تحميل رواية لهيب الروح بقلم هدير دودو pdf
بقلم هدير دودو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في الصباح، زحفت رنيم أرضًا والدموع تنهمر فوق وجنتيها بقهر وحسرة. قدميها لم تتحمل الوقوف عليهما. وصلت نحو المرحاض وبدأت تزيل عنها ملابسها البالية من أثر ضرباته لها ليلة أمس. بدأت تتطلع نحو جسدها والعلامات التي تملأ جسدها. أغمضت عينيها بضعف شديد تحاول أن تقف أسفل المياه لعلها تهدئ من الألم الذي يعصف بها. نجحت في النهاية بعد عدة محاولات أن تقف أسفل المياه الساخنة لتخفض من آلام جروحها الجديدة. ارتدت فستانًا من اللون الأسود طويل يصل إلى كاحليها ذو أكمام تغطي ذراعها بأكمله، لا تريد أن تظهر أي أثر في ج...
رواية لهيب الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هدير دودو
كان المحامي يقوم بجميع الإجراءات لخروجها ونيل حريتها بعدما أنهت ما يقارب شهرًا كاملًا مقيدة تُعاقب على شيء لم تفعله. تنفست بصعداء، مرتسمًا فوق شفتيها ابتسامة خفيفة تزين وجهها الشاحب الذي كان الحزن يملأ كل أنش به.
كان عقلها شاردًا يفكر فيما ستفعله في حياتها القادمة بعد خروجها من هنا، ولا زالت غير مصدقة أنها قد نالت براءتها وحريتها معًا، لكن حريتها الحقيقية قد نالتها بموته، نعم بموت عصام تلك هي الحرية الحقيقية، سينتهي عذابها وجحيمها.
تستطيع أن تقول حقًا أن سجنها قد انتهى، ستفعل كل شيء كما تريد هي، تضحك تبكي، تفرح تحزن، كل شيء ستفعله متى تحب، لن يعود ما يمنعها ويشعرها بمرارة الأيام، تلك الغصة القوية التي كانت متواجدة دومًا في قلبها قد انتهت حقًا! هل حقًا انتهت؟! لم تصدق ما حدث، هل كل ذلك الألم انتهى؟ لكن إن كان الألم انتهى فندباته لازالت في قلبها وروحها وجسدها المشوه على يده.
هناك العديد من الجروح لن تُشفى مهما مر عليها الوقت، وذكريات لن تُمحى، عامان كاملان كانا بمثابة حياتها بأكملها، ذكريات حزينة تسيطر على عقلها لا تعلم كيف ستُفقدها حتى تستطيع العيش في أمان بلا حزن ووجع. أهم شيء تود فعله هو الابتعاد عن عائلة زوجها، تلك العائلة التي عانت كثيرًا بسببها، لكن نظرات مديحة لها قبل تركها للقاعة غير مبشرة بالخير، بل كانت تطالعها بغضب معترضة في حكم البراءة التي نالت عليه، متوعدة لها بشر ومكر يشبهها.
نفضت كل ذلك من عقلها الآن فهذا ليس وقته، وتمتمت بهدوء تشكر المحامي الذي وقف معها:
"بجد أنا متشكرة جدًا لحضرتك، مش عارفة أقولك إيه على وقوفك معايا."
ابتسم المحامي بهدوء وأجابها بعملية ومهارة بعد إنهاء جميع عمله وإجراءاته القانونية لها:
"لا طبعًا يا مدام رنيم متقوليش كده، أنا معملتش حاجة زيادة عن واجبي، لو لازم تشكري حد فهو جواد باشا، هو اللي عمل كل حاجة وهو اللي راح مكان جريمة وقدر يعرف مكان الكاميرا دي اللي كانت مستخبية في مكان سري، هو كمان اللي أقنعني أمسك القضية، عمل كل حاجة بصراحة وكان واثق إنك بريئة، مبروك ليكي يا مدام رنيم."
صُدمت من حديثه، هل حقًا جواد فعل كل ذلك لأجلها؟! لكن مهلًا، كيف فعل ذلك؟! كيف وهو بذاته كان يعلم أنها قاتلة ويود قتلها، كان يتعامل معاها بحدة وجمود ويريد حق ابن عمه منها!!
شعرت أنها كالتائهة، هي مهما فعلت لن تستطع فهم شخصية جواد، لكن بالرغم من كل ذلك لازال معلقًا في قلبها بجميع طباعه التي لن ترى مثلها من قبل.
تساءلت بدهشة وعدم فهم حتى الآن:
- طـ... طب هي إزاي الشرطة ولا النيابة ملقتش الكاميرا دي؟
أجابها المحامي بعملية جادة:
- الكاميرا كانت في مكان صعب حد يلاقيه، وكمان هما بالنسبة لهم انتي المتهمة وفي شهود عليكي فاتعاملوا على الأساس ده. وعلى فكرة جواد باشا مسكني القضية قبل ما يلاقي دليل البراءة، هو فعلًا كان عارف أنك بريئة.
علمت أنها خرجت بأعجوبة بسبب جواد الذي فعل كل شيء لأجلها، رغم عدم اعترافها له بالحقيقة وكذبها عليه، إلا أنه وقف معها حتى خرجت في النهاية.
تفاجأت به كان يقف ينتظرها. اقترب منهما مغمغمًا بعملية جادة للمحامي:
- خلاص كده كله تمام؟
أومأ برأسه إمامًا وأجابه محافظًا على نبرته العملية هو الآخر أمامه:
- أيوة كده تقدر تتفضل مع مدام رنيم.
كانت واقفة كالبلهاء لا تفهم ما يدور أمامها، وتساؤلاتها قد ازدادت، لكنها ستنتظر حتى تحصل على جميع إجاباته. وجدته يشكر المحامي بهدوء متزن والثقة شديدة في نبرته:
- شكرًا كده خلاص تقدر تتفضل.
تطلع نحو رنيم مشيرًا لها بيده صوب الأمام لتذهب مردفًا بجدية مشددًا فوق كل حرف يتفوه به:
- يلا نمشي يا رنيم.
قطبت جبينها وسارت بصمت معه حتى وصلت نحو سيارته فتوقفت متسائلة بذهشة متعجبة لما يفعله:
- استنى كده هو أنت موديني على فين ولا عاوز مني إيه؟ مش خلاص على كده يا جواد باشا ولا إيه؟
وزع نظراته الحادة عليها اخترقتها وأجابها بحدة وغضب منها متذكرًا كذبها عليه:
- بقولك إيه اركبي واخلصي خلينا نمشي.
شعرت بالخوف عنوة عنها وتمتمت بقلق مبتعدة عنه لبضع خطوات متوقعة الأسوأ كعادة حياتها التي بلا حظ تمامًا:
- نـ... نمشي إيه بقولك إيه ابعد عني، شكرًا عاللي عملته وخلاص، وأعتقد عرفت إني ما عملتش حاجة لابن عمك، هو اللي عملي وضربني، سيبني في حالي أنت وعيلتك دي كلها.
فقد السيطرة على ذاته فصاح بها بعنف غاضبًا:
- بقولك إيه اتعدلي عشان ما أعصّبش عليكي، مش كفاية أنك كدبتي عليا كان ممكن تروحي فيها بسبب كدبك، استفادتي إيه؟
كان يتحدث هكذا لخوفه عليها، فلو لم يظن ببراءتها وأنها لن تستطع فعل شيء هكذا، وسار مستمعًا إلى قلبه باحثًا عن دليل براءتها لكانت الآن حصلت على حكم الإعدام بدلًا من براءتها وحريتها، كيف لها أن تكذب في أمر هكذا؟!
اجتمعت الدموع بضعف داخل مقلتيها، لم تعتاد منه على التعامل معها بتلك الطريقة، لكنها حاولت الثبات أمامه وأجابته ببرود:
- ملكش دعوة بيا، ما كنتش ساعدتني أصلًا، بعدين أنا ما كدبتش، أنا لو كنت أقدر أعملها كنت هعملها فعلًا. وبقولك إيه سيبني أمشي وابعد عني.
قبل أن تستمع إلى رده ذهبت مبتعدة عنه لبعض الخطوات، فأسرع هو قابضًا فوق يدها بعنف مانعًا إياها من الذهاب وغمغم بعصبية حادة:
- بلاش جنان، تعالي اركبي واخلصي يلا عشان نروح وتلحقي ترتاحي شوية.
طالعته مترددة بخوف يبدو عليها وتمتمت بضعف وعقلها يصور لها العديد من المشاهد المرعبة التي تنتظرها عند عودتها معه:
- بـ... بس أنا مش عاوزة أروح معاك، مش عاوزة أرجع تاني في العيلة دي. لا مش عاوزة عشان خاطري أنا خلاص هبعد ومحدش هيشوف وشي تاني.
جملتها الأخيرة ألمته بشدة جعلت قلبه يعتصر بداخله، تود الابتعاد حقًا؟ كيف له سيعيش من دون رؤيتها؟ لن يستطع بالطبع وسيموت اشتياقًا وعشقًا لها، لكنه يريد راحتها حتى وإن كانت لن تتطابق معه، لذلك غمغم متسائلًا بهدوء:
- طب عاوزة تروحي فين؟ أوديكي عند أهلك؟
حركت رأسها مسرعة نافية بخوف، لا تريد رؤيتهم مرة أخرى في حياتها فتمتمت بخفوت:
- لـ... لا لا بلاش أهلي عشان خاطري مش عاوزاهم، وديني أي حتة بس أهلي لأ.
طالع رؤيتها بحزن عالمًا بتخليهم عنها ووقوفهم ضدها دومًا من دون اهتمام لها ولمشاعرها، لذلك غمغم يرد عليها متعقلًا باتزان:
- طب بصي هو أبويا كان قايل إني أجيبك على هناك، فأنت تعالي شوفي الدنيا أسبوع ولا حاجة، ما ارتحتيش أو في حاجة ابقي امشي، وأهي فترة كويسة أشوفلك فيها شقة.
لم تقوَ على الرفض لأنها بالفعل ليس لديها مكان تعيش فيه. أغمضت عينيها بقوة وسارت معه بضعف وقلة حيلة تفعل مثلما أخبرها. قاد سيارته متجهًا نحو المنزل مبتسمًا بهدوء على وجودها معه، محاولًا أيضًا التحكم في انفعالاته التي ستكشفه بالطبع.
كان من حين إلى آخر يتطلع نحوها يدقق بها وبملامحها المجهدة، يود أن يضمها ويربت فوق قلبها الحزين، يخبرها أنه لن يتركها مهما حدث.
ترجلت من السيارة وسارت بجانبه بتوتر فطالعها بهدوء يطمئنها، لكنها ما أن دلفت حتى وجدت مديحة تقترب منها تطالعها بنظرات غاضبة حادة والشرر يتطاير من عينيها كالسهام النارية، أسرعت تقف خلف جواد بخوف مما ستفعله بها.
تمتمت بجمود وغضب عارم مشددة فوق كل حرف تتفوه به بحدة:
- أنتي فاكرة أنها خلصت؟ لا بتحلمي، مش هسيبك غير لما اللي قـتل ابني يجي، غير كده مليش دعوة.
وقف جواد أمامها يمنعها من رؤية زوجة عمه ونظراتها الحادة المرعبة مغمغمًا بجدية صارمة:
- في إيه يا مرات عمي؟ ما خلاص رنيم طلع ملهاش دعوة وكل اللي فات كان كذب.
رمقته بغضب وعدم رضا من حديثه ودفاعه عنها، وتحدثت مردفة بعصبية:
- لا دي كدابة أنا مش هصدق أنها بريئة غير لما اللي قـتل ابني يجي، أوعى كده يا جواد أنت أوعى من قدامها.
حاولت أن تمسك شعرها حتى تستطيع ضربها، لكنها وجدت جواد يقف لها كالحاجز يمنعها من الوصول لها قائلًا بغضب هو الآخر من زوجة عمه ذات فكر محدود ولازالت تراها قاتلة رغم إثبات براءتها ولازال لم يعلم أحد أنه هو من أثبتها:
- إيه يا مرات عمي هو إيه اللي كدابة؟ ما أنتي شوفتي القاضي قال إيه وهي ما عملتش حاجة.
صاحت أمامه بعصبية حادة متذمرة على حديثه:
- يعني إيه هتسيب حق ابن عمك اللي راح بسببها؟
كاد يرد عليها لكنه تفاجأ الجميع بصوت فاروق الحاد الجهوري الذي أخرس الجميع:
- بس خلاص يا مديحة، البت فعلًا ما عملتش حاجة. وأنتي يا جليلة خدي جهزيلها أوضة، الأوضة اللي جنب سما.
صمتت مديحة على مضض بعدم رضا متنفسة بصعداء وغضب تحاول التحكم به، بينما جليلة فبالفعل اقتربت من رنيم التي كانت لازالت خائفة من نظرات مديحة التي اخترقتها وكأنها ترسل لها من خلالها بعض الرسائل الحادة المشفرة.
ربتت جليلة فوق كتفها بحنان مطالعة إياها بشفقة لحالتها الخائفة من مديحة وتمتمت بهدوء:
- تعالي يا حبيبتي يلا اطلعي عشان ترتاحي.
تطلعت نحو جواد بخوف فأومأ لها يشجعها على الذهاب مع والدته. سارت معها بخطوات بطيئة حتى دلفت الغرفة التي أشار لها فاروق بحديثه. ابتسمت جليلة بهدوء تحدثت به محاولة أن تخفف من توترها:
- نورتي الأوضة والبيت كله يا حبيبتي، الحمد لله أن ربنا ظهر الحق. ما تزعليش من مديحة ده ابنها برضه.
أومأت لها إلى الأمام برأسها شاعرة بالارتياح من التحدث مع جليلة التي تتعامل معها بهدوء وحنان تفتقده طيلة حياتها ردت عليها بتوتر:
- والله يا طنط أنا ما عملتش حاجة، أنا مظلومة والحمد لله أن ربنا وقف معايا.
اعتلى ثغرها بسمة حنونة حتى تجعلها تهدأ قليلًا:
- الحمد لله يا حبيبتي، إحنا عارفين أنك ما عملتيش حاجة وإلا ما كانش فاروق قال أنك تقعدي هنا، ده مبلغ جواد من بعد الحكم وكان هيستناكي بس قولنا نحاول نهدي مديحة شوية. هسيبك ترتاحي براحتك.
كانت ستذهب لكن استوقفها صوت رنيم الهامس باسمها بخجل:
- معلش يا طنط بس... بس ممكن أي هدوم ليا لأن مش معايا.
همهمت ترد عليها باتزان وهدوء:
- بس كده عيني، معلش نسيت أنا دقيقة وهتبقى عندك.
دلفت سريعًا غرفة ابنتها وأحضرت لها فستان طويل من اللون الأسود ليتناسب مع الظروف التي يمرون بها ودلفت أعطته لها سريعًا:
- أهو يا حبيبتي ارتاحي وهبعتلك أكل عشان ما تتعبيش.
تركتها في الغرفة وخرجت بهدوء وجدت جواد أمامها متسائلًا باهتمام وقلق عليها:
- إيه يا ماما بقت أحسن؟
طالعته بعدم رضا مردفة بجدية تامة:
- جواد مينفعش خالص اللي بتعمله، ولا هي عشان خدت براءة أنت ما صدقت، روح شوف وراك إيه، أنت هتسببلها مشاكل وشايف مرات عمك مش طايقاها، دي سكتت عشان أبوك.
رأى أنها محقة في حديثها لذلك اقتنع به وسار متوجهًا نحو غرفته ليرتاح قليلًا متذكرًا مقابلته الأخيرة بالمحامي وكان حصل بها على ذلك الدليل الهام. لم يصدق أنه استمع إلى قلبه وساعدها بدون علم أحد، جعل الحقيقة تظهر للجميع ليس لقلبه فقط، أنهى الشك باليقين وتأكد من حقيقتها النقية رغم كذبها عليها واعترافها له، لكن قلبه كان يمنعه ويحارب عقله دومًا ويمنعه من تصديق حديثها.
عشقها كالنبضات داخل قلبه، ثابت لم يتوقف سوى بموته، لم يتخيل أنه من الممكن أن يعشق فتاة مثلما يعشقها، لكنها تختلف عن الجميع يراها كالشمس الساطعة ولا يوجد لها شبيه، يتمنى أن يعود ويرى ابتسامتها مرة أخرى كما كانت، لكن هل روحها ستعود إليها من الأساس حتى تبتسم؟!
هم قد سلبوا منها روحها ليس ابتسامتها فقط، كانت تعلم أن موته سيجعلها ترتاح لكنها اكتشفت العكس لا يوجد اختلاف بين موته وحياته في النهاية هي انطفأت وانتهى بريقها تمامًا.
***
داخل مكتب فاروق كانت يجلس مع مديحة المعترضة على وجود رنيم معهم.
غمغمت معترضة بغضب رافضة ما يتفوه به:
- إيه اللي عملته ده يا فاروق؟ أنت عارف عملت إيه؟ إزاي تقول أنها تقعد هنا بدل ما ترميها زي الكـلاب؟
ضرب سطح المكتب بعصبية هادرًا بها بعنف لاعنًا اندفاعها في الأمور:
- وبعد كده يا مديحة؟ بعد ما أعمل كده تروح تفضح ابنك وتقول اللي كان بيعمله واسم العيلة يتبهدل، هتبقى مرتاحة كده؟
صمتت مبتسمة بمكر بعدما فهمت ما يدور بداخله ولما جعلها تظل هنا تحت أنظاره، فهدأت قليلًا مردفة بمكر:
- آه أنا فهمتك، بس أنا مش هستحمل أشوف البت دي قدامي، شوف حاجة تانية غير قعادها هنا.
لم يهتم بحديثها مغمغمًا بحدة مشددة أخرستها:
- لا تانية ولا تالتة، ركزي دلوقتي مش عاوزين فضايح لينا والبت دي ملهاش دعوة بموت عصام فسيبيها هنا تحت عيني أحسن.
طالعته بشك مستنكرة حديثه وتساءلت بعدم فهم ومكر:
- يعني إيه ملهاش دعوة بموت عصام؟ أنت عارف مين اللي موته يا فاروق؟!
هب واقفًا بعصبية والدماء غلت بداخله بعد استماعه لسؤالها:
- إيه أنتي اتجننتي؟ شوفي جرا لعقلك إيه يا مديحة؟ واطلعي بقى عشان مش فاضي دلوقتي.
رمقته بغضب هي الأخرى عالمة أنه يخفي شيء ما عليها في أمر قـتل عصام لذلك تمتمت بعصبية وعدم تصديق:
- ماشي يا فاروق بس خليك فاكر أن اللي راح ده عصام الهواري زيه زي جواد ابنك اللي بتأمنله في مستقبله وهو ولا مهتم ولا عاوز حاجة ماشي ورا أمه وكلامها.
صاح بها بحدة أخرستها بعدما ازدادت من غضبه وتعكير مزاجه:
- مديحة بلاش الشغل ده عشان عارفه وفاهمه كويس مش عيل أنا هيتضحك عليه بكلمتين. اطلعي وسيبيني عشان مش فاضي وبدل ما أنتي شاغلة بالك بجليلة خلي أروى تكلم جواد عشان اللي حصل آخر مرة بينهم.
ثارت بغضب ماكر يشبه قلبها والغيرة اشتعلت في قلبها تاركة الأمر الحقيقي الذي كانت تتحدث به:
- وأنا هشغل بالي بجليلة ليه؟ دي هتبقى حماة بنتي أنا بس بتكلم عشان هي فعلًا اللي مقوية جواد وبعداه عن أروى، أنت عارف أنه مش بيسمع غير ليها.
أنهت حديثها وخرجت تاركة إياه بعصبية، بينما هو جلس يفكر بعمق فيما سيفعله.
وجد جليلة تدلف المكتب متسائلة بهدوء:
- فاضي عشان عاوزة أتكلم معاك؟
أشار لها بيده حتى تجلس ليستمع ما تريده منه متمتمًا بجدية:
- قولي يا جليلة في إيه؟
جلست أمامه بتوتر مردفة بخفوت خوفًا من أن تثير غضبه:
- عاوزاك تكلم مديحة تهدى على رنيم شوية، البنت تعبانة أوي يا فاروق وهي باين أنها مش هتسكت بس حرام، هي زي سما ومعـ..
زجرها بعنف لتصمت عن حديثها الذي لم يعجبه:
- جليلة هي مين دي اللي زي سما؟ فوقي سما بنتك مش زيها ولا عمرها هتطول، بعدين أنا كده كده قولت الكلام ده لمديحة من غير ما تقولي.
تعجبت لأمره من تعامله المدهش مع رنيم، هو دومًا لا يطيقها كيف وصى مديحة عليها؟!
لكنها لم تعقب على حديثه، فمن الواضح أنه في حالة مزاجية غير جيدة، لذلك خرجت في صمت من دون أن تتحدث معه في شيء آخر.
***
بعد مرور يومين...
نزلت رنيم من غرفتها في منزل فاروق الهواري بعد إصرار جليلة لنزولها أسفل معهم في ذلك المنزل الذي ضم جميع أفراد عائلة الهواري. كان الجميع مجتمعًا حول مائدة الطعام ما عدا جواد الذي كان في عمله للآن.
سارت بخطوات بطيئة متعثرة تخشى الاجتماع معهم في مكان واحد، كانت ستهرب مرة أخرى إلى غرفتها لكن جليلة أسرعت تتفوه باسمها بهدوء مبتسمة تحثها على الجلوس معهم:
"تعالي يا رنيم، يلا يا حبيبتي مستنياكي."
أشارت لها نحو المكان الذي كان أمامها فتوجهت رنيم بخوف من نظرات مديحة وابنتها الحادة المخترقة إياها كالسهام، جعلت خوفها وتوترها يزداد.
باغتتها مديحة بسؤالها الحاد ولهجتها الصارمة القاسية معها:
"أنتِ إيه اللي نزلك من فوق؟"
أشارت مسرعة بسبابتها نحو جليلة مردفة بخفوت وقلق:
"طـ... طنط جليلة والله هي اللي قالت لي أنزل هنا عشان آكل معاكم."
عقبت بسخرية على حديثها متطلعة نحو جليلة بعدم رضا:
"طنط... طنط إيه أنتِ هتنسي نفسك؟ دي بالنسبة لك جليلة هانم مبقاش ناقص غيرك اللي ينسى نفسه."
تدخلت جليلة بهدوء متزن بعدما شعرت بتوترها وخوفها:
"آه يا مديحة أنا اللي نزلتها، بعدين تقول اللي هي عايزاه براحتها."
طريقة جليلة المدللة الهادئة لم تعجب فاروق ومديحة وأروى التي كانت تستشيط غضبًا، فجليلة اتخذت موقفًا ضدها بعد فعلتها مع جواد وكذبها، فهل من الممكن أن تتعامل معها بصرامة متجاهلة إياها وتتعامل مع رنيم هكذا؟!
صاحت أروى بها بغضب وغيرة والشر يتطاير من عينيها كقلبها الملئ بالحقد والكره لرنيم:
"لا بقول لك إيه اتعدلي كده أحسن لك ومتنسيش نفسك يا بت أنتِ، أنتِ هنا مش أكتر ولا أقل من خدامة، فوقي كده وقومي من قدامي وإياكِ تنسي نفسك وأشوفك قاعدة معانا ثاني، أنتِ فاهمة؟"
ظلت رنيم جالسة بالصمت من دون أن تعترض أو تنفذ ما طلبته منها أروى، فغمغمت مديحة بصرامة حادة والغضب يبدو فوق ملامحها:
"ما تقومي يا بت، ما سمعتيش اللي أروى قالت لك إيه؟ ولا أنتِ فاكرة عشان عصام راح محدش هيعرف يلمك؟ قومي يلا."
نهضت رنيم بالفعل مسرعة نحو غرفتها بخطوات شبه راكضة باكية من إهانتها أمام الجميع، لكنها قليلة الحيلة أمامهم، لو تجد مَن تستند عليه ويدعمها ستقف وترد على الجميع بشجاعة بلا خوف وتردد، ستنال حقها، لكنها إذا فعلت ذلك سينتقمون منها من دون أن تجد مَن يدافع عنها، وكأنها فريسة سقطت بين أيديهم.
مسحت دموعها بحزن ملتقطة أنفاسها بصوت مرتفع بعدما أغلقت باب غرفتها بإحكام خلفها، وظلت تبكي بدون وعي منها، تبكي على كل شيء يحدث لها، لا تمتلك سوى البكاء ولم تستطع فعل شيء سواه، ظلت تلعن حظها وضعفها أمامهم، لكن الأمر في الحقيقة لم يكن ضعفًا منها، بل هو أشياء متعددة: قلة حيلتها، وعدم وجود أمان لها، نفوذهم التي بلا حدود ويستطيعون فعل ما يريدون بها في أي وقت.
جلست مديحة كما كانت متناولة طعامها ببرود وكأنها لم تفعل شيئًا في تلك المسكينة، تمتمت جليلة بحزن معترضة على فعلة مديحة وابنتها:
"مينفعش كده يا مديحة حرام، البنت ما عملتش حاجة وشكلها تعبان، اتعاملي معاها براحة عن كده، وأنتِ كمان يا أروى دي مرات أخوكي الله يرحمه يعني زي أختك."
اعتلت ضحكات أروى بغرور ساخرة من كلمتها الأخيرة:
"أختي هي مين دي اللي أختي يا طنط؟ ضحكتيني والله."
تدخلت مديحة مسرعة تساند ابنتها كما تفعل دومًا حتى جعلتها مثلها، تشبهها في العديد من الصفات، وإنسانة كمديحة جاحدة القلب لم يوجد بها صفة واحدة جيدة:
"إيه يا جليلة اللي مينفعش؟ هو اللي بتقوليه واللي بتعمليه ده مع البت، البت دي مش كويسة لو عاملتيها كده هتتمادى، حرباية أنا عارفاها، بلاش حنيتك عليها، كفاية قعدها هنا معانا، كمان هتدلعيها."
كادت تعترض بعدم اقتناع لكن أسرع فاروق مغمغمًا بلهجة مشددة حازمة ينهي ذلك النقاش الذي لا يريده:
"خلاص يا جليلة مديحة عارفة بتتعامل إزاي وأدرى بطريقتها، سيبها تعاملها براحتها."
لم توافقه الرأي وغمغمت معترضة على حديثه هو الآخر التي بعمرها لم تقتنع به:
"كلام إيه ده يا فاروق أنت بتقول إيه؟ إيه بتتعامل إزاي دي؟ ما هي إنسانة زيها زينا ومن العيلة دي كمان."
رمقها بغضب مغمغمًا بحدة غاضبة أخرستها:
"ما خلاص يا جليلة قلت، هي قصة هتقعدي تتكلمي فيها؟ كملي أكلك."
صمتت بالفعل وأكملت طعامها بعدم شهية حزينة على أمر تلك الفتاة ومعاملة الجميع لها القاسية.
***
في الصباح..
دلفت رنيم المكتب الخاص بفاروق شاعرة بتوتر شديد حابسة أنفاسها خوفًا من حديثه، هو أرسل إليها عاملة في المنزل تخبرها أنه يريدها.
وقفت أمامه بصمت منتظرة استماعها لحديثه شاعرة بثقل كبير في قلبها، لكنها وجدته يواصل ما يفعله من دون أن يعطِ لوجودها أمامه أي اهتمام، حمحمت متسائلة بخجل وخوف محاولة لفت انتباهه ليخبرها عما يريده معها:
"فـ... فاروق بيه حضرتك عـ... عايز مني حاجة؟"
طال صمته مرة أخرى بطريقة أدهشتها، لكنه باغتها بنهوضه مقتربًا منها يدور حولها بطريقة غير مفهومة، لكنها أسرعت تضع يدها فوق وجهها بخوف بحركة لا إرادية اعتادت عليها ظنًا منه أنه سيضربها مثلما كان يحدث معها دومًا من عصام.
اعتلى ثغره ابتسامة من فعلتها عالمًا جيدًا أن ذلك نتيجة أفعال عصام معها، لكنه لم يبالِ بشيء بل أخيرًا تخلى عن صمته متحدثًا بنبرة حادة حازمة:
"آه عايز أتكلم معاكِ في حاجة مهمة تفضلي فاكراها أحسن لك."
أومأت برأسها في صمت وعيناها تطالعه متسائلة عن ذلك الأمر الهام الذي أحضرها لأجله ويود بسببها التحدث معها للمرة الأولى في حياتها.
هي دومًا تهابه وتخشى التحدث معه في أي شيء، تراه شخصًا صارمًا جادًا تخاف من التعامل معه أو إخباره عن شيء.
تابع حديثه بجدية تامة مشددة يملأها الوعيد:
"شوفي أنتِ أي حاجة عصام كان بيعملها معاكِ تنسيها ولا كأنها حصلت من الأساس، عصام قدام الكل شخص عادي ومفيش حاجة وهتفضلي قاعدة هنا كمان."
أومأت تؤكد حديثه حتى تجعله لا يفعل لها شيئًا، تعلم جيدًا أنه يستطيع فعل أي شيء يريده:
"حـ... حاضر والله مش هتكلم كلمة واحدة عليه بـ... بس أنا مش عايزة... مش عايزة أقعد هنا أنا محتاجة أمشي."
باغتها بسؤاله الساخر المقلل من شأنها متعمدًا إهانتها:
"هتمشي تروحي فين؟ وهو أنتِ لاقية مكان يلمك؟ بعدين أنتِ فاكراني باخد رأيك؟ أنا بعرفك وقعدك هنا عشان أنتِ مرات عصام الهواري مش على آخر الزمن واحدة زيك هتفضحنا."
ابتلعت تلك الغصة القوية التي تشكلت في حلقها من إهانتها وتمتمت بضعف خافت:
"أ... أنا والله ما هتكلم ولا هفتح بوقي خالص بس أنا ممكن أقعد في أي مكان غير هنا مش هقدر."
لم يبالِ بحديثها بل غمغم بوعيد حاد أخافها وجعلها ترتعش من نبرته معها:
"بس خلي بالك لو عرفت إن لكِ يد في موت عصام حتى لو بمجرد تفكير فكرتيه للحظة واحدة مش هرحمك، وأنتِ متعرفيش فاروق الهواري يقدر يعمل إيه؟"
ارتعشت بخوف شديد من نبرته تخشى علمه باتفاقها مع محسن التي تراجعت عنه، وحتى الآن تظن أنه من قتل عصام وحاول أن يجعلها هي القاتلة خاصة أنه اختفى تمامًا بعد الحادثة وكأن ليس له أثر.
لكنها حاولت التماسك وتوقف فكرها حتى لا يظن بها وصمتت بخوف، فأشار لها بسبابته متعاليًا بفخر:
"خلاص كده باين رسالتي وصلت لكِ، اطلعي على أوضتك."
سارت مسرعة من أمامه هاربة من نظراته التي تجعل الرعب يملأ قلبها، تشعر أنه يعلم كل ما كانت تود فعله من نظراته الحادة لها.
***
بعد مرور أسبوعين...
في المساء كان جواد قد عاد للتو من عمله بعد غياب دام لأسبوعين، كان جميع مَن في المنزل قد غفا ما عدا رنيم التي كانت تقف في المطبخ تنظف بعض الصحون.
تفاجأت عندما رأته يدلف المطبخ، ابتسمت بخفوت ما أن رأته وتمتمت بهدوء:
"حمد لله على سلامتك أخيرًا جيت."
بادلها ابتسامتها هو الآخر مغمغمًا بمرح يمازحها:
"كنتِ خايفة عليَّ ولا إيه؟"
شعرت بالخجل من سؤاله المباغت لها وأسرعت تبعد عينيها عنه بضعف متمتمة بصوت خافت متلعثم:
"لـ... لأ لأ مش كده بس عشان طنط جليلة والدتك كانت بتقول إنك وحشتها وعايزة تشوفك."
ابتسم على ارتباكها البادي عليها وأردف بعتاب:
"بقى كده مش خايفة عليَّ؟ ده أنا ممكن أموت حتى."
ردت عليه بلهفة شديدة شاعرة بنغزة قوية في قلبها متخيلة حديثه إذا حدث فحينها ستموت هي الأخرى حقًا:
"بعد الشر يا جواد ما تقولش كده، بعد الشر أنا بخاف عليك بـ..."
بس بس، يعني قصدي أن طنط كانت مستنياك ترجع.
تساءلت مرة أخرى مسرعة قبل أن يتحدث، محاولة أن تنهي ذلك الحديث الذي سيأخذ منحنى آخر بينهما:
اطلع أوضتك ارتاح أنت، إيه اللي جابك على المطبخ؟
أجابها بهدوء بعدما جذب مقعد يجلس فوقه:
كنت فاكر ماما هي اللي في المطبخ، فكنت عاوز أشرب قهوة عشان دماغي وجعاني.
استنكرت طلبه معقدة حاجبيها بدهشة:
قهوة بليل!!
أومأ لها برأسه أمامًا مغمغمًا بمرح لم يظهر سوى معها هي فقط، هي الوحيدة القادرة على تحويل جواد الجاد الصارم مع الجميع إلى ذلك العاشق الولهان المتيم في عشقها مهما حاول إخفاءه:
ده هي ما تحلاش غير بليل مع الحبايب وحياة عنيكي دول، بس يلا ماما نامت مليش نصيب.
تمتمت مسرعة قبل أن ينهض ويتوجه نحو غرفته:
لأ استنى أنا هعملهالك، هو أنا كان عصام بيقولي دايمًا إنها وحشة وبيرميها بس انت جرب لو ما عجبتكش سيبها واطلع نام يبقى ملكش نصيب فعلًا.
تذكرت عندما كان ذلك المختل يلقي القهوة الساخنة عليها ويسبها بأبشع الألفاظ التي اعتادت عليها منه، لكن حمقاء هي، تظن لن يحب شيئًا فعلته لأجل بالطبع سيعشقه كعشقها.
لكنه باغتها بسؤاله القوي الغير المتوقع:
عشان كده دلقها عليكي يوم الحادثة وكان بيضربك، كان إيه السبب يا رنيم وهو بيعمل كده دايمًا ولا إيه؟
خشيت من حديثه متذكرة تهديد فاروق لها فأجابته متلعثمة بتوتر وخوف:
لـ... لا طبعًا دي... دي كانت خناقة عادية وكبرت بينا بس عادي مفيش حاجة لأ وأول مرة يضربني.
سألها بعدم اقتناع عالمًا بكذبها، لكنه لم يستطع فهم شيء:
متأكدة من كلامك ده؟
أومأت برأسها أمامًا بخوف من أن يكشف الأمر، وبدأت تعد له القهوة مسرعة بعناية شديدة ووضعتها أمامه بهدوء:
اتفضل أهي القهوة.
أشار لها لتجلس أمامه فجلست منتظرة استماعها لما يريده، فغمغم معتذرًا بهدوء وندم عن معاملته لها الفترة الماضية وظنه في قتلها لعصام:
رنيم أنا آسف على اللي حصل لما كنتي محبوسة، بس عصام زي أخويا فكانت أعصابي بايظة وما عرفتش أنا باعمل إيه وكمان؟
كل مرة يتفوه بها باسمها يسلبها عقلها إلى دنيا أخرى كانت تحلم بها زمان والآن هي مجرد ذكرى وحلم لم تستطع تحقيقه، ردت عليه بهدوء:
لأ عادي مفيش حاجة خلاص كفاية وقوفك جنبي وأنك ساعدتني وأنت السبب في خروجي من هناك.
رد عليها يعاتبها بحزن خفيف:
بس أنتي غلطتي لما كدبتي عليا وقولتيلي إنك قتلتيه، مش فاهم ليه عملتي كده، كنت بأسألك لغاية آخر لحظة نفسي إنك تثقي فيا وتحكيلي الحقيقة.
حاولت أن تبرر له موقفها بتعقل شارحة له الأمر كما كانت ترى:
طريقتك معايا حسستني إنك مش هتصدقني وكمان أعصابي كانت تعبانة مش عارفة أفكر حتى بقيت مرة واحدة قاتلة وخاينة كمان، وبعدين أنا بأثق فيك والله يا جواد.
كان متفهمًا تمامًا لحديثها لذلك دعمها بهدوء وخلف حديثه العديد من المشاعر الفياضة التي تكفيه لسنوات قادمة:
أنا عمري ما ها أكدبك، بعدين ده أنا صدقت نظرة عينك مش ها أصدق كلامك، أنا بس اللي عصبني إنك حاولتي تقتلي نفسك وكمان سألتك بعد ما عرفت الحقيقة وبرضو كدبتي عليا، بعدين كلنا كانت أعصابنا تعبانة.
طالعته بامتنان شاكرة إياه بصدق لوقوفه بجانبها وتصديقه لها رغم كذبها:
شكرًا يا جواد باشا شكرًا.
عقب بمرح متذمرًا بعدم رضا لكلمتها:
رجعنا لباشا دي تاني هو في قسم؟ ده احنا في المطبخ أهو.
ضحكت بهدوء ضحكة ولا أروع طربت أذنيه كأنه استمع إلى ألحان أغنية موسيقية لكنها كانت أحلى من كل شيء لا يجد شيء يصف به ضحكتها الخلابة.
وضع فنجان القهوة فوق المنضدة بعدما أنهاه متمتمًا بهدوء:
تسلم إيدك بجد القهوة حلوة أوي.
طالعته متسائلة بعدم تصديق تريده يؤكد حديثه بصدق:
بتهزر صح؟ عجبتك القهوة بتاعتي بجد!؟
أومأ مؤكدًا حديثه بابتسامة هادئة تزين ثغره:
والله حلوة أوي زيك تسلم إيدك تعمليلي واحدة كمان وأشربها عشان تصدقي.
نهضت من أمامه بخجل بعدما توردت وجنتيها باللون الأحمر متمتمة بتلعثم خافت:
لـ.. لا لأ خلاص اطلع ارتاح بقى.
بدأت تنظف الفنجان مسرعة لتهرب من أمام عينيه عندما رأته لازال جالسًا في مكانه لم ينهض فأسرعت هي هاربة من أمامه بخجل شاعرة بالسعادة لأول مرة، نعم قد مر على قلبها بعض اللحظات السعيدة القليلة في تلك الدقائق التي جلستها معه.
كان يمدحها ويمدح كل ما تفعله، نظراته تخبرها بالعديد والعديد التي علمته جيدًا لكنها ادعت عدم فهمه محاولة إنقاذ ذاتها وعقلها من ذلك الحلم المستحيل قبل سحق روحها في دوامة أخرى مستحيلة ستكون نهايتها الحزن لها.
بينما جواد فقد ابتسم هو الآخر بسعادة وظل طول ليله يفكر بها، ملامحها الجميلة الهادئة، ابتساماتها الساحرة وضحكتها المميزة، كل ذلك لن يذهب عن باله ولو لوهلة واحدة فقط، يحلم هو الآخر العديد من الأحلام عالمًا بمدى صعوبة بل استحالة تحقيقها.
***
بعد مرور أسبوعين...
كانت رنيم جالسة تتحدث مع سما بهدوء فتطلعت أروى إليها بغيظ والحقد يملأ قلبها لذلك صاحت بها بغضب متكبرة عليها:
أنتي قاعدة هنا معانا بتعملي إيه قومي شوفي أي زفت اعمليه، اللي زيك ما يقعدش معانا.
طالعتها رنيم بضيق محاولة التحكم في انفعالاتها لا تود أن تتشاجر معها لكنها أيضًا ملت من الصمت لذلك أجابتها بهدوء مقتضب:
أنا قاعدة مع سما بنتكلم أنا وهي.
نهضت أروى بغيظ مقتربة منها والشرر يتطاير من عينيها تلك الماكرة الخبيثة التي تود أن تصبح أفضل من الجميع جذبتها ضاغطة فوق ذراعها بقوة غارزة أظافرها به وصاحت بحدة:
أنتي كمان بتردي عليا يا زبالة أنتي ما تفوقي ولا نسيتي أصلك يا*** مكناش بنسمعلك نفس.
تألمت رنيم من ضراوة قبضتها حاولت أن تجعلها تتركها إلا أنها كانت محكمة القبض عليها بحقد فتمتمت بضعف متألمة:
سيبي إيدي وابعدي عني أنا أصلًا ما كلمتكيش أنتي بتكلم مع سما.
أسرعت سما تتدخل في الأمر بقلق محاولة مع أروى لتجعلها تهدأ وتتركها:
خلاص يا أروى سيبيها هي ما عملتش حاجة وأنا اللي قولتلها تنزل.
لم تهتم بحديثها بل ظلت تضغط فوق ذراعها أكثر بقوة ضارية فصرخت رنيم متألمة ودفعتها بقوة هي الأخرى إلى الخلف حتى تتركها بعدما وجدت بعض الدماء تسيل من ذراعها بسبب قبضتها الحادة وأظافرها الغارزة بذراعها فوقعت أروى أرضًا تحت أنظار مديحة التي دلفت للتو وجدت رنيم تدفع ابنتها أرضًا.
أسرعت مقتربة منها جاذبة إياها من شعرها بقوة وغل وضربتها بعنف:
يا وسـ*ـة بتمدي إيدك عليها أنتي اتجننتي ولا نسيتي نفسك.
ظلت رنيم تبكي بألم محاولة الدفاع عن ذاتها تحت سيل الضربات المسددة إليها بقوة من مديحة.
حاولت جليلة وسما التدخل حتى تجعلها تتركها:
مديحة خلاص يا حبيبتي ما كانش قصدها سيبيها أحسن تموت في إيدك.
لم تهتم بحديثها بل ظلت تستكمل ضربها لها بعنف وقوة غير مبالية بالدماء التي تسيل منها أثر ضرباتها القوية بقدمها ويديها.
في ذلك الوقت دلف جواد الذي عاد للتو مستمعًا إلى صراخ رنيم الذي يعلمه جيدًا ولج مسرعًا بقلق وتفاجأ مما يراه وجد زوجة عمه تضرب رنيم بقوة تصفعها بعنف وتركلها بقوة بعدما انتهت من قص بعض الخصلات في شعرها رأى والدته وشقيقته يحاولون الدفاع عنها لكن باءت محاولتهما بالفشل.
وجد أيضًا أروى تجلس تطالع ما يحدث بتشفٍّ واستمتاع تشاهد ما يحدث بتسلية وفرح دفعتها مديحة أسفل قدم ابنتها وهي لازالت قابضة فوق شعرها بقوة وتمتمت بحدة صارمة مهينة لها:
اعتذري لها يلا يا *بالة وما ترفعيش نفسك تاني دي ستك أنتي واحدة خدامة تحت رجلها.
وجد أروى تدفعها بقدمها بقوة إلى الخلف في بطنها مبتسمة بغرور وتشفٍّ فلم يتحمل رؤية ما يحدث لها أمامه فقد السيطرة على ذاته وتوجه مسرعًا نحوهم بغضب يدفع زوجة عمه الممسكة بها ليجعلها تتركها صائحًا بها بغضب:
إيه اللي بتعمليه ده؟ إزاي تعملي فيها كده ده جنان.
طالع أروى بغضب متابعًا حديثه بغضب أعماه غير مبالي لأي شخص حوله:
وأنتي إيه اللي بتعمليه ده؟ أنتي إزاي كده معندكيش قلب ولا رحمة؟ أنا مش هاسكت على اللي عملتوه ده ومش هايعدي.
أسرع يساعدها على النهوض من فوق الأرض بغضب وهي شاعرة أن قدميها لم تعد تتحملها، تمتمت مديحة بغضب وعصبية بعدما رأت رد فعل جواد الحاد معها هي وابنتها:
أنت اللي مالك وبتدخل ليه؟ هو حد كلمك؟ دي كانت مرات ابني وقاعدة هنا شفقة، يعني أعمل أنا فيها اللي يعجبني حتى لو هاموتها ملكش إنك تتدخل بينا.
اعترض على حديثها بحدة عارمة:
يعني إيه لأ مالي؟ ومالي أوي كمان وكلامك ده مش صح هي مش قاعدة شفقة، وبعدين ليا الحق أتدخل عشان رنيم تخصني.
تعجبت من حديث رمقته بذهول متسائلة بعدم فهم معقدة حاجبيها:
تخصك!! إيه اللي تخصك؟ ومالك بتتكلم كده ليه أنت ملكش دعوة بيها يا جواد.
في لحظة غاضبة فقد بها عقله والتحكم في ذاته رد عليها بغضب متبجحًا بحدة:
تخصني عشان رنيم مراتي.
صعق الجميع بحديثه الذي ألقاه عليهم بطريقة مباغتة فاجأت جميع الحاضرين.
رواية لهيب الروح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هدير دودو
رواية لهيب الروح الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هدير دودو
صُعق الجميع بعد استماعهم لحديث جواد الغير متوقع، ملقيًا من خلاله قنبلة موقوتة دوت داخل عقول جميع الحاضرين.
بداية من رنيم التي طالعتْهُ بذهول متعجبة لحديثه، مبتعدة عنه وأردفت متسائلة بدهشة وعدم تصديق:
"مـ… مراتك… مرات مين أنت بتقول إيه؟"
تطلعت والدته هي الأخرى نحوه مسرعة بقلق، لكن لم تكن هي فقط من تطلعت نحوه، فقد توجهت جميع الأنظار عليه.
حاولت جليلة التدخل في الأمر لتصحح ما أردفه ابنها، متمتمة بصوت متلجلج ضعيف يملؤه القلق مما سيحدث:
"لـ… لأ لأ طبعًا جواد ابني مـ… ميقصدش، هو بس صعبت عليه رنيم فقال كدة عشا…"
قطع حديثه والدته بإصرار على حديثه، وقد فقد عقله والسيطرة على ذاته تمامًا:
"لأ ياماما، أنا عارف كويس أوي أنا بقول إيه وقد اللي بقوله كمان، أنا مش عيل."
شعرت مديحة بالدماء تغلي داخل عقلها، ودت لو تقتله وتواصل ما تفعله برنيم حتى تجعلها تلحق بها. فإذا جواد تزوج من فتاة أخرى غير ابنتها، ستجعل العائلة بأكملها تنقلب رأسًا على عقب دون النظر لأي شيء آخر. هي دومًا تسعى لإمتاك نفوذ العائلة بزواج جواد من ابنتها، زواج ابنتها الابن الوحيد للعائلة بعد وفاة ابنها، حينها ستصبح الحاصلة على كل شيء في عائلة الهواري. لكن الآن هو يود إفساد جميع مخططاتها بحديثه الأبله التي لن تجعله يحدث سوى بموتها.
صاحت به بغضب عارم والشرر يتطاير من عينيها:
"أنت شكلك اتجننت خالص، دة عصام مكملش تلت شهور إزاي مراتك؟ بعدين أنت خاطب أروى بنتي، ما تعقل كلامك يا جواد."
أجابها ببرود متبجحًا بلا مبالاة، كأنه يخبرها بأمر عادي:
"لأ خلاص، ماهو كان فيه منه وخلص، اسألي أروى أنا قايلها إنها زي أختي، بعدين عارف إن رنيم لسه ناقصها شهرين وشوية من العدة بتاعتها، بعد العدة أنا هتجوزها وكدة. لا اتجننت ولا حاجة، دة عصام زي أخويا وأنا أولى بمراته."
وقفت رنيم تستمع إلى كل ما يدور حولها بذهول، شاعرة أنها كالدمية يفعلون بها ما يشاءون من دون اهتمام برأيها. هل ستتزوج مرة أخرى من دون موافقتها؟ لا بالطبع لن تكرر حكاية الزواج مرة أخرى، عصام جعلها تكره تلك الكلمة.
تمتمت هي الأخرى تقطع الحديث الذي يدور عنها من دون العودة إليها:
"إيه اللي بتقولوه دة، أنا مش موافقة ومش هتجوز، مش عاوزة حاجة."
تركت الجميع وانطلقت راكضة نحو غرفتها بتعب ودموعها تسيل فوق وجنتيها بضعف في هيئة مثيرة للشفقة تجعل الجميع يود التعاطف معها. لكن مديحة وابنتها لم يهتموا لأمرها ولأمر أي أحد آخر سواه هما فقط.
طالعتْهُ مديحة مبتسمة بتشفي بعد حديث رنيم الذي جاء كما تريد، مغمغمة ببرود:
"اديك سمعت رأيها، هي مش عاوزاك من بعد عصام ابني، عمرها ما هتتجوز ولا هتبص لحد، هتقعد تخدمني أنا وبنتي."
غضب بشدة من حديثها، ليس من حديث رنيم المتوقع بالطبع، لكن هي كيف تخبرها أنها هنا لخدمتها هي وأروى؟ قبض فوق يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، مزمجرًا بغضب ورد على حديثها بحدة مشددًا فوق كل حرف يتفوهه:
"رأيها دة هيبقى بيني وبينها يامرات، وأنتي حاليًا ملكيش عندها حاجة وهي مش مطالبة بأي حاجة ليكي."
أسرعت جليلة مقتربة من ابنها واضعة يدها فوق كتفه، متمتمة بضعف محاولة أن تجعله يهدأ ويتراجع عن حديثه:
"بس يا جواد عشان خاطري، أنت بس متعصب مش واعي للي بتقوله، بس اهدى وخلاص مفيش حاجة."
أجابها بإصرار متمسكًا بحديثه بجدية تامة، مقررًا أن يقف أمام الجميع للدفاع عن حبه، حبه الذي ظن أنه أصبح مستحيلًا. ها قد عادت إليه الفرصة من جديد، مقررًا عدم تركها، وأيضًا يود إنقاذها مما يحدث إليها من زوجة عمه القاسية القلب:
"لأ يا أمي، أنا عارف أنا بقول إيه، مرات عمي اللي بتتكلم وخلاص وناسية أنها مش حقها دلوقتي، أنا هتجوز زي ما قولت."
في ذلك الوقت وعلى كلمته الأخيرة، ولج فاروق المنزل الذي عاد للتو، معقدًا حاجبيه بدهشة لما استمعه من ابنه، وتساءل بحدة عارمة ولهجة حازمة مشددة بشموخ:
"إيه اللي بيحصل هنا؟! في إيه؟"
توترت جليلة بشدة ووقفت تطالعه بخوف، لا تعلم بماذا تجيبه. تخشى رد فعله الذي لم تنجح في توقعه، مردفة بتوتر ووجه شاحب:
"مـ… مفيش حاجة يا فاروق، مفيش حاجة."
كرر سؤاله مرة أخرى بنبرة تزداد حدة وغضبًا عما كان في السابق:
"بسأل في إيه؟! ما حد يرد."
أسرعت مديحة مغمغمة بمكر تخبره هي عما يحدث من ابنه:
"كويس إنك جيت يا فاروق عشان تشوف حل مع ابنك، جواد قال إيه؟ عاوز يتجوز رنيم ويقولك هيستنى شهرين."
طالعه بعدم تصديق، صائحًا به بحدة غاضبة:
"إيه اللي بتقوله دة! أنت شكلك اتجننت عالاخر، رنيم مين دي اللي تتجوزها؟ أنت مش خاطب أروى بنت عمك."
لم يصمت ويخجل مثل كل مرة، لم يرفض إحراجه أمام الجميع، هو الآن يدافع عن عشقه الذي حُرم منه وقد عاد إليه، لذا سيتمسك به بقوة. فرد على والده بجدية تامة:
"إيه الجنان في كدة! هتجوز مرات عصام ابن عمي، وبعدين الخطوبة راحت لحالها، أنا معرف أروى كدة من زمان، أروى زي سما أختي، ربنا معاها."
شعر بالغضب بعد استماعه لحديث جواد وهدر بعنف بعدما تشنج جسده بغضب باد:
"ماهو اللي بتقوله دى ملوش تفسير غير إنه جنان منك، فوق كدة واظبط نفسك بقى، جواد الهواري هيتجوز واحدة زي دي، ما تتعدل كدة."
اقتربت جليلة نحوه مسرعة حتى تجعله يهدأ، ممسكة في ذراعه بقلق وتمتمت بتوتر وخوف مما سيحدث:
"فاروق عشان خاطري اهدى، اتكلم أنت وهو بعدين لوحدكم."
تطلعت نحو جواد لينقذ ما تفوهت به، مستغلة صمت فاروق الذي كان تحت تأثير الصدمة للآن. فنفذ جواد طلبها وصعد متوجهًا نحو غرفته يفكر فيما سيفعله في حربه القادمة مع الجميع. لكنه على أتم استعداد ليفعل المستحيل من أجلها، لكن قبل ذلك عليه التحدث معها أولًا.
بينما مديحة كانت تتطلع نحو فاروق بغضب عارم ونظراتها لم توحِ سوى بالشر، تعكس مدى الغضب الشاعرة به والنيران المتأهبة في قلبها بعد فعلة جواد التي جاءت عليها بالدمار، الدمار لجميع أحلامها السوداء التي تود تحقيقها.
فهم فاروق جيدًا ما يدور داخل عقلها، لكنه لن يهتم به. هو يفكر في طريقة لينهي بها ذلك القرار الذي اتخذه ابنه والذي سيضره، لن يعود عليه بالنفع أبدًا.
تمتمت جليلة بخفوت شديد ولا تزال خائفة مما سيحدث بين ابنها وزوجها، وما يجعلها تخاف أكثر نظرة الإصرار التي رأتها داخل أعين جواد المعلنة عن تنفيذه لما يريده واستحالة تراجعه. هي تعلم ابنها جيدًا كما تعلم أيضًا استحالة موافقة زوجها على تلك الزيجة:
"ا… ارتاح يافاروق أنت لسه راجع من برة، أنا هتكلم مع جواد ونشوف بس براحة، أنت عارف العند مش هيعمل حاجة، بعدين هو ممكن قال كدة عشان البنت صعبت عليه لأن مديحة ضربتها جامد، هكلمه ونشوف."
برطمت مديحة سرًا بغيظ دون أن تجعلها تستمع إليها:
"هو في حد مبوظه ومدلعه على الكل غيرك."
صعدت نحو غرفتها هي وابنتها بغضب عارم غير راضيين لما حدث منذ قليل، كل منهما يريد التفكير في حل سريع لإنهاء ما حدث مسرعًا.
❈-❈-❈
في الغرفة كانت أروى تسير ذهابًا وإيابًا بغضب عارم، تود الذهاب والتخلص من رنيم التي تأكدت من حب جواد لها. تطلعت نحو والدتها وأردفت بغضب عارم:
"يعني إيه ياماما، يعني إيه الكلام اللي جواد قاله تحت دة، جواد هيتجوز البت دي."
صمتت لوهلة مشيرة بسبابتها نحو ذاتها بغرور:
"بقى يسيبني أنا أروى الهواري ويبص لواحدة *** زي دي… دي مجرد واحدة خدامة هنا."
تمتمت مديحة بعصبية محاولة أن تجعلها تهدأ وتصمت ولو قليلًا حتى تستطيع التفكير فيما ستفعله لتفشل تلك الزيجة قبل أن تتم:
"اهدي بقى شوية، مش ناقصين كلامك دة، اسكتي خالص خلينا نفكر."
جلست أروى أمامها بغضب يملأ كل ذرة بداخلها، لا يزال حديث جواد يرن داخل أذنيها وتمسكه بها أمامهم بالأسفل:
"أهو ياماما قعدت، هنفكر إزاي دة وقف قدام أبوه عشانها وعشان يتجوزها، مبقاش في إيدينا حاجة."
تطلعت مديحة أمامها بمكر شيطاني وتمتمت بصوت يملؤه الخبث والشر:
"لأ يا أروى، لسه في إيدينا عمك فاروق عمره ما هيوافق على الجوازة دي واحنا مش هنسكت ولا هنسيب جواد يقدر يقنعه."
عقدت أروى حاجبيها متسائلة بعدم فهم من حديث والدتها الملئ بالألغاز المشفرة المعقدة بالنسبة إليها وإلى كل من يستمع إليها:
"مش فاهمة حاجة ياماما!؟ أنتي قصدك إيه ناوية تعملي إيه؟!"
بدأت تشرح لها ما تود فعله حتى تمنع حدوث زيجة جواد ورنيم التي تراها حية قد خطفت جواد من ابنتها، لكن في الحقيقة هي لن تفعل ذلك. جواد أحبها منذ زمن، قبل زواجها وهو يحبها في صمت، بل قرر التخلي عن صمته الآن عندما أُتيحت له الفرصة، مقررًا استغلالها بكل قوته ليصل إلى ما يريده، شاعرًا أن ربه قرر أن يجمعهما معًا.
استمعت إلى حديث والدتها الخبيث الذي يشبهها، مبتسمة بسعادة تشجعها على أفكارها التي تشبه نواياهما:
"معاكي حق ياماما، حلوة أوي الأفكار دي، لما نشوف عمو هيعمل إيه."
أكملت حديثها بوعيد والغيظ يملؤها، شاعرة بنيران داخل قلبها من رفضه لها وتقليله من شأنها:
"بس وربنا ياماما، ما هسيبه، أنا هخليه يعرف أنا مين وإزاي يرفضني كدة وقدام الكل يقول إنها زيي زي أخته، هوريه أخته بقى على حق، هو فاكر نفسه مين."
أيدتها مديحة على الفور، هي التي زرعت بداخلها تلك الأفكار الخبيثة، هي مَن جعلتها ترى الأمور مثلها. تود فقط الحصول على ما تريده وتنفيذ ما يجعلها سعيدة بلا اهتمام بمشاعر الآخرين.
❈-❈-❈
في الصباح الباكر توجهت جليلة إلى غرفة جواد، دقت فوق الباب بتوتر متمنية أن يكون قد تراجع عن حديثه، فالأمس لتهدأ أمور العائلة التي انقلبت رأسًا على عقب بسبب حديثه. لاحظت أن فاروق لم ينم من ليلة أمس بعد علمه بحديثه وما يريد فعله.
دلفت الغرفة بهدوء بعدما أتاها رده سامحًا لها لتدخل، كان يعلم أنها هي بالطبع وينتظر قدومها منذ المساء. هو الآخر لم يستطع أن ينام يفكر طوال الليل فيما سيفعله مع والده الذي يعلم جيدًا أنه يعارضه بشتى الطرق الممكنة، وأيضًا يفكر في حديثه معها كيف سيجعلها تتراجع عن رفضها وتوافق بالزواج به، بذلك الحلم الذي يتمناه دومًا منذُ أن رآها وعشقها قلبه الذي لم يتمكن من نسيانها لوهلة واحدة إلى الآن.
قطع جميع أفكاره عندما دلفت والدته التي جلست بجانبه بهدوء متسائلة بجدية وعتاب:
"ينفع كدة يا جواد؟ ينفع اللي عملته امبارح دة، وازاي قدرت تقول كدة؟ دي عدتها لسه مخلصتش حتى!"
اعتدل في جلسته أمامها ورد عليها بجدية هو الآخر، شارحًا لها موقفه كما يفعل دومًا:
"اه ينفع دلوقتي، مفيش حاجة غلط، اللي مينفعش إني أضيعها من بين إيديا تاني، أضيعها وأسكت، طب إزاي هقدر؟ أسيبها لمرات عمي وبنتها يعملوا فيها زي ما عملوا امبارح واتفرج عليهم وأسكت؟ لأمتى هفضل ساكت بس."
شعرت بما يشعر به من نبرة صوته المجهدة التي عكست جميع مشاعره المضطربة، لكنها حاولت معه مرة أخرى بتعقل:
"محدش هيعملها حاجة تاني، أنا هتصرف وترجع عن حوار جوازك دة ونقفل الباب بتاعها خالص، شوف حياتك بعيد عنها ومش هخلي أبوك يقولك على أروى كمان، لأ اختار أنت اللي يعجبك."
تطلع داخل عينيها بتعب حقيقي، قلبه لم يستطع الابتعاد أكثر من ذلك، كيف يبتعد عنها وهو يراها كل يوم؟ كل يوم يود أن يحتضنها ويجلس يتحدث معها يبوح لها بالعديد، العديد من الحديث الذي لم يخبره لأحد سواها.
غمغم يرد على حديث والدته بتعب حقيقي:
"مش هقدر يا أمي ولله ما هقدر، لا هقدر أختار ولا أشغل غيرها، أنا الحب كله متوزع ليها، مقدرش أشوف غيرها، كنت اتجوزت أي واحدة في الفترة دي لو الأمر سهل كدة."
من يرى حالته الآن لم يصدق أنه هو جواد الهواري الذي يقف بشموخ يعطي التعليميات بصرامة للجميع. هو الآن يشعر بالضعف لأجلها، يا له الابتعاد من صعب، فقد قهر قلبه حقًا.
لم تستطع جليلة أن ترى ابنها وهو في تلك الحالة، أسرعت تحتضنه بضعف وبكت هي الأخرى:
"خلاص ياحبيبي اهدى، أنا هحاول ولله مع أبوك هحاول معاه، وتتجوزها، ما عاش ولا كان اللي يعمل فيك كدة."
طالعها بضعف حقًا يظهر أمامها جميع مشاعره الذي يخفيها عن الجميع، وغمغم بجدية وإصرار محاولًا التحكم في ذاته قليلًا:
"أنا هتجوز رنيم، عرفيه إن مش هقعد هنا ولا في أي حتة في البلد دي غير ورنيم مراتي، أنا مش عيل عشان حد يختارلي مراتي."
شهقت بصدمة بعد استماعها لحديثه مردفة بعدم تصديق:
"إيه يا جواد اللي بتقوله دة؟ إيه دة اللي مش هتقعد في البلد؟ أنا عارفة إنك بتحبها بس هي مش نصيبك فخلاص مش هتعاند مع نصيبك."
أجابها بجدية تامة والإصرار يلتمع في عينيه متمسكًا بحديثه وما يود فعله:
"لأ في الحالة دي هعاند وهعاند الكل، فاروق بيه مش موافق عشان مكانته مش عشاني يا أمي، لو بيدور على مصلحتي كان زماني متجوز رنيم من زمان، لكن هو إزاي يجوز ابنه لواحدة زيها؟ عاوز واحدة ليها اسم وعيلة، وأنا مش هسيب رنيم تاني تضيع مني وأقعد أتفرج وأنا بموت كل يوم."
طالعته بصمت لا تعلم بما تجيبه. هي آخر شيء تريده هو وقوفه أمام والده، لن تتحمل أن يحدث شيء هكذا. تنهدت بصوت مجهد مرتفع وأجابته بهدوء لتحاول تهدئة الأمر:
"طب اهدى يا جواد، الأمور مش بتتاخد كدة، بعدين مهما حصل دة أبوك ياحبيبي، والبنت قالت امبارح إنها مش موافقة ولا هتغصب عليها."
هي الوحيدة التي لم تستطع أن يجبرها على أي شيء. لذلك أردف بجدية:
"هتكلم معاها ياماما وهشوف."
أومأت باقتناع وتمتمت هي الأخرى بجدية مقررة المحاولة مع زوجها بعدما تأكدت من إصرار جواد وعدم تراجعه عن قراره:
"أنا هكلم فاروق وهحاول معاه تاني، هيوافق بإذن الله."
احتضنته بحب وحنان أبوي دومًا تعطيه لأولادها وجواد بالتحديد لتعوضه عن بعد وحدة فاروق معه، مقررة أن تحاول مع فاروق لعلها تنجح في تغيير رأيه بمحاولاتها.
❈-❈-❈
كانت رنيم في غرفتها واقفة أمام المرآة تتطلع على ذاتها ولا تزال تفكر في حديث جواد الذي دار أسفل. هل حقًا يود الزواج بها؟ بالطبع لم يفعل كل ذلك شفقة عليها لأجل ما حدث لها من مديحة أمامه. هي لم تستحق الحب ولا أي شيء لأجلها. لن تبقى أنانية وتفكر في ذاتها فقط، ستظلمه معها.
كيف ستجعله يتزوج من فتاة مثلها؟ هو يستحق الأفضل. هي فقدت جميع مميزاتها، أصبحت بلا روح ولن يوجد أحد يستطيع أن يجعل روحها تعود إليها من جديد. فقدت جمالها أيضًا، فبالرغم من شفاء عدة جروح، لكن هناك بعض العلامات الدائمة على جسدها، علاماته التي تكرهها وتتمنى التخلص منها. كما فقدت أهم شيء على يدها، فقدت أمومتها أيضًا. كيف ستجعله هو يعيش معها كل ذلك الألم والعذاب؟ لن تكون هكذا، بل ستظل حاملة جميع وجعها وحزنها في قلبها محتفظة به لذاتها هي فقط.
تفاجأت بجواد يقف خلفها يطالعها بصمت. نعم، هي رأت انعكاس صورته في المرآة. التفتت نحوه مسرعة، وتمتمت متسائلة بقلق:
"جـ…. جواد باشا، هو في حاجة عشان تدخل كدة."
كان يقف يتطلع نحوها في جميع تفاصيلها، يتطلع في ملامحها الهادئة الخلابة التي تسحره، عينيها المتيم في عشقهما وكأنهما عالم آخر يدلف به ما أن يتطلع بهما. كما يرى أيضًا بغض آثار لصفعات زوجة عمه أمس التي أغضبته كثيرًا.
كان تائه بها في دنيا أخرى متخيلها معه دومًا منذ زمن وهو ينتظرها. لكن هل سيظل ينتظر فقط بلا نتيجة أم سيحترق قلبه بلوعة الانتظار؟
حاول أن يستجمع ذاته جيدًا أمامها، مردفًا بجدية وتعقل:
"أنا جاي عشان عاوز أتكلم معاكي، وبعدين والله أنا لقيت الباب مفتوح وخبطت، انتي كنتي واقفة زي ما انتي ومردتيش فدخلت."
ابتسمت بهدوء ابتسامة مصطنعة لم تتخط شفتيها وأومأت برأسها أمامًا بجدية:
"لأ عادي محصلش حاجة، قول اللي حضرتك عاوزه."
جلس فوق الأريكة، فتوجهت بجانبه تاركة بينهما مسافة وبدأ حديثه ببعض المرح ليخفض من توترها وخوفها الذي شعر بهما:
"أول عشان نعرف نتكلم، بلاش باشا دي هتزعليني عشان دخلت شرطة، بقولك عاوز أتكلم معاكي عادي مش قابض عليكي."
صمت لوهلة وتابع حديثه مرة أخرى متسائلًا:
"هو أنا اسمي وحش أوي كدة مش عاجبك؟"
حركت رأسها نافية وأجابته مسرعة:
"لأ طبعًا اسمك حلو أوي ولله."
عقب على حديثها بمرح مرة أخرى:
"طب امال إيه باشا دي؟ عاوز أعرف أتكلم، قولي جواد بس."
أشارت له ليتحدث مردفة بهدوء وبعض من الخجل تنفذ ما طلبه لتجعله يتحدث بما يريد:
"طب اتفضل اتكلم يا جواد."
ابتسم معجبًا باسمه عندما يستمع إليه منها، لكنه أسرع محمحمًا بجدية حتى لا يزعجها، فسألها بهدوء:
"هو انتي ليه قولتي امبارح إنك مش موافقة تتجوزيني."
هربت من عينيه ونظراته المحيطة بها متطلعة أرضًا بخجل وأجابته بتوتر:
"أنا مش موافقة… ومش بفكر في الجواز أصلا، وبعدين مش محتاجة شفقة، اللي حصل امبارح من مديحة هانم، أنا متعودة وكان بيحصلي أسوأ من كدة منهم كلهم، فشكرا ليك."
استشعر كم الحزن والألم الشاعرة بهم، يود الانتقام من الجميع والثأر لحقها، لكنه حاول أن يظل هادئًا حتى يستطيع تكملة حديثه معها، فسألها مرة أخرى متعجبًا من حديثها عليه:
"ومين قالك أصلا إن أنا عاوز أتزوجك شفقة؟ ما لو كدة كان ممكن أشوف أي حل تاني، هقف قدام أبويا والكل عشان شفقة مثلا."
شعرت بالتوتر من حديثه، هاربة من نظراته التي تعلن حبه لها، تدعي جهلها لتفسيرهم حتى تتهرب من وجع قلبها، وتمتمت متسائلة هي الأخرى مدعية عدم الفهم:
"ا… أنت قصدك إيه؟ بعدين عاوز تتجوزني ليه لما هو مش شفقة…"
ابتسم بثقة عالمًا ما تفعله الآن، لكنه رد عليها بمهارة:
"عشان حاجات كتير أوي، بعدين انتي رافضة ليه؟ ماتديني فرصة وتجربي؟ هتخسري إيه؟"
أجابته بضعف وقد اجتمعت الدموع داخل مقلتيها بحزن:
"أ… أنا معنديش حاجة أخسرها، ولا عندي حاجة أجرب بيها برضو، أنا مستنية موتي بس."
ربت فوق يدها بحنان ورفع وجهها إلى أعلى حتى يجعلها تتطلع نحوه لترى حقيقة مشاعره نحوها، نظراته التي تخبرها بكم العشق المتواجد لها، تخبرها أنه عاشق ولهان متيم بها. رد عليها بنبرة عاشقة بصدق:
"عندك حاجات كتير، أنا أصلا مش محتاج غيرك، أنتي عندي بالدنيا كلها يارنيم وبجد ولله مش بضحك عليكي، أنا مفيش حاجة عندي أهم منك، بعدين لو مش مرتاحة بعد الشر يعني هبعد ونتطلق."
سالت دموعها عنوة عنها فوق وجنتيها بضعف وحزن ونهضت مسرعة توليه ظهرها بحزن خافية دموعها من أمام عينيه، مردفة بضعف وعجز يقطع في قلبها حتى كاد يفتك به:
"جواد أنا خسرانة كل حاجة، أنا حتى عمري ما هخلف تاني من بعد ما سقطت، أنا مش هبقى أم طول حياتي، جسمي كله مشوه، فيه حاجات كتير أنت مش هتقدر تستحملها، بلاش أنا وبلاش توجعني، أنا مش ناقصة."
لأول مرة يعلم بعدم قدرتها على الإنجاب نهائيًا، لكنه حاول أن يخفي صدمته حتى لا يجرحها، ووقف خلفها بحزن لأجلها، لأجل نبرة صوتها المقهورة العاجزة، وضع يده فوق كتفها بحنان مردفًا به:
"أنا ميهمنيش كل دة يارنيم، بعدين عيال إيه؟ هو في عيال أحلى منك، جربي تديني فرصة ومش هتندمي لحظة، بلاش تيجي عليا أنا."
طالعته بضعف لم تنكر مشاعرها له التي لم تقل مع مرور الوقت عليها، بل ازدادت. تلك المشاعر هي التي تجعل قلبها ينبض للآن، لم يتوقف بعد كل ما يحدث لها. لكنها تمتمت بخفوت خائفة مما سيحدث إذا وافقت:
"بـ… بس بس يا جواد، إزاي فاروق بيه مش موافق ومحدش هيوافق بعدين الكل معاه الحق، أ… أنا منفعكش ولله فكر كويس."
كيف يخبرها أن لن يهتم بالجميع؟ الآن بالتحديد هو لم يهتم ولن ينتظر مثلما فعل في المرة السابقة. لكنه أجابها بتعقل وهدوء:
"محدش هيقدر يقولي حاجة، بعدين أنا اللي هتجوز، هو فاروق بيه هيتجوز معايا، ولا أنتي مش واثقة فيا؟"
ضحكت بخفوت وحذر خوفًا من أن يستمع إليها أحد وأجابته مسرعة بهدوء:
"لأ طبعًا متقولش كدة، أنا واثقة فيك، أنا بس مش عاوزة مشاكل."
هي لم تثق بأحد سواه في الدنيا بأكملها. تراه رجل حقًا به جميع الصفات التي تجعله رجل تثق به وتستند عليه، واثقة تمامًا أنه سيتحملها ويظل معها بلا ملل، سيتحمل جميع الأشياء التي تنقصها. هي لن ترى مثله في حياتها.
طالعها مبتسمًا بهدوء ليجعلها تطمئن وأجابها بثقة:
"لأ متخافيش مفيش مشاكل، أنتي بس وافقي."
كانت لا تزال خائفة مترددة، لم تريد أن تظلمه معها. تود اقترابه منها وحنانه عليها بالطبع، لكنها أيضًا تخشى أن تظلمه معها، لذلك لم تستطع الرد عليه، فضلت الصمت.
كان يعلم ما تفكر به جيدًا، لذلك مسك يدها بحنان وعاد حديثه مرة أخرى ليجعلها تثق به:
"رنيم أنا مفيش حاجة فارقالي ولله العظيم غيرك، بعدين أنتي لو موافقتيش أنا كدة عمري ما هتجوز خالص، وإلا كنت عملتها من زمان، يرضيكي متجوزش بذمتك، دة أنا حتى بعرف أشيل أوي."
ضحكت بصوت صاخب متذكرة تلك الكلمة لأول مرة عندما أخبرها بها، وبعدها رفعها فوق ذراعه عاليًا. تاهت داخل عينيه بضعف وأومأت برأسها بصمت وهي لا تزال تائهة، لم تستطع تحديد موقفها، لكنها تود البقاء معه طيلة حياتها القادمة، متمنية أن يظل بجانبها هو ولم يمل منها وهلة واحدة.
لكن في ماذا تفكر تلك الحمقاء؟ هو يمل منها لو كان سيفعلها لكان فعلها عندما كانت بعيدة عنه، لكنه انتظرها رغم علمه باستحالة وجودها معه، لكنه ظل على أمل عودتها له.
❈-❈-❈
تحدثت مديحة بمكر أمام فاروق بعدما تأكدت من عدم استماع أحد إليهما:
"يعني إيه يافاروق اللي المحروس ابنك عمله؟ أنت هتسكت عاللي حصل."
تنهد بغضب عارم، فآخر شيء يود استماعه الآن هو حديثها الذي سيجعل غضبه يزداد. أجابها بحدة مشددًا فوق كل حرف يتفوهه لها:
"مديحة اهدي شوية، أكيد مش هسكت ولا هوافق على كل دة، بس لازم أفكر كويس عشان أعرف أتصرف."
مصمصت شفتيها وأضافت ساخرة بتهكم:
"هتتصرف ولا هتمشيله اللي هو عاوزه طول ما جليلة معاه وواقفة في صفه."
هدر بها بعنف حاد عالمًا جيدًا ما تحاول الوصول إليه من خلال حديثها الماكر:
"مديحة بلاش كلامك دة، بعدين جليلة ملهاش دعوة بكل اللي بيحصل، مش كل شوية تجيبي سيرتها."
شعرت بالغيرة والغضب من دفاعه عنها، فتمتمت بحدة هي الأخرى:
"مش هجيب سيرة السنيورة جليلة هانم، بس جواد لو متجوزش أروى فيها كلام تاني، هيزعلنا كلنا، مش بنتي اللي هيتعمل فيها كدة."
تنهد بضيق مشيرًا لها نحو الباب بغضب يغلي بداخله، مردفًا بلهجة حادة حازمة:
"مديحة أنا بقول تخرجي دلوقتي عشان مش فاضي، اتفضلي وأنا هتصرف."
خرجت شاعرة بالغضب وعدم رضا، عالمة أنه لن يستطيع فعل شيء أمام جليلة بالتحديد، متذكرة كيف عارضهم على كلية الشرطة لكن جليلة نجحت في النهاية لجعل الأمور تهدأ وتغيير رأيه، شاعرة بالغضب منها خوفًا من إفساد مخططاتها.
❈-❈-❈
جلست جليلة بتوتر تحاول التحدث مع فاروق لتجعله يوافق ويتراجع عن رفضه:
"يا فاروق جواد عاوزها حرام نحرمه منها، وبعدين مصمم ومش هيسيبها، سيبه يجرب دي حياته."
صاح بها رافضًا بعدم اقتناع لحديثها المدلل كما يرى:
"يعني إيه انتي واعية للي بتقوليه يا جليلة؟ دي متجوزة قبل كدة وغير دة كله في الآخر عاوز جواد الهواري يتجوز واحدة زي دي؟ دة جنان."
رغم خوفها من عصبيته وغضبه السريع تحدثت مرة أخرى بتوتر:
"يـ…. يا فاروق طول ما أنت بترفض كدة هو مش هيسمع كلامك، جواد مش عيل دة راجل ليه حق يختار مراته زي ما هو عاوز ويجرب، هو عاوز دي يجرب معاها لو مرتاحش خلاص مش هيحصل حاجة."
صمم على رفضه التام المانع لأي محاولة منها لتغيير رأيه أو التأثير عليه:
"جليلة كلامك دة مش هيعمل حاجة، بلاش انتي توافقيه وتسانديه المرة دي، أنا مش موافق يبقى الجوازة دي مش هتتم أبدًا."
لن تستطيع الصمت لعلمها بمدى إصرار جواد تلك المرة، فتمتمت بخفوت وحزن:
"لأ يا فاروق دة مش عيل عشان تقول كدة، ابنك راجل وليه حق يختار، بعدين لو متجوزش البت دي ممكن يسافر وأنا مقدرش أستحمل بعده عني لحظة واحدة، بلاش تقسى عليه يافاروق سيبه يجرب لو نجح أو فشل الحوار راجعله، كدة كدة دة ابنك وأنا عارفة إنك عاوز سعادته، هو شايف إن سعادته معاها يبقى بلاش نقف إحنا ونمنعها."
شعر بالغضب بعد استماعه لحديثها المتمرد عما يريد، وغمغم بشرود حاد يملؤه الغضب وعدم الاستسلام والخضوع لذلك الأمر، لكنه غير واعٍ لما يتفوهه أمامها:
"ماهو مش بعد كل اللي عملته عشان أبعد البت دي عنه من زمان يجي يتجوزها دلوقتي؟ لأ مستحيل."
رواية لهيب الروح الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هدير دودو
كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة وكأنها تعافر مع ذاتها لإلتقاط أنفاسها.
والعرق يتصبب من جبينها بملامح وجه مرتعب يملأ الخوف قلبها.
شعر جواد بالقلق من هيئتها، عالمًا أنها في حلم مزعج. أسرع يهزها برفق حتى تستيقظ، ناهيًا ذلك الحلم الذي يجعلها في تلك الحالة المجهدة.
متمتمًا بهدوء:
- رنيم… رنيم قومي ياحبيبتي.
فتحت عينيها بصدمة غير مصدقة أن التي كانت تعيشه هو كابوس مزعج نتيجة حياتها المرعبة التي لازالت أشباحها تلاحقها في أحلامها. أقل نتيجة لما كانت تتعرض له.
بدأت الدموع تسيل من عينيها بضعف من تلك الأحداث التي تعيشها.
ابتعدت عنه بضعف مكررة حديثها بخفوت من بين دموعها:
- ا… أبعد عني… أبعد عني.
لم يفهم ما بها وما الذي حدث لها. أسرع مقتربًا منها مجددًا مردفًا بحنان:
- طب في إيه يارنيم، مالك ياحبيبتي اهدي براحة.
أسرع محتضنًا إياها بحنان ليجعلها تهدأ قليلًا، محضرًا لها كوبًا من الماء:
- خدي بس واهدي براحة.
استكانت بين ذراعيه مرتشفة من الكوب قليلًا من المياه، متمتمة بضعف شاعرة بالخوف يعتصر قلبها بقوة:
- خلاص يا جواد بقيت كويسة.
ظل محتضنها كما هو بحنان، لا يعلم ما بها وما الذي رأته في منامها، لكنه يعلم جيدًا أنها تحتاجه الآن بجانبها.
سندت رأسها فوق صدره العاري لعدة لحظات، متمتمة بخجل بعدما هدأت داخل حضنه الدافئ:
- خلاص يا جواد أنا بقيت كويسة.
هي كاذبة. نعم تكذب. هي ليست بخير. رغم علمها أن ذلك كابوس بشع رأته في منامها، لكنها ليست بخير. هي عالمة أن سعادتها معه لن تدوم. فهل حقًا من الممكن أن يفعل بها شئ هكذا؟! لما لا. هو كان مستعدًا على فعل أي شئ لأجل عودة حق ابن عمه!!
حاولت أن تنفض تلك الأفكار السيئة المسيطرة على عقلها، مذكرة ذاتها أن من أمامها هو جواد. جواد الذي ساعدها وأثبت براءتها، الذي رضي بكل ما بها، حزنها ووجعها قبل سعادتها وفرحها، دموعها قبل ابتسامتها.
لكنها لازالت ترتعش بخوف يقبض فوق قلبها، كاد أن يوقف نبضاته. لا تعلم لمتى ستظل تشعر بالخوف والحزن هكذا؟ نعم لمتى؟! لمتى سيظل قلبها ينبض بخوف وتنهي سعادتها؟! تود الاطمئنان من وجوده نحوها وحنانه عليها، لكنها خائفة. تذكرت جميع ذكريات زواجها الماضي من ذلك المختل!
انتشلها من بين أفكارها التي ستصيبها بالجنون، مشددًا من ضمه لها محاولًا إنهاء حالة الرعب البادية فوق وجهها، فغمغم بهدوء:
- كويسة إيه كده كويسة. اومال لو مش كويسة هتبقي إزاي. هو أنتي حلمتي بإيه ولا في إيه مالك أنتي كنتي كويسة.
لم تجب على سؤاله، بل ردت عليه بسؤال آخر يطرح داخل عقلها بضراوة، تود معرفة إجابته:
- جواد هو أنت ممكن تأذيني في يوم عشان عملت أي حاجة مش عجباك.
حمقاء هي. كيف يمكنه أذيتها وهي روحه؟! روحه بأكملها بين يديها تفعل بها ما تشاء. يهواها ولم يهوى سواها في تلك الدنيا التي رأى بها العديد. أجابها بنبرة عاشقة خرجت تطمئن قلبها:
- قولي كلام غير ده. أذى إيه بس، ده أنا عيونك دول موديني في حتة تانية. والله اللي يشوفني معاكي ميشوفنيش وأنا بشتغل. جواد معاكي حاجة تانية. بيحبك وبس.
عاد سؤاله عليها مرة أخرى عندما رآها ابتسمت بعد حديثه الحاني الذي وصل إلى قلبها ليجعله يهدأ ويطمئن لما سيعيشه الفترة القادمة:
- مالك بقى إيه اللي حصل عشان خلاكي تقلبي كده جامد. شوفتي حلم ولا إيه.
أومأت برأسها أمامًا مؤكدة لحديثه، ودمعة حزينة فرت من عينيها متذكرة الحلم البشع الذي أفسد ليلتها السعيدة، وأجابته بضعف:
- كان كابوس مش حلم. حاجة كنت خايفة منها وحلمت بيها فحصلي كده.
طبع قبلة رقيقة فوق وجنتها، مربتًا فوق ظهرها وأردف بحنان:
- طول ما أنا معاكي متخافيش من حاجة خالص.
كرمشت ملامحها بمرح مكررة كلمته الأخيرة لتنهي على ذلك التوتر المتواجد بها:
- خالص خالص.
أومأ برأسه أمامًا مؤكدًا حديثها، ملتهمًا شفتيها الوردية بعشق لم يشبع منها، يود المزيد من اقترابها. متذكرًا ما حدث بينهما، كيف كانت خجلة خائفة واستطاع هو احتواء كل ذلك بقلب سعيد. كانت مميزة في كل شيء معه، وكأنها ليلتها الأولى. وجد حقًا بعض الندوب فوق جسدها، لكنها كانت مميزة مثلها. لم يجعلها تشعر بشيء بين يديه سوى السعادة، مثلما شعر. كاللعنة هي، لا يعلم كيف ابتعد عنها عندما طلبت منه ذلك، لكنه الآن يريدها وبضراوة…. بضراوة طال انتظاره ونال نصيبًا كبيرًا من لوعة الانتظار.
وزع عليها قبلاته العاشقة متمتمًا بصوت أجش:
- بحبك يارنيم. بحبك ومش قادر أبعد عنك لحظة واحدة.
ابتسمت بسعادة هي الأخرى، لأول مرة تشعر أنها جميلة، ليست مشوهة كما كان يُقال لها. حديثه يجعلها تحلق بسعادة لم تشعر بها مع أحد سواه. تمتمت بخجل لازال يسيطر عليها:
- وأنا كمان يا جواد. بس كفاية كده.
ضحك بهدوء مردفًا بمرح معها:
- فاكرة قولتي من شوية كفاية كده ونمتي. حلمتي بكابوس أهو. يبقى بلاش الكلمة دي.
اعتدلت في جلستها أمامه، متطلعة داخل عينيه، متمسكة بشرشف الفراش ليغطي جسدها العاري، متمتمة باندفاع:
- ماهو أنت اللي طماع والله. هي مرة كفاية. أوعى كده.
ابتسم لحماقاتها ورد مجيبًا بصوت أجش عاشق:
- طب وحياة عينيكي دول أنا مش الطماع. أنتي لو تعرفي اللي حسيته هتسيبيلي نفسك من غير كسوف.
أنهى حديثه غامزًا لها بعينيه بنظرات علمتها جيدًا، فازداد خجلها متمتمة بخفوت وتلعثم:
- طـ… طب بس بقى وبطل كلامك ده. أنت اللي… اللي بتخليني اتكسف.
ضحك بصخب واضعًا يده فوق خصرها ليجعلها تقترب منه أكثر حتى التصقت به، مردفًا بنبرة هامسة أمام شفتيها المرتعشتين:
- لا والله ده الحق عليا جامد أنا وكلامي. إحنا لازم نقضي على الكسوف ده خالص عشان مينفعش ده جوزك ظابط قد الدنيا.
حاولت الإبتعاد عنه قليلًا، شاعرة بأنفاسه تلفح عنقها باستمتاع ودفء، مستنكرة وجود جملته الأخيرة مع بقية حديثه:
- ظابط بقى دلوقتي بقيت ظابط. هو في ظابط بيعمل زيك كده.
أجابها متبجحًا باستمتاع لوجودها بين يديه هكذا، وخجلها الصريح البادي عليها:
- وبيعملوا أبو كده وحياة عينيكي دول. بعدين أنا ظابط بره معاكي مش عارف أظبط نفسي حتى.
حاولت دفعه بعيد بصوت ضاحك لحديثه معها، حديثه الذي بالرغم من عفوته ومرحه إلا أنه يجعلها تشعر بالعديد من المشاعر التي تنقصها. لأول مرة تشعر أنها مهمة في حياة أحد. أن وجودها شيء هام، ليس مثلما عدمه كما كانت تشعر دومًا؟
تمتمت بذعر ومرح بعدما ضمت كلتا شفتيها أمامًا:
- أيه ده بقى. أنت مالك بعنيا. بعدين اظبط نفسك كده عيب يا حضرة ظابط.
غمزها بوقاحة متبجحًا بمرح:
- حضرة الظابط بتاعك ده معاكي أنتي بالذات ملوش غير في العيب.
ضحكت بصخب وكأن أصوات ضحكتها كالألحان الموسيقية تطرب أذنيه، فاقدًا بها السيطرة على ذاته أمامها. عينيه مثبتة فوق شفتيها ليتناولهم في قبلة عاشقة مبتلعًا بقية ضحكتها الصاخبة التي أشعلت نيران قلبه من جديد. ليُظهر لها مرة أخرى كيف يحبها؟! وكيف يكون العشق على طريقته الخاصة؟ تاركًا بصماته فوق كل أنش بها بطريقة محبة بينهما.
كانت تتعلم كل شيء على يده. بالرغم أنه ليس زواجها الأول، لكن ما تعيشه الآن معه هو جديد لم تمر به من قبل مع عصام الذي كان يتعامل معها كالدمية دون اهتمام لها ولمشاعرها المحطمة. الذي يعمل جواد على إحيائها بعشقه الضاري لها من جديد، تاركًا بصمته في قلبها وروحها قبل أي شيء.
***
في الصباح…
استيقظت جليلة مبكرًا لتتفاجأ بفاروق الذي يجلس بشرود يشرب سيجارته بغضب شديد. هي بالطبع تعلم سببه، لكنها ستحاول معه لعلها تنجح في تهدئته قليلًا. تمتمت بهدوء:
- فاروق كفاية سجاير واهدى. مفيش حاجة حصلت تستاهل كل ده.
صاح بها بحدة كعادته بعدما تأكدت أنها كانت تفعل كل ذلك لأجل ابنها فقط، شاعرًا بصحة حديث مديحة السام الذي تلقيه عليه دومًا:
- بقولك إيه يا جليلة. أنتي مش خلاص عملتي اللي ابنك عاوزه زي ما بتعملي كل مرة. المهم عندك تريحيه. سيبيني بقى دلوقتي عشان اللي حصل امبارح.
اعتادت على طريقته معها هكذا، لكنها تعلم بحبه لها واحتياج جميع عائلتها لوجودها، لذا تتحمل طريقته الحادة بضراوة معها عندما ينزعج من شيء.
استنكرت تمامًا حديثه، بالتحديد جملته الأخيرة، فعقدت حاجبيها متسائلة بعدم فهم:
- اللي حصل امبارح!! هو إيه اللي حصل؟
أجابها بتهكم ساخرًا والدماء تغلي داخل عقله من ليلة أمس:
- فضيحة. اللي حصل كله فضيحة. حاجة متليق بجواد الهواري. هو اللي مش فاهم قيمته ومضيعها على حاجات متستاهلش.
لم تقتنع بحديثه ولا تجد أي شيء مما يقوله صواب. ماذا حدث لكل ذلك؟! الأمر كان بخير ليلة أمس. لا تعلم ما الذي لم يعجبه، لكنها حاولت السيطرة على غضبه لتنهيه، متمتمة ببرود:
- محصلش حاجة والله يا فاروق. الدنيا كانت كويسة. أنت بس اللي شايف غير كده. ده كفاية فرحة جواد اللي كانت على وشه واللي أنت كنت حارمه منها من غير سبب.
صمتت لوهلة وتابعت حديثها مرة أخرى بعدم رضا، مستنكرة فعلته إلى الآن:
- إزاي قدرت أصلًا تحرمه من سعادته. أنا لغاية دلوقتي مش قادرة أصدق إزاي عملتها وجالك قلب. ده ابنك.
ولم تنجح في تهدئة الأمر كما كانت تخطط. هي غاضبة من فعلته كلما تتذكرها. لا تعلم كيف استطاع أن يدمر سعادة ابنه بيده، كيف يفكر في ذلك الأمر؟
هدر بها بعنف ليخرسها تمامًا عما تتفوه به، لاعنًا ذاته أنه خطأ في ذلك الأمر وأخبرها به:
- جليلة. هي قصة كل شوية هتفتحيها ولا إيه. ما خلاص. بعدين اللي عملته ده الصح اللي أنتي وابنك مش عارفيننه وماشية ورا قلبك وكلامه وبس.
لم تصمت مثلما تفعل دومًا، بل لأول مرة وقفت أمامه معترضة على حديثه بعدم اقتناع:
- لا يا فاروق. مش الصح إنك تحرم ابنك كل المدة دي. مش صح وتجوزها لابن عمه وأنت عارف إنه بيحبها. ده مش الصح. وجاي بعد ما اتجوزها وشاف حياته وسعادته مش عاجبك. لا وكمان مخبي عليا كل اللي عملته.
أضافت جملتها الأخيرة بسخرية، ثارت غضبه عليها، فضرب فوق الفراش بعصبية حادة متمتمًا بلهجة مشددة حازمة:
- وأنتي عاوزاني استأذنك في اللي هعمله. جليلة اقفلي الكلام دلوقتي. مش جوزتيه وعملتي اللي عاوزاه يبقى تسكتي بقى.
التقطت أنفاسها بصعداء ولأول مرة تعارضه بشدة ولم تستمع إلى حديثه وتصمت كما تفعل دومًا. بل وقفت أمام براثنه الغاضبة وتسائلت بتهكم وغيظ:
- متستأذنيش بس متخبيش عليا وتتعامل كأنها حاجة عادية. لأ هي مش عادية. وياترى مخبي عليا إيه تاني؟
تغيرت ملامح وجهه فجأة بطريقة زرعت الشك داخلها، وأجابها بحدة صارمة محاولًا إنهاء حديثه معها الذي سيأخذ منحنى آخر لم يعجبه:
- آه أنتي عشان جوزتيه وعملتي اللي عاوزاه فايقة بقى وبتتكلمي كلام ملوش لازمة. لأ يا جليلة اتعدلي في كلامك وبلاش تخليني اتخانق معاكي. أنا ولا مخبي ولا أي حاجة من كلامك ده وسايبالك الأوضة باللي فيها.
أنهى جملته ململمًا أشياءه، تارك الغرفة هاربًا من أمامها. لم تقتنع بحديثه بالطبع، لكنها أيضًا لا تعلم ماذا ستفعل. لم تجد حل أمامها سوى الصمت مثلما تفعل دومًا. ستصمت مدعية عدم فهمها لمغزى حديثه بقلب حزين على أفعاله معها ومع جواد ولدهما. لا تعلم لماذا يقف أمام سعادته بالمرصاد وكيف يفعل ذلك به؟
منذُ أن علمت أنه يعلم بحبه لرنيم وأبعدها عنه عن عمد، تشعر بحزن عارم مستنكرة فعلته التي لم تعلم تفسيرها! هل حقًا يوجد أب يمنع سعادة ابنه؟ لم ترى ذلك من قبل، دومًا تجد الآباء تفعل المستحيل لتحقيق أمنيات أولادهم وهو يفعل العكس معه.
***
داخل غرفة أروى كانت تجلس بحزن، شاعرة بضياع أحلامها ومخططاتها. فجميع حياتها كانت تُبنى على زواجها من جواد. دومًا تخبر ذاتها أنها ستفعل ذلك عندما تتزوج منه، ستفعل ما يحلو لها عندما تصبح حرم جواد الهواري. فكيف ستحقق جميع ما تريد وهو تزوج من أخرى؟ هل انتهى كل ما كانت تحلم به مستقبلًا!؟
بالطبع لا. هي ليست حمقاء لتترك كل ما تريده يمر أمام عينيها دون أن تحققه. ستجعله يندم هو وتلك المدعوة رنيم. لن تتركها تفرح يوم واحد فقط. تنتظرها تعود حتى تجعلها ترى مَن هي أروى الهواري، ابنة مديحة الهواري الشبيهة لها في جميع صفاتها السيئة حقًا.
وجدت أحد يدق باب الغرفة، فقبضت جبينها بدهشة وسمحت لمن يدق بالدخول. وجدت سما تدلف حتى حتى تطمئن عليها بهدوء ومرح:
- الجميل بتاعنا عامل إيه. قاعدة في أوضتك وسايباني لوحدي ينفع كده يا أروى.
بكت باصطناع لتثير عاطفتها، متمتمة بحزن من بين دموعها الزائفة:
- هو أنا ليا نفس أعمل حاجة بعد اللي أخوكي عمله يا سما. مش قادرة أصدق أنه اتجوز واحدة غيري.
تابعت حديثها مرة أخرى بغرور شديد مشيرة بسبابتها نحو ذاتها:
- بقى فالآخر يسيب أروى هانم الهواري ويبص لواحدة متسواش حاجة زي دي. دي أقل من خدامة عندي.
لم تتعجب سما بحديثها الملئ بالغرور وحديثها عن رنيم بتلك الطريقة المقللة منها، فهي الآن أصبحت زوجة شقيقها. لكنها حاولت أن تتحدث معها بهدوء حتى لا تجرح مشاعرها:
- معلش يا أروى ياحبيبتي. إن شاء الله ربنا شايلك الأحسن. متزعليش نفسك. وجواد قال والله كتير أنه بيعتبرك زيي. بس مش مهم كل ده. المهم أنك متزعليش وكفاية عياط عشان خاطري.
تنهدت بغضب عارم بداخلها، متسائلة حقد وكره يملأ قلبها:
- طب واشمعنى رنيم بالذات. اشمعنى دي. هو بيغيظني عشان خناقتي معاها يعني.
أخبرتها الحقيقة بهدوء غير واعية لما سيحدث في عقل تلك الكارهة لسعادة أي شخص آخر غيرها. تود أن تحصل على السعادة بأكملها، لكن الحظ لم يحالفها تلك المرة:
- لا يابنتي بيغيظك إيه يا أروى. جواد مش كده والله. هو بس الحكاية كلها أنه حبها وشاف أنه مش هينفع يكمل حياته مع واحدة غيرها. لكن عمره ما هيعمل كده عشان يغيظك. وكمان رنيم طيبة والله. أنتي بس فاهمة غلط.
رمقتها بحدة بعد استماعها لحديثها وتصريحها بحب جواد لـ رنيم الذي يعلمه الجميع. كما يعلمون تحديه لوالده ومغامرته بكل شيء من أجل إتمام زواجه منها. كما يُقال، هو فعل المستحيل لأجلها. فعل ما يثبت للجميع أنه يحبها بل يعشقها أيضًا. لكن استماعها لحديث سما جعلها تستشاط غضبًا:
- إيه ياسما. هي خلاص عشان بقت مرات أخوكي وصاحبتك بقت طيبة وخلاص. أنا مش مهم عندك. هي بقت كده ماشي. اشبعي بيها.
حاولت الدفاع عن ذاتها بتوتر معترضة لتخبرها عن عدم صحة حديثها:
- لـ… لأ والله يا أروى مش كده. أنتي عارفة أنا بحبك قد إيه. والله أنا بس بتكلم معاكي عادي. ومعلش لو زعلتي. أنا مكنتش أقصد.
صاحت بها بحدة غاضبة شاعرة بنيران مشتعلة داخل عقلها من ضراوة الغضب المتواجد به:
- بقولك إيه ياسما. ابعدي عني دلوقتي. أنتي خلاص سيبتيني عشان ست رنيم. اطلعي برة بقى وسيبيني.
طالعتها بذهول متعجبة لوقاحتها معه، متمتمة بهدوء حاد:
- بصي أنا مغلطتش فيكي ولا قولت حاجة تزعلك. وأنتي عارفة أنا بحبك قد إيه وبعتبرك أختي من زمان. ومقدرة اللي أنتي فيه عشان كده هسيبك ترتاحي.
لم تنتظر ردها بل تركتها وخرجت من الغرفة منزعجة من طريقتها معها. لكنها حاولت أن تهدأ قليلًا مفسرة أن ذلك حدث عنوة عنها بسبب حزنها، لذلك ستسامحها وتحاول التحدث معها لاحقًا لتجعلها تخرج من حزنها.
وجدت هاتفها يرن، تطلعت نحوه بلهفة تسيطر على قلبها جعلت نبضاته تزداد. وجدت أن قلبها على حق. نعم هو مَن يدق عليها بعد إرساله العديد من الرسائل إليها في تلك الفترة الماضية، لكنها لم ترد على أي منهم لأجل حديث شقيقها. لم تستطع الثبات على موقفها أكثر بل ضعفت وسيطر قلبها على كل ذرة بها، فدَلفت غرفتها مسرعة حتى لا يستمع إليها أحد وفتحت مسرعة باشتياق لتطمئنه عليها:
- الو يا خالد.
سرعان ما أتاها صوته القلق بشدة، متذمرًا لإختفاءها تلك الفترة دون أن تخبره شيء:
- والله لسة فاكرة خالد. يعني كويس.
تمتمت تجيبه بتوتر محاولة القضاء عليه لتستطع التحدث معه بهدوء كما تفعل دومًا:
- ممكن تهدى بس وهفهمك. الحوار مش زي ما أنت فاكر. لا ده بابا عرف يعني اللي بينا و…
قطعها بلهفة وقد ازداد قلقه عليها حقًا، شاعرًا بالخوف من أن يكون قد أصابها شيء لذا لم تظهر الفترة الماضية:
- وحصل إيه؟ أنتي كويسة دلوقتي ولا عمل إيه؟
ابتسمت بهدوء وسعادة تضرب قلبها بعنف من اهتمامه بها، وتمتمت متلعثمة بخجل لتجعله يهدأ شارحة له الأمر بأكمله:
- اهدى يا خالد. أنا كويسة متخافش. هو معملش حاجة غير إنه قال مروحش الكلية وجواد أخويا قال هيتصرف وهنزل عادي. بس كمان قالي مكلمكش خالص. ومعلش يا خالد أنا هسمع كلامه عشان كده مكنتش برد على اللي بتبعتنه. أنا رديت دلوقتي بس عشان حاسة أنك قلقان.
لم ينزعج من حديثها واحترامها لحديث شقيقها، بل ابتسم بسعادة لأجلها متفهمًا جميع ما تفوهت به للتو، يشعر بصحة اختياره. مردفًا بتعقل وجدية:
- ماشي يا سما. وأكيد طبعًا لازم تسمعي كلامه. اقفلي دلوقتي وأنا هحاول متصلش وهستناكي في الجامعة قريب عشان مفيش محاضرات تفوتك.
همهمت تجيبه بهدوء مبتسمة:
- ماشي يا خالد. هقفل أنا دلوقتي.
أغلقت معه شاعرة بسعادة كانت تحتاج لحديثه الهادئ معها الذي يسعد قلبها. كان يحثها على قرارها في عدم التحدث معه، إذا كان شخصًا آخر غيره كان ثار عليها واعترض عدة مرات، لكنه تفهم كل ذلك. وفي النهاية أخبرها أنه ينتظرها بلوعة واشتياق، متلهفًا لرؤيتها. قلبها يتراقص بداخلها بسعادة كانت تفتقدها، غير واعية لتلك السامة مديحة التي استمعت إلى حديثها وعلمت كل شيء بمكر، مقررة أن تنتهزه لمصلحتها.
***
بعد مرور يومين
كانت رنيم تجلس فوق الفراش ممسكة بالشرشف حولها بقوة لتخفي جسدها العاري من أمام عينيه، متذمرة بعدم رضا:
- يا جواد عيب كده على فكرة. أنت خليت هدومي بعيدة. هاتهم أنا عاوزة أقوم.
اعتلت ضحكاته بصخب في أركان الغرفة لخجلها الذي لم ينتهي بعد. فطالعته هي بشرود لعدة لحظات، متطلعة لضحكته السعيدة وملامحه، كم هو وسيم جذاب، تعشق جميع تفاصيله. متمعنة بالنظر به بسعادة تدقق ببصرها به بدايةً من عينيه الملتمعين بسعادة عاشقة وضحكته التي تزين وجهه دومًا عندما يكون معها، حنانه الدائم عليها، يعلم كيف يحتوي حزنها ويساعدها في التخلص منه. هو نعم الرجال. مهما مرّ عليها لم ترى أحد مثله. يجعلها تنهي حزنها وتبقى معه سعيدة. نعم سعيدة فقط.
أجابها بمرح لهيئتها الخجلة رافضًا طلبها:
- لا مش جايب حاجة. أنا قومي أنتي هاتيهم لنفسك.
اعترضت مرة أخرى على حديثه بشدة عالمة ما يريده:
- لا طبعًا هجيبهم إزاي وأنا كده. يلا يا جواد عشان خاطري طيب.
حاولت أن تثير عاطفته حتى يلبي ما تطلبه منه، لكنه لم يتأثر عالمًا ما تريده، متمتمًا بإصرار لحديثه:
- هاتيهم عادي يا رورو. قومي وهاتي لبسك أهو هناك. ولا تحبي أشيلك. ده أنا بعرف أشيل جامد. أنتي مجربة.
ضحكت بسعادة لكلمته المداعبة، لكنها بالطبع لن تنهض وتفعل ما يقترحه. هي تشعر بالخجل، كيف ستنهض هكذا؟ حركت رأسها سريعًا معترضة لتفكيرها فقط في الفكرة.
ضربته بهدوء فوق كتفه متمتمة بتذمر مرح من بين ضحكاتها السعيدة:
- على فكرة بقى أنت بايخ وكفاية هزار.
ادعى الجدية على ملامحه غاضبًا من فعلتها، متمتمًا بحدة مشددة:
- أنتي إزاي تعملي كده. اوعى إيدك.
أسرعت تبعد يدها عنه بوجه شاحب مرتعب مما سيحدث معها بسبب فعلتها الحمقاء، متمتمة بخوف متلعثم:
- لـ… لأ و… والله مكنش قصدي يا جواد. أنا بس بهزر.
باغته رد فعلها الخائف وتحولها معه فجأة. هو كان يمزح، لكنه أسرع يرد عليها بحنان بعدما ضمها بضراوة عاشقة داخل أحضانه ليطمئنها ويجعلها تهدأ:
- في إيه يارورو. متخافيش. أنا بهزر معاكي عادي زي ما بتهزري. بعدين أنتي تعملي كل اللي عاوزاه أصلًا.
ظنت في البداية أنه سيتحول معها يثور عليها بغضب مثلما اعتادت دومًا، فارتعشت داخل حضنه بضعف خائفة من رد فعله. ظنت أنه سيضربها مثلما يحدث معها عندما تفعل شيء خاطئ، لكنها هدأت بعدما استمعت إلى حديثه معها عالمة بمزحه. وحاولت أن تبدي الأمر بهدوء ولا مبالاة حتى لا يفهم شيء، فتمتمت متذمرة بهدوء:
- مش قولتلك هزارك بايخ. كفاية هزار يا جواد.
أومأ برأسه أمامًا يؤيد حديثها، لكنه دُهش من طريقتها التي ثارت العديد من التساؤلات بداخله، فهتف متسائلًا باهتمام:
- أيوه قولتي. بس أنتي مالك خوفتي واتوترتي كده ليه لما هزرت؟
طالعته بنظرات متوترة خوفًا من أن يعلم شيء، متذكرة تهديد فاروق لها لما سيحدث معها ومع جواد إذا علم شيء، فتمتمت كاذبة بقلق:
- لـ… لأ عادي مفيش حاجة. أنت اللي فاهم غلط. أنا بس اتخضيت لما لقيتك قلبت مرة واحدة.
طبع قبلة رقيقة حانية فوق شفتيها بعشق جارف، يود للأقتراب منها في كل ثانية في عالمها الخاص به ليجعلها تعيش وقتًا عاشقًا معه سعيدًا داخل أحضانه وحنانه عليها لتعلم كيف يكون العشق؟ يود الإقتراب أكثر لعله يطفئ من لهيب قلبه المشتعل ولم ينطفئ بعد، متمتمًا بشغف:
- لا حقك عليا أنا وهزاري البايخ. خليني اعتذرلك واصالحك بضمير بس.
همهمت معترضة مسرعة بعدما فهمت ما ينوي فعله:
- لأ لأ يا جواد كفاية كدة بقى. أنت مبتخافش خـ…
ابتلع باقي جملتها بداخله ملتهمًا شفتيها بلوعة، متمتمًا بصوت أجش:
- ولا عمري هشبع منك. دة انتظار سنين وأخيرًا بيتحقق.
وأصل ما يفعله بعشق وحنان طابعًا ملكيته وعشقه الضاري على كل أنش بها، يخبرها معها كيف تعلم العشق والحب وجميع المشاعر بسبب عينيها التي كانت أول مَن سحرته إليها وتسببت في كل ذلك.
بعد مرور بعض الوقت
تمتمت بتذمر مدعية الحزن من إصراره لما يريده:
- أنا مش هقوم كده عشان خاطري. قوم هاتلي هدومي. كفاية كده.
سندت رأسها على صدره وطالعته بنظرات مترجية ليفعل ما تطلبه منه، فضحك بصخب على خجلها المستمر إلى الآن.
وجدته يغلق عينيه متمتمًا بمرح:
- غمضت عيني أهو. قومي يلا بسرعة قبل ما أرجع في كلامي. وده عشان خاطرك يارورو.
أسرعت تنهض مبتعدة عنه وبدأت تلملم أشياءها مسرعة من الأرض. وجدته يمزح معها بنبرة مهددة بمرح:
- لا بسرعة. ممكن أفتح عيني في أي وقت واتفرج.
شهقت مسرعة بخجل يزداد عما كانت متمتمة بتلعثم خافت:
- لا لا غمض كويس وبطل قلة أدب شوية ياحضرة الظابط.
قبل أن يرد عليها وصل إلى مسامعه صوت غلق المرحاض، ففتح عينيه ضاحكًا متمتمًا بوعيد بنبرة مرتفعة لتصل إلى مسامعها:
- ماشي يا رورو. متفقناش على كده. والله لأخد حقي بس لما تطلعيلي.
ظل كما هو ينتظرها بوجه مبتسم، يحقق الآن ما يتمناه قلبه منذُ زمن، شاعرًا بسعادة شديدة لتحقيق ما يتمناه، مقررًا أن يجعلها تعشق أيامها معه ويملأها بالسعادة.
قام بالاتصال على والدته للإطمئنان عليها، سرعان ما ردت عليه متسائلة بلهفة وحنان كعادتها مع أبنائها:
- الو ياحبيبي عامل إيه. طمني عليك وعلى مراتك؟
أجابها بنبرة فرحة سعيدة تعكس مدى سعادته المتواجدة بداخلها ومن اهتمامها به دومًا:
- أنا كويس وكويس أوي يا امي متخافيش ومبسوط كمان. ورنيم كويسة. أنا قولت اتطمن عليكي انتي عاملة إيه وسما كمان؟
شعرت بمدى سعادته من نبرة صوته الفرح بتحقيق ما يريده من سنوات، لاحظت اختفاء الحزن المتواجد دومًا من نبرته. كانت سعيدة هي الأخرى لسعادة ابنها الذي حصل عليها بعد عناء، وطمأنته عليها بهدوء:
- كلنا كويسين ياحبيبي. ركز أنت في أجازتك وابقى سلملي على رنيم.
أنهت حديثها معه شاعرة بارتياح لإطمئنانها عليه وعلى سعادته، داعية ربها أن تدوم عليه مع زوجته تحت أنظار فاروق المعترضة لسعادتها بتلك الزيجة الشبيهة بالكارثة الكبيرة بالنسبة له، لكنها لم تبالي بنظراته ورأيه. ولازالت حزينة منزعجة من طريقته معها ومع ابنه.
***
بعد مرور أسبوع
كان اليوم عودة جواد بصحبة رنيم إلى المنزل. حاولت جليلة إعداد كل شيء لاستقبالهما بسعادة. اقتربت سما منها متمتمة بمرح:
- كل ده عشان جواد. ماشي يا ست ماما. أنا لما اتجوز لو معملتليش كده هزعل منك جامد.
احتضنتها بحنان هادئ مجيبة إياها به أيضًا:
- وأعملك أحلى من كده كمان. ربنا يسعدك أنتي وجواد ويرزقه بالذرية الصالحة. أفرح بعياله كده ويملوا حواليا البيت.
قبل أن تجيبها سما بسعادة هي الأخرى، تطلعت مديحة نحو أروى بمكر علمته تلك جيدًا، وألقت مديحة حديثها الصادم للجميع مقررة إفساد سعادة جليلة بحقد:
- والله يا جليلة كان نفسي حلمك أنك تشوفي عياله يتحقق. بس للأسف بقى عمره ما هيحصل.
طالعتها جليلة بحزن متمتمة باعتراض، كما طالعها فاروق هو الآخر بدهشة من حديثها الذي ثار فضوله:
- ليه بتقولي كده. بعد الشر. إن شاء الله أفرح بيهم وربنا يسعده ويسعدنا كلنا.
طالعتها بشماتة بعدما تأكدت من عدم معرفتها لذلك الأمر الهام، وأجابتها بخبث والشر يلتمع داخل عينيها:
- هو أنا أكيد يا أختي مش هقف قدام سعادته. ده زي ابني. بس هتحصل إزاي ورنيم مبتخلفش.
طالعها كل من فاروق وجليلة بذهول من تلك الصدمة التي حلت عليهما. فهو فاروق واقفًا بذهول متعجبًا من حديثها الذي لم يعلمه من قبل، وتمتمت جليلة متسائلة بعدم تصديق:
- ا… إيه. أنتي بتقولي إيه يا مديحة؟
تفاجأت مديحة هي الأخرى من عدم معرفة فاروق لشيء هكذا ونظراته المتسائلة بصدمة هو الآخر. فأسرعت تؤكد حديثها ببرود وشماتة مبتسمة بمكر، عالمة أنه سيقلب المنزل رأسًا على عقب بعد علمها بصدمة فاروق هو الآخر:
- إيه بقول الحقيقة. أن رنيم عقيمة وعمرها ما هتخلف أبدًا مهما قعدت طول حياتها.
***
***
***
***
***
***
***
***
يتبع…
رواية لهيب الروح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هدير دودو
حديث مديحة كالشرارة المنطلقة التي أخفت سعادة الجميع وجعلت الأمر في المنزل ينقلب رأسًا على عقب.
بصدمة، هدر فاروق بجليلة الواقفة تحت تأثير الصدمة:
– اتصلي بيه حالًا شوفيه هو فين لازم يطلق البت دي؟
أسرعت مأومأة برأسها أمامًا بضعف وسالت الدموع فوق وجنتيها بعدم تصديق.
– حـ… حاضر يافاروق حاضر خلاص اهدي أنتَ بس ولما يجوا هنتكلم معاه هو ورنيم ونشوف الكلام دة.
رمقها بنظرات حادة أخرستها تمامًا، فأسرعت تنفذ ما يريده. قامت بالأتصال على جواد بقلق وحزن. كانت تتمنى حياة افضل لابنها، لكن من الواضح أن نصيبه في السعادة قليل وبضراوة. لا تعلم ماذا سيحدث له عندما يعلم وإصرار فاروق على الأنفصال.
لكن كانت محاولاتها بلا جدوى، فجواد لم يرد عليها. حاولت تكرار فعلتها عدة مرات لعلها تصل إلى شئ معه، لكنها فشلت.
تطلع فاروق نحو مديحة مقتربًا منها ووقف معها في مكان بعيد عن الأنظار قليلًا، صائحًا بها بعنف غاضب:
– انتي ازاي متعرفنيش حاجة زي كدة يا مديحة.
تابع حديثه بغرور غاضب:
– بقى مرات جواد الهواري تطلع مبتخلفش دة ابني الوحيد.
طالعته بعدم رضا من حديثه وأجابته بحدة هي الأخرى:
– انت قصدك ايه بكلامك دة يافاروق، وايه مرات جواد اللي قولتها دي، هي فترة مؤقته وهيطلقها ويتجوز بنتي.
همهم يرد عليها بحدة مشددة وعاد مرة أخرى إلى جليلة متسائلًا بصرامة:
– إيه هو فين دلوقتي، قالك ايه لما كلمتيه؟
أجابته بتوتر محاولة اخفاءه لتجعله يهدأ:
– هو مش بيرد بس خلاص قرب يوصل اكيد متقلقش.
غمغم بتهكم ساخرًا ولم يعجبه حديثها:
– إيه خلاص مبقاش يرد عليكي عشانها ولسة مش جوزتيهاله هتشوفي اكتر من كدة.
تنهدت بضيق من حديثه الذي بلا فائدة وأجابته بهدوء مدافعة عن ابنها:
– مش كدة يا فاروق جواد ابنك مش كدة، هو بس تلاقيه داخل علينا اهدى واستني أنت بس.
رمقها بنظرات حادة معلنة رفضه وغضبه من كل مايحدث.
في نفس الوقت…
كانت رنيم جالسة في السيارة بجانب جواد في صمت. عقلها شارد في ذكرى حدثت معها عن قريب تقف في حياتها معه كالخنجر. كانت تود أن تقص عليه كل ما مرّ عليها من دونه، لكنها خائفة. نعم، خائفة من نتيجة فعلتها. أغمضت عينيها بضعف مستسلمة لتلك الذكرى التي تقف لها كالشوك في جميع أحلامها.
أخبرتها احدي الخادمات أن فاروق يريد التحدث معها. سارت معه بخوف ورعب يملأ قلبها. خطوات متعثرة بطيئة لا تود رؤيته عالمة بمدى قوته وصرامته التي تخشاها، لكنها لم تستطع الاعتراض. ولجت غرفة المكتب الخاص به بتوتر شديد، شاعرة أن قلبها سيتوقف داخلها.
– ا.. ايوة يا فاروق بيه حـ… حضرتك عاوزني.
ظل للحظات مثبت عينيه نحوها بنظرات حادة اخترقت جسدها وجعلت خوفها يزداد. وجدته ينهض بخطوات قوية مقتربًا منها ونظراته لازالت نحوها. تفاجأت به وهو يدور حولها بطريقة أرعبتها شاعرة أنها محاصرة.
– فـ… في حاجة يا فاروق بيه؟
وقف أمامها بحدة مغمغمًا بلهجة حازمة مشددًا فوق كل حرف يتفوهه:
– عملتي اللي عاوزاه وخلتيه عاوز يتجوزك.
علمت على الفور أنه يقصد جواد بحديثه، فحركت رأسها نافية لما يردفه وتمتمت بتوتر متلعثمة تحاول الدفاع عن ذاتها أمامه:
– لـ…. لأ لأ والله مش كدة هـ.. هو حتى اللي طلب يتجوزني وكان مصمم أنا معملتش حاجة.
رمقها بمكر متمتمًا بحدة ونبرة قاسية:
– اسكتي خالص متفتحيش انتي بوقك بعدين مفيش مشكلة يستمتع ويتسلى بيكي كم يوم.
شعرت أن حديثه كالخنجر الذي طعنها به، قاسٍ بضراوة عليها. لا تعلم لماذا يعاملها هكذا. طالعته بحزن والدموع اجتمعت داخل مقلتيها بقهر ثم تمتمت بكبرياء:
– بـ… بس انا مش للتسلية.
ضحك بصخب يطالعها باستهزاء لحديثها الساخر بالنسبة له مردفًا ببرود:
– انتي عارفة كويس اوي اتجوزتي عصام ليه اللي اشتراكي بفلوسه انتي واهلك الجعانين.
طالعته بتحدي وغضب مقررة عدم الصمت لحديثه المهين لها:
– بس جواد غير عصام وحضرتك عارف كدة يا فاروق بيه بالنسبة لجواد هبقى مراته بجد.
شعر بالغضب من حديثها الذي يعلم صحته، وهذا شئ لن يقبل به مهما حدث. كيف لجواد الهواري ان يتزوج من فتاة مثلها؟! هو وافق على زواجها من عصام لأنه متأكد من صمتها لما سيفعله بها حتى يحافظ على سمعة عائلة الهواري. هي بالنسبة له دمية حصل عليها مقابل المال لم يرى أن لها أي قيمة أمامه. لذا قام بالضغط بقوة فوق ذراعها مسببًا لها ألم نتيجة ردها عليه متمتمًا بحدة صارمة:
– بقولك إيه يابت أنتي مش عاوز اسمع صوتك أنتي هتتجرأي وتردي عليا.
تألمت بين يديه بضعف متمتمة بخفوت وحزن يملأها لأهانتها الدائمة من تلك العائلة القاسية:
– طـ… طيب خـ.. خلاص يا فاروق بيه بس دراعي بتوجعني.
تركها رامقًا اياها بازدراء ونظرات محتقرة مغمغمًا بقسوة حادة تشبهه ووعيد ليجعلها تخاف وتنفذ ما يقوله ويريده:
– بصي يابت انتي واسمعي كلامي كويس اوي لو جواد عرف حاجة واحدة عن اللي كان بيحصلك اعتبريها نهايتك ونهايته هضره في شغله وجامد وانتي عارفة هو بيحب شغله ازاي لو مستغنية عنك وعنه ابقي افتحي بوقك بكلمة واحدة من اللي حصلت معاكي مع عصام.
طالعته بأعين متسعة بذهول من هول الصدمة من حديثه القاسي إلى هذا الحد عن جواد وتمتمت بعدم تصديق:
– بـ… بس دة ابنك انت مستحيل تأذيه.
ضحك ببرود على حديثها الأحمق مردفًا بلهجة حازمة ساخرًا منها:
– يبقى متعرفيش مين هو فاروق الهواري ويقدر يعمل إيه، سامعة كلامي كويس.
همهمت تجيبه بخفوت وخوف. حمقاء هي ظنت أنه يهتم لأمر ابنه، فلو كان يهتم كان ساعده منذ البداية وزوجها له لأجل سعادته، لكنه هو لا يفعل شئ في حياته سوى لمصلحة فاروق الهواري فقط.
فاقت من شرودها مع ذاتها من تلك الذكرى المتسببة في صمتها إلى الآن على صوت جواد الهادئ:
– إيه ياحبيبتي وصلنا، بتفكري في إيه جامد كدة.
التقطت أنفاسها بصعداء لتبتسم أمامه بهدوء وتمتمت تجيبه بابتسامة رائعة يعشقها:
– ولا حاجة كنت سرحانة يلا ننزل خلاص.
جذب يدها مانعًا إياها من الترجل من السيارة مقربها نحوه وعينيه مثبتة فوق شفتيها بعشق جارف وقام بالتقاطهما برغبة عاشقة وحنان عليها لن تجده مع أحد سواه. محتضنها بقوة كأنه يود أن يضعها داخل قلبه الذي لازال ظمآن يود اقترابها اكثر إلى الآن. يقترب منها كل مرة وكأنها مرتهما الأولى. عينيها تسحره تجعله لا يدرى ماحوله سواها هي فقط.
حاولت الإبتعاد عنه بتوتر متمتمة بخفوت متطلعة بعينيها أرضًا بخجل يصيبها من اقترابه في كل مرة:
– جـ…. جواد مينفعش كدة ممكن حد يشوفنا يلا ننزل خلاص.
قبل أن يمنعها كانت هي الأسرع وترجلت من السيارة مسرعة. فضحك على فعلتها ونزل هو الآخر مقتربًا منها قائلًا لأحد الحراس بجدية:
– نزلوا الشنط من العربية وابقوا دخلوها على جوة.
همهم يرد عليه باحترام ووضع هو يده فوق خصرها يقربها منه أكثر وسار بها نحو الداخل متمتمًا بمرح:
– نطلع الأوضة فوق وأخد حقي عشان أنتِ ضحكتي عليا وأنا مخدتش حقي كويس.
طالعته متعجبة بذهول من حديثه الكاذب:
– إيه بعد كل دة ولسة مخدتش حقك.
اومأ لها برأسه امامًا مؤكد حديثه:
– اه لسة عاوز حقي اكتر نطلع بس وهتشوفي.
همس داخل أذنيها ببعض الكلمات الجريئة التي جعلتها تخجل بشدة متمتمة بتلعثم وعدم انتظام من وجهه الآخر التي لم تراه من قبل. كانت دومًا تراه جاد صارم في بعض الأحيان لكنها الآن تجد شخص آخر أمامها شخص يؤكد في أفعاله قبل حديثه أنه يهواها حقًا:
– ا… اوعى كدة يـ… ياجواد كدة عيب مينفعش.
اعتلت ضحكاته بضراوة ما أن استمع إلى حديثها متمتمًا بسعادة من قلبه:
– دة جواد اصلا ميعرفش غير العيب نطلع بس واوريهولك.
لم تستطع منع ضحكاتها فانفجرت ضاحكة بسعادة وفرحة تدخل لقلبها على يده، لكنها سرعان ما أبتلعت ضحكتها بخوف مبتعدة عنه عندما رأت جميع العائلة تتطلع نحوهم بأعين حادة غاضبة من الواضح أن هناك شئ يحدث لم تعلمه.
تمسكت بذراع جواد تحتمي به بخوف يملأ قلبها وعادت بعض الخطوات إلى الخلف لتقف خلفه مباشرة. فربت فوق يدها بحنان وثقة ليطمئنها وغمغم متسائلًا بجدية تامة:
– في حاجة ولا إيه؟
كادت جليلة تتحدث وتخبره عما يحدث لكن فاروق كان الأسرع فأجابه بحدة تامة وعينيه مثبتة نحو رنيم بكره ملتعمة بالشر:
– في أنك اتضحك عليك من البت دي كانت فاكره انها هتعرف تضحك علينا عشان تعرف تتجوزك.
خشيت رنيم من نظراته المرعبة الحادة وحديثه الذي جعل قلبها كاد يتوقف برعب فتمتمت متلعثمة برهبة محاولة أن تفهم مقصده:
– ا… أنا مـ.. معملتش حاجة والله يـ… يافاروق بيه.
رمقها بتقليل دون اهتمام لما تتفوهه مردفًا بحدة صارمة أخرستها:
– انتي مين عشان تردي عليا انتي هتنسي نفسك يابت انتي.
صاح جواد بحدة يثأر لزوجته التي أهانها والده أمام الجميع:
– هو في ايه لكل دة يافاروق بيه وبعدين ايه هتنسي نفسك دي لا مش هتنسى نفسها هي بتتكلم بصفتها مراتي وليها كل الحق في اللي عاوزاه.
اجتمعت الدموع داخل مقلتيها بحزن لكنها حاولت تهدئة ذاتها بعد استماعها لحديث جواد الذي يربت فوق قلبها ويؤكد لها أنه افضل رجل في العالم مثلما تراه دومًا.
هدر فاروق في ابنه بعنف والغضب يغلي داخله من رده الدائم عليه. هو يود أن يفعل معه مثلما يفعل مع الجميع يكون حديثه واجب التنفيذ عنوة عنه وعما يحب ويريد ابنه:
– مراتك! أنت خلاص واقف قدامي عشان خاطر واحدة زي دي، دة أنا فاروق الهواري ومراتك اللي بتتكلم عنها دي ضاحكة عليك.
رد جواد عليه بصرامة حادة:
– دي مراتي يعني كرامتها من كرامتي دلوقتي وأنا مسمحش أن حد يتكلم معاها كدة مهما كان مين.
شعر فاروق بغضبه يزداد فأسرع يمسك ابنه من ياقة قميصه بعصبية يجذبه بعنف مغمغمًا بحزم مشدد:
– يعني ايه لأ فوق أنا ابوك واعمل اللي يعجبني مش أنتَ اللي هتعرفني اللي اعمله.
لم يصمت ورد عليه بجدية كما يفعل دومًا:
– أنا مقولتش كدة بس مينفعش تكلمني أنا ومراتي كدة ولا بالطريقة دي.
تطلعت رنيم مسرعة نحو جواد بأعين دامعة متمتمة بضعف وخفوت خوفًا مما يحدث أمامها للمرة الأولى:
– جـ….جواد خلاص عشان خاطري محصلش حاجة.
أسرعت جليلة تتدخل كعادتها لأنهاء مايحدث حولها ممسكة بذراع فاروق متمتمة بخوف وتوتر:
– فاروق اهدا شوية واقعد اتكلم معاه وأنت ياجواد اهدى يا حبيبي الأمور مبتتاخدش كدة.
دفعها فاروق إلى الخلف لتبتعد عنه صائحًا بجدية وحدة:
– اوعي انتي يا جليلة ومتدخليش المرة دي بالذات لأنك مشجعاه دايما.
ابتسمت مديحة بتسلية لما يحدث حولها سعيدة من تلك المشاجرة مقتربة من جليلة وبدأت تزرع سمها بخبث مدعية الحزن:
– معلش يا جليلة متزعليش بس هي البت دي كدة مش سهلة تلاقيها هي اللي مقوية جواد على ابوه دي حرباية.
تنهدت جليلة بحزن شديد وأجابتها بهدوء:
– لـ.. لا يا مديحة هي دايما العلاقة بينهم متوترة.
مصمصت شفتيها ساخرة من سذاجتها متطلعة أمامها مرة لتتابع مايحدث كأنها تشاهد مسرحية مسلية بالنسبة لها بضراوة، خاصة ما سيحدث لرنيم الآن.
استجاب فاروق لطلب زوجته وتركه هادرًا بغضب عارم يخبره حقيقتها:
– بعدين اللي بتدافع عنها دي وبتقول مراتك دي ضاحكة عليك وعلى الكل.
طالعه بعدم فهم متسائلًا بحدة وجدية:
– هي مين اللي ضاحكة عليا؟ ومسمحش أن حد يقول عليها كلمة من دلوقتي.
رمقه بتهكم وعينيه متوجهة نحوها كالنيران التي تحترقها تجعل جروح روحها تزداد، ووضح حديثه بحدة مشيرًا نحوها:
– مراتك اللي بتدافعلها وبتزعق قدامي دلوقتي عشانها، عقيمة عمرها ماهتخلف ومخبية عليك عشان طبعا متسيبهاش ماصدقت أنك هتتجوزها.
حديثه ضغط فوق أكبر جرح بها، جرح لن يُشفى مهما مر عليه، جرح لازال يقف لها في سعادتها كالغصة القوية. كلما ترى طفل مع والدته تبكي بقهر، لما حُرمت من ذلك الشعور الذي لا مثيل له؟! لماذا هي مَن حدث معها كل ذلك؟ كانت تود أن تحمل طفلها بيديها وتعتني به، تعطيه كل المشاعر التي افتقدها، وتغمره بحنانها الذي لا مثيل له، لكن كل ذلك أصبح أحلام داخل عقلها… أحلام تحزنها وترهق روحها عالمة بمدى استحالة تحقيق ما تريده ويريده قلبها.
تطلعت بأعين باكية يضراوة نحو جواد الذي ابتسم لها بهدوء ليجعلها تهدأ هي الأخرى يطمئنها أنه سيظل بجانبها مهما حدث، ووجه بصره نحو والده متسائلًا بجدية صارمة:
– وأنتَ مين قالك أنها مخبية عليا؟
قطب فاروق جبينه بصدمة متعجبًا من حديثه، لكن تكن الصدمة من نصيب فاروق فقط بل كانت من نصيب الجميع، وغمغم فاروق بعدم تصديق وذهول:
– بتقول إيه، قصدك أنها كانت قايلالك وعارف انها مبتخلفش واتجوزتها برضو.
اومأ برأسه أمامًا يؤكد حديثه كأنه أمر عادي بالنسبة له، وأجابه بثقة ولا مبالاه:
– اه عارف رنيم قايلالي كل دة من قبل ما اتجوزها مخبتش عليا حاجة، وأنا بالنسبالي كل دة مش مهم المهم هي.
ضرب فاروق المنضدة بعصبية مفرطة كادت توقف عقله، صائحًا بغضب عارم يعميه:
– لأ بقى أنت شكلك خلاص مش فاهم حاجة يعني ايه تتجوزها وهي كدة، ايه من قلة البنات ولا خلاص مفيش بت غيرها.
صمت لوهلة وأضاف معقبًا بسخرية:
– وياريتك متجوزها بت كمان، سكت على جوازك منها الأول لكن دلوقتي لأ مش هسكت.
لم يهتم بحديثه وأجابه ببرود شديد مسيطرًا على ذاته بمهارة:
– يعني إيه كلامك دة وايه اللي مش هتسكت عليه بقولك أنا كنت عارف وراضي كمان وموافق من الأول.
أجابه بحدة غاضبة آمرة والدماء تغلى داخل عروقه:
– قصدي وصلك كويس أوي بس هقوله قصدي أنك تطلقها وحالا خلاص قضيت معاها وقت كويس واتستمتع كفاية كدة بقى.
كان متعمد إهانتها في كل كلمة يتفوهها حديثه القاسي كان كالخنجر الذي غُرز في قلبها يود قــ ـتلها بحديثه المتجرد من معانٍ الرحمة، يتحدث كأنها عا’هرة يستمتع بها ابنه فقط لم يتعامل بحقيقة الأمر فهي زوجة جواد الهواري ليس مثلما يود ذلك القاسي.
لم يستطع جواد أن يصمت أيضًا بل صاح به بعصبية شديدة بعدما فهم مقصد حديث والده جيدًا:
– أنتَ بتقول ايه رنيم مراتي وهتفضل مراتي مهما حصل ومش أنت اللي هتقولي اطلق واتجوز أنا كبير وعارف انا بعمل ايه كويس، ورنيم مراتي وحبيبتي وانا مش عاوز عيال انا عاوزها هي بس.
اقترب محتضنها بحنان مقبلًا رأسها بفخر وعشق أمام الجميع ردًا منه على حديث والده السام الذي يعلم أنه جرحها به عن عمد.
طالعه والده رافضًا ما يفعله مغمغمًا بعدم رضا وحدة:
– جواد أنت هتطلق البت دي خلاص على كدة مش هتظلم نفسك معاها وتتخلى عن أهم حاجة عشان واحدة زي دي اتجوز غيرها وخلف وانسى كل دة طلقها يلا.
كان يحاول معه ليجعله ينفذ ما يريد ويتخلص من تلك الفتاة التي تقف في طريق ابنه بسبب حبه لها الذي جعله يلغي عقله تمامًا ويتنازل عن أهم شئ لأجلها.
باغته جواد برده الحاد وإصراره على رفض ما يقوله والده ليبدي مدى تمسكه الشديد بها وعشقه الصادق:
– انا عارف كويس أنا بعمل إيه ومش مهم عندي غير رنيم مراتي واكيد مش هتخليني اطلقها غصب عني.
تطلع نحوها بهدوء مردفًا بحنان عندما رأى حالتها المجهدة ودموعها التي لازالت تسيل على وجنتيها بحزن:
– يلا يا رنيم نطلع عشان ترتاحي شوية السفر كان طويل.
سار بها بجانب والده وهو محتضنها بشدة ليخبرها أنه معها وكل شئ يحدث لن يهتم به، هو لا يريد سواها في حياته، يؤكد لها بأفعاله أنه يعشقها حقًا وأنه كما تراه مختلف عن الجميع.
وقفت مديحة تشاهد مايحدث بغضب ترى تمسكه الشديد بها ووقوفه أمام والده معارض حديثه بضراوة وتصريحه بحبه لها أمام الجميع، ترى أن مخططاتها هي وابنتها ستُفسد بسبب رنيم التي أصبحت الآن اكبر عقبة في حياتهما بعد تأكدها من عشق جواد لها وعدم خضوعه لطلبات فاروق بل وقف أمامه ليتزوجها والآن ايضًا يقف أمامه متمسك بوجودها رافضًا فكرة الأبتعاد عنها.
طالعته جليلة بحزن لحياة ابنها وتمسكه برنيم التي كانت تعلمه جيدًا لكنها غير ىاضية عما فعله مع والده كما ايضًا ترفض تمسكه برنيم هي أم عنوة عنها تود الفرحة بأحفادها، تريد أن تحمل اطفال ابنها كما تحلم وتتمنى دومًا، تود أن تعلمهم العديد من الاشيتء والصفات الجيدة التي زرعتها في والدهم، لكنها الآن حُرمت من كل ذلك لذا كانت تطالعه برفض وعدم رضا لأول مرة عن أفعاله.
***
جلست رنيم فوق الفراش تبكي بصمت عن كل ماحدث. عقلها يحلل كل كلمة استمعت إليها أسفل. هي لديها جرح كبير من الواضح أنه لن يُشفى. تبكي بضراوة لعلها تخرج ما في قلبها. لا تعلم ماذا تفعل هل تسعد ذاتها وقلبها بحزن وظلم جواد وحرمانه من شعور مهم.
وجدته يجلس بجانها محتضن اياها بقوة مربتًا فوق ظهرها بحنان مردفًا بهدوء:
– كفاية عياط كدة عشان خاطري، هو في عروسة زيك قمر كدة بتعيط.
تمتمت بحزن من بين شهقاتها ولم تستطع تنفيذ ما يطلبه منها بل كانت مستمرة في بكاءها:
– لـ… لأ بس هـ… هما معاهم حق ياجواد هما صح، كلهم تحت عاوزين مصلحتك.
طبع قبلة رقيقة فوق يدها بحنان وتعقل ليحتوى ماتشعر به ورد عليها بشغف عاشق:
– أنا مصلحتي مش مع حد غيرك يارنيم، بعدين كنت اتجوزت من زمان لو عاوز لكن أنا عمري ما اتمنيت واحدة غيرك في الدنيا دي كلها.
غمغمت معترضة بخجل وضعف من حنانه الذي يغمرها به:
– بـ… بس كدة ياجواد أنت بتظلم نفسك.
التقط شفتيها بعشق جارف وأجابها بحنان:
– جواد هيظلم نفسه لو بعد عنك دقيقة واحدة.
اعتدل في جلسته أمامها مردفًا بتعقل:
– مش عاوزك تزعلي من اللي حصل تحت ولا تشغلي بالك.
ابتسمت له بسعادة ابتسامة رائعة يعشقها تزين ثغرها، غير مصدقة وجوده في حياتها متمتمة بهدوء:
– حاضر ياجواد، شكرا على وجودك معايا بجد أنت احسن واحد في الدنيا.
ابتسم لحديثها محتضنها بعشق شديد، مغمغمًا داخل اذنيها بمرح:
– ايوة افضلي عيطي عشان تضحكي عليا وماخدش حقي بقى.
أنهى حديثه غامزًا اياها فضحكت بخجل من بين دموعها متمتمة بتذمر:
– بس بقى يا جواد أنا مكنتش اعرف انك كدة على فكرة.
قام بمسح دموعها بحنان مغمغمًا بجراءة لم تعتاد عليها منه حقًا سوى من بعد زواجهما:
– لأ ما دي حاجات متشالة جوايا بقالها كتير جه وقت أنها تطلع بقى ولا انتي إيه رأيك.
ضحكت بخجل متمتمة بخفوت بعدما كسا اللون الأحمر وجنتيها:
– لـ… لأ طلعها بس ايه بعد كل دة مخلصتش لسة.
ظل يوزع قبلات متفرقة على عنقها وأجابها بغشق ولازال كل ذرة منه تحتاج وجودها بجانبه:
– ولا عمرها هتخلص دي طاقة سنين وحياة عنيكي اللي موقعني دول.
ضحكت بعشق وخجل لمدحه لها الدائم الذي يجعلها تشعر كالطائرة بسعادة محققة كل ما تريده وأحلامها التي ظنت أنها مستحيلة، هو عاد إليها سعادتها التي ظنت أنها انتهت تمامًا وابتسامتها التي عادت تزين وجهها من جديد بسبب أفعاله وحديثه المدلل لها.
كان يترك بصماته العاشقة فوق جسدها بحب يملأهما، كانت سعيدة لوجوده معها لكن هناك ما يجعلها تخاف أن تحرم من تلك السعادة ومنه، هي تود البقاء معه طيلة حياتها لكنها لن تظن أن ذلك سيحدث.
في كل حركة يفعلها يؤكد لها بها أنه يعشقها بصدق، لا يريد سوى سعادتها فقط، يجعلها ايضًا تعشق اقترابه منها، يود أن تحب كل شئ معه.
***
داخل غرفة مديحة كانت تجلس بصحبة أروى بغضب بادي عليهما. صاحت أروى بغضب يعميها:
– يعني احنا كنا نقدر نمنع كل دة، عمي لو عرف أنها مبتخلفش قبل مايجوزهاله مكنش وافق ان الجوازة دي تتم.
أيدتها مديحة بضيق بعد شعورها بفشل ما تريده:
– ياريتني كنت اعرف انه مش عارف ما اخوكي ال*** كان بيقوله كل حاجة فقولت اكيد قايله.
نهضت أروى تسير في الغرفة مغمغمة بغرور مشيرة بسبابتها نحو ذاتها:
– بقى يرفضني انا وميرضاش يتجوزني وواقف متمسك بال وسـ*ـة دي إيه خلاص اتجنن.
حاولت مديحة السيطرة على حزنها وغضبها حتى تجعل ابنتها تهدأ مغمغمة بقوة ووعيد والشر يلتمع داخل عينيها:
– استني بس انتي يا أروى والله ما هتتهنى يوم واحد هتشوفيني هعمل فيها إيه.
أيدت حديثها مسرعة بغضب:
– ايوة ياماما عشان فاكره انها هتقدر عليا وخدت جواد…. جواد مش لحد غيري انا مش هسكتلها.
تمتمت مديحة بمكر خافت حتى لا يصل صوتها الى مسامع أحد:
– استني بس عشان أنا عاوزاكي في حاجة مهمة دلوقتي هتجيبي حقك بيها من جواد.
طالعتها بعدم فهم متسائلة بخبث، هي تشبه والدتها كثيرًا بعدما زرعت بداخلها الكره والشر للجميع وأن ما تريده واجب التنفيذ وتسعى دومًا اليه عنوة عن الجميع:
– ايه هي الحاجة دي قولي على طول يا ماما.
التمعت عينيها بمكر متمتمة بشر وحقد:
– سـمـا حبيبة قلب ابوها وجواد كمان.
قطبت ما بين جبينها متسائلة بعدم فهم متعجبة من حديث والدتها الملئ بالألغاز:
– مالها سما ما توضحي كلامك.
أخبرتها بما استمعت اليها وغمغمت بحدة شارحة لها الامر وما تنوى فعله:
– سما في واحد لافف عليها انا بقى عاوزاكي تعرفيلي كل حاجة انا قولتلك اللي سمعته والبت بتحبه.
لم تفهم أروى ما تقصده والدتها فسما بعيدة عن كل ما تريده هي، فتمتمت بلا مبالاه وبرود:
– أنا عارفة الحوار دة من الاول بس دة واد فقير على قد حاله مش من مستواها بعدين ايه اللي دخل سما فالحوار انتي قصدك ايه.
أجابتها ساخرة بتهكم وإصرار على ذلك الشئ:
– هو ايه اللي مش من مستوانا وانا بقولك روحي اتجوزيه بعدين زي ماجواد مزعلك زعلي اخته شوفي بقى هتعمليها ازاي لفي على الواد، أو اديله فلوس اتصرفي بطريقتك.
اومأت براسها أمامًا ببرود بالرغم من عدم اقتناعها بحديث والدتها لكنها ستفعله لما لا هي لن تخسر شئ:
– ماشي ياماما هتصرف أنا في الموضوع دة.
خرجت تاركة والدتها مبتسمة بخبث متذكرة صورة جليلة أمامها وأردفت بمكر يلتمع بداخلها:
– ماشي ياجليلة قسما بالله لاقهرك على عيالك شوفي هتفرحي ازاي.
كانت تتحدث بإصرار ووعيد شديد لتنفيذ ما تريده وتخطط إليه دومًا، تفكر كيف ستنتقم من جليلة وتملأ حياتها بالحزن، الكره والغل يعمونها عن كل ما فعلته جليلة معها، هي تقابل كل ذلك بالكره.
***
داخل غرفة فاروق كان يسير في الغرفة بغضب يملأ اوداجه مما فعله ابنه اسفل أمام الجميع، وتمسكه بتلك الفتاة التي ليس لها قيمة بالنسبة له.
كانت جليلة تطالعه بتوتر تعلم أنه يفكر الآن فيما سيفعله لتتفيذ ما يريده عنوة عن الجميع وعن رأى جواد، تمتمت بنبرة متلجلجة خائفة:
– فاروق تعالى اهدى بس واقعد وانا هتكلم معاه بس هو مينفعش يطلقها اصلا بالسرعة دي حرام عشان سمعة البنت.
لم يقتنع بحديثها كيف له ان يهدأ بعدما حدث، راى كيف جواد وقف أمامه متحدي ايأه لاجلها، لءلك أردف مغمغمًا بعصبية مفرطة:
– ايه دة اللي مينفعش، يعني هو اللي ينفع ان البت دي تضحك عليه ويفضل مكمل معاها انتي واعية للي بتقوليه.
حاولت التحدث بتوتر أمام غضبه العارم مصححة حديثه:
– بـ… بس يا فاروق البنت معملتش حاجة كانت معرفة جواد من الأول وهو عارف وموافق يعني حرام مغلطتش في حاجة ولا ضحكت غليها.
اقترب قابضًا فوق ذراعها بغضب، طالها صائحًا بها بعنف حاد:
– بقولك إيه اسكتي خالص تلاقيه كان قايلك وشجعتيه وعارفة كل حاجة بس لو انتي يا جليلة مش عاوزة تشوفي عياله انا عاوز، ايه ابنك عاوز يقطع اسم الهواري من الدنيا مش هسمح بكدة مهما حصل وهيطلقها غصب عنه.
تألمت بين يديه عالمة مدى الغضب الذي يشعر به الآن محاولة تهدئته:
– والله العظيم ما كنت اعرف حاجة ولا قايلي المرة دي وبعدين بتقول إيه اكيد نفسي اشوف عياله وافرح بيهم بس مش كدة مش هينفع تجبره هو مش صغير.
تركها بحدة رافضًا حديثها مغمغمًا بعدم تصديق بعد تردد حديث مديحة الدائم في عقله عنوة عنه:
– انتي برضو متعرفيش دة انتي الوحيدة اللي بيقولك كل حاجة ومشجعاه على غلط، زي ماكنتي عارفة انه بيحب البت دي وسالتك وقولتي لا برضو.
طالعته بحزن وأجابته بصدق متعجبة لطريقته الحادة معها دون سبب تلك المرة:
– والله ابدا يا فاروق والله ما كنت اعرف حاجة عن الموضوع دة انا اتفاجأت بكلام مديحة بس دلوقتي بتكلم معاك عشان بتقول هتخليه يطلقها غصب عنه فبقولك أن مينفعش عشان هو مش صغير هو عارف هو بيعمل ايه كويس.
رمقها بغضب وعدم رضا مغمغمًا بلهجة حازمة:
– فضلتي تقولي مش صغير مش صغير وتدافعيله لغاية ما بقى يقف قدامي ويرد عليا انتي السبب في للي الواد دة كله فيه.
لم تعقب على حديثه بل تطلعت أمامها بصمت وحزن لما يحدث معها وتغير فاروق المباغت، فقد اصبح أكثر حدة وعصبية معها هي بالتحديد في الفترة الأخيرة، تحاول دومًا ان تمرئ الأمر بهدوء خوفًا من غضبه على الجميع.
لم يرى إلى الآن انه يفعل شئ خطأ بل يرى دومًا أنه يفعل الصواب، لم يهتم برأي احد سواه كأن الجميع مخطئ عدا هو..
***
في الصباح…
خرجت رنيم من المرحاض بملامح وجه هادئة لكنها سرعان ما عبست عندما وجدت جواد الذي يعد ذاته للذهاب. اقتربت منه واقفة خلفه مباشرة بهدوء مغمغمة بحزن:
– ايه دة أنت هتمشي ولا إيه؟
اومأ لها برأسه امامًا وهو يقوم بغلق قميصه مسرعًا مردفًا بحنان:
– اه يا رورو ساعتين ولا حاجة وراجع مش هطول.
طالعته برفض لا تود أن يتركها بمفردها شاعرة بمدى قوتها وهو معها لكنها لم تريد أن تبقى في المنزل مع تلك العائلة بمفردها. حاولت معه ليبقى:
– هتمشي وتسيبني؟! طب والحاجات المتشالة اللي لسة مخلصتش عندك.
طبع قبلة رقيقة فوق جبهتها مردفًا بمرح:
– لأ منا مخزنها لبليل استني انتي بس عليا.
ابتسمت ابتسامة مهزوزة وتمتمت بنبرة خافتة بخوف:
– طـ….طيب أنا خايفة متسيبنيش لوحدي عـ.. عشان اللي حصل امبارح يعني.
ابتسم أمامها يطمئنها بثقة محتضنها بقوة:
– متخافيش محدش هيكلمك ابقي اقعدي مع سما وماما ومتقلقيش.
تنهدت بعدم ارتياح لكنها تحاول أن تخفي شعورها حتى لا تزعجه مبتسمة بهدوء:
– ماشي يلا روح أنتَ ياحضرة الظابط عشان متتأخرش.
اقترب ملتقطًا شفتيها بنهم وشغف شديد لم يريد الأبتعاد عنها مغمغمًا بجراءة:
– بقولك ايه ما نتأخر عالشغل شوية، اصل ابقى ظابط غبي لو سيبت الشغل الحلو اللي في ايدي دة ومشيت.
ابتعد عنه بعض الخطوات إلى الخلف ضاحكة بسعادة وأجابته برفض:
– لأ طبعًا يلا روح عشان تلحق ترجع ومتتأخرش.
غمز لها بعينيه معقبًا بتوعد ومرح:
– ماشي استنيني بقى لما ارجع هاخد حقي كامل.
ضحكت بصخب معلنة عن سعادتها واحتضنته بحنان وعشق جارف وبدأ هو يلملم اشياءه مسرعًا حتى يذهب عمله.
***
في المساء…
عاد جواد إلى المنزل للتو كان سيدلف إلى غرفته مباشرة ليطمئن عليها ويطفئ من اشتياقه لها لكنه وجد والدته تنتظره تمتمت بهدوء:
– لو فاضي يا حبيبي ممكن اتكلم معاك.
احتضنها بحنان متمتمًا بتعقل هادئ:
– اه طبعا ولو مش فاضي أفضالك ياست الكل هو أنا عندي اغلى منك.
ابتسمت بفخر لحنانه الدائم وحبه لها وجلست تتحدث معه بجدية وعتاب:
– ينفع اللي حصل امبارح ياجواد؟
تنهد بجدية مجيبًا اياها بعدم رضا هو الآخر:
– لا طبعا مينفعش بس هو غلط رنيم دلوقتي مراتي كرامتها من كرامتي يعني لازم احافظ عليها أنتي اللي معلماني كدة هو غلط فيها وقال في حقها كلام مينفعش ومحترمش وجودي.
حاولت أن تشرح به الامر كما يرى فاروق بطريقة اهدأ ليحاول فهم ما يريده بهدوء:
– ياحبيبي هو كان فاكر أنها مقالتلكش ماهو مجاش في باله إنك عارف حاجة زي كدة وموافق عليها، دة نفسه يشوف عيالك.
التقط أنفاسه بصعداء مغمغمًا بجدية:
– يا أمي المهم عنده المفروض تبقى سعادتي وكلكم عارفين أن سعادتي معاها.
ردت عليه معترضة بعدم رضا محاول أن تجعله يرى الامر كاملًا ليحكم بعقله بدلا من عاطفته المسيطرة عليه:
– جواد أنا وابوك نفسنا نفرح بعيالك أنا نفسي اربيهم زي ما ربيتك واعلمهم كل حاجة أنت عن نفسك كنت بتحلم بأنك بتخلف من زمان دلوقتي اتخليت عن كل دة وبقى مش مهم، طب أنا وابوك هنتخلى عنه ليه بلاش تلغي عقلك فكر كويس في كلامي واعرف انت بتقول ايه.
صمتت لوهلة بأعين باكية وأضافت معقبة بحزن:
– أنا من زمان وأنا نفسي اشيل عيالك بحلم باليوم دة جواد وانت عاوز دلوقتي تحرمني منه.
لا يعلم كيف يخبرها أن كل ذلك لا يهمه، هو لن يسعد باطفاله مع غيرها، سعادته الحقيقية معها، حاول أن يجعلها تفهم ما يريده:
– يا أمي والله انا عارف كل دة بس لو جبت مية عيل مش من رنيم عمري ما هفرح، سعادة ابنك معاها مش مع غيرها، مش بايدي والله بس كل حاجة جوايا عاوزاها هي مش عاوزة غيرها.
لا تجد الرد المناسب لترد به عليه، كانت خائفة من رد فعل فاروق بعدما رأت اصرار ابنها الكبير عليها، اقترحت حل أحمق عالمة بمدى استحالته لكنها تحاول:
– بعد فترة طلقها واتجوز غيرها، اتجوز متستناش وهتنساها بكرة لما تتجوز وتخلف هتنساها.
أجابها برفض تام نافيًا حديثها الغير مقنع:
– كنت نسيتها وهي متجوزة هنساها دلوقتي، كدة هبقى بظلم نفسي وبظلم اللي هتجوزها أنا عمري ماهحب حد غيرها.
لا تجد ما تتفوه به فدعت له بحب متمنية من ربها أن يحقق ما تطلبه:
– ربنا يسعدك ياحبيبي ويحققلك لللي بتتمناه.
احتضنها بهدوء مقبلًا رأسها بحنان ثم تركها حتى ترتاح قليلًا وسار نحو غرفته بخطوات واسعة عينيه متلهفة باشتياق لرؤيتها.
وجدها جالسة بشرود صامتة لم تبدي رد فعل فاقترب يحتضنها بعشق وشاكسها بمرح هادئ:
– ايه ساكتة ليه، مفيش اي كلمة حلوة لجوزك حبيبك دة انا راجع بسرعة عشانك.
ظلت متصنمة كما هي بجمود لم تشاركه عناقه الدافئ، فقطب جبينه متعجبًا لطريقتها فغمغم متسائلًا بقلق واهتمام:
– في إيه مالك؟ حصل حاجة زعلتك وانا برة؟!
لم تجيب على سؤاله بل نهضت تقف قبالته بملامح باردة خالية من المشاعر وغمغمت ببرود حاد:
– طلقني ياجواد… طلقني وكفاية اوي لغاية كدة انا اصلا مكنتش عاوزاك ووافقت على جوازي منك غصب عني فطلقني أحسن.
لم يفهم معنى حديثها فطالعها بذهول متعجبًا مما تتفوهه ومتسائلًا مرة أخرى بعدم تصديق:
– ايه اللي بتقوليه دة؟
لم تهتم لنظراته المصوبة نحوها بل أجابته بلا مبالاه مؤكدة حديثها مرة أخرى:
– بقول للحقيقة، أنا مش عاوزاك وعاوزة اتطلق طلقني بقى صعبة دي.
رواية لهيب الروح الفصل السادس عشر 16 - بقلم هدير دودو
استمع جواد إلى حديثها بصدمة وقد ازدادت ملامحه حدة وغضب، لكنه تنهد بصوت مرتفع محاولًا السيطرة على ذاته أمامها. ظل يطالعها بعدم تصديق، عالمًا سبب تفوهها بذلك الحديث، لكنه لا يزال غاضبًا، لا يعلم كيف استطاعت التفوه بتلك الكلمات القاسية الناهية لعشقهما.
سار من أمامها بخطوات واسعة غاضبة، يود الفرار من أمامها بدلًا من لهفته لرؤيتها، محاولًا أن يسيطر على غضبه العارم من حديثها.
أسرعت تحاول ملاحقته ومنعه من الذهاب بخطوات شبه راكضة، مغمغمة باسمه بحزن:
«جـ… جواد… جـ… جواد استنى طيب.»
لم يلتفت نحوها ولم يبالي بهتافها باسمه، بل استكمل طريقه بخطوات سريعة يفر من أمامها حتى لا ينفجر بها بعد طلبها في الابتعاد عنه.
وقفت باكية بعنف والحزن يملأ قلبها لما يحدث بينهما. اقتربت جليلة منها التي رأتها، واحتضنتها بهدوء عندما رأت هيئتها الباكية، مغمغمة بهدوء:
«اهدي ياحبيبتي متعيطيش، محصلش حاجة.»
تمتمت بنبرة حزينة ضعيفة خرجت من بين شفتيها مهزوزة بقلق:
«سابني ومشي.»
لم تفهم جليلة سبب ما حدث بينهما، لكنها حاولت تهدئتها بتعقل وحنان:
«لا يارنيم، هو دايمًا كدة لما بيتعصب بيمشي، حتى لما بزعل أنا وهو. متزعليش انتي بس واهدي ياحبيتي بلاش عياط، هو هيهدا وهيرجع زي ما بيعمل على طول.»
ساعدتها بحنان حتى تدلف غرفتها وظلت معها تحاول تهدئتها، لكنها لازالت مستمرة في البكاء بضعف. غمغمت بحنان مربتة فوق ظهرها:
«خلاص بقى عشان خاطري متعيطيش، طب هو مزعلك في إيه وازعلهولك أنا لما يرجع، وبلاش عياط كفاية.»
أجابتها نافية بحزن متلعثمة من بين دموعها التي لم تتوقف للآن:
«أ… أنا اللي مزعلاه، هـ… هو سابني عشان أنا زعلته.»
ابتسمت جليلة بهدوء مردفة بمرح:
«دة بيهدا على طول، مش هيكمل حاجة وهتلاقيه رجع وهو اللي بيصالحك. جواد مفيش حد أطيب ولا أحن منه والله، اهدي بقى وبلاش عياط بقى.»
أومأت لها برأسها أمامًا بهدوء محاولة منع دموعها، لكنها فشلت واجهشت في دوامة مريرة من البكاء بلا توقف. حاولت جليلة تهدئتها إلا أنها استمعت إلى صوت فاروق الجهوري الذي يردف باسمها متسائلًا عنها، إحدى العاملات في المنزل التي دلفت وأخبرتها باحترام:
«فاروق بيه عاوز حضرتك.»
نهضت لتذهب إليه مسرعة متمتمة لرنيم بهدوء:
«هروح عشان اشوفه يا حبيبتي، ارتاحي انتي شوية واهدي، والله هتلاقي جواد جاي هادي ومفيش حاجة، هو مش بيزعل من اللي بيحبهم.»
همهمت تجيبها بخفوت هادئ، متمنية أن يكون حديثها صحيحًا ويعود جواد سريعًا، لاعنة ذاتها على حديثها القاسي معه، وفكرة الانفصال التي أكدتها، لكنها تفعل كل ذلك عنوة عنها. لا تريد أن تتسبب في ظلمه معها وتحرمه من أن يكون أب كما كان يريد. استمعت إلى حديث والدته غير الراضية عما فعل، على الرغم من أنها وقفت بجانبها الآن بحنان وهدوء، لكنها تعلم شعورها الحقيقي. هي ستتسبب حرمانه وظلمه. هي عالمة جيدًا بصعوبة شعور الحرمان الذي يعاني منه قلبها. منذُ أن كانت صغيرة كانت تحلم باليوم التي ستصبح مسؤولة عن طفلها، وتعتني بكل ما يريده. وعندما آتى اليوم المنتظر منذُ سنوات طويلة، افتقدته بأبشع طريقة يتخيلها عقلها، فشلت عن حمايته من ظلم وقسوة زوجها وافتقدت معه أمومتها للأبد.
ظلت كما هي تبكي وتتذكر تلك الذكرى الأليمة المتواجدة في عقلها التي لم تُمحى إلى الآن، وقد شرد عقلها في بعض الذكريات المؤلمة عندما كانت تُهان بأبشع الطرق الجسدية والنفسية، لكنها الآن تعيش حياة سعيدة معه، عالمة جيدًا أن سعادتها لن تدوم.
لا تعلم كم مرّ عليها وهي لازالت حالتها هكذا تبكي وعقلها يخيل لها العديد من الذكريات المؤلمة حتى تفاجأت بجواد الذي ولج الغرفة للتو. ألقى نظرة سريعة عليها متفحصًا هيئتها، رأى دموعها التي تسيل بلا توقف، وعينيها البنيتان المتورمان من فرط البكاء. كان سيذهب يحتضنها بحنان، لكنه قرر أن يقسى عليها قليلًا حتى تتعلم لتنهي تلك الفكرة من عقلها؛ لذلك تجاهل هيئتها تمامًا كأنه لم يراها.
أسرعت مقتربة منه بلهفة تطالعه بعدم تصديق، ملتقطة أنفاسها بصعداء لعودته مرة أخرى، وتمتمت بضعف خافت:
«جـ…. جواد أنتَ جيت بجد.»
جاهد بصعوبة بالغة حتى لا يرد عليها مغمغمًا ببرود حاد ساخرًا:
«انتي شايفة إيه؟!»
ابتلعت ريقها بتوتر وأجابته بضعف متلعثمة بقلق محاولة إنهاء غضبه منها:
«أ…. أنا مكنش قصدي حـ… حاجة.»
لم يبالي بحديثها بل سألها بحدة مشددًا فوق كل كلمة يتفوهها:
«انتي قولتي إيه قبل ما امشي عيدي كلامك كدة.»
طالعته بخوف من تنفيذ حديثها متخيلة فكرة ابتعاده عنها، كم هي قاسية لها ولقلبها. ستعود مرة أخرى إلى بئر ظلماتها القاسي عليها. ظلت صامتة كما هي لم تتفوه بأي شيء، تطالعه ببنيتيها بصمت تام.
فأعاد حديثه عليها مرة أخرى بنبرة مشددة حادة:
«سألتك قولتي إيه قبل ما امشي، ردي عليا وقولي كلامك تاني.»
تنهدت بصوت مرتفع ملتقطة انفاسها بصعداء وأجابته بتوتر تعيد حديثها مرة أخرى بخوف:
«ا… انا قولتلك عاوزة اتطلق، بـ… بس قولت كدة عشانك والله.»
لم يهتم بحديثها بل أجابها بجدية تامة تعكس مدى غضبه منها:
«عشاني ليه عيل صغير أنا، بس ماشي هعملك اللي عاوزاه يا رنيم.»
تطلع داخل عينيها وغمغم متسائلًا ليتأكد من حديثها:
«عاوزة تطلقي يا رنيم بجد؟»
لم تستطع النظر داخل عينيه فتطلعت بعيدًا بضعف وغمغمت ترد عليه بضعف ونبرة باكية ضعيفة خرجت من بين شفتيها بصعوبة:
«جـ…. جواد أنتَ عاوز إيه د… دلوقتي.»
أعاد سؤاله عليها مرة أخرى بنبرة هادئة قليلًا عندما رأى حالتها:
«ردي عليا يارنيم، عاوزة تسيبيني بجد؟»
حركت رأسها نافية بضعف وبدأت تبكي بنبرة مرتفعة، ملقية ذاتها داخل حضنه بضعف متمتمة بخفوت وضعف بعدما ارتفعت شهقاتها عاليًا بانهيار داخل حضنه الدافئ الآمن:
«لـ… لا يا جواد… لأ متنسيبنيش، بس أنا سمعت كلام طنط جليلة ليك حـ… حسيت إن هي معاها حق، أنا بظلمك معايا وبحرمك من حاجة مهمة أي حد بيتمناها.»
شعر بحزنها جيدًا فشدد من احتضانه عليها عالمًا بحقيقة مشاعرها، فغمغم بتعقل هادئ محاولًا أن يجعلها تثق به قليلًا وتعلم كم يهواها ومتيم بها، لا يريد شيئًا سوى وجودها معه فقط وقد وصل إليها بعد عناء:
«وانتي كمان اكيد سمعتي ردي عليها يارنيم، كل دة ملوش عندي أهمية، أنا عارف من البداية قولتلك أن دة شئ عادي، انتي بس لو تثقي فيا هتفهمي أن أنا عاوزك انتي فعلا مش عاوز غيرك، بس انتي لسة مش واثقة فيا.»
تطلعت أرضًا بخجل. هي تثق به، لكن ما رأته ليس سهلًا. أهلها وأقرب الناس إليها قد تخلوا عنها، كيف ستستطع أن تثق به بسهولة مثلما يطلب. أغمضت عينيها الباكية بضعف متمتمة بخجل:
«ا… أنا بثق فيك ياجواد بس مش قادرة، حاسة أني بظلمك معايا.»
التقطت أنفاسها بصعداء لوهلة وغمغمت بأسف وضعف:
«ا… أنا اسفة مكنش قصدي و… والله مش عاوزاك تبعد عني، بس برضو عاوزاك تبقى احسن واحد.»
طبع قبلة رقيقة فوق كفها بحنان مغمغمًا بشغف هادئ:
«أنا هبقى أحسن واحد فعلا طول ما أنتي معايا، متفكريش تبعدي عني تاني.»
ابتسمت بخجل تستند رأسها فوق صدره، مستمعة لنبضاته العاشقة لها لتنعم من حنانه وعشقه لها الذي دومًا يعترف به بأفعاله قبل حديثه. تعلم أن معها رجل حقًا، رجل يود حمايتها من أي شيء يزعجها، والأهم أنه يريدها معه ويحبها. لم يخجل من إظهار حبه لها أمام أي شخص. استمعت إلى حديثه مع والديه في مرات مختلفة وفي كل مرة تجده يعترف باحتياجه لها ولوجودها وحبه لها الشديد.
ظل يربت فوق ظهرها بحنان حتى هدأت بين ذراعيه فغمغم بمرح:
«على فكرة أنتي كدة بتضحكي عليا وبتاكلي حقي في الزعل دة، أنا راجع بدري عشانك.»
ضحكت بسعادة مغمغمة بهدوء وخجل بعدما دفنت وجهها في عنقه:
«هـ… هو أنا قولت حاجة، ما أنا ساكتة اهو.»
أسرع ملتقطًا شفـ تيها بين خاصته بعشق ولهفة مغمغمًا بسعادة وهي بين يديه:
«تصدقي صح، الحق عليا أنا غلطان، بس هصلح غلطي حالًا.»
اعتلت ضحكاتها بصخب بسعادة تبادله شعوره وعشقه بفرح لكونها معه وأخيرًا. كم تمنت منذُ زمن أن تصبح معه، لكنها ظنت أن كل ذلك أمنيات مستحيلة، وها هي تحققها الآن بسعادة أكثر مما تتخيل.
***
بعد مرور أسبوع…
جلست مديحة مع ابنتها، غمغمت أروى متسائلة بحدة وغيظ:
«إيه ياماما أخرة حوار جواد والزفتة دي امتى، ولا أونكل كان بيضحك عليكي؟»
أجابتها نافية بثقة تامة موزعة نظراتها الماكرة:
«لا طبعًا فاروق عمره ما كان بيضحك عليا، قريب أوي هيطلقها والله.»
طالعتها ابنتها متذمرة بملل وعدم رضا معترضة لحديثها الدائم الذي بلا نتيجة:
«مش ملاحظة إنك دايما بتقولي كدة ومفيش حاجة حصلت، بعدين انتي واثقة من أونكل فاروق كدة ليه، ما ممكن يسيبه، ما أنتي شوفتي جواد اهو مطلقهاش رغم انها مبتخلفش.»
فكرت مديحة في حديثها لكنها عادت مرة أخرى مغمغمة بجدية وإصرار على حديثها:
«لأ يا اروى، فاروق عمره ما هيرجع في كلمة قالهالي وأنا واثقة من اللي بقوله وعارفة كويس أنا بعمل إيه.»
غمغمت بعدم رضا ولازالت مندهشة في طريقة والدتها وثقتها التامة به:
«ماما أنتي متاكدة من كلامك وإيه اللي هيخلي أونكل يسمع كلامك كدة، بعدين جواد مش بيسمع غير كلام نفسه وانتي عارفة كدة.»
شردت بذاكرتها لذكري قوية فعلتها في الماضي واجابت ابنتها بشرود غير واعية لما تتفوهه:
«اللي بيني أنا وفاروق كبير جدا يخليه ينفذ وعده ليكي وزيادة، وهيغصب على ابنه وهيجوزهولك مهما حصل، لا جواد ولا جليلة حتى هتقدر تمنعه، أنا عارفة أنا بقولك إيه.»
قطبت أروى جبينها متعجبة لحديث والدتها الغير مفهوم وتسائلت بدهشة:
«انني قصدك ايه ياماما بالكلام دة، ايه اللي بينك وبين أونكل فاروق.»
فاقت مديحة مسرعة قبل أن تتفوه بشيء زاجرة ذاتها بعنف، وأجابتها بتوتر:
«مـ…. مفيش يا أروى، إيه اللي بتقوليه دة، هو بيعمل كدة عشان خاطر أخوه غير كدة ولا كان سأل فينا.»
رمقتها بعدم اقتناع بذلك الحديث الأبله الذي تبدل منذُ وهلة وغمغمت تتحدث مرة أخرى بشك:
«انتي اللي قولتي أن في حاجة بينك وبينه ياماما، أنا مقولتش حاجة، أنا بس عاوزة اعرف.»
صاحت بها بعنف وحدة أخرستها تمامًا على الرغم من توترها بداخلها:
«إيه يا اروى تعرفي إيه، انتي اتجننتي؟ ماقولتلك مفيش حاجة، أنا غلطانة إني عاوزة اجوزك جواد عشان تأمني مستقبلك.»
لم تعقب على حديث والدتها بل طالعتها بصمت وهي متأكدة أن هناك شئ ما والدتها تخفيه عنها، فنهضت مديحة بغضب تاركة إياها لاعنة ذاتها على حديثها التي تفوهت به بالخطأ.
***
دق جواد الباب الخاص بغرفة شقيقته مستأذناً منها بهدوء بعدما سمحت له أن يدلف:
«ادخل ولا مش فاضية دلوقتي؟»
اتسعت ابتسامتها عندما رأته وأجابته بمرح مرحبة بوجوده:
«انت بالذات تدخل في اي وقت.»
اقترب محتضنها بحنان مقبلًا رأسها وجلس بجانبها مبتسما وسألها بمكر:
«انتي قولتيلي اسمه خالد ايه قولي تاني كدة؟»
أسرعت تجيبه بحماس وقلق بداخلها خوفًا مما سيفعله شقيقها لأنها ستستمع إلى حديثه على الفور:
«خالد ابراهيم محمد ياجواد، أنت لحقت تنسى اسمه.»
أجابها ضاحكًا بمرح وثقة مرتسم فوق ملامحه الجادة الهادئة:
«عيب عليكي أخوكي برضو ينسى حاجة مهمة زي دي، أنا سألت عنه زي ماقولتلك.»
لم تستطع أن تخفي فضولها وتوترها فأسرعت متسائلة بلهفة عاشقة حقيقية علمها جواد على الفور:
«بجد ياجواد؟! وطلع إيه كويس صح زي ماقولتلك؟»
ابتسم بتعقل ابتسامة هادئة لهيئة شقيقته الجديدة عليه، وأجابها بثقة هادئة متعقلًا:
«اه طلع كويس ومحترم كمان، والأهم من دة كله أن شكلك بتحبيه بجد.»
ابتسمت سما بخجل متطلعة أرضًا بصمت شاعرة بدقات قلبها تتسارع بعنف، لم تستطع التفوه بحرف واحد، فرفع جواد وجهها إلى أعلى مازحًا معها:
«بتحبيه جامد على كدة، انتي كبرتي امتى كدة يابت دة أنتي لسة كنتي عيلة صغيرة بتجري في البيت.»
ضحكت بمرح ولازالت شاعرة بالخجل متمتمة بتوتر خافت:
«يـ… ياجواد بس بقى متكسفنيش، على فكرة مراتك هي كمان بتتكسف أكتر مني.»
شاركها الضحك بمرح مغمغمًا بغرور زائف:
«لأ انا مراتي تعمل اللي يعجبها وتتكسف براحتها دي مرات حضرة الظابط جواد الهواري انتي فاكرة إيه.»
أجابته بغرور هي الأخرى ضاحكة:
«وأنا كمان أخت الظابط جواد الهواري على فكرة، بعدين الواحد هيغير من رنيم بقى.»
احتضنها بحنان مربتًا فوق ذراعها، فانتهزت الفرصة متمتمة بضعف خافت وهي شاعرة بالخجل الشديد داخلها متلعثمة في حديثها بعدم انتظام خوفًا مما سيحدث في حياتها القادمة:
«طـ… طيب ياجواد يعني أنتَ هتساعدني بجد، عـ… عشان يعني بعد كدة نتجوز بس لما اخلص اخر سنة وهو يظبط حاله.»
تنهد بصعداء وأجابتها بتعقل هادئ واتزان:
«اه هساعدك وهقف معاكي كمان، طالما هو كويس وطموح وشاريكي والأهم أنك بتحبيه بجد ياسما.»
ابتسمت بارتياح وعادت ابتسامتها تزين ثغرها شاكرة ربها لوجوده معها دومًا، لكن سرعان ما تذكرت أمر هام هو الذي سيمنع كل شيء فغمغمت بتوتر وضعف:
«بـ… بس ياجواد بـ… بابا… بابا مش هيرضى اكيد مهما حصل.»
ابتسم بهدوء ليطمئنها عندما لاحظ تغيرها المباغت خوفًا من رد فعله القاسي مع الجميع:
«متخافيش بابا، أنا هقف قصاده مش هيقدر يعمل حاجة، ولا أنتي مش واثقة في اخوكي.»
ضحكت بسعادة لوقوفه الدائم معها، لكن قبل أن تتفوه بأي كلمة وجدت فاروق يقتحم الغرفة صائحًا بغضب حاد:
«اه انتي لازم تثقي فيه، ماهو هيعمل اللي على هواكي واللي عاوزاه حتى لو غصب عن ابوكي وعن الكل، فلازم يبقى حبيبك بقى، تعملي اكتر من كدة ماهو مقويكي.»
تشبثت بذراع جواد بخوف متمتمة بضعف متلعثمة:
«لـ… لا والله يـ… يابابا مش كدة، بس جواد شايف ا… اني معملتش حاجة غلط فعشان كدة واقف معايا بس.»
صاح بها بحدة غاضبة اخرستها تمامًا:
«انتي هتردي عليا؟ ماتحترمي نفسك وطول منا بتكلم مش عاوز اسمع صوتك، سمعتي.»
أومأت برأسها أمامًا بصمت خوفًا من حديث والدها الصارم الذي يعكس مدى غضبه منها وعدم رضاه عما تريده ويتمناه قلبها.
وجه بصره نحو جواد يرمقه بنظرات حادة مغمغمًا بقسوة غاضبة مشددًا فوق كل حرف بتفوهه:
«أنت بقى هتساعدها بتاع إيه؟ أنت مالك بيها، طريقتك دي مش هتنفع معايا خاصة لـ سما بالذات، ولا أنت عشان وقعت في جوازة اي كلام عاوز تعمل كدة معاها وتكوش على كله فالأخر دة أنتَ مش سهل.»
حاول جواد السيطرة على غضبه هو الآخر مردفًا بجدية حازمة محاولًا إنهاء الحديث الثقيل على قلبه بضراوة، وكأنه لم يتحدث مع والده، ففي الحقيقة لم تكن علاقتهما كوالد وابنه:
«مالها جوازتي؟ أنا فرحان بيها وعمري ماكنت هبقى مبسوط زي دلوقتي، وأنا هساعد سما عشان هي اختي ودة واجبي وأنا عمري ما هبقى زيك واحرمها من حاجة عاوزاها خاصة لو مش هتضرها.»
ازدادت نظرات فاروق حدة مغمغمًا بلهجة مشددة حازمة يملأها الغضب:
«أنت فاكر أنك هتبان أحسن بكلامك دة، أنتَ عمرك ماهتعرف مصلحة بنتي أكتر مني، ماتفوق لنفسك، انت بس بتدور على مصلحتك مش أكتر من كدة.»
طالعه جواد بتحدي غاضب من نظرته به، شاعرًا أنه يتعامل مع شخص غريب لم يعلمه ليس والده، وهتف بحدة هو الآخر:
«أنا اللي بيهمني سعادة اختي بس أنت للأسف اللي بيهمك أي حاجة تانية غير سعادتنا، وأنا فعلا هقف معاها وهعملها كل اللي عاوزاه طالما صح ومغلطتش واديني معرفك.»
تطلع نحو شقيقته وواصل حديثه بنبرة أهدأ:
«ارتاحي انتي ياسما نبقى نكمل كلامنا بعدين ياحبيبتي لما نبقى لوحدنا.»
ظلت صامتة كما هي بخوف لا تعلم ماذا يجب عليها أن تفعل أو تتحدث وهي في أمر هكذا، كانت نظرات فاروق حادة غاضبة كأنها ستقـ تله، لكن جواد لم يبالي ووقف يطالعه بجدية يخبره بنظراته أنه لن يفعل شيئًا خاطئًا ليصمت لأجله.
سار فاروق تاركًا الغرفة بخطوات واسعة غاضبة مقررًا ألا يصمت في ذلك الأمر بل سيفعل كل شيء حتى يجعله مستحيل.
غمغمت سما بتوتر وخوف بعدما ذهب والدها:
«جـ… جواد بابا شكله مش هيسكت باين عليه أنه مش هيوافق خالص مهما حاولنا.»
ابتسم لها بثقة لتهدأ وتطمئن عندما رأي حالتها الخائفة وأجابها باتزان:
«متخافيش، اللي عاوزه ربنا هو اللي هيحصل، اهدى بس وعاوزك ترتكز في دراستك أهم حاجة.»
ابتسمت له بهدوء وحنان فسار هو الآخر تارك الغرفة ليتركها ترتاح شاعرًا بالدماء تغلي داخل عقله من والده القاسي الحاد الطباع، الذي دومًا يتعامل معه بقسوة دون النظر لمشاعر مَن حوله.
ولج جواد الغرفة بغضب وجسد متشنج ذو عروق بارزة، فرمقته رنيم بدهشة متعجبة لحالته التي تبدلت تمامًا بعد عودته من غرفة شقيقته.
اقتربت منه بهدوء جالسة بجانبه متسائلة بتعقل:
«في إيه مالك ياجواد؟ إيه اللي زعلك كدة ما انت كنت راجع كويسة؟»
ابتسم بهدوء أمامها حتى لا يجعلها تشعر بشيء مغمغمًا بلا مبالاه:
«مفيش حاجة يا رورو متشغليش أنتي بالك بس.»
رمقته بعدم اقتناع وكادت تتحدث لتفهم ما به، لكنها وجدته يضع رأسه فوق ساقها بهدوء لينعم من حنانها واقترابها منه الدائم، بدأت تمرر يدها بين خصلات شعره بحنان متسائلة بقلق:
«جـ… جواد أنت متأكد انك كـ… كويس بجد؟ في إيه مزعلك؟»
تناول كفها طابعًا فوقه قبلة حانية بهدوء:
«متخافيش أنا كويس اهو خليكي معايا بس.»
اومأت تنفذ ما يريده بخوف من حالته، ظلت صامتة لكنها تشعر بالقلق خوفًا من أن يكون به شيء، لكنها ستتحدث معه في وقت آخر لتفهم ما به، وقبل أت يمر شيء وجدته يتحدث هو مغمغمًا بحزن:
«مش عارف هو عاوز ايه ولا بيعمل معايا كدة، دة أنا ابنه، هو في أب بيعمل كدة في ابنه.»
أجابته بحزن شديد متذكرة تطابق حديثه وأفعال والده بافعال والديها القاسية عليهما:
«في ياجواد، في أكتر من كدة بكتير، في بيرموا عيالهم ولا بيسألوا فيهم حتى، أنا أكتر واحدة مجربة.»
اعتدل في جلسته عندما شعر بدموعها التي تسيل فوق وجنتيها بحزن محتضنها مغمغمًا بحنان:
«أنا جوزك واهلك وكل حاجة ليكي، سيبك من الكل اعملي زيي، خليكي قوية زي جوزك حبيبك.»
ابتسمت لطريقته معها وسندت رأسها فوق صدره مغمغمة بشغف لتجعله ينسى كل شيء يحزنه:
«انت عارف ان انت الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي كلها، مش عاوزاك تزعل ابدا.»
صمتت لوهلة بحزن وغمغمت متسائلة بحزن ودموعها تسيل فوق وجنتيها بصمت:
«تفتكر كـ… كنت هبقى أم كويسة و.. ولا ربنا عـ… عمل كدة عشان هبقى أم وحشة.»
ابتسم بهدوء ليخفف عنها مقبلًا كفها بحنو بعد استماعه لحديثه الذي يقطع أنياط قلبه:
«والله ما في أم ولا ست في الدنيا كلها أحلى منك، دة أنا محظوظ أوي عشان ربنا جمعني بيكي.»
حديثه يجعلها تنسي كل حزنها تنسي ذاتها بأكملها تود أن تنعم باقترابه منها وحنانه عليها فقط، لم ينتظر بل اقترب بشـ فتيه طابعًا اياهم فوق خاصتها بعشق لينال من جمالها الساحر الذي يسلبه عقله، بادلته عشقه بسعادة أصبحت تحب جميع تفاصيلهم الخاصة وطريقته الدائمة معها.
***
في الصباح…
ولجت مديحة المكتب الخاص بفاروق مغمغمة بجدية غاضبة تظهر عدم رضاها ونفاذ صبرها:
«فاروق مش كفاية كدة، أنا اروى بدأت تزعل وتزهق وأنا كمان، وابنك عايش حياته مع البت دي كأنه ماصدق، لأمتى هيفضل كدة ماخلاص يرميها ونخلص.»
تنهد بجدية وعقله يفكر في أمر آخر، وغمغم يجيبها ببرود:
«هو لحق يامديحة ما تهدي شوية، هو هيزهق منها بس اصبري، بعدين لما يلاقيني عاوزه يسيبها هيتمسك بيها أكتر، لكن كدة هيزهق ويرميها من نفسه.»
مصمصت شفتيها بضيق مردفة بتهكم ساخرًا:
«اه بنتي تقعد مستنياه لغاية مايزهق وأنت مش هتدخل، بس دة مش كلامنا يافاروق ولا اتفاقنا، أنت بترجع في اتفاقك كدة ودة هيزعلنا كلنا.»
هدر باسمها بعنف حاد أخرسها مشددًا فوق حديثه، عالمًا جيدًا ماتعنيه بحديثها الماكر:
«مـديـحـة بلاش الأسلوب دة، أنتي عارفة كويس أوي أنه مش معايا، أنا فاروق الهواري اللي يقف قدامي امحيه من على وش الأرض، مينفعش تنسي كلامي لانك بتغلطي لما تنسي إنك بتتعاملي مع فاروق الهواري.»
لم تتراجع عن حديثها مثلما تفعل دومًا بل ردت عليه بجدية هي الأخرى:
«أنا منستش حاجة بس أنت بتظلم بنتي بعد ما اتفاقنا وخلصنا الاتفاق دة من زمان.»
هب واقفًا بجسد متشنج غاضب مغمغمًا بعصبية ضارية مسيطرة عليه:
«أنا مش فايق لكلامك بتاع كل شوية، أنا لسة عند كلامي وبنفذه، شوفي مين اللي منفذش كلامه بقى وبيقول كلام عالفاضي.»
قطبت مابين حاجبيها بدهشة متسائلة بعدم فهم:
«منفذتش إيه وقولته على الفاضي؟ مانا عملت كل حاجة من زمان؟»
تنهد بصعداء ناهيًا ذلك الحديث بحزم مشدد:
«أنا مش قصدي كدة، انتي مش قولتي هتبعدي سما عن موضوع الواد النصاب دة منفذتيش ليه؟ كنتي بتثبتيني؟»
ضحكت ببرود بعدما علمت مايريده مغمغمة بجدية وبرود:
«ماهي بعدت عنه اهو، بعدين انت مكبر الحوار على الفاضي دة برصاصة كان زمانه خلص.»
لازال رافضًا تلك الفكرة مغمغمًا بتعقل جاد:
«ملوش لازمة اننا نعمل حاجة زي دي، بعدين جواد كان بيسأل عنه يعني لو الواد حصله حاجة جواد هيعرف ومش هيسكت وقتها.»
ازدادت ضحكتها ساخرة بعدما طالعته بدهشة من طريقته الغير معتادة، وغمغمت متسائلة بمكر لتشعل النيران بداخله كعادتها:
«إيه يافاروق مالك شايفاك متغير، عامل حساب لجواد كدة ليه من امتى وأنت بتفكر كدة.»
أجابها بحدة وشموخ ولازالت متمسكًا برأيه بتعقل:
«دة الصح واللي لازم يحصل، مينفعش اتصرف بالسرعة دي، انتي اللي مش فاهمة وبتتعاملي بتهور من غير ما تفكري في اللي بتعمليه.»
رمقته بعدم رضا عندما رأته يقلل منها، وأجابته بغيظ غاضب:
«لأ وماله ابقى اغير طريقتي زي ما أنت عملت.»
لم يهتم بحديثها الذي بلا فائدة وسألها مردفًا بجدية ونفاذ صبر:
«سيبك من دة كله يامديحة هتعرفي تتصرفي في حوار سما زي ماقولتي ولا اشوف حل تاني.»
التمعت عينيها بشر وابتسامة ماكرة تشبهها زينت محياها مغمغمة بثقة وخبث مقررة انتهاز تلك الفرصة جيدًا:
«لا هعرف، اعتبره حصل وبعد عنها، أنا هتصرف بطريقتي احسن تلاقي جليلة هي كمان بقت واقفة معاها وتجوزها.»
لم يعقب على حديثها فرمقته بغيظ وخرجت من الغرفة متمتمة بجدية:
«خلص حوار ابنك دة بسرعة عشان أروى زعلانة.»
خرجت من الغرفة تاركة إياه يفكر بصمت لما سيفعله مع أولاده الغير متفقين معه في شيء، هما حقًا يشبهون جليلة في جميع صفاتها وحنانها وهدوءها وقلبها الطيب، هي مَن زرعت بهم جميع الصفات الجيدة بالرغم من تضادها مع صفاته تمامًا وها هو الآن معترض على أفعالهم دومًا ويحاول إفسادها.
***
بعد مرور يومين…
جلست رنيم مع جليلة متمتمة بهدوء عندما رأت معاملتها الجيدة لها في الفترة السابقة وحنانها الدائم في التعامل معها:
«انتي طيبة أوي ياطنط جليلة، جواد طالع زيك في حاجات كتير.»
احتضنتها جليلة بسعادة مربتة فوق ظهرها بحنان وأجابتها بفخر مبتسمة:
«جواد فعلا واخد كتير مني، ربنا يحفظه لينا، ومش عاوزاكي تزعلي من أي حاجة حصلت، أنا زي مامتك ولو عاوزة أي حاجة قوليلي.»
ابتسمت بارتياح غير مصدقة أنها زوجة فاروق، كيف لها أن تتزوج من شخص مثله هي تختلف عنه في كل شيء. لجواد كل الحق لتعلقه بها وخوفه الدائم عليها. ابتسمت تجيبها بهدوء:
«شكرا بجد ياطنط انتي جميلة اوي، كـ… كنت خايفة بصراحة احسن تكوني زعلانة مني عشان اللي حصل.»
ربتت فوق كفها بحنان لتطمئنها مردفة بتعقل هادئ هي الأخرى مراعية كل كلمة تتفوهها حتى لا تجرحها:
«لا ياحبيبتي طبعًا هزعل منك ليه، دة أنا محظوظة أن جواد اتجوز واحدة زيك، وبعدين دي حياتكم اعملوا فيها اللي يعجبكم، جواد مبيعرفش يسمع لأي حد مهما حصل.»
أنهت حديثها طابعة قبلة رقيقة فوق رأسها وكأنها تتحدث مع سما ابنتها، تعاملها برفق ولين تخشى أن تزعجبها بأي كلمة عالمة بشعورها جيدًا.
في تلك الأثناء أتت سما التي غمغمت بمرح عندما رأت ذلك المشهد:
«الله بقى دة الحب كله، رنيم هتاخده الواحد يغير منك، أنا مستحملة جواد بس يبقى جواد وماما.»
ضحكت رنيم مبتعدة عن جليلة بهدوء ولأول مرة تشعر بالدفء والأمان، الأطمئنان والسعادة. منذُ أن تزوجت وهي تشعر كأن حياتها تبدلت تمامًا إلى أخرى، تنال قدر من السعادة كبير لم تشعر به من قبل طيلة حياتها. هناك العديد من الأشياء الجيدة التي تبدلت في حياتها المظلمة كل شيء تبدل بوجودها مع جواد.
ظلت جالسة مع تتحدث مع والدته وشقيقته بارتياح ومرح إلى أن عاد جواد من الخارج وسار بصمت وخطوات واسعة متجهًا إلى غرفته من دون أن يفعل شيئًا. قطبت جبينها بدهشة غير عالمة مابه وغمغمت بهدوء مستأذنة منهم:
«عن أذنكم هطلع عشان اشوف جواد.»
ابتسمت جليلة باستحسان تحثها على الذهاب إليه خاصة بعد علمها بأن هناك شيئًا ما يزعج ابنها.
صعدت رنيم الغرفة وجدته يبدل ثيابه بملامح جادة تؤكد ظنها بأن هناك شيئًا ما لا يرام.
سارت مقتربة منه بهدوء محتضنه إياه من الخلف متسائلة باهتمام وقلق لأجله:
«في إيه ياجواد مالك؟ إيه اللي حصل ومزعلك كدة؟»
تنهد بصوت مرتفع مغمغمًا بجدية تامة لم تعتاد عليها منه:
«مفيش يارنيم سيبيني لوحدي دلوقتي شوية مشاكل في الشغل.»
وجدته يبتعد عنها متجاهلًا وجودها معه وجلس بصمت، طالعته بذهول متعجبة لفعلته الغير معتادة واقتربت منه مرة أخرى جالسة بجانبه واحتضنته بهدوء متسائلة:
«إيه اللي حصل ياجواد في إيه؟»
ابتسم على فعلتها بهدوء لكنه غمغم بجدية:
«مفيش شوية مشاكل في الشغل وأنا بحب ابقى لوحدي هفوق واحكيلك.»
اومأت برأسها مبتعدة عنه بهدوء لتجعله يرتاح كما يحب، وغمغمت مقترحة:
«طب تحب انزل اعملك قهوة مش أنتَ بتحب تشربها بليل واجهزلك الأكل.»
لم يرفض طلبها لانه كان يحتاجه فهمهم موافقًا بهدوء:
«ماشي بس متتأخريش اعملي القهوة بس مش عاوز حاجة تاني.»
أسرعت تنفذ طلبه منها بدقة لعلها تستطع فهم مايحدث معه ولما هو منزعج هكذا؟
صعدت مرة أخرى الغرفة بعدما انتهت من أعداد القهوة الخاصة به التي كانت تهتم بها وكأنها تفعل شيئًا مستحيلًا، متذكرة مدحه الدائم لها عندما تعدها لأجله في كل مرة.
تناولها منها بهدوء عندما رآها وبدأ يرتشفها مغمغمًا بحنان طابعًا قبلة رقيقة فوق كفها:
«تسلم ايدك بجد احلى قهوة بشربها لما تبقي انتي اللي عاملاهالي.»
ابتسمت بسعادة متطلعة أرضًا بخجل فأسرع يضمها داخل أحضانه بشغف فحاولت التخلص من خجلها الدائم متسائلة اياه بنبرة خافتة متلعثمة:
«ا.. إيه بقى كان مالك راجع متضايق اوي؟»
شدد من ضمه لها بين ذراعيه وأجابها متنهدًا بجدية:
«مفيش شوية ضغط في الشغل وشغال على قضية صعبة اليومين دول.»
ابتسمت مردفة بهدوء محاولة التخفيف عنه بعدما شعرت بكم الجهد والضغط الذي يشعر به:
«متقلقش ياحبيبي ربنا معاك.»
لم يستطلع منع ذاته خاصة وهي بين يديه، فاسرع ملتقطًا شفتيها بحنان ورغبة ملتهفة وهو كل مرة يقترب منها يشعر وكأنها مرتهما الأولى، هي قادرة على تحويل كل ما به، رؤية عينيها تفقده صوابه وعقله تمامًا، هي ساحرة تسحره كل يوم في عشقها، تحدث مغمغمًا بصوت أجش وهي تلتقط أنفاسها اللاهثة:
«هو أنا قولتلك أنك وحشاني اوي انهاردة.»
حركت رأسها نافية بخجل وأجابته بتوتر خافت:
«لـ… لا بس احنا كنا بنتكلم دلوقتي.»
ضحك بصخب ويديه تعبث في ملابسها ليحررها منهم مغمغمًا بمرح:
«لا كلام إيه دة شغل عندي، بس مفيش أحلى من الكلام دة وحياة عنيكي اللي مدوخني دول.»
رمشت بأهدابها عدة مرات بخجل مستسلمة لعشقه لها بل تبادله بشغف وعشق هي الأخرى، لتدلف معه في رحلة عاشقة سعيدة لقلبها، يكن هو المتحكم بجميع تفاصيلها بما يشاء.
***
في الصباح الباكر…
انتهزت مديحة تلك الفرصة الذهبية التي آتت إليها دون مجهود منها، وتوجهت نحو غرفة رنيم منتهزة عدم وجود أحد معها في المنزل بعد ذهاب الجميع إلى أماكن مختلفة.
وجدت مديحة رنيم لازالت نائمة غير واعية بشيء تطلعت نحوها بحقد والشر يتطاير من عينيها الملتهمة لجسدها الشبه عـ اري أمامها بكره، أسرعت مقتربة منها صافعة إياها بقوة ضارية لتجعلها تستيقظ بغل جاعلة الدماء تسيل من فمها.
فتحت رنيم عينيها متألمة بوجع واضعة يدها فوق وجنتها ولازالت لم تستجمع ما يحدث لها إلى أن آتى إليها صوت مديحة الماكر:
«إيه ياختي نايمة ولا على بالك فاكرة أنك ارتاحتي مني شكلك متعرفيش أنا مين، أنا اللي مش هتخلصي مني غير لما أخد روحك بأيدي.»
طالعتها بصدمة جمّدت جميع أطرافها وظلت ثابتة مكانها بذهول وأسرعت تغطي ذاتها بشرشف الفراش متمسكة به لتحمي ذاتها شاعرة بالخوف من نظرات مديحة المصوبة نحوها بكره، تشعر أنها كالفريسة التي سقطت إليها لتفترسها وتفعل بها ما يشاء، ستفعل هي ذلك حقًا مستغلة غياب الجميع.
حاولت رنيم الزحف إلى الخلف مبتعدة عنها لعلها تستطع الهروب من نظراتها لكن كانت مديحة تقترب منها بشر مبتسمة تطالعها بنظرات أرعبت تلك المسكينة التي لا تعلم ماذا ستفعل لتهرب.
رواية لهيب الروح الفصل السابع عشر 17 - بقلم هدير دودو
رواية لهيب الروح الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدير دودو
غمغم محسن ببرود:
- إيه ياست رنيم، انتي معايا ولا إيه؟ سكتي مرة واحدة، مكنش المتوقع يعني.
ردت عليه بصوت خافت متعجبة، خرج الحديث من فمها بصعوبة بالغة بعدما فقدت التحكم في أعصابها تمامًا:
- وإيه اللي كنت متوقعة مني بعد ما أسمع كلامك؟
ضحك ببرود واستفزاز جعلها تستشاط ويزداد غضبها، لكنه لم يبالي بكل ذلك، مغمغمًا بتبجح:
- تفرحي وتديني حقي عشان نفذت اللي عاوزاه وخلصتك منه على حسب اتفاقنا، ناقص تنفذي انتي اللي عليكي بقى.
صاحت به بغضب بعدما تخلت عن هدوئها الدائم، غير مصدقة ما يقوله:
- لا طبعًا، أنت اتجننت! أنا قولتلك لا، خلاص متنفذش، ليه عملت كدة؟ قولتلك لا، ألغي كل حاجة، وكمان كنت عاوز تحبسني وألبس أنا الموضوع.
لم يهتم بحديثها الذي بلا أهمية بالنسبة له، بل أجابها بطمع وحدة مشددة:
- بقولك إيه، كل كلامك ده ميهمنيش، أنا اللي يهمني حاجة واحدة، حقي.
تساءلت بعدم فهم بعدما قد توقف عقلها تمامًا:
- حـ... حق إيه اللي أنت عاوزه؟
ضحك بصخب بعد سؤالها الأبله، مغمغمًا بحدة وعصبية شديدة ساخرًا منها:
- حقي اللي هيبقى الضعف، حقي من ورثك بعد موت عصام، بعد ما خلصتك منه ومن عذابه، وحقي كمان من جوازك اللي بيه ضمنتي حق تاني، ولولايا مكنتيش عرفتي تتجوزي تاني، كان زمانك مرمية مع عصام بيموتك كل يوم ويحكيلنا بفخر اللي بيعمله.
أغمضت عينيها بضعف، لاعنة ذاتها على فكرتها المندفعة التي فعلتها من قبل دون تفكير في شئ، لكن الآن الأمر مختلف، من قبل كانت تكره حياتها، لا تجد ما تعيش لأجله بعد فقدانها كل شئ، لكنها الآن تعيش في حياة جديدة تود التمسك بكل ما بها والعيش فيها بسعادة بين طيات عشقه، سالت دموعها فوق وجنتيها بضعف، وغمغمت بنبرة باكية خافتة عندما وصل إلى مسامعها صوت جواد مع والدته:
- هـ... هنتكلم بعدين يامحسن، بعدين، بس متتصلش تاني، أنا هتصل بيك.
ضحك ببرود لشعوره باقترابه لتحقيق ما يريده، مغمغمًا بسخرية:
- معاكي لغاية بعد بكرة، تكوني مظبطة كل حاجة ومكلماني، غير كده متزعليش لما أجي أفضحك عشان آخد من غيرك بفلوس، لأن معايا أدلة تستاهل ضدك.
شعرت بالصدمة وارتجف جسدها بأكمله، وغمغمت بضعف بنبرة متلعثمة خائفة:
- ا... أدلة... أنت بتهددني؟ هكلمك يامحسن والله، بس اقفل دلوقتي، هكلمك، أوعى تعمل أي حاجة.
أغلقت الهاتف مسرعة خوفًا أن يدلف جواد في أي وهلة ويستمع إلى شئ، شاعرة بصدمة لا تعلم كيف تتخطاها وكيف ستتعامل مع ذلك الأمر الوخيم، وعن أي دليل ضدها يتحدث هو، هي لم تفعل شيئًا ليصبح هناك دليل ضدها، كيف ستتصرف في ذلك المأزق الذي سيفتك بروحها تمامًا؟ وماذا تفعل إذا نفذ تهديده لها؟
حاولت التوقف عن التفكير في كل ذلك، ومسحت دموعها بيد مرتعشة من هول الصدمة، محاولة إخفاء كل ما تشعر به حتى لا يشك بها ويعلم شيئًا مما تخفيه.
وجدته حقًا يدلف الغرفة من قبل أن تتخلص من أفكارها السوداء التي تضرب عقلها بشدة وتجعلها تخاف، رأته يتطلع نحوها بنظرات متعجبة، مقطب جبينه بدهشة لحالتها الغير جيدة، شعرت بنظراته، فنهضت مسرعة توليه ظهرها بتوتر وارتباك، وغمغمت بخوف على الرغم من محاولتها لإظهار الأمر له بصورة طبيعية:
- جـ... جواد، أنت جيت إمتى؟
لازالت نظراته الثابتة معلقة نحوها بعدم فهم، واقترب منها حتى أصبح يقف خلفها مباشرة، وأردف متسائلًا بهدوء وقلق لأجلها:
- لسه جاي من شوية، في حاجة، أنتِ حد عملك حاجة وأنا مش موجود؟
حركت رأسها نافية، ولازالت لم تتطلع نحوه، عالمة أنه سيكشف أمرها مسرعًا عندما يراها، وأجابته بخفوت:
- لـ... لأ، لأ ياجواد، مفيش حاجة، أنا كويسة.
جذبها من ذراعها بحنان ليجعلها تتطلع نحوه، وسألها مرة أخرى بعدم اقتناع، ظنًا منه أن أحدًا من المنزل قد أزعجها:
- في إيه يارنيم، هو إيه اللي كويسة، أنتي مش شايفة شكلك، إيه اللي حصل؟
حاولت الأفلات من قبضته فوق ذراعها، لكنها فشلت، فتطلعت أرضًا بتوتر، وغمغمت بكذب:
- مـ... مفيش ياجواد، مفيش حاجة، أنا بس تعبانة شوية مش أكتر.
ظل يرمقها بعدم اقتناع لحديثها الأبله الذي من المستحيل تصديقه، فتمتمت متلعثمة بضعف، وقد تضاعف خوفها من نظراته المثبتة نحوها:
- جـ…. جواد، أوعى، أيدك بتوجعني، قولتلك مـفيش حاجة.
ترك ذراعها مبتعدًا عنها بعض خطوات إلى الخلف، وغمغم بحنان، رافعًا وجهها إلى أعلى ليجعلها تنظر داخل عينيه وتطمئن:
- طب مين مزعلك وخايفة تحكيلي كده؟
التقطت أنفاسها بـصعداء، وعادت تتطلع أرضًا، وغمغمت بارتباك بعدما شعرت أن حصون قوتها ستنهار، تود الصراخ بضراوة، تصرخ وتقص عليه ما يحدث معها، لكن هل حقًا سيصدق حديثها؟ بالطبع لا تعلم أنه سيتخلى عنها وتهدم كل شئ بينهما، لن تتحمل أن يحدث معها هكذا، أغمضت عينيها ضاغطة فوقهما بضراوة، وغمغمت بضيق بعدما سارت بعض الخطوات مبتعدة عنه:
- جواد، لو سمحت سيبني، أنا تعبانة بس، انهاردة سيبني أنام وأرتاح، وهبقى كويسة، مفيش حاجة حصلت، متقلقش.
لازال تحت تأثير دهشته من تغيرها المباغت منذُ عودته، فعندما تركها في الصباح كانت في حالة جيدة، ماذا حدث الآن معها؟ متأكد أن هناك شيئًا حدث معها تخفيه عنه، فكرر حديثها متعجبًا بعدم اقتناع:
- تنامي! عاوزة تنامي دلوقتي؟
تطلع نحو ساعته ليظهر لها أن الوقت لم يتأخر، فهو مَن عاد اليوم مبكرًا عن عادته، فلما تود النوم الآن؟ عالمًا أنها في الحقيقة تود الهروب منه، لكن لا يعلم لماذا؟
علمت ما يشير إليه، فأومأت برأسها أمامًا، وهمهمت تجيبه بضعف ونبرة مهزوزة متوترة:
- ا… أه ياجواد، تعبانة وعاوزة أنام.
تطلع نحوها لبضع لحظات، ثم ابتعد من أمامها ليدعها تذهب إلى الفراش وتنام، وعقله يفكر في أفعالها الغير مألوفة، لا يعلم ماهو الأمر الذي حدث معها وتخفيه، ظنّ أن زوجة عمه قد أزعجتها مثلما فعلت من قبل، عقله قد انشغل في أمرها كثيرًا، وأمامه العديد من الأفكار، لا يعلم أيهم الصواب؟
بينما رنيم فقد توجهت نحو الفراش بالفعل، وأغمضت عينيها مسرعة حتى لا ترى نظراته لها التي ستكشفها، قلبها كاد يتوقف عن النبض وتفارق الحياة من الخوف لما سيفعله جواد إذا علم شيئًا عما كانت تنوي فعله.
تطلب من ربها المساعدة والوقوف معها، هي قد تراجعت عن تلك الفكرة ولم تكمل في تنفيذها مثلما كانت تريد، فلما تُعاقب الآن؟ لماذا بعد أن وجدت مَن تتمسك بالحياة لأجله وشعرت بمذاق السعادة والفرحة التي دقت باب قلبها، وضعت يدها فوق فمها محاولة كتم صوت شهقاتها حتى لا تصل إلى مسامعه ويعلم بأمر بكائها، فحينها لن يصمت ولن يتركها.
نهض جواد مقررًا التوجه نحو غرفة شقيقته ليعلم منها ما الذي حدث اليوم في غيابه، معتقدًا أن تغيرها سببه أحد ممن في المنزل.
دق الباب الخاص بغرفة شقيقته بهدوء، وسرعان ما وصل إليه صوتها الهادئ، سامحة له أن يدلف، ولج الغرفة بهدوء، لكنه تفاجأ عندما رأى ملامحها الحزينة وآثار الدموع المعلقة في عينيها، فطالعها بدهشة، لا يعلم ماذا حدث مع الجميع اليوم؟ وأسرع مقتربًا جالسًا بجانبها، مغمغمًا بهدوء واهتمام شديد:
- في إيه، مالك، أنتي زعلانة ليه ومعيطة كمان، إيه اللي حصل؟
حاولت أن تعطيه سببًا كاذبًا حتى لا ينزعج، وأجابته بهدوء:
- مـفيش حاجة ياجواد، أنا بس متضايقة عادي، أنتَ محتاج حاجة ياحبيبي.
شعر بالعصبية من إجابتها هي الأخرى المطابقة لإجابة رنيم، فغمغم بجدية وضيق:
- هو إيه اللي مفيش حاجة، مانتي زعلانة اهو وبتعيطي كمان، كل ما أسأل حد يقولي مفيش حاجة، بعدين من امتى بتخبي على جواد أخوكي حبيبك.
تعجبت من حديثه، لكنها اجابته بهدوء:
- مـ.. مفيش حاجة ياجواد، متشغلش بالك ياحبيبي، أنا كويسة.
اقترح سببًا لحزنها بجدية وحزم، وقد اعتدل في جلسته أمامها:
- أنتي بتكلمي خالد ده لسه، وهو اللي مزعلك كده؟
أسرعت تحرك رأسها نافية، وغمغمت بصدق:
- لا والله ياجواد مش بكلمه من ساعة ما قولتلي لأ، وهو كمان محترم رغبتي، أنا زعلانة عشان بابا.
رمقها بعدم فهم، وسألها باهتمام وضيق من طريقة والده التي لن تتغير مع الجميع:
- ماله فاروق بيه الهواري، عمل إيه تاني؟
تنهدت بصوت مرتفع، وغمغمت تجيبه بتوتر وحزن:
- كـ… كنت طالبة منه أغير عربيتي من فترة، قالي إن الشغل مش متظبط معاه وهيشوف الموضوع ده بعدين وهيجيبهالي من نفسه، قولت ماشي، جت أروى كلمته على عربية أغلى من بتاعتي كمان، وفضلت تقنعه هي وطنط مديحة، راح جابها ليها، عشان كده زعلانة، محسسني إنّي مش مهمة ومش فارقاله.
احتضنها بحنان، مربتًا فوق ظهرها محاولًا التخفيف عنها، عالمًا شعورها من فعلة والده الخاطئة في حقها، وتحدث بحنان وتعقل:
- بس كده، ده اللي مزعلك ومخلي الأميرة بتاعت عيلة الهواري كلها تعيط؟ اعتبري أحدث عربية عندك من الصبح، وكنتي قوليلي من وقتها، كنت هجيبهالك، ولا تزعلي نفسك وتعيطي.
ابتسمت بسعادة لحنانه عليها، وأجابته بتوتر، محاولة شرح الأمر حتى لا يفهمها خطأ:
- أ… أنا والله ياجواد مش زعلانة إن أروى جابت، لا، أنا بس زعلت عشان طلبت منه من الأول وهو مجابليش، وهي لما طلبت جابلها على طول، لكن مش قصدي حاجة تاني.
طبع قبلة رقيقة فوق جبهتها بعدما فهم ما تود أن توصله له، وغمغم بجدية:
- عارف ياحبيبتي، بعد كده شوفي اللي انتي عاوزاه وقوليلي فورًا.
ابتسمت بسعادة شاكرة ربها على وجود شقيق مثله في حياتها، وتحدثت مردفة بحنان:
- ربنا يخليك ليا ياجواد، ومتحرمش منك.
شدد من احتضانه لها، وسألها بجدية هادئة بعدما تذكر الأمر الذي جاء من أجله:
- صحيح يا سما، هو في حد زعل رنيم النهارده ولا قالها حاجة تضايقها؟
شعرت بالدهشة من سؤاله، وحاولت التذكر أن كان حدث لها شيئًا على مدار يومها، ثم أجابته نافية:
- لأ ياجواد، محدش اتكلم معاها، هي منزلتش غير خمس دقايق تشوف ماما، وباقي اليوم فضلت في أوضتها.
ازدادت دهشته في الأمر بعد جواب شقيقته الغير متوقع، وكرر سؤاله بطريقة تزداد دقة:
- يعني محدش اتعامل معاها ولا بابا ولا أروى ولا مرات عمك.
ابتسمت من طريقته المهتمة بزوجته بضراوة، وأجابته بنفس الإجابة:
- لا والله ياجواد، محدش كلمها، هي أصلًا منزلتش غير لماما بس، حتى بابا مش موجود طول اليوم.
وجدته صمت، وعقله يفكر في الأمر بحيرة شديدة، فغمزت له بعينيها بمرح:
- مالك ياجواد؟ هو إيه اللي حصل؟ احكيلي، أساعدك، شاغل بالك جامد كده ليه.
ضربها بخفة فوق رأسها، وأخبرها الأمر مسرعًا دون تفاصيل:
- مفيش، بس رجعت لقيت رنيم متغيرة وزعلانة، وبسألها مالك، عمالة تقول مفيش، بفكر مالها دي، قولت يمكن حد من البيت زعلها.
ضحكت بسعادة وواصلت مزحها معه:
- أيوه بقى، جت اللي تلفف جواد باشا حوالين نفسه وتخليه محتار جامد كده.
شاركها الضحك، وغمغم بنبرة عاشقة، وقد تجمع في عقله صورة رنيم، العاشق لها حقًا:
- والله دي ملففاني من زمان يا سما، موقعة أخوكي وقعة صح فيها، بس مش عارف في إيه النهارده، أنا واثق أن في حاجة.
حاولت أن تشاركه تفكيره، وهتفت مقترحة بعد تفكير:
- مش يمكن ياجواد، حد من أهلها كلمها أو وحشوها، يعني أنا عارفة إن علاقتها بيهم مش كويسة، فزعلت بسبب كده ومش عارفة تحكيلك.
حاول أن يقنع ذاته بحديث شقيقته، بالرغم من علمه أنه خاطئ، لكنه غمغم بجدية، مربتًا فوق كتفها:
- ممكن برضه، بس كفاية كلام كده، ويلا عشان تنامي، بكرة في جامعة.
همهمت تجيبه بهدوء، بينما هو سار نحو الخارج، عاد مرة أخرى إلى غرفته، ووجد رنيم نائمة بالفعل، بعدما فعلتها بصعوبة لتتحرر من أفكارها التي تجعل قلبها يهوى بداخلها، وقف لعدة لحظات متأملًا إياها بجمالها الساحر له الذي يجذبه نحوها عنوة عنه، بشرتها البيضاء الصافية وخصلات شعرها البنية المتناثرة حولها، شفتيها التي تجذبه دومًا، عينيها بالرغم من غلقها لهما، لكنه لم يستطع نسيانهما، هو أمام عينيها ينسى عالمه بأكمله، ينسى مَن هو؟ وما اسمه؟ وكأن عقله قد توقف تمامًا بعد رؤيتها، هو حقًا عاشق لها.
❈-❈-❈
بعد منتصف الليل...
كانت جليلة لازالت تجلس تنتظر عودة فاروق بملامح وجه حادة غاضبة، وعقلها يصور لها بعض الأفكار الغير جيدة، وحديث مديحة السام يرن داخل أذنيها كأنه قيل للتو.
وجدته قد عاد، ولج الغرفة بخطوات شامخة يملأها الثقة كعادته، لكنها لم تنتظر ليجلس، بل نهضت تقف قبالته، وغمغمت بجدية حادة تلك المرة:
- كويس إنك رجعت، أنت قاعدة مستنياك عشان أتكلم معاك يافاروق، المرة دي كفاية سكوت لغاية كده.
لم يفهم معنى حديثها وطريقتها الحادة معه التي لم تتعامل بها من قبل، وجلس ببرود متسائلًا بعدها بجدية ولهجة مشددة كعادته لينهي أي حديث لم يعجبه:
- في إيه ياجليلة، هو إيه الجنان اللي بتقوليه ده؟ سكوت إيه، ما تتكلمي.
علمت أنه يريد أن ينهي حديثها، لكنها لن تنهيه، بل أجابته بحدة وغضب:
- هتكلم يا فاروق، هتكلم، وهيبقى ليا حق طول ما أنت بجد بتسمع كلمتها زي ما قالت، وكلنا ماشيين برأيها وكلامها من غير مانحس.
ادّعى عدم الفهم من حديثها، وغمغم متسائلًا هو الآخر بنبرة تزداد حدة وغضب:
- كلام إيه وكلمة مين؟ أنا امتى بسمع لحد ياجليلة، ماتعدلي كلامك عشان أفهم، في إيه لكل ده.
تطلعت داخل عينيه بنظرات مشتعلة، يتوهجها الغضب، وأجابته بغضب على عكس طبيعتها معه الدائمة:
- لا يافاروق، عندها هي بالذات، وبتنفذ كلامها دايما اللي مديحة عاوزاه وبتقوله بيحصل، ليه كل ده، فهمني.
صاح بها بحدة وعصبية جنونية، وقد تخلى عن بروده بعد استماعه لحديثها الذي لا يعلم من أين توصلت إليه:
- أفهمك إيه، انتي اتجننتي، ماتعقلي كده وبلاش جنان، هو إيه اللي بتقوليه ده، جايياه منين.
لم تهتز تلك المرة وتتراجع عن حديثها، بل أجابته بضيق غاضب:
- تقدر تفهمني، ليه جبت لأروى العربية بعد ما مديحة كلمتك؟ ده أنت قولت لسما بنتك إنك مش فاضي دلوقتي، مديحة قالت إنها هتخليك تجيبها عشان بتسمع كلامها يافاروق، وجبتها فعلاً بعد كلامك معاها.
قد وضحت له الرؤية كاملة، عالمًا لماذا أصرت عليه بتلك الطريقة وجعلته يحضرها لأروى سريعًا، يعلم كم هي ماكرة، جعلت الأمر يصل لجليلة بالصورة التي تريدها لتظهر الأمر بطريقة خبيثة، وقد نجحت في فعلها حقًا، عالمًا مدى غضب جليلة من الأمر الذي سيحاول إنهاءه بطريقته الحادة المعتادة لتصمت وتتوقف عن تفكيرها في حديث مديحة السام الذي سيسيطر عليها، فيجب إنهاءه تمامًا قبل أن يصل بها الأمر نحو جهة أخرى.
حاول التمسك في انفعالاته أمامها، وغمغم بجدية، مشددًا فوق كل حرف يتفوهه أمامها:
- بسمع كلام مين ياجليلة، ماتفوقي لكلامك ده، أنا فاروق الهواري، محدش يقدر يقف قصادي، انتي واعية للي بتقوليه.
لم تقتنع بحديثه، بل أصرت إلى استكمال حديثها إلى النهاية، فتمتمت بضيق مكررة سؤالها بنبرة تزداد وضوحًا تبرز جيدًا ما تشعر به وما يدور داخل عقلها:
- أه واعية للي بقوله يافاروق، لو زي ما بتقول فعلاً، ليه جبت العربية لأروى لما مديحة قالتلك.
رمقه بنظرات مشتعلة بالغضب، معلنًا غضبه الشديد من حديثها الذي لم يأتِ يومًا في ذهنه أن تقوله، وأجابها بثبات وثقة تامة:
- جبتلها العربية عشان بعوضها عن عملة ابنك اللي مدلعاه، وكمان موت عصام أخوها، البنت نفسيتها بايظة على الآخر بسبب ابنك، قولت أعوضها شوية، غلطت ياجليلة.
لم تعقب على حديثه، وهمهمت بجدية، ولازال شعور الغضب يعصف بها:
- لا مغلطتش، بس خلاص، أعتقد إن هما بقوا كويسين، يقدروا يرجعوا بيتهم.
طالعها بذهول متعجبًا حديثها، وصاح بها بعصبية حازمة:
- انتي اتجننتي بجد، ماتعقلي، كلامك هو إيه اللي يروحوا بيتهم، دي مرات أخويا وبنت أخويا، أسيبهم لوحدهم إزاي.
أسرعت تشرح له الأمر بضيق كما ترى، نافية حديثه، بل توضح ما يحدث منهم:
- لا متجننتش، بس تعبت، مش عارفة آخد راحتي في بيتي زي ما متعودة، مديحة بتتصرف بطريقتها، وأنا تعبت، مش هستحمل كده.
فهم على الفور أن مديحة قد فعلت لها شيئًا جعلها تغضب هكذا، عالمًا جيدًا أن جليلة لم تفعل ذلك ولن تقول ذلك الحديث من دون شيئ.
وقف أمامها بشموخ بنظرات غاضبة مشتعلة، وغمغم بحدة ولهجة حازمة، مشددًا فوق كل حرف بتفوهه:
- جليلة، اقفلي كلامك ده خالص وانسيه، عشان عمره ما هيحصل، مينفعش خالص أسيبهم لوحدهم، انتي عاوزة الناس تتكلم علينا، وهكلم مديحة، متتدخلش في حاجة تاني.
علمت أنه لن ينفذ ما تريده بعد استماعها لحديثه، فغمغمت بضيق هي الأخرى:
- خلاص يافاروق، يبقى أمشي أنا وبراحتك، طالما زعلان أوي كده وشايف إنّي بقول حاجة صعبة.
قام بالضغط فوق ذراعها بقوة، بعدما قد وصل لأعلى ذروة في غضبه، وهدر بها بعنف ووحدة أخرستها:
- مش بقولك اتجننتي على الآخر، تمشي فين؟ ما قولت خلاص، هكلمها ومش هتدخل في حاجة، عاملة حوار ليه تاني.
ثبتت نظراتها المليئة بالحزن وعدم رضا، وعقبت بجدية، ولازالت لم تصمت كما يريد:
- وتقولها كمان، ملهاش دعوة برنيم مرات جواد، كفاية اللي هي بتعمله لغاية كده.
تركها وصاح بغضب، ضاربًا سطح المنضدة بقوة ضارية، والغضب ملأ أوداجه بضراوة:
- أه، يعني الحوار مش على العربية، ولا عشان بتتدخل ومتضايقة، لا، الحوار كله عشان رنيم وابنك بقى.
تطلعت أمامها بغضب، وعادت إلى الخلف خوفًا من غضبه الشديد، وتمتمت بجدية هادئة تشرح له الأمر لتجعله يهدأ قليلًا:
- لا مش عشان رنيم ولا جواد، بس ده من ضمن الحاجات اللي بتضايقني، وعاوزاك تقولها عليها كمان.
لم يرد عليها، بل رمقها لبضع لحظات بنظرات تزداد غضبًا عن كل مرة تراه بها، مما جعلها تشعر بالخوف قليلًا من رد فعله عليها، لكنها حاولت أن تدّعي الثبات، حتى تركها وخرج من الغرفة بخطوات واسعة، يملأها الغضب، تركها خلفه لازالت تفكر، شاعرة بعدم الاطمئنان، بعدما قد دلف الشك قلبها، أصبحت تتذكر عدة مواقف جمعتهم وتحللها بطريقة غير جيدة، تفكر فقط وعقلها في كل مرة يخبرها بعدم الاطمئنان لمديحة وأفعالها.
لم ينكر فاروق هو الآخر غضبه من مديحة وأفعالها التي ستنتهي بمعرفة جليلة للحقيقة الغير ظاهرة، والتي يفعل المستحيل من أجل إخفائها، عالمًا الآن ما يدور داخل عقل زوجته من أفكار سامة يجب محيها والتخلص منها، متوعدًا لمديحة المتسببة في كل ذلك الآن، مقررًا عدم ترك الأمر حتى لا تكرره مرة أخرى وينكشف من خلالها ما عاش طوال حياته يخفيه عن الجميع بمساعدتها.
❈-❈-❈
في الصباح…
اقتحم فاروق غرفة مديحة بغضب عارم ووجه مكهفر، مما جعلها تنتفض، مطالبة إياه بذهول وعلامات التوتر تبدو فوق قسمات وجهها، تمتمت متسائلة بنبرة متلعثمة وعدم فهم:
- ا… إيه يافاروق، في إيه؟
لم يرد عليها، بل استكمل خطواته نحوها ليقف قبالتها بالتحديد، وغمغم بقسوة حادة:
- انتي عارفة في إيه كويس أوي، بقولك إيه يامديحة، طريقتي أنا عارفها كويس، بس عند جليلة تقفي وتعدلي نفسك.
شعرت بالغضب هي الأخرى بعد حديثه بتلك الطريقة عنها وعن جليلة أمامها، فصاحت هي الأخرى أمامه بغضب:
- ماتعدل أنت كلامك يافاروق، ولا هي السنيورة بتاعتك مسخناك عليا وأنت ماشي وراها؟ أنا مجيتش جنبها أصلاً.
هدر بها بعنف حاد، ضاغطًا فوق كل حرف يتفوهه، مطالعها بنظرات مشتعلة والشرر يتطاير من عينيه:
- مـديـحـة… اتعدلي أحسنلك، وكلامك عن جليلة يتعدل، ومتتكلميش معاها في أي حاجة متخصكيش، وبالنسبة لأن فاروق بيسمعلك دي ليها حساب تاني، مش هتيجي في الآخر واحدة زيك تهد كل اللي بعمله.
أجابته بحدة هي الأخرى، حدة تحمل بين طياتها بعض التهديد، ووقفت أمامه بتحدٍ صارم:
- كل حاجة بتعملها أنا اللي مساعداك فيها، ولو عاوزة أهدها فعلاً ههدها، وأنت عارف إنّي أقدر، معنديش حاجة أخاف منها ولا أخاف عليها، بس أنت عندك.
فهم جيدًا معنى حديثها وتهديدها له، الذي جعل غضبه منها يزداد، أصدر هديرًا حادًا غاضبًا، فصاح بها بعنف:
- مش أنا اللي هتهدد يامديحة، أنا معوضك عن اللي حصل وزيادة، لكن متنسيش نفسك معايا والزمي حدودك، لو طريقتي معاكي نستك مين هو فاروق الهواري، فلازم تفتكري دلوقتي.
رمقته بعدم رضا، وسألته بضيق متعجبة طريقته التي تحولت معها حقًا:
- كل ده ليه، بتعمل كل ده دلوقتي عشانها!
أومأ برأسه أمامًا، مؤكدًا حديثها ببرود ولا مبالاة لنظراتها المعلقة عليه:
- أه عشانها يامديحة، ومستعد أعمل أي حاجة غير كده عشانها، وانتي من زمان عارفة كده، كله عندي إلا جليلة.
شعرت بالغيظ والغيرة من حديثه الذي يفضلها فيه عن الجميع، فغمغمت بغضب:
- ولما هي عندك كده، مكنتش عارف قيمتها ليه؟ زمان عرفتها دلوقتي.
أجابها بصرامة حازمة، مصححًا لها حديثها:
- أنا عارف قيمتها من زمان أوي، وأنتي أكتر واحدة عارفة كده، زي ما عارفة برضو اللي حصل زمان كان سببه إيه.
رمقته بغيظ، وتبادله نظراته المثبتة نحوها، فقابلها بلامبالاه، وغمغم بنبرة تحذيرية حادة:
- ابعدي عن جليلة بالذات، بتعملي كل اللي عاوزاه، بس تيجي عندها وتقفي، عشان ده مش من مصلحتك، لأنك عمرك ما هتعرفي تكسبيها.
لم ينتظر ردها الذي لن يهمه، وسار متوجهًا نحو الخارج بلا مبالاه، كأنه لن يفعل شيئًا، لكن بداخله يعصف به بركان من الغضب من حديثه مع مديحة، التي ذكرته مباشرة بما فعله، الحقيقة التي دومًا يحاول أن يمحيها من ذاكرته وحياته بأكملها، عالمًا أن مهما فعل لن تُمحى مثلما يريد، لكنه يحاول بقدر المستطاع إخفاءها عن الجميع، وبخاصة زوجته التي لن يستطع الابتعاد عنها حقًا، هي ستظل الأهم في حياته.
❈-❈-❈
استيقظ جواد من نومه الذي حصل عليه بصعوبة شديدة بعد انغماسه في التفكير الشديد لأمر رنيم، مود معرفة ما بها؟ ولما هي هكذا!! ماذا يزعجها؟ هو يهتم بشدة لأمرها، لكنه تفاجأ بها تدّعي النوم مسرعة عندما شعرت به يستيقظ، فسرعان ماتحولت ملامحه إلى أخرى غاضبة حادة بعد فعلتها، فأردف بسخرية لاذعة تحمل حدة وصرامة مشددة:
- نايمة انتي كده والمفروض أصدق؟
لم تستطع أن تكمل فيما تفعله، فسرعان ما فتحت عينيها ببطء وخوف، متمتمة بنبرة متلعثمة يملأها التوتر والخوف:
- لـ…. لأ مش كده، أنا صـ… صاحية، بس حاسة إنّي تعبانة كمان شوية، فقولت أنام تاني، أ… أنت عاوز حاجة مني؟
لم يعجبه حديثها المتاكد من كذبه، لكنه حاول أن يتمسك بهدوئه معها ليحثها على التحدث وفهم ما بها:
- محتاج بس أعرف، في إيه مالك، إيه اللي تاعبك كده من امبارح.
التف نحوها ليستطع أن يرى ما بها ويجعلها تطمئن عندما تراه، لكنها وقام باحتضانها بحنان، مربتًا فوق ظهرها:
- قولتيلي مالك بقى، إيه اللي مزعلك جامد كده من امبارح.
أشاحت بصرها مبتعدة عن نظراته المثبتة عليها، وغمغمت بتوتر مرتبكة:
- مـ.. مفيش ياجواد، في إيه، هو أنا في تحقيق ولا إيه، أنا قولتلك من امبارح إن مفيش حاجة.
شعر بالدهشة متعجبًا من طريقتها الحادة معه، فاعتدل في جلسته أمامها ليصبح قبالتها مباشرة، وغمغم بحدة مشددة:
- هو في إيه لكل ده، مين قال إنك في تحقيق؟ انتي مراتي ومن حقي أفهم، في إيه مالك؟ محققتش معاكي، بس انتي فعلاً متغيرة من امبارح، وأنا عاوز أعرف إيه اللي حصل لكل ده؟
أجابته بتوتر جاهدت إخفاءه عنه، لكنها حمقاء، فهو يعلم جميع تغيراتها وما الذي تريد أن تخفيه، فقط ينقصه أن يعلم ما هو الشيء الذي جعلها تتحول فجأة:
- مفيش حاجة تستاهل كل ده ياجواد، تعبانة شوية وعاوزة أرتاح.
ظل لفترة طويلة مثبت بصره عليها، مرسلًا لها نظرات مشتعلة غاضبة، ونهض من جانبها بغضب متوجهًا نحو المرحاض، صافعًا الباب خلفه بغضب.
بينما رنيم ظلت متسمرة في مكانها بحزن، شاعرة أن قلبها سيتوقف من فرط الخوف بعد مهاتفة محسن لها التي جعلت حياتها تنقلب رأسًا على عقب، لا تعلم كيف ستحل تلك المشكلة الكبيرة التي سقطت بها وكيف ستخرج وتنقذ ذاتها من ذلك المأزق التي وُضعت فيه؟ تشعر أن عقلها سينفجر من فرط التفكير والخوف المتواجد داخلها، تخشى معرفة جواد وابتعاده عنها، حاولت أن تهرب بالنوم مثلما فعلت أمس لتهرب من نظراته التي تشعر أنها ستكشف أمرها، فلم تجد حلًا أمامها سوى الهروب حتى يذهب لتستطيع وجود حل تساعد به ذاتها لإنهاء الأمر.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين…
ولج فاروق الغرفة حيث توجد جليلة، فهو قد عاد مبكرًا عن عادته لأجلها، جلس بجانبها بهدوء، وجدها لم تتطلع نحوه، تجلس كما هي في صمت، كأنه لم يدلف، فأسرع يتحدث بحنان وجدية شارحًا لها الأمر:
- حقك عليا، متزعليش، والله عملت كده عشان خاطر أروى مش عشان حاجة تانية زي ما أنتي فاهمة، أنا كلمتها وعرفتها حدودها هنا كويس.
ظلت كما هي صامتة، فأسرع متناولًا كفها، طابعًا فوقه قبلة عاشقة شغوفة، معتذرًا لها بهدوء:
- متزعليش طيب، شوفي اللي عاوزاه هعملهولك، بس متفضليش زعلانة كده، هو أنا عندي أغلى منك.
ارتسم فوق وجهها ابتسامة هادئة حنونة تفعلها دومًا، وتمتمت بتعقل مجيبة إياه:
- أنت عارف إن أنا مش عاوزة حاجة وبسكت كتير على كل اللي بيحصل، بس فعلاً هي كانت اتخطت حدودها بطريقة مش لطيفة، أنا مش عاوزة حاجة غير إنك تكون كويس، أنت وجواد وسما، ميهمنيش غير سعادتكم.
جذبها داخل حضنه في حنان، محتضنها بشغف، مقبلًا رأسها بحنان، طريقة خاصة به لن تظهر سوى معها:
- واحنا كلنا منقدرش نستغنى عنك، أولهم أنا، وانتي عارفة كده كويس.
سندت رأسها فوق صدره بحنان، شاعرة بالارتياح لوجوده معها وهدوئه الذي لم يتكرر كثيرًا، وتمتمت بجدية هادئة:
- ولا أنا أقدر أبعد عنك لحظة، والله، مش نفسي بس غير في حاجة واحدة، أنت وجواد تبقـ…
قطع حديثها الذي سيأخذ منحنى آخر لا يريده هو حتى لا يفسد جلستهم الهادئة، فأردف بجدية:
- بعدين ياجليلة، بلاش كلام دلوقتي، سيبيها لظروفها أحسن.
طالعته بعدم رضا، حاولت ألا تظهره حتى لا ينزعج، ومؤمأة برأسها أمامًا، تمتمت معقبة:
- ليه يافاروق؟ ده ابنك، عمر ما حد هيخاف عليك زيه، والله، ولا حد هيخاف عليه قدك، بس الفكرة إن أفكاركم مش متفقة مع بعض.
تطلع بعيدًا عنها قليلًا، وربت فوق ظهرها بحنان:
- بلاش كلام دلوقتي، عشان أنا عاوز أصالحك، كنت قاعد اليومين دول والله حاسس إن يومي كله ناقص من غيرك.
شعرت بالسعادة والرضا من حديثه، بالرغم من أنه لا يتحدث هكذا معها كثيرًا، لكنها عالمة جيدًا بمدى حبه الشديد لها وتفضيله لها عن الجميع، دومًا يؤكد لها ذلك في أفعاله.
❈-❈-❈
تطلعت رنيم نحو هاتفها الذي لم يتوقف لحظة واحدة، محسن يكرر اتصاله عليها من أرقام مختلفة، فهو قد تركها المدة التي حددتها له، وهي لم تتصل عليه إلى الآن، هي خائفة من التحدث معه، خائفة مما سيقوله لها عندما تهاتفه، رمقها جواد بدهشة متعجب تجاهلها لرنين هاتفها المتواصل، فغمغم متسائلًا بخشونة وجدية تامة:
- شوفي موبايلك، هو مين اللي بيتصل كتير كده.
شعرت بالتوتر، وقد هربت الدماء من جسدها بأكمله، وتمتمت بخوف مترددة في حديثها الذي خرج من فاهها بصعوبة، شاعرة بثقل كبير فوق قلبها:
- مـ…. مفيش… مفيش حد مهم عادي.
علم بمهارته ودهاء أنها تخفي شيئًا عنه، فنهض بمكر متوجهًا نحو الشرفة الخاصة بالغرفة، مدّعي إنشغاله في أمر هام أمامه.
اسرعت ملتقطة هاتفها، مستغلة عدم وجوده معها، مقررة أن تغلقه تمامًا ليطمئن قلبها قليلًا، لكنها فكرت أن ظنون جواد ستزداد حولها أكثر بعد تصرفاتها المريبة الحمقاء التي تحدث نتيجة ضغط متواصل عليها.
لم تجد حلًا سوى أن تجيب عليه وتترجاه ألا يكرر اتصاله الآن، التفتت حولها بتوتر للتتأكد من عدم وجود جواد حولها وأنه لازال في الداخل، بقلب سيتوقف من سرعة ضرباته الخائفة، وأجابت عليه بنبرة مرتعشة خائفة:
- ا… الو، يامحسن، عاوز إيه دلوقتي؟ مينفعش تتصل دلوقتي خالص، اقفل وهكلمك أنا والله.
أجابها الآخر متبجحًا بسخرية ووقاحة:
- لا والله ياست رنيم، كان في منه وخلص، مش هياكل معايا الكلام ده تاني، أنا استنيتك واديتك فرصة وخلصتيها، كده جه دور حقي اللي مش هسكت عنه.
سالت دموعها فوق وجنتيها بضعف، متمتمة بنبرة باكية مرتعشة متوسلة إليه بخفوت:
- مـ… محسن، والله هكلمك بكرة، بس اقفل دلوقتي، جواد موجود، مينفعش نتكلم، هكلمك بعدين صدقني، لو متكلمتش وقتها، اعمل اللي يعجبك.
التمعت فكرة أخرى خبيثة تضرب عقله، فهتف بمكر بعدما ضغط فوق شفتيه الرفيعة بتفكير:
- لو هستنى، يبقى الوضع هيختلف، وقتها تجيلي بيتي.
أسرعت مغمغمة باعتراض رافضة حديثه بخوف:
- لـ… لا طبعًا، أنت بتقول إيه، استنى وهكلمك أنا.
اعتلت صوت ضحكاته في الهاتف بطريقة مقززة، وغمغم ببرود وتهكم ليبتزها وينجح في الضغط عليها:
- مفيش بعدين، طالما كده، أنا مستنيكي تحت البيت عشر دقايق، لو منزلتيش هطلع وأحكي للكل وبالدليل، ونروح في داهية مع بعض، أنا مش باقي على حاجة.
شعرت بالصاعقة، جمّدت أطراف جسدها تمامًا، أغمضت عينيها متمنية موتها تمامًا لترتاح مما تعيشه الآن، وتمتمت تكرر حديثه بضعف خافت:
- تـ… تحت البيت، إزاي، ا… أنا مش هينفع أنزل أقابلك دلوقتي، خـ… خالص، جـ.. جواد هنا، والله هقابلك بعدين لما يمشي.
وجدت صوت جواد يصدح من خلفها، مغمغمًا بحدة قاسية والشرر يتطاير من عينيه بغضب، بعدما قد برزت عروقه، شاعرًا بنيران تزداد اشتعالًا بداخله:
- مين ده اللي عاوزة تقابليه من ورايا بعدين..
سقط الهاتف من يديها من هول الصدمة، شاعرة بأنفاسها تُسلب منها عنوة عنها، وكأن الهواء حولها قد نفذ، منكمشة على ذاتها برعب، بعدما رأت نظراته الحادة المصوبة نحوها، نظراته التي لم تراها من قبل مثبتة عليها، وكأنه سيفعلها حقًا ويقوم بقتلها…
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
يتبع…
رواية لهيب الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هدير دودو
وقفت رنيم متطلعة نحو جواد بأعين متّسعة من هول الصدمة وضربات قلبها تتسارع وكأنه سيتوقف.
تركت هاتفها الذي سقط فوق الفراش.
كرر سؤاله لها مرة أخرى بنبرة تزداد غضبًا:
- مقولتليش مين ده يا رنيم اللي عاوزة تقابليه من ورايا انطق.
انطقيتخلت عن صمتها الذي طال وأجابته بنبرة ضعيفة خافتة لا تعلم كيف خرجت من شفتيها بعد هذا الضغط الشاعرة به متحاشية النظر في عينيه التي تود إفتراسها بغضب عارم:
- مـ… مفيش يا جواد د… ده.
قطعها صائحًا بغضب حاد مُشددًا فوق حديثه الذي يعكس مدى الغضب الذي يعصف بداخله بعد استماعه لحديثها الذي أكد ظنونه حولها:
- ده إيه ما تتكلمي يا رنيم مين دة؟
التقطت أنفاسها بصعداء محاولة السيطرة على ذاتها قليلًا لتستطع الرد عليه وإيجاد حل للهروب من ذلك المأزق التي سقطت فيه، فتمتمت بتوتر بعدما وجدت حل لا تعلم كيف توصل عقلها إليه حتى تتخلص من سؤاله:
- د… ده صاحب أخويا محمد كـ… كان جاي يقولي أنه محتاج فلوس وباعته ليا وأنا مش عـ… عارفة أعمل إيه معاه.
طالت نظراته نحوها ثم أسرع يحتضنها بحنان عندما شعر حرجها وخجلها مغمغمًا بحنان رافعًا وجهها إلى أعلى ليجعلها تنظر داخل عينيه يود إخبارها أنه لا يجعلها تخجل منه هي زوجته وجميع طلباتها واجب عليه:
- أنتي زعلانة عشان كده بقالك يومين وعاملة ده كله.
أيدت حديثه مسرعة بعدما علمت أنه صدق ما تفوهت به فتمتمت بحزن لكذبها عليه:
- أ… أيوة يا جواد كنت م… مكسوفة عشان اللي حصل ومش عارفة أعمل إيه ولا أساعده إزاي.
أسرع مربتًا فوق ظهرها بحنان ليقلل من توترها الشديد الذي شعر به، وعقّب مغمغمًا بتعقل هادئًا:
- أنتي غلطانة كان المفروض تقوليلي طبعًا يا رنيم أنا جوزك يا حبيبتي وأي حاجة محتاجاها هتبقى عندك طبعًا.
اومأت برأسها أمامًا بصمت غير راضية لكذبها عليه لم تعتاد على فعل هكذا معه، تود إنهاء الأمر تمامًا وتخبره بكل شيء يحدث معها وتبتعد عنه تاركة حياتها تمامًا.
وجدته يحضر حفنة من المال يعطيها لها معقبًا بجدية:
- تعالي يلا ننزل عشان نديله الفلوس دي ولينا كلام تاني بعدين.
شعرت بالخوف عندما أخبرها أنه سينزل معها لمقابلة محسن، تشعر أن قلبها سيهوى داخلها من ضراوة الخوف، لا تعلم هل سيصمت محسن أو يكشف كذبها أم سيقص له الأمر بأكمله، كانت تتمنى لو أنها تمتلك بعض الشجاعة لتقص له الامر منذُ البداية لكنها تخشى رد فعله عندما يعلم.
فأردفت بتوتر:
- أ… أنت هتنزل معايا ليه؟ خليك وأنا هنزل لوحدي.
رمقه بنظرات حادة أخرستها تمامًا عن ذلك الحديث الأبله مردفًا بحدة حازمة:
- يلا يا رنيم ننزل أو ممكن أنزل أنا لوحدي وخليكي أنتي.
حركت رأسها نافية برعب وغمغمت بخوف بدا في نبرة صوتها بوضوح:
- لـ… لأ لأ طبعًا يا جواد لازم أنزل معاك مينفعش تنزل لوحدك يلا ننزل.
رمقها بعدم ارتياح لكنه سار معها إلى أسفل.
ظلت تلتف حولها حتى تراه وتستطع الوصول إلى مكانه لكنها فشلت، ظنت أنه ذهب فعادت مرة أخرى بجانب جواد وأردفت بتوتر:
- ش… شكله مشي يا جواد خلاص سيبه يلا نطلع.
لم يهتم لحديثها فظل كما هو كأنه لم يستمع إليها وتحدث بنبرة آمرة جادة:
- هاتي موبايلك أتصل بيه نشوف هو فين.
تمسكت بقوة فوق هاتفها كأنه سيأخذه عنوة عنها وأسرعت تتصل هي على محسن داعية ربها أن تجده ذهب.
سرعان ما رأته يرد عليها بسخرية لاذعة:
- ايه ياست رنيم فكرتي في كلامي كويس واتعقل بالسرعة دي كان لازمته ايه من الأول تعمل كـ..
تمتمت هي مسرعة تقاطع حديثه ليصمت خوفًا من استماع جواد لشيء من ذلك الأحمق:
- أ… أنت فين قرب شوية على البيت أنا وجواد مستنينك عشان تاخد الفلوس.
شعر محسن بالذهول متعجبًا من حديثها بعد ذكر اسم جواد فيه، هل قامت بسرد الأمر له ليساعدها؟ ظل يفكر في حديثها شاعرًا بعدم الاطمئنان فتمتم متسائلًا بعدم فهم متبجحًا بها كعادته:
- أنتي عملتي ايه يا رنيم بقولك ايه أنتي لو اتكلمتي أنا هقلب جامد وهتزعلي فالآخر بلاش تجربيني مانتي مش هتخرجي منها والبس أنا الحوار كله اللي أنتي السبب فيه..
لا تعلم كيف تشرح له الأمر فهو الذي سيكشف الأمر بأكمله بحديثه المندفع دون جدوى، حاولت أن توصل له الأمر بذكاء:
- أنا اتصرفت في مبلغ بسيط مش زي ما محمد أخويا عاوز ابعتهوله ومعلش تاعبينك معانا.
تتحدث بالألغاز معنى ذلك أنها لم تخبر جواد الهواري بشئ، بدأ يفكر في الأمر بذكاء محاولًا ربط الأمور ليفهم معنى حديثها ثم غمغم بمكر بعدما نجح في استجماع خيوط حديثها ليتضح له الأمر كاملًا:
- لا إذا كان كده ماشي يا ست رنيم بس باقي المبلغ يوصل على طول عشان أنا خلقي ضيق أوي ومش بسكت كتير.
أغلقت الهاتف بضيق دون أن ترد عليه متطلعة بطرف عينيها نحو جواد والخوف مسيطر عليها تود أن تجهش في بكاء دون توقف لكن كيف ستفعلها في وجوده؟ تشعر أنها محاطة من جميع الجهات لا تجد حل سوى الخضوع والإستسلام مثلما اعتادت دومًا، تلعن ذاتها عن فعلتها الحمقاء التي فعلتها دون حساب لحياتها القادمة.
ظلت صامتة هكذا تفكر بشرود بملامح منهكة فقد مضى عليها أسوأ أسبوع في حياتها منذُ بداية زواجها، هي تعتبر زواجها من جواد بداية حياتها الفعلية لكنها عالمة أنه لن يسامحها بسهولة حين يعلم أمر هكذا.
قطعت شرودها مسرعة زاجرة ذاتها بعنف عندما رأت محسن اقتربت منه بصحبة جواد التي كانت متشبتة في ذراعه بقوة خوفًا من نظرات محسن السيئة التي شعرت أنها تفترسها تود أن تحتمي بجواد كما اعتادت.
أعطى جواد لمحسن المال مغمغمًا بجدية وخشونة تامة وعينيه ترمقه بغضب ملاحظًا نظراته نحو رنيم وخوفها هي الأخرى منه:
- خد المبلغ ده وصله، وبعد كده ولو أخوها عاوز حاجة قوله يكلمها هو وهتبعتهاله.
ارتسم فوق ثغر محسن ابتسامة ماكرة خبيثة متطلعًا نحو رنيم موزعًا عليها نظراته المليئة بالمكر لكنها تفهمها جيدًا وأجاب على جواد بجدية هو الآخر:
- أكيد طبعًا ياباشا هبقى أقوله عاوزة حاجة يارورو.
جحظت عينيها من هول الصدمة لفعلته الحمقاء التي ستتسبب لها في العديد، شاعرة بغضب جواد الشديد بجانبها فرفع وجه محسن بغضب ليجبره على النظر نحوه بدلًا من رنيم ضاغطًا فوق فكه بين يديه بقوة مغمغمًا بضيق غاضب:
- قولت ايه يا بابا سمعني صوتك تاني كده عشان قسمًا بالله أنا ما ليا خلق.
اعتدل محسن سريعًا وتراجع عن حديثه مردفًا بتوتر:
- مفيش يا باشا مبقولش حاجة عن اذنك عشان الحق أمشي.
سار من أمامه بسرعة هاربًا من نظراته الغاضبة تاركًا رنيم تقابلها بمفردها.
وضعت يدها فوق كتفه بهدوء تحدثت به أيضًا مدعية عدم الفهم:
- في إيه يا جواد مالك شكلك متضايق؟
نفض يدها بعيدًا وصاح بها بحدة والشرر يتطاير من عينيه نحوها فانكمشت على ذاتها بخوف وصمتت، أسرع يتحدث هو بحدة ونبرة مشددة صارمة:
- اطلعي فوق يلا عشان نعرف نتكلم كويس.
سارت تنفذ ما قاله بالرغم من خوفها من حديثها معه، لأول مرة تود الهروب منه ومن الحديث معه مثلما تفضل دومًا، تخشى أن يجعلها تعترف بما تخفيه تحت تأثيره عليها، كانت غير مطمئنة خاصة لحديثه الأخير الصارم معها وتحوله بعد ذهاب محسن الذي سيحول حياتها إلى جحيم بسبب عودته الآن وإصراره لمقابلتها وتناول حقه كما أخبرته من قبل.
جلست في صمت تام منتظرة ما سيقوله لها محاولة تهدئة ذاتها حتى تجعل الأمر يمر بسلام، وجدته لم يتحدث هو الآخر فعبست جبينها متعجبة من صمته وتمتمت بتوتر محاولة تخطي الخوف المتواجد بداخلها:
- جـ….جواد كنت عاوز تقول حاجة قولتلي هنتكلم فوق.
أومأ برأسه أمامًا مؤكدًا حديثها ثم صاح بغضب حاد منفجرًا بها لأول مرة:
- اه يا رنيم عاوز أتكلم عاوز أقولك أن تعبت من طريقتك، أنتي إزاي بتتعاملي كده ساكتة ومش عاوزة تقوليلي ليه ساكتة أسألك مالك مترديش، في ايه لكل دة الطريقة دي غلط أنا جوزك يعني أول واحد تجري تحكيله اللي عندك مش تسكتي وتخليني ألف حوالين نفسي محدش هيخاف عليكي قدي هو أنا هضرك يعني.
شحب وجهها بشدة ما أن استمعت إلى حديثه القاسي عليها، ظلت تفكر في كل كلمة تفوه بها، وعقلها يردد حديثه هل حقًا تعب منها ومن صمتها الزائد كما أخبرها، والأهم هل سيظل بجانبها عندما يعلم ما اتفقت عليه مع محسن لكن كيف سيظل معها وهو لم يعلم ما الذي حدث لها، لا يعلم كيف كان عصام يفعل بها، كيف سلب منها حياتها هو وعائلته بأكملها، يطلب منها التخلي عن صمتها والتحدث وهي عاشت طوال حياتها ممتنعة عن الحديث لم تفعل شيء سوى الصمت، عندما كانت تتخلى عنه كانت تُعاقب بأبشع الطرق المتجردة من الرحمة، هل يود منها نسيان كل ذلك في لحظة كيف ستفعلها؟!
ظلت تطالعه بصمت كما هي لكنه لم يتحمل صمتها الذي طال فأسرع مغمغمًا بحدة:
- ما تردي عليا أنا هضرك لو حكيتي ليا حاجة بدل ما تتعاملي مع الواد ال*** ده لوحدك.
حركت رأسها نافية وتحدثت أخيرًا متخلية عن صمتها تجيبه بخوف ورهبة كبيرة تملأ قلبها وازدادت خاصة بعد رؤيتها لمحسن:
- لـ… لأ يا جواد مش هتضرني أنا بس كنت مكسوفة أقولك مش خايفة منك.
لم يود أن يضغط عليها بحديثه بعدما تطلع نحو حالتها فغمغم بنبرة جادة صارمة بشدة تعكس مدى رفضه وغضبه مما حدث:
- بعد كده متقابليش الواد ده تاني مهما حصل ومتخبيش حاجة عليا يا رنيم تقوليلي كل حاجة مضايقاكي لازم تتعودي على كده وتشاركيني كل حاجة تخصك.
اومأت برأسها أمامًا وتمتمت بنبرة خافتة:
- مـ…ماشي يا جواد.
شعر باحتياجها إليه وخوفها فأسرع يضمها داخل حضنه بحنان محتضنًا إياها بضراوة يود أن يجعلها تشعر بالأمان في وجوده حتى تهدأ بعدما شعر بخوفها الضاري عليها الذي سبب ارتجاف جسدها الخائف.
❈-❈-❈
في الصباح…
قبل ذهاب جواد إلى عمله استوقفه نداء أروى المردفة باسمه بدلال زائد وقف مردفًا بجدية وخشونة:
- نعم يا أروى في حاجة؟!
تكره تعامله الجاد معها، لا تعلم لما يحدثها دومًا بحدة وكأنه يفعلها عنوة عنه، تلعنه سرًا متوعدة له ستجعله يندم على أفعاله، حاولت أن تخفي شعورها وغضبها منه متمتمة بهدوء زائف وغرور:
- مش عاوزاك تزعل مني ملاحظة أنك من آخر موقف بينا وأنت بتتجاهلني بجد سوري يا جواد أنا مكنتش عارفة أنا بعمل إيه مش عاوزاك تزعل مني.
رمقها بعدم اهتمام أومأً برأسه أمامًا وأجابها ببرود وعدم اكتراث للأمر الذي قد نساه تمامًا:
- مفيش داعي لده كله يا أروى خلاص زي سما مابتغلط محصلش حاجة المهم أنك عرفتي غلطك.
ابتسمت باصطناع وأسرعت تحتضنه معقبة ببرود:
- خلاص بقى كده مفيش زعل بدأنا خلاص صفحة جديدة.
وقفت رنيم تطالع ذلك المشهد من الشرفة بأعين مشتعلة من الغضب لا تعلم لماذا يقف الآن وهي داخل حضنه، عقلها قد آتى إليه العديد من الأفكار السيئة التي نفضتها وأسرعت مهرولة إلى أسفل حيث يقف معها بخطى سريعة لتستطع ملاحقته وهو واقف معها بالفعل وجدته يضحك على شيء ما اردفته تلك الماكرة لتجعلها تستشاط غضبًا محترقة بنيران الغيرة المتأهبة بداخلها.
أردفت تقطع حديثهما بغيظ مشددة فوق كل حرف تتفوهه بضيق:
- في حاجة يا حبيبي مش كنت مستعجل عشان تلحق تروح الشغل.
أسرعت مقتربة منه دافعة تلك الماكرة إلى الخلف لتلتصق هي به بدلًا عنها بغيرة لاحظها جواد عندما رأى تعبيرات وجهها النارية ونظراتها الغاضبة فاسرع يحتضنها بحنان يخفي ضحكته بمهارة:
- اه طبعا يا حبيبتي مستعجل والله بس قولت اشوف أروى كانت عاوزاني في إيه قبل ما أمشي.
رمقته بعدم رضا وأسرعت تحثه على الذهاب مسرعًا ليختفي من أمامها:
- طب يلا يا حبيبي عشان تلحق ترجع بسرعة بليل أنت عارف مش بنام غير لما ترجع ياحبيبي.
طبعت قبلة رقيقة فوق وجنته شاعرة بلذة الإنتصار على تلك الواقفة التي ترمقها بنظرات غاضبة مشتعلة عالمة ما تريد أن توصله رنيم لها لاعنة إياها سرًا.
شدد من احتضانها بقوة كعادته لم يخجل يومًا أن يظهر حبها أمامهم مبتسمًا بسعادة لغيرتها عليه ورد عليه عليها بهدوء:
- حاضر يا حبيبتي أنا همشي أهو خلي بالك من نفسك.
همهمت مجيبة إياه بخفوت وعينيها معلقة نحو أروى التي تطالعها بنظرات حادة كأنها ستقتلها متوعدة لها بمكر، حاولت ألا تعطي وجودها إهتمام وودعت جواد بابتسامة رائعة يعشقها جعلته يبتسم هو الآخر وسار بخطى واسعة متعجلًا للذهاب إلى عمله.
كادت تذهب هي الأخرى تعود إلى غرفتها كما كانت لكن استوقفتها تلك التي قبضت فوق ذراعها بقوة غارزة أظافرها بها بحقد مغمغمة بغضب والدماء تغلي داخلها بعدما رأت نظراته اللامعة الرائعة التي رمقها بها:
- أنتي فاكراه هيفضل يحبك كده كتير بكرة يزهق منك وهتترمي زي الكلبة محدش هيعبرك فوقي لنفسك يابت.
تألمت رنيم بسبب قبضتها القوية لها فدفعتها بغضب إلى الخلف لتجعلها تتركها بعدما امتعضت ملامح وجهها وأجابتها بحدة:
- جواد عمره ما يعمل كده جواد بيحبني بجد ووقف قدام الكل عشان يتجوزني.
ضحكت ببرود محاولة أن تخفي غيظها وأجابتها بغضب لم تنجح في إخفاءه:
- عشان كدة هو اللي وقفني وعاوزني فوقي لنفسك يا رنيم ومتحلميش كتير أنتي مجرد فترة وهيزهق وفالآخر يوم ما هيكمل هيكمل مع واحدة زيي جواد مش لحد غيري خليكي عارفة ده كويس.
شحب وجه رنيم وصمتت بصدمة وعقلها يفكر في حديثها فرمقتها أروى الماكرة بشماتة تخفي خلفها غضبها من حديثها العالمة بصحته وتمسك جواد بها مهما حدث فهي قد رأت ما فعله مع والده لأجل الزواج بها.
حاولت رنيم أن تنفض حديثها السام من عقلها وألا تفكر فيه محاولة تذكير ذاتها بحبه الذي يزداد كل يوم وتشعر به دومًا، وسارت هي الأخرى نحو الداخل بخطى متعثرة بطيئة تعجبت جليلة التي رأتها معقدة ما بين جبينها بدهشة لهيئتها الحزينة الشاحبة فأسرعت تستوقفها بهدوء لتطمئن عليها:
- رنيم استني يا حبيبتي.
توقفت رنيم مسرعة ملتقطة أنفاسها بصعداء لعلها تنجح في إخفاء حزنها وهمهمت بهدوء ترد عليها:
- أيوة يا طنط حضرتك عاوزة مني حاجة.
ابتسمت بهدوء مربتة فوق ظهرها بحنان شاعرة بحزنها وأجابتها نافية:
- لأ يا حبيبتي مش عاوزة حاجة كنت بشوف مالك شايفاكي داخلة زعلانة في حاجة حصلت ولا إيه؟
ترددت كثيرًا بين أن تسرد عليها حديث أروى الذي أزعجها أم تصمت كما اعتادت لكنها لم تستطع منع ذاتها فأردفت تخبرها بضيق:
- مفيش يا طنط بس كنت بكلم أروى لقيتها بتقولي أن جواد مسيره هيزهق مني وهيتجوزها هي في الآخر عشان هي اللي من مقامه.
شعرت بحزنها وخجلها وهي تتحدث فأسرعت تجذبها داخل حضنها بحنان وأجابتها بهدوء وتعقل لتمحي ذلك الحديث عن ذهنها:
- لا طبعًا يا حبيبتي ده هي تلاقيها بتهزر معاكي ولا عاوزاكي تتضايقي جواد بيعتبرها زي أخته وهو من زمان قلبه مشافش غيرك ولا عمره اتمنى حد غيرك بلاش تخلي كلام يأثر عليكي ويزعلك لازم تكوني واثقة في جواد.
اتسعت ابتسامتها بعد استماعها لذلك الحديث الذي يبدي مدى أهميتها لديه وحبه لها الكبير الذي ازداد بمرور الزمن سرعان ما أشرقت بنيتيها بسعادة نادرة الحدوث متخيلة عن مرارة أيامها وحزنها المتواجد في قلبها دومًا وتعكسه عينيها دون حديث، وحاولت أن تبرر لها موقفها بتوتر:
- لـ… لا والله يا طنط أ… أنا بثق في جواد طبعًا بس اتضايقت من كلامها.
احتضنتها جليلة بهدوء وغمغمت بحنان:
- أكيد طبعًا يا حبيبتي ولو عاوزة أي حاجة تعالي قوليلي في أي وقت حتى لو جواد مزعلك هو عشان ظابط فاكرة أن محدش هيعرف يكلمه هو بس لو ضايقك بكلمة تعاليلي وأنا ازعلهولك.
ابتسمت رنيم متعجبة لحالها لأول مرة تجد من يتعامل معها بهذا الحنان واللطف التي حُرمت منه لم تجد الحنان مع والدتها منذ صغرها وهي تراها تفضل شقيقها عنها تعطيه هو الحب والدلال وهي تتلقى القسوة والغضب وفي النهاية اختارت تعاستها دون اهتمام لها ولأمرها ذهبت إلى بيت يزداد قسوته كل مكان به شاهد على بكائها وصرخاتها المتألمة المقهورة من أشخاص انتزعت الرحمة من قلوبهم، لكنها الآن تجد كل ما سُلب منها على يد والدته التي تتمنى وجود أم مثلها في حياتها وكأن ربها أراد تعويضها عما رأته من ظلم وقهر، حزن ووجع، ضعف وألم… سيتبدل كل ذلك إلى سعادة وفرح شعرت بهما على يده.
❈-❈-❈
في المساء…
عاد جواد من عمله سريعًا متلهفًا لرؤيتها بعدما رأى تحول حالها صباحًا وعادت ابتسامتها مرة أخرى تزين ثغرها وتمحي الحزن المتواجد عليه.
وجدها جالسة فوق الفراش بصمت فأسرع يحتضنها من الخلف هامسًا داخل أذنيها بمرح ويده تمر على جسدها بلهفة عاشق أحترق من لهيب اشتياقها لابتعادها عنه في تلك الأيام الماضية لعدم تحسن مزاجها:
- قاعدة بتفكري فيا صح للدرجادي بتحبيني.
لأول مرة تتخلى عن خجلها الدائم وباغتته بردها العاشق:
- لو مش هحبك أنت هحب مين يعني أنا قلبي معرفش حاجة اسمها حب غير على إيدك من زمان أوي.
ابتسم بشغف وطالعها بعدم تصديق ثم شدد من أحتضانه عليها وتابع مرحله معها:
- أيوة بقى ده إحنا اتطورنا خالص تتحسدي النهاردة الصبح الاقيكي غيرانة عليا ومولعة ودلوقتي بتقولي كلام جامد يستاهل مكافأة حلوة.
سرعان ما اعتدلت أمامه في جلستها وغمغمت بضيق بعدما تذكرت غضبها منه لما حدث صباحًا:
- أيوة صح الصبح كويس إنك فاكر واقف مع أروى وبتضحك من قلبك كدة ليه وهي بتضحك بصوت عالي.
ازداد ابتسامته اتساعًا مستمتعًا بغيرتها عليه عالمًا بنيران الغيرة التي حرقت قلبه سنوات عديدة:
- لا ده حصل تطور خالص محتاجين نشوفه ونشوف الغيرة دي.
تطلعت بعينيها بعيدًا هاربة من نظراته المصوبة نحوها شاعرة بالخجل وغمغمت بتوتر:
- لـ.. لأ طبعاً أنت بتقول ايه أنا مش بغير أنا بس بتكلم معاك.
أمسك وجهها بهدوء ليجعلها تتطلع نحوه وعاد عليها سؤاله مرة أخرى باصرار:
- لا بلاش كدب دة أنا ظابط بعرف أكشف الكدب خدي بالك فقولي الصراحة عشان معاقبكيش بتغيري عليا؟
رمقته بتوتر لحديثه عن الكذب خوفًا من أن يقصد شيء آخر لكذبها عليه في الفترة الماضية التقطت أنفاسها بتوتر وظلت صامتة شاعرة بعدم الارتياح والقلق فرمقها بتعجب قاطب جبينه وسألها بمرح:
- ايه مالك بتحاولي تهربي من الإجابة ولا إيه.
أدعت عدم الفهم وتسائلت بقلة فطنة مصطنعة:
- سؤال ايه دة اللي ههرب منه أنت مقولتش حاجة بعدين أنا أصلًا مش بكلمك وزعلانة منك.
ضحك صاخبًا عالمًا أنها تحاول مخادعته وعدم البوح بمشاعرها لكنه اصرّ وعاد سؤاله مرة أخرى:
- بتغيري عليا الأول وبعدين نبقى نشوف حوار الزعل دة.
لم تستطع الكذب تلك المرة وتخبئة مشاعرها فاعترفت له بغيرة شديدة متحررة من خجلها الدائم:
- أيوة طبعًا يعني لو مكنتش هغير عليك هغير على مين ما أنت جوزي حبيبي لما الاقيك واقف مع واحدة وبتضحك من قلبك كده مش عاوزني اغير.
ابتسم بسعادة لحديثها الذي يرضيه بضراوة هو عاش طوال حياته منتظر استماع ذلك الحديث منها هي بالتحديد، مرر يده بين خصلات شعرها البنية الناعمة وعينيه تطالع كل أنحاء وجهها بشغف عينيها البنية المتناسبة مع ملامحها الهادئة العاشق لها فأجابها بنبرة عاشقة شغوفة:
- أيوة جوزك حبيبك اللي بيعشقك وعمره ما بيضحك غير معاكي.
دفعته بعيد عنها بملامح وجه متذمرة غير راضية:
- آه عشان كده واقف تضحك الصبح بتقولك ايه يضحكك جامد كده مش بتضحك دلوقتي ليه يعني.
ضحك على طريقتها وشدد من احتضانها التقط شفتيها بين خاصته بعشق جارف:
- أنا مبعرفش اضحك غير معاكي أنتي.
ابتسمت بسعادة بنظراته الشغوفة لها التي تجعلها تسعد بضراوة فاسرع مغمغمًا بمرح وصوت أجش نتيجة اقترابه منها الشديد وتأثيرها عليه الذي يفشل مقاومته:
- أنا عاوز حقي بقى عشان ضحكتي عليا بقالك كم يوم وبتنامي وتسيبيني هاخد حقي جامد بقى.
ضحكت هي الأخرى متحررة من جميع حزنها أمامه نتيجة اقترابه منها الذي يسلبها عقلها تمامًا وتمتمت بلهفة ودلال:
- أنتَ وحشتني على فكرة اليومين دول.
وزع قبلات متفرقة على وجهها بعشق وهو سعيد لإعترافها وحديثها العاشق الذي غمرته به، وغمغم بنبرة عاشقة بعد انهيار جميع حصونه أمامها:
- لا ده أنا مقصر بقى جامد ولازم أعمل شغلي أنتي عارفاني بحب أعمل كل حاجة مظبوطة.
اعتلت صوت ضحكاتها بصخب وأجابته بدلال زائد ويدها تعبث في ثيابه:
- آه بس التقصير بسببي أنا مش أنت عشان كده مش هتكلم المرة دي.
غمزها بإحدي عينيه بمكر وغمغم يزعجها بمرح ليجعل جميع حصونها تنهار مثلما فعلت به:
- ده أنتي كمان واقعة بقى مش أنا بس بس أنتي واقعة وساكتة.
سندت رأسها فوق صدره واعترفت له بشجاعة وجراءة لا تعلم من أين حصلت عليها:
- أنا واقعة من زمان فعلا من أول ما شوفتك وأنت موقعني من قبل ما تحبني أصلًا.
ضحك ملتقط شفتيها بنهم موبخًا ذاته بمرح:
- لا ده أنا غلطان جامد مليش حق هعاقب نفسي.
اعتلت ضحكاتهم معًا بعشق وكل منهما نسى كل شئ حولهما يجعلها بمهارة وعشق تنسي جميع ما كان يزعجها ويجعلها تحزن دلفت معه إلى عالمه الخاص الملئ بالعشق والحب المتواجد بصدق داخل قلوبهما.
❈-❈-❈
في الصباح..
احتلت الصدمة والحزن ملامح وجه رنيم عندما رأت رقم محسن الجديد ينير شاشة هاتفها ارتعشت بخوف شاعرة بدقات قلبها تتسارع برعب سيطر عليها لا تعلم ماذا ستفعل معه؟!
علمت أن تجاهلها له لن يعود عليها سوى بالضرر فأسرعت تجيبه بيد مرتعشة وملامح وجه شاحب من فرط الخوف المتواجد داخلها تمتمت بنبرة متلعثمة مهزوزة:
- ا… الو أيوة يا محسن.
أجابها بوقاحة وحديثه يملأه السخرية:
- ايه أنتي يا رنيم لو فاكرة أني هسكت يبقى في أحلامك ماهو مش بعد ما قتلته وريحتك منه هطلع من ده كله على الفاضي.
سالت دموعها فوق وجنتيها وتمتمت بخوف من بين شهقاتها المستمتع باستماعهم:
- ا…أنا قولتلك لأ خلاص متعملش كده مش أنا قولتلك لا متقتلهوش بعدين أنت كنت عاوز تخليني أنا اللي عملتها.
أجابها بسخرية ونبرة لعوبة ليجعلها تخاف وتنفذ ما يريده سريعًا:
- وأنتي معملتيهاش يعني! خلي بالك أني اقدر ارجعك تاني وتاخدي فيها إعدام بجد.
حاولت السيطرة على ذاتها لتمنعها بصعوبة بالغة من الإنهيار حاولت أن تلتقط أنفاسها متمتمة بتوتر:
- ا…أنا قولتلك خـ…خلاص والله قولتلك بلاش تعملها ليه عملت كده..
صاح بها بحدة مشددة أخرستها:
- بقولك ايه أنا الكلام ده كله ميهمنيش الفلوس تبقى عندي ولا اوريهم الدليل اللي عندي وارجعك تاني مكان ما خرجتي بس المرة دي محدش هيعرف يطلعك منها.
أسرعت تتحدث بخوف بعدما انكمشت على ذاتها وتراجعت مسرعة برعب:
- لـ… لأ لأ هديك والله شوف أنت عاوز كم وهجمعهملك صدقني.
التمعت عينيه بطمع وأجابها ببرود وتسلية لحالتها الخائفة منه:
- أنتي عارفة عاوز كم واتفقنا عليه من قبل ما انفذ فلوسي تبقى عندي يا رنيم عشان أنا زعلي وحش وبزعل بسرعة.
انتفضت متلعثمة بتوتر وبعدما انقبض قلبها داخل صدرها وهوى خوفًا من تنفيذ تهديده:
- لـ… لا خلاص هتلاقي الفلوس عندك بس متعملش حاجة، هجيبهالك كلها.
أغلق الهاتف دون أن يرد عليها لكنه تركها تجلس تفكر بقلب مقبوض ووجه شاحب تفكر فيما ستفعله لتجمع إليه المال الذي طلبه، كيف ستحصل على ذلك المبلغ في تلك المدة القصيرة أغمضت عينيها بضعف داعية ربها أن يقف معها لاعنة ذاتها عن تلك الفكرة التي تدمر حياتها الآن.
ظلت تفكر في طريقة لتحصل من خلالها على ما تريده مقررة أن تنفذ أي شيء حتى تتخلص منه، تود أن تعيش حياتها دون خوف تعيش معه تنعم من عشقه الذي يغمرها به دومًا.
لكن هناك غصة قوية في قلبها تذكرها أن هناك مَن مات لأجلها بالرغم من كل ما فعله بها لكنها لم تود أن يحدث ذلك وتكن هي المتسببة في موته، هي طلبت منه أن يتراجع لكنه نفذ خطته لأجل تحقيق مطامعه وفي النهاية يخبرها أنه فعل ذلك بسبب فكرتها.
كانت تبكي بضعف وجسدها يرتعش وكل تفكيرها تركز في شيء واحد كيف ستحضر المال الذي يطلبه منها مقررة الحصول عليه بأي طريقة لتنهي ما يحدث لها وتتخلص من ذلك الخوف المسيطر عليها.
❈-❈-❈
في المساء…
كانت جليلة تبحث عن قلادتها التي أحضرها فاروق له من قريب، لكن جميع بحثها كان دون جدوى نزلت أسفل بهدوء وبدأت تسأل الخادمات عنها:
- في حد شاف عقد فوق كان في أوضتي.
كانت إجابتهم جميعهم بعدم معرفتهم عنه شيء، تطلع فاروق ونحوها وسألها بجدية:
- يعني إيه يا جليلة راح فين ده أنا لسة جايبهولك.
أجابته بهدوء محاولة تهدئته لتنهي الأمر:
- معرفش يا فاروق هدور عليه ممكن أكون مش فاكرة أنا مكانه هشوفه.
قبل أن تصعد نحو غرفتها أسرعت أروى تتحدث ببرود:
- يا طنط جليلة استني من شوية لقيت رنيم بتخرج من أوضتك وهي خايفة وعمالة تتلفت حواليها مش أنتي شوفتيها يا سما كمان.
شعرت سما بالتوتر بعدما فهمت معنى حديث أروى فأجابتها بتوتر متلعثمة:
- مش فاكرة يا أروى مخدتش بالي مش فاكرة.
صاح بها والدها بحدة مشددة وعينيه مثبتة عليها بغضب:
- هو إيه اللي مش فاكرة ده قولي الحقيقة يا سما شوفتيها البت دي خارجة من أوضة أمك ولا لأ.
أجابته بتوتر وخوف بعدما رأت غضبه:
- ا… اه هي كانت خارجة من عند ماما وماما تحت بس مشوفتش حاجة تاني والله يابابا.
تمتمت مديحة هي الأخرى بمكر مستمتعة لما يحدث دون تدخل منها:
- هي دايمًا كانت بتعمل كده عندنا إحنا كمان فأكيد هي اللي خدت العقد بتاعك يا جليلة.
حاولت جليلة تهدئة الأمر مغمغمة بهدوء بعدما تمسكت بذراع فاروق مانعة إياه من فعل ما يريده:
- خلاص يا فاروق سيبها محصلش حاجة أكيد مش هي اللي عملت كده ممكن أكون شايلاه في مكان تاني مش فاكراه.
لم يستمع إلى حديثها بل سار بحدة متوجه نحو غرفة رنيم بحدة والغضب يملأه متجاهل هتافات جليلة المحاولة تهدئته وإنهاء الأمر بهدوء دون مشاكل لكنه اقتحم غرفة رنيم بعصبية فأسرعت تطالعه بخضة ووجه شاحب بخوف متمتمة بتوتر:
- فـ…في ايه هـ…هو في حاجة يا طنط جـ…جواد مش موجود.
وقف الجميع خلف فاروق ليطالع ما يحدث باستمتاع صاح بها فاروق بغضب ولهجة حازمة مشددة:
- لا ملوش حق لازم يجي عشان يشوف مراته الحرامية.
تطلعت أمامها برعب وسألته مدعية عدم الفهم:
- نـ… نعم بافاروق بيه قصدك ايه… ا… أنا معملتش حاجة.
ضحكت مديحة بشماتة وأجابتها بخبث:
- أنتي اتكشفتي خلاص وكلنا عرفنا اللي عملاه.
شعرت بالخوف خاصة بعد حديث مديحة المبهم التي لم تعلمه لكنها سرعان ما فهمت الأمر عندما بدأ فاروق يبحث داخل غرفتها وقفت تتطلع إليه بوجه شاحب خائفة مما يفعله وما يجعلها تخاف أكثر هو عدم وجود جواد ليقف معها وينهي الأمر مثلما يفعل دومًا لكنها الآن ستواجههم بمفردها وهي خائفة منهم.
تمتمت جليلة بتوتر وخوف من رد فعل فاروق:
- خـ… خلاص يا فاروق كفاية كده رنيم معملتش حاجة أنا اللي مش فاكرة حطته فين.
أكدت أروى ما رأته بسعادة مستمتعة لهيئة رنيم الخائفة والتي ستنكشف الآن:
- يا أونكل أنا شوفتها حتى سما كمان قالت أنها شافتها.
ظل فاروق يبحث عن القلادة حتى وجدها في النهاية بين ثيابها رفعها أمامها بغضب ونظرات نارية موجهة نحوها جعلتها تنكمش على ذاتها برعب.
رواية لهيب الروح الفصل العشرون 20 - بقلم هدير دودو
وقفت رنيم تتطلع نحو القلادة بصدمة غير مصدقة ما تراه أمامها.
فهو قد أخرجها من بين ثيابه أمام الجميع، لكنها لم تفعلها هي. بالطبع لن يصل بها الأمر إلى هذا الحد مهما حدث لها.
استمعت إلى صوت فاروق الجهوري الحاد متسائلًا. زوجته وعيناه مثبتتان نحوها بضراوة، كأنه سينقض عليها ويقتلها بعد اكتشافه لفعلتها كما يرى.
"مش ده العقد بتاعك يا جليلة اللي كان ضايع؟ يعني أروى مبتكدبش. البت دي هي اللي خدتها."
اجتازته وتوجهت بجانب جليلة بأعين باكية، ولا تزال تحت تأثير الصدمة. تمتمت بضعف محاولة الدفاع عن ذاتها وإنكار حديثه عنها.
"والله يا طـ… طنط مخدتش حاجة. والله ماخدته. أنا جيت آه الأوضة زي ما بيقولوا بس عشان أتكلم معاكي. لما ملقتكيش خرجت على طول. والله ما عملت حاجة. أنا أول مرة أشوف العقد دلوقت."
ربتت جليلة فوق كتفها بحنان لتجعلها تهدأ. لكن قبل أن تردف بحرف، وجدت فاروق يجذبها بقوة لتقف أمامه. صائحًا بها بحدة ولهجة حازمة جعلتها ترتعب مما سيفعله معها.
"انتي تخرسي خالص. اللي زيك منسمعش صوته. وكلامك معايا أنا مش جليلة. هي متعرفش تتعامل مع حرامية زيك الأشكال دول. أنا اللي بتعامل معاها."
ابتلعت تلك الغصة القوية التي تشكلت داخلها لإهانته لها. وحاولت التحدث بنبرة متلعثمة خائفة لتنفي ما يتفوه به وقد تحولت ملامح وجهها تعكس مدى الخوف المتواجد داخلها. جسدها يرتعش بتوتر.
"أ… أنا مش حرامية ومسرقتش حاجة. والله ماخدته ومعرفش هو جه هنا إزاي. معرفش والله."
صاح بها بحدة ودفعها بقوة إلى الخلف مما جعلها تسقط أرضًا.
"انتي تخرسي خالص. متخلقش اللي يرد عليا. العقد وطالع قدام الكل من وسط حاجتك وهدومك. يعني مخبياه بعد ما سرقتيه."
بكت بشدة بعدما رأت الجميع يؤكد حديثه وتفشل في الدفاع عن ذاتها. لم تجد حلًا سوى أن تحضر جواد لينهي كل ما يحدث. أسرعت متوجهة بجسد مرتعش متمسكة بهاتفها أمام الجميع. وتمتمت بخوف.
"ا… أنا معرفش حاجة. أنا هتصل بجواد. معرفش ده جه إزاي بس أنا والله ماسرقته. والله ماخدت حاجة."
شعر فاروق بالدماء تغلي بداخله وغضبه منها يزداد. ظنًا أنها تهدده بمهاتفتها بجواد. فجذب الهاتف من يدها بعصبية ألقاه أرضًا بقوة. وغمغم بحدة غاضبة مشددًا فوق حديثه.
"عاوزة جواد يعمل إيه مع واحدة حرامية زيك؟ عاوزاه يجي يقف قصادنا عشانك زي ما بيعمل كل مرة. بس المرة دي أنتي حرامية مش ظالمينك زي ما حصل قبل كده. أنتي سرقتي أمه وتلاقيقي بتسرقيه هو كمان."
نظرت إليه بصدمة. فأسرعت جليلة مقتربة منه وتدخلت بتوتر لإنهاء الأمر بعدما رأت مدى الغضب المتواجد به والشرر المتطاير نحوها. عالمة أنه فقد سيطرته على ذاته بعدما تملك الغضب منه.
"فاروق اهدى عشان خاطري. خلاص محصلش حاجة. ممكن اتاخد بالغلط عادي. خلاص مفيش حاجة."
ردت رنيم على حديثه المهين لها بغضب بعدما علمت هي الأخرى أن الصمت لن يعود عليها بالنفع. بل سيجعله يستغل صمتها مستكملًا إهانتها.
"أنا مش حرامية وعمري ما سرقت حاجة من طنط. أما حاجات جواد فده جوزي وحقي. محدش له أنه يتدخل طالما جواد متكلمش. ووالله العقد بتاع طنط أنا ماخدته ومعرفش جه هنا إزاي."
استشاط غضبًا بعد استماعه لحديثها. ودفع جليلة التي كانت تقف في المنتصف بينهما. ثم جذبها من ذراعها بقوة صائحًا بها بغضب.
"اخرسي خالص. أنتي واقفة تردي عليا. فوقي لنفسك. مبقاش اللي زيك هو اللي يتكلم. أنتي واقفة قدام فاروق الهواري اللي يقدر يمحيكي من على وش الدنيا كلها."
لم تصمت بعد حديثه هي الأخرى مقررة التحرر من مخاوفها لتسترد كرامتها التي تُهان دومًا. فتمتمت ترد عليه بحدة هي الأخرى.
"أبعد عني. أنا مش عاوزة أتكلم معاك. وأي كلام عاوز تقولهولي يبقى مع جواد. غير كده محدش ليه دعوة بيا. أنا كنت محترمة حضرتك عشان خاطر جواد. بس بعد اللي حصل لأ خلاص. أنا قولت للكل أن العقد ده معرفش عنه حاجة. أنت اللي مش مصدق. أعمل اللي يعجبك."
لم يقدر أن يبقى صامتًا بعد حديثها الذي تجاوز جميع حدوده. لم يستطع أحد في تلك العائلة أن يرد عليه. وها هي الآن فعلتها تقف ترد عليه متبجحة كما يرى. تخطت جميع الحواجز والقوانين الخاصة به وبتلك العائلة. قوانينه التي قام هو بفرضها على الجميع. دومًا لا أحد يناقشه في أي قرار يتخذه. لم يشعر بذاته سوى وهو يرفع يده عاليًا ويهوي بها فوق وجنتها بغضب. صائحًا بها بحدة حازمة متوعدًا لها.
"شكلك لسه لغاية دلوقتي متعرفيش مين هو فاروق الهواري ويقدر يعمل إيه. وجه الوقت اللي تعرفيه بقى. محدش هينقذك من ايدي عشان تتجرأي وتردي عليا. ولا حتى جواد نفسه."
كانت تطالعه بصدمة واضعة يدها فوق وجنتها حيثُ صفعها. كيف استطاع أن يفعلها؟ لم تتخيل أن يصل به الأمر إلى هنا. ألجمت الصدمة لسانها تمامًا ولم تستطع أن تتحدث وترد عن حديثه المباغت للجميع.
شهقت جليلة بعدما رأت فعلته الغير متوقعة. وطالعته بصدمة هي الأخرى. وقد هوى قلبها بداخلها خوفًا مما سيحدث بينه اليوم وبين جواد. عالمة جيدًا أنه لم يصمت بعد ما حدث لزوجته. لكن قبل أن تتحدث باغتها فاروق بفعلته. وهو يقوم بجذب رنيم بقوة من ذراعها خلفه. متمتمًا بحديث غاضب حاد.
"ملكيكش مكان في البيت ده من دلوقتي. أنتي هتطلعي بره. اللي زيك ميقعدش هنا. وأنا بنفسي اللي همشيكي."
بكت رنيم بضعف وخوف بعدما رأت تحوله الشديد وإصراره لطردها خارج المنزل بمفردها. أسرعت جليلة خلفه بخطوات واسعة لتلاحقه. متمتمة باسمه مترجية إياه بضعف وحزن.
"فاروق…. فاروق استنى عشان خاطري. خلاص كفاية كده. سيبها يافاروق. سيبها مينفعش."
لم يبالي بهتافها وتوسلاتها له بأن يتركها. سار مستكملًا طريقه ولا يزال يجرها خلفه. ثم دفعها بقوة فسقطت أرضًا. طالعها بازدراء وكأنه يخبرا بنظراته أن ذلك المكان هو المستحق لأمثالها حتى تظل متذكرة مكانها الحقيقي بالنسبة له. أغمضت عينيها باكية بضعف بعد فهمها لنظراته وإهانتها الدائمة منه ومن جميع العائلة.
استمعت إليه يتحدث إلى الحراس الواقفين يشاهدون مايحدث بصدمة وعدم تصديق.
"اللي هيتدخل ويساعدها يعتبر نفسه مطرود من هنا."
أسرعت جليلة تقترب منها لتساعدها. لكن استوقفها قبضة فاروق فوق ذراعها بقوة يمنعها من فعل ما تريده ويجذبها معه إلى الداخل بخطوات غاضبة. مغمغمًا بغضب حازم.
"ملكيش دعوة أنتي يا جليلة. ابعدي عن الأشكال دي."
همهمت معترضة على أفعاله بعد شعورها بالحزن لما فعله بها وخوفها من رد فعل جواد التي مهما فعلت وحاولت معه لن يصمت تلك المرة. تعلم أن الأمر في منزلها سيزداد سوء.
"فاروق مينفعش نسيب البنت بره. أنت بتقول إيه دي مرات ابنك. اعتبرها زي بنتك."
لم يهتم بحديثها بل صاح بها بحدة مشددة ليجعلها تصمت.
"جليلة قولت خلاص. البت دي مش هتدخل تاني ولا عمرها هتكون زي بنتك. أنتي بتقارني إيه بإيه. دي ولا حاجة. مجرد واحدة متسواش وغلطت فيا. لازم تتأدب. الكلام خلص على كده."
قبل أن ترد عليه وتدافع عن رنيم وجدته يسير من أمامها بغضب وجسد متشنج. ثم التفت نحوها مرة أخرى وتابع بنبرة تحذير حادة.
"إياكي تطلعي برة للبت دي. فاهمة يا جليلة."
طالعته بعدم رضا محركة رأسها نافية بيأس من إصراره لتنفيذ ما يريده. فعاد حديثه مرة أخرى بغضب.
"فـاهـمـة. اللي قولته يا جليلة. مفيش خروج للبت دي."
أجابته مردفة بضعف وقلة حيلة عالمة أنها إذا خالفت حديثه سيفعل شيء أكبر مما فعله والأمر يزداد سوء عما به. فلم تجد سوى أن تنفذ طلبه عنوة عنها.
"حـ… حاضر يا فاروق. خلاص."
في الخارج كانت مديحة تقف مع ابنتها. وكل منهما يرمق رنيم بنظرات شامتة فرحين بما حدث لها. تمتمت مديحة تحدثها بمكر وشماتة بعد اقترابها منها وعينيها تلتمع بالفرحة.
"هي دي أخرة اللي زيك في عيلة الهواري. أنتي اللي حلمتي مع جواد. فاكراه هيقدر يعملك حاجة؟ فينه بقى وأنتي بتطردي كده."
ضحكت أروى باستمتاع لكل ما يحدث أمامها وكأنها تشاهد مسرحية ممتعة. ترمقها بشماتة سعيدة لما حدث لها وسارت بخطوات شامخة مغرورة. أغمضت رنيم عينيها بحزن وأعين باكية تود الصراخ. تريده تريد جواد مسرعًا. لا تعلم كيف سيفعلها لكنها تريده بجانبها. هي تواجه تلك العائلة بمفردها وهي غير قادرة عليهم.
تحاملت على ذاتها ونهضت بعد أن توجه الجميع إلى الداخل. تود أن تتصل به لتخبره ما حدث له. تريده بجانبها الآن. لكنها لم تجد هاتفها بعد أن ألقاه. وقفت تتطلع نحو الحراس الذين يقفون حولها. كانت ستطلب منهم المساعدة لكنها تذكرت تهديده لها. عالمة أن مهما حدث لن يخالفوا حديثه بسبب صرامته مع الجميع وخوفهم منه.
كانت جليلة تجلس بوجه شاحب حزين خائفة مما سيحدث. رمقتها مديحة بفرحة وغمغمت ببرود ماكر لتخدعها.
"خلاص يا جليلة أهدي. محصلش حاجة لكل الزعل ده. البت فعلًا محتاجة تتربى عشان أنتي دلعتيها زيادة عن اللازم. واللي زي دي مينفعش معاه كده. اللي عمله فاروق هو الصح."
اعترضت على حديثها بعدم رضا وأجابتها مردفة بهدوء حزين وتعكس نبرتها مدى القلق المتواجد داخلها لما سيحدث بين ابنها وزوجها.
"لـ.. لأ طبعًا يا مديحة. ده مش الصح. حتى لو رنيم غلطانة. بس اللي عمله فاروق هو كمان غلط. وجواد ليه حق في اللي هيعمله. دي مراته مهما حصل. ومينفعش تتطرد بره بيته."
تفاجأت بفاروق من خلفها مغمغمًا بغضب حاد مشددًا فوق حديثه يصحح حديثها الأحمق كما يرى.
"بيتي ده مش بيته يا جليلة. ده بيت فاروق الهواري. وابنك اللي عاوز يعمله يعمله. هو أنا هخاف؟ متعدلي كلامك شوية."
لم تُعجب بحديثه وطريقته معها. لكنها فضلت الصمت حتى لا تجعل الأمر يزداد سوء في المنزل وفاروق سيزداد من عناده وغضبه. فصمتت كما تفعل دومًا. صمتت بضعف وضيق. فكل ما يحدث لم يعجبها. لكنها غير قادرة على تغيير شيء. دومًا تسعى لتغيير فاروق وطريقته الحادة الغاضبة. لكنها فشلت في فعل ذلك.
ظلت رنيم في مكانها كما هي تبكي بضعف وقلة حيلة. لا تجد مكان تذهب إليه الآن. هي حقًا بلا مأوى. لكن ماذا ستفعل؟! كيف ستتخلص من كل ذلك؟! تشعر بظلمة وقسوة الحياة عليها دون أن تعلم السبب. دومًا تُسلب منها السعادة قبل أن تشعر بمذاقها. وكأن الحزن والوجع والقهر كُتبوا عليها طوال حياتها.
عاد جواد ليلًا بعد أن أنهى عمله. حاول الإتصال برنيم عدة مرات لكنه لم يصل لشيء. ولا أحد في المنزل يجيبه. كان يعلم أن هناك شيء حدث لم يعلمه. لكن قبل أن يفكر كثيرًا فما حدث. تفاجأ برنيم التي تنتظره في الخارج بوجه باكي وحالة غير جيدة. كان ينظر إليها ولا يعلم ما بها ولماذا تقف في الخارج.
انطلقت نحوه مسرعة ما أن رأته وألقت ذاتها داخل حضنه. وارتفع صوت بكائها وشهقاتها عاليًا. وقد انهارت جميع حصونها وما بداخلها. لا تفعل شيء سوى البكاء. تتمسك في قميصه بضراوة وتبكي. لا تريد الخروج من داخل حضنه. مكانها الوحيد الآمن المتأكدة أنه لن يحدث لها شيء سيء وهي معه.
ظل يربت فوق ظهرها بحنان محاولًا تهدئتها حتى يفهم ما الذي حدث. متمتمًا بهدوء وحنان.
"أهدي بس وفهميني إيه اللي حصل. وأنا هتصرف. بس أهدي وبلاش عياط."
ظلت مستمرة في بكائها بضعف متمتمة بكلمة واحدة متعلثمة غير مفهومة.
"ا… أنا مـ… مش حـ… حرامية. مش حرامية والله."
لم يكن يفهم لماذا تتمتم بتلك الكلمات؟! لكنه ظل يحاول تهدئتها مؤكدًا حديثها بهدوء.
"أهدي يا حبيبتي أهدي. أنا عارف طبعًا. فهميني بس اللي حصل. وأنتي إيه اللي طلعك بره كده."
قصت عليه ماحدث بإيجاز ونبرة خافتة وهي ترتعش داخل أحضانه. كان يستمع إليها بغضب غير مصدق ما تقوله. هل حقًا حدث لها ذلك على يد والده الذي لم يهتم بصورته أمام زوجته الآن. كان يقف بجسد متشنج غاضب وقد برزت عروقه. أغمض عينيه بقوة ولا يزال يستمع إليها بقلب يحترق بغضب.
ظل صامت لعدة لحظات بعد أن انتهت من حديثها. ثم تحدث بنبرة غاضبة حازمة مستنكرًا ما استمع إليه.
"أنا هتصرف. هما إزاي يعملوا كده؟ حقك هجيبه منهم كلهم. أهدي وبلاش عياط."
شدد من احتضانه عليها بحنان ليجعلها تهدأ. طالعته وتمتمت بخوف وضعف.
"هـ…هو أنت مصدقني صح؟ والله ما أنا اللي خدته. أنا دخلت لطنط عادي والله يا جواد. أنا عمري ما اعمل كده. أنت مصدقني صح."
أومأ برأسه أمامًا بهدوء يخبرها أنه يعلم كل ما تقوله. يعلم أنها لن تفعل هكذا. سار بها نحو الداخل. كانت تسير بخطوات متعثرة بطيئة خائفة مما سيحدث.
دلف المنزل بوجه مكهف غاضب. قبل أن يستكمل طريقه وجد فاروق يجلس في بهو المنزل بصحبة الجميع وكأنه ينتظر قدومه. كانت تقف تتشبث في قميصه بخوف. وقف فاروق قبالته مغمغمًا بغرور حاد مشيرًا بسبابته نحو رنيم بطريقة مهينة ويرمقها بنظراته الغاضبة التي اخترقتها وجعلت خوفها يزداد.
"مين اللي دخل البت دي هنا تاني؟ مش قولت متدخلش تاني غير لما تتربى وتعرف هي بتتعامل مع مين وتعرف مقامها كويس."
وقف جواد قبالته مقتربًا منه بغضب ونظراته مصوبة نحوه بعدم رضا معلن غضبه التام من فعل والده الذي دومًا يتجاهل وجوده.
"ليه عاوز تطلعني صغير ومصمم كمان؟ رغم إن أنا بحترمك. ليه بتعمل كده؟!"
طالعه باستهزاء دون أن يعير حديثه اهتمام. وغمغم بحدة غاضبة موجه حديثه نحو رنيم التي ترتعش بضعف وخوف.
"أنا مش قولتلك اللي زيك ميدخلش هنا تاني."
قبل أن ترد عليه صاح جواد بغضب بعدما فشل في السيطرة على ذاته أمام طريقة والده المقللة من شأنه. كان يرمقه بنظرات غاضبة حادة بعدما برزت عروقه أمامه.
"أنا بكلمك رد عليا. أنت ليه بتعمل كده؟ عاوز إيه؟ ليه مصمم على اللي بتعمله؟ عاوز توصل لإيه؟ مش بتحترمني ليه؟ المفروض أعمل إيه لما تمد إيدك على مراتي. أنا مش هسكت. أنت اتخطيت كل حاجة بعد اللي عملته ده."
ضحك فاروق بسخرية وأجابه ببرود ولا مبالاة.
"أنت عاوز إيه؟ غلطت وبأدبها عشان تتعلم. بعد كده ترد على فاروق الهواري. واللي أنت واقف بتدافع عنها حرامية."
ضحك ببرود وتابع حديثه مجددًا بلهجة ساخرة مشيرًا نحوها باحتقار.
"مرات الظابط جواد الهواري حرامية. وزعلان أني طردتها. ده أنا المفروض أحبسها."
أجابه الآخر غاضبًا معترضًا على حديثه بلهجة مشددة بحزم. وقد توهجت عيناه لتظهر مدى الغضب المتواجد بداخله.
"هي مش حرامية وأنا واثق فيها. رنيم متعملش كده. وأنت ولا غيرك ليك الحق أنك تمد إيدك على مراتي. مهما حصل. مراتي محدش يحاسبها غيري."
مسكه فاروق من أطراف قميصه بغضب ورد على حديثه بحدة وعصبية شديدة.
"ما تفوق لنفسك يا جواد. أنا أبوك. أنا فاروق الهواري. أعمل اللي يعجبني. لا أنت ولا عشرة زيك يقدروا يعملولي حاجة ولا يقفوا قصادي."
رمقه جواد بنظرات حادة بعدما انتفخت أوداجه بغضب وصاح أمامه يرد على حديثه المتعجرف.
"لا أقدر. طالما الموضوع يخص مراتي يبقى أقدر. ده حقها مش حقي. وإن كنت بسكت في اللي بتعمله معايا ده. ميديكش الحق إنك تعمل كده في مراتي."
حاولت جليلة التدخل ممسكة بيد فاروق بضعف وتمتمت بنبرة باكية متوسلة إليه.
"فـ… فاروق خلاص خلاص عشان خاطري. كفاية كده وغلاوتي عندك."
تطلعت نحو جواد وتابعت حديثها مجددًا محاولة إنهاء الأمر.
"جواد عشان خاطري يا حبيبي خلاص. مش هتحصل تاني."
وجهت بصرها نحو رنيم الباكية وتحدثت بضعف.
"خلاص يا حبيبتي متزعليش. حقك عليا. واللي حصل والله ما هيتكرر تاني."
صاح فاروق بغضب بعد استماعه لحديثها الموجه لرنيم.
"أنتي بتعملي إيه. اللي زي دي متتكلميش معاهم. وهي مش هتفضل هنا. ده آخر كلام عندي."
غمغم جواد يرد على حديثه بكبرياء متطلعًا أمامه بحدة.
"لا. أنا ولا مراتي هنقعد هنا تاني. كلامي دلوقتي مش عشان أقعد هنا أو لأ. كلامي في اللي عملته أنت. مينفعش تمد إيدك على مراتي. هي متجوزة راجل ولازم أجيب حقها."
لطمت جليلة فوق صدرها بقوة صارخة معترضة بعد استماعها لرد جواد.
"جواد يا حبيبي تمشي فين؟ خلاص يا فاروق اسكت. اللي حصل يا حبيبي مش هيتكرر تاني. بس اهدى عشان خاطري."
صاح بها فاروق بحدة لتصمت.
"جـلـيـلـة…. اسكتي خالص ومتدخليش."
تطلع نحو جواد ببرود مغمغمًا بلا مبالاة.
"لو عاوز تمشي أمشي. ميهمنيش. خد الحرامية وأمشي من هنا."
ضرب جواد المنضدة التي أمامه بعصبية وضيق مغمغمًا بحدة.
"مراتي مش حرامية. وهمشي فعلاً. لا أنا ولا هي عاوزين نقعد في البيت ده."
وجه حديثه بهدوء نحو رنيم الواقفة تبكي بصمت لا تصدق ما تراه أمامها. يقف أمام والده لأجلها. لم يهتم بحديثه ويثق بها هي.
"اطلعي يا رنيم جهزي الحاجة بتاعتنا عشان نمشي."
تمسكت جليلة به متمتمة بضعف وقد بدا التعب فوق وجهها محاولة التدخل لإنهاء قراره.
"جواد تمشي إيه يا حبيبي؟ والله اللي حصل ما هيتكرر تاني. محدش هيكلم رنيم كلمة. بس اهدى بس. أنا مقدرش أبعد عنك."
لم ينكر حزنه على والدته وخوفه عليها. عالمًا طريقة والده القاسية الحادة أحيانًا معها. أغمض عينيه بضيق واحتضنها بحنان مردفًا بإصرار بعد شعوره بإهانة زوجته.
"ولا أنا أقدر. هاجيلك على طول متقلقيش. أنا عمري ما أبعد عنك. بس مينفعش نقعد هنا أنا ورنيم بعد اللي حصل."
تابع حديثه متطلعًا نحو رنيم التي لازالت واقفة كما هي في مكانها.
"يلا يا رنيم اطلعي جهزي حاجتنا عشان نلحق نمشي."
رمقه فاروق بغيظ شاعرًا بالضيق كونه اختار زوجته وفضلها عليه وعلى والدته. لم يتخيل يومًا أن يترك المنزل نهائيًا. لكنه ظل كما هو يقف بشموخ وبرود يظهر اللا مبالاة فوق ملامحه. وغمغم بكبرياء وعناد.
"اطلعي يا سما معاها عشان تتأكدي أنها بتاخد حاجتها بس مش حاجات تانية."
ابتلعت رنيم تلك الغصة القوية التي تشكلت داخلها من إهانته لها. شعر بها جواد هو الآخر وانفلتت مشاعره. فاقدًا السيطرة على ذاته بعد حديث والده الذي جعله يستشاط غضبًا. ملقيًا كل ما كان أمامه أرضًا. صائحًا بغضب وتوعد.
"أنت بتقول إيه. اللي بتقوله ده جنان. أنا مراتي متعملش كده. دي أحسن من الكل. أنت اللي هتفضل كده زي ما أنتَ. عاوز إيه؟ هسيبلك البيت كله وأمشي. كفاية لغاية هنا خلاص."
توجه نحو رنيم يحتضنها بحنان شاعرًا بالحزن لأجلها. مشددًا من احتضانه لها كأنه يخبرا أنه يشعر بها. مستنكرًا أفعال والده التي تجعله يشعر بالخجل.
كانت مديحة تقف تشاهد كل ذلك بتسلية وكأنها ترى مسرحية أمامها. تستمع إلى إهانة رنيم بابتسامة واسعة تزداد اتساعًا بعدما تستمع إلى شهقاتها الباكية وترى دموعها التي تسيل بلا توقف.
كانت أروى مثلها تقف فرحة تشاهد نتائج فعلتها الماكرة التي فعلتها بصمت دون علم أحد. لم تنكر انزعاجها من طريقة جواد الحادة لأجلها. طريقته التي تثبت حبه الشديد لها. لأول مرة لم يهتم لحديث والدته ويفعل كل ذلك لأجلها. حقدها يزداد ضد رنيم. لكنها تقف ترى دموعها باستمتاع متوعدة لها أكثر. مقررة أن تفعل المستحيل لتجعله يتركها. ستحصل في النهاية على جواد وتفوز عليها.
لم تتحمل جليلة كل ما يحدث. ترى الأمر يزداد سوء بين زوجها وابنها وذلك آخر ما تريده. كانت تشعر بالدوار يلتف بها دون أن تستمع إلى شيء مما يدور. لا تفهم ما يحدث لها. لكنها شعرت بغيمة سوداء حلت أمام عينيها وسقطت أرضًا غير شاعرة بما يدور حولها.
صرخت سما بصدمة وخوف متمتمة بنبرة باكية بعد رؤيتها لوالدتها الساقطة أرضًا.
"جـ… جواد الحق ماما عشان خاطري."
تطلع الجميع نحوها بخوف. لكن فاروق كان أول مَن اندفع نحوها يحملها برعب وقد تحولت ملامحه سريعًا بعد رؤيته لها ساقطة أرضًا.
توجه بها سريعًا نحو غرفتهما شاعرًا بقلبه يتوقف من فرط خوفه عليها. أسرع جواد يتصل على الطبيب الخاص بها الذي أتى مسرعًا. كان يشعر هو الآخر بالقلق والخوف على والدته. وقفت رنيم بجانبه بعدما شعرت بما يدور بداخله. وخاصة أن كل ما حدث كان بسببها. تمتمت بتوتر وهدوء.
"متقلقش يا جواد هتبقى كويسة والله متزعلش. هتطمن عليها. حقك عليا أنا السبب في ده كله."
لم يشعر بذاته سوى وهو يحتضنها بضراوة مشددًا عليها يعبر لها بفعلته عن مدى احتياجه لها في ذلك الوقت. أجابها بصوت أجش حزين.
"متقوليش كده. مفيش حاجة. وهي بإذن الله هتبقى كويسة. هنتطمن عليها."
تركها وتوجه نحو شقيقته التي تقف تبكي بشدة. احتضنها بحنان مغمغمًا به محاولًا أن يجعلها تهدأ قليلًا.
"كفاية عياط يا سما. متقلقيش هي هتبقي كويسة."
مسح دموعها بحنان فابتسمت من بين دموعها وأجابته بنبرة حزينة باكية.
"جـ… جواد متمشيش وتسيبنا عشان خاطري أنا وماما. والله ما هنخلي بابا يعمل حاجة تاني. بس عشان خاطري بلاش ماما مش هتقدر تستحمل ولا أنا."
تطلع نحو رنيم وهو عاجز عن رفض طلب شقيقته المُحقة. فهمت نظراته جيدًا ولم تقوى هي الأخرى على الرفض. فأومأت لها أمامًا بصمت. أجاب شقيقته بحنان وهدوء.
"متقلقيش مش همشي خلاص. أنا مقدرش أبعد عنك أنتي وماما."
شعرت أروى بالغيظ بعد فشل مخططها التي لم تستفد منه بعد كل ما فعلته. عاد الأمر مرة أخرى لما كان عليه. بينما مديحة كانت تشعر بالنيران متأهبة من قلبها بعد رؤيتها لخوف فاروق الشديد الذي تحول بعد سقوط جليلة. غضبه وكل شيء كان يشعر به اختفى ليحل محله الخوف والقلق عليها. مؤكدًا لها بحبه الشديد لجليلة بالرغم من جميع أفعاله.
ذهب الطبيب بعد أن أخبر فاروق بحالتها مؤكدًا ابتعادها عن أي ضغط وأي شيء من الممكن أن يؤثر عليها بالسلب.
كاد جواد يدلف ليطمئن عليها. لكن استوقفه فاروق الذي منعه بغضب يرى أن مرضها كان بسببه.
"أنت عاوز إيه؟ مش قولت إنك هتمشي وتسيبها وعملت فيها كده؟ أمشي وسيبها يلا. واقف عاوز إيه منها؟ ليه عاوز تدخلها؟"
لم يهتم بحديثه مسيطرًا على ذاته لأجل والدته وأجابه بهدوء وجدية.
"أنا هدخل أطمن عليها أكيد. مش هسيب أمي وهي تعبانة كده."
تمتمت سما بتوتر لتنهي الأمر.
"خـ… خلاص يا بابا عشان ماما متزعلش."
دلف جواد لوالدته يطمئن عليها. بينما رنيم فعادت مرة أخرى إلى غرفتها بضيق. كانت تود الذهاب من ذلك المنزل. لكنها شعرت بتمسكه بوجوده مع والدته خاصة احتياجها له وحزنها على ابتعاده عنها.
ظل يتحدث معها ثم خرج بعدما وجد والده يدلف ليطمئن عليها هو الآخر. سار متجهًا نحو غرفته وجدها جالسة تبكي بضعف. فاحتضنها بحنان مغمغمًا بأسف.
"حقك عليا. متزعليش. والله هنمشي بس شوية عشان ماما تكون اتحسنت."
احتضنته بضراوة وتمتمت بهدوء من بين شهقاتها.
"لـ… لا خلاص عادي. كفاية اللي عملته تحت عشاني. المهم طنط جليلة تبقى كويسة."
التقط كفها بحنان طابعًا قبلة رقيقة فوقه ومسح دموعها بحنان مردفًا بمرح.
"مبحبكيش تعيطي. عاوز أشوف عيونك الحلوة دول."
ابتسمت بخجل من بين دموعها فالتقط شفتيها في قبلة عاشقة مردفًا بعشق.
"الواحد بيموت فيكي أنتي وعيونك دول."
ضحكت بخجل ودفنت وجهها في عنقه متمتمة بخفوت.
"بس بقى كفاية كده. أنت عارف أن أنا بتكسف."
ظل يتحدث معها بمرح ليجعلها تخرج عن حالة الحزن المسيطرة عليها. وهو حزين لرؤيتها بتلك الهيئة الشاحبة.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام.
كانت تجلس رنيم ممسكة هاتفها الجديد تتطلع إلى رسالة التهديد التي تصل إليها يوميًا. شعرت بالضيق. أغمضت عينيها بضعف وارتعشت يدها. لا تعلم ماذا تفعل. هي لن تستطع أن تجمع له المال الذي يطلبه. تشعر أنها تائهة. لا تعلم ماذا تفعل. أتعترف لجواد أفضل؟!
لكنها تخشى رد فعله عندما يعلم. بالطبع سيكذبها. لن يصدق ما ستقوله. لن يصدق دافعها لتفكيرها في شيء مثل هذا الأمر بأكمله مُخفى عنه.
قلبها يرتعش بداخلها مهما حاولت أن تدعي القوة. تلعن ذاتها على فكرتها الحمقاء التي تدفع ثمنها الآن. ذلك الشخص لن يتركها سوى عندما يحصل على المال الذي يريده. وهي لم تمتلك شيئًا. فكيف ستحضره له؟! وكيف ستتخلص من أذاه الملاحق لها باستمرار. أطلقت تنهيدة حارة بضعف محاولة التقاط أنفاسها بصعوبة.
أغمضت عينيها باكية بضعف وجسدها يرتعش. لا تعلم ماذا تفعل. لكنها فجأة شعرت بالتعب يجتاح جسدها. أغلقت عينيها بتعب ملتقطة أنفاسها بصعوبة متمسكة بالفراش لتجلس فوقه. لكنها لم تشعر بشيء آخر حولها وقد غابت عن وعيها تمامًا.
❈-❈-❈
في نفس الوقت علم جواد أن هناك شخص ما يريد مقابلته. فأعطى الإذن له أن يدخل.
وقف محسن يطالعه مقررًا تنفيذ خطته للحصول على المال متغلبًا على خوفه من الأمر.
قطب جواد جبينه بدهشة عندما رآه متعجبًا من وجوده وسأله بخشونة وجدية حازمة.
"أنت!! أنت عاوز إيه؟ مش أنت."
قبل أن يستكمل سؤاله غمغم محسن يجيبه بجراءة مبتسمًا بمكر.
"أنا محسن. مش صاحب أخوها زي ما كذبت وقالتلك. أنا من طرف عصام اللي قتلته. هي وجه وقت الحقيقة تبان."
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
❈-❈-❈
يتبع…