفع يده عاليًا. أسرعت مغمضة عينيها تاركة ذاتها له لتنال عقابها كما يقول.
بالفعل، صفعة قوية هوت فوق وجنتها جعلتها تصرخ بألم، متمتة بخفوت وضعف شديد والدموع تسيل فوق وجنتيها:
"بـ… بلاش ضرب… بـلاش انهاردة يا عصام، كفاية والله ما هعمل حاجة بس.. بـ… بلاش ضرب."
ضحك بصخب وجاءها رده عليها بصفعة أقوى مما تلقتها جعلت الدماء تسيل من وجهها، تحدث بمكر:
"ماهو مش هينفع يا رنيم، أنتِ اتعودتي على كدة خلاص، ولازم اللي زيك يتضرب."
القاها أرضًا بقوة جعلت رأسها ترتطم بقوة. زحفت الى خلف عندما وجدته يقترب منها، لكنه أسرع يجذبها من ساقها يثبتها أرضًا وبدأ في ضربها تحت سماعه لصرخاتها المرتفعة بألم. كانت تحاول الفرار من أسفله لكنه كان محكم قبضته فوق شعرها، كاد يقتعله بين يديه.
بعد مرور بعض الوقت الذي مرّ عليها كالسنوات، كانت لازالت تبكي وهي ملقاه أرضًا بعدما تركها وذهب مرة أخرى.
زحفت أرضًا حتى دلفت إلى المرحاض تحت المياه لعلها تخفض من ألمها كعادتها اليومية على يده. أغمضت عينيها متخيلة صورته بكره شديد، مقررة أن تنفذ تلك الفكرة المتواجدة بداخلها لتثأر لذاتها وتأخذ حقها منه ومن تلك العائلة التي تذبحها كل يوم بلا شفقة أو رحمة من أي شخص هنا.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع…
داخل مكان مهجور يقف عصام معه تلك الفتاة التي كان يريدها من قبل. كانت مقيدة وملقاة فوق الفراش المتواجد في منتصف الغرفة المهجورة. اقترب منها ماسكًا بخصلاتها بهدوء وتمتم متحدثًا بخبث:
"كل دة عشان تيجي، بس في الأخر جبتك برضو، مش عصام الهواري اللي واحدة تقوله لأ. دة انا عاوزك من ساعة ما كنتي في الحفلة وشوفتك، فاكرة الحفلة."
ضغط فوق خصلاتها بقوة لكنها لم تصمت، بل رمقته بكره وتحدثت بقوة وتحدي:
"وأنت هتقدر عليا أصلًا؟ أنتَ شكلك مش عارف أنا مين، تمارا حسين الشافعي، واكيد عارف كويس عيلتي تقدر تعمل فيك إيه."
لم يهتم لحديثها، بل اقترب منها وبدأ يقبلها بقسوة عنوة عنها، يفعل بها أسوأ شيئ ممكن أن تتعرض له أي فتاة في حياتها. ارتفع صوت صراخها وبكاءها، لكن كان ذلك يرضيه، لم يزعجه. فهي قد تفوقت عليه من قبل، اليوم هو كسرها تمامًا. حاولت تبتعد عنه لكنه كان محكم قيدها، فاسرعت تضربه بقوة وجنون بقدمها أسفل بطنه.
ابتعد عنها متألمًا، شاعرًا بالغضب يجتاح كل ذرة منها، بدأ يسبها ويضربها بجنون:
"يا *** يا ***، محدش هيشيلك تحت ايدي، حتى عيلتك كلها مش هتقدر تعمل حاجة."
ظل يضربها بقوة وغضب شديد يعميه، لا يرى أي شيئ أمامه. لم يتوقف عما يفعله حتى عندما رآها تسيل في دماءها مما فعله بها ومغمضة عينيها. رآها كالجثة الهامدة أمامه بعدما كانت تعافر معه.
حاول أن يوقظها بشتى الطرق المختلفة، لكن بلا جدوى. من الواضح أنه قـ ـتلها. نعم، هي ماتت على يده. وقف لا يعلم ماذا يفعل. قام بالاتصال على بعض الرجال الذين يعملون معه بعدما تأكد من موتها.
وقف أمامهم بتوتر، متنهدًا بصوت مسموع، وتمتم بنبرة آمرة حادة:
"حالا الجثة دي تتشال من هنا ومش عاوز مخلوق يعرف حرف عن اللي حصل، ولا حتى فاروق بيه. واللي عاوزينه هتاخدوه، مفهوم."
شدد على كلمته الأخيرة بحدة، فهموا بجدية:
"تمام يا عصام بيه، محدش هيعرف حاجة."
اسرعوا نحو الفتاة وبدأوا يفكون القيود التي كانت حول يديها، وبدأوا بدفنها، يخفون جثتها بعملية ومهارة شديدة وكأنها ليست المرة الأولى لفعل ذلك الأمر.
❈-❈-❈
كانت رنيم واقفة في الحديقة الخاصة بالمنزل، لكن لفت انتباهها ذلك الأمر الهام حيث أنها رأت شخصًا ما لم تعلمه يدور حول المنزل، مستغلًا عدم وجود بعض الأمن الذي يقف دومًا أمام المنزل.
أسرعت تسير نحوه مقتربة منه وتحدثت متسائلة بحدة:
"أنتَ مين أنتَ، وعاوز إيه هنا؟ أنا شايفاك عمال تلف."
بدا الإرتباك فوق ذلك الشخص، لكنه تمتم بمكر يغمره، مبتسمًا لها بخبث شديد:
"أنتِ رنيم مرات عصام الهواري، أكيد؟"
كادت ترد عليه، لكنه ألقى نظرة سريعة عليها من أعلاها إلى أدناها، رأى حالتها ووجود بعض آثار الضرب فوق وجهها. فاسترد حديثه بشماتة ووحدة:
"آه مراته من غير ما تردي، ماهو باين عليكي اهو. بس كويس إنك شوفتيني. عاوزك تعرفيه بقى إني محسن، وجيت لغاية هنا، وإن حقي مش هسيبه. لو فيها موتي مش هسكت. تعرفي تقوليله كدة؟"
طالعته بدهشة من طريقة تحدثه معها، لكنها تمتمت متسائلة بعد أن لمعت فكرة ماكرة داخل عقلها:
"وأنتَ حق إيه اللي عاوزه عشان أوصله الكلام دة كله؟"
رد عليها متحدثًا بتبجح وغضب يعميه تمامًا:
"فلوسي… فلوسي اللي عاوز ياكلها عليا، بس أنا مش هسكت. قوليله كدة، مش أنا اللي هتاكل. دة أنا مستعد أقـ ـتله فيها وأروح في داهية ولا أني أسيب حقي."
وزعت عليه نظراتها من أعلاه إلى أدناه، مضيقة عينيها عليه مستنكرة طريقته بضراوة، مردفة بسخرية لاذعة:
"للدرجة دي؟!"
أومأ براسه أمامًا، ورد يجيبها بغضب حاد:
"آه وأكتر. مش أنا اللي هسيبهله حقي. لأ دي فلوسي. عرفي جوزك إني بتكلم جد وجد أوي كمان، وهو عارف أنا أقدر أعمل إيه كويس. دة أنا أروح فيه الـ*ـ*ـان."
اسرعت متحدثة بمكر والغضب يعميها هي الأخرى بعدما تأكدت من استعداده لتنفيذ ما تريده وكرهه لعصام حقًا. نيران الانتقام أعمتها عن الحق. ما يحدث لها على يد تلك العائلة جعلها تريد أن تفعل أي شيئ لتأخذ حقها وحق طفلها:
"واللي يديك فلوسك اللي عند جوزي واديك الضعف كمان."
رد عليها مسرعًا بلهفة وطمع:
"يبقى أعمله اللي عاوزه كله بس أخد الفلوس."
تحولت نبرته إلى أخرى متسائلة بعدم فهم:
"بس أنتِ إيه الغرض اللي عاوزاه عشان تدفعي مكان جوزك والضعف كمان؟ تعالى دوغري على طول."
أومأت برأسها أمامًا بكيد وكره شديد يغمرها ويملأ قلبها الذي قد تحطم تمامًا وتحول إلى أشد مراحل القسوة:
"آه خلينا دوغري، عاوزك تقـ ـتله."
طالعها بعدم فهم متسائلًا بنظراته الممتلئة بالخبث والشر يوزعهما عليها، فأسرعت توضح له مقصدها بقسوة والكره يملأ قلبها:
"أيوه، عاوزك تقـ ـتل جوزي عصام."
يتبع….
رواية لهيب الروح الفصل الخامس 5 - بقلم هدير دودو
وقف فاروق يدور حول عصام في أرجاء الغرفة بعصبية مفرطة بادية فوق قسمات وجهه المتشنج، تنعكس من عيناه الحادة الغاضبتين.
والآخر يقف أمامه كالمذنب بلا رد فعل منه.
باغته عندما أمسكه من أطراف قميصه، هتف صائحًا بعصبية حادة:
- أنتَ اتجننت… ماهو مفيش تفسير للقرف اللي عملتها غير أنك اتجننت.
شعر الآخر بالتوتر، لا يعلم بماذا يجيبه، لم يستطع الدفاع عن ذاته لذلك أخفض بصره أرضًا مغمغمًا بتلعثم وتوتر طغى عليه بشدة من رد فعل عمه الحاد الطباع:
- ي….يا عمي أنت بس مش فاهمني. البت دي كانت شايفة نفسها عليا، كانت فاكرة أنها هتقدر تهددني وتخوفني. حبيت أعرفها مين هو عصام الهواري واسم عيلة الهواري اللي مينزلش ابدا يا عمي.
بالطبع هو ليس أحمق ليصدق ذلك الحديث الغير مقنع له، لذلك صاح به بحدة غاضبة ولهجة مشددة صارمة:
- ولا اتعدل أحسنلك. الكدب دة مش عليا، دة أنت حتة عيل لا راح ولا جه. اسم عيلة مين اللي بتقوله؟ أنت هتستهبل؟ البت عجبتك وطلبت معاك وسا*ة وهي مرضيتش فازاي مترضاش، القرف بتاع امك اشتغل بقى وعملت عملتك دي.
هرب بعينيه أرضًا خائفًا مما سيفعل معه، نعم هو يخاف وبشدة، يكره خوفه وضعفه وكل ما به.
تحدث مردفًا بيفوت وضعف:
- ا…ايوة يا عمي ب…بس والله ما كنت عاوز يحصل كل دة. أنا اتجننت لما رفضتني، ازاي واحدة تقولي أنا لأ.
هوى بصفعة قوية فوق وجنته جعلته يصمت تمامًا من حديثه الثرثار الذي بلا أهمية مثله:
- تقوم قا’تلها يا زباله يا حيوان يا وس*؟ دي عيلتها مش هتسكت بجد هتفتح علينا أبواب كتير إحنا في غنى عنها بسبب قرفك دة. ما أنا جايبلك واحدة تطلع عليها عقدك وقرفك ومحدش هيعرف حاجة. رنيم اهي تحت رجلك لازم قرف برة.
أسرع محاولًا الدفاع عن ذاته حتى يحاول كسب عمه نحو صفه مرة أخرى، لذلك تحدث مغمغمًا بتوتر:
- والله يا عمي ما كان قصدي اقتـ ـتها، هي اللي مستحملتش اللي حصل وماتت لوحدها مش أنا السبب. ما رنيم بتستحمل عادي يا عمي.
شدد على أحرف حديثه بعصبية شديدة تملكت منه من حماقة اللي أمامه، يود أن يخلص عليه بيديه لينال الراحة من أفعاله ذات نتائج وخيمة، فقد كان الشرر يتطاير من عينيه الحادة والقسوة تبدو بوضوح فوق قسمات وجهه:
- يعني ايه ما’تت لوحدها يلا؟ يا غبي ياللي مبتفهمش في حاجة غير أنك بتتشطر عليهم هما بس. عقلك دة فاضي مفيهوش غير مصايب.
ضربه بقوة حادة فوق رأسه، وأردف متحدثًا بوعيد وتهديد شديد:
- بص يلا وكتاب الله أن ما اتعدلت ولميت قرفك لأكون واخد رنيم دافنها بإيدي وابقى شوف عقدك دي هتطلعها على مين، وأنت عارفني لما أحلف بكون جد في اللي بقوله.
حرك رأسه نافيًا بذعر وخشية من تلك الفكرة الماكرة التي تفوه بها عمه، والذي على علم أنه من الممكن أن يقوم بتنفيذها، لذلك تمتم بخوف اعتراه:
- ل.. لا لأ خلاص يا عمي مش هعملها تاني بـ… بس سيبلي رنيم.
ظل يتفحصه الآخر بعينيه الحادة المصوبة نحوه وغمغم متحدثًا بخشونة والقسوة بادية عليه:
- هسيبهالك البت دي اشبع بيها بس يكون في علمك قسما بالله لو حد من عيلة الشافعي عرف حاجة أو هيعمل حاجة أنا مش هتدخل المرة دي. لأمتى هلم وراك؟ تبقى روح لأمك تلمها هي، أنا المرة دي برة عن الحوار دة كله.
وقف كما هو ينظر بعينيه أرضًا بعجز، متمتمًا بنبرة متوترة:
- مـ… ماشي يا عمي.
سار نحو الخارج تاركًا الغرفة بأكملها ملتقطًا أنفاسه بصعداء وكأن لم يوجد هواء في الداخل.
هو في الحقيقة لم يحب رنيم ولا تعنيه في شيء، هي فقط مجرد شيء ليس له قيمة اعتاد فقط على وجودها في حياته، اعتاد على ممارسة قوته عليها، صمتها التام واستسلامها له، خضوعها لأفعاله، اعتاد على خوفها من أفعاله المختلة، ورهبتها منه.
***
جلست رنيم في غرفتها تفكر في خطوتها التي قررت أن تفعلها بمساعدة ذلك الشخص الذي لم تعلمه حتى، لكنها كما يقال أصبح لم يهمها الأمر، لا تعلم لماذا تعيش حتى الآن؟! هي ذات حظ تعيس، شيء لم تر مثله عند أحد ولم تتمناه لأحد. الحل الصحيح هو قتله كما بدأت تفعل.
عادت بذاكرتها متذكرة بقية حديثها مع محسن الذي وعدها بتنفيذ ما طلبها منه مقابل حصوله على المال.
تحدثت توضح له مقصدها بقسوة والشر يلتمع داخل عينيها:
- إيه اللي مش مفهوم، أيوه عاوزك تقـ تل جوزي عصام.
طالعها بعدم تصديق لطلبها التي تتفوهه ببرود وكأنها طالبة منه أمر مألوف، حك ذقنه بتفكير وتمعن، وأسرع يرد عليها ببعض من السخرية:
- لأ هو مش حوار مش مفهوم بس أنتِ فاهمة أنتِ بتطلبي إيه مني؟
أومأت برأسها أمامًا، وأردفت متمتمة ببرود وحدة:
- أيوه عارفة وفاهمة بطلب إيه، بعدين ما أنتَ كنت مستعد تقـ تله وتدخل فيه اللومان بس تاخد فلوسك. أنا بقى بقولك اعمل كدة وهديك الضعف كمان مرتين تلاتة يبقى تقـ تله ولا لأ؟
وزع نظراته عليها بتمعن وتفكير شديد والطمع بادي بوضوح من عينيه لذلك أردف مغمغمًا بطمع رائد:
- اقـ تله وماله… اعتبري عصام الهواري مات، بس كدة الحسبة والفلوس هتختلف. دة أنتِ هتبقى أرملة عصام الهواري، يعني هتطولي كتير وكتير أوي، فأنا لازم اطول من الحب جانب برضو زي ما بيقولوا.
رمقته بازدراء ونظرات محتقرة مقللة منه، وتحدثت مردفة بضيق وحدة:
- أيوه يعني قول من الآخر كدة عاوز كم عشان نبقى متفقين؟
رد مجيبًا إياها بطمع والجشع ملتمع داخل عينيه:
- اتنين مليون واعتبري عصام بيتدفن اهو كمان وتقريله الفاتحة.
غمغمت بكره ضاري وعينيها تلتمع بالشر مذكرة ذاتها بكم الأذى والوجع التي تعرضت لهما على يد ذلك المختل المريض:
- دة ميتقريلوش فاتحة خالص، دة يستاهل القتل مية مرة.
وزع نظراته عليها بتمعن شديد، ثم تحدث مردفًا بمكر:
- إيه كل الكره دة؟ هو الصراحة أنتِ ليكي حق في اللي بيعمله فيكي أنتِ بالذات. ابقي غني على روحه لما اقـ تله، بس أنتِ مش خايفة أني اقوله عليكي وعلى اللي عاوزاه.
ضحكت ببرود شديد، وتمتمت بجمود ولا مبالاه:
- لأ مش خايفة وآخر همي أني أخاف انك تقوله، أنا معنديش حاجة اخاف عليها دلوقتي. استنى مني اتصال ابلغك عشان تنفذ اتفاقنا وتاخد فلوسك.
ابتسامة زينت ثغره لتلك الفرصة الذهبية التي آتت إليه، ورد عليها مردفًا بجدية:
- بس كدة حاضر هبلغك بكل حاجة قبل ما اعملها.
فاقت من شرودها على صوت باب غرفتها الذي دق للتو، قطبت جبينها مستنكرة فلم يوجد أحد في ذلك المنزل الملعون يدق الباب قبل أن يدلف إليها.
همهمت بهدوء:
- اتفضل ادخل.
وجدت سما شقيقة جواد هي مَن تفتح الباب مبتسمة بهدوء وهتفت بمرح:
- ازيك يا رورو عاملة إيه يا حبيبتي؟
حمدت ربها كثيرًا أنها كانت مرتدية فستان طويل يصل إلى كاحليها ذو أكمام واسعة يغطيها بالكامل، مغطي جروح جسدها التي تملأه.
ابتسمت في وجهها هي الأخرى، وتمتمت مجيبة إياها بخفوت:
- الحمدلله كويسة، أنتِ اللي عاملة إيه؟
اقتربت جالسة بجانبها محتضنة إياها بحب وتمتمت بهدوء ومرح:
- أنا كويسة وزي الفل، مش بشوفك قاعدة تحت كل ما اجي فقولت اطلع اشوفك ياستي.
طالعتها بتوتر لم تعتاد على التحدث معها، لكنها تمتمت بهدوء وتعقل:
- لأ عادي مش بحب انزل تحت كتير كويس إنك طلعتي.
أكملت حديثها متسائلة باهتمام محاولة في إخفائه مدعية الجدية:
- وطنط جليلة عاملة إيه وجواد عامل ايه مجوش ليه معاكي؟
لم تفهم حقيقة سؤالها تود التأكد من حديث والدها، هل هي لديها مشاعر لجواد شقيقها أم سؤالها طبيعي ليس له علاقة؟! توقفت عن التفكير لتستطيع ترد عليها، غمغمت بهدوء مبتسمة:
- الحمدلله كويسين بس أنتِ عارفة ماما مش بتقدر تيجي كتير وجواد شغله بقى واخده مننا خالص.
واصلت حديثها مرة أخرى متسائلة بتبصر:
- أنتِ والدك ووالدتك عاملين إيه؟
شحب وجهها بضراوة وبدا الحزن عليها، لم تفهم سما ما الذي حدث لها فجأة، فغمغمت بتوتر وابتسامة باهتة:
- أنا آسفة متزعليش لو ضايقتك كنت بسأل عادي.
حركت رأسها نافية وابتسمت بشحوب وتوتر قبل أن تجيبها بحزن مدفون داخل قلبها:
- لـ.. لأ وعادي أنا كويسة مفيش حاجة.
ظلت رنيم تواصل حديثها معها بمرح، شاعرة بالارتياح للحديث معها، منذُ زمن ولم يدلف الارتياح قلبها، دومًا قلبها يشعر بالرعب والخوف، قلبها ينقبض داخل صدرها مستمعة لدقاته الخائفة المرعوبة مما يحدث لها.
***
بعد مرور أسبوع…
كان الجميع مجتمع في منزل فاروق الهواري.
نهض فاروق مقتربًا من جليلة زوجته، وتحدث من بين أسنانه مغمغمًا بعصبية حادة محاولًا اخفاءها وكأن بداخله بركان مشتعل من الغضب:
- بقولك إيه شوفي اتصلي ابنك فين، والله ما هعديله عمايله دي.
ابتسمت بتوتر ابتسامة شاحبة حتى لا يلاحظ أحد من الجالسين عليها شيء، وتمتمت بخفوت وتوتر في محاولة لتهدئته:
- ا… اهدى يا فاروق عشان خاطري، براحة اتعامل براحة بس، هتصل اشوفه تلاقيه بس عنده شغل، ما أنتَ عارف طبيعة شغله.
طالعها بضراوة وعينيه مثبتة عليها بغضب عارم بسبب أفعال ابنه الذي يظن أنه يفتعلها عن عمد، غمغم بضيق وعبس:
- اخلصي طيب يا جليلة قومي كلميه وخليه يجي حالًا اتأخر اوي.
أومأت برأسها أمامًا، ونهضت متمتمة بخفوت وقلق:
- حـ…حاضر حاضر هشوفه اهو.
ابتعدت عن الجميع حتى لا يستمع أحد إلي حديثها مع ابنها وقامت بالإتصال عليه، تمتمت متسائلة بخفوت وتوتر:
- الو يا جواد، أنتَ فين يا حبيبي واتأخرت ليه كدة مش قولتلك تعالي بدري ومأكدة عليك الصبح قبل ما تمشي عشان ابوك انهاردة عازم مرات عمك وأروى وعصام ومراته.
أغمض عينيه ضاغطًا فوقهما بضراوة شاعرًا بانفطار قلبه بحزن ويشقه نصفين، رد عليها بوجع مؤلم:
- مش هقدر يا أمي، جواد المرة دي مش قادر بجد، قلبي فيه وجع هيزيد وهيغلي لما اشوفها معاه، أنتِ اكتر واحدة عارفة اللي جوايا.
صمتت لبرهة لا تجد حديث ترد به عليه، شاعرة بحزن يملأ قلبها لعلمها بألم ابنها وعدم قدرتها على فعل شيء لأجله، تنهدت بصوت مسموع قبل أن ترد عليه مغمغمة بنبرة مترجية ضعيفة:
- طب عشان خاطري…عشان خاطري يا جواد والله يا حبيبي أنتَ عارف لو مجيتش أبوك هيعمل إيه، هو عاوز يلم الكل فبلاش عشان خاطري تبعد، دة حتى هو اللي أصر على عصام يجيب مراته ما أنتَ عارف أنها مش بتيجي، تعالى يلا يا حبيبي كلنا مستنيينك.
حمحم عدة مرات بضيق، وتنهد مردفًا بعدم رضا وتذمر:
- طب بقولك إيه ما تقوليله أن أنا في مأمورية ومش هعرف اجي غير الصبح أحسن من دة كله.
تحدثت متوسلة بضعف محاولة التأثر عليه:
- مش هينفع يا جواد والله ما هينفع المرة دي لازم تيجي دة مأكد عليا من امبارح أني أقولك وأنا قولتله الصبح أنك فاضي وجاي.
التقط أنفاسه بصوت مسموع شاعرًا باليأس لفشل محاولة هروبه من تلك المقابلة التي ترهق قلبه وتضعفه بشدة، وأردف بضيق ونفاذ صبر:
- حاضر يا امي حاضر عرفيه إني جاي مسافة السكة وهكون عندك مش هتأخر.
أغلقت معه الهاتف وسارت نحو الداخل أخبرت فاروق بهدوء:
- كلمته يا فاروق وهو جاي دلوقتي أهو في الطريق.
أومأ برأسه أمامًا من دون أن يعقب على حديثها.
بعد مرور القليل من الوقت ولج جواد المنزل بثقة وخطوات واسعة واضعًا قناع الجدية والبرود أمام الجميع.
وجه بصره نحو مديحة _زوجة عمه_ وغمغم متسائلًا بجدية تامة وتعقل:
- ازيك يا مرات عمي عاملة إيه؟
وزعت بصرها عليه من أعلاه إلى أدناه بعدم رضا لجديته وطريقته الحادة معهم، لكنها ردت عليه بهدوء:
- الحمدلله يا حبيبي كويسة، يارب أنتَ تكون كويسة.
أومأ برأسه أمامًا، وهمهم ببرود من دون اهتمام:
- كـويـس الحمدلله.
جلس معهم في صمت تام يتناولون الطعام، كان يختلس بصره من حين إلى آخر لرؤيتها وهي تتناول طعامها بشرود وذهن مشتت.
فاق من تفكيره بها على صوت والده الذي حمحم بجدية ورزانة:
- في حاجة مهمة بقى لازم تتقال رسمي عشان نفرح كلنا.
علم جواد مقصد والده من ذلك الحديث، شاعرًا بالغضب الشديد يجتاحه إذا كان ما يظنه صحيحًا، بالفعل انتبه له الجميع ليعلم ماذا يريد؟!
أكمل حديثه مبتسمًا بسعادة:
- خطوبة جواد ابني على أروى بنت اخويا وبنتي حبيبتي الشهر الجاي، جواد جه وحدد المعاد ناقص رأي عروستنا القمر بس.
أسرعت أروى ترد بلهفة وبدت معالم الفرحة عليها:
- اكيد طبعا يا عمي موافقة.
صمتت بعد ذلك مدعية الخجل، لكن عينيها كانت على رنيم تطالعها بدقة والانتصار ملتمع في عينيها.
اتسعت بسمة مديحة سعادة تفوق وصفها، بينما جليلة كانت على عكسها تمامًا فقد هوى قلبها داخل صدرها بخوف، قلقة لما يفعله زوجها من دون العودة إليها، قلقة مما سيحدث بين جواد وزوجها.
وها قد بدأ الجميع بالمباركة لبعضهم.
شحب وجه رنيم بحزن، أسرعت في إخفائه حتى لا ينتبه إليها أحد، معنفة ذاتها بقوة ضارية لإخفاء ضعفها وحقيقة مشاعرها، متمسكة بقوة بدموعها تحبسها داخل عينيها حتى لا ينتبه إليها أحد، قلبها يعتصر ألمًا وحزنًا بداخل صدرها، تود الذهاب مسرعة والهروب من ذلك المكان متمنية عدم مجيئها اليوم.
استمعت إلى صوت أروى الشامت بها بسعادة:
- إيه يا رنيم يا حبيبتي مش هتباركيلي أنا وجواد مش سامعالك صوت يعني.
ابتسمت ابتسامة شاحبة من بين حزنها الطاغي عليها، وغمغمت بخفوت:
- لـ… لأ طـ… طبعًا، اكيد هباركلك مبروك يا أروى، مبروك يا جواد باشا عـقـ.. عقبال الفرح.
أغمض عينيه ضاغطًا فوقهما بضراوة غاضبة، يود أن يصرخ على الجميع وينهي تلك الفقرة الشبيهة بالمهزلة التي تحدث الآن، هو لن يصمت والأمر لن يمر بسلام بل فقط ينتظر ذهاب الجميع ليفهم لما فعل ذلك بوالده من دون العودة إليه في ذلك الأمر الهام الذي يخصه وحده!؟
وجه فاروق بصره نحو ابنه متجاهلًا نظراته المصوبة نحوه كالسهام الحادة المشتعلة بغضب، وغمغم بتعقل وهدوء:
- إيه يا جواد يلا خد خطيبتك وقوم اقعدوا برة مع بعض لوحدكم.
ازدادت نظراته حدة وغضب، يود أن يقف ناهي لتلك المهزلة التي تحدث حوله، لكنه سينتظر فقط ذهاب الجميع.
ظل كما هو لم يتحدث ولم يتحرك من مكانه، لكنه وجد والده يعيدها عليه مرة أخرى كما أنه يفعل شيء طبيعي مألوف:
- يلا يا جواد قوم خد أروى واقعدوا برة.
نهض من مكانه بشموخ وعصبية يخفيها عن الجميع بمهارة وسار للخارج بخطى واسعة من دون أن يلتفت نحو أروى، لكنها أسرعت خلفه تسير بخطوات شبه راكضة حتى تلحق به جالسة بجانبه بهدوء مدعية الخجل والحياء اللذان ينقصانها.
بعد مرور بعض الوقت الذي مر عليهما بصمت تام، جواد منشغل في العبث بهاتفه ببرود تام متجاهل وجودها بجانبه تمامًا.
شعرت بالغيظ الشديد من فرط تجاهله لها، لذا حمحمت عدة مرات بخفوت وتمتمت متسائلة بملل:
- إيه يا جواد، مش مركز معايا يعني هو في حاجة شغلاك ولا إيه؟
تطلع نحوها باقتضاب وضيق يبديان بوضوح فوق ملامحه، ورد مجيبًا ببرود وكذب:
- لأ ابدا شوية حاجات في الشغل بفكر فيها مش أكتر.
تعلم أنه كاذب يخدعها بالطبع لكنها ابتسمت باصطناع وتمتمت بهدوء وخجل:
- ا… أه الصراحة ليك حق يا جواد أنتَ الشغلانة بتاعتك صعبة أوي يا حبيبي.
طالعها باستنكار رافعًا حاجبه إلى أعلى، وتحدث مغمغمًا بتهكم ساخرًا:
- حبيبك!! إيه حبيبك دة؟!
أكمل حديثه ببرود دون مهلها فرصة للحديث:
- لأ هو عشان شغلانتي صعبة مليش في الدلع دة، أنا الظابط جواد مليش في الجو بتاع حبيبي والدلع دة يا أروى.
شحب وجهها بغيظ شديد مبتلعة سبها له في جوفها بغضب عارم، تحدثت مردفة بضيق:
- معلش يا جواد بس مكنتش اعرف أن ملكش في الدلع وكدة، قولت اتكلم بدل ما أنتَ ساكت كدة.
رد عليها باقتضاب وضيق من دون النظر إليها بل كان مستمر في عبثه بالهاتف متجاهل وجودها معه:
- وأنتِ عاوزاني اتكلم في إيه؟
سبته بداخلها سرًا العديد من المرات ودت أن تنهض ذاهبة تاركة إياه، لكنها عليها التشبت في تلك الفرصة الذهبية التي أُتيحت لها، فاقتربت ممسكة بكفه بهدوء، وتمتمت متسائلة بدلال مصطنع:
- كلمني عن شغلك، عنك مثلا بتحب إيه وتكره إيه كدة يا جواد.
جذب كفه من بين يديها، وسار مبتعدًا عنها بعدة خطوات إلى الخلف، وغمغم بجدية حادة:
- شغلي كويس وأنا كويس أوي يا أروى.
أكمل حديثه متسائلا بحدة وعينيه تطالعها بنظرات غاضبة مشتعلة:
- هو أنا يا أروى كنت بقول دايمًا أنك زي مين؟
شحب وجهها عالمة جيدًا مقصد حديثه، لكنها طالعته متسائلة بعينيها وتمتمت مدعية عدم الفهم:
- لأ مش فاهمة قصدك، تقصد إيه يا جواد؟
ابتسم ساخرًا مأومأ برأسه أمامًا عالم بكذبها عليه، لكنه رد عليها بتبجح وعصبية:
- أنتِ نسيتي لما كنت بقول أنك زي سما اختي ولا إيه يا أروى؟
شحب وجهها بضراوة شاعرة بالإحراج الشديد من طريقته معها، فأردفت متسائلة بغضب وصوت مرتفع بعض الشيء:
- جواد أنا مش فاهمة قصدك أنت عاوز أيه دلوقتي؟ عمي قايل أنك أنتَ اللي عاوز تتجوزني إيه لازمة اللي بتقوله دة بقى؟
زجرها بحدة وعنف ضاغطًا فوق كل حرف يتفوهه، بعد أن طالعها بنظراته الحادة المصوبة نحوها بعصبية كالسهام الحادة:
- لأ بقولك إيه أعرفي أنتِ بتتكلمي مع مين كويس أوي، أنتِ قدام جواد الهواري صوتك يوطى وتتكلمي عدل، بقول ندخل نشوف في إيه جوة بقالنا كتير.
مد يده أمامًا مشيرًا بالتحرك وسار خلفها ببرود تام.
لم يستطع منع ذاته من النظر نحوها، ينظر إليها بنظرات ولا أروع، نظرات عاشقة متيمة بها، عنف ذاته على فعلته التي ستجعل الجميع ينتبه إليه، شاعرًا بقلبه شبيه للشمعة المضيئة التي تحترق بنيران ملتهبة تحرق قلبه وروحه وكل ما به.
غمغم عصام بجدية تامة وبعينيه نظرات غير مفهومة:
- عمي تعالى جوة عاوزك في شغل مهم.
نهض فاروق معه نحو غرفة مكتبه الخاص وطالعته متسائلًا بعدم فهم وحدة:
- إيه يا عصام في إيه، وإيه الشغل المهم اللي عاوزني فيه.
وجه نحوه هاتفه بيدين مرتعشتين ومعالم الخوف بادية فوق وجهه، تحدث متمتمًا برعب وعدم انتظام:
- بـ… بص كدة… يـ… يا عمي اتبعتلي إيه.
مسك الهاتف وظل يقرأ ما به عدة مرات يود التأكد من صحة ما يقرأه، ثم صاح بعصبية وحدة ممسكًا به من ياقة قميصه بغضب:
- ولا بقولك إيه أنا مليش فيه والحوار دة أنا برة عنه، امشي أنتَ بقى وابقى خد اللي تاخده لكن أنا تنساني المرة دي.
طالعه بضعف شديد والخوف مسيطر عليه، وغمغم بضعف وقلق:
- يـ… يعني اعمل إيه يا عمي، اللي هتـ… هتقوله هعمله.
ضيق عينيه مفكرًا بتركيز ودقة، ثم هتف بجدية ولهجة حازمة مشددة:
- أنت تروح في المكان بتاعك دة وكدة كدة محدش عارفه اقعدلك فترة ارتاح فيها وهدي أعصابك وكل حاجة هتبقي تمام.
أومأ برأسه أمامًا بجدية بينما فاروق سار نحو الخارج بشموخ تارك إياه خلفه لا والرعب والقلق يسيطران عليه.
بعد انتهاء جلستهم جميعهم الذي كانت ثقيلة على قلب جواد منتظر نهايتها بنفاذ صبر ليفهم ما حدث؟! نهضوا مستعدين للذهاب اقترب فاروق من مديحة هامسًا لها بجدية متخللها بعض الهدوء:
- أهو يا مديحة عملت اللي أنتِ عاوزاه وهتموتي عليه بس كنت مستني الوقت اللي يعجبني مش اكتر البركة في بنتك بقى تخليه يحبها.
ابتسمت بسعادة لتحقيق ما كانت تريده وتسعى إليه متحدثة بفخر شديد:
- ماشي يا فاروق اختار براحتك، بس أنتَ كمان عارف أن اروى بنتي مفيش زيها ومحدش هيبقى احسن منها لجواد عشتن دي أروى الهواري أنت عارف دة كويس أوي.
لم ينكر صحة حديثها، لذلك أومأ برأسه صوب الأمام وسار معهم نحو الخارج وتحدث لزوجته بجدية وحزن:
- أنا هروح أوصلهم مش هينفع يمشوا كدو لوحدهم.
أومأت رأسها أمامًا وردت عليه بقلق شاعرة بالخوف يقبض فوق قلبها مما ينتظر عائلتها بعد فعلة فاروق المباغتة للجميع:
- مـ… ماشي يا فاروق بس متطولش.
سار الجميع بالفعل بصحبة فاروق الراضي تمامًا لما فعله اليوم بدون الشك، شاعرًا أن ذلك الأفضل له ولولده الذي يرى أنه لم يقف معه يومًا في أي شيء يحتاجه، هو دومًا يتعامل بشخصيته المختلفة عنه تمامًا لم يتذكر مرة واحدة اتفقا فيها سويًا.
***
صاحت جليلة متمتمة بـ اسم ابنها محاولة تستوقفه شاعرة بقلق عليه:
- جواد… جواد استنى… استنى هيجي ابوك وهنفهم منه كل حاجة ونعرف ليه عمل كدة.
ولع سيجارة اخرى يشربها بعصبية محاولًا كبت عصبيته حتى يعود والده بالفعل لكنه لم يستطع فبداخله نيران قادرة على حرق الأخضر واليابس بأكملهم، تطلع نحو والدته بغضب ضاري وتمتم بضيق ضاغطًا فوق اسنانه محاولًا التحكم في ذاته:
- هستنى يا أمي هستني غصب عن عيني مش بمزاحي أصلًا، هستنى عشان هو كل مرة بيعمل اللي عاوزه وعمره ما رجعلي بس مش في دي، دي بالذات كان لازم يرجعلي فيها.
لم تجد الرد المناسب لترد به عليه وعلى حديثه التي ترى جزء كبير منه صحيحًا، طالعته بحزن كبير ودموعها هبطت فوق وجنتيها مما يحدث بينهما فتلك ليست علاقة أب بأبنه او ابن بوالده، ما بينهما ليس هو إلا علاقة مضادة تفسد جميع المشاعر الصحيحة المتواجدة بينهما.
استوقفته مرة أخرى متسائلة بخوف مضطرب:
- طب استنى، أنتَ رايح فين دلوقتي كدة؟
أجابها بضيق ووجع متملك من كل أنش في قلبه المحترق الآلم:
- هروح الشغل لغاية ما يرجع هطلع غلبي وهمي فيه من اللي بيعمله فيا كل مرة.
طالعها بغيظ وغضب وقد تحولت عينيه بغضب أكبر متمتمًا بحدة ولهجة مشددة:
- بس المرة دي مش هتعدي يا أمي مش هتعدي لأنها مينفعش تعدي، أنا مش عيل صغير عشان يعمل فيا كدة.
أغمض عينيه بوجع وقهر، ثم أكمل بسخرية لاذعة يتخللها الأسي والكمد:
- دة حتى البنات دلوقتي بيتاخد رأيها قبل ما تتجوز وبيبقى ليها حق الرفض.
سار من أمامها بخطوات واسعة سريعة يريد الفرار من ذلك المنزل سيذهب إلى مكتبه في القسم يخرج حزنه وضيقه في عمله الشئ الوحيد المحبب إليه والأهم أنه استطاع الحصول إليه أمام معوقات والده القاسية عليه.
***
خرجت رنيم من المرحاض مرتدية قميص بيتي من اللون الأسود وجلست بوجه مكمهر صامتة تنتظر ما سيفعله بها ذلك المختل.
خرج من الشرفة الخاصة بالغرفة وظل يطالعها بتبجح يرمقها بنظراته الوقحة التي تشعر أنها تخترقها متمنية التخفي من أمامه مسرعة ليتها تتمنى فعلها ستفعلها بلا تردد.
ظل مثبت عينيه عليها بوقاحة جعلها تشعر بالتوتر والتقزز منه ومن هيئته، ثم أردف بشهوة وتبجح:
- تعالي يلا.
طالعته بضيق شاعرة بالإختناق مما يحدث لها على يده، وتسائلت مدعية عدم الفهم:
- هو إيه اللي تعالي؟ اجي فين؟
ضحك ساخرًا مقتربًا منها بحدة ضغط فوق ذراعها بقوة شاعرة بقبضته كالقبضة الحديدية فتأوهت متألمة لكنه لم يبالي بل هتف بحدة غاضبة:
- أنتِ هتستهبلي عليا يا *** أنتِ فاهمة كويس أنا عاوز منك إيه.
حاولت تجذب ذراعها من بين قبضته بألم لكنها فشلت، فتمتمت بعناد وبرود:
- أه عارفة اللي أنت عاوزه وأنا بقى مش عاوزة تعبانة، أنتَ ايه مش بترحم بجد.
أومأ رأسه بصفاقة وبرود شديد، وأردف مغمغمًا بلا مبالاه:
- اه مش برحم وعمري ما هرحم واحدة زيك، وأخلصي بقى لو عاوزة تعدي ليلتك من غير ما ايدي تعلم عليكي وعلى جسمك اللي بقى متشوه كله.
لأول مرة تستمع إلى كلمة منه وتؤثر بها، لكنه محق هي حقًا أصبحت مشوهة بسببه وبسبب علاماته، علامات ضربه، واقترابه التي دومًا يتركها عليها، تشوشت عينيها من الدموع، شاعرة بوجع وانكسار شديد في قلبها، حاولت أن تدعي اللامبالاه والبرود وأردفت بخفوت وقهر:
- التشوهات دي بسببك يا عصام واوعى بقى عشان أنا مش عاوزاك، مش عاوزاك تقربلي كفاية كدة وابعد عني وسيبني.
نظرت داخل عينيه بقوة وكره شديد، واكملت حديثها بلهجة غاضبة:
- طلقني، طلقني وابعد عني سيبني في حالي كفاية لغاية كدة، أنتَ خدت مني كتير.
صمتت لوهلة وأكملت بتهكم ساخرًا:
- لا كتير إيه، أنتَ يعتبر خدت مني كل حاجة، أنا بكرهك بجد ومبكرهش قدك في حياتي.
ازداد من قبضته فوق ذراعها مسببًا لها ألم شديد شاعرة بفك ذراعها في يده، وتحدث أمام وجهها بهمس كفحيح الأفعى:
- اكرهيني يا رنيم، أنا مش عاوز غير أنك تكرهيني وتفضل نظرة الخوف دي في عنيكي كل ما أقربلك، بعدين انا لسه هفضل معاكي مش هسيبك غير لما أخد روحك بين ايديا ودة وقت ما أنا أحب.
أبعدت وجهها عنه لأجل أنفاسه الحارة القذرة التي تلهب وجهها كالنيران المتأهبة شاعرة أن خطوتها التي بدأت بها لقتـ ـله على حق وصواب كان يجب أن تفعلها منذ دهر للتخلص منه هو جحيم حياتها، ستتخلص منه قبل أن يفعلها هو معها.
وقفت أمامه بتحدي وردت عليه بكره شديد وغيظ يملأ قلبها:
- عـ… على فكرة بقى أنتَ متقدرش تعمل معايا حاجة.
اغتاظ من وقوفها أمامه وتحديها له، شعر بالغيظ والضيق من ردها عليه فلجأ لطريقته السادية التي تشعره بقوته معها دومًا، هوت بيده فوق وجنتها بقوة وألقاها أرضًا لينهال بعدها بالعديد من الضربات القوية لها، ركلها برجله بضراوة عدة مرات وصرخاتها المتألمة تعلو تشق جدران المنزل بأكمله، يرى أنه بذلك يفرض رجولته وقوته عليها لم يعلم أنه بذلك يدمر رجولته تمامًا.
دموعها تسيل بلا توقف من ألم جسدها وقلبها وروحها، جذبها من شعرها وألقاها فوق الفراش بعصبية ثم مزق القميص الذي ترتديه وبدأ في مرحلة أخرى من مراحل عذابها، مرحلة أصعب بضراوة، تجدد كرهها له وللحياة بأكملها على يده، متمنية الموت لها وله، تريد الانتقام منه ومن تلك الحياة التي فعلت بها كل ذلك.
ظلت تبكي بخفوت ووجع مما حدث لها على يده، قدمها لم تعد تتحملها للوقوف، والألم يسري في جسدها بأكمله من بعد فعلته التي تجعلها تكره ذاتها.
بينما هو كان يجلس ببرود تام مولع سيجارته ينفخ دخانها باستمتاع شديد وانتصار وفخر لرؤيته لها تعاني متألمة بضراوة بسببه، غمغم مبتسمًا بشماتة:
- درس بسيط أهو عشان بس تعرفي تلمي نفسك كويس ومتنسيش مين هو عصام الهواري ويقدر يعمل فيكي إيه في أي وقت.
رمقته بكره وقهر مشمئزة منه ومن أفعاله التي ليس لها أي صلة بالتباهي المرتسم على وجهه، لم تستطع أن ترد عليه فضلت الصمت لإنهاء ليلتها مسرعًا متحاشية أي حديث معه.
***
في الصباح الباكر…
هزها عصام بعصبية ليوقظها صائحًا بها بغضب:
- قومي يلا يا *** أنتِ اخلصي.
فتحت عينيها بضعف وألم تطالعه بذهول مستنكرة طريقته فهي لم تفعل معه شيء دومًا يذهب من دون أن يوقظها.
تمتمت متسائلة باستنكار وتعجب:
- إيه، في إيه مالك؟
غمغم بعصبية، والقلق ينهش في قلبه، يديه ترتعش بخوف مريب لم تفهم سببه:
- قـ… قومي يلا بسرعة حضري شنط لينا عشان ماشيين من هنا.
شحب وجهها بخوف والرعب تملك من قلبها خائفة من أن يفعل بها شيء او يقتـ ـلها كما أخبرها ليلة أمس.
تمتمت متسائلة بخفوت وقلق:
- لـ… ليه قصدي يـ… يعني هنروح فين احنا على طول قاعدين هنا.
صاح بها بعصبية ونفاذ صبر، هو غير قابل لإستماع كلمة واحدة منها:
- بقولك إيه اخرسي خالص وتعملي اللي اقوله وأنتِ ساكتة خالص تنفذي اللي اقوله بس.
نهضت بخفوت ورعب متملك من كل أنش في قلبها لكنها نهضت في صمت تام وبدأت بتحضير الحقائب شاعرة بعدم راحة من قراره المباغت لها.
تمتمت بضعف وخفوت بعد أن انهت فعلتها:
- أ.. أنا خلصت.
أخذها وسار نحو الأسفل بخطى سريعة واسعة يجر إياها خلفه فسارت هي الأخرى بخطوات شبه راكضة وقلبها سيتوقف بداخلها من الخوف الذي ولازال تهديده لها يرن داخل أذنيها وعقلها.
ركبت السيارة معه في صمت مقررة أن تحاول التودد إليه حتى تجعله يعود عن فكرة قـ ـتلها، محاولة أن تقنع ذاتها أن كل ذلك خرافات من عقلها بسبب تفكيرها الدائم في قـ ـتله تلك خرافات ليس لها معنى هو لن يفعلها بها.
شعرت بقلبها يهوى بداخلها برعب عندما وجدته يسير في طريق غير ممكن اجتيازه خالي من أي شيء، ترى حولها أماكن لم تعلمها من قبل، لا تعلم أين أصبحت لكنها وجدته أوقف السيارة في مكان خالي يوجد به منزل متدهور حالته مكون من طابق واحد وحوله بعض المنازل لكنها قليلة وكأن المكان معزول تمامًا، شعرت بقلبها سيتوقف قبل أن تترجل من السيارة خاصة بعدما رأت نظراته المرعبة لها متمتمًا لها بحدة مرعبة أخافتها:
- يـلا انزلي.
رواية لهيب الروح الفصل السادس 6 - بقلم هدير دودو
في الصباح.. عاد جواد المنزل بعد تأكده من شقيقته بوجود والده. كان في حالة يرثى لها، عروقه بارزة، جسده متشنج والغضب يبدو بوضوح عليه. وقف أمام والده هادرًا بعصبية تفوق وصفها وغضب عارم يعميه:
- من حقي أفهم بقى إيه اللي عملته امبارح دة؟
تجاهله تمامًا مفضلًا عدم الرد عليه. وجه بصره نحو زوجته قائلًا لها ببرود وهدوء أعصاب يستفز مَن أمامه به:
- جليلة شوفي ابنك عاوز إيه، عشان بتزعلوا لما بتكلم.
طالعته بعدم رضا من طريقته مع ابنه، تطلعت نحو جواد مردفة بهدوء وتوتر:
- ا… اهدي بس يا جواد يا حبيبي اقعد براحة كدة واتكلم مع ابوك افهم منه اللي أنتَ عاوزه.
رد عليها بعصبية مفرطة طغت عليه، فغضبه من والده الآن أعماه تمامًا وفقد تحكمه في ذاته لأول مرة:
- امي لو سمحت متدخليش في الموضوع دة بالذات، أنتِ امبارح كنتِ سمعاه وهو بيقول للكل وساكتة انهاردة كمان اسكتي لأن أنا مش هعديها زي كل مرة.
تحدث صائحًا بغضب عارم وضيق:
- دة بيخطبلي من غير ما أوافق اسكت ازاي ولا اهدا ازاي.
تعلم أنه محق وأن تدخلها بينهما تلك المرة لن يفيد بشئ، جواد لن يصمت تلك المرة مثلما يفعل دومًا؛ لذا فضلت الصمت داعية ربها أن يمر الأمر بسلام.
وجه بصره نحوه بأعين حادة كالصقر، وأردف بحدة وعصبية:
- أنتَ إيه اللي عملته امبارح دة، فاكر أن أنا كدة هوافق واقولك ماشي وموافق اتجوز ليه عيل قدامك دة أنا جواد الهواري بيتهزله رجالة قد كدة هخطب غصب عني.
قال جملته الأخيرة بتهكم ساخرًا يملؤه الغيظ والضيق من أفعال والده التي لم يراها من قبل، لم يرى من قبل أن أب يفعل ذلك مع ابنه؛ هو بعيد تمامًا عن كلمة أب، هو يتعامل معه بأنه فاروق الهواري الآمر الناهي في كل ما يريده، يريد أن يلغي شخصيته ورأيه المخالف له تمامًا، لم يتذكر مرة واحدة تم نقاش هادئ بينهما.
ترك هاتفه ورد عليه ببرود تام جعله يستشاط غضبًا أكثر من السابق:
- إيه اللي عملته؟! أنا عملت الصح اللي أنتَ مش فاهمه، أنا بقى فاهم كويس واللي عملته دة لمصلحتك.
صاح به بغضب وعصبية حادة متخليًا عن جميع محاولاته في تهدئة ذاته بسبب طريقة والده المتعالية وكأنه هو وحده مَن يفكر ويتخذ قرارات صواب:
- لا مش الصح، أنت عمرك ما عملت الصح خالص، أنت بس بتعمل اللي يعجبك واللي على مزاجك مش اللي يخدم مصلحتي، أنتَ اكتر واحد واقف قدام مصلحتي وسعادتي بقرارتك اللي عمرها ما فادتني في حاجة.
نهض فاروق واقفًا قبالته بحدة وعصبية متخليًا عن بروده نهائيًا، وصاح مردفًا بعصبية غاضبة ولهجة مشددة حازمة ساخرًا منه ومما يريده:
- وأنتَ سعادتك كانت فين يا جواد، سعادتك فين وأنتَ داخل كلية الشرطة ورافض تمسك شركات عيلة الهواري اللي بكبرها وببنيها عشانك دي سعادتك واحلامك، ولا أحلامك وأنتَ عينك من واحدة وسـ*ـة اللي هي مرات عصام اللي زي أخوك ورافض تتجوز أروى الهواري بنت عمك.
صمت لبرهة ملتقطًا أنفاسه وأكمل بتهكم ساخرًا:
- هي دي أحلامك اللي أنا يا حرام مفتري وواقف قصادها لو دي أحلامك يبقى بلاها منها خالص تغور أحلامك، كفاية أني سمعت كلام امك ووافقت أنك تدخل شرطة.
طالعه بغضب ضارٍ والشرر متطاير من عينيه اللتان قد تحولا لبركان من الغضب المشتعل، عقله مشتعل بنيران متأهبة، ورد مغمغمًا بعصبية وصوت مرتفع:
- بقولك إيه متجيبش سيرة رنيم مرات عصام قولتلك مفيش بيني وبينها حاجة وبطل تغلط فيها عشان زي ما قولت هي مرات اخويا وملهاش دعوة باللي حصل كله مش كل شوية هتفضل تغني في نفس الحوار دة، لكن لو على كلية الشرطة اللي دخلتها فدي أحسن حاجة حصلت في حياتي كلها اللي بايظة بسببك وأروى اللي بتتكلم عليها أنا مش شايفها غير زي سما مش أكتر أنتَ بقى شوف اللي يعجبك مش هعمل حاجة من الهبل اللي عاوزه د.
قطعه بصفعة قوية هوى بها فوق وجنته تحت صدمة والدته وشقيقته المصدومتين من فعلته، متمتمًا بتعالٍ وغرور:
- اخرس خالص اللي بقوله مش هبل، أنتَ ابني وهتعمل اللي أنا عاوزه غصب عن عينك مش بمزاجك.
القى جواد ما كان فوق المنضدة أرضًا بعصيية شديدة سيطرت على عقله تعميه، وصاح بعناد وضيق:
- مش هعمل حاجة، أنا مش صغير ولا عيل هتضربني فأخاف حوار أروى منتهي من قبل ما يبدأ وزي ما بدأته أنت بمزاحك هنهيه أنا بقى بمزاجي وبالطريقة اللي تعجبني مش هعملك احترام تاني زي ما سكت امبارح.
أسرعت جليلة متمسكة بذراع فاروق قبل أن يفعل شيئًا آخر وتمتمت بنبرة متوسلة باكية ضعيفة حزينة على كل ما يحدث لـ عائلتها:
- فاروق خلاص يا فاروق اهدي… اهدي عشان خاطري.
سار جواد متوجهًا نحو الخارج تاركًا المنزل بأكمله وعقله يستشيط غضبًا باندفاع لما يحدث معه.
جلست جليلة فوق المقعد الذي خلفها بتعب شديد غير قادرة على التحدث واضعة يدها فوق صدغيها والأخرى فوق قلبها شاعرة بثقل كبير به غير قادرة على التقاط أنفاسها.
أسرعت سما مقتربة منها بقلق والخوف تملك منها، تمتمت متسائلة برعب وتوتر:
- ماما أنتٓ كويسة، في إيه مالك حاسة بإيه؟ بابا الحقها بسرعة.
طالعها هو الآخر بوجه شاحب قلق عليها خوفًا من أن يحدث لها شيئ سئ، وبادر بالاتصال بالطبيب طالبًا منه المجيء مسرعًا، حاملًا إياها فوق ذراعيه بقلق متوجهًا بها نحو غرفتهما.
❈-❈-❈
في نفس الوقت.. وقفت رنيم أمام المرآة الخاصة بغرفتها في ذلك المنزل المهجور الذي لم تعلم عنوانه، متذكرة رعبها من عصام ما أن دخلت المنزل وسؤالها الأحمق عندما توقفت برعب طغى على قلبها:
- عـ… عصام هو أنتَ قررت أنك تقـ تلني بجد زي ما قولت امبارح وجايبني عشان تقـ تلني هنا.
طالعها يضيق مستنكرًا من حديثها الأبله الغير متفرغ له الآن، فغمغم بتهكم ساخرًا:
- اقـ تلك إيه انتي اتهبلتي، بعدين انا لو عاوز اقـ لتلك مش هجيبك هنا ومش ناوي اقتلك يا رنيم ادخلي وبلاش الهبل بتاعك دة عشان مش فاضيله.
عادت بذاكرتها لواقعها وحركت رأسها معترضة بحزن وضيق ودموعها سالت من عينيها بحزن:
- لأ لأ مينفعش اعمل كدة لأ انا مش كدة مش هقـ تله مينفعش يا رنيم تتحولي كدة هتبقي مش رنيم اللي عارفاها.
وضعت يدها فوق بطنها بحزن متذكرة طفلها الذي فقدته على يده تطلعت لذاتها بقوة ملتقطة أنفاسها بصوت مرتفع:
- حتى لو هو راح خلاص بسببه اكيد دة الاحسن ليه كان هيجي يلاقي أمه بيحصل فيها كل دة ولا ابوه شخص مجنون زي عصام لأ طبعا هو دة الأحسن ليه.
جففت دموعها برفق بعدما نفضت من عقلها جميع أفكارها الشيطانية تمامًا التي كانت ستلوث نقاءها وبراءتها.
أسرعت تجذب هاتفها وقامت بالاتصال على محسن الذي سرعان ما آتاها صوته اللعوب ونبرته الخبيثة:
- الو يا ست رنيم هانم اخيرا لما افتكرتي أن في ورانا شغلانة مهمة عاوزين ننفذها وأنا أخد فلوسي وأخلع.
تغاضت عن طريقته معها وتمتمت مردفة بتوتر:
- بـ… بص يا محسن أنا كنت مكلماك عشان اقولك على حاجة مهمة.
أسرع مغمغمًا بلهفة وحماس والطمع يملأه:
- اه طبعا قولي انفذ امتى حددي المعاد بس وأنا هنفذ وهعرف مكانه فين بالظبط وكله هيتم على نضافة وانتي تورثي وأنا أخد حقي زي ما اتفقنا.
قطعته معترضة بضعف وضيق شاعرة بضياع عقلها وأفكارها بين الخطأ والصواب، حقيقتها الطيبة والأخرى التي اكتسبتها من قسوته عليها:
- لا يا محسن مش مكلماك عشان كدة أنا عاوزة اقولك أن خلاص الغي الاتفاق وانسى انك شوفتني وانسى اي حاجة قولتهالك شوف فلوسك اللي عاوزها منه بس بعيد عني.
ضحك مقهقهًا بصخب ورد عليها بتهكم ساخرًا:
- والله ضحكتيني، انتي اكيد لقيتي نفسك فاضية فقولتي تهزري بشغل العيال دة، هو لعبة شوية اقـ تله عشان هو يستاهل القتل بعدها لا يا محسن مش هتنفذي حاجة أنا لغيت الفكرة بقولك ايه يا رنيم العملية هتتم وتورثي وأخد أنا حقي غير كدة يبقى تجيبيلي فلوسي اللي اتفقنا عليها اني هاخدها وخليهولك يقعد يموت فيكي.
شعرت بالانزعاج من طريقته الوقحة معها وانكمشت ملامح وجهها بضيق معلنة غضبها، لكنها حاولت التحلي بالهدوء فتمتمت بصبر وهدوء:
- محسن احترم نفسك لو سمحت أنا بقولك الغي الاتفاق خلاص وروح خد فلوسك من عصام زي ما أنتَ كنت هتعمل بس الغي الاتفاق وطلعني منه أنا استحالة اعمل حاجة زي كدة خلاص كانت ساعة شيطان وفوقت منها خلاص.
رد عليها الآخر بتبجح والتصميم والطمع يلتمع داخل عينيه:
- لأ الكلام دة ميخصنيش أنا هقـ تله وانتي هتديني حقي اللي اتفقنا عليه وخلصت على كدة يا رنيم خلي ساعة الشيطان ترجعلك تاني.
لم ينتظر ردها عليه بل أسرع يغلق الهاتف بغضب ليستكمل خططه القادمة بعد حصوله على الأموال مقابل قـ تله لعصام الهواري المختل.
تطلعت رنيم نحو الهاتف بصدمة شاعرة بالخوف يملأ قلبها من أن ينفذ محسن حديثه ويصر على تنفيذ فكرتها المتهورة، وضعت يدها فوق صدغيها بتعب:
- مينفعش لأ انا مش مجرمة مش هتسبب في موته رغم اللي عمله فيا مينفعش خالص ياريتني ما شوفت اللي اسمه محسن دة.
سالت دموعها بحزن وقلق شاعرة بالتوهان لا تعلم ماذا تفعل في ذلك المأزق التي وُضعت فيه.
قطعت تفكيرها مسرعة ومسحت دموعها بطريقة عشوائية عندما استمعت إلى صوت عصام الحاد الصائح باسمها:
- رنـيـم يا رنــيــم.
أسرعت ترد عليه بتوتر وخوف متطلعة أرضًا:
- ا.. ايوة يا عصام في إيه.
طالعها من أعلاها إلى أدناها بنظراته الوقحة ملتهم جسدها بعينيه وأردف بصوت أجش:
- تعالي عاوزك.
فركت في يديها بتوتر واقتربت منه بخضوع واستسلام تام مأومأة برأسها أمامًا:
- حـ.. حاضر يا عصام.
اقتربت منه من دون مقاومة تلك المرة وبدأت هي تنزع ثيابها عنها بأعين باكية حزينة دموعها تسيل بصمت ابتسم على فعلتها واقترب منها بوقاحة وشهوة ملتهم اجزاء جسدها العاري أمامه برغبة شديدة كانت نافرة من حياتها ومن اقترابه منها، شاعرة بانفاسه كالنيران الملتهبة التي تحرق روحها قبل جسدها.
❈-❈-❈
كان جواد يشرب سيجارته بعصبية يفكر في إنهاء ما بدأه والده من دون اتخاذ رأيه الأساسي في الموضوع، وإنهاء أمر زيجته هو وأروى تمامًا.
وجد شقيقته تتصل عليه أسرع يرد عليها بجدية:
- الو يا سما خير في حاجة؟
وصل إلى مسامعه صوت شهقاتها الباكية فغمغم متسائلًا بقلق ولهفة:
- إيه يا سما في إيه؟! ايه اللي حصل عشان تعيطي كدة؟! اهدي براحة كدة وفهميني.
التقطت أنفاسها بصوت مرتفع محاولة منها لتهدئة ذاتها وتمتمت بصوت باكٍ يملؤه القلق:
- تـ… تعالى يا جواد بسرعة، مـ… ماما ماما تعبت أوي بعد اللي حصل، تعالى بسرعة الحقها.
هب واقفًا بلهفة وقلق خاشيًا أن يصيب والدته شي سئ فهي كل شيئ له في تلك الحياة، مغمغمًا بتوتر:
- جاي اهو يا سما حالًا دقايق وهبقى عندك.
أغلق معها ململمًا لأشياءه بقلق وأسرع متوجهًا نحو سيارته يقودها بسرعة جنونية يدعي ربه أن يحفظها له، غير مستعد لخسارتها.
وصل المنزل مسرعًا وتوجه نحو شقيقته التي كانت تبكي بعنف والخوف يسيطر عليها انطلقت نحوه ملقية ذاتها داخل حضنه بنبرة متلعثمة باكية:
- جـ… جواد ماما يا جواد تعبت جامد.
ظل يربت فوق ظهرها بحنان وحب أخوي محاولا تهدئتها:
- اهدي يا سما اهدي يا حبيبتي ماما هتبقى كويسة وزي الفل كمان اهم حاجة اهدي انتِ بس.
صمتت واستكانت داخل أحضانه الآمنة بالنسبة لها وتمتمت بقلق وخوف:
- جـ… جواد أنا خايفة على ماما، كانت تعبانة اوي مكانتش قادرة تاخد نفسها.
شعر بقلقه يزداد، قلبه يعتصر بداخله هو بالفعل ليس لديه أحد في حياته سواها، والدته هي كل شيئ من دونها هو وحيد بضراوة، أردف متسائلًا بخشية:
- هي فين دلوقتي؟
أشارت بيدها صوب غرفة والديها بيد مرتعشة وتحدثت باضطراب:
- هـ… هما جوة معاها بابا والدكتور ادخلهم يا جواد وتعالى طمني.
ربت فوق كتفها مأومأة برأسه أمامًا بتعقل وهدوء وأسرع يتوجه نحو غرفة والدته هب فاروق واقفًا بغضب بدا على ملامح وجهه ما أن رآه، وصاح به بلهجة مشددة حازمة:
- اطلع برة امشي برة أنت السبب في كل اللي حصلها، أنت وعنادك فينا السبب اطلع برة.
وقف ثابتًا كما هو عينيه مثبتة فوق والدته التي لم تستعد وعيها حتى الآن، وهتف بعصبية ونفاذ صبر:
- بقولك ايه ابعد عني وملكش دعوة بيا لو حد السبب فهو أنتَ مش أنا، أنت اللي عاوز كله يمشي على مزاجك بس مش موضوعنا انا جاي عشان اتطمن على أمي مش عاوز اتكلم في اي حاجة تاني.
امتعضت ملامحه بغضب شاعراً بالدماء تغلي داخل عروقه بعصبية وأردف صائحًا بحدة حازمة دافعًا إياه إلى الخلف ليجبره على ترك الغرفة:
- اطلع برة… برة يا جواد مش هتقعد في الاوضة دي لحظة اطلع برة.
استسلم جواد لدفعه وخرج تاركًا الغرفة بخطى واسعة غاضبة متجاهلاً هتاف شقيقته، مغلقاً باب غرفته خلفه بغضب عارم.
جلس بمفرده في غرفته شاعراً بالحزن يعتصر قلبه كالقبضة القوية، أغلال قوية تؤلمه مود الصراخ بأعلى صوته.
يخاف أن يصيب والدته شيئ سئ ويرى الجميع أنه المتسبب كما يقول والده، قطع تفكيره صوت رنين هاتفه المزعج بالنسبة له ليخرجه من ضجيج أفكاره السابح بها.
تنهد بغضب عارم عندما رأى أن أروى هي من تتصل عليه، هتف بسباب غاضب بحدة وأغلق عليها بضيق لكنه رآها لن تصمت بل تكرر اتصالاتها عليه بلا ملل.
تنهد بحرارة واضطر مجبراً أن يرد عليها وقبل أن يتحدث جاءه صوتها المتسائل بنعومة ودلال مفرط مصطنع:
- الو يا جواد إيه يا حبيبي مش بترد عليا ليه؟
قبض فوق هاتفه بغضب وقوة ضارية تعكس مدى غضبه من سماعه لصوتها ورد عليها متمتمًا بحدة:
- ايوة يعني عاوزة ايه مقولتيش متصلة ليه؟
تأفأفت بغضب ونفاذ صبر لكنها التقطت أنفاسها بصعداء محاولة تهدئة ذاتها وردت عليه بهدوء زائف:
- هعوز ايه يا جواد هو أنا مش خطيبتك يا حبيبي مش بتكلمني ليه تطمن عليا زي أي اتنين مخطوبين.
لم يستطع أن يصمت كثيرًا على المسرحية التي حدثت في حياته بقرار والده الخاطئ فصاح بها غاضبًا:
- لأ يا أروى انتِ لا خطيبتي ولا بتاع أنتي أروى بنت عمي اللي زي سما اختي اقولهالك تاني انتي زي سما اختي، اقفلي بقى عشان مش ناقصك ولا فايق لهبل أهلك دة.
صُدمت من حديثه البجح المهين لها ولكرامتها التي تنازلت عنها من البداية وتحدثت بصدمة وتوتر:
- جـ… جواد انت بتقول ايه؟!!
لم يرد عليها بل وصلها إجابته المتبجحة عندما وجدته يغلق الهاتف من دون الرد على حديثها الذي ليس له فائدة أو قيمة بالنسبة له.
بحث في هاتفه حتى وصل إلى صورتها المحتفظ بها في هاتفه حاول منع ذاته من التطلع في صورتها لكنه فشل، هو في حاجتها معه وبجانبه يتذكر ذكرياته معها القليلة وقصتهما التي منعها والده من قبل بدايتها.
هو الآن يريدها بجانبه يعلم كم هي ذات قلب طيب يملؤه الحنان الذي يحتاجه.
اغلق الصورة مسرعاً لاعناً فعلته المتسرعة محاولاً تهدئة ذاته والتقاط أنفاسه بانتظام متمتمًا لذاته بتعقل:
- اهدى يا جواد بلاش جنان هي دلوقتي متنفعش.
سيطر على ذاته ومشاعره بصعوبة شديدة وخرج من غرفته ليطمئن على والدته.
اقترب من شقيقته وغمغم متسائلاً بقلق:
- هي دلوقتي بقت كويسة صح يا سما؟
اومأت له شقيقته بابتسامة هادئة وردت تؤكد حديثه بهدوء:
- اه يا جواد بقت كويسة انا سمعت الدكتور وهو بيطمن بابا.
طالعته بحزن وتردد ثم تمتمت بحب آخوي:
- مـ… مش عاوزاك تزعل من كلام بابا ولا من أي حاجة حصلت عشان خاطري.
احتضنها بحنان مبتسماً طابعاً قبلة حانية فوق جبهتها مغمغمًا بلا مبالاة حاول يظهرها بمهارة:
- مش زعلان هو كدة على طول عشان يبقى فاروق بيه الهواري سيبك من كل اللي حصل.
في نفس الوقتألقت أروى هاتفها في الحائط بعصبية وتمتمت بغرور رافعة رأسها بتكبر:
- بقى كدة يا جواد بتقفل في وشي ماشي هتندم وهتندم اوي كمان.
أسرعت متوجهة صوب والدتها بضيق وغيظ متمتمة بحدة ونبرة مرتفعة غاضبة:
- بقى كدة عاجبك كدة ادي اخرة جواد واللي عمله فيا بيقفل في وشي أنا وبيزعقلي.
طالعتها والدتها بعدم تصديق وتمتمت متسائلة بذهول:
- أنتِ بتقولي ايه يا أروى جواد قدر يعمل كدة؟
اومأت برأسها أمامًا بغضب:
- ايوة عمل كدة لأ وعمل الأنيل كمان وبيقولي بصراحة أن أنا زي سما اخته، أنا بقيت زي أخته فالآخر.
تابعت مديحة بوعيد غاضب وبدت العصبية عليها:
- والله ليندم على اللي عمله هجيبهولك يعتذرلك كمان وهو كان فين كلامه وزعيقه دة لما ابوه قال أنه هيخطبكم هو هيتعمل عليكي أنتي.
صاحت أروى غاضبة:
- اتصرفي بقى عشان أنا مش ناقصة الجنان دة كلمي عمي خليه يربيه.
اومأت مديحة برأسها أمامًا متناولة هاتفها بعصبية وقامت بالاتصال على فاروق الذي كان بجانب جليلة تأفأف غاضبًا عندما رأى اسم مديحة لم يريد الرد عليها أو على أحد هو فقط يريد البقاء مع زوجته فقط أغلق عليها ثم أغلق هاتفه تمامًا ليمنع أي اتصال منها.
تطلعت أروى أمامها بنفاذ صبر متسائلة:
- إيه ياماما مبيردش ولا إيه؟
ردت بعصبية وغضب والشرر يتطاير من عينيها:
- قفل موبايله هو في إيه؟ هما هيستهبلوا والله ما هسكت.
تنهدت أروى بغضب حاد وتمتمت بعدم فهم معقدة لحاجبيها:
- يعني إيه اللي بتقوليه دة؟
صاحت مديحة بحدة أخرستها والدماء غلت في عروقها:
- اخرسي خالص دلوقتي يا أروى وادخلي اوضتك أنا مش عاوزة حد دلوقتي خالص.
سارت أروى متوجهة نحو غرفتها تاركة والدتها خلفها تستشيط غضبًا.
بعد أن هدأت قليلًا قامت بالاتصال على عصام ابنها الذي ترك رنيم دافعًا إياها إلى الخلف ببرود ولا مبالاه غير مبالي لمشاعرها المحطمة تمامًا وقام بالرد على والدته بارتباك وقلق:
- ا… الو يا ماما في إيه؟
أجابته متسائلة بجمود حاد:
- عمك فاروق فينه وإيه اللي حصل عشان ميردش عليا ويقفل تليفونه.
قطب ما بين جبينه بدهشة وتحدث يجيبها بتوتر وعدم فهم:
- معرفش يا ماما مكلمتهوش ولا هو اتصل بيا أنتِ عاوزاه في حاجة مهمة؟
صاحت به غاضبة بلهجة مهددة حادة:
- بقولك ايه فوق وركز قسما بالله اقلبها على دماغك واخد ** اللي فرحانلي بيها دي وأخليك قاعد لوحدك زي ماكنت اتصرف واعرفلي فاروق فين وايه اللي حصل عشان ميردش عليا.
ابتلع ريقه بتوتر خوفًا من أن تنفذ تهديدها له وأردف بتأزم مضطرب:
- ل… لأ خلاص اهدي بس وأنا هتصرف وهعرفلك كل حاجة.
تابعت بقسوة ونبرة آمرة:
- بسرعة بطل العك والقرف اللي بتعمله وركز في اللي عاوزاه.
أغلقت في وجهه من دون أن تنتظر رده فأسرع يحاول الاتصال بفاروق لكن كانت محاولاته بلا جدوي فهاتفه مغلق تطلع نحو رنيم التي كانت تبكي في صمت بألم وصاح بها بعصبية:
- انتي هتفضلي مرزوعة تعيطي كدة كتير دة ايه القرف دة قومي غوري في داهية.
التقطت أنفاسها بصعداء وردت بضعف واستسلام:
- أ… أنا مستنياك معرفش انك خلصت لو عاوز تقـ تلني المرة الجاية.
لكمها في وجهها بعصبية جعلت الدماء تسيل من فمها المتورم صائحًا بها بغضب وحدة:
- قومي غوري في داهية مش طايقك ولا عاوز حاجة دلوقتي.
اومأت برأسها أمامًا بانكسار ولملمت ثيابها الممزقة بحزن ودلفت إلى المرحاض تاركة إياه خلفها يحاول الوصول إلى فاروق ليفعل ما تريده والدته وترضى عنه.
قام بالإتصال على السكرتيرة الخاصة بعمه وأردف متسائلاً بجدية:
- فاروق بيه موجود ولا لأ؟
أجابته الاخرى نافية باحترام:
- لأ يا عصام بيه هو مجاش انهاردة.
أغلق معها وقام بإخبار والدته عن عدم ذهابه إلى الشركة اليوم لكنها وبخته كعادتها جن جنونه من حديثها الدائم عن فشله فبدأ يحطم في الغرفة بعصبية.
كانت رنيم في المرحاض تتطلع على جسدها المشوه بسبب أفعاله بها هو دنس روحها وبراءتها وشوه جسدها، تطلعت إلى علاماته الدائمة الذي فعلها بالمدية لتلازمها طوال حياتها وتظل متذكرة أفعاله، بكت بعنف وحزن على حالها تشعر بالتعب وضعف ضارٍ على حياتها.
ارتعشت بخوف والرعب ملأ قلبها عندما وصل إلى مسامعها صوت ما يفعله في الخارج تخشى أن يفعل بها شيئ آخر ليفرغ عصبيته وغضبه كما يفعل دومًا، جسدها لن يتحمل ما سيفعله بها.
❈-❈-❈
على الجهة الأخرى
استعادت جليلة وعيها وجدت فاروق يجلس بجانبها ممسك بيدها بقلق أسرع يتحدث بلهفة عندما رآها تحاول فتح عينيها:
- جليلة انتي كويسة طمنيني حاسة بإيه؟
اومأت برأسها أمامًا مبتسمة بهدوء وأجابته باتزان تطمئنه:
- متخافش يا فاروق انا كويسة.
احتضنها بحنان خوفًا من فكرة أفتقادها الذي شعر بها اليوم، فأكملت حديثها بقلق وتوتر:
- جـ… جواد هو فين جواد مرجعش لسة.
تأفأف بضيق وامتعضت ملامحه مجيبها بعدم رضا:
- جواد جه أول ما عرف وهو وسما مستنيينك تفوقي بس سيبك من دة كله أنتي لازم ترتاحي كنتي تعبانة جامد والدكتور قال ترتاحي.
حركت رأسها نافية وأكملت باصرار:
- لا يا فاروق انا هرتاح لما اشوف جواد اندهه عاوزة اتكلم معاه بس براحة يا فاروق عشان خاطري جواد طيب ميستاهلش كل دة بس هو تفكيره مختلف عنك مش اكتر.
لم يريد التحدث في أي شيئ لأجل صحتها وتوجه للخارج وجد جواد أمامه فتحدث بجدية حادة:
- أمك عاوزة تكلمك هي بقت كويسة دلوقتي الحمدلله.
كادت سما أن تدلف معه لكن أسرع فاروق يقبض فوق يدها متمتمًا بهدوء:
- استني يا سما أمك عاوزة تتكلم معاه.
دلف جواد إليها بلهفة، قلق وسعادة، فرح بداخله مشاعر عديدة مختلطة لأهم واحدة في حياته هي مَن تسانده دومًا فكرة افتقادها تجعله يخاف بشدة.
أسرع مقتربًا منها ممسك يدها يقبلها بحب وشغف شديد متمتمًا بمرح:
- إيه يا ست الكل عاوزة تسيبينا ولا إيه فوقي كدة معانا هو الواحد بيحب حد قدك.
ضحكت بصخب مربتة فوق كفه بحنان وردت عليه بهدوء:
- هتحب يا سيدي هتيجي اللي تخطفك وتبقى من نصيبك.
شرد في صورة رنيم التي تجمعت داخل عقله وبدا الحزن فوق ملامحه وتمتم بأسى متبرمًا:
- مش باين خلاص هو أنتِ وبس ياست الكل.
طالعت حالته بعدم رضا وغمغمت معترضة بهدوء:
- شيلها يا جواد وهتحب هو حد يطول حضرة الظابط جواد الهواري أنت اللي موقف حياتك شوف أروى بنت عمك لو مرتاحتش سيبها وربنا يوفقها.
تنهد بصوت مرتفع وأجابها بجدية:
- بقولك ايه ارتاحي انتي وسيبك من الكلام دة ومن كل اللي حصل انا خلاص نهيت حوار أروى دة وقولتلها انها زي سما اختي وعمرها ما هتكون ازيد من كدة.
شهقت بدهشة واعتدلت في جلستها أمامه، وتمتمت متسائلة بتعجب:
- يعني إيه يا جواد أنتَ عملت ايه بالظبط؟
قبل رأسها بحنان ورد عليها بهدوء وقلق عليها:
- بقولك ايه ياست الكل سيبك من كل اللي حصل دة وركزي في صحتك ولا عاوزة تسيبي جواد ابنك حبييك.
ابتسمت بهدوء واحتضنته مربتة فوق ظهره بحنان:
- ماشي يا جواد اللي أنتَ عاوزه يا حبيبي المهم ترتاح.
شعر بالارتياح ما أن رأى ابتسامتها وهدوءها وربت فوق كتفها بحب:
- ارتاحي انتي بقى أنا هخرج وأسيبك نتكلم بعدين تكوني بقيتي كويسة.
بالفعل خرج تارك إياها لترتاح قليلًا بسبب ما تعرضت له اليوم بعدما دعت له بدعواتها الدائمة طالبة من ربها أن يحفظه لها.
❈-❈-❈
في الصباح ذهب فاروق لمديحة بعد اتصالاتها العديدة له عندما فتح هاتفه وجدها تجلس في انتظاره بملامح وجه ممتعضة غاضبة وتمتمت بضيق وعصبية:
- أخيرا يا فاروق جيت، ماشي بمزاجك وبتيجي وقت ما تعوز ولا مهتم باتصالاتي.
وقف أمامها بشموخ وكبرياء يجيبها ببرود حاد:
- وأنتِ عاوزاني أمشي بمزاج مين يا مرات اخويا الله يرحمه ماهو لازم أمشي بمزاجي دة أنا فاروق الهواري كبير العيلة دي.
قبضت فوق يدها بعصبية رامقة إياه بنظرات حادة غاضبة لكنها أومأت برأسها أمامًا وتمتمت ببرود زائف من بين أسنانها:
- ماشي يا فاروق وأنا مكلماك عشان أنت كبير العيلة زي ما بتقول ينفع اللي جواد عمله مع اروى بنتي فاروق أنا بنتي غالية اوي اللي ابنك بيعمله دة مينفعش أروى غير عصام.
زفر بضيق وغضب متسائلاً بجدية:
- عمل إيه جواد هو جواد كان فاضي عشان يعمل حاجة حتى.
اومأت أمامًا بتأكيد وأردفت بغضب ثائرة:
- لا عمل اتصل هزقها وقالها بصراحة انها زي سما اخته وقعد يزعقلها وعمالة اتصل من امبارح عشان أقولك.
اقتضبت ملامحه بغضب لا يريد التحدث في ذلك الأمر لكنه رد عليها بلهجة مشددة قوية:
- بقولك ايه يا مديحة أنا مش فاضي للحوار دة دلوقتي واجليه أنا حاولت اعمل اللي عاوزاه بس جليلة امبارح تعبت ومش هينفع اتكلم في الحوار دة دلوقتي استني لما الدنيا تهدا بعدين أنا مديكي كلمة وهنفذها كدة كدة جواد لـ أروى مش لازم بقى كل شوية كلام في نفس الحوار.
شعرت بالغيرة من حديثه واهتمامه بزوجته ذلك الشعور التي حُرمت منه وتحدثت مغمغمة بغل وغيظ:
- أه جليلة تعبت لا الف سلامة عليها، احنا هنوقف كلنا حياتنا لغاية ما جليلة تخف عشان تعرف تكلم ابنك اللي بقالك يجي سنة وشوية بتحاول معاه في أم الحوار دة.
ضرب فوق الحائط بعصبية مفرطة سيطرت على عقله وأومأ برأسه أمامًا مؤكدًا لحديثها ببرود ولا مبالاة:
- اه يا مديحة مش هتكلم في حاجة غير لما تبقى كويسة بعدين لو على أروى أنا هراضيها قوليلها أن بكرة هتكون عندها عربية جديدة احدث موديل كمان.
جاءت أروى صارخة بحماس وطمع واحتضنت عمها بسعادة وفرح:
- اوووه بجد يا عمو والله أنت احلى عم في الدنيا كلها خلاص اعتبرني نسيت الزعل طالما هتعوضني كدة وكمان هتتكلم مع جواد.
ربت فوق ظهرها بهدوء وسار مبتعدًا عنها متوجه صوب الخارج:
- اه يا حبيبتي هلحق أمشي أنا بقى عشان الشركة والشغل.
رمقته مديحة بغيظ فقابل نظراتها ببرود متجاهلاً إياها تمامًا بغضب تلك المرة وذهب من دون أن يبالي بمشاعرها، طريقته جعلت الدماء تغلي في داخل عروقها بغضب.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين…
كان عصام يجلس أمام حاسوبه يعمل رغمًا عنه لأجل أوامر عمه الصارمة يشرب سيجارته بعصبية فصاح بحدة وعصبية:
- رنــــــــيـــــــم..
صمت لوهلة متابعًا حديثه بقوة ونبرة تزداد حدة:
- انتي يا زفتة تعالي اخلصي.
تحاملت على ذاتها بعد أفعاله المختلة التي يفعلها بها وتوجهت نحوه ببطء شديد، تمتمت متسائلة بخفوت وضعف:
- نـ…. نعم يا عـ… عصام أنا جيت أهو.
وزع بصره عليها بنظراته الماكرة التي تشعر أنها تعتريها، وضعت يدها تتمسك بالفستان الذي ترتديه فضحك ساخرًا وغمغم بتبجح:
- ادخلي اعمليلي قهوة وتعالي عشان رجلي وجعاني.
شعرت بالضيق لأنها تعلم مقصده جيدًا تعلم ما يريده تعلم أنه فقط يريد إهانتها لكنها قررت ألا تجادله بإعتراضها فهي تعلم نتيجته جيدًا والذي سينعكس على جسدها المنهمك بضراوة.
دلفت نحو المطبخ وبدأت تعد قهوته الخاصة ثم وضعتها أمامه متمتمة بنبرة خافتة:
- ا… اتفضل يا عصام القهوة اهي.
حلت أسفل قدمه بطريقة مهينة ودموعها تسيل فوق وجنتيها بصمت وهو مستمتع لرؤيته لها هكذا، مستمتع وهي ذليلة أسفل قدمه يفعل بها ما يشاء.
بدأت تدلك له قدميه ارتشف القهوة بارتياح وبرود ثم فجأة وجدته يلقيها عليها صائحًا بها بغضب:
- ايه القرف دة هي دي قهوة.
صرخت مسرعة محاولة أن تبعد ثيابها عنها وبدأت دموعها تزداد بعنف شاعرة بنيران تنبعث من صدرها حيث وقعت القهوة الساخنة نهضت مسرعة لتبدل ثيابها لكنه أسرع مردف باسمها ببرود وكأنه لم يفعل شيئًا للتو:
- استني عندك أنتِ رايحة فين هو أنا قولتلك تمشي.
غرزت أسنانها في شفتها بضعف محاولة التمسك بالهدوء لترد عليه من بين دموعها دون أن تجعله يثور عليها منفجرًا بها كعادته:
- هـ… هروح اغير الفستان عشان مش قادرة القهوة كانت سخنة أوي اتحرقت.
رفع كتفه إلى أعلى بلا مبالاة ورد عليها متبجحًا ببرود:
- مش مشكلتي عاوزة تقلعي اقلعي هنا غير كدة تفضلي مرزوعة تكملي اللي كنتي بتعمليه.
حركت رأسها نافية رافضة لفكرته الوقحة وجلست كما كانت تكمل ما يريده منها.
رمقها بضيق وغضب من تمردها ثم ضغط بقدمه فوق أصابعها بقوة جعلها تصرخ متألمة بضعف:
- آاااه آه ايدي مش قادرة اوعى يا عصام.
ضغط أقوى فكررت صرخاتها بألم وضعف فبدأت محاولاتها في دفعه بعيد عنها لكنها فشلت قامت بغرز أسنانها في ساقه بقوة جعلته يدفعها هو إلى الخلف صائحًا بها بعنف غاضب:
- اوعي يا بنت ال*** يا وسـ*ـة والله ما هسيبك عشان تبقي تنسي نفسك.
ركلها بقدمه عدة مرات بقوة وغضب حاولت الدفاع عن ذاتها بضعف لكن قوتها لا تعي شيئ أمام قوته تمتمت بضعف وخفوت:
- كفاية يا عصام…خلاص هموت والله هموت ابوس رجلك كفاية.
رأت أن محسن على حق هو حقًا يستحق القتل أخطأت عندما كانت ستتراجع عن تلك الخطوة، لكنها ستقتله بذاتها انتقامًا لما يفعله بها وفي حياتها التي دُمرت على يده، ستجرد قلبها من أي معانٍ للرحمة والشفقة تجاهه وتثأر لذاتها وحقها المهدور بسببه.
قطعت فكرها صارخة بضراوة وصوت مرتفع عندما رأت في يدها سلاح ناري “مسدس” لا تعلم كيف حُصلت عليه وبجانبها جثة عصام الهامدة الغارق في دماءه وقبل أن تستوعب ما يحدث حولها وجدت رجال الشرطة أمامها تقتحم المكان.
صرخت بعنف عدة مرات مكررة جملتها بصدمة:
- مقتـ لتوش….لأ لأ والله ما قتـ لته مقتلتوش.
رواية لهيب الروح الفصل السابع 7 - بقلم هدير دودو
الحزن طغى على جميع العائلة لخبر وفاة عصام الهواري، الابن الأكبر لتلك العائلة. كان الجميع في حالة من الصدمة. صرخات مبحوحة اعتلت ليلًا معلنة عن الحسرة والآسى للخبر الفاجع الصادم للجميع.
مديحة كانت تبكي وتصرخ بعنف، لاطمة فوق وجنتها بقوة ضارية:
"منك لله يا رنيم الكلب، منك لله يا زبالة. أنتِ تقتلي ابني يا زبالة. منك لله ربنا ياخدك."
أسرعت جليلة تحاول تهدئتها، مربتة فوق ظهرها بحنان وقلق عليها:
"اهدي... اهدي يا مديحة يا حبيبتي عشان خاطر صحتك. هو دلوقتي في مكان أحسن."
ابتعدت عنها باكية بعنف وأردفت بجمود غاضب:
"انتي بتقولي إيه يا جليلة؟ هو لو كان جواد ابنك اللي مات كنتي هتقولي كدة؟ اهدي إيه؟ ده أنا هموت."
شعرت بنغزة قوية في قلبها من حديث مديحة الجارح والقاسي بشدة، لكنها حاولت أن تخفي حزنها. احتضنتها بهدوء متمتمة بتعقل:
"طب خلاص يا مديحة، عشان خاطر أروى. ما أنتي شايفة حالتها، هي دلوقتي محتاجاكي جنبها."
كانت أروى تحاول أن تدعي الحزن أمام الجميع، لكن الحقيقة داخلها أنها تتعامل مع الأمر بلا مبالاة وكأنه أمر طبيعي. حاولت سما أن تجعلها تهدأ. نهضت أروى مسرعة ما أن رأت جواد يدلف إليهم، وانطلقت مقتربة منه، ملقية ذاتها بين أحضانه، ملتصقة به بشدة. أزعجته لكنه لم يستطع التحدث أو الاعتراض. تمتمت بنبرة باكية حزينة:
"جـ... جواد شوفت اللي حصل؟ المجرمة دي نفذت تهديدها. كانت عاوزة تقتلني أنا وماما، واهي قتلت عصام مكاننا. المجرمة."
ابتعد عنها بخطواته صوب الخلف، مربت فوق كتفها مردفًا بتعقل وجدية:
"اهدي يا أروى، بلاش عياط. أنا هتصرف. ولو هي القاتلة فعلا، قسما بالله ما هسيبها تتهنى يوم. بس نتأكد الأول."
صاحت مديحة بغل وغيظ واقفة أمامه بغضب:
"تتأكد من إيه؟ هي اللي قاتلة وكمان ممسوكة قدام كل الظباط اللي هناك. إيه هتستناها تعترف؟"
تنهد جواد بحرارة، محاولًا التمسك بهدوئه أمام حديثها لحزنها على ابنها المتوفي منذ قليل:
"مش كدة بس، برضو لازم نتأكد الأول. ولو طلعت هي، هتتعاقب وتتسجن. مش هي هتخرج ونجيب القاتل الحقيقي."
تمتمت بوعيد والشرر يتطاير من عينيها بغضب:
"البت دي لو طلعت، هقتلها أنا بإيدي. دي قتلت ابني الزبالة دي."
تطلعت نحو فاروق وتابعت حديثها بقسوة:
"فاروق، البت دي لازم تاخد إعدام. لو مخدتهوش، هنفذه فيها أنا بإيدي. مش هتقتل ابني وتطلع منها تعيش حياتها عادي، بنت **** دي."
أومأ برأسه أمامًا بجدية، يوافقها حديثها القاسي:
"هيحصل يا مديحة، اهدي بس. حق عصام الهواري هيرجع غصب عن عين الكل. والبت دي هتاخد إعدام، كدة كدة. وأهلها مش هسيبهم في حالها. كله هيتحاسب وبالجامد أوي. اللي راح مش أي حد."
غمغم جواد معترضًا بقوة على حديث والده:
"وهو أهلها مالهم يا بابا؟ اللي بتقوله دة غلط ومينفعش. هي محبوسة وهيتحقق في القضية."
صاح فاروق بعصبية وحدة، يطالعه بنظرات مشتعلة بالغضب:
"بقولك إيه، متدخلش في اللي ميخصكش. وهو أنا هاخد منك أوامر، ولا إيه؟ انت هنا مش في القسم، ولا بتكلم ظابط معاك. ولا تكونش متعاطف مع البت دي اللي قتلت ابن عمك."
غمغم يرد عليه بجدية وخشونة، والغضب يملأه هو الآخر:
"لأ يا بابا، مش متعاطف معاها. دي مجرمة وتستحق العقاب. بس أنا بتكلم على أهلها مش أكتر."
طالعته والدته ليصمت بهدوء.
اقتربت مديحة من فاروق بشدة، حتى لا يستمع أحد إلى حد، وتمتمت بغضب من بين أسنانها:
"ارتاحت لما جوزتهاله. أنت مرتاح كدة من اللي حصل؟ كل اللي حصل دة يا فاروق، أنت سببه."
رمقها بنظرات حادة غاضبة، وتمتم بعصبية مفرطة من حديثها الخاطئ:
"انتي كنتي موافقة يا مديحة، واشتريتي أهلها. وعصام عمل فيها ما بداله. مكانتش غلطتي لوحدي. انتي وافقتي على كل حاجة."
تنهدت بغضب، ثم تمتمت بقسوة وجمود، والشر يلتمع داخل عينيها بشراسة:
"البت دي تبعت حد يربيها وهي جوة. سيبك من حوار أهلها دة، عشان مش هينفعني بحاجة. أنا عاوزاها تتربى وتتفضح صح، عشان سيرة عصام متتجابش على لسانها."
اللمعت الفكرة برأسه مستحسنًا إياها، فأومأ باقتناع:
"حلوة الفكرة دي، اعتبريها حصلت."
أكملت بقساوة مؤكدة لفكرتها:
"بس بقولك إيه، مش عاوزة حد يصدقها ولا يصدق كلامها."
أنهت حديثها وسندت رأسها فوق كتفه، وتمتمت باكية:
"ربنا ينتقم منها رنيم دي."
ظل جواد كما هو صامت، لم يتحدث معها. لم يستطع تصديق فكرة أنها استطاعت فعل شئ هكذا. كيف فعلتها؟ وهو يراها رقيقة، لم تستطع قتل حشرة. كيف ستقتل عصام؟ عقله يربط ما حدث بما يراه عندما كانت قابضة فوق عنق زوجة عمه وتتوعد بقتلها. صراع كبير بدأ بداخله، أفكار متضادة لبعضها، ولا يعلم أيهم الصواب.
لكنه لم يصمت على فعلتها. لن يتركها تفلت من العقاب، إن كانت هي المجرمة، على استعداد أن يبدل قلبه بحجر كبير ويثأر لحق ابن عمه الذي قُتل.
ابتعد فاروق عن الجميع، ثم قام بالاتصال على شخص ما:
"الو يا علي، معاك فاروق الهواري. كنت طالب طلب صغير أوي، بس عاوزه يحصل بسرعة. وأنا عارف أنك قدها."
أجابه الشخص الآخر بلهفة:
"اؤمرني ياباشا، واحنا نطول نخدمك. دة أنا عنيا ليك."
غمغم فاروق بلهجة مشددة حادة:
"عاوزك بخصوص قضية قتل ابن اخويا عصام الله يرحمه عندكم. بت اسمها رنيم السيد. البت دي عاوزها تتروق وتتروق جامد كمان. وأنا هظبطك وأقولك تعمل إيه معاها بالظبط."
بدأ يقص عليه ما يجب فعله معها بجميع التفاصيل.
أجابه الآخر بطمع يلمع بداخله:
"بس كدة، اعتبره حصل يا باشا."
أغلق معه ببرود تام، متطلعًا حوله بحذر، خوفًا من أن يراه أحد أو يستمع إليه.
❈-❈-❈
ألقاها الظابط في الزنزانة الخاصة بالمجرمين.
وقعت أرضًا بضعف، متطلعة حولها بذهول. عالم جديد لم تكن تعلم عنه شيئًا. أشخاص حولها يطالعونها بنظرات مختلفة، لكنها كانت تخشاهم جميعهم.
انكمشت مع ذاتها في صمت، بخوف من همس بعض الجالسات حولها، من الواضح أن الحديث عليها بالطبع.
انغمست في تفكيرها في كل ما حدث معها، فجأة دون أن يستوعب عقلها كل ذلك.
بدأت تبكي بحسرة وقلب مقهور مدمر من قسوة الحياة عليها. دموعها لم تجف من فوق وجنتيها ولو لوهلة واحدة. وداخلها العديد من المشاعر: الحزن، الضعف، الرعب والخوف. شاعرة أن الحياة بأكملها مجتمعة ضدها. حزينة على كل ما فعلته بها الحياة القاسية عليها بضراوة.
شرد عقلها فيما حدث معها قبل مجيئها إلى هنا، لعلها تعلم كيف حدث ذلك.
لكنها تفاجأت بتلك السيدة التي تقترب منها بأعين حادة مثبتة عليها، والغضب يتطاير منها. انكمشت رنيم على ذاتها برعب، وتمتمت متسائلة بخوف وقلق ودموعها لازالت تسيل فوق وجنتيها:
"ا... أنتي مين؟ وعـ... عاوزة إيه مني؟"
ضحكت السيدة بصوت مرتفع بطريقة مقززة، وأكملت طريقها مقتربة منها أكثر، مما جعل رنيم تزحف إلى الخلف برهبة وخشية حتى التصقت في الحائط. وتمتمت ترد عليها بطريقة مقززة:
"هتعرفي يا عنيا حالًا. دة أنتي هتتروقي صح."
شعرت أن قلبها سيتوقف من الرعب الذي ملأه، فتمتمت متسائلة بارتياع ونبرة متلعثمة:
"ا… انتي قـ… قصدك إيه؟ أنا معملتش حاجة."
لم ترد عليها السيدة بالحديث، بل انقضت عليها وبدأت تسدد لها ضربًا مبرحًا، تصفعها بقوة فوق وجنتيها، جعلت الدماء تسيل من فمها وأنفها. ركلتها بقدمها بعنف تحت صرخات رنيم المتوسلة المستغاثة حتى تتركها، لكنها لم تبالي.
لم تكتف بضربها فقط، بل فجأة مزقت ثيابها وبدأت تنزعها عنها بعنف. حاولت رنيم التمسك بثيابها الممزقة، لكنها لم تستطع بجانب قوة السيدة التي أمامها. بدأت تجردها من ثيابها بالقوة رغمًا عنها، ووضعتها داخل كسوة الفراش جيدًا. وعادت إلى الخلف مبتعدة عنها بعدما أنهت مهمتها التي جاءت من أجلها.
تمسكت بالملاءة الملفوفة حولها، ودموعها تسيل فوق وجنتيها بغزارة، متمتمة بضعف وقهرة قلب يملؤه الحزن والآسى:
"ا..أنتي ليه عملتي كدة؟ عاوزة مني إيه؟ أنتي حتى متعرفنيش عشان تعملي كدة. هاتي هدومي دي."
ضحكت السيدة ببرود، مجيبة إياها بحدة:
"بكرة تعرفي يا عنيا، هتعرفي كل حاجة. واتمسي كدة واقعدي ساكتة، بدل ما اجي اديكي علقة تانية أجيب أجل أمك فيها."
جلست رنيم تبكي بضعف، غير قادرة على فعل شيء لذاتها. لم تستطع الدفاع عن ذاتها أمام تلك السيدة التي فعلت بها كل ذلك.
فاقت من شرودها عندما علمت أن الظابط يريدها للتحقيق معها.
وقفت أمام المكتب في انتظار دخولها إلى الظابط للتحقيق معها في ذنب لم ترتكبه سوى بالخطأ. لكنها تلك الحمقاء لا تعلم ما الذي ينتظرها في تلك اللعبة الحقيرة التي ستكون هي بطلتها، لكنها بطلة كالدمية يفعل بها الجميع ما يريدون.
في الداخل، كان يقف أمام الظابط شخص ما، والذي عرف نفسه أنه الحارس الخاص بالمكان الذي تواجد به جريمة القتل.
تحدث الرجل بجدية، محاولًا أن يخفي بها قلقه:
"أنا سعيد البواب يا باشا."
أومأ الظابط برأسه وهتف متسائلاً بجدية حازمة:
"قول بقى كل اللي شوفته من الأول لغاية ما عصام باشا اتقتل."
أجابه بثبات وثقة تؤكد جميع كلامه:
"ياباشا، الست رنيم كانت جاية مع واحد تاني غير عصام بيه، وكان بقالهم كم يوم مع بعض في المكان. بعدها لقيت عصام بيه جاي وسمعت دوشة وزعيق، ولقيت الراجل اللي كان جاي في الأول مع الست رنيم نازل يجري وهو بيلبس هدومه ياباشا. بعدها سمعت زعيق بين عصام بيه ورنيم لغاية ما سمعت صوت ضرب النار يا باشا."
أكد على حديثه، ثم خرج ليلتقط بعدها أنفاسه بصعداء بعد انتهاء مهمته الغير عادية.
وقفت رنيم أمام الضابط المسؤول عن التحقيق معها، ترتعش برعب. لأول مرة تتعرض لموقف هكذا. تمتمت بضعف وخفوت:
"مقتلتوش، أنا مقتلتوش. والله معملتش حاجة. معرفش إزاي حصل كدة."
لم يهتم الظابط لحديثها الكاذب بالنسبة له، وهتف متسائلاً بحدة ولامبالاة:
"احكيلي بقى كل اللي حصل من الأول، أحسنلك. وسيبك من شغل الهبل دة، مش هيخليني أصدق. قتلتيه إزاي؟ ومين الراجل اللي كان معاكي؟ بدل ما تشيليها لوحدك."
حركت رأسها نافية وصرخت رافضة لحديثه:
"لأاا... لأ. والله ما عملتها. مقتلتوش. مقدرش أصلا أعمل كدة. والله ما قتلته. ومش معايا حد غيره. مكنش في حد غير عصام. والله."
نهض مقتربًا منها، صافعًا إياها بعنف ولامبالاة، هدر بها بغضب:
"بقولك إيه يابت، وقفي الهبل دة. انتي مقبوض عليكي متلبسة بروح أمك وماسكة أداة الجريمة في إيدك. فاتعدلي كدة أحسنلك. والبواب لسه خارج من هنا وحاكيلي إنك كنتي جاية مع واحد غير جوزك، فاعترفي أحسنلك."
وضعت يدها فوق وجنتها بضعف، مرتعشة الشفتين، ودقات قلبها تخفق بسرعة عالية بداخلها برعب ضارٍ، والدموع تسيل من عينيها بشعور يصاحبها دومًا، وما هو سوى الحزن والقهر.
دار حولها ببرود، لكنه جعلها تشعر بالرعب أكثر من مصيرها القادم. باغتها بسؤاله الماكر:
"مين اللي كان ضاربك كدة بعد ما شافك مع الواد؟"
توترت بشدة، تود أن تجيبه إجابة تعود بالنفع عليها، لكنها لم تعلم. فتمتمت بصدق وقلق:
"ايوة هـ… هو عصام اللي عمل كدة. وفي ضرب من واحدة جوة."
ضحك الظابط ببرود، وكأنه وجد الحل، وأومأ برأسه بمكر:
"هو كان بيضربك عشان خيانتك ليه، وواضح أنه جامد. فانتي اتعصبتي وجبتي المسدس وقتلتيه عشان تنقذي نفسك من الفضيحة، وقولتي المكان مقطوع تعرفي تهربي."
صُدمت من حديثه واتهامها بالخيانة. حركت رأسها نافية بخوف وتعب. نعم، هي كانت تفكر في ذلك الأمر أثناء تطاوله عليها، لكنها لم تستطع فعلها:
"لـ… لأ. لأ والله ما قتلته. ماهو أصلا بيضربني على طول من أول جوازنا، وقدام أهله كمان. ومقتلتوش. هقتله المرة دي ليه؟ وبعدين خيانة إيه؟ أنا كنت رايحة مع عصام."
صاح بها بعنف، فأمامه هي كاذبة مذنب، لم تعترف بجريمتها:
"بقولك إيه، الأنكار مش هيفيدك. البواب لسه معترف بكل اللي شافه. اللي بتعمليه دة بيضرك."
أغلقت عينيها أمامه بضعف، رافضة لحديثه الخاطئ، محاولة الدفاع عن ذاتها بصدق:
"لأ..لأ والله معملتش كدة. بس أنت بتقولي حاجات محصلتش، اعترف بيها إزاي. بعدين مكنش فيه بواب في المكان. أنا مظلومة والله معملتش حاجة ولا قتلت عصام. وجيت مع حد غيره. كل دة كذب."
ضحك ببرود، مضيفًا بسخرية لاذعة، لم يحمل حديثها بجدية:
"لا متخافيش، كان قبلك هنا يجي مليون واحدة. وكلهم بيقولوا نفس الكلام، لأ وبيحلفوا كمان زيك كدة."
وجده يأمر من يقف أمامها بنبرة آمرة متعجرفة:
"خدها عالحجز، عشان هي معملتش حاجة ومقتلتش حد."
قال جملته الأخيرة ساخرًا منها ومن حديثها التي تدافع به عن ذاتها. قبل أن تذهب، تمتمت بضعف منكسرة:
"طب ا.. أنا عاوزة هدومي. هـ… هما خدوهالي مني هناك.."
أجابها الظابط ببرود ولا مبالاة:
"ملكيش حاجة هنا. انتي جاية هنا كدة. يلا خودها الزنزانة."
عادت مرة أخرى إلى الزنزانة، لكنها تفاجأت عندما لم تجد السيدة التي قامت بالتعدي عليها قد اختفت تمامًا، وكأنها لم تكن هنا.
اقتربت من إحدى السيدات، وتمتمت متسائلة بخفوت وضعف:
"هـ… هي فين الست اللي كانت هنا وضربتني وخدت هدومي."
باغتها بإجابتها الصادمة بالنسبة لها:
"ست مين؟ انتي محدش جه جنبك أصلا يا حبيبتي."
طالعتها بصدمة، وقد فهمت ما يدور حولها. لعبة مدبرة ضدها، وقد نجحت بالفعل.
جلست تبكي بقهر، والحزن يملأ قلبها من الظلم التي تتعرض له دون أن تفعل شيئًا يستحق.
لا تعلم لما كُتب الحزن على جبينها. كانت تظن أنها بموت عصام ستبدل حياتها السوداء القاسية إلى أخرى وردية سعيدة. لكن ما تراه الآن هو أسوأ من كوابيسها. هي متهمة بقتل عصام زوجها، وأيضًا خيانته. كل شيء مدبر لجعلها هي الجاني بدلًا من المجني عليها بأفعال عصام المختلة.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين.
كانت رنيم تجلس في أحد أركان الزنزانة بانكسار وحزن يملأ قلبها المحطم بداخل قفصها الصدري. تود الصراخ حتى تنقطع أحبالها الصوتية، لكنها تستحي أن تفعل. دموعها لم تتوقف لحظة واحدة.
لا تصدق أن حياتها ستنتهي في شيء لم تفعله. هل حقًا ستقضي بقية عمرها هنا تعاقب على فعل لم تقوم به؟
قطعت شرودها عندما استمعت إلى الحارس الذي يصيح باسمها بخشونة حادة:
"فين رنيم السيد."
تحاملت على ذاتها لتنهض بقلق، شاعرة أن قدميها لم تعد تتحملها، لكنها مجبرة على التحمل رغمًا عنها. وتمتمت بضعف وخفوت:
"ا… أيوه أنا… أنا رنيم."
استكمل حديثه بجدية وخشونة:
"تعالي اخلصي، في حد عاوز يشوفك."
طالعته بذهول، غير مصدقة حديثه. من سيأتي لرؤيتها؟ هي حقًا ليس لها أحد ليسأل عليها. تخلى أهلها عنها منذ زمن، وبالطبع لن يعودوا إليها الآن. وعائلة عصام آخر ناس يريدون رؤيتها. فمن الذي يريدها الآن؟
عقلها قد وصل إلى حل مرضي. من الممكن أن يكون محسن. لما لا؟ يود التحدث معها بعد فعلته الحقيرة معها وتخليه عنها.
فاقت على صوت إحدى السيدات التي صاحت بها بحدة غاضبة:
"ما تخلصي يا اختي، روحي وخلصينا. إيه شغل السهتنة والاستهبال دة."
لم ترد عليها لأنها لا تعلم كيف يجب أن ترد على أمثال تلك السيدة. لذلك سارت مع ذلك الحارس، وتمتمت متسائلة بقلق:
"هـ… هو أنت متعرفش مين اللي عاوز يشوفني؟"
أجابها نافيًا بصدق:
"لأ، بس بيقولوا إنها واحدة مهمة. دة الدنيا اتقلبت لما جت."
تفاجأت عندما دلفت بوجود مديحة الجالسة فوق الأريكة بشموخ، والحزن بادٍ فوق قسمات وجهها. أردف الظابط بهدوء واحترام لمديحة:
"أنا هسيبك معاها يا مديحة هانم."
أومأت مديحة برأسها أمامًا، بينما رنيم ظلت واقفة بجانب الباب، تود الذهاب مسرعة هاربة من أمامها، تخشى ما ستفعله بها.
نهضت مديحة مقتربة منها بغضب عارم يعميها، وتمتمت بجمود حاد مشيرة بسبابتها نحوها:
"بقى انتي يا بنت ال*** يا وسخة بتقتلي ابني؟ قسما بالله ما هسيبك."
قبل أن تفهم رنيم مقصد حديثها، اسرعت تنقض فوق عنقها بغضب، غارزة أظافرها في عنقها بقوة. صرخت رنيم متألمة بضعف، محاولة الدفاع عن ذاتها بلهجة ضعيفة مجهدة:
"مـ… معملتش حاجة… والله ما قـتلته. كل دة كدب. والله ولا الله معملتش حاجة. مقدرش أعملها أصلا. والله.."
بكت بعنف حتى تجعلها تتركها، لكن مديحة ظلت قابضة فوق عنقها حتى وجدت أنفاسها بدأت تقل وتغمض عينيها، فتركتها ببرود:
"أقسم بالله ما هسيبك. انتي اتجرأتي وقتلتي ابن الهواري يا زبالة."
ظلت تلتقط أنفاسها بصعداء وصوت مرتفع، ثم أجابتها بنبرة مرتعشة خائفة من أن تفعل بها شيئًا آخر:
"و… والله ما أنا. مش أنا اللي قتلته ولا خونته ولا أي حاجة من اللي بتتقال. والله ما عملت حاجة. معملتش حاجة. أنا مظلومة."
لم تهتم وتبالي بحديثها، بل جذبتها من شعرها بقوة، مغمغمة بنبرة تهديد حازمة:
"بصي يا بت، انتي سيرة ابني متجيش على لسانك ولا اللي كان بيعمله يتفتح. أحسنلك. قسما بالله هجيب اللي يقتلك وانتي مرمية هنا زي الكلبة."
أومات برأسها أمامًا برعب، متألمة من قبضتها القوية فوق شعرها، ولازالت تحاول تلتقط أنفاسها بصعوبة:
"خـ… خلاص خلاص. كفاية سيبيني. مش هقول حاجة. بس خرجيني من هنا. والله ما قـتلته. والله ما عملت حاجة ولا خونته حتى. كل دة ظلم. خرجيني من هنا."
طالعتها بغضب، وأعين يملأها الشر، مودّة قتلها في تلك اللحظة انتقامًا لثأر ابنها الذي قُتل. أطاحتها أرضًا بعنف، صائحة:
"اخرجك يا بنت **. دة أنا هاين عليا أخد روحك بإيدي وأبرد ناري، بس حقي هاخده كدة كدة. انتي لسه متعرفيش اللي هيحصلك على إيدنا كلنا. جواد مستحلفلك وناوي على قتلك. هو وفاروق موصيين عليكي توصية صح عشان حقنا يا وسخة."
لا تعلم لما بكت بعنف عندما علمت بما يفعله جواد. توقعت عدم تصديقه والوقوف بجانبها، لكن كم هي حمقاء. هل حقًا تتوقع وقوفه معها ضد ابن عمه الراحل؟ بالطبع لا. هي ليس لها أهمية بجانب ابن عمه.
تمتمت بضعف والدموع تملأ وجهها:
"أ… أنا مقـتلتوش. والله مظلومة."
لم تهتم بحديثها، بل سارت نحو الخارج بعدما طالعتها بازدراء محتقرة، متمتمة بنبرة تحذيرية:
"قسما بالله لو بوقك اتفتح بكلمة على ابني اللي قتلتيه، هقتلك هنا وأنا نفسي أعملها يا خاينة يا وسخة. طول عمري كنت شاكة فيكي وفي أخلاقك ال*بالة اللي زيك، بس المرة دي جوايا نار مش هتطفي غير بروحك يا رنيم، بروحك سمعاني."
تفوهت جملتها الأخيرة بشر، والنيران تتآكل في قلبها على خسارة ابنها، تود أن تنفذ تهديدها وتطفئ نيران حزنها على ابنها الوحيد بقتل رنيم، لكنها ستنتظر حكم إعدامها المؤكد لها من الجميع.
خرجت بغرور وشموخ، وجدت فاروق لازال ينتظرها بسيارته في الخارج. جلست بجانبه، غمغم متسائلاً بحزم:
"عملتي اللي عاوزاه وارتحتي كدة."
أومأت برأسها، وتمتمت بمكر وتشفي:
"اه يا فاروق. كنت هروح فيها لو مشوفتش البت دي وهي مذلولة قدامي وملفوفة بالملاءة زي الناس ال*بالة اللي زيها. بتدفع تمن روح ابني اللي خدتها وبتتبكي بدل الدموع دم."
أجابها بتعقل وجدية، وهو لازال غير راضٍ على تلك الزيارة التي تمت:
"خلاص كدة كدة عملتي اللي عاوزاه، مع أن كل دة ملوش لازمة. وانتي عارفة كويس أوي إنها مش هتفتح بوقها بعد اللي حصلها وهتدفع تمن اللي عملته وهتتربي وهي جوة. بس أنا ريحتك اهو."
تحدثت بمكر وخبث، عالمة جيدًا نتيجة حديثها السام:
"اه عارفة، بس قولت أعمل كدة للأمان. أحسن تفضح السر اللي من سنين."
تحولت ملامحه بغضب، وصاح بها بلهجة مشددة غاضبة:
"مـديـحـة… بلاش الكلام دة. أحسن البت متعرفش حاجة أصلا. حتى عصام عن نفسه ميعرفش حاجة عشان يحكيلها. يبقى تسكتي خالص ومتفتحيش سيرة الموضوع دة أحسنلك."
خشيت من نبرته التي تحولت، فأردفت متسائلة بتوتر وارتباك:
"قصـ.. قصدك إيه يا فاروق؟"
صاح بها بحدة ضارية، غالقًا ذلك الحديث السام:
"قصدي إنك تسكتي خالص وتقفلي الكلام دة يا مديحة."
أومت له أمامًا، ملتزمة الصمت كما أخبرها، حتى لا تجعله بغضب عليها، خاصة أنه أصبح في ذلك الوقت أكثر عصبية وأسرع غضبًا.
جلست رنيم في الزنزانة مرة أخرى تفكر في حديث مديحة. تتمنى وجود أهلها معها، لكنهم تركوها من زمان، وكأنها شيء ليس له أهمية. خشيت من تهديد مديحة لها. وقد أتى في عقلها سؤال هام. هل هم من جعلوها تظهر بصورة الخائنة الزانية؟ هل هم من جعلوا تلك السيدة تفعل بها ذلك؟ أم شخص آخر؟ تظن أن محسن هو السبب في كل ما يحدث لها.
شعرت أن عقلها سينفجر من فرط الضغط الذي به. وقلبها حزين على تخلي الجميع عنه. كانت حمقاء تتوقع وجود جواد بجانبها، لكنه كيف سيفعلها وهي أمامه قا’تلة لابن عمه الذي كان بمثابة شقيقه. هو فقط سيجاهد لأجل أن تُعدم ويعود حق ابن عمه.
❈-❈-❈
في الصباح.
وجدت الحارس يصيح باسمها مجددًا ليخبرها أن أحد يريد رؤيتها. وقفت في حيرة، مستمعة إلى إحدى السيدات المتحدثة بسخرية:
"قومي يا ست رنيم، زوارك كتروا كل يوم. قومي ياختي."
اقتربت من الحارس متسائلة بقلق، تخشى أن تكون مديحة عادت إليها مرة أخرى لتنفذ تهديدها:
"هـ.. هي نفس الست اللي جت قبل كده."
رد يجيبها نافيًا:
"لأ، مش هي المرة دي لأ. ويلا ياختي خلصينا، مش هتتسايري معايا."
تراجعت بخطواتها نحو الخلف برعب، متمتمة بتراجع:
"لـ… لأ. لأ أنا مش عاوزة أقابل اللي جاي. مش عاوزة."
أسرع يقبض فوق ذراعها، جاذبًا إياها منه بعنف ليجعلها مجبرة على السير معه رغمًا عنه:
"لأ اخلصي ياختي، المرة دي مش بمزاجك، لازم تروحي."
لم تستطع الإفلات من قبضته القوية، فسارت بقلة حيلة لترى من الذي يريد رؤيتها تلك المرة. لكنها تفاجأت عندما وجدت جواد هو من يريدها.
وقفت أمامه بخجل وحزن، ودموعها سالت فوق وجنتيها، متمسكة بالملاءة التي حولها بضعف. وأسرعت تحاول الفرار من أمام عينيه والخروج من الغرفة، لكنه هدر بها بعنف يستوقفها:
"استني عندك، انتي رايحة فين؟ اقفي قدامي."
تمتمت منكسرة بخفوت ونبرة ضعيفة شبه هامسة:
"ا… ابعد عني يا جواد، خليني أمشي مكان ما كنت."
صحح لها بحدة ونبرة مشددة حازمة:
"جواد باشا… جواد باشا هو اللي قدامك."
استمعت إلى صوت تحطيم قلبها بداخلها. لأول مرة ترى قسوته عليها. تود الصراخ بكل قوتها، لكنها لن تستسلم أمامه. وقفت أمامه بغضب، وتمتمت بعصبية بعدما فقدت السيطرة على ذاتها:
"وأنت يا باشا عاوز إيه من واحدة زيي؟ وجاي ليه أصلا؟ دة أنا مجرمة حتى وقتلت ابن عمك وخو’نته قبلها."
لم يتوقع اعترافها له بتلك السهولة. أسرع قابضًا فوق ذراعها بغضب، وصاح بها متسائلاً بحدة، ولازال تحت تأثير صدمة حديثها:
"لـيـه؟ لــيـه قتـلتيه؟ عملك إيه؟ بستاهل منك كل دة؟ دى اتجوزك وعيشك عيشة متحلميش بيها. ليه تعملي كدة انتي؟"
تابع بوعيد حاد وغضب يملأ أوداجه:
"قسما بالله ما هسيبك، وهرجع حقه منك. واحدة زيك متستاهلش حاجة حلوة زي ما كان معيشك."
ضحكت مستهزءة لحديثه بسخرية، وأسرعت ترد عليه بغل وحقد شديد، متذكرة أفعاله بها المختلة منذ بداية زواجها بها حتى قتله. متذكرة آلامها على يده في كل لحظة مرت عليها. قتله لطفلها داخل أحشائها وحرمانها من شعور الأمومة للأبد بسبب ما فعله بها. كل ذلك ويرى هو أنها عاشت حياة لم تحلم بها. هي كانت تعيش معه كابوس طويل مؤذي لها فقط:
"هـو يستاهل. هو ميستاهلش غير القتل. لو في إيدي أقتله تاني هعملها. هعملها تاني وتالت ومش هتردد لحظة واحدة."
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
يتبع
رواية لهيب الروح الفصل الثامن 8 - بقلم هدير دودو
رواية لهيب الروح الفصل التاسع 9 - بقلم هدير دودو
في الغرفة الخاصة بأروى، دخلت مديحة بعصبية صائحة بها بغضب بعدما تأكدت من غلق الباب خلفها:
- انتي اتجننتي يا اروى إيه الهبل اللي عملتيه ده. انتي عاوزة إيه؟
نهضت أروى تقف قبالتها بعصبية والدماء تغلي داخلها من رد فعل جواد الحاد معها. تمتمت بضيق متبجحة ترد على حديث والدتها:
- إيه يا ماما اتجننت في إيه. بشوف مستقبلي ولا عاوزة أسيب جواد يبص لواحدة في الفترة دي.
أجابتها بعصبية معلنة رفضها عن طريقة تفكيرها وأفعالها الغير محسوبة:
- لا ده اسمه جنان. وبعدين استفدتي إيه بعملتك دي غير إن الحوار اتعقد. جوازك منه بإيد عمك مش بإيد جواد أصلًا، بس اللي عملتيه ده عقد الحوار.
شعرت أروى بالغضب يملأ داخلها ونيران تشتعل في قلبها متذكرة حديث جواد ورد فعله المباغت لها. فأردفت متحدثة بحدة:
- وإنتي فاكراني هسكتله على اللي عمله معايا. والله لأندمه وأخليه هو اللي يلف ورايا.
لم تهتم والدتها بحديثها وتمتمت متحدثة بحدة صارمة مشددة فوق كل حرف تتفوه به:
- بقولك إيه يا أروى. الهبل ده أهدي عليه مش وقته خالص. أنتي دلوقتي تبقي زعلانة على موت أخوكي اللي لسه حقه مجاش. انتي إزاي كده.
أشارت بسبابتها نحو ذاتها مستنكرة حديث والدتها التي تراه في حالتها غير مألوف. وتمتمت ببرود غير مبالية لأي شيء سوى ذاتها:
- ابقى زعلانة على مين. ماما انتي بتضحكي عليا ولا على نفسك. عصام وجوده زي عدمه أصلًا. ولا كان عامل لي حاجة ولا عاملك انتي كمان. هو بس كان بيجي البيت عشان القرف اللي كان بيعمله مع رنيم. لكن إحنا لأ. متضحكيش عليا ولا على نفسك. ده كان مر...
أسرعت تقطع حديثها مسرعة بغضب حاد واضعة يدها فوق فمها مانعة إياها من مواصلة حديثها الضار لهما:
- بس بس اسكتي خالص. الكلام ده متتقالش ولا حد يسمع الكلام ده. بلاش جنان يا أروى وامسكي نفسك وتصرفاتك شوية.
أومأت برأسها أمامًا بعدم اقتناع لكنها فعلت ذلك لأجل حديث والدتها. وتمتمت بلامبالاة:
- ماشي ياماما. خلاص كدة كدة جواد مشي.
سارت مديحة بخطى واسعة غاضبة تاركة الغرفة لاعنة أفعال ابنتها المندفعة التي ستسبب لها العديد.
جلست أروى بغضب عقلها يكرر صفعة جواد لها وإهانته لها الواضحة معلنًا رفضه لها صراحةً أمام الجميع بلا تردد. متذكرة كيف أبعدها عنه رافضًا فعلتها واقترابها منه الغير محبب له. تتوعد له بعصبية مقررة أن تجعله يموت ندمًا على تركه لها. ستأخذ خطواتها في إظهار ذاتها وجمالها أمامه.
الحمقاء تظن أنه سيتطلع نحوها بعد رفضه الدائم لها. تظن أنها ستنجح في لفت فكره نحوها لتنعم بإهتمامه الدائم.
***
في الصباح.
ولج فاروق لمديحة بخطوات واسعة غاضبة. فوقفت قبالته بهدوء متمتمة بتساؤل مدعية عدم الفهم بالرغم من دقات قلبها المتسارعة بداخلها بخوف:
- إيه يا فاروق في حاجة؟
أسرع يجيبها صائحًا بصرامة ولهجة مشددة حازمة:
- آه فيه وانتي عارفة إنه فيه. بلاش تستهبلي عليا ولا هتعملي زي ما عملتي امبارح انتي وبنتك.
شحب وجهها بتوتر وفرت الدماء هاربة منها. وردت عليه بقلق وعدم انتظام:
- قـ.. قصدك إيه يافاروق. بعدين أنا وأروى معملناش حاجة امبارح.
قبض فوق ذراعها بقوة ألمتها. جعلتها تتأوه متألمة بضراوة متمتمة بضيق:
- يا فاروق اوعى إيدك واتكلم زي ما أنت عاوز.
ظل قابضًا فوق ذراعها لم يتركها وغمغم بجدية حادة يوضح لها معنى حديثه عالمًا أنها تفهمه جيدًا مدعية عدم الفهم:
- الكلام اللي اتقال امبارح غلط في غلط وأنا عارف. جواد ضرب أروى ليه. متقوليش الكلام الهبل اللي اتقال امبارح لأنه مش هيدخل دماغي.
طالعته بريبة وقلق لاعنة ابنتها سرًا عن أفعالها الحمقاء. وأجابته بتوتر محاولة إنهاء الأمر:
- مفيش يا فاروق. هي اعترفتله إنها بتحبه. شوف ابنك بقى عمل كده ليه. هي بتتعامل معاه كأنه خطيبها زي ما أنتَ قولت. هو اللي مش موافق.
تركها بهدوء وغمغم بجدية وصرامة:
- قوليلها مش وقته. متفتحش الحوار ده دلوقتي مع جواد. ولا بنتك مش عارفة تستنى شوية.
طالعته بمكر وبدت العصبية فوق قسمات وجهها شاعرة بتخليه عن الأمر. فصاحت به بغضب وحدة:
- لا هي تعرف تستنى. بس شكلك أنت اللي اتراجعت عن الموضوع ده. قولت خلاص عصام مات ومبقاش ليه لازمة وهتشيل ايدك منه عشان مش عارف تحكم على جواد. جليلة مقوياه.
هدر بها بعنف ليجعلها تتوقف عن حديثها الذي ليس له معنى. طالعها بأعين حادة غاضبة:
- مديحة آخرسي خالص. أنا فاهم كلامك كويس. بعدين لا انتي ولا عصام اللي عاوزين الجوازة دي. لأ أنا اللي عاوز أجوز أروى بنت أخويا لابني. بس ده مش وقته. مش وقته خالص.
تنهدت بصوت مرتفع متمتمة بضيق:
- ماشي يا فاروق. لما نشوف.
هدر بها بعنف وعصبية صارمة أخرستها:
- مديحة اتعدلي. تشوفي إيه. وأنا من إمتى رجعت في كلمة قولتها. أنا مش عاوز كلام في الموضوع ده دلوقتي غير لما أفتحه أنا. سمعاني؟
تراجعت مسرعة عن موقفها وصرامتها أمامه متمتمة بهدوء:
- آه طبعًا يا فاروق. أنا مقولتش حاجة. أنا بس بقول يعني عشان خاطر أروى حرام نكسر قلبها عشان كده بتكلم.
همهم يرد عليها بجدية وتعقل:
- أروى زيها زي سما وانتي عارفة كده. عمري ما هكسر قلبها. جواد ليها بس اصبري انتي وهي. بعدين ده جليلة زعلانة على وفاة ابنك أكتر منك. هو في إيه. ابنك لسه ميت مكملش حاجة وانتي بتفكري في جواز.
صممت مستمعة إلى حديثه بغضب متمتمة بحدة:
- هو إيه اللي بتقوله ده. أكيد زعلانة على ابني. فاروق بلاش كلامك السخيف ده ملوش داعي.
همهم يجيبها وسار متوجه نحو الخارج تاركًا إياها خلفه. شاعرة بغضب عارم يزداد بداخلها من حديثه. كيف له أن يتهمها بعدم حزنها على وفاة ابنها الوحيد؟! كيف يمدح في جليلة عنها ويفضلها؟! شاعرة بنيران حادة تشتعل في قلبها.
***
بعد مرور يومين.
وصلت مديحة للمنزل المقيم به عائلة رنيم بغرور. أسرعت والدتها تطالعها برعب والخوف يملأ قلبها بعد فعلة ابنتها بزوجها. تمتمت بقلق مشيرة لها بالدخول:
- أهلاً وسهلاً يامديحة هانم اتفضلي ادخلي ارتاحي.
طالعتها بغرور من أعلاها إلى أدناها وردت عليها بتكبر:
- منا هدخل وارتاح. ده بيتي. ولا نسيتي أصلكم والحارة اللي كنتم فيها.
أجابتها مسرعة بقلق مؤمأة برأسها أمامًا تؤيد حديثها المهين لهم:
- آه طبعًا يا مديحة هانم. كل اللي بتقوليه صح. ده بيتك وتعملي فيه اللي عاوزاه طبعًا.
هبت واقفة قبالتها بعصبية صائحة بها بغضب:
- كويس إنك عارفة يعني. كمان أقدر أطردكم في أي وقت وترجعوا للشارع اللي جايين منه.
أسرعت ترد عليها بخوف وكأن ما تخشاه سيحدث:
- لـ.. ليه بس يا مديحة هانم. هو… هو أنتي شوفتي منا حاجة وحشة. ده إحنا من إيدك دي لأيدك دي و…
هدرت بها بعنف وحدة أخرستها رامقة إياها بنظرات غاضبة كالسهام المنطلقة نحوها:
- بقولك إيه متستهبليش عليا. أنتي مش عارفة بنتك الوسـ*ـة دي عملت إيه بعد ما لمتها. ده أنا لو طولتها هاكلها بإيدي مش هرحمها.
خرج والد رنيم بسبب صوت مديحة المرتفع. تفاجأ عندما رآها أمامه. أسرع مرحبًا بها بقلق:
- إيه ده إيه ده. المكان منور. اتفضلي ياهانم ارتاحي.
لم تهتم بحديثه وواصلت حديثها مرة أخرى بقسوة وغرور:
- ها قولتي إيه. تحبي تطردوا من هنا ولا تقعدوا وتسمعوا كلامي اللي هيتنفذ بالحرف.
ردت عليها مسرعة من دون تفكير توافقها في أي شيء تريده منها:
- أكيد طبعًا ياهانم. اللي عاوزاه كله هيحصل. إحنا ملناش دعوة برنيم ولا طايقينها بعد عملتها السودا.
جلست بغرور واضعة ساقها فوق ساقها الآخر. وتمتمت بخبث يشبه نواياها:
- عاوزاكم تشهدوا ضد رنيم. تقولوا إن ليها في المشي البطال ومن زمان. وهجيب محامي يفهمكم كل الحاجة ولللي هيتقال بالظبط.
وافقت هالة والدتها مسرعة بدون تفكير في مصير ابنتها وسمعتها التي ستدمر. بل كل فكرها في مصير حياتها التي اعتادت عليها وتخشى زوالها:
- لا لا إحنا موافقين طبعًا. إحنا هنقف معاها بعد عملتها السودا دي. منها لله ربنا ياخدها.
تطلعت مديحة نحو والد رنيم الذي كان يقف صامت لم يبدي رد فعل على حديثها. وتمتمت متسائلة بمكر لتعلم رأيه هو الآخر في الأمر:
- وأنت إيه رأيك؟ قولت إيه. هتشهد ولا تمشوا والفلوس اللي ببعتها تقف؟
ابتلع ريقه بتوتر لم ينجح في تحديد موقفه. فأجابها متلجلجًا بضعف:
- مـ…ماهو أنا والله ياهانم لسه مش عارف. رنيم بنتي برضو مهما يحصل. وسمعتي من سمعتها.
صاحت به بعنف غاضبة والدماء غلت بغضب داخلها:
- آه قول كده بقى. يعني أنتَ واقف مع بنتك عدوتي ال*** اللي قتـ لت ابني صح.
تمتمت والدتها مسرعة برفض وطمع متلألئ في عينيها والخوف من ترك كل شيء يعيشون فيه ملأ قلبها:
- لا طبعًا واقفين معاها إيه. رنيم بالنسبالنا ماتت بعد عملتها السودة. والله محدش عاوزها. هو بس بيتكلم عشان سمعتنا مش أكتر. والله يا مديحة هانم.
لم تعطِ لحديثها اهتمام بل كررت سؤالها مرة أخرى بنبرة تزداد حدة:
- ها مسمعتش ردك يعني. أنت واقف مع رنيم بنتك وموافق تضحي بكل ده وبالعيلة كلها عشانها؟
تلألأت عينيه بطمع متذكرًا حالته القديمة الفقيرة وخوفه منها. فرد عليها هو الآخر موافقًا بعدم رضا محاولًا إخفائه أمامها حتى لا تتراجع معهم:
- لا طبعًا يا مديحة هانم مش كده. أنا مش معاها. أنا بس كنت بتكلم في نقطة تانية. بس هعمل اللي حضرتك عاوزاه طبعًا. واعتبريه حصل. فهمينا انتي بس اللي هنقوله.
ابتسمت بمكر والشر يبدو داخل عينيها مقررة تدمير رنيم تلك الفتاة التي عانت من ظلمها وقـ سوة عائلتها. وتمتمت بغرور متعجرف:
- المحامي هيبقى يفهمكم كل حاجة وتتقال بالنص زي ماقولت. وكمان الفلوس هتوصلكم زيادة بعد كده وخدوا دول.
أخرجت حفنة من المال من حقيبتها وألقتها فوق المنضدة بتكبر ومتباهية بذاتها ومالها وسلطتها عليهم.
تمتمت هالة بسعادة مرتسم فوق وجهها ابتسامة طامعة وعينيها تلتمع فوق المال المتواجد أمامها بطمع:
- تسلميلنا ياهانم والله. تشربي إيه بقى أنتي مشربتيش حاجة خالص.
نهضت بغرور وأشارت نحوها بسبابتها بتقليل من شأنهم:
- أنا أشرب عندكم أنتم. ده في أحلامك. متنسيش نفسك.
سارت نحو الباب بخطى واثقة تاركة أياهم فرحين بالمال الذي حُصلوا عليه يخططون لما سيفعلونه به غير عابئين لأمر ابنتهم الذي يضحون بها بعد بيعها من قبل كالسلعة التي ليس لها أهمية عند أحد. الأهم عندهم هو المال فقط. على أتم استعداد لفعل أي شيء مقابل الحصول عليه. بينما مديحة فقد ارتسم فوق شفتيها ابتسامة ماكرة منتصرة لنجاحها في تحقيق هدفها من تلك الزيارة التي قامت بها بعلم فاروق وخططت معه على كل شيء سينفذونه في الجلسة الأولى لعقوبة رنيم العقوبة المستحقة للنيل بثأر عصام الهواري.
***
عاد جواد إلى المنزل مرة أخرى بعدما قامت والدته بالإتصال عليه والتحدث معه مترجية إياه حتى يعود.
أسرعت تحتضنه وتهللت أساريرها بفرحة مرحبة به بسعادة ومعاتبة إياه بحنان:
- تعالى اقعد يا حبيبي. بقى كده عاوز تمشي وتسيب أمك حبيبتك.
سار معها بهدوء وثقة مرتسم فوق ملامحه جدية تامة جالسًا فوق الأريكة بجانبها مقبلًا يدها بحب:
- وأنا أقدر برضو ياست الكل. بس اللي حصل مينفعش. فاروق بيه الهواري سمع كلامهم رغم إنه عارف إنهم كدابين.
كان يتحدث بغضب شديد متملك من كل ذرة به متذكرًا أفعال والده معه الغير مفسرة.
أسرعت تحتضنه بحنو مربتة فوق كتفه بهدوء وردت عليه بتعقل هادئ:
- ياحبيبي والله قولتله إن كلامهم مش صح. بس هو عمل حساب إن عصام لسه متوفي. حقك عليا أنا ياحبييي. ولم الموضوع عشان خاطري ولا ماليش خاطر عندك.
طبع قبلة رقيقة فوق جبهتها حانية مغمغمًا يرد عليها بهدوء:
- لأ طبعًا. اللي عاوزاه كله هيحصل. بس يعـ…
قبل أن يواصل حديثه وجد سما شقيقته التي عادت للتو لم تكمل دقيقة. أسرعت منطلقة نحو جواد شقيقها واقفة خلفه متمتمة بخوف:
- جواد الحقني عشان خاطري.
هب واقفًا بصدمة معقدًا حاجبيه بعدم فهم وأردف متسائلًا:
- في إيه يا سما؟ إيه اللي حصل؟
قبل أن تجيبه وجد والده يدلف والغضب بادي فوق ملامح وجهه بضراوة. صاح في سما ابنته بعصبية:
- سما تعالى هنا قدامي أحسنلك.
أنهى حديثه مشيرًا لها بسبابته أمامه.
تشبثت في قميص جواد بقوة الذي ربت فوق يدها بهدوء. وغمغم متسائلًا بجدية تامة:
- في إيه مالها سما. عملت إيه براحة عليها؟
ضرب فاروق المنضدة التي أمامه بقوة غاضبة صائحًا بحدة ولهجة حازمة مشددًا فوق كل حرف يتفوهه:
- ملكش دعوة أنتَ. دي بنتي وأنا حر. ولا مش هعرف أكلمها عشانك. ده اللي ناقص بقى. تعالى ياسما قولت.
قبض جواد فوق يده بقوة ضارية حتى أبيضت مفاصله محاولًا السيطرة على غضبه حتى لا يتشاجر مع والده مرة أخرى خاشيًا تعب والدته.
رد عليه متسائلًا مرة أخرى بهدوء زائف لا يعلم من أين حصل عليه:
- مش كده بس. هي خايفة قدامك. في إيه لدة كله؟
تنهد بغضب ضار والدماء غلت بعروقه وأردف بحدة صارمة:
- طب بصي بقى طالما هي كده. مفيش مرواح الجامعة تاني غير على الامتحانات. سمعاني. لكن مرواح كل يوم ده انسيه.
أجهشت في بكاء شديد وتمتمت بضعف معترضة من بين دموعها التي سالت فوق وجنتيها كالشلال بلا توقف:
- بـ… بس يابابا مينفعش والله ما..
قطع حديثها بصرامة وشدة:
- اللي قولته يتنفذ. بدل ما أقول مفيش خالص.
غمغم جواد يرد عليه هو معترضًا بجدية وحدة:
- يعني إيه. هو إيه اللي مفيش خالص دي. في آخر سنة ليها ولازم تكملها.
صاح فاروق يرد عليه بعصبية شديدة:
- اسكت أنتَ خالص. أنا بكلم بنتي. إيه اللي دخلك. مش هعرف أتكلم معاها عشانك.
قبل أن يرد جواد عليه بعدما فقد سيطرته على ذاته. أسرعت جليلة تتحدث بقلق:
- جواد خلاص انت يا حبيبي اسكت دلوقتي.
تطلعت نحو فاروق بقلق خوفًا من حدوث أي شيء بينه وبين جواد. وتسائلت بنبرة هادئة:
- في إيه يا فاروق. سما عملت إيه عشان دة كله. بعدين اهدى كده وكلمها بعدين. تكون هديت.
أومأ برأسه أمامًا بثقة تامة وغمغم بشموخ وجدية:
- بعدين هقولك. تعالي فوق نتكلم.
سارت معه مسرعة داعية ربها أن يمر الأمر بهدوء وتجعله يتراجع في قراره مع ابنته.
جذب جواد شقيقته داخل حضنه مربتًا فوق ظهرها بحنان مردفًا بهدوء لينجح في تهدئتها هي الأخرى:
- اهدي يا سما. مفيش حاجة تستاهل دموعك دول.
كانت ترتعش بين يديه بضعف وتمتمت من بين دموعها بحزن:
- جـ… جواد أنا عاوزة أروح. مش هعرف أكمل كده.
ربت فوق ظهرها بحنان وأردف بتعقل وجدية:
- هتكملي وهتروحي يوم كمان. بس اقعدي كده وفهميني في إيه. وليه بابا عمل كل ده. ده عمره ما عمل كده معاكي.
جلست بحانبه بعدما مسح دموعها بحنو تطلعت أرضًا بخجل تفرك في يديها متمتمة بتوتر:
- مـ…ماهو يا جواد أنا بصراحة..
لم تستطع مواصلة حديثها. فربت فوق يدها مقبلًا إياها بهدوء يحثها على مواصلة حديثها:
- اتكلمي يا سما. متخافيش. في إيه لكل ده.
أومأت برأسها أمامًا وتمتمت بخفوت مواصلة لحديثها:
- حد قال لبابا إني بحب واحد. فهو عمل كل ده عشان كده.
اعتدل في جلسته أمامها بجدية متسائلًا بعدم فهم:
- يعني إيه اللي بتقوليه ده. وأنتي بتحبي فعلاً ولا لأ. احكي بقى براحة عشان أفهم.
تطلعت أرضًا بخجل يبدو عليها بوضوح. ففهم جواد حقيقة الأمر ابتسم لها بهدوء لتواصل حديثها. فتمتمت شارحة له الأمر بهدوء:
- بص هو هـ.. هو أنا بصراحة أه فيه واحد بحبه. هو ظروفه على قد حاله مش زينا كده يعني. بس معرفش بابا عرف ازاي. لقيته جه خدني النهارده من الكلية وكلمني بزعيق في الطريق.
قبل أن يتحدث أسرعت تدافع عن ذاتها:
- بس والله يا جواد ما بعمل حاجة غلط ولا بتخطى حدودي والله.
أومأ برأسه أمامًا متفهمًا حديثها وسألها بجدية:
- وهو فين الواحد ده. مجاش يتقدم ليه ولا خد أي خطوة ليه؟
أسرعت ترد عليه بخفوت مدافعة عنه بضراوة:
- لـ… لأ لأ مش كده. بس هو زي ما قولتلك ظروفه على قده وبيدور على شغل. لسه عاوز يظبط أموره قبل ما يجي عشان ميترفضش.
سألها بجدية شديدة ليطمئن عليها:
- وهو اسمه إيه. عاوز أتأكد من كده. ليكون بيتسلى.
دافعت عنه مسرعة بهدوء محركة رأسها نافية:
- لا لأ. هو محترم والله ياجواد. اسمه خالد ابراهيم محمد.
هز رأسه بتأكيد جاد متمتمًا بعجالة وهو يعد ذاته للذهاب:
- ماشي هشوف يا سما. أقوم بقى عشان ورايا مشوار مهم لازم أعمله.
تمسكت بيده قبل أن يذهب تستوقفه وتمتمت بقلق:
- جواد أنا عاوزة أروح الكلية. اتصرف عشان خاطري.
احتضنها بحنان مربتًا فوق ظهرها بهدوء مردفًا بهدوء ليطمئنها:
- متخافيش هتصرف. بس مفيش كلام تاني مع الواد ده لغاية ما نشوف.
ابتسمت بسعادة وقد تهللت أساريرها لوجود شقيق مثلها في حياتها يدعمها في كل شيء. أيدت حديثه بهدوء:
- ماشي ياحبيبي مش هكلمه تاني. بس لما تعرف عنه حاجة عرفني.
همهم بهدوء يؤكد على حديثها مقررًا معرفة كل شيء عن ذلك الشخص.
قبل أن يذهب وجد أروى أمامه. تنهد بغضب ظهر عليه ما أن رآها. سار بجانبها وكأنه لم يراها متجاهلًا وجودها. أسرعت تلاحقه بخطوات شبه راكضة واستوقفته هي متمتمة باسمه:
- جواد.. جواد استنى. عاوزة أتكلم معاك.
طالعها بنظرات حادة تعكس مدى غضبه الذي يشعر به. وأردف ببرود حاد:
- لأ مش فاضي دلوقتي نتكلم. بعدين عندي مشوار مهم لازم ألحقه.
سار من أمامها ببرود لم يهتم بها وكأنها لم تقف تتحدث معه.
تأففت بغضب عارم تملك منها وتمتمت بينها وبين ذاتها بتوعد وعصبية:
- ماشي ياجواد ماشي. لما نشوف آخرتها معاك.
***
في مكان الحادثة الذي قُتل به عصام. دلف ذلك الشخص المجهول الذي لم نعلمه للآن وبدأ يبحث بحذر في المكان وكأنه يحاول إيجاد شيء ما خفي مثله. لكنه دُهش بعدما حصل على شيء لم يتوقعه بعد ساعات متعددة من البحث. مفاجأة صعقته جعلته يعلم أنه أخطأ… أخطأ في موقفه وشعوره لأول مرة.
أسرع يخرج تارك المكان خلفه بحذر خوفًا من أن يراه أحد في ذلك المكان. بعد ابتعاده عن المكان تمامًا قام بالإتصال على المحامي الذي اتفق معه على الدفاع عن رنيم مغمغمًا بجدية حازمة:
- أنا عاوز أقابلك عندي حاجة مهمة تشوفها وبعدها تحدد موقفك لو عاوز تكمل أو تسيب القضية. هستناك كمان ساعة.
اعترض المحامي بعدم رضا ناظرًا إلى الوقت المتأخر:
- ما تستنى لبكرة. إحنا لسه معانا وقت.
اعترض الطرف الآخر متمسكًا بموقفه بإصرار شديد:
- لا طبعًا. أنت بتقول إيه. بقولك حاجة متتأجلش وهتحدد موقفك في القضية عشان كمان لو حابب تنسحب.
همهم يرد عليها باستسلام متذمرًا من إصراره الشديد. بعد مرور ساعة جلس المحامي مع الشخص المجهول يرى ما هو الشئ الهام الذي سيحدد موقفه معه. لكنه صُعق من هول الصدمة مما يراه مع ذلك الشخص. محركًا رأسه بذهول وعدم تصديق.
***
بعد أن تم نقل رنيم إلى المستشفى كانت حالتها مستقرة إلى حد ما. لم تكن في أفضل حالة لكنها تفاجأت بجواد الذي دلف إليها.
ارتسم فوق شفتيها ابتسامة خافتة مقتنعة الحمقاء أنه جاء لأجلها. تمتمت بضعف خافت:
- جـ… جواد أنتَ جاي ليه دلوقتي؟
تمتمت بلهفة ونبرة هادئة مؤكدة شعورها:
- عـ… عشاني.
باغتها برد عليها بنبرة حادة قاسية جرحت قلبها المتألم داخلها بحزن وقهر:
- قولتلك جواد بيه بالنسبة لواحدة زيك. بعدين إيه جاي ليه. أوعي تكوني فاكرة إنّي جاي عشانك زي ما بتقولي. لأ فوقي.
سرعان ما ترجم عقلها الأمر عالمة حقيقته. حاولت الاعتدال في جلستها ضاغطة على ذاتها وآلامها وغمغمت منفعلة بضيق غاضبة:
- أنت عاوز إيه بقى. ارحمني وابعد عني. عاوز إيه مني يا جواد بيه. إيه اللي جايبك ليا تاني مش خلاص؟
طالعها بقسوة ضارية والشرر متطاير من عينيه الغاضبتين ورد عليها بلهجة مشددة حازمة:
- وأنتي مرحمتيش عصام ليه وانتي بتقـ تليه. ولا هو عادي بالنسبالك وفكرتي إنك تقدري تهربي بعملتك ال*** دي.
صُعقت من حديثه معها التي لم تتوقعه. رمقته بحزن كالخنجر المتواجد في قلبها. وتمتمت بتحدي غاضب ازداد من غضبه هو الآخر:
- وأنتَ مستني إيه. ما تيجي تاخد حقه. تعالى اقتـ لني بدل ما أنت بتقول كلام عالفاضي يا جواد باشا.
أردفت كلمتها الأخيرة بسخرية لاذعة أثارت غيظه لتشعر أنها استعادت جزء من حقها. نعم هي ضعيفة أمام إهانة الجميع لكن هو لا. لم تعتاد على الخوف معه ولأول مرة ترى وجهه معها هكذا. حديثها جعل الدماء تغلى داخل عروقه فثار عليها منفعلًا بضراوة:
- هقـ تلك يا رنيم. أنتي فاكرة إيه. فكراني ضعيف قدامك. لا هقـ تلك… هقـ تلك وأخد حق ابن عمي اللي مو.تيه من غير رحمة.
تمتمت بتحدي مدعية الخوف باستهزاء:
- ماشي اقـ تلني.
وفي لحظة غاضبة فقد بها عقله وفكره تمامًا ليتصرف بغضب وكان في حالة عصبية لم يستطع التحكم بها. أسرع يخرج مسدسه من ووجهه نحوها بغضب ودون وعي.
طالعته برعب لا تعلم هل مَن أمامها هو جواد حقًا؟! كان يطالعها بكره شديد. حاولت أن تتحدث بخفوت لتجعله يتراجع عن فعلته لكنه لم يدرك ماذا يفعل بها:
- جـ… جواد أنتَ بتعمل إيه. خـ… خ خلاص مش هتكلم.
حاولت إبعاد المسدس عنها عندما رأته يعده لقـ تلها حقًا لكنه فقد كل شيء به تمامًا فانطلقت الطلقة النارية بها وسقطت في لحظتها كالجثة الهامدة. لم تشعر بأي شيء تمامًا لفكرة موتها على يده، على يد مَن أحبت واختاره قلبها. كانت تراه كل شيء في تلك الدنيا القاسية عليها من جميع الجهات، وها هي الآن ستموت على يديه.
لم تشعر بأي شيء آخر وقد فارقت الحياة على نظراته القاسية لها. نظراته المعبرة عن كرهه لها والتي كانت السبب في تحطم قلبها قبل موتها. مرّ على عقلها جميع ذكرياتها المؤلمة على يد عائلتها الذين تركوها غير عابئين بأمرها يعلمون جميعهم ما يحدث لها لكنهم فضّلوا التضحية بها مقابل المال والعيش في حياة أفضل لهم.
صُعق جواد هو الآخر من فعلته أمامه رنيم كالجثة الهامدة. قتـ لها هو نعم قتـ لها بطلقة نارية أصابت قلبها. كيف فعل بها ذلك؟! قتل مَن يعشقها ويهواها. هل هذا العشق حقًا. في الحقيقة ذلك هو العشق الأسود.
_مَن اختاره قلبها وأحبه كان سبب في توقفه أيضًا_
رواية لهيب الروح الفصل العاشر 10 - بقلم هدير دودو
صرخات مرتفعة دوت تشق سكون الليل وأرجاء المستشفى.
رنيم كانت تتطلع أمامها بذهول وعدم تصديق. هل حقًا كانت نائمة وهذا حلم، بل كابوس بالتحديد؟ هل جواد يود قتلها حقًا انتقامًا لابن عمه الذي قُتل على يديها؟ هل سيفعلها بها ويتحقق كابوسها؟
عقلها سيجن من فرط التفكير. تتطلع حولها في كل شيء بجنون، محاولة تتأكد أنها لازالت حية لم تُقتل كما رأت في كابوسها. مرت يدها فوق جسدها بعدم تصديق.
أجهشت في دوامة مريرة من البكاء. تبكي على كل شيء في حياتها. لم تحصل على يوم تتذكر أنه مرّ عليها بسلام وسعيدة به سوى بعض لحظاتها القليلة مع جواد قبل زواجها الذي دمر كل ذلك.
لكن أين هو؟ وأين تلك اللحظات؟ أصبحت ذكريات في عقلها يداهمونها. هو الآن يراها مجرمة قاتلة متجردة من الرحمة تستحق القتل. وإن استطاع سيفعلها بذاته، ناهيًا حياتها كما رأت في منامها.
أغمضت عينيها ضاغطة فوقهما بقوة ضارية، متمنية ألا تعيد فتحهما مرة أخرى. حاولت التقاط أنفاسها بانتظام لتدخل لرئتيها أكبر قدر من الهواء، متخيلة صورته أمامها.
لكن هُناك سؤال ضرب عقلها بضراوة: لماذا هي حية إلى الآن؟ ماذا ستستفاد من حياتها الحزينة المنتهية منذُ زواجها؟ هل تنتظر المزيد من الحزن والألم؟
الإجابة بالطبع لا. قلبها اكتفى بالحزن المتواجد به إلى الآن. اكتفى وأخبرها أنه لن يستطع تحمل حزن جديد. عينيها تعبت وتورمت من البكاء ودموعها على وشك النفاذ.
لماذا هي حية؟ ترددت الفكرة داخل عقلها كثيرًا، مقررة تنفيذها. ليتها كانت فعلتها قبل حدوث كل ذلك. كانت قتلت ذاتها بدلًا من عصام.
لم تتردد في تنفيذ فكرتها. بل قامت بمسك آلة حادة بجانبها ومررتها على معصم يدها، مقررة الإنهاء حياتها السوداء التي كانت مفعمة بالحزن والقسوة، الظلم والقهر لقلبها، الدموع والبكاء.
بدأت الدماء تسيل من يدها تملأ أرضية الغرفة وهي فاقدة لوعيها. لم تشعر بشيء مما حولها.
***
في الصباح…
كانت جليلة تعد ملابس فاروق بعناية. ابتسم باستحسان ما أن رآها وطبع قبلة هادئة فوق يدها، مردفًا بخشونة وجدية:
- تسلم ايدك. خلاص انزلي شوفي الفطار على ما أخلص عشان مستعجل انهاردة.
وقفت خلفه تريد التحدث، لكنها تشعر بتردد خوفًا من أن يرفض حديثها أو يذهب تاركًا المنزل. تنهدت بصوت مرتفع ولازالت تقف صامتة.
طالعها بدهشة متعجبًا من وقوفها خلفه، لما لم تتحرك كما أخبرها؟ غمغم متسائلًا بتعجب ووحدة:
- إيه يا جليلة؟ هتفضلي واقفة كدة؟ في إيه؟ انزلي زي ما قولتلك جهزي الفطار. خلاص مش عاوز حاجة تاني هنا.
طالعته بتوجس وخوف من رد فعله، مبتلعة ريقها بتوتر. قطب جبينه بذهول من صمتها، فصاح بها بحدة:
- ايه يا جليلة؟ انتي واقفة بتصوريني؟ هتقولي في إيه ولا هتفضلي ساكتة؟
انتفضت بخوف من نبرته الحادة المشددة، وأردفت متحدثة بتوتر والقلق ينهش في قلبها:
- كـ… كنت عاوزة اكلمك عشان خاطر سما. أنا متكلمتش امبارح عشان كنت متعصب، بس مينفعش اللي قولته دة. ازاي متروحش تحضر في الكلية؟ دة هي اخر سنة ليها.
أضاف معقبًا بغضب صارم بعد أن انتهت من حديثها الذي جعل الدماء يغلي بداخله، متذكرًا فعلة ابنته:
- ومش هتخرج خالص من البيت كمان. إيه قولك بقى؟ وكلامي يتسمع يا جليلة.
التقطت أنفاسها بعدم انتظام، وردت عليه متلعثمة بعدم رضا، متسائلة حتى تفهم ما الأمر:
- طـ.. طب هو في ايه؟ هي عملت ايه لكل دة؟ ومهما عملت، من امتى وانت بتعامل سما كدة؟ مش كفاية جواد وعلاقتكم اللي متوترة دي.
صاح بها بعنف وحدة أخرستها، ضاربًا الخزانة بقوة، فاقد سيطرته على ذاته وانفعالاته:
- عملت اللي عملته. انشالله تكون معملتش حاجة وأنا قولت كدة يبقى كلامي يتنفذ. بعدين علاقتي بجواد كدة بسبب دلعك ليه وتربيتك الغلط. قويتيه عليا. يبقى متدخليش مع سما كمان، سمعاني.
عادت إلى الخلف عدة خطوات مبتعدة عنه خوفًا من غضبه الشديد الذي بدا عليه. تمتمت ترد عليه بضعف:
- أنا مقولتش حاجة يا فاروق. أنا بس بفهم في إيه عشان مش متعودة عليك تعمل معاها كدة. وايه اللي بتقوله دة؟ جواد معملش حاجة ولا متدلع، والله هو بس تفكيره مختلف عنك وده اللي مش عاجبك.
لم يعطِ لحديثها أهمية. بل دفعها بقوة إلى الخلف وسار بخطى واسعة غاضبة وجسد متشنج، متمتمًا بضيق حاد:
- كل شوية كلام كلام ملوش فايدة. هو في إيه؟ مش معقول كل ما اجي اكلم حد الاقيكي بتدخلي. مش عيالي هما كمان زيك.
طالعته بصمت. لم تعقب على حديثه، بل فقط تنظر إليه وإلى غضبه الشديد. لكنها أسرعت تلاحقه عندما وجدته يخرج من الغرفة تاركًا إياها معد ذاته على الذهاب. كانت تصيح باسمه بحزن:
- فاروق… فاروق استني. مش هتفطر الأول؟
وقف وعاد إلى الخلف متطلعًا نحوها، مردفًا بغضب حاد وعصبية مفرطة، غير واعٍ لما يتفوهه:
- مش عاوز حاجة منك ولا فطار ولا حاجة. خليكي انتي بس دلعي فيهم. ده اللي بتعرفي تعمليه.
تطلعت بحرج وحزن نحو مديحة التي خرجت من غرفتها ووقفت ترى مايحدث، متسائلة بذهول ذاتها: ولماذا فاروق غاضب؟ هل حقًا يتشاجرون أم يتحدثون في نقاش هادئ؟
صمت هو الآخر بعدما علم بوجود مديحة، وغمغم بجدية محاولًا التحكم في ذاته حتى لا يجرحها أمام أحد:
- معلش يا جليلة، بس انتي عارفاني متضايق. مش عاوز افطر. هلحق امشي عشان متأخرش عالشغل.
أنهى حديثه مقبلًا رأسها بهدوء. ابتسامة خفيفة هادئة زينت محياها لاهتمامه بها. أومأت برأسها أمامًا ولم تتحدث كثيرًا، بل تمتمت بخفوت:
- ماشي. تروح وترجع بالسلامة.
سار من أمامها مستكملًا طريقه، مردفًا لمديحة بخشونة جادة:
- صباح الخير يامديحة..
مرّ من جانبها من دون أن ينتظر ردها. فرمقته بعصبية والغضب يملأها، كيف له أن يتجاهلها هكذا؟ تطلعت نحو جليلة بغضب وابتسمت ابتسامة ماكرة خبيثة تشبه نواياها الحقيقية. اقتربت منها مردفة بمكر:
- شكل فاروق مستعجل جامد ومتعصب كمان منك. سمعاه بيزعق.
أومأت برأسها أمامًا مبتسمة عنوة عنها، وأجابتها بهدوء:
- لأ مش كدة. هو مضغوط بس في الشغل وأنا عمالة احاول معاه عشان يفطر. تعالي انتي يلا ننزل نفطر مع بعض، بس شوفي أروى وأنا هشوف سما هصحيها.
تسألت بنبرة ماكرة موزعة عليها نظرات خبيثة لم تفهم جليلة معناها:
- هو جواد فين؟ مش هيفطر ولا ايه؟
أجابتها باتزان، ولازالت لم تفهم حقيقتها السيئة وطباعها الماكر:
- لا جواد مش هنا من بليل. وراه شغل. هو على طول كدة..
مصمصت شفتيها بعدم رضا، وتفوهت بحيلة مخادعة كالحية تلقي سمها في الخفاء:
- والله ما عارفة حوار شغله دة تعب ليه على الفاضي. بس انتي السبب يا جليلة الصراحة. كان زمانه دلوقتي شغال مع ابوه ومتجوز أروى من زمان. حرام فاروق مضغوط لوحده بعد موت عصام ابني حبيبي ربنا يرحمه وياخد اللي كان السبب.
قالت جملتها الأخيرة مدعية الحزن بمهارة تقطع أنياط قلب مَن يستمع إليها، يظن أنها ستقتل ذاتها حزنًا على ابنها، وكأن حياتها قد توقفت عند لحظة موت ولدها.
أسرعت جليلة مربتة فوق كتفها برفق، والحزن قد بدا عليها بعدما استمعت إلى حديث مديحة عن ابنها. تظن أن قلبها يعتصر داخلها حزنًا على ابنها، وتمتمت ترد عليها بحزن:
- ربنا يرحمه. ادعيله ويصبر قلبك يارب. بعدين على جواد دة نصيبه وربنا يحميه مكان ما موجود.
سارت معها بهدوء محاولة التخفيف عنها بالحديث في أي شيء. لكن الحمقاء، فمديحة لم تهتم بكل ما تتفوه به. هي فقط تود أن تصير الآمرة الناهية لتلك العائلة، ما تتفوه به يحدث دون نقاش أو اعتراض منهم. وأهمهم زواج ابنتها من جواد حتى تضمن لها هي وابنتها مستقبل آمن. سيكون مستقبلها مع جواد الهواري ابن عمها والابن الوحيد لعائلة الهواري. تود القضاء على جليلة لتصبح هي أهم واحدة في العائلة.
***
استعادت رنيم وعيها بعقل مشوش بعد أن تم إنقاذها. تطلعت أمامها بحزن لكونها مازالت حية على قيد الحياة. حزينة لأنها لم تمت كما كانت تريد.
لكنها تفاجأت بوجود جواد معها في الغرفة. الذي كان يجلس في أحد الأركان بجسد متشنج، الغضب يبدو بوضوح فوق قسمات وجهه.
انكمشت فوق ذاتها بخوف. فلاحظ أنها استعادت وعيها. أسرع مقتربًا منها، موزعًا عليها نظراته الحادة الغاضبة، مردفًا بحدة:
- ايه؟ عاوزة تموتي نفسك وتهربي من اللي عملتيه.
أغمضت عينيها ضاغطة فوقهما بقوة، مانعة ذاتها من رؤيته ورؤية نظراته الغاضبة التي تعكس كرهه لها. نظراته المرهقة لها ولقلبها.
لكنها ابتعدت عنه متمتمة بضعف خوفًا من تنفيذ كابوسها وأن يكون قتلتها على يده:
- ا… اوعا. ابعد عني. أنت عاوز مني ايه؟ انت مالك بيا ولا إيه؟ عاوز انت اللي تقتلني.
أومأ رأسه أمامًا مؤكدًا حديثها ببرود، والنيران مشتعلة بداخله بغضب شديد، صائحًا بها بعصبية مسيطرة عليه بضراوة:
- اه. عاوز اقتلك. وقولتلك لو اطول اعملها هعملها. مش هتردد. ولا حياة واحدة زيك تفرقلي.
تنهدت بصوت مرتفع، محاولة إخفاء وجعها من حديثه الذي كان كالنصل الحاد غُرز في قلبها بلا رحمة لها ولمشاعرها. لم تعتاد على القسوة منه، لذلك تشعر بوجع قسوته أكثر من كل ما مرّ عليها.
تمتمت بخفوت من بين دموعها التي سالت فوق وجنتيها بحزن:
- لما أنا مفرقلكش جاي ليه؟ أنت عاوز إيه مني؟ مش سألتني قبل كدة وجاوبتك؟
ضرب الحائط بقوة في لحظة غاضبة منه، موجهًا نحوها نظراته الحادة المخترقة لجسدها الهزيل، ورد عليها متعاليًا بحدة:
- وانتي فاكرة اني جاي ازور واحدة زيك؟ ولا واحدة زيك تفرقلي؟ أنا بس جاي أعرف حاجة واحدة.
شعرت بالوجع من حديثه الذي يردفه صراحةً أنها ليس لها أهمية عنده. مثله مثل الجميع، يخبرها الآن أنها لا قيمة لها.
تمتمت متسائلة بحزن:
- ا..ايه هو اللي عاوز تعرفه؟
تطلع داخل عينيها بضراوة، يود استماع إجابة سؤاله بصدق للتأكد من ظنونه بها. غمغم متسائلًا بجدية حادة، مشددًا فوق كل حرف يتفوهه:
- أنتي اللي قتـ لتي عصام ولا لأ؟
هربت من أمامه وعينيه المحيطة بها، شاعرة بالخوف من سؤاله. وتسائلت هي الأخرى بدلًا من الرد عليه:
- و… وأنت بتسأل ليه؟ عاوز إيه مني تاني؟ مش سألتني قبل كدة وجاوبتك؟
لم يهتم لحديثها وسؤالها، بل كرر سؤاله عليها بعصبية ونبرة مرتفعة غاضبة:
- انتي اللي قتـ لتيه ولا لأ؟
تعلم إذا أجابته أنها لم تقتله لن يصدقها، وتظل في نظره مجرمة قاتلة قتلت ابن عمه البرئ. لكن ابن عمه حقًا يستحق القتل. هي فرحة بموته، ترى أنه نال جزاءه، جزاءه من عذابها على يده وذبح روحها في كل مرة تمر عليها معه. تراه يستحق القتل. لكن تعلم أنه هو يرى عكس ذلك. لم يرى حقيقة ابن عمه التي أخفاها عنه والده وزوجة عمه. حقيقته السادية البارزة فوق جسدها وروحها.
قررت ألا تنكر قتله وتعترف به، لأن ذلك سيعجل من حكم إعدامها وانهاء حياتها كما تريد من تلك الدنيا التي وزعت القسوة والحزن عليها هي فقط، سالبة منها السعادة والفرحة. لذلك أومأت برأسها تمامًا، مجيبة إياه بتأكيد، محاولة التمسك بثقتها أمامه حتى لا تثير ظنه بها:
- آه يا باشا. قولتلك قبل كدة وبقولهالك تاني. أيوة أنا اللي قتـ لت عصام ابن عمك. ولو طولت اعملها الف مرة هعملها ومش هزهق.
اقترب منها أكثر مثبتًا بصره عليها جيدًا. لم يتحرك للنظر في أي شيء آخر سواها. انكمشت على ذاتها بقلق وعادت بجسدها إلى الخلف، تاركة مسافة قليلة بينهما خوفًا من ضعفها أمامه واحتياجها الشديد للبكاء داخل حضنه التي تمنت كثيرًا أن تلقي ذاتها بداخله بعد كل مرة يقترب منها عصام ويضربها. لم تتمنى شيئًا سوى وجوده والبقاء داخل أحضانه. لكن كل ذلك أحلام لن تتحقق. ستظل داخل عقلها تتمناها مثلما تمنت العديد من الأشياء.
غمغم بغضب عارم أمام شفتيها، غضب شديد أخافها وجعلها تشعر بنغزة قوية في قلبها:
- مش هسيبك يارنيم. مش هسيبك ومش هرحمك.
كانت تود الفرار هاربة من أمامه ومن نظراته التي ازدادت حدة واشتعالًا، إلا أن الأصفاد الحديدية التي كانت فوق يديها وفي الفراش منعتها وقيدتها مكانها. طالعته بقهر عندما رأته يخرج من الغرفة بعدما أشاح بصره مبتعدًا عنها وكأنه لا يطيق رؤيتها. بدأت في البكاء بقوة. الشئ الوحيد الملازمها طيلة حياتها. لم تفعل شيئًا دومًا سوى البكاء. لكن تلك المرة تختلف، تلك المرة هي الأقوى.
كانت كل مرة تبكي وجعًا وألمًا من ضربات تُسدد لها، تبكي من حديث يجرحها ويهينها. لكن الآن تبكي حزنًا وقهرًا على عشق انتهى وتبدل بالكره. نعم، رأت نظرات الكره داخل عينيه. عينيه العاشقة لها اختفى منهما العشق تمامًا. لم تراه قبل ذهابه مثل كل مرة. وكأنه تبخر واختفى بعد إجابتها عليه.
خرج جواد هو الآخر بعصبية شديدة وجسد متشنج غاضب بعدما استمع إلى إجابتها المتبجحة المؤكدة لقتل ابن عمه ولخيانتها أيضًا. لكن عنوة عنه، وجد دمعة حزينة فرت من عينيه. زالها مسرعًا بقوة، مقررًا إخفاء حزنه في قلبه مثلما أخفى حبها. مقررًا عدم الحزن على مجرمة مثلها واستكمال سيره في انتقامه منها.
***
ولجت جليلة غرفة ابنتها التي كانت تجلس تبكي. طالعتها بحزن شديد وأسرعت تقترب منها محتضنة إياها بصمت. ظلت تربت فوق ظهرها بحنان.
شدت سما من احتضانها لوالدتها باحتياج، وتمتمت بضعف من بين دموعها التي لم تتوقف للآن:
- ماما. أنا والله مغلطتش. بابا هو اللي فاهم غلط. وحتى لو غلطت، مينفعش افضل قاعدة كدة ومحضرش محاضرات.
تنهدت والدتها بحزن، طابعة قبلة حانية فوق وجنتها، متسائلة بهدوم محاولة فهم الأمر التي لم تستطع فهم سببه حتى الآن:
- طب اهدي بس يا روح ماما وعرفيني ايه السبب؟ أنا سألته والله مرضيش يقولي ايه اللي حصل عشان يقولك كدة. انتي عارفة هو بيحبك قد ايه.
أجابتها بحزن، حركت رأسها نافية معترضة على حديث والدتها:
- لا ياماما. هو مش بيحبنا زي ما بتقولي. هو بيحب نفسه. على رأي جواد. بيحب نفسه واسم ومكانة العيلة. لكن احنا لأ. عمره ما فكر يفرحني، لا أنا ولا جواد. عاوز يفرح ويرضي نفسه بس.
صاحت جليلة باسم ابنتها بحزن من حديثها، غير راضية عن أفعال زوجها التي تدمر علاقته بأبناءه:
- ســمــا… عيب كدة. ده أبوكي وعمل كتير عشانك انتي وجواد. وعمر جواد ما قدر يقول عليه كدة. وبنتي اللي مربياها متقولش كدة على ابوها.
تطلعت أرضًا بخجل من والدتها التي بدا الحزن عليها، وابتعدت عنها. فأسرعت تحتضنها هي معتذرة بحزن:
- خلاص ياماما. أنا اسفة والله. ما هقول كدة تاني، بس متزعليش.
أومأت جليلة برأسها أمامًا، وعادت تكرر سؤالها مرة أخرى لفهم ما يدور بين ابنتها وزوجها:
- طب هو ايه اللي حصل؟ ولا أنتي عملتي ايه عشان يقول هو كدة؟
لم تخبرها بالحقيقة خوفًا من رد فعلها وخجلًا من والدتها التي لا تعلم هل ستتعامل مع جواد بهدوء وتعقل أم مثل والدها بحزم وغضب. لذلك تمتمت بهدوء:
- مفيش ياماما. أنا حكيت لجواد كل حاجة. متقلقيش.
اسرعت تواصل حديثها متسائلة، تسبق والدتها:
- هو صح ياماما؟ جواد فين؟ مش شايفاه من بعد ما مشي امبارح.
علمت جليلة أنها تود إخبارها عما حدث، فلم تضغط عليها. بل ربتت فوق يدها بحنان، وأجابتها بهدوء بعدما نهضت لتخرج من الغرفة:
- ماهو فعلا مرجعش من امبارح. عنده شغل. على فكرة انا كلمت ابوكي الصبح عشانك، بس هو زعق فسيبيه شوية يهدى.
ابتسمت لوالدتها بسعادة، حامدة ربها على وجودها معها هي وشقيقها. فلولا وجودهما، كانوا سيعانون كثيرًا. ردت عليها بحزن خوفًا على والدتها من عصبية والدها الشديدة:
- لا ياماما. متكلميهوش تاني. نسيبه شوية لما يهدى أحسن.
سارت والدتها وتركتها بمفردها بعدما جعلتها تهدأ وتتوقف عن البكاء. جلست منتظرة عودة جواد حتى تطمئن قلبها القلق.
بالفعل، ما أن عاد صعد متوجهًا نحو غرفته. لكن استوقفته والدته التي سألته باهتمام وحنان:
- ايه ياحبيبي؟ اجهزلك حاجة خفيفة تاكلها في السريع كدة عشان شكلك ماكلتش.
رد عليها رافضًا بتعب. هو فقط يود الذهاب إلى غرفته مسرعًا ليحظى على قسط قليل من الراحة وقيلولة صغيرة حتى يذهب مرة أخرى إلى عمله.
تفاجأ بشقيقته التي دقت الباب مستأذنة بهدوء:
- جواد؟ ممكن أدخل لو فاضي.
فتح لها الباب مسرعًا، ممسك يدها جالسًا بجانبها، متمتمًا بمرح ليخفف من حزنها:
- انتي تدخلي وتعملي كل اللي عاوزاه. هو أنا عندي كم سما.
ابتسمت بسعادة من حديث شقيقها الحاني، وتمتمت متسائلة مسرعة حتى تتركه يرتاح:
- أنا مش هطول عشان تلحق ترتاح. عاوزة اعرف بس عملت ايه في موضوعي.
صمتت لوهلة وأكملت حديثها متلعثمة بتوتر وخجل:
- يـ… يعني قصدي… سـ سألت عليه ولا لأ؟ عملت إيه؟
ابتسم على خجلها، ثم أجابها بهدوء وجدية محاولًا تخفيف الأمر عليها:
- وللله لسة ماعملت حاجة. مكنتش فاضي نهائي. بعدين لسة كدة كدة أنتي مستعجلة على إيه؟
ضحكت بهدوء وأسرعت متمتمة بتوتر نافية حديثه:
- لـ… لأ لأ والله مش كدة. مش مستعجلة. أنا بس قولت اسألك واتطمن مش اكتر. أنا هسيبك ترتاح واخرج.
نهضت تاركة الغرفة ليرتاح بعدما علمت أنه لم يفعل شيئًا حتى الآن. علم أن شقيقته تحب ذلك الشخص كثيرًا. طريقتها تعكس ذلك بوضوح. فابتسم شاعرًا بأنها تكبر حقًا وهناك من في قلبها متمني أن يكون شخص جيد يستحق كل ذلك الحب المتواجد في قلب شقيقته ولم يخذلها. فهو أكثر من يعاني الآن من خذلان الحب وسوء الاختيار.
***
بعد مرور يومين.
في المنزل الخاص بعائلة رنيم..
نهض المحامي ذاهبًا بعدما أخبرهم بما سيفعلوه في الجلسة الخاصة بمعاقبة رنيم. طالعتهم مديحة بنظرات حادة، وأردفت بمكر مشددة فوق كل حرف تتفوهه:
- فهمتوا كدة كل حاجة وإيه اللي هتقولوه.
أومأت لها هالة والدة رنيم، وردت عليها مسرعة بخوف من تلك المرأة جاحدة القلب التي تستطيع فعل كل شيء بكل الطرق الخبيثة:
- ا… اكيد طبعا ياهانم. كل اللي المحامي قاله هننفذه.
تابعت حديثها بتوعد، رافعة سبابتها أمامهما، وموجهة نحوهما نظراتها المليئة بالغرور:
- لو حصل غير كدة مش هيحصل لكم. كويس أنتم عارفين أوي أنا أقدر اعمل إيه. فبلاش تلعبوا معايا.
لم تستمع إلى ردهم، بل سارت هي الأخرى تاركة المكان بخطوات متعالية، مبتسمة بمكر حالمة بما ستفعله لرنيم.
بعد ذهابها، غمغم والد رنيم برفض وعدم ارتياح لما سيفعله في ابنته:
- ازاي ياهالة نعمل كدة؟ دي مهما راحت أو جت بنتنا. ازاي هنشهد ضدها؟ انتي عارفة كويس تربيتها وأنها محترمة. لأ. أنا مش هعمل كدة.
ضربت صدرها صارخة بعنف، والخوف ملأها من حديث زوجها. تعلم جيدًا مصيرهم إذا رفض زوجها الشهادة ضد رنيم:
- يا نهار اسود يانهار اسود! بتقول ايه؟ يعني ايه مش هتقدر تعمل كدة؟ بعدين خلاص. البت دي احنا راميين توبتها من زمان. وهي لو محترمة قتلتـ ـه ليه؟ كلنا عارفين انها قـ ـتـ ـلـ ـتـ ـه. وكدة كدة هتتعدم. يبقى قـ ـتـ ـلـ ـتـ ـه وخانته كمان. مش مهم.
طالعها بذهول، ولازال رافض الفكرة بإصرار:
- لأ يا هالة. مش كدة. بعدين ماهي بنتنا برضو. يعني سمعتنا احنا كمان. وأنا واثق أن رنيم متعملش كدة.
مصمصت شفتيها بضيق من تمسكه برأيه ورفضه لتنفيذ ما تريده. وتمتمت بحزن زائف تذكره بما سيحدث لهم إذا استمر في رفضه:
- خلاص براحتك. بس لو موافقتش هنتحبس كلنا بالشيكات اللي معاهم. ولا أنا ولا محمد ابني هنسامحك. كدة هتضيع مستقبله. ولا ناسي أنهم ممضينا كلنا؟ اعقل كدة وبلاش تدمرنا عشان رنيم. احنا كدة كدة سايبينها من زمان وأنت كنت موافق. إيه اللي جد بقى.
لم يجد حديثًا يرد به عليها. ماذا سيختار؟ ذاته وزوجته وابنه أم ابنته؟ اختياره لها سيفقده العديد. أغمض عينيه بضعف. لم يجد أمامه سوى الموافقة عنوة عنه، وفعل ما تريده مديحة التي كانت واثقة من موافقتهم وتنفيذ ما تريده.
اقتربت هالة منه محتضنة إياه بهدوء بعدما علمت قراره من صمته. بالطبع لن يضحي بعائلة كاملة مقابل فرد واحد فقط.
***
بعد مرور أسبوع.
وقفت رنيم داخل القفص الحديدي بعدما حررها المجند من الأصفاد الملفوفة حول معصمها. وقفت متمسكة بالحديد بخوف مسيطر على قلبها. سيُقال الآن ما يحدد مصير حياتها. تقف تنتظر حكم الإعدام الذي سيصدر لها. تقف والدموع تسيل بصمت فوق وجنتيها. لم تتخيل أن نهايتها قد وصلت. كانت ترتعش بخوف، عالمة أنها ستترك الحياة والجميع بعد إصدار حكم القاضي التي تعلمه قبل بداية جلسة محاكمتها.
كانت جميع عائلة الهواري حاضرون، يطالعونها بغضب وكره، وكأن كل منهم يود قتلها بيده. أشاحت بصرها سريعًا مبتعدة عنهم، لا تريد أن ترى نظراتهم لها.
تطلعت نحو جواد بحزن شديد، هاربة من نظراته لها التي جهلت عن تفسيرها. كانت تتمنى أن تستكمل حياتها معه، لكن أحلامها قد انتهت بزواجها من عصام الذي سلب منها روحها بلا شفقة لها ولألمها المسبب هو وعائلته ذات القلب والطباع القاسية.
بدأت الجلسة، لكنها تفاجأت بوجود ذلك المحامي الكبير للدفاع عنها. لا تعلم مَن أحضره لها والجميع أيضًا بدت الدهشة على وجوههم. ظنت لوهلة أن والديها هما مَن أحضروه لها، لكنها تراجعت في فكرها بعدما رأتهم يقفون بجانب مديحة يتحدثون معها.
بدأ المحامي بالدفاع عنها بمهارة، وغمغم بثقة وعملية:
- يا سيادة القاضي، دي كاميرا كانت موجودة في البيت اللي تم فيه الحادثة. أتمنى تتطلع عليها لترى الحقيقة كاملة.
ابتسمت رنيم من بين دموعها، غير مصدقة ما تستمع إليه. هل حقًا ستحصل على براءتها وإظهار الحقيقة التي تعلمها جيدًا.
اتطلع القاضي على ما في الكاميرا، حيثُ ظهر عصام وضربه المبرح لها الذي ثار شفقة القاضي. كان سيواصل ضربه المميت لها، لكنه توقف عندما استمع إلى صوت طرقات فوق الباب. ابتعد عنها مسرعًا بتوتر وتمتم بقلق:
- ر…روحي افتحي انتي الباب. روحي شوفي مين.
لم تقوى على الرفض والاعتراض بسبب هيئتها وآثار الضرب الظاهرة عليها بوضوح والدماء التي تسيل منها. أسرعت تفتح الباب، لكنها تفاجأت بعدة أشخاص ملثمين. كادت على الصراخ، لكن أسرع واحد منهم واضعًا يده فوق فمها يكتم أنفاسها تمامًا ووضع المخدر بعدها عليها، لتقع في وقتها فاقدة وعيها تمامًا. ونفذ المجرمون جريمتهم وقاموا بوضع المسدس في يدها دلالة أنها القاتلة وهربوا تاركين المكان من دون وجود أثر واحد عليهم.
وظهر بعد ذلك صوت القاضي الجهوري بقوة:
- بعد الإطلاع على ما تقدم إلينا من الدفاع وإثبات صحته، قررنا نحن وبإجماع الأراء براءة المدعوة رنيم أحمد السيد وإلزام النيابة بإحضار المتهم الحقيقي. رفعت الجلسة.
حالة من الهرج والمرج حدثت في القاعة بعد الصدمة التي حلت على جميع عائلة الهواري بعد إثبات براءة رنيم. بينما رنيم، فقد ارتفع صوت بكاءها شاكرة ربها على وقوفه معها، غير مصدقة أنها نالت براءتها بدلًا من حكم الإعدام التي كانت تنتظره. لا تعلم كيف نالتها حقًا.
تطلع المحامي الخاص برنيم نحو جواد مقتربًا منه مبتسمًا بثقة ومهارة، لنجاح ما يريدونه واتفقوا عليه سويًا.
***
***
***
***
***
***
***
يتبع