تحميل رواية لهيب الروح بقلم هدير دودو pdf
بقلم هدير دودو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في الصباح، زحفت رنيم أرضًا والدموع تنهمر فوق وجنتيها بقهر وحسرة. قدميها لم تتحمل الوقوف عليهما. وصلت نحو المرحاض وبدأت تزيل عنها ملابسها البالية من أثر ضرباته لها ليلة أمس. بدأت تتطلع نحو جسدها والعلامات التي تملأ جسدها. أغمضت عينيها بضعف شديد تحاول أن تقف أسفل المياه لعلها تهدئ من الألم الذي يعصف بها. نجحت في النهاية بعد عدة محاولات أن تقف أسفل المياه الساخنة لتخفض من آلام جروحها الجديدة. ارتدت فستانًا من اللون الأسود طويل يصل إلى كاحليها ذو أكمام تغطي ذراعها بأكمله، لا تريد أن تظهر أي أثر في ج...
رواية لهيب الروح الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هدير دودو
ركب جواد سيارته بعقل مشتت شارد، لا يعلم كيف جعلها تسير بتلك السهولة. لكن ما علمه جعله مشتتًا، لا يعلم ماذا يفعل بعد معرفة الحقيقة. هل خدعته ببراءتها وحبه لها الذي جعله يفقد صوابه ولا يرى الحقيقة؟ هل ما يراه منها ستار تخفي خلفه حقيقتها الكاذبة بمهارة؟
عاد بذاكرته متذكرًا كل كلمة تفوه بها محسن، متذكرًا تلك الكلمات التي حُفرت في عقله عنها.
وقف محسن يكشف عن هويته الحقيقية ببرود ومكر، مقررًا تنفيذ خطته إلى نهايتها.
"أنا محسن، كنت صاحب عصام الله يرحمه، مش زي ما قالتلك هي. كدبت عليك عشان تخبي الحقيقة."
لم يفهم جواد حديثه، عن أي حقيقة يتحدث ذلك؟ ولماذا كذبت رنيم عليه عندما أخبرته أنه صديق شقيقها؟ هتف متسائلًا بخشونة حادة ولهجة حازمة:
"حقيقة إيه اللي تخبيها؟"
تغلب على خوفه أمامه، ملتقطًا أنفاسه بصعداء، واستكمل خطته مجيبًا عليه بخبث:
"إن هي اللي قتلت عصام الهواري، مرات حضرتك يا باشا هي اللي قتلته."
هب جواد بعصبية مقتربًا منه وأمسكه من أطراف قميصه، صائحًا به بحدة غاضبة:
"آخرس خالص وبلاش جنان اللي بتقوله ده. قسما بالله أوديك في داهية."
لكمه في وجهه بقوة جعلت الدماء تسيل من أنفه، واستكمل حديثه بحدة وغضب أكبر متوعدًا له:
"فوق لنفسك يلا، شكلك نسيت أنت فين. ولو مش عاوز تطلع من هنا، عيد كلامك ده تاني."
ضغط فوق شفتيه الرفيعة بغضب وتحدث مغمغمًا باستفزاز وبرود وهو يضحك على غير المتوقع:
"لو كده يا باشا يبقى مش هنطلع من هنا أنا والمدام. بس أنا ضامن خروجي عشان ما عملتش حاجة، لكن هي بقى اللي عملت. هي خططت ونفذت كل حاجة."
لكمه مرة أخرى بحدة وصاح به بنبرة جنونية غاضبة:
"متجيبش سيرتها على لسانك، وقتها والله ما هتشوف نور الشمس تاني من اللي هيحصل فيك."
حاول محسن أن يسيطر على حديثه لينفذ ما يريده، وأجابه بتعقل:
"ياباشا طب اسمع اللي عندي، اسمعني الأول وبعدها ابقى احكم."
أومأ برأسه أمامًا، سامحًا له بالتحدث. فانتهز محسن تلك الفرصة التي أتت إليه، وتحدث بمكر:
"بص ياباشا، أنا كان ليا فلوس عند عصام عشان بينا شغل، وهو كان واكلها عليا. جيت مرة أروحله البيت، شوفت المدام. عرفتها أنا مين وعاوز إيه. راحت قالتلي: سيبني من فلوسي دول شوية فكة، وركز معاها هي في مصلحة أحلى. والمصلحة دي قتل عصام عشان تورث وترتاح كمان، لأنها مش بتحبه."
استمع جواد إلى حديثه بعدم تصديق، مغمغمًا بعصبية حادة بعدما برزت عروقه بغضب وتحولت ملامحه، أصبحت تزداد حدة، كان الشرر يتطاير من عينيه المصوبة نحوه يود قتله:
"هو أنا المفروض أصدق واحد زيك؟ ليه شايفني عيل؟ ما تفوق لنفسك والكلام ده ميتكررش بينك وبين نفسك حتى، تنساه خالص."
ضحك باستفزاز، وارتسم فوق شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم أجابه بجدية متبجحًا:
"أنا مبقولش أي كلام، أنا معايا دليل على كلامي وهوريهولك عشان تصدق اللي بقوله وتعرف مين اللي قتل عصام بيه الهواري."
رمقه بعدم اقتناع، مغمغمًا بسخرية هو الآخر، ولا يزال لم يصدق ما يتفوهه ذلك الأحمق، واثقًا أنها لم تفعل شيئًا هكذا:
"وأنتَ بقى بتوريني كل ده وبتسلم نفسك؟ بايع نفسك للدرجادي! ده فيها إعدام."
طالعة بعينيه الماكرة وغمغم مسرعًا بخبث للدفاع عن ذاته، بعدما قد أخرج له بعض الأوراق:
"لا ياباشا، أنا بعرفك إنها اتفقت معايا بس. لكن أنا منفذتش، هي بقى اللي جابت الناس دول وعملت الحوار ده كله عشان تبعد الشك عنها. بعد كده أنا في الوقت ده كنت تعبان، محجوز في المستشفى، واهو الورق اللي يثبت كده."
وضع الأوراق أمامه مبستمًا بانتصار، مقررًا الانتقام لفعلتها وعدم اهتمامها به، ظنًا منها أنه لن يستطع أن يتخذ تلك الخطوة، لكنه فعلها ونفذ كل ما بها بتفكير شيطاني ماكر، لتصبح أمامه هي القاتلة المتسببة في كل ذلك.
بدأ جواد يتطلع في الأوراق، متأكدًا من صحة حديثه، لكنه حاول أن يثق بها، نافيًا ظنونه التي دارت بداخله بعد استماعه لحديثه. غمغم بخشونة وجدية تامة، ولا يزال عقله يرفض تصديقه:
"اللي بتقدمه ده ملوش علاقة برنيم، وكلامك ده تنساه نهائي أحسن لك."
غمغم كلمته الأخيرة بوعيد حاد، مزمجرًا بغضب.
ظل يعبث في هاتفه لبضع دقائق، وسرعان ما صدح صوت رنيم المسجل وهي تقول بنبرة حادة صائحة به بغضب:
"أنا هبعتلك المكان اللي قال عليه ده، تيجي تعمل اللي قولتلك عليه. اقتله بقى، عاوزة أخلص، ولا أنت مش عاوز تاخد الفلوس؟ هديك، قولتلك كل اللي عاوزه، بس عصام يموت."
فتح مكالمة أخرى دارت بينهما، فمنذُ أن اتفقت معه وأخبرته بما تريد، كان يسجل جميع المكالمات التي تمت، مبتسمًا بمكر منتصر، بعدما تطلع نحو ملامح وجه جواد التي تحولت تمامًا إلى الغضب والصدمة، احمرت عيناه بضراوة، مستمعًا لصوتها الغاضب وإصرارها الشديد على التنفيذ، مسرعًا للتخلص منه:
"احنا اتفاقنا واضح، مفيش فلوس من غير بعد موت عصام، لما أورث ابقى أديلك. غير كده ملكش حاجة عندي. عصام لازم يموت، وياريت تنفذ بسرعة، محتاجة أخلص بسرعة، مش قادرة استحمل."
ظل جواد في حالة من الصمت تحت تأثير صدمته مما استمع إليه، كان سيكذبه، لكنه يعلم جيدًا أنه مسجل بصوتها، وكذبها عليه في أمر ذلك الشخص وتوترها الدائم عندما تستمع إلى رنين هاتفها أكد له كل ذلك.
حاول أن يتماسك وجذبه بغضب، مغمغمًا بحدة:
"أنت جاي عاوز إيه؟ عاوز تفهمني إنك موافق تتسجن؟ ما هو حتى لو الكلام طالع منها، أنت كمان مشترك فيه."
انتهز الفرصة وشرح له الأمر بمكر، وهو يطالعه باستفزاز منتصر عليه، نافيًا حديثه:
"مشترك في إيه يا باشا؟ لا مش كده. أنا كنت في المستشفى محجوز، هي اللي لما لقتني اتأخرت عليها، اتفقت مع غيري. أصل الناس دلوقتي تعمل أي حاجة عشان الفلوس."
ضرب فوق سطح مكتبه بعنف وصاح يسأله بغضب حاد يعميه:
"وأنت عاوز إيه بقى؟ مرة واحدة ضميرك صحي وجاي تبلغ عنها."
أجابه بطمع وخبث، شاعرا بالفرحة لنجاح خطته التي تسير مثلما خطط لها:
"لا، أنا ضميري بيرتاح بمبلغ حلو وأنسى الموضوع كله، وأسلمك التسجيلات، تعمل فيها زي ما تحب يا باشا. الحوار كله هيبقى بره عني."
وضع ورقة صغيرة مدون بها رقمه فوق المكتب، وغمغم بخبث، منتهزًا حالة جواد السيئة، والتي لا تزال الصدمة تؤثر عليه:
"ده رقمي، كلمني ياباشا لو اتفقنا على الفلوس، ولا نشوف حد تاني يدفع؟"
لم ينتظر رد جواد، بل سار نحو الخارج بخطوات واسعة ليهرب من ذلك المكان الذي أتى إليه بعد تفكير كبير، لكن قادته مطامعه لاستغلال الأمر حتى يحصل على المال بعد تراجعها معه. التقط أنفاسه بصعداء وارتياح، مقررًا الانتظار حتى يرد عليه.
عاد جواد بذاكرته، وجد ذاته أمام المنزل، لا يعلم كيف وصل، لكنه يشعر بالضيق بعد علمه للذي تخفيه. غمغم بغضب، موبخًا ذاته:
"غبي، إزاي أسيب الواد ده يمشي؟!"
أغمض عينيه بضعف، شاعرًا بالعجز والحزن، لا يعلم ماذا يجب عليه أن يفعل؟ خاصة أنه تأكد أنها صاحبة الصوت وحديث محسن صادق. برزت عروقه بغضب، ملتقطًا أنفاسه بصوت مرتفع، وترجل من سيارته بخطوات غاضبة وجسد متشنج، مسيطرًا على ذاته بصعوبة ليخفي الأمر عن الجميع.
يشعر بالتشتت، هناك شيء بداخله يخبره أنها لم تفعلها، لكن الحقيقة تثبت له غير ذلك. كيف يستطع الابتعاد عنها بعدما بنى أحلامه السعيدة معها؟ كيف سيجبر قلبه على الابتعاد عن مَن أحب؟ قرر إخفاء الأمر عن الجميع حتى يتأكد ويعلم ماذا سيفعل. أطلق تنهيدة حارة، حارقة لقلبه، وسار متوجهًا نحو الداخل.
***
في نفس الوقت، كانت رنيم في الغرفة، تجلس بجانب جليلة بعد ذهاب الطبيب. بدأت تستعيد وعيها وتعود للواقع. ابتسمت جليلة ما أن رأتها وغمغمت بسعادة محتضنة إياها:
"مبروك يا حبيبة قلبي، يتربى في عزك أنتيِ وجواد."
لم تفهم رنيم ما تعنيه، فحديثها يعني أمرًا واحدًا. حركت رأسها نافية بعدم تصديق لتلك الفكرة التي أتت داخل عقلها، فهذه الفكرة بالنسبة لها مستحيلة. زجرت ذاتها بعنف وسألتها بنبرة خافتة مجهدة:
"قصدك إيه يا طنط؟ هو في إيه؟"
أجابتها مبتسمة بسعادة، مشددة من احتضانها:
"مبروك ياحبيبتي الحمل، ربنا يكملك بخير."
رمقتها بذهول، ولا تزال لم تصدق حديثها بالطبع، هناك أمر خاطئ. سألتها مرة أخرى بنبرة متلعثمة بعدم تصديق، وهي تحت تأثير الصدمة مما استمعت إليه:
"ا… أنتي متأكدة يـ… يا طنط من اللي حضرتك بتقوليه؟ يـ… يعني أنا حـ….حــامــل؟!"
كانت تسألها بصدمة، هل هي حقًا ستصبح أم مرة أخرى لطفلها هي وجواد؟ كيف يحدث ذلك وهي غير قادرة على الإنجاب مرة أخرى بعد فقدان طفلها؟ هل ستكون مسؤولة عنه حقًا، تحمله داخل أحشائها من جديد؟ تشعر بمشاعر جديدة بداخلها، مشاعر قد انتهت بفقدان طفلها الأول المرتبط بذكريات سيئة تكرهها. ستعود لها مشاعرها من جديد بطفلها منه، هي ستكون أمًا لابنها هي وجواد، الحلم التي تمنته وكان مستحيلًا يتحقق الآن.
وضعت يدها تمررها فوق بطنها بسعادة وحنان، ولا تزال غير مصدقة. دموعها تسيل فوق وجنتيها بسعادة من بين ابتسامتها التي زينت وجهها، وقد نسيت كل شيء بسبب ذلك الخبر.
كانت مديحة تقف تطالعها بحقد، شاعرة بالغضب من حملها الذي سيصعب عليها هي وابنتها الأمر، كيف ستجعله يتركها بعد حملها لابنه؟ وكيف ستقنع فاروق بتنفيذ الأمر وهي تحمل حفيده الذي يتمناه؟
أطلقت تنهيدة غاضبة، وهي تقف ترمقها بنظرات حادة تخترقها بغضب، تنهدت بصوت مرتفع وسارت نحو الخارج بصحبة أروى، التي لم تقل عنها غضبًا وتلعنها بداخلها متوعدة بغضب.
وصل جواد الغرفة وهو لا يزال غاضبًا، توقف أمام الغرفة ملتقطًا أنفاسه بصعداء، ثم ولج الغرفة بوجه مكفهر غاضب. تفاجأ بوالدته التي احتضنته بسعادة مهللة بفرحة لتهنئه:
"الف مبروك ياحبيبي، يتربى في عزك."
لم يفهم مقصد حديثها، وقبل أن يسألها، استمع إلى رنيم التي تمتمت بسعادة ضاحكة:
"جواد أنا حـامـل، هتبقى أب ياحبيبي، وأنا كمان هبقى ماما بجد."
قطب جبينه بصدمة وظل كما هو، لم يبدِ رد فعله، بل أجاب على والدته بجدية:
"الله يبارك فيكي ياماما."
احتضنته بسعادة وسارت نحو الخارج، مردفة بحنان:
"شكلك تعبان، هسيبك ترتاح شوية. مبروك ياحبايبي، ربنا يكمل على خير يارب."
سارت نحو الخارج، تاركة إياه يقف يطالعها بنظرات حادة. فطالعته بتعجب وتمتمت متسائلة بتوتر:
"في حاجة يا جواد؟ أنت مش فرحان؟"
كانت لا تفهم سبب غضبه ونظراته المصوبة نحوها التي لم تنجح في تفسيرها، فعادت سؤالها مرة أخرى بنبرة متلعثمة خائفة:
"جواد في إيه مالك؟ أنت مش فرحان إن أنا حامل؟"
طالعها باستهزاء وغمغم بتهكم ساخرًا:
"هي دي كمان كانت كدبة جديدة من ضمن كدبك؟"
قطبت جبينها بذهول متعجبة، بعدما تأكدت أن هناك شيء ما حدث معه، لكنها توقعت رد فعل آخر غير ذلك. حزنت بسبب ردوده المباغتة غير المتوقعة، لكنها حاولت أن تهدأ لأجله وتمتمت بهدوء:
"جـواد أنت بتقول إيه ياحبيبي؟ مش فاهمة. أنا بقولك أني حامل، في إيه مالك؟ حصل حاجة معاك في الشغل؟"
غمغم بقسوة وعيناه معلقة نحوها بحدة، والشرر يتطاير من عينيه بغضب، متذكرًا فعلتها وكذبها عليه:
"مش مهم تفهمي، كدة كدة الحمل ده هينزل."
ظلت عدة لحظات ترمقه بصدمة وعدم تصديق، تكذب أذنيها، وقد شحب وجهها بخوف، وتمتمت متسائلة بدهشة:
"جــ… جـواد أنت بتقول إيه؟!"
كرر حديثه مرة أخرى بنبرة تزداد حدة وقسوة، غير مبالٍ لحالتها الضعيفة التي أمامه:
"زي ما سمعتي، الحمل ده هينزل، مش عاوزاه."
بدأت تجتمع بعض الذكريات المؤلمة داخل عقلها، ولا تزال تحت تأثير الصدمة مما استمعت إليه، لكنها حاولت السيطرة على ذاتها قليلًا وتمتمت معترضة بحزن باكية:
"بــ… بس أنا عاوزاه يا جواد، ده ابننا، مش هنزله."
صاح أمامها بحدة غاضبة، ولا يزال يرمقها بنظرات مشتعلة بالغضب، لا يصدق أنها استطاعت خداعه بتلك الطيبة التي تظهرها أمامه، كيف نجحت وفعلتها، لا يزال لا يعلم كيف فعلتها:
"أنا مباخدش رأيك ولا طلبته عشان تقولي له. الحمل ده هينزل ومش بمزاجك."
رمقته بذهول مستنكرة ما تفوه به، لا تعلم منذُ متى وهو قاسٍ معها هكذا، لأول مرة تراه يحدثها بتلك الطريقة الحادة، لكنها أجابته متعجبة بدهشة:
"أنت بتقول إيه؟ هو إيه اللي مش بمزاجي؟ أنا أمه يا جـواد، أنا اللي حامل فيه!!"
ابتعد بعينيه عن نظراتها، وأردف بإصرار وبرود دون أن يعطي حديثها اهتمامًا، كأنه لم يستمع إلى ما تردفه:
"بكرة هنروح لدكتور ينزله يا رنيم، خلاص، أنا مش عاوز منك عيال."
حديثه كان كالخنجر الذي غُرز في قلبها بقسوة، وضعت يدها فوق بطنها بحماية، خوفًا من أن يفعلها عنوة عنها كما حدث من قبل. لن تدعه يفعل ذلك، هذا مستحيل. ستحمي طفلها تلك المرة وتتمسك به، إن كلفها الأمر حياتها، ستتنازل عنها، لكن عنه هو مستحيل. خشيت بضراوة عندما رأت إصراره وجديته في تنفيذ ما يقوله.
مَن أمامها هو نسخة من عصام، ليس جواد التي أحبته، بالطبع مستحيل، هو يثبت لها تلك المرة أنه ابن لتلك العائلة القاسية، هو جواد الهواري، ابن العائلة القاسية التي سلبتها روحها وأنفاسها. يود قتل ابنها مرة أخرى كما حدث معها من قبل.
بدأت بعض الذكريات السيئة تداهم عقلها، متغلبة عليه، ترتجف برعب، وكأنها تعيشها الآن. ترى هيئة عصام التي تحولت، تشعر بضرباته المبرحة التي سُددت لها بقوة قاتلة، تستمع إلى سبه لها لتمسكها بطفلها. كانت تبكي بضراوة، وكأنها تعيش تلك اللحظة الآن، تبكي وتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، جسدها يرتجف بخوف.
لم تريد شيئًا الآن سوى طفلها فقط.
لم يستطع جواد أن يمنع ذاته من الاقتراب منها بعدما رأى حالتها التي تسوء، لكن قبل أن يحتضنها أو يفعل شيئًا، ارتفعت صرخاتها المرتعبة بخوف، تعترض اقترابه تلك المرة، تعترض على حدوث شيء كانت تتمناه:
"لـ…. لأ لأااا مش هسيبك تقتله تاني، أنت زيه وهم كلهم، أنا كنت غلط…. بس مش هسيب ابني يموت، ابعد عني، عاوز تموته زي ما هو عمل، أنا بكرهك وبكرهكم كلكم، بكره العيلة دي كلها، بس برضو لـ…. لأ ابني محدش هيقرب منه، المرة دي مش هسمح أني أخسره أبدًا."
شعر بالشفقة تجاهها، متعجبًا حديثها الملئ بالألغاز، لكنه فهم منه شيئًا واحدًا، أنها فقدت طفلها الأول بالإجبار عنوة عنها، لذا تخشى من تكرارها مرة أخرى. حاول أن يغمغم بهدوء لتهدأ قليلًا:
"طب اهدي، خلاص مش هعمل حاجة، ولا هيحصل حاجة، اهدي بس."
لم تستمع إلى حديثه، عقلها فقط يعيد لها تلك الذكرى المؤلمة التي توقف أنفاسها تمامًا. عادت حديثها بإصرار، ولكن نبرة تزداد ضعف ودموعها تسيل فوق وجنتيها بقهر وحزن مميت، توقفه وتمنعه من الاقتراب منها:
"لـ… لا خليك بعيد، ابعد عني أنا وابني، محدش هيعمله حاجة المرة دي، لا محدش هيقدر."
وضعت يديها فوق بطنها متمسكة بثيابها بحماية، ولا تزال تبكي. لم يستطع أن يتحدث بعد رؤيته لحالتها، أومأ برأسه أمامًا مبتعدًا عنها، وهو يحلل كل كلمة تفوهت بها أمامه، مقررًا البحث خلف حديثها، لعله يصل إلى حقيقة أخرى تختلف عند الحقيقة السوداء التي توصل إليها. كان يتطلع نحو حالتها بحزن، يمنع ذاته بصعوبة من الاقتراب منها وتهدئتها، حتى لا يجعل حالتها تسوء.
***
داخل الغرفة الخاصة بأروى، كانت تجلس بصحبة مديحة، تشعر أنها ستنفجر من الغضب المتواجد بداخلها، مستنكرة خبر حمل رنيم الذي جعلها تشعر بغضب عارم كاد يفتك بها، مستشعرة صعوبة وصولها لجواد بوجود طفل يربط بينه وبين تلك الحية المتخفية التي تدعى رنيم، وتود قتلها.
صاحت بغضب لوالدتها التي لم تقل عنها غضب:
"إزاي يا ماما!! إزاي الحيوانة دي حامل؟ مش هي مش بتخلف، إيه اللي جد؟!"
رفعت كتفيها إلى أعلى ببرود، والدماء تغلي بداخلها هي الأخرى، وأجابتها بغضب حاد:
"مش عارفة إزاي حملت، ده عصام بنفسي كان مأكدلي إنها مش بتخلف، إيه اللي حصل؟ أنتي عارفة ده معناه إيه لينا؟"
أومأت رأسها أمامًا وأجابت والدتها بنيران مشتعلة بداخلها، بعدما شعرت بفشل جميع مخططاتها القادمة بعد ذلك الخبر الذي باغت الجميع:
"مفيش طلاق للبت دي، وجواد هيتمسك بيها أكتر. ده متمسك وهي مبتخلفش، امال لما تجيبله ابنه هيعمل إيه؟ كل حاجة باظت بسببها، بوظت كل حاجة بحملها ده، إحنا لازم نتصرف، مش هنقعد نتفرج عليها وهي بتاخد الحاجة اللي عاوزاها."
صمتت لوهلة، ملتقطة أنفاسها بغضب، وغمغمت بغرور غاضب:
"أنا اللي المفروض أبقى مرات جواد، مش هي. كل حاجة باظت كده بسببها."
صاحت مديحة بها بحدة أخرستها، مقررة عدم الاستسلام، هي تمتلك المفاتيح بأكملها، تتلاعب بها بمكرها وخداعها، إذا غُلق باب أمامها، ستدلف من باب آخر بحيلة أخرى لتتحكم في النهاية بجميع الأمور:
"اسكتي خالص، مفيش حاجة هتقف ولا هتبوظ. أنا هتصرف… هتصرف وهرجع كل حاجة زي ماهي. بلاش كلامك ده، في مليون طريقة نتصرف بيها، وموضوع جواد بقى أصعب، بس مش مستحيل. لازم عشان نعمل كل حاجة في العيلة، تتجوزي جواد، دي هتحصل لو فيها إيه."
كانت تتحدث بغضب، والشرر يتطاير من عينيها، وهي تفكر فيما ستفعل لتفتح طريقًا جديدًا تسير فيه، وتصل من خلاله إلى أطماعها التي تزداد صعوبة.
كانت تتحدث بغضب والشرر يتطاير من عينيها، وهي تفكر فيما ستفعل لتفتح طريقًا جديدًا تسير فيه، وتصل من خلاله إلى أطماعها التي تزداد صعوبة.
لم تفهم أروى ما تقصده والدتها، كانت تطالعها بعدم فهم، تنتظرها لتشرح حتى تفهم، فسألتها بعدم فهم:
"يعني إيه ياماما؟ هنعمل إيه ولا هنتصرف إزاي؟ أنتي في حاجة معينة في دماغك؟"
أجابتها مؤكدة حديثها بخبث وغضب يتطاير من عينيها التي تحولت:
"هتعرفي يا أروى، هتعرفي أنا هعمل إيه وازاي هحل الموضوع من تاني. أنا بس عاوزاكي تتفرجي على اللي هعمله. الأول بس أعرف البت دي حملت إزاي وحامل ولا لأ، وهتشوفي خطة جديدة هتلفهم حوالين نفسهم."
عقبت على حديثها بشر أكبر وغضب يزداد وإصرار لتنفيذ ما تريده:
"الظاهر إن جه الوقت اللي مخبياه يظهر عشان العيلة دي تتربى."
ظلت أروى كما هي تطالعها بعدم فهم وإندهاش، لكنها تثق في والدتها، وتعلم أنها ستفعل شيئًا يقلب أحوال المنزل رأسًا على عقب حتى تنال ثأرها وتنفذ ما تريده. هي بالطبع تعلم تفكير والدتها، بدأت تلتقط أنفاسها بصعداء وهدوء، منتظرة ما ستفعله والدتها.
***
في الصباح…
استيقظ جواد على صوت دقات هادئة فوق الباب. شعر بالدهشة من الأمر الذي جد، فهو اعتاد ألا أحد يأتي إليهما صباحًا. نهض بجدية وسار مقتربًا نحو الباب، تفاجأ بوالدته مبتسمة تحمل بعض أنواع الطعام الشهي، وغمغمت بحنان:
"خد ياحبيبي دول عشان رنيم تفطر، هي مش بتحب تنزل تحت. اكلها كويس يا جواد، هي ضعيفة لوحدها."
تناولها عنها ورد عليها بهدوء، مبتسمًا لحنان والدته واهتمامها بجميع الأمور:
"حاضر يا أمي، تسلم إيدك ياحبيبي، تعبتي نفسك. هصحيها أهو."
تمتمت بسعادة ونبرة مهللة بالفرح بعد تحقيق ما كانت تتمناه دومًا وتتمناه أي أم حنونة مثلها:
"ده أنا نفسي أتعبلك يا حبيبي أنت وابنك، واهو جاتلي الفرصة. المهم خلي بالك منها ومتزعلهاش، أنا هنزل عشان الحق أجهز حاجات أبوك."
همهم بحنان يرد عليها وتوجه نحو الداخل لينفذ ما قالته والدته والاعتناء بها لحالتها الضعيفة. وقف أمامها يطالعها بنظرات عاشقة وهي نائمة كالملاك البرئ، تسلبه صوابه، لا يصدق أنها تستطيع فعل أمر هكذا، هي نقية، ذات قلب طيب، حنونة، لم تستطع أن تفعلها، لكن كيف، وجميع الأدلة ضدها؟ هو تأكد من كل شيء أخبره به ذلك الشخص أمس. يصدق قلبه ومشاعره، أم يصدق الأدلة والحقيقة التي توصل إليها؟
يعلم أن ما يفعله خطأ بشدة، لكنه لم يستطع، كيف يبعدها عنه بعدما التقى بها بصعوبة؟ عليه أن يتحدث معها ليحسم الأمر. بدأ يهزها برفق، متمتمًا باسمها بحنان:
"رنـيـم يلا يا رنـيـم اصحي عشان تاكلي عشان الحمل."
بعد عدة محاولات، استيقظت بوجه شاحب حزين، لكن حالتها كانت أهدأ وأفضل. أغلقت عينيها بضعف، مبتعدة عنه، متحاشية النظر نحوه. أشار نحو الطعام مغمغمًا بجدية:
"يلا عشان تاكلي عشان الحمل."
استنكرت اهتمامه بها وبطفلها، قطبت جبينها متعجبة وسألته بعدم فهم، ونبرتها يملأها العتاب واللوم، الحزن والخذلان، الوجع والقهر من قسوته:
"أنت مهتم بيه كده ليه؟ مش قلت مش عاوزاه؟ إيه بقى دلوقتي؟"
نبرتها آلمت قلبه وجعلته يشعر بالحزن، لكنه حاول السيطرة على ذاته قليلًا وأجابها بهدوء وتعقل:
"أنتي قولتي عاوزاه، وطول ما هو لسه موجود، إحنا لازم نهتم بيه طبعًا."
لم تقتنع بحديثه، ولا تزال تشعر بالريبة وعدم الارتياح، بعدما رأت إصراره أمس على قتله، تمتمت بخوف ونبرة متلعثمة متوترة:
"أنت حـ…. حاططلي حاجة فيه صح عشان تموته زي ما قلت؟"
وبخها بحدة لما تتفوه به، مغمغمًا بجدية تامة:
"لا طبعًا، أنتي بتقولي إيه؟ أنا هعمل كده إزاي؟ كلي يا رنيم، يلا."
رمقته بعدم تصديق، خاصة بعد رؤيتها لإصراره أمس على إجهاض الطفل دون الاهتمام لموافقتها، فلما لا؟ لما لم يفعلها بحيلة ليخدعها؟ أغمضت عينيها، محركة رأسها نافية، ولا تزال متمسكة برفضها لتناول ذلك الطعام.
تنهد بضيق وازدادت ملامحه غضبًا، وبدأ يتناول أمامها من جميع أنواع الطعام ليجعلها تتأكد من سلامته، معقبًا بضيق:
"اهو يا رنيم، مفيهوش حاجة، كلي."
بدأت تتناول الطعام بعدم شهية، لكنها تفعلها لأجل الحفاظ على سلامة طفلها القادم، التي قررت أن تفعل المستحيل لأجله. ستحارب الجميع وهو أولهم، لن تجعل ما حدث ماضيًا يتكرر مرة أخرى.
لاحظت نظراته نحوها، فتطلعت نحوه بعدم فهم، لأول مرة تفشل عن فهم نظراته. لا تعلم لماذا تغير فجأة دون أن تفعل شيئًا. توقفت عن الطعام، ملتقطة أنفاسها بصعداء لتحث ذاتها على التحدث، وغمغمت بتوتر:
"جـواد أنت ليه مش عاوز الطفل؟ ليه عاوزنا ننزله؟"
أجابها بسخرية وتهكم مرير، والحزن يبدو بوضوح في نبرته وعينيه مثبتة نحوها:
"مش أحسن ما يجي يلاقي أمه محبوسة؟"
شعرت بالخوف من حديثه، وحركت رأسها نافية عدة مرات، وظلت نظراتها تدور حوله بعدم فهم، فتابع حديثه يوضح لها مؤكدًا ما يريده وما فهمته:
"أيوه ينزل أحسن ما يجي يلاقي أمه محبوسة عشان قتلت جوزها… مش أنتي السبب في موته برضو."
رمقته بتوتر متعجبة حديثه المباغت، والذي كان على عكس ما توقعت. احتلت الصدمة ملامحها، علمت أن محسن بالطبع هو مَن أخبره بذلك الحديث، كما يهددها دومًا، بالطبع هو مَن أخبره، لا أحد سواه يعلم ذلك الأمر الوخيم والقرار السريع الخاطئ التي اتخذته بدافع أمومتها وحبها لطفلها التي حُرمت منه. لكنه كيف اعترف على ذاته؟ كانت تنظر له فقط وهي صامتة.
لا يعلم لماذا ازداد غضبه بصمتها الذي يؤكد ما يقوله، صاح بها غاضبًا بأعين حادة، ولأول مرة تختفي نظرات العشق من عينيه المشتعلة بغضب حاد:
"ما تتكلمي، هتفضلي ساكتة كده كتير؟ قولي ليه عملتي كده؟ قتلتيه ليه؟"
كانت ستخبره بالحقيقة، لكنها خشيت على طفلها من أن يحدث له شيء. التقطت أنفاسها بتوتر وتمتمت بنبرة متلعثمة كاذبة:
"لـ…لأ يا جواد، أنا معملتش كده.. أنا مقتلتوش ولا عاوزة كده. اللي قالك عليا كده بيكدب."
علم أنها كاذبة، فقد يبدو ذلك من نبرتها، فتحدث بمكر وعيناه مثبتة عليها:
"عشان كده كدبتي وقولتي إن محسن صاحب أخوكي مش اللي اتفقتي معاه على قتل عصام؟ لو كل ده كدب، ليه اديتيله فلوس؟"
انهارت باكية بحزن وخوف وجسدها يرتعش بضعف، وتمتمت بنبرة متلعثمة برعب:
"ا… أنا معملتش كده، مش أنا اللي قتلته. كل اللي بتقوله ده كدب."
ضغط عليها لتخبره بالحقيقة، فغمغم بحدة مشددة:
"لا مش كدب، دي الحقيقة. انتي اللي بتنكري، فاكرة إن ده في مصلحتك؟ قولي الحقيقة، انتي السبب في موته… انتي اللي اتفقتي على كده."
أغمضت عينيها بضراوة وبكت بعنف، ولا تزال تحرك رأسها نافية بضعف، مغمغمة بنبرة مهزوزة خافتة:
"لـ… لأ لأ يا جواد، مش أنا السبب، بيكدب والله، كلهم بيكدبوا، أنا مــ… معملتش حاجة."
نهضت هاربة من أمامه متوجهة نحو المرحاض بحزن وانهارت باكية في الداخل بضعف، تضم جسدها مرتعشة بخوف، لا تعلم ماذا سيحدث لها. وضعت يدها فوق بطنها تمررها بحنان وحزن يقطع أنياط قلبها المتألم.
وقف في الخارج يتطلع نحو أثرها بحزن، يعلم أنها كاذبة، تخفي عنه الحقيقة، لكنه يعلم أنها لن تستطيع أن تفعل شيئًا هكذا دون سبب قوي يدفعها لفعله. يجب عليه أن يكشف الحقيقة كاملة ليستطيع تحديد القاتل الحقيقي. هل حقًا هي مَن فعلتها أم لا؟ بالطبع، إذا أخبرته الحقيقة كاملة دون كذب، ستجعل مهمته أسهل كثيرًا، لكنه قرر البحث بذاته بمهارة ليعلمها، ويحدد حينها الحقيقة المخفية.
يود أن يذهب يحتضنها، يود أن يخبرها بحبه الكبير لها، لكنه منع ذاته بصعوبة، مقررًا السيطرة على عواطفه التي تقوده نحوها. يود التفكير قليلًا بعقله والعمل بمهارة وعملية، متناسيًا تمامًا ظنونه بها، سيبحث عن الحقيقة، لن يهدأ سوى عندما يصل إليها. يريد الوصول لقاتل ابن عمه الأكبر، وسيفعلها بعمله.
***
في المساء..
دَلفت مديحة غرفة المكتب المتواجد بها فاروق، سارت بخطوات غاضبة، فرمقها بغضب هو الآخر وعدم رضا لطريقتها المتبجحة التي ازدادت في الفترة الأخيرة، ويجب أن يضع حدًا لها لتتوقف عن أفعالها.
صاح بها بحدة وعدم رضا، مزمجرًا بغضب وعيناه مثبتة عليها بضيق حاد:
"إيه يا مديحة؟ داخلة كده ليه؟ في إيه؟ مش فاضي أنا، ورايا شغل مهم."
لوت فمها بتهكم ساخرًا وتمتمت بسخرية مستهزئة بحديثه الغير هام بالنسبة لها:
"هو في إيه مالك؟ كل شوية شغل شغل، بعدين أنا جيالك في حاجة أهم من ده كله."
قطب جبينه بعدم فهم وسألها بجدية حازمة:
"حاجة إيه دي المهمة أوي؟"
أجابته بحدة هي الأخرى، مشددة فوق حديثها لتذكره بما تريد:
"أروى بنتي، إيه هتفضل متعلقة كده وابنك عايش براحته مع السينيورة اللي اتجوزها واتحداك لأمتى؟"
تنهد بضيق من تكرار حديثها الذي بلا فائدة في ذلك الوقت، وأجابها بجدية تامة:
"مش هينفع نعمل حاجة دلوقتي، هي حامل، مش زي ما قولتي مبتخلفش."
شعرت بعدم تمسكه بالأمر مثلما كان في البداية، بدأ يتقبل فكرة زواج ابنه منها، وخاصة بعد علمه بخبر حملها وتحقيق الأمر الذي كان ينتظره. تشعر بنيران تشتعل بداخلها، وصاحت به بحدة:
"هو إيه اللي مش هينفع؟ أروى بنتي تعمل إيه يعني؟ والدكتور اللي أنت جبته وقتها هو اللي قال إنها مبتخلفش، مجبتش حاجة من عندي."
صمتت لوهلة، ملتقطة أنفاسها، وتابعت حديثها مجددًا بوعيد غاضب:
"إحنا بينا اتفاق وعليك تنفذه. أنا منفذة اتفاقي من زمان، مش جاي دلوقتي وترجع لورا وتتراجع في الوقت المهم؟ ولا مش قادر على ابنك فتيجي على بنتي؟ لأ، ده أنا أقلبلك البيت ده كله وأهده علينا كلنا، ولا يهمني حاجة، وأنت عارف إن أقدر أعملها كويس."
وقفًا أمامها بغضب، يرمقها بنظرات حادة، صائحًا بلهجة مشددة قوية:
"مـــديــــحــــة!! فوقي لنفسك واعرفي كلامك مع مين دلوقتي. فاروق الهواري كبير العيلة دي، لا انتي ولا مليون زيك يقدر يقف قصاده. مش أنا اللي على آخر الزمن هتهدد وأخاف. لو مضحوك عليكي، دوري إن أفوقك."
لم تصمت وتخاف من حديثه القوي تلك المرة، فصمتها سيعني موافقتها هي الأخرى على بقاء تلك الزيجة، وهذا يعني تنازلها عما تريد. فأجابته بغضب:
"لأ يا فاروق، ولا أنا سهلة، وفي إيدي أعمل كتير أوي ليك ولجليلة عشان تبـ…"
قاطعها بغضب طغى عليه، يحذرها من الخطأ التي ستتفوهه، ضاربًا سطح المكتب بحدة:
"إياكي تجيبي سيرة جليلة في اللي بينا. جليلة بعيد، ومحدش يقدر يمسها بحرف واحد."
ضحكت باستهزاء وبرود ساخرة منه، وقد أشعل حديثه تلك النيران التي تحاول كبتها بداخلها، لكنه اليوم أشعلها بصراحته وشراسته في الدفاع عنها:
"ولما هي غالية أوي كده وأنت بتحبها للدرجة دي، خونتها ليه يا فاروق، وخلفت من غيرها؟!"
كانت جليلة تقف في الخارج، تضع يدها فوق فمها بقوة، مانعة شهقتها المصدومة ودموعها تسيل بصمت، محاولة كتم صوتها تمامًا، وهي تستمع إلى تلك الحقيقة التي لم تأتِ يومًا على بالها لوهلة واحدة.
لا يوجد حديث يعبر عما بها. أي كلمات تصف حالتها بعد خداعها في مَن أحبت على مدار سنواتها. جميع حياتها كذب، استطاع أن يخدعها ويدّعي الحب. هذا هو الحب التي تعيش لأجله وتتحمل كل ما يحدث لها. ماذا فعل في النهاية بها وبقلبها وبحبها؟ جميعهم قد دُمروا، مصطحبين لسعادتها وابتسامتها معًا.
هل هو خانها حقًا مع أخرى وأنجب منها كما استمعت؟ هل ذلك الحديث حقيقة حقًا؟ إذا كيف ذلك؟ كيف استطاع أن يفعلها بها؟
***
***
***
***
***
***
***
***
يتبع…
رواية لهيب الروح الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هدير دودو
صاح فاروق بعنف مقتربًا من مديحة يرمقها بنظرات حادة غاضبة تعكس مدى الغضب المتواجد بداخله.
- مـديـحـة!! انتي عارفة أنها كانت غلطة وعارفة كويس أوي مين سببها لكن أنا عمري ما أخون جليلة ولا عمري هشوف غيرها.
شهقت بطريقة مقززة ووقفت أمامه تبادله نظراته بحقد وغيرة لجليلة المتمسك بها بتلك الطريقة القوية وردت عليه بغضب:
- ولما أنت عاوزها أوي كدة قربت لي زمان ليه طالما بتحبها ومش بتشوف غيرها شوفت ليه، ومش بس كدة أنا حملت منك أنت عارف كويس أوي عصام يبقى ابن مين بس أنت جبان مقدرتش تعترف بيه.
ازدادت ملامحه غضبًا لاعنًا تلك الفكرة النادم عليها يود التخلص منها واخفاءها دومًا. كل ذلك حدث نتيجة خطأ واحد لا يعلم كيف ارتكبه. هو حقًا يحب زوجته بصدق، لا يعلم ماذا حدث حينها ليرتكب ذلك الخطأ الذي دام معه طوال حياته. كان دومًا يريد إخفاءه عن الجميع.
صاح بها بنبرة جنونية هزت أرجاء الغرفة لتتوقف عن حديثها:
- أنتي عارفة كويس أنها كانت غلطة. أنا لحد دلوقتي مش فاكر ولا عارف حصلت ازاي لكن أنا عمري ما شوفتك ولا بصيتلك يامرات أخويا، وعصام كنتي عاوزاني اعترف بيه ازاي انتي اتجنيتي شكلك. لكن أنا عمري ما سيبته دايما واقف معاه في غلطاته بعدين أنا عوضتك عن كل دة. طول حياتك وأنا بعوضك.
ضحكت بسخرية تخفي خلفها غضبها من حديثه عنها بتلك الطريقة وتمتمت بتهكم ساخرة وهي تقف قبالته:
- مبصتليش ولا عمرك شوفتني بس قربت مني وخونت أخوك، وفين التعويض دة. أنت بنفسك اتفقت أن بنتي هتتجوز ابنك مش قادر عليه دي بقى مش مشكلتي. مش بعد كل دة هتسيبني وتخلع ايدك وهو يقعد مع السنيورة اللي عاوزها. رنيم أنت جبتها لعصام عشان يسكت بيها لكن مش عشان تاخد حق بنتي، وجليلة اللي أنت ماسك فيها دي أول ما تعرف الحقيقة هتسيبك عمرها ماهتكمل معاك.
دفع المنضدة بقوة غاضبة مغمغمًا بلهجة مشددة حادة محذر إياها:
- سيرة جليلة متتجابش على لسانك مرة تانية. تيجي عندها وتحطي ألف خط أنتي عارفة أنها عندي غير الكل.
غمغمت بغيرة تعميها وهي ترى أنها مَن تستحق كل ما تتمتع به جليلة التي تنعم بكل شئ بينما هي تخسر كل ذلك واحدة تلو الأخرى:
- وأنتَ فاكر أنك بتحبها بجد. لا الكلام دة تضحك بيه عليها هي مش أنا. أنت عمرك ماحبيت جليلة أنت بس عاجبك أنها مستحملاك بعد كل اللي بتعمله دة كله. واحدة غيرها كانت سابتك من زمان.
لم يهتم بحديثها الخاطئ لأنه يحبها بالفعل. بل تطلع مسرعًا بقلق نحو أعتاب الباب الخاص بالمكتب بعدما وصل إليه صوت آنينها الخافت. تفاجأ بها تقف بالفعل ومن الواضح أنها استمعت إلى كل شئ دار. كانت تقف تبكي واضعة يدها فوق فمها لتمنع صوت بكاءها. لأول مرة تراه بتلك الهيئة. لا تصدق أنه فعل بها هكذا، كيف استطاع أن يفعلها.
همس باسمها بنبرة خافتة وبدا الخوف فوق ملامحه بعد اتيان اللحظة التي يخشاها دومًا. قلبه يرتجف ولا يعلم ماذا سيفعل. دومًا كان يفكر فيما سيفعله عند معرفتها للحقيقة ولم يتوصل لشئ.
- جــلــيـلــة!!
تطلعت مديحة نحو الخلف مسرعة بابتسامة واضحة لتراها وترى هيئتها. كم تمنت رؤيتها بتلك الهيئة. كانت تتراجع عن إخبارها بالحقيقة خوفًا من رد فعل فاروق الذي سيقلب الدنيا بأكملها رأسًا على عقب. لكنها الآن علمت الحقيقة وعلمت مكانة مديحة الحقيقية. حاولت أن تخفي سعادتها وبدأت ابتسامتها تتلاشى مدعية الصدمة.
أسرع فاروق يقترب منها مغمغمًا بتوتر وخوف:
- جليلة انتي فاهمة غلط صدقيني أنا هفهمك بس اهدي.
كاد يحتضنها لتهدأ قليلًا بعدما رأى جسدها الذي يرتعش وملامحها المصدومة. يخشى أن يحدث لها شئ سئ. لكنها باغتته بدفعتها القوية التي جعلته يرتد إلى الخلف مبتعدًا عنها بعض الخطوات وغمغمت بضعف من بين دموعها:
- طـلـقـنـي يا فاروق طلقني كفاية كدة.
سارت من أمامه متوجهة نحو غرفتها. لم تستطع أن تظل أمامه تتطلع إليه بعد كل ما فعله بها. هي اليوم وفي تلك اللحظة اكتشفت حقيقة أخرى لزوجها. جميع حياتها معه السابقة كانت كذب. استطاع أن يخدعها بحبه الغير المتواجد. كيف تتطلع نحوه وهو مَن قام بفعل كل ذلك بها. هو اليوم سبب تدمير قلبها وحياتها تمامًا بعد علمها بالحقيقة التي أخفاها طيلة السنوات الماضية. استطاع أن يخدعها بمهارة دون الإهتمام بمشاعرها.
بدأت تلملم اشياءها مقررة الرحيل من ذلك المنزل التي كانت تبنيه بسعادة وابتسامة وهو في نفس الوقت كان يدمره دون النظر لكل ما تفعله. تود الذهاب من المكان الذي تحطم به قلبها.
وقف فاروق تحت تأثير الصدمة بعد استماعه لحديثها ونبرة صوتها التي آلمت قلبه. تطلع نحو مديحة بنظرات حادة تعكس مدى الغضب الذي يشعر به بسببها. يسبها بداخله ولا يعلم ماذا سيفعل مع جليلة. لأول مرة يراها بتلك الهيئة ولأول مرة تقرر الإبتعاد والإنفصال.
سار خلفها متوجه نحو غرفته ليستطع التحدث معها وإقناعها بالبقاء معه. يود أن يخبرها انه يحبها حقًا. كل ما حدث… حدت بالخطأ دون إدراك منه.
تفاجأ بها عندما رآها تضع ثيابها في الحقيبة وتعد ذاتها للرحيل. أسرع مقتربًا منها يمسكها من ذراعها بحنان لتتوقف عما تفعل مغمغمًا بتوتر:
- جليلة انتي فاهمة غلط والله الموضوع مش زي ما سمعتي اديني فرصة افهمك.
تحاشت النظر نحوه لأول مرة لم تطيق رؤيته. وتمتمت بجدية تلك المرة:
- لا أنا دي المرة الوحيدة اللي أنا فاهمة فيها صح بقى. مش هسمحلك تضحك عليا المرة دي خلاص يا فاروق كل حاجة اتعرفت ابعد عني وطلقني اللي بتعمله دلوقتي مش هيفيد بحاجة بعد اللي عرفته.
ظل ممسكًا بها وغمغم بتوتر خوفًا من فكرة ذهابها وابتعادها عنه:
- جليلة طب اسمعيني الأول نتفاهم الأول وبعدها هسيبك تعملي اللي عاوزاه اللي سمعتيه دة مش الحقيقة والله اسمعيني..
دفعته بعيد عنها وصاحت به بغضب مبتعدة عنه عدة خطوات إلى الخلف:
- ابعد عني يا فاروق كفاية اللي عرفته مش عاوزة اسمع حاجة كفاية لغاية كدة كفاية اوي وابعد عني كل اللي عيشته معاك دة كان كدب.
لم تستطع منع ذاتها من البكاء مرة أخرى. اجهشت في دوامة بكاء مريرة شاعرة بالشفقة على حالها وحياتها. فقد عاشت عمرها بأكمله في حياة كاذبة يخدعها طوال الوقت. كيف فعلها. ماذا فعلت هي لتتلقى منه ذلك.
أجابها نافيًا بجدية مغمغمًا بصدق وحزن عالمًا أنه قد جرحها بشدة:
- لأ والله يا جليلة أنا بحبك بجد والله محبتش قدك اللي حصل دة كان زمان غلطة وللله وندمان عليها من زمان انا عمري ما بصيت لواحدة غيرك صدقيني يا جليلة والله ما بكدب عليكي.
ابتسمت من بين دموعها ابتسامة مريرة بحزن تبدي مدى القهر والحزن المتواجد داخلها وتمتمت بنبرة خافتة حزينة لكنها تحاول أن تتماسك وتدعي القوة لترد على حديثه التي لم تصدقه:
- عشان كدة روحت خونتني، بس ازاي ازاي قدرك تعملها مع مرات أخوك، طب سيبك مني أنا مش مهم محبتنيش لكن أخوك أنت خونته ازاي، وكمان عصام يبقى ابنك أنت ايه.
صمتت لوهلة ملتقطة أنفاسها بصعداء وتابعت حديثها مستنكرة بدهشة:
- ازاي قدرت تعمل دة كله، تكتب ابنك باسم اخوك عملتها ازاي أنت استحالة تكون فاروق جوزي اللي حبيته واستحملت كل حاجة عشانك..
حركت رأسها نافية عدة مرات وبكت بعنف متمتمة بنبرة خافتة بضعف:
- مستحيل… مستحيل تكون نفس الشخص اللي اتجوزته وحبيته مستحيل..
حاول تهدئتها خوفًا من أن يحدث شئ لها. أسرع يحتضنها مربتًا فوق ظهرها بحنان مغمغمًا بهدوء:
- طب اهدي بس عشان خاطر العيال بلاش أنا اهدي أحسن يحصلك حاجة.
رمقته باستهزاء ساخرة منه مغمغمة بتهكم غاضبة نادمة على كل يوم في حياتها مرّ وهو معه:
- وانت بتهمك أوي مصلحة العيال سيبني امشي يا فاروق وابعد عني أنت طول عمرك بتتعامل معاهم غلط ولا اهتميت لمصلحة حد منهم دايما بسكت وبحاول اطلعك عكس كدة بس في الحقيقة أنت مش بتحب غير نفسك ومصلحتك أنا ظلمت نفسي وظلمت العيال دول معايا لما خليتك أب ليهم.
رمقها بذهول متعجبة لأول مرة يشعر أنها تراه بتلك النظرة. هل هو حقًا يفعل هكذا. لم يهتم سوى بذاته. هذا نفس الحديث الذي يردفه جواد دومًا وهو لم يعطيه اهتمام. ها هي الآن تخبره نفس الحديث. غمغم بعدم تصديق وذهول:
- جليلة انتي بتقولي ايه أنا بحبك انتي وهما وانتي عارفة أنكم اهم حاجة عندي أنا بعمل كل دة عشانكم..
ضحكت بسخرية مستهزءة حديثه الغير صحيح، مغمغمة بضيق حاد:
- بلاش الكلام دة خلاص عشان عرفته لأ يا فاروق أنت لو بتعمل حاجة فبتعملها عشان نفسك زي ما كنت بتيجي على ابنك عشان نفسك وعاوز تجوزه غصب أنت أناني متستاهلش ولا حد من العيال دول ولا حتى أنا سيبني امشي وطلقني..
وقف في ذهول تام بعد استماعه لحديثها لا يعلم هل هذا صحيح بالفعل. هو فعل بهم كل ذلك لأجل ذاته ليس لأجلهم. لأول مرة يرى الحقيقة في أعينهم. لكن كيف سينفذ طلبها. هو لم يقوى على فكرة الإبتعاد عنها. حاول التأثير عليها بهدوء وتعقل:
- جليلة مينفعش تمشي عشانهم هيقولوا ايه انتي عارفة أنهم مش هيسكتوا..
طالعته بحزن تام أنهك عينيها الباكية شاعرة بالوهن، وتمتمت بضعف خافت:
- لا متقلقش مش هفضحك قدامهم ودة مش عشانك دة عشان عيالي ملهمش حق يشوفوا ابوهم بالنظرة دي بسبب اختياري الغلط..
رمقها ينظرات حزينة يملأها الندم مقتربًا منها بحزن لاعنًا ذاته على كل أفعاله ممسكًا يدها بحنان مغمغمًا بصدق وصوت أجش نادم:
- جليلة أنتي عارفة أنتي ايه عندي، والله يا جليلة ما بحب قدك.
جذبت يدها منه بعنف تزجره بغضب وتمتمت بسخرية تحمل بين طياتها حزن وقهر متواجد في قلبها ينهكه بعدما تلقت أكبر صدمة دمرت قلبها:
- كنت فاكرة إنك بتحبني بس خلاص اللي حصل خلاني اكتشف الحقيقة كلها وعرفت قيمتي كويس عندك.
نفى حديثها مسرعًا وتحدث بصدق ولوعة بالرغم من غضبه لرؤيتها بتلك الهيئة وجهها الشاحب كشحوب الموتى وعينيها المتورمة من فرط البكاء لتلك الحقيقة الشديدة عليها التي علمتها اليوم:
- والله ابدا مفيش اغلى منك عندي كل اللي حصل زمان كانت غلطة والله غلطة وندمت عليها.
تمتمت بغضب مبتعدة عنه محركة رأسها بنفي:
- عشان كدة عاوز ابنك يشيل غلطتك ويصلحها هو لما يتجوز أروى غصب عنه أنت قاسي وظالم أنا غلطت لما كملت معاك كل اللي حصل كان غلط ولازم تتصلح.
وقف لعدة لحظات متطلع أرضًا بخجل من أفعاله الخاطئة، لكنه كيف سيتركها تذهب هو لن يقوى على تركها. حاول التأثير عليها بجدية وتعقل محاولًا استمالة عقلها:
- جليلة مينفعش خالص عشانهم حتى مش عشان هيقولوا ايه، انتي عارفة لو عرفوا حاجة هيحصل إيه وقتها.
رمقته بخذلان وضعف شاعرة بتخاذله معها وتمتمت بجدية مقررة تنفيذ ما تريده والتوقف مع ذاتها تلك المرة بدلًا من تفكيرها في الجميع:
- ياما فكرت فيهم واستحملت كتير عشانك وعشانهم فالآخر أنت عملت إيه ولا عملت اعتبار لدة كله المرة دي لأ بقى.
دفعته بقوة إلى الخلف وحملت حقائبها متجهة نحو الخارج مقررة الذهاب وترك المنزل الذي سلب منها روحها وحياتها وفي النهاية تلقت الخيانة والحزن والقهر منه.
تفاجأت سما بهيئة والدتها فأسرعت مقتربة منها معترضة طريقها بقلق خوفًا من أن يصيب والدتها شئ وتمتمت متسائلة بعدم فهم:
- في إيه يا ماما مالك؟! انتي رايحة فين هو ايه اللي حصل هاتي الشنط دي.
تناولت منها الحقائب وهى ترمق والدها منتظرة منه التحدث فأجابتها جليلة بإصرار بنبرة حزينة ضعيفة:
- هاتي يا سما أنا ماشية خلاص اوعي كفاية لغاية كدة.
رمقتها بذهول متعجبة طريقة والدتها لكنها علمت أن بالطبع والدها قد فعل شئ كما يفعل دومًا فاحتضنتها بحنان وتمتمت بتوتر:
- تمشي فين ياحبيبتي عاوزة تسيبيني أنا وجواد ده هو بيمشي ومتطمن على مراته عشان أنتي موجودة ياحبيبتي. هو إيه اللي حصل بس.
انهارت باكية في أحضان ابنتها شاعرة بالتشتت. كيف تخبرها بما يوجد بداخلها. بالطبع لن تشوه صورة والدها أمامها مهما حدث. لكنها لا تعلم كيف ستتركها هي وجواد وتذهب مبتعدة عنهما. ظلت سما تحاول تهدئتها مردفة بحنان:
- اهدي طيب عشان خاطري تعالي معايا في اوضتي خليكي معايا ومتعيطيش عشان خاطري خلاص محصلش حاجة.
سارت معها بضعف وهي لازالت مشتتة لا تعلم ماذا تفعل. بالطبع هما لن يتركونها تذهب دون معرفة سبب مفسر لكل ما يحدث. وهي لن تقوى على إخبارهم الحقيقة. لن تدع الأمر يصل إلى هنا. فماذا يجب عليها أن تفعل. لكنها أيضًا لن تتحمل كل ذلك بمفردها. لن تستطع أن تكمل مع فاروق بعد معرفتها بالحقيقة.
صعدت مديحة نحو غرفتها بخطى واسعة مرتسم فوق وجهها ابتسامة واسعة. لم تصدق أن حدث ما تتمناه. تستمع إلى صياح جليلة وبكاءها بعد أن حدثت الفرصة التي كانت تتمناها وآتى اليوم التي ظهرت به الحقيقة التي تتمناها منذُ أن حدث ذلك اليوم. تشعر بتراقص قلبها فرحةً بكل ماحدث شامتة لما فعلته في ذلك المنزل الذي تكرهه بشدة.
دلفت أروى لوالدتها وهي تشعر بالدهشة لسعادة والدتها المرتسمة فوق وجهها سألتها بعدم فهم:
- في ايه يا ماما وايه اللي بيحصل بين أونكل فاروق وطنط جليلة؟
اتسعت ابتسامتها وضحكت بغرور ثم تمتمت بمكر غامض:
- مفيش كل اللي عملاه جليلة ده عشان عرفت الحقيقة اللي كان مسيرها هتبان. كان لازم تفوق وتعرف مكانها الحقيقي هنا وفي حياته.
ظلت أروى تطالعها ولم تفهم حديث والدتها فسألتها مرة أخرى:
- حقيقة ايه!؟ وايه اللي عرفته طنط جليلة خلاها تقلب كدة في ايه يا ماما مش فاهمة؟
لم تجيبها مديحة وتشرح لها الأمر كما تريد فتمتمت ببرود ولا مبالاه:
- مش مهم سيبك من ده كله المهم أن حصل اللي أنا عاوزاه في الآخر..
طالعتها بعدم رضا وتمتمت بغضب حاد فهي الأخرى مثلها تشبهها في جميع صفاتها الخبيثة السيئة. فامرأه مثل مديحة لن يوجد بها صفات حميدة. بعد كل ما تفعله هي كل ما يقودها مطامعها وتحقيق أهدافها وجعلت ابنتها مثلها. كل منهما لم يريد سوى مصلحته فقط.
- طيب يا ماما فين بقى اللي أنا عاوزاه انتي مش قولتي هتتصرفي وتظبطي الموضوع بتاعي في ايه دلوقتي بقى.
رمقتها بنظرات حادة وتمتمت بحدة غاضبة مشددة فوق حديثها:
- مين قال اني سيباه ولا مش عارفة اتصرف أنا عاوزة الموضوع دة يتم قبلك وأكتر منك بكتير.
سألتها أروى مرة أخرى وهي تبادلها نظراتها الغاضبة بغضب أكبر:
- يعني إيه ياماما هتعملي إيه في الآخر؟!
صمتت لبرهة وتابعت حديثها بغضب حاد ماكر متوعدة لرنيم والشر يتطاير من عينيها:
- يعني اللي جاي دور رنيم وهتشوفي عاوزاكي تتفرجي على اللي مجهزاه ليها.
التمعت بعض الأفكار الخبيثة التي تأتي في عقلها مقررة تنفيذها للتخلص من رنيم ووجودها في ذلك المنزل حتى تستطع التخلص منها في حياة جواد تمامًا ثم التخطيط بعد ذلك لحياة ابنتها معه كما كانت ترسم من البداية.
تجلس رنيم بمفردها في الغرفة منتظرة عودة جواد بعدما رتبت أفكارها واتخذت قرارها بعد تفكير طويل مقررة الإبتعاد عنه وعن تلك العائلة. ستذهب وتعيش مع طفلها دون الإحتياج إلى أحد. ستفعل كل شئ حتى توفر له حياة آمنة هادئة بعيدة عن تلك العائلة القاسية. فقد سلبوا منها كل شئ عنوة عنها متلذذين بعذابها. لن تدع ما حدث لها يحدث لطفلها. لن تكرر خطأها مرة أخرى وتجازف به فتخسره مثلما فعلت من قبل.
لم يمر عليها وقت طويلًا وعاد جواد. قبل أن يجلس تفاجأ بها تقف قبالته مغمغمة بجدية وقوة زائفة بعدما التقطت أنفاسها بصعداء لتحث ذاتها على التحدث مبتعدة عن عينيه حتى لا تضعف أمامه:
- جواد أنا عاوزة اتطلق كفاية لغاية كده.
شعر بالصدمة من حديثها المباغت لكنه حاول السيطرة على إنفعالاته بمهارة لا يريد أن يجعلها تشعر به. وغمغم متسائلًا بتعقل هادئ مندهش:
- هو إيه اللي كفاية بالظبط؟!
رمقته بضعف شاعرة بتخاذله معها وعدم تمسكه بها فتمتمت بخفوت:
- يعني كفاية اللي حصل ليا لحد كدة خلاص كفاية أنا عاوزة اتطلق وابعد أنا وابني اللي مش عاوزه.
رمقها بحدة وقد احمرت عينيه بغضب وسار ملتفًا نحوها بطريقة ادهشتها وجعلتها تنكمش على ذاتها بخوف وغمغم بنبرة حادة مشددة:
- والمفروض اطلقك واسيبك تبعدي وأنا مش متأكد أنتي اللي ورا موت عصام ولا لأ مفيش أي خطوة هتخطيها غير لما اتأكد أنك ملكيش دعوة واعرف مين اللي عملها حق عصام الهواري مش هيروح..
ضحكت بسخرية من بين وجعها وهي ترى حقيقة أخرى له لم تكن تراها منه. لم تصدق أنه نفس الشخص الذي أحبته. التقطت أنفاسها بصعداء محاولة إخفاء الوجع والقهر المتواجد في قلبها. كيف تحول هكذا أم أن هذه هي حقيقته ويخفيها عنها. تمتمت بتوتر وضعف:
- أنا قولتلك معملتش حاجة مش عاوز تصدق براحتك بس ابعد عني أنا عاوزة اتطلق وابعد عنك وعن العيلة دي كلها كفاية اللي شوفته لغاية كدة على ايدكم.
مسك كتفيها بقوة يهزها بعنف وصاح مزمجرًا بغضب حاد ويريد الوصول من خلالها إلى الحقيقة بالضغط عليها لتعترف له:
- إيه اللي حصلك اتكلمي وقولي انتي ساكتة ليه حصلك ايه على ايد العيلة دي ولا هتفضلي ضعيفة وساكتة..
لأول مرة لم تصمت. أغمضت عينيها بقوة وتمتمت بانهيار باكية بعنف متذكرة جميع وجعها وحياتها المسلوبة. كيف كانت تُعامل وكأنها نكرة ليس لها الحق لفعل أي شئ. وهو من كل عقله يسألها عما حدث لها على يد تلك العائلة. كيف يتحدث هو بتلك السهولة دون النظر لكل ما مرت به:
- هقولك يا جواد شوفت كل وجع وقهر وذل شوفت أن انا مش انسانة مجرد لعبة البيه بيتسلى بيها مليش حق اتكلم شوفت ابني اللي ملحقتش افرح واحس بوجوده وهو بيتقتل بطريقة بشعة محدش بستحملها شوفت حاجات كتيرة هتفضل موجودة جوايا مش هقدر انساها عاوزة تعرف إيه ولا إيه كل ندبة موجودة على جسمي ليها قصة طويلة ودموع ووجع وأنت اخرهم مكافهمش أن قلبي يبقى سليم لا جيت تكسره عشان أنت ابن العيلة دي أنت بتثبت كل لحظة ليا أنك جواد الهواري ابن فاروق الهواري مش الشخص اللي أنا حبيته جيت تدمر الحاجة الوحيدة اللي باقيالي بس اتطمن…. اتطمن يا باشا دمرتها وعملت اللي أنت عاوزه كفاية كدة بقى طلقني وارحمني..
سقطت أرضًا بضعف شاعرة أن قدميها لم تعد تتحملها بعدما استطاعت أن تحول جميع أفكارها وذكرياتها إلى حديث تعبر به عن مشاعرها المتواجدة. وكادت الفتك بروحها وتوقف قلبها تمامًا. كانت تكرر كلماتها الأخيرة دون وعي منها:
- طـ…. طلقني طلقني وارحمني يا جواد… كفاية كدة.
ظل هو واقف مكانه متسمرًا بعد رؤيته لكم الوجع والحزن المتواجد بها والتي تخفيه دومًا. تلك المرة الأولى التي تتحدث فيها. ظل عقله يكرر كل كلمة تفوهتها محاولًا فهم معناها وما سببها. عالمًا أنها صادقة في حديثها. هو ليس ابله. كان يعلم بطريقة زوجة عمه وابنتها القاسية معها عندما كان يذهب بصحبة والدته. كما أنه يرى آثار الجروح القوية وندباتها المتواجدة على جسدها إلى الآن. اقترب منها جالسًا بجانبها أرضًا وغمغم بحنان هادئ لتهدأ قليلًا محتضن جسدها المرتعش:
- اهدي طيب عشان خاطري اهدي وأنا هتصرف وهحل كل حاجة هعرف كل حاجة والله ما حد هيئذيكي طول ما أنا موجود صدقيني.
تخبره بعينيها أنه قد فعلها بها دون أن يمنع أحد. هو الآن من تسبب في آذاها ووجعها. هو ليس غيره. فهم جيدًا مغزي نظراتها شاعرًا بالغضب من ذاته مقررًا تعويضها وحل الأمر بطريقة جيدة ترضيها هي أولًا:
- أنا آسف صدقيني كل حاجة هتتحل عمري ما هسيبك ولا اقدر اعملها مفيش حد بيسيب روحه يا رنيم وانتي روحي وحياتي أنا آسف هصلح كل غلطي.
بدأت تهدأ قليلًا بين يديه مغمغمة بخفوت نافية الأمر عنها:
- أ… أنا معملتهاش ومقتلتش عصام ولا كنت السبب في موته مش أنا اللي علمتها روح دور على اللي عملها بعيد عني والله ما كملت في حاجة ولا عملتها..
رمقها بعدم فهم متسائلًا بجدية هادئة حتى لا يزعجها بعدما هدأت قليلًا وعينيه مثبتة عليها بدقة جيدًا ليكتشف الأمر بمهارة:
- أمال ايه اللي حصل!.. فهميني وانا هتصرف صدقيني بس احكيلي اللي حصل خليكي واثقة فيا مش هسيبك بس محتاجك تساعديني واعرف اللي حصل منك الأول..
اومأت برأسها أمامًا مقررة أن تخبره بالحقيقة كاملة ليستطع البحث عن القاتل الحقيقي متمنية أن يصدق حديثها. وقبل أن تتمتم وتتحدث بشئ استمع كل منهما بصوت دقات هادئة فوق الباب وصدح صوت سما الهادئ الذي قطع جلستهما الهامة:
- جواد أنت موجود يا حبيبي.
نهض مسرعًا وسار نحو الباب يفتحه ليرى ماذا تريد شقيقته التي ارتمت مسرعة داخل حضنه فشعر بالقلق عليها وسألها بخوف:
- في ايه يا سما مالك ياحبيبتي حصل حاجة؟!
أومأت برأسها أمامًا خوفًا على حالة والدتها الحزينة ولم تخبرها شئ، فأجابته بتوتر وقلق:
- ايوة يا جواد ماما شكلها زعلانة مع بابا من الصبح وكانت عاوزة تمشي لولا أنا منعتها عشان تفضل تعالى شوفها واتكلم معاها.
قطب جبينه بدهشة متعجبًا من حديثها الذي لأول مرة يستمع إليه وغمغم بعدم تصديق:
- ماما كانت عاوزة تمشي!! للدرجة دي شكله عمل حاجة كبيرة تعالي أنا جاي اتكلم معاها واشوفها.
استحسنت حديثه فأيدته متمتمة بهدوء ولازالت قلقة على حالة والدتها الصامتة التي تبكي فقط منذُ أن دلفت معها ولازالت لم تفهم هي سبب لكل ما حدث:
- ياريت يا جواد عشان هي لسة بتعيط وأنا خايفة عليها تتعب.
سار معها متوجه نحو والدته شاعرًا بالقلق عليها يود أن يطمئن عليها ويعلم ما حدث لها اليوم وما فعله والده ليجعلها تتخذ ذلك القرار التي لم تفكر به من قبل بالرغم من كل ما حدث.
بينما رنيم فجلست فوق الفراش بضعف تفكر فيما دار بينهما ولا تعلم ماذا فعلت. هل كانت ستخبره بالحقيقة. هي تود أن تخبره بها منذ البداية لكنها تخشى أن يحدث له شئ. لازالت تتذكر حديث فاروق القاسي الصارم تتذكر هيئته القوية وهو يقف يهددها ويمنعها من إخباره بالحقيقة.
ظلت تفكر في حيرة ولازالت لم تتخذ قرارها تلعن ذاتها وضعفها الكبير الذي يدفعها لفعل كل ذلك. التقطت أنفاسها بصعداء محاولة تهدئة ذاتها لأجل الحفاظ على حياة طفلها الذي ينمو بداخلها. ستفعل المستحيل للتمسك به عنوة عن الجميع. لن تتنازل عنه تلك المرة.
دلف جواد بصحبة سما لوالدتهما وجدها لازالت تجلس باكية في صمت شعر بالقلق عليها فاقترب محتضنها بحنان وسألها بهدوء:
- في ايه يا حبيبتي مالك مين مزعلك كدة وانا اجيبلك حقك منه انتي عارفة كله الا انتي عندي.
لم تستطع منع بكاءها أمام حديثه. تشعر بصدمة قوية ضربت عقلها بضراوة كالصاعقة. انهارت أمامه باكية متمتمة بضعف خافت:
- م… مفيش يا حبيبي شوية مشاكل بيني أنا وفاروق وزعلني وأنت عارف مش متعودة منه على كدة.
لم يقتنع بحديثها التي تتفوهه فهيئتها تدل أن الأمر أكبر من ذلك. حاول أن يتحدث بهدوء لتهدأ أولًا:
- انتي عارفة هو على طول كدة، اهدي بس وبلاش تعيطي وأنا هتصرف.
حركت رأسها نافية مسرعًا وتمتمت بنبرة مرتعشة بقلق خوفًا من أن يعلم شئ:
- لأ لأ يا جواد متدخلش أنت في الموضوع.
شعر بالتعجب من حديثها ورفضها بتلك الطريقة القاطعة عالمًا بمدى جدية الأمر الذي تمّ بينهما. لكن قبل أن يتحدث تمتمت هي بعدما تداركت الأمر وعللت سبب حديثها بتوتر:
- أنا بقول كدة عشان ميسيبش الموضوع كله ويمسك فيك أنت مش عاوزة ده يحصل.
أومأ برأسه أمامًا ولم يعقب على حديثها بالرغم من علمه أنها تخفي الحقيقة. لكنه لم يود أن يضغط عليها احتضنها بحنان وأردف بهدوء:
- خلاص يا حبيبتي محصلش حاجة مش هتدخل زي ما انتي عاوزة.
استحسنت حديثه مبتسمة بضعف من بين دموعها وحزنها الكبير بعدما تلقت أكبر صدمة شاعرة أن حياتها السابقة بأكملها كذبة. لم تستطع السيطرة على ذاتها أمامه وتمتمت بخفوت:
- جـ…. جواد أنا عاوزة امشي عاوزة ابعد شوية اريح جو مش قادرة أفضل هنا.
أشار لشقيقته حتى تنتظر في الخارج ليستطع التحدث معها ومعرفة الحقيقة بالفعل. فعلت سما ما طلبه منها وتركت الغرفة بهدوء وهي تشعر بالقلق على والدتها. غمغم جواد بجدية هادئة حتى لا يزعجها:
- من امتى وأنتي بتحبي كدة ولا بتفكري أنك تمشي ماهو دايمًا بيغلط وانتي دايما بتسامحيه وهو بيصالحك على طول إيه اللي حصل المرة دي خلاكي تقولي كدة.
تشعر بالسخرية من حديث ابنها. هو يقول هكذا دون أن يعلم ما الحقيقة. تود أن تخبره بها لكنها لا تريد أن يجعله ينصدم في والده وتزداد علاقتهما سوء. التقطت أنفاسها بصعداء محاولة منع ذاتها أن تجهش في بكاء شديد يجعله يتأكد من صحة حديثه ويصر على معرفة الحقيقة فتمتمت بتوتر خافت:
- م… مفيش يا جواد بس حاسة أن أنا تعبت عاوزة ارتاح شوية متشغلش بالك أنا بس محتاجة ارتاح بعيد عن هنا.
طبع قبلة رقيقة فوق كفها بحنان معقبًا بهدوء:
- طب خلاص متزعليش نفسك بعدين تبعدي عن هنا ايه دة بيتك أنا اصلا قاعد هنا عشانك.
ابتسمت بهدوء لابنها الذي دومًا يكون بجانبها خاصة أنها تحتاجه في تلك الفترة القاسية عليها. فكرت قليلًا في فكرة ذهابها لكنها وجدت أنها ستكون خاطئة. هي ستتخلى عن ابنائها كيف تفعلها. في النهاية لا أحد سيتحمل الأمر سواهما لذا قررت أن تتحمل حزنها وتقوي قلبها قليلًا بعدما أخرجت فاروق من تفكيرها تمامًا مقررة أن تتركه يفعل ما يريد. هي فقط تسعى لأجل ابنائها اللذان سيحملان نتيجة اختيارها الخاطئ لزوجها. ستعيش فقط لأجلهما.
تمتمت ترد على حديث جواد بهدوء بعدما مسحت دموعها:
- خلاص يا حبيبي متقلقش المهم روح أنت عشان مراتك عشان تعبانة هي كمان وأنا هرتاح شوية.
لم يضغط عليها بل جلس متحدث معها في عدة أمور محاولًا أن يجعلها تخرج من حالتها السيئة وحزنها ثم سار في النهاية متوجه نحو غرفته وهي ظلت جالسة كما هي تفكر في حالها وماذا ستفعل. تفكر بذهن مشتت شارد ولازالت لم تقرر مصيرها.
ولج جواد غرفته بعقل قلق على والدته عالمًا أن ما حدث تلك المرة أمر هام ليس مثلما قالت مقررًا أن يعلم ما حدث ويساعدها. لكن الآن عليه أن يستكمل حديثه الهام مع رنيم ليعلم منها الحقيقة كاملة.
تفاجأ بها نائمة منكمشة على ذاتها غير شاعرة بأي شئ مما يحدث حولها. لم يمنع ذاته من ضمها داخل أحضانه بحنان عاشق يضمها بضراوة غير قادر على ابتعادها عنه. هو يعشقها حقًا عشقها كالدماء الذي يسير داخل عروقه. لن يستطع العيش من دونه. التقط شفتيها بحرارة عاشق أشعلت نيران الهوى قلبه وجعلته غير قادر عن الابتعاد عنها. فكلما ابتعد كلما ازداد لهيبها ولوعتها في قلبه تجعله يهواها حتى وصل لأقوي مراحل العشق لها. نسى جميع مشاعره وجميع أفكاره لم يستطع أن يرى سواها الآن وهي داخل أحضانه وبين يديه كما تمنى عقله منذُ أن وقع عينيه عليها ورآها قلبه أولًا.
في منتصف الليل.
ترجل جواد من سيارته المتوقفة أمام منزل عمه رحمه الله محاولًا الوصول من خلال ذلك المكان إلى الحقيقة بعد تفكير طويل مقررًا البحث جيدًا. لعله يصل لشئ يجعله يعلم الأمر وما كان يحدث معها وهل هي بريئة كما بخبره عقله أم يصدق عقله الذي أمامه بعض الأدلة الدالة على أنها الفاعلة الحقيقية لتلك الجريمة التي حدثت لابن عمه.
ظل يبحث في المنزل بمهارة ودقة مشددة توجه نحو غرفتها معه لعله يصل من خلالها لشئ. لكن باءت جميع محاولاته بالفشل بعدما وجد الغرفة لم تنفعه في شئ لم يجد بها شئ وكأن هناك مَن قام بالتخلص من كل ما بها.
تنهد بيأس وضيق شديد بعدما شعر بفشله في تحقيق تلك الفكرة التي آتت في عقله ولم يستطع أن ينتظر الصباح لتنفيذها والتأكد من براءتها. حاول أن يفكر قليلًا مقررًا أن يفعل محاولة أخرى لعلها تنجح. توجه نحو غرفة المكتب الخاصة بعصام ابن عمه وبدأ يبحث به بدقة شديدة. لكنه تفاجأ بوجود هاتف عصام وحاسوبه. لا يعلم كيف وصلوا إلى هُنا. لكنه قرر أن يفتحهما مسرعًا وتفاجأ مما رآه. وقف يشاهد كل ذلك بأعين متسعة بعدم تصديق محركًا رأسه نافيًا بصدمة.
رواية لهيب الروح الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هدير دودو
فتح جواد الحاسوب الخاص بعصام الهواري. ظل يبحث بداخله عن أي دليل من الممكن الوصول إليه لمعرفة حقيقة الأمر وما الذي خلف قتله. لكنه تفاجأ مما وجده بداخله.
في البداية، كان هناك جهاز تخزين صغير. بدأ يبحث في محتواه، لكنه صُدم. شعر بالصدمة التي سقطت عليه كالصاعقة. وجد بعض الفيديوهات لرنيم، زوجته ومعشوقته. لماذا كان يصورها ذلك الحقير؟!
فتح الفيديوهات وتفاجأ بما بداخلها. وقف يشاهد ما بها بأعين متسعة من هول الصدمة. مذهولًا من أفعال ابن عمه المريض بالطبع. شعر بالغضب يشتعل بداخله. هو الآن من يريد قتله، بعدما استمع إلى صوت صرخاتها المستغاثة. آثر ضرباته المبرحة السادية التي تنزل فوق جسدها بعنف دون رحمة. رأى كيف كان يقترب منها عنوة عنها، منتهكًا جسدها بقوة!!
رآه وهو يعاملها كالحيوان الذي ليس له قيمة. هي تحملت كل ذلك. كيف فعلتها؟! كيف استطاعت تحمل كل ذلك بمفردها؟!! يرى جسدها وهو يُشوه على يده دون رحمة، وهي ضعيفة لم تستطع الدفاع عن ذاتها. متلذذًا بضعفها وإهانتها دون الاهتمام بها وبالدماء التي تسيل منها، مصحوبة معها صرخات متألمة. كان يقترب منها بطريقة بشعة لتكره جسدها وذاتها. هو فقط لم يرد سوى أذيتها، ليس أكثر. متلذذًا بنظرات الخوف الظاهرة بعينيها.
لكنه لما فعل بها ذلك؟ ولماذا كان يصور ما يفعله؟ بعض الأحيان هل كان ينوي نشرهم أم يريد تهديدها والإفتخار بذاته بعد أفعاله القذرة.
وقف في حيرة كبيرة، غاضبًا مذهولًا مما يراه. ولا يعلم كيف هي استطاعت تحمل كل ذلك بمفردها؟! كيف فعلتها؟! يريد الانتقام من عصام، يود أن يلقنه درسًا قويًا يجعله يعلم كيف تكون الرجولة على حق. لكنه لم يعد موجودًا بعدما رحمه الموت. مما كان سيفعله به. قبض فوق يده بقوة، محاولًا السيطرة على ذاته بعد علمه بعذابها وآلامها التي تلقتها في ذلك المنزل على يد شخص متجرد من الرحمة. شخص مفتقد لمعالم الرجولة، ويحاول تعويض كل ذلك بفرض هيمنته وقوته عليها ليستمتع بصرخاتها ويرى وجعها وخوفها منه.
هو بالفعل يستحق الموت. شخص كذلك يستحق أن ينال عقابه على يد الخالق دون مغفرة. حاول أن يلتقط أنفاسه الغاضبة الحارة بـ"صعداء" ومنع ذاته من الذهاب إليها ليعوضها عن كل ما رأته على يده. لكنه يريد أن يستكمل بحثه، لعله يجد شيئًا آخر.
تفاجأ بعدة فيديوهات مصورة لبنات مختلفة. كان يسلبهم ما يريده دون رحمة. ثم بعدها يتركهن محطمتين تمامًا بعدما انتهك جسدهن وتركهم بلا روح. هل ذلك شخص؟ بالطبع لا، هو في الحقيقة شيطان متنكر في هيئة إنسان. من يفعل ذلك سوى الشياطين.
لفت انتباهه فيديو آخر، وهو لتلك الفتاة التي قُتلت على يده. هو يعلم تلك الفتاة ويعلم عائلتها الكبيرة. كيف صمتت على موت ابنتهم؟ هناك أمر خاطئ. ظل يكرر الفيديو عدة مرات، لعله يصل إلى شيء، خاصة أن موعد ذلك الفيديو مقترب من موعد قتله.
ظل يفكر بعقل مشوش، محاولًا أن يستجمع جميع الخيوط ليعلم من الفاعل. لكنه حاول أن يفكر بمهارة ودقة أكثر ليصل إلى الأمر، خاصة أنه قريب منه بشدة بعدما توصل إلى كل ذلك. فتح هاتفه ليرى ما به. لعله يجد شيئًا آخر يجعله يعلم الفاعل. وها هو الآن قد وجد ما يبحث عنه. تفاجأ ببعض رسائل التهديد من عائلة الشافعي لقتله لابنتهم تمارا. هم يهددون بقتله حقًا ثأرًا لحق ابنتهم التي لم تفعل شيئًا سوى أنها سقطت في براثن ذلك الحقير المريض. لكن هناك سؤال قوي يدور بداخله. أصبح متأكدًا من إجابته بعدما رأى جميع الأدلة المخفية.
هل عائلة الشافعي هي من قامت بقتله بالفعل بتلك الطريقة؟! لكن لماذا كانوا يحاولون جعل رنيم هي القاتلة وهي لم تفعل لهم شيئًا حتى يؤذوها؟!
يشعر أن هناك حلقة مفقودة لا يعلمها ولم يستطع الوصول إليها بسهولة. لكنه يشعر أنه سيصل إليها بعد استماعه للحقيقة من رنيم. يود استماع الحقيقة التي رآها ولا يعلم كيف سيتحملها منها؟!
لكنه لا يعلم أيضًا لماذا تخفيها عنه، وهي الضحية وليست المذنبة!
سيعلم كل ذلك عندما يتحدث معها ويستمع إليها.
حذف جميع الفيديوهات الخاصة برنيم زوجته وهو يشعر بالغضب لما حدث لها. وقام بأخذ تلك الأدلة معه مقررًا أن يسلمها ليتم القبض على القاتل. لم ينكر أنه يراه يستحق القتل. وإن كان على قيد الحياة كان سيفعلها هو به. لكن مهنته وعمليته لم تسمح له بذلك. صدقه في عمله يمنعه من إخفاء الأمر الذي وصل إليه بالفعل. قام بتسليم تلك الأدلة كاملة لاستكمال البحث وإظهار الحقيقة كاملة.
يريد الذهاب لها مسرعًا ليعوضها عما رأت. أغمض عينيه بقوة مقررًا بينه وبين ذاته سعادتها وحذف تلك الذكريات السيئة التي رأتها على يده. هي لن تستحق سوى السعادة.
***
في الصباح الباكر.
توجهت جليلة نحو فاروق الذي كان يطالعها بندم وحزن لابتعادها عنه. اقترب منها مسرعًا بلهفة ولوعة كبيرة تحرق قلبه الذي يحبها بضراوة.
"جـلـيـلـة..."
كاد يحتضنها بعشق ضاري حقيقي، لكنها لن تدعه يفعلها بعدما علمت الحقيقة. تراه الآن شخصًا غريبًا عنها، ليس زوجها الذي اعتادت على وجوده معها.
قبل أن يواصل حديثه، قطعته هي بحدة. مبتعدة عينيها عنه، ولازالت لم تطلع نحوه. شاعرة بالضيق من رؤيته بعدما علمت حقيقته المظلمة وتلقت صدمتها الكبيرة به.
"أنا قررت أن هفضل هنا عشان خاطر سما وجواد. ملهمش ذنب أنهم يقعدوا مع واحد زيك. متستاهلش حد منهم. بس هو ملهمش ذنب يشوفوا ابوهم كدة. بس ليا عندي شرط. يا توافق عليه يا هاخدهم وامشي واقولهم أي سبب."
ابتسم لكونها ستظل هنا في المنزل بجانبه. وهو يلعن ذاته لأنه المتسبب في وجعها تلك المرة، خاصة بعد رؤيته لوجهها الشاحب وعينيها الباكية بحزن. ولازالت الصدمة تسيطر عليها. حزين لحديثها الذي يخرج منها بوجع وقهر. لم يتمنى يومًا أن تشعر به. وهمهم يرد عليها مسرعًا بلهفة.
"اكيد طبعًا. كل اللي عاوزاه هيحصل. شوفي عاوزة ايه واعتبريه حصل."
ابتسمت ابتسامة ساخرة وتمتمت بضيق وصوت مختنق حزين بضعف.
"بلاش تمثل وتبين أنك بتحبني. خلاص كل حاجة اتكشفت وعرفتها. أنا مش عاوزة مديحة وأروى هنا في بيتي. وأي حاجة هتقولها متهمنيش ولا عاوزة اسمع أسبابك. يا أنا يا هما في البيت ده. ومش هقعد معاك طبعًا. هقعد في أوضة لوحدي. أنا عاوزة ابعد عنك."
قبل أن يعترض على حديثها، تابعت هي مرة أخرى بجدية.
"اعتقد تقدر تمشيهم بقى خلاص. مبقاش في حاجة تستخبى ولا لسة فيه اللي معرفهوش. عشان كدة هيقعدوا."
حرك رأسه نافيًا مسرعًا وأجابها بصدق ليؤكد حديثها.
"لا والله مفيش حاجة خلاص. مفيش غير دي. والله ما حصل حاجة تاني."
رمقته بسخرية. هل ما علمته هين وسهل؟ فهو أكبر صدمة تلقتها في حياتها. وأكدت على حديثها بجدية حادة.
"يبقى خلاص كدة بقى تعمل اللي قولته لو عاوزني أفضل أنا وعيالي."
أومأ برأسه أمامًا وهمهم بجدية يوافق على حديثها.
"خلاص اعتبريها هتمشي. كل حاجة هتحصل زي ما انتي عاوزة."
رمقته بنظرات حادة ساخرة منه وتمتمت بتهكم تؤكد على طلبها الثاني.
"مش دة بس. أنا هقعد لوحدي زي ما قولتلك. لو مش موافق خلاص."
بالرغم من عدم حبه للفكرة التي ستساهم في ابتعادها عنه، لكنه اضطر الموافقة عنوة عنه بدلًا من ابتعادها عنه للأبد.
"ماشي خلاص. شوفي عاوزة تقعدي فين. لو عاوزاني امشي أنا من الأوضة ماشي."
لم تهتم لحديثه، بل تمتمت بجدية محاولة الضغط على ذاتها لترد عليه وتقسو على قلبها المتألم بنيران الوجع والحزن التي رأته على يده.
"مش عاوزة منك حاجة. أنتَ ابعد عني وبس."
هناك صراع كبير بداخلها. قلبها الطيب وعقلها. هناك حزن كبير متواجد في داخلها لا تعلم كيف تتخلص منه. أغمضت عينيها بضعف محاولة التمسك بدموعها المعلقة في عينيها لتمنعها من السيل فوق وجنتيها.
سارت بغضب شديد تاركة الغرفة مختفية من أمامه، شاعرة بحزن كبير في قلبها الذي يوجد به جرح كبير لا تعلم كيف سيُشفى بعدما علمته. وكأن حياتها بأكملها كذبة كبيرة كانت تعيشها في خداع منه. هو لو كان يحبها بصدق، كان لم يفعل بها ذلك. كان سيفكر بها قليلًا ويمنع ذاته من خيانتها وجرح قلبها. لكن ماذا تقول؟ فهو قد خان شقيقه وخدعه. هل سيفكر بها كيف تفكر؟! نسب لشقيقه ابنه دون رحمة. من أمامها ليس زوجها التي تزوجته وأحبته. تراه اليوم غريبًا عنها وكأنه شخص آخر بعد اكتشافها لحقيقته المخفية ووجهه الآخر التي لم تكن تعلمه بالرغم من مرور تلك السنوات بينهما.
كانت تبكي بضعف وخذلان، تود الصراخ لتخرج جميع مشاعرها السلبية المتواجدة بداخلها بسببه. تريد الابتعاد عنه تمامًا، لكنها لم تستطع البوح عما بداخلها لأحد.
وقف فاروق في مكانه، عينيه معلقة عليها، يشاهدها وهي ترحل باكية من أمامه، لاعنًا ذاته عن خطأه الكبير الذي فعله بها. لكنه هو بالفعل لا يعلم كيف فعلها. لم يتذكر شيئًا سوى بعض المشاهد المشوشة بداخله والذي يندم عليها بشدة ويندم على فعلها. هو الآن يخسر زوجته بسبب تلك الحقيقة التي تطارده إلى الآن.
شرد عقله متذكرًا تلك الليلة التي فقد بها عقل وتسببت في كل ما حدث عنوة عنه.
ذهب فاروق منزل شقيقه. تفاجأ بمديحة تقف تستقبله بقميص قصير يكشف أجزاء جسدها. ابتلع ريقه بتوتر وهمغم متسائلًا بتوتر.
"هـ… هو فين حسن؟ عاوز اتكلم معاه."
ضحكت بطريقة مقززة مرتفعة، مقتربة منه، لفت يدها حول عنقه وتمتمت بدلع.
"هـو مش موجود. أنا بس اللي موجودة. منفعكش."
حاول أن يبتعد عنها قليلًا مغمغمًا بتوتر نتيجة لاقترابها المباغت.
"لـ… لأ طبعًا مش قصدي كدة. أنا بس كنت عاوز اتكلم معاه عشان مخنوق شوية."
جلس بارتباك فوق الأريكة محاولًا تهدئة ذاته وأنفاسه اللاهثة من هيئتها أمامه المربكة. لكنها باغتته باقترابها وجراءتها التي ازدادت أكثر وجلست فوق ساقيه تمتمت بدلال زائد.
"وأنتَ بقى إيه اللي مزعلك كدة."
كانت تقترب منه أكثر، تمرر أصابعها بين خصلات شعره. لا يعلم ماذا به وما الذي يشعر به الآن. لماذا لم يقوى على ابتعادها عنه؟ لأول مرة يشعر بالضعف تجاهها. هو لا يريدها، لكنه لا يعلم ما به. كيف تسحبه هكذا نحوها. أجابها بلهجة ضعيفة تزداد توتر.
"مـفيش. كنت متخانق مع جليلة شوية وقولت آجي اتكلم معاه."
ارتفعت صوت ضحكتها ترن في أذنيه، شاعرًا بأنفاسها الحارة التي تلفح وجهه وتمتمت بإغراء واقترابها يزداد.
"لا هو مش موجود. أنا اللي موجودة. وده من حظك عشان أعرف ادلعك واطلعك من النكد اللي جليلة عملته."
ظل كما هو، لم يتجاوب معها في البداية، يتطلع بذهول ولا يزال لم يستوعب شيئًا مما يحدث معه. وظلت هي مستمرة في محاولاتها حتى شعرت بنجاح ما تريده وهي ترى الأمور تسير كما خططت لها عندما رأته قد بدأ يتجاوب معها ويقترب منها كما تتمنى. هي الآن داخل أحضان فاروق الهواري، حاكم تلك العائلة.
بعدما عاد إلى وعيه وهو يشعر بالصدمة مما حدث، ليعلم ما الذي حدث. هو يشعر بكل ما فعله، لكنه لا يعلم كيف فعلها. سألها بدهشة مذهولًا مما فعله.
"هـ… هو إيه اللي حصل؟ إيه اللي حصل وازاي عملت كدة؟"
لا يعلم ماذا يتحدث ولا يجد ما يقوله ليشرح فعلته. هو لازال تحت تأثير صدمته من تلك الفعلة التي فعلها دون إدراك منه. وجدها تضحك بابتسامة سعيدة وأجابته بدلال وهي تتطلع بلا مبالاة كأن لم يحدث شيء.
"إيه يا فاروق مالك يا حبيبي. دي كانت حتة ليلة جامدة."
اقتربت منه ملقية ذاتها داخل أحضانه، لكنه دفعها مسرعًا نحو الخلف ونهض ملتقطًا ثيابه يرتديها وهو يقف مصدومًا يتطلع أمامه بذهول، لاعنًا ذاته على فعلته، النادم عليها. وغمغم بخشونة جادة.
"اللي حصل دة كان غلط… غلط مينفعش يحصل. من الأول مكنش ينفع."
وقفت أمامه كما هي، تطالعه ببرود وتمتمت بسعادة خبيثة.
"فاروق اللي حصل دة عادي. مفيش حاجة مستاهلة اللي بنعمله ده. مش غلط ولا حاجة."
صاح بها بعنف متعجبًا حديثها، منفعلًا عليها بغضب وصل لأعلى ذروة به.
"لا مش عادي. ده غلط. مش عارف ازاي عملت كدة. أنا خونت مراتي وأخويا. وفي الآخر مش غلط؟ ازاي؟ انتي واعية للي بتقوليه ده؟ جنان."
دفعها بقوة إلى الخلف وهو لا يزال يشعر بالدهشة من مما فعله. يريد قتل ذاته على ذلك الخطأ الأحمق، لكن لا يعلم كيف سيفعلها. وقفت مديحة تتطلع أمامها بسعادة، مبتسمة لأول مرة تنعم باقترابها منه كما تتمنى. تتذكر أحداث ليلتها معه بفرحة.
على عكس فاروق الذي لا يريدها بالفعل. لا يصدق كيف خان شقيقه وفعل هكذا. هو يحب زوجته. كيف ضعف أمام محاولاتها؟ كل ذلك لا يعلمه. لكنه يعلم أنه أخطأ ولم يستطع منع ذاته من الابتعاد عنها. يراها عارية داخل أحضانه مبتسمة بسعادة لتحقيق ما تريده. وهي دومًا ترى أن وجودها معه هو الجزء الأربح والأقرب لتحقيق جميع مخططاتها. لكن الذي لم يكن في حسبانه هو حملها الذي تم بعد تلك الليلة. وتأكده هو أن عصام ابنه ليس ابن شقيقه. ظلت هي مستغلة ذلك الأمر لتجعله ينفذ ما تريده عنوة عن الجميع لتحقيق أطماعها الشيطانية السامة.
***
فاق من شروده في تلك الليلة التي كانت بداية اللعنة في تغيير حياته. يندم على فعلته بضراوة. هو حقًا لا يريدها. لا يريد سوى زوجته جليلة التي يحبها بصدق. لكنها الآن ابتعدت عنه بسبب تلك الغلطة التي تطارده لعنتها إلى الآن.
لكنه لم يصمت ويدعها وتذهب من المنزل. سيفعل لها ما تريد دون تردد. الذي كان يخاف منه قد حدث. فلماذا سيصمت من الآن؟ سيجعل مديحة تترك المنزل وينفذ طلبات زوجته من الآن حتى تبقى معه. سيحاول معها لتغفر له عن خطأه. لكن كيف ستفعلها؟ هو قد تسبب في خطأ كبير لا أحد يفعله! يريد أن يثبت لها أنه يحبها. هو حقًا يحبها. لم يحب سواها. لكنها كيف ستصدقه بعد كل الذي علمته.
هي رأت وجهه المظلم الذي لم تتخيله. رأت قسوة داخل قلبه لا تعلم من أين آتى بها. هو أخفى عنها تلك السنوات حقيقة مظلمة قلبت حياتها بأكملها. جعلت تراه بصورة أخرى يستحقها.
توجه نحو غرفة مديحة بخطوات واسعة غاضبة. ولج الغرفة بوجه مكهفر. فرمقته بتعجب وتمتمت بعدم رضا ودهشة.
"في إيه يا فاروق؟ مالك داخل كدة ليه؟ هو حصل حاجة تاني."
كان يرمقها بغضب شديد. هي المتسببة في كل ما حدث. لكنه لم يستطع أن يقول ذلك لأنه اشترك معها في الخطأ. كانت نظراته حادة ملتهبة بنيران متوهجة يملأها الغضب. وغمغم بلهجة مشددة حادة.
"مفيش حاجة. بس أنا شايف أن كفاية قعاد هنا في البيت لحد كده. ده بيت جليلة."
طالعته بذهول متعجبة حديثه وتحوله معها المباغت الذي لم تتوقعه. لا تعلم لماذا جليلة لم تذهب إلى الآن. هي توقعت ذهابها، توقعت أن ترحل من المنزل وتترك لها فاروق تعتني به هي وتستطيع تحقيق أطماعها الماكرة من خلاله. لكنها لا تعلم لماذا لم يحدث ما توقعته. هو الآن يطلب منها الرحيل. هي من ترحل، ليس جليلة. أجابته بضيق حاد، تبادله نظراته بخبث شيطاني يشبهها.
"هو إيه اللي امشي؟ دي في إيه يا فاروق؟ من بعد ما عصام ابننا مات وأنا اتفقت أن اقعد هنا وخلاص. ولا عاوزني اقعد أنا وأروى لوحدينا."
صاح بها بحدة، شاعرًا بلا مبالاة من حديثها الذي أصبح لم يعنيه من بعد معرفة زوجته بالحقيقة. وغمغم بعصبية غاضبة مشددًا فوق حديثه.
"لا بقولك إيه. الشغل ده كان زمان. أنتي مع وجود عصام برضه كنتي لوحدك. هو الواد ده كان بيرجع البيت أصلًا؟ أنتي هتضحكي عليا؟ ده مكنش بيرجع غير عشان رنيم لما يجيله مزاجه يموت فيها شوية. يعني أنتي أصلا قاعدة انتي وأروى لوحدك."
وقفت تحت تأثير الصدمة من حديثه معها بعد تحوله المباغت، محاولة استخدام طريقتها وتمتمت بنبرة تهديد واضحة مبتسمة بمكر.
"كويس أنك عارف عصام كان عاوز إيه من رنيم حبيبة ابنك. عشان لما جواد يعرف بقى يعرف وقتها أن أبوه السبب وهو اللي حرمانه من حبيبته كل ده وعذابه."
طالعها بضيق وقد ازداد غضبه، مقتربًا منها شاعرًا بالدماء تغلي داخله. قبض فوق ذراعها بقوة حديدية وثار عليها بحنق.
"بقولك إيه اتعدلي وفوقي لنفسك. مش فاروق الهواري اللي هتقفي تهدديه. لأ غلطانة. أنا أهدد الكل. وبعدين ما يعرف جواد. هو أنا هخاف."
التقط أنفاسه باحتدام منفعلًا بها واستكمل حديثه بحدة مشددة.
"اللي قولته يحصل. تمشي من هنا أنتِ وأروى. ترجعي بيتك وحقكم هيوصل كل شهر. غير كده ملكيش حاجة عندي."
دفعها بقوة إلى الخلف مما جعلها تسقط فوق الفراش الذي خلفها. لكنها لم تصمت. نهضت مرة أخرى تقف قبالته وصاحت بضيق شاعرة بهدم كل ما كانت تسعى إليه.
"لأ يا فاروق. اللي ليا عندك مش حق كل شهر. اللي بينا كتير وكتير أوي. ده احنا كان بينا عيل. ولا هو عشان راح بس. اتفاقنا زي ما هو. مراحش. أروى لازم تاخد حقها وتجوزها ابنك. وأنا هفضل هنا جنب بنتي. ده اتفاقنا وأنا مش هسمح إنك ترجع فيه."
رمقها ببرود دون اهتمام لحديثها. لأول مرة يقف دون أن يخشى تهديداتها بعد معرفة جليلة بالحقيقة كاملة. وأجابها بلا مبالاة مبتسمًا.
"اللي بينا كان غلطة. مجرد غلطة. كان سببها العيل اللي بتقوليه. وأهو راح فعلاً. يبقى خلاص مفيش بينا حاجة غير حقك أنتي وأروى وخلاص. اتفاقنا خلص بمعرفة جليلة للي حصل زمان. وأروى بكرة تتجوز. مش هتقف. دي لسة صغيرة. الكلام خلص على كده."
وقفت تطالعه بخيبة أمل وعدم تصديق. كاد أن يذهب بعد انتهاء حديثه الذي آتى إليه وإنهاء الأمر بأكمله. لكنها منعته بضيق وتمتمت منفعلة بضراوة.
"لأ يا فاروق. اللي بينا مخلصش على كده. ولا عمره هيخلص. وأروى هتتجوز جواد. أنت وعدتني بكده. نفذ كلامك بقى."
وقف ببرود دون أن يبدي رد فعل. رد عليها فقط دون اهتمام ساخرًا من حديثها.
"بس خلاص. جواد اتجوز ومراته حامل. يعني مفيش طلاق. فقولي لبنتك أن خلاص كدة تشوف مستقبلها أحسن. وجهزي نفسك عشان تمشي وترجعي بيتك."
لم ينتظر حديثها وسار بشموخ نحو الخارج، يلعنها سرًا ويلعن ذاته الذي كان يستمع إلى حديثها عنوة عنه بعض الأحيان. لكنه الآن قد تخلص من كل ذلك. جعلها تعلم بحقيقتها في تلك العائلة والتي ستُعامل على أساسها.
بينما مديحة وقفت تتطلع على أثره بغضب متوعدة له. عقلها يثور عليها الآن. تفكر فيما ستفعله وعقلها يتردد به حديثه. هو الآن متمسك بوجود رنيم بسبب حملها، ويتخلى عنها لأجل وجود جليلة. هي لن تسمح للأمور أن تُترك من قبضتها. لن تخرج في النهاية خاسرة كل ذلك وتتحطم جميع مخططاتها وأحلامها بامتلاك جميع نفوذ تلك العائلة والتحكم بها. مقررة الانتقام من حديثه. ستجعله يندم على ما تفوهه لها الآن. عليها تحقيق ما تريده مسرعة.
بدأت تفكر في مخططاتها بعقل ماكر ذي تفكير شيطاني. مقررة فعل أي شيء لأجل تحقيق ما تريده. لكن عليها أن تفعل ذلك مسرعة قبل انتهاء اليوم وتمسكه بفكرة ذهابها. ابتسمت ابتسامة ماكرة خبيثة بعدما علمت ماذا ستفعل في سبيل تحقيق ما تريده؟
***
كانت رنيم تجلس في غرفتها بقلق بعدما فشلت جميع محاولاتها للاتصال بجواد. لأول مرة يغلق هاتفه دون أن يرد عليها. حاولت أن تطمئن ذاتها وتهدأ. ثم خرجت لتسأل عنه والدته. لعله يكون قد تحدث معها.
توجهت إليها. رأتها تجلس بوجه حزين شاردة تفكر فيما حدث دون أن تنتبه لوجود رنيم التي اقتربت منها متمتمة بهدوء لتطمئن عليها بعدما رأت حالتها.
"طنط حضرتك كويسة؟ في حاجة تعباكي؟"
فاقت من شرودها منتبهة لها وابتسمت أمامها ابتسامة حزينة عنوة عنها. تعلم رنيم مغزى الابتسامة جيدًا. تلك البسمة التي تحملت بين طياتها حزن ووجع، قهر وضعف. كانت دومًا تفعلها. أجابتها جليلة بهدوء ونبرة حزينة.
"لأ يا حبيبتي أنا كويسة. متقلقيش. تعالي أنتي اقعدي ارتاحي عشان الحمل. وطمنيني عنك."
احتضنتها رنيم بحنان، شاعرة بحزنها الذي لم تعلم سببه. لكنها تعلم أنها حزينة وعليها أن تقف بجانبها مثلما كانت تفعل معها. فهي لم ترى الحنان ولا تشعر به سوى منها. كانت دومًا تدافع عنها. ابتسمت جليلة لفعلتها وربتت فوق ظهرها بحنان متمتمة بهدوء مؤكدة حديثها.
"والله يا حبيبتي كويسة. متقلقيش عليا. اقعدي بس انتي ارتاحي."
جلست بجانبها كما طلبت منها وتمتمت تسألها بقلق لم تنجح أن تخفيه عنها.
"طنط هو جواد مكلمكيش؟ عمالة اتصل بيه مش بيرد وبيقفل عليا. هو على طول بيرد."
طمأنتها جليلة بحنان مبتسمة لاهتمامها وقلقها عليه.
"لا يا حبيبتي متقلقيش. هو جواد على طول كدة. طول ما عنده شغل فتلاقي عنده شغل مهم شوية وهيكلمك لما يفضى. المهم حبيب تيتة عامل إيه؟ طمنيني عليه."
مررت يدها فوق بطنها برقة وسعادة لم تتخيل أنها تشعر بذلك الشعور التي ظنت حرمانها منه للأبد. لكن الآن ابنها ينمو بداخلها. تشعر به. أجابتها بابتهاج فرحة.
"الحمد لله كويس. متقلقيش عليه."
ربتت فوق يدها بهدوء وتمتمت بتعقل وفرح.
"خلي بالك على نفسك. متتخيليش أنا فرحتي بالحمل ده قد إيه. من زمان وأنا نفسي أشوف عيال جواد."
ابتسمت رنيم بسعادة وتمتمت بحنان.
"ربنا يخليكي لينا يا طنط وتربيه زي ما ربيتي جواد. خليته أحسن واحد في الدنيا."
ابتسمت لها جليلة داعية ربها أن يحفظه لهم وتحمل ابن جواد بيديها كما كانت تتمنى. ظلت تتحدث معها، محاولة رنيم أن تقضي على حالة الحزن التي تشعر بها.
***
كان جواد في ذلك الوقت يقف مع الظابط المسؤول عن القضية يتابع التحقيق مع عائلة الشافعي الذين ينكرون كل ذلك. غمغم بجدية تامة وعملية.
"الإنكار مش هيفيدكم. الأفضل أنكم تعترفوا لأن احنا متأكدين أن الرسايل التهديد مبعوثة من عندكم."
أجابه حسين الشافعي، والد تلك الفتاة التي قُتلت على يد عصام دون رحمة لمجرد عصيانها عليه. وأردف يرد عليه بحدة.
"أيوه احنا اللي بعتنا الرسايل ده. حد قتل بنتنا وكنا هنعملها بس محصلش."
غمغم الظابط مرة أخرى أخرى منفعلًا بغضب.
"كان المفروض تيجوا تبلغوا وحق بنتكم كان هيرجع بالقانون. مش كدة كان زمانه بيتعاقب على اللي عمله فيها وفي غيرها."
لم يقتنع والدها بذلك الحديث وتمتم يرد عليه بجدية غاضبًا هو الآخر متذكرًا ابنته التي حُرم منها.
"احنا قادرين نجيب حق بنتنا من غير لجوء للقانون. كنتوا فين وهو بيقتلها وكأنه معملش حاجة؟ لا احنا مش قليلين عشان نسكت على حقنا ونستنى غيرنا يجيبه."
ظل التحقيق معهم مستمر. لم ينكر جواد شعوره بالشفقة والحزن لحال والدها وجميع العائلة لفقدانهم لابنتهم.
في المساء.
في المنزل الخاص بعائلة الهواري. وقفت مديحة مع بعض السيدات التي جعلتهم يدلفون الباب الخلفي للمنزل حتى لا يراهم أحد. تمتمت واحدة منهم بطمع.
"اهو يا ست هانم جينا على طول زي ما قولتي."
أومأت مديحة لهم بغرور وتمتمت بقسوة ومكر.
"المهم البت لما تيجي مش عاوزة اسمع صوت. أنا هبقى جوة. مش عاوزة حد يحس بحاجة. والبت متطلعش سليمة من تحت ايديكم. لا هي ولا اللي في بطنها. وهتاخدوا اللي عاوزينه."
توجهت مديحة نحو الداخل ببرود وأشارت لأحدى الخادمات بمكر. تمتمت الخادمة بخوف متراجعة عن تلك الفكرة.
"يا ست هانم بس لو رنيم هانم قالت عليا أن انا السبب. انتي عارفة هيحصلي إيه."
أجابتها مديحة بثقة تامة وغرور وهي مبتسمة بتسلية.
"مش هتلحق تقول. هي أصلاً متعرفكوش لسة. وانتي مش هتكوني موجودة قدامها تاني."
ذهبت الخادمة نحو غرفة رنيم وتمتمت باحترام تخفي نواياها وأهدافها الطامعة.
"رنيم هانم. جواد بيه تحت مستني حضرتك في الجنينة بيقول عاوزك."
ابتسمت رنيم بسعادة وسارت مسرعة نحو أسفل لتراه. لكن استوقفتها سما بمرح.
"إيه ده في إيه؟ مالك نازلة مستعجلة كدة ليه."
أجابتها بابتسامة سعيدة وهي تود استكمال طريقها إلى أسفل مسرعًا.
"مفيش. ده جواد تحت عاوز يشوفني. هنزله."
ابتسمت سما هي الأخرى في وجهها وتركتها تذهب له. خرجت باحثة عنه معقدة حاجبيها بدهشة وهي لم تراه ولم تجد أحد. لكنها تفاجأت بمن يجرها ويضع يده فوق فمها مانع خروج صوتها. ساروا بها نحو الباب الخلفي حيث لا يوجد أحد. وبدأوا يسدون لها بعض الضربات القوية. حاولت أن تدفعهم بعيد عنها محاولة الدفاع عن طفلها حتى لا تفقده مرة أخرى مثلما حدث معها من قبل. بكت عينيها بضعف شاعرة بعجزها للمرة الثانية عن حماية طفلها. يصدر عنها أنين خافت وهم يكتمون صوتها.
خرجت سما تبحث عنها. تفاجأت بعدم وجود جواد قط. قطبت جبينها بصدمة وتوجهت نحو الحارس متسائلة بقلق.
"هي رنيم هانم خرجت؟"
أجابها الحارس باحترام وعملية وهو يتطلع أرضًا.
"لا يا سما هانم محدش خرج."
قطبت جبينها بصدمة وتوجهت نحو الداخل تبحث عنها. رأتها واحدة من السيدات فأشارت لهم مسرعة ليذهبوا خوفًا من أن تراهم. تركوا رنيم دون أن يكملوا ما آتوا إليه. رأتهم سما واستمعت إلى صرخة رنيم المرتفعة عندما تركوها. لكنها لم تستطع أن تلحق بهم. اقتربت من رنيم مسرعة بقلق.
"ر…. رنيم انتي كويسة؟"
لم تستطع رنيم أن ترد عليها. كانت فقط تبكي على طفلها خوفًا من أن يكون قد حدث له شيء وفقدته. أخذت سما تهتف باسم والدتها بضعف وهي خائفة هي الأخرى. اجتمع الجميع على صوت سما وتفاجأوا بهيئة رنيم الملقاة أرضًا باكية ومتألمة بضعف. وقفت مديحة تتطلع نحوها بسعادة مرتسمة فوق وجهها.
أسرعوا يطلبون الطبيب وهم يشعرون بالخوف عليها خاصة بعد رؤيتهم لدموعها والدماء التي تسيل منها. لكن مديحة كانت على عكس الجميع ترى نتيجة مخططاتها بسعادة متمنية أن تفقد هذا الحمل لتسهل مهمتها في ابتعادها عن جواد لتجعله يتزوج من ابنتها كما تخطط ونفذت بتلك السرعة بعدما اهتاج عقلها غضبًا لاستماعه حديث فاروق المتمسك بها زوجة لابنه بدلاً من ابنتها.
***
***
رواية لهيب الروح الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم هدير دودو
وصل جواد المنزل ما أن علم بما حدث لزوجته، خائفًا عليها وعلى ابنه القادم. يعلم ماذا ستشعر إذا فقدته مرة أخرى، فهو رأى حالتها من قبل عند خسارتها لطفلها الأول، لا يريد أن يجعلها تشعر بذلك الشعور مرة أخرى، وتدهور صحتها وحالتها النفسية.
كان قلقًا هو الآخر على ابنه، متلهفًا لرؤيته، يخشى أن يصيبه شيء بعدما علم بوجوده.
صعد مسرعًا بخطوات واسعة شبه راكضة متجهًا نحو غرفته ما أن وصل، يشعر أن الطريق لغرفته طال. هو يريد أن يصل إليها مسرعًا ليراها ويطمئن عليها، يود أن يجعلها تشعر بالأمان بوجوده بجانبها.
كان الجميع مجتمعًا في غرفتها بصحبة الطبيب. تبكي جليلة وتدعو ربها أن يكون حفيدها بخير هو ووالدته، هي تريد أن تحمله بين ذراعيها وتراه يكبر أمام عينيها بسعادة، شاعرة بابتهاجها حولها. وسما أيضًا تقف بوجه حزين شاحب، تود الاطمئنان على رنيم وطفلها، متمنية من ربها أن يكونا بخير.
بينما مديحة، تلك الشيـطـانة المتسببة في كل ذلك، تقف مبتسمة، ترى نتيجة فعلتها، متمنية الحصول على النتيجة التي تتمناها، وما هي سوى فقدانها لذلك الطفل الذي جعلهم يتمسكون بها. يجب أن تـقـتـله لتستطيع أن توطد علاقة ابنتها بـ جواد من جديد.
ولج جواد الغرفة، وجد الطبيب مازال يفحصها، فغمغم متسائلًا بقلق ولهفة:
- إيه يا دكتور طمني، هي كويسة صح؟
تابع فحصه لها باهتمام شديد، ثم التفت نحو جواد القلق بضراوة، وغمغم يطمئنه بعملية ومهارة، ويمليه بعض التعليمات الهامة للحفاظ على صحتها:
- متقلقش، المدام كويسة والحمدلله الحمل بخير. هي بس محتاجة راحة وممنوع الحركة تمامًا، وتنتظم في الأكل والأدوية، لأن صحتها ضعيفة شوية.
تنهد بارتياح، شاكرًا ربه على وجودها هي وطفلهما بخير، بالرغم مما حدث الذي لم يفهمه للآن. عندما حدثته سما، كانت تهتف ببعض الكلمات المتلعثمة، والذي لم يستطع فهمها عن وجود بعض السيدات في المنزل وقيامهن بضربها بقوة. لم يستطع أن يستكمل حديثها وعمله، وانهلع قلبه خوفًا عليها. حاول أن يسيطر على ذاته قليلًا، وشكر الطبيب بهدوء بعدما تناول منه تلك الورقة المدون بها أدويتها:
- شكرًا يا دكتور، معلش تعبنا حضرتك معانا.
سار معه يوصله إلى الأسفل، مبتسمًا بهدوء مطمئنًا بعدما شعر بارتياح كبير لاطمئنانه عليها.
احتضنت والدته سما بسعادة، وظلت تحمد ربها، وكل منهما مبتسم لسلامة رنيم وطفلها القادم، متحاشية النظر نحو مديحة المتسببة في حزنها، كأنها لم تقف معهم في الغرفة. هي لا تود أن تتذكر خيانة زوجها، لكن عنوة عنها، عندما تراها تتذكر أنه فعلها وخانها معها، تتذكر جرح قلبها الكبير الذي لن يُشفى.
كانت مديحة تشعر بالغضب الشديد وخيبة الأمل بعد فشل مخططها الذي لم تستطع أن تكرره. الدماء كانت تغلي بداخلها، تود أن تذهب هي وتضربها لتفقدها الطفل بذاتها، لكنها لم تستطع أن تقف تشاهد الأمر بنيران مشتعلة غضبًا، بكره. شاعرة لأول مرة بتحدي القدر لمخططاتها السامة، معلنًا عن اقتراب نهايتها، لكنها لن تدعها تأتي بتلك الطريقة، هي لن تنتهي سوى بعد أن تحصل على كل ما تتمناه في حياتها وفنتها في تنفيذه بصبر طويل.
عاد جواد الغرفة مرة أخرى، تمتمت جليلة بهدوء وتعقل، مبتسمة عندما شعرت بسعادته:
- خليك يا حبيبي جنبها وابقى طمنا عليها. هسيبك ترتاح دلوقتي ونتكلم بعدين.
أومأ برأسه أمامًا، فأشارت للجميع أن يخرج، غالبة الباب خلفها بهدوء. توجه يجلس بجانب رنيم التي بدأت تستعيد وعيها وتفتح عينيها بضعف، واضعة يدها فوق رأسها، متأوهة بتعب وآنين خافت مجهد.
أسرع يحتضنها بشدة، ملتقطًا أنفاسه بصعداء وارتياح كبير بعد علمه أنها بخير:
- أنتي كويسة؟ حاسة بإيه؟ إيه اللي تعبك؟
دفعته بقوة إلى الخلف، منكمشة على ذاتها، مبتعدة عنه بضعف، مرتعشة، وتمتمت بخفوت، واضعة يدها فوق بطنها، وأجهشت في بكاء مرير:
- ا… ابني.. ابني.. ليه كدة.
حاول أن يجعلها تطمئن وتهدأ قليلًا، خوفًا من أن يحدث لها شيء، مغمغمًا بهدوء وتعقل:
- اهدي، هو كويس، انتي كويسة والحمل كويس الحمدلله.
تنهدت بارتياح، مبتسمة من بين دموعها الحزينة، ممررة يدها بحنان فوق بطنها. اقترب مرة أخرى، وكاد يقبلها بشغف ويحتضنها لينعم من اقترابها ويجعل قلبه يرتاح قليلًا بوجودها معه، لكنها صاحت مسرعة بضعف تستوقفه، تمنعه من الاقتراب منها هي وطفلها، والخوف قد ملأ قلبها:
- ا… ابعد عـ… عني، ابعد عني عـ… عاوز تقتله ليه؟ حرام عليك، ابعد عني يا جواد، دة ابنك.
ابتعد عنها، وطالعها مذهولًا بصدمة وعدم تصديق لاستماعه لحديثها الصاعق، وتمتم بدهشة:
- إيه الجنان ده؟ انتي تصدقي أن أنا هعمل كدة في ابني؟ وبعدين لو عاوز أعملها، هجيب حد يضربك. انتي شايفاني كدة؟ شايفة أن ممكن أأذيكي بجد.
تطلعت بعينيها بعيدًا بعدما رأت نظراته المصوبة عليها بحزن وصدمة، وتمتمت بضعف من بين دموعها، وهي تفكر في حديثه قليلًا:
- أنا معرفش، معرفش حاجة. أنا بس عاوزة ابني وتطلقني. أنت زيك زي ابن عمك، وأنا مش هسمح أن ابني التاني يتقتل على إيد أبوه. أنا كنت نازلة أشوفك بعد ما بعتلي واحدة من هنا تقولي أنك عاوزني.
انزعج من حديثها، لكنه يعلم أنه عنوة عنها، خاصة بعد معرفته أنها نزلت لأجل رؤيته، فعاتبها بحنان، محتضنًا إياها بضراوة، مشددًا عليها بعدما شعر بحزنها وقهرتها:
- أنتِ شايفة أني زيه؟ أنا زي عصام؟ مش أنا اللي أعمل كدة، ولا عمري هفكر أعملها. اللي عمل كدة هحاسبه، وعمري ما هسيبه.
طبع قبلة هادئة فوق كفها بحنان، وجلس بجانبها ليجعلها تهدأ قليلًا.
طالعته بتوتر، والدموع تلتمع في عينيها بضعف، متمتمة بخفوت، ولازالت قلقة، لم تستطع أن تطمئن له خوفًا من أن يتكرر ما حدث لها من قبل:
- أ… أنتَ مش هتأذيني صح؟ ولا هتأذي ابننا.
أومأ برأسه أمامًا بثقة، يطمئنها بحنان، مؤكدًا ما تردفه:
- عمري… عمري ما هقدر أعمل حاجة تأذيكم. أنا قلبي كان هيقف لما عرفت اللي حصل.
صمت لوهلة، وتابع حديثه بغضب شديد، متذكرًا ما رآه وعلمه عن ابن عمه الذي آذاها بشدة:
- أنا مش زيه، ولا عمري هبقى زيه. أنا بحبك بجد، وعمري ما حبيت واحدة غيرك. وابني اللي منك دة، أنا عاوزه أكتر مانتي عاوزاه. أنا غيره يا رنيم.
رمقته بتوتر، معقدة حاجبيها بذهول، متعجبة ما يقوله، وتمتمت بضعف خافت:
- أ… أنت عرفت هو كان بيعمل إيه؟
أومأ برأسه أمامًا بثقة، وعاتبها بهدوء حتى لا يزعجها، مراعيًا حالتها الصحية:
- آه عرفت، بس كان المفروض أنتي بنفسك تعرفيني وتثقي فيا، عشان أنا جوزك.
تطلعت أرضًا بضعف، بعدما تجمعت الدموع داخل مقلتيها، لاعنة خوفها الذي منعها من معرفته ومشاركته لحزنها. هي كانت تتمنى أن تخبر، لكن خوفها كان يمنعها دومًا، فتمتمت بخفوت:
- أ… أنا معـ… معملتش كدة عشان خايفة عليك يا جواد، والله.
قطب جبينه بعدم فهم، وطالعها بدهشة، متسائلًا بذهول:
- خايفة عليا أنا؟ إزاي؟ احكيلي يا رنيم، أنا لسة عاوز أسمع منك. ليه وافقتي عليه وأنتي بتحبيني أنا؟
سألها ذلك السؤال الذي دومًا يأتي في عقله طوال فترة زواجها، السؤال اللعين الذي أرهقه بضراوة وأنهك قلبه العاشق لها.
تنهدت بصوت مرتفع، محاولة تشجيع ذاتها، وأخبرته بالحقيقة السوداء لحياتها. كانت تتحدث بضعف ونبرة متلعثمة خافتة:
- لـ… لأ يا جواد، أنا موافقتش والله. بس فاروق بيه هو اللي عمل كدة، هو اللي جوزني للمريض دة عشان يبعدني عنك، ودفع لأهلي مبلغ محترم هو ومديحة هانم، فرموني ليه؟ وهو اللي هددني أني مقولكش حاجة بعد ما عصام مات، وإلا هيأذيك. بس عصام كان وحش… وحش اوي يا جواد، شوفت كل أنواع العذاب على إيده، حتى ابني هـ… هو اللي موته بإيده، نزله بطريقة بشعة أوي. وكان عاوز الدكتور يشيلى الرحم، لولا أن قاله مبخلفش. كان الكلمة والنفس بحساب، وكلهم كانوا بيتفرجوا عليه وهو بيموتني. هو مؤذي أوي، أنا عمري ما هسامحه. أنا اتمنيت الموت على إيده، هو كان بيقتلني في كل لحظة، كنت بكره وجوده، بترعب منه.
كان جواد يشعر بالضيق من نبرتها المقهورة بضعف، وملامحها الممتعضة وهي تتذكر آلامها وذكرياتها الحزينة المحفورة بداخلها، مصطحبة معها دموعها التي آلمته. لكن هناك أيضًا جزء كبير يود معرفته، هي أخبرته أن والده هو المتسبب في تلك الزيجة، كيف فعلها؟! وهل كان يعلم بحبه لها؟! هل تسبب في حزنه ووجعه بإرادته؟ سألها مرة أخرى بتعجب تام:
- انتي متأكدة أن بابا هو السبب في الجوازة دي؟
شعرت بحزنه المتواجد في نبرته، فربتت فوق يده بحنان، ابتسم ابتسامة مريرة أمامها، وجذبها داخل حضنه يضمها بشدة، ثم أشار لها أن تواصل حديثها، بعدما سألها سؤال هام يود أيضًا معرفته:
- وانتي اتفقتي مع محسن دة بجد؟ دة معاه مسجلات لصوتك بجد.
أومأت برأسها أمامًا بضعف، مقررة أن تخبره بالحقيقة كاملة، بعدما آتت إليها تلك الفرصة الذهبية وتخلصت من خوفها، كما كانت تتمنى، فأجابته بصوت متحشرج باكٍ:
- ا… أيوه اتفقت معاه، بس دة بعد ما قتل ابني. قتله من غير رحمة، فضل يموتني ضرب لحد ما قتله. كنت بتذل ليه عشان يرحمني، بوست إيده، وبرضو موته قدامي.
التقطت أنفاسها بصوت مرتفع من بين شفتيها بضعف مرتعشة، وهي تتذكر هيئتها الذليلة أسفل قدمه، متوددة إليه حتى يعفو عنها ويترك طفلها يأتي إلى الحياة، لكنه لم يبالي ولم يهتم بها. تمتمت بضعف خافت:
- هـ… هو قالي أن ا… اللي زيي مينفعش تبقى أم. أنا كنت هبقى أم كويسة والله، وهتشوف أنت بنفسك، بس هو قال كدة. أنا اتفقت مع محسن بعد ما موت ابني، مقدرتش أشوفه عايش براحته، وقتل ابني، هو قتلني أنا من زمان، بس ابني لأ. بعدها أنا قولت لمحسن لأ، أنا مش زيه. قولتله يلغي كل حاجة، بس هو صمم يعملها عشان الفلوس، معرفش ليه، جابها فيا أنا بس، أنا قولتله لأ والله.
شدد من احتضانه عليها، بعدما شعر بمدى حزنها وضعفها، مربتًا فوق ظهرها بحنان، طابعًا قبلة رقيقة حانية فوق جبهتها وكفها، ليجعلها تشعر بوجوده الآمن، وأخبرها بحنان عاشق متيم بها:
- أنا معاكي وهفضل معاكي. من ساعة ما عيني دي شافت عنيكي، وهي خلت قلبي ميختارش غيرهم. هتبقي أحلى أم في الدنيا كلها، وابننا الجاي هتربيه أحسن تربية. واللي عمل كدة، أنا مش هسيبه، بس وغلاوتك في قلبي، وحياة عنيكي دول، مانا اللي عملتها، ولا عمري فكرت فيها. أنا بس قولت كدة في الأول من صدمتي باللي محسن قاله.
ابتسمت بحنان لحنانه عليها، الذي يظهره دومًا قبل حبه لها. لكنه قرر أن يخبرها بالحقيقة التي علمها بجدية وهدوء تام، وهو لازال يحتضنها:
- مش محسن اللي قتله. الواد دة كان محجوز في المستشفى بسبب خناقة مع حد. هو بس بيقولك كدة عشان تخافي وتدفعيله. اللي قتل عصام ورحمى منه، بعد اللي عرفته دة كله، عيلة بنت، وهو كان بيعذبها زي ما بيعمل، موتها. فهما خدوا حقها بموته. أنا عرفت كل دة، وهما حاليًا بيتحقق معاهم، عشان كدة كنت برة.
لا تعلم لماذا لم تفرح بمعرفتها للقاتل وعطفهم معهم، لأن تلك هي العائلة كما يجب أن تكون. قارنتهم بعائلتها الذين دومًا يسلمونها له بعد هروبها منه، يشاهدون علامات عذابه في كل أنحاء عليها، ولم يهتموا بكل ذلك. لا يهمهم شيء سوى الحصول على المال مقابل أي شيء.
شعر جواد بها، فرفع وجهها نحوه، ملتقطًا شفتيها بعشق ضارٍ بحنان، وأخبرها بحب هادئ:
- أنا جنبك ومعاكي، وابننا الجاي هيتربى على إيد أحسن أم. وده عشان هو محظوظ أوي.
ابتسمت بسعادة شديدة، تخفق في قلبها الحزين، لكنه يشعر بالسعادة على يده هو فقط. سألته بفرحة:
- بـ.. بجد يا جـواد؟ هبقى أم كويسة ليه؟
أكد حديثها بثقة تامة، وهو لازال يوزع قبلات متفرقة فوق وجهها وعنقها بشغف:
- مفيش أم هتبقى أحسن منك.
وضعت ذراعيها حول عنقه بسعادة، تبادله قبلاته وعشقه، لكنها استوقفته عندما شعرت بما يريده، وتمتمت بقلق لأجل الحفاظ على سلامة طفلها:
- جـواد كفاية كدة عشان ابننا. خليني أنام في حضنك، عاوزة أرتاح شوية.
حاول السيطرة على ذاته بصعوبة بالغة، واحتضنها بحنان عاشق، طابعًا قبلة حانية فوق جبهتها، مما جعلها تبتسم بهدوء، وهو كان يطالعها بنظرات يملأها العشق والشغف، وهو يرى مَن أحب وتمناها طوال حياته. كانت مشاعره لا توصف بعد رؤيته لها مبتسمة بسعادة لكونها بجانبه وداخل أحضانه، ذلك المكان الآمن الذي تمنته هي الأخرى.
***
في الغرفة الخاصة بمديحة، تفاجأت بفاروق الذي اقتحم الغرفة بوجه مكهفر غاضب، صائحًا بها بحدة بعدما علم ما حدث اليوم لرنيم:
- انتي فاكرة اللي عملتيه دة هيعدي؟ يبقى بيتهيألك. أنا مش هسكتلك.
وقفت أمامه منتفضة بخضة، وصاحت به هي الأخرى بغضب حاد، مدعية عدم الفهم:
- في ايه يا فاروق؟ إيه اللي عملته ومش هيعدي؟ هو أنت فاضي فجاي تطلع عصبيتك عليا؟
اقترب منها بحدة، والشرر يتطاير من عينيه الغاضبتين، وغمغم بعصبية منفعلًا بها:
- أنتي عارفة كويس أوي اللي عملتيه، وأنا مش هعديه. مش بيت فاروق الهواري اللي يدخل فيه شوية ***** يمدوا إيدهم على مرات ابني بسببك. لأ، البيت هنا ماشي بقوانين فاروق الهواري، محدش يتخطاه.
اشتعلت النيران بها بغضب عارم، وصاحت به بضيق حاد، مشددة فوق حديثها بعدما شعرت بهزيمتها مرة أخرى، كلما خططت لشئ ونفذته، دومًا يعود عليها بالفشل:
- بقت مرات ابنك المرة دي من امتى؟ لا وكمان بتقولها عادي، يعني أنت موافق أن واحدة زي دي تبقى مرات جواد الهواري عادي؟ مش زي ما كنت الأول.
كانت تحاول التقليل من رنيم لتجعله ينقلب عليها مثلما كان. لا تعلم كيف تحول فجأة وتمسك بها زوجة لابنه، وها هو يتعامل على هذا الأساس الآن. هل حملها كان سببًا لتحوله هكذا؟
لم يهتم بحديثها، بل أجابها بغضب حاد، والشرر يتطاير من عينيه السوداء الغاضبة:
- من دلوقتي، من اللحظة دي هي مرات ابني وأم ابنه الجاي، حفيد العيلة دي، ولازم تبقي عارفة دة كويس. ولو فكرتي تأذيها، واللي عملتيه دة اتكرر تاني، مش هعديها، مش هتعدي، فاهمة؟
شحب وجهها بضعف، وتمتمت بنبرة مهزوزة عندما رأت تحوله المباغت عليها هي في تلك الفترة، خاصة بعد معرفة جليلة بالحقيقة:
- أنت… أنت بتهددني يا فاروق.
لم يهتم بحديثها، بل كرر حديثه مرة أخرى يؤكده بجدية، مقررًا أن يتعامل معها بالطريقة التي تستحقها، بعدما شعر بتحرره من قيودها السامة وتهديدها الذي كان دائم:
- اعتبريها زي ما أنتي عاوزة، بس اللي حصل دة لو اتكرر مرة تانية، مش هسكت ومش هعديها.
قبل أن يذهب، التفتت نحوها مرة أخرى، وغمغم بحدة تامة، يرمقها بنظرات حادة جامدة لم تعتد عليها من قبل. هو دومًا يستمع إليها ويحاول تنفيذ ما تريده حتى تصمت، لكنه قد تحرر الآن من تلك القيود التي كانت تضعها حول عنقه وتهدده بها، فيعاملها كما يتعامل مع الجميع، سيجعلها ترى مَن هو فاروق الهواري الذي لم تعلمه حقًا:
- أنا مش قولتلك تجهزي حاجتك عشان تمشي انتي وأروى؟ كفاية كدة.
امتعضت ملامحها، متعجبة طريقته، لكنها أجابته بحدة هي الأخرى، بعدما استشاط عقلها غضبًا:
- هنمشي يا فاروق، بس بنجهز الحاجة وبنظبط الأمور، ما أنت ماشي بكلامها.
رمقته بغل غاضبة، وأكملت حديثها بشماتة، مبتسمة باستفزاز:
- أنت فاكر إنك هترجعلك بعد دة كله؟ تبقى بتحلم. مش جليلة اللي هتعمل كدة. وبعدين دي المفروض تمشي، أقل حاجة بعد اللي عرفته. مش إحنا اللي نمشي.
اقترب منها مرة أخرى، واهتاج عليها بغضب، بعد استماعه إلى حديثها الشامت الفرح في تدمير حياته مع زوجته بسببها، لكن هو مَن أخطأ تلك الليلة، أخطأ وعليه أن يتحمل نتيجة أفعاله بذاته. صاح بها بصوت جهوري حاد:
- وانتي يخصك في إيه تسامحني ولا لأ؟ ملكيش فيه. وبعدين تمشي إيه؟ دة بيتها، هي صاحبة البيت ده، ودي حاجة متخصكيش.
دفعها بقوة ضارية، فسقطت أرضًا، مما جعلها تندهش من فعلته المهينة لها، لكنه لم يهتم بها وبأمرها، بل تركها وسار متجهًا نحو الخارج بخطوات واسعة بشموخ، وهو يتمنى أن تسامحه زوجته، بعدما اعترف بينه وبين ذاته أنه أخطأ في حقها وحق أولاده بالفعل. كان يريد أن تسير الأمور كما يريد، دون الالتفات لما يريدون هم.
بينما مديحة كانت تتطلع نحو أثره بغضب تام، وهي لازالت ساقطة أرضًا، مقررة أن تسترد حقها منه بطريقة حادة سامة، تجعله يندم على ما فعله معها، ويعلم مَن هي مديحة وكيف تفكر، لتجعله يحترس منها ويفكر جيدًا قبل أن يتعامل معها بتلك الطريقة، مقررة أن تلقنه درس هام.
***
كان فاروق يريد التحدث مع جليلة، التي كانت معتزلة وجوده والحديث معه، محاولة تجاهله تمامًا، لكنه لم يستطع. توجه نحو غرفتها بدقات قلب متسارعة بضراوة، خوفًا من التحدث معها، لكنه سيتخذ ما حدث لرنيم سببًا لتحدثه معها. ولج الغرفة بوجه هادئ، وقبل أن يتحدث معها، تمتمت هي مسرعة بضيق:
- نعم، أنت عاوز إيه؟ جاي أوضتي ليه؟ أنا مش قولت تبعد عني!
اقترب منها بهدوء، وغمغم يجيبها بتعقل، متحتجًا بالأمر ليفتح حديثًا معها ويطلب منها أن تسامحه، يخبرها أنه ندم حقًا على ما فعله بها في الماضي، يود أن يخبرها أنه يحبها حقًا، ولم يحب أحد مثلها، لكن الأهم هل هي ستصدقه بعد علمها للحقيقة؟ لم يظن ذلك، فقد رأى حزنًا كبيرًا مدفونًا داخل عينيها، لم تستطع البوح عنه لأجل الحفاظ على أبنائها:
- أنا جاي عشان أسألك على اللي حصل إنهاردة، ورنيم دلوقتي كويسة ولا إيه؟ شوفتيها؟
أشاحت بصرها مبتعدة عنه، وأجابته بجدية تامة، مشددة على حديثها:
- هي كويسة الحمدلله، محصلهاش حاجة. بس أنا قولتلك أن المفروض مديحة ترجع بيتها، وأنت المفروض وافقت. إيه اللي جد بقى؟
اقترب منها أكثر، منتهزًا تلك الفرصة ليستطيع رؤية ملامحها بوضوح عن قرب، بعدما حُرم منها، وأجابها بلهجة هادئة:
- أنا لسة مكلمها، بس هي محتاجة وقت عشان تعرف تجهز حاجتها وتظبط الأمور، بس هي هتمشي.
تحدث مرة أخرى بصدق وشغف كبير، عندما رآها استمعت إليه وصمتت دون أن تعقب على ما تفوه به:
- جليلة، والله العظيم أنا بحبك بجد. اللي حصل دة كله غلطة، أنا مش عارف أنا عملتها إزاي، والله. لكن أنا عمري ما شوفت واحدة غيرك، ولا عمري هشوف. الي حصل دة مكنش قصدي فيه، والله ما حسيت بحاجة، ولا فاكر حصلت إزاي.
ظلت كما هي، تستمع إليه بصمت، دون أن تعقب على حديثه، منتظرة أن ينتهي مما يريده لترد عليه هي. ولأول مرة تحدثه بقسوة وجمود، محاولة السيطرة على قلبها والتحكم في كل شيء، لتسير حياتها بمفردها كما خططت، بعدما علمها بحقيقته:
- كل اللي قولته دة ميهمنيش، ولا عاوزة أعرفه. أنت جاي تسأل عن رنيم؟ قولتلك أنها كويسة. غير كدة، ملكش حاجة عندي. واتفضل بقى، مش عاوزة أسمعك. أنت أناني، مش عاوز غير مصلحتك، مبتفكرش في حد غير في نفسك. أولادك دول عمرك ما فكرت تعمل حاجة تفرحهم، دايما بتدور على اللي هيفرحك أنت، مش هما.
أشارت بيده نحو الخارج لتجعله يخرج، لكنه وقف يحرك رأسه نافيًا بعدم رضا، وعقله يحلل كل كلمة تفوهت بها، مقررًا أن يغيرها بالفعل، يود أن يثبت لها أنه يحبها هي وأولاده، سيمحي معاملته السيئة التي كان يفعلها من قبل مع الجميع، سيغير كل ذلك ويمحيه، سيجعلها تعلم أنه على استعداد أن يفعل أي شيء لأجلهم. كانت طريقته الماضية خاطئة مع الجميع، لكن عليه أن يضبطها الآن ويفكر بهم تلك المرة بدلًا عن ذاته الذي دومًا يسعى لتحقيق ما تريده.
سار نحو الخارج، يتركهها كما تطلب منه، وعقله يفكر في أول خطوة يجب أن يتخذها لتساعده على تنفيذ قراره والتمسك به. يفكر فيما أخطأ به ويجب عليه إصلاحه كاملًا.
***
في الصباح.
استيقظ جواد مبكرًا، يعد ذاته للذهاب إلى عمله، وعقله شارد، يفكر فيما حدث لزوجته، يخشى أن يكون والده السبب في هذا الشيء. حاول أن ينفض تلك الفكرة سريعًا من عقله، شاعرًا بمدى استحالتها. فهذا الشيء لم يتوقعه من والده، لكن مَن لديه تلك الجرأة الكبيرة ليفعل ذلك، ومَن معه مفتاح الباب الخلفي سوى والده؟ هو قد سألها وعلم بعض التفاصيل. كان يحاول ألا يفكر فيما ظن به، ملتقطًا أنفاسه بصعداء، وتوجه نحوها مبتسمًا عندما رآها لازالت نائمة بوجه هادئ عاشق له.
اقترب منها بهدوء تام، طابعًا قبلة رقيقة فوق جبهتها، فابتسمت شاعرة به، وفتحت عينيها بهدوء، متمتمة بحزن عندما رأته معد ذاته للذهاب:
- أ.. أنت هتمشي وتسيبني.
أومأ رأسه أمامًا، وأجابها بهدوء، وهو يجلس بجانبها بحنان، يملي عليها بغض تعليمات الطبيب:
- أيوه، عشان عندي شغل مهم، عاوز أتابع قضية عصام وأكمل التحقيق، أشوفهم وصلوا لأيه. ماما هتطلعلك أكل، كلي كويس عشان تبقي مامي شاطرة، ودي الأدوية بتاعتك تاخديها على طول، ومتتحركيش كتير، خليكي في الأوضة هنا.
سندت رأسها فوق صدره بحنان، وتمسكت به بحب، متمتمة بهدوء:
- طب اقعد افطر معايا، وبعدين امشي. مش مهم الشغل، المهم أنا.
ضحك على حديثها، واضعًا يده بحنان فوق خصرها، يقربها منه أكثر، ملتقطًا شفتيها بحنان وشغف شديد، وأردف بهدوء:
- أكيد طبعًا، انتي أهم من أي حاجة. بس دة شغل مهم جامد، لازم أروح، فهنزل دلوقتي عشان اتأخرت.
ابتسمت في وجهه بهدوء، وابتعدت عنه، شاعرة بارتياح وسعادة تجعل قلبها يرفرف عاليًا لوجوده معها، وودعته بابتسامة سعيدة، داعية له بحنان، متمنية من ربها أن يحفظه لها.
كان يسير نحو الخارج بملامح جامدة وخطوات واسعة سريعة، لكن استوقفه فاروق، مردفًا باسمه بهدوء وجدية:
- جواد، استنى، عاوزك. لو فاضي، عاوز أتكلم معاك.
قطب جبينه بدهشة، متعجبًا حديثه الهادئ لأول مرة، والتفت نحوه، مغمغمًا بجدية هو الآخر:
- إيه؟ عاوز تتكلم في إيه؟ أنا فاضي.
وقف أمامه، ملتقطًا أنفاسه بصعداء، محاولًا أن يظهر بصورة طبيعية، ويتحدث معه لأول مرة منذُ فترة طويلة، يفعلها هو في الحقيقة، لم يتذكر متى كانت آخر مناقشة هادئة بينهما، لكنه تحدث بهدوء، لم يخلُ من توتره فيما سيردفه:
- آه، عاوز أتكلم معاك. يعني أنا كنت بتصرف معاك بصورة غلط الفترة اللي فاتت، وظلمتك كتير، فعاوز أقولك متزعلش. أنا فوقت وعرفت أن أنا غلطان، وطريقتي كانت غلط معاك أنت وأختك.
رمقه بذهول، متعجبًا من طريقة والده، شاعرًا أن مَن أمامه ليس هو بسبب تغيره الشديد في التحدث، لكنه حاول أن يتجاوز صدمته، وأجابه بجدية يلومه عما فعله به:
- وأنا مش هزعل على إيه بالظبط؟ على طريقتك معايا وتقليلك مني دايما ومن شغلي اللي بالنسبالك ملوش أهمية؟ ولا عشان روحت بعدت عني البنت الوحيدة اللي حبيتها وجوزتها لابن عمي، وبتتعامل كأنك مكنتش تعرف؟ روحت وجعت قلبي وقهرته لسنين، وكمان عاوز تجوزني واحدة مبحبهاش؟ كنت بترضي الكل على حسابي أنا.
وقف فاروق يتطلع نحو ابنه بخجل، غير مصدق أنه علم بفعلته، والآن يلومه عليها. هو له الحق لفعل كل ما يريده، هو بالفعل قد أخطأ في حقه كثيرًا دون أن يحسب يومًا يقف به أمامه يكون هو المخطئ في حق ابنه.
لا يجد حديثًا يردفه ويدافع به عن ذاته، هو بالفعل قد فعل كل ذلك به، كان لم يفكر سوى بذاته، يفكر في الأمر الذي سيجعله يرتاح دون النظر لابنه، وهل ذلك سينفعه أم يؤذيه؟
وقف يتطلع نحوه بحزن، معلنًا ندمه عن فعلته بحزن، لكن لم يكتفِ جواد بذلك، بل تطلع نحوه وسأله بنبرة حزينة:
- عشان كدة كمان كنت عاوز تنزل ابني دة حفيدك؟ عمل إيه عشان تعمل كدة؟ أنت عاوز إيه بالظبط؟
أسرع فاروق ينفي ما يقوله، وهو يطالعه بعدم تصديق، وأردف يخبره بصدق:
- لا والله يا جواد، مش أنا اللي عملت كدة، واللي عمل كدة مش هسيبه.
قطب حبينه مندهشًا من حديثه الذي جعل تساؤلاته تزداد، وظنونه عن الفاعل، لكنه سألته بتهكم وعدم تصديق:
- يعني أنت عاوز تفهمني أن في حد غيرك معاه مفاتيح الباب اللي ورا، ولا حد يقدر يعمل كدة غيرك؟
كرر فاروق حديثه مرة أخرى بصدق، مربتًا فوق كتفه بحنان وهدوء:
- والله ما أنا اللي عملت كدة، وأنا مش هسكت على اللي عملها. أنت بنفسك قولت أن دة حفيدي، يعني أنا عمري ما هقدر أضره، صدقني.
شعر بصدقه في الحديث، فصمت بهدوء، وهو يحاول جمع أفكاره ليعلم مَن الذي فعل ذلك بزوجته ويريد قتل ابنه. لم ينكر أن عقله قد فكر في مديحة وأروى، لكنه لا يعلم كيف حصلوا على مفتاح الباب الخلفي، ومن أين قد آتت إليهم الشجاعة.
اقترب فاروق منه، وباغته بعناقه الدافئ له للمرة الأولى، لم ينكر جواد وجود مشاعر دافئة قد آتت إليه وشعر بها وهو داخل حضنه. تمتم بحنان هادئ:
- مش عاوزك تزعل مني، أنا كنت بتصرف بطريقة غلط تضرنا كلنا، بس خلاص فوقت وهصلح غلطي، بس الأول عاوزك تسامحني.
ابتسم بهدوء، وهو يشعر بالارتياح من طريقة والده الغير معتادة، والذي لا يعلم ما الذي جعله يفوق ويرى الأمر بتلك الطريقة. كيف رأى نفسه مخطئًا، وهو دومًا يكابر في الخطأ وينكره، دومًا يرى أنه مَن على حق ويجب للجميع أن يستمع إليه وينفذ ما يريده. لكنه الآن اتخذ خطوة جيدة يثنى عليها. سيفوق لحياته وأولاده، ويحاول أن يصلح من أخطاءه، بالرغم من حزنه الذي لازال منه، لأنه قد تسبب في ابتعادها ووجعه الذي دام لليالي وسنوات متعددة. ليالي طويلة كان الليل المظلم يشهد على حزنه ووجع قلبه المغمور بحبها، وفي النهاية قد علم أن والده هو المتسبب في ذلك الوجع، لكن ماذا يفعل؟ فهذا والده وهذه حياته.
في النهاية قد جمعه القدر بها ليقضي على لوعة قلبه الحزين العاشق لها. قد استجاب ربه لدعواته للجمع بها في حياته، تلك الدعوة الدائمة الذي دومًا كان يرددها بصدق، متمنيًا تحقيقها. لكنه الآن يعترف بخطأه ويطلب السماح منه، فماذا عليه أن يفعل سوى أن يحاول يسامحه؟
***
كانت مديحة تفكر في طريقة ما تثأر بها لذاتها وتنال حقها عما فعله بها. هي لن تترك زمام الأمور تنفلت من يديها بعدما كانت المتحكمة بها. هو الآن يفضل جليلة عليها، لازالت تتذكر كل كلمة تفوهت لها، تفكر في رد قوي ترد به عليه وتلقنه درسًا قويًا يجعله يندم على ما فعله معها.
لكن السؤال الأهم هو: كـيـف ستـفـعـلـهـا؟ كيف ستفعلها مع شخص مثل فاروق، قوي ويهابه الجميع، يفكرون فيما سيفعلونه أمامه لأنه شخص ليس هيّن.
ظلت تتردد على عقلها بعض الأفكار، حتى استقرت على أحدهم، ملتقطة هاتفها مسرعة، وظلت تعبث به بمكر، مبتسمة ابتسامة شيطانية سامة، وتحدثت بنبرة جامدة حادة ولهجة صارمة، مشددة في تعاملها مع مَن تتحدث:
- عاوزاك في موضوع مهم، وفلوسك هتوصلك زي ما أنتَ عاوز وزيادة كمان، بس مش عاوزة أي غلط في التنفيذ. كل حاجة تتنفذ زي ما أنا عاوزة.
تحدث الشخص الآخر بطمع، منتهزًا الفرصة الذهبية التي آتت إليه:
- ماشي يا مديحة هانم، إحنا نخدمك طبعًا، بس شوفي عاوزة تربي مين وهنربيهولك.
التمعت عينيها بشر وخبث، ونمت فوق شفتيها بسمة ماكرة يملأها التوعد، وهي مغمغمة باسمه:
- فـاروق الهـواري.
شعرت بالتردد الطرف الآخر، بعدما استمع إلى اسم فاروق الهواري، وأجابها بتوتر وقلق:
- فاروق الهواري مرة واحدة! ودة إحنا اللي هنربيه، انتي عارفة يا ست هانم، دة محتاج كام؟ ده إحنا بنلعب مع النار المرة دي.
لم تهتم بحديثه، بل واصلت حديثها بجدية تامة خبيثة:
- عاوزاه يتربى وتنفذ اللي هقوله بالظبط. يتربى بس مش أكتر من كدة. وأن كان على النار، فالفلوس هتطفيها، وأنت عارف كدة كويس، ولا قلت إيه؟
أجابها بطمع شديد، بعدما علم ما سيناله من تنفيذ ما تريده، وأنها ستدفع ما يريده دون تردد:
- تطفي أبوها كمان؟ هو في أهم من الفلوس يا هانم.
اعتلت ضحكاتها الماكرة منتصرة، وبدأت تخبره عما تريده، محذرة إياه أن يفعل كل شيء كما تريد، لتدفع لهم ما يريدون بعد تنفيذ خطتها الماكرة التي ستجعله يندم، ويعلم مَن هي، وقدرتها على فعل وتحقيق أي شيء في سبيل تحقيق سعادتها وما تتمناه. هي لن تدعه يدمر لها كل شيء فعلته لأجل حبه لجليلة. فهي على أتم استعداد للعبها مع النيران الملتهبة وإطفاءها، حتى تنتصر في النهاية، وأن كان الجميع سيطوله أذاها، لن تهتم. كالأفعى ماكرة، ليس لها أمان، لكنها ترى أنه هو مَن بدأ وضحى بها دون النظر لمكرها، فعليه أن يتحمل نتيجة أفعاله.
***
بعد مرور أسبوع.
توجه جواد نحو والدته بوجه شاحب مكهفر، بعدما علم أمرًا هامًا، ولا يعلم مَن الذي سيفيده في هذا الأمر، فالبحث داخل منزل عصام جعله يرى حقائق عديدة لم يعلمها من قبل. غمغم بنبرة قلقة يملأها التوتر:
- فاضية؟ عاوز اتكلم معاكي.
قطبت جبينها بدهشة وقلق على حالته، وأومأت برأسها أمامًا، وأشارت له مسرعة أن يجلس بجانبها، وهي شاعرة بالخوف عليه:
- تعالي يا حبيبي، في إيه مالك؟
جلس بجانبها بتوتر، وبدأ يقص عليها ما علمه بتوتر، فشحب وجهها هي الأخرى بضعف، شاعرة بصدمة كبيرة غير متوقعة لها، فهي قد ظنت أن ما علمته هي الصدمة الأكبر لها، لكنها الآن قد تلقت صدمة أخرى جعلتها تشعر أنها في حلم، بعد استماعها لما قاله ابنها، وقد آتت بعض الظنون بداخلها، لا تعلم أيهم الصحيح.
في ذلك الوقت، كان فاروق يقود سيارته أثناء عودته للمنزل، لكنه تفاجأ بتلك السيارة التي ظهرت فجأة أمامه، كأنها كانت تنتظر ظهوره بأمر مدبر. حاول الفرار من السيارة، لكنها اصطدمت به بقوة، تسببت في فقدان سيطرته على سيارته وانقلبت به.
وصل الأمر إلى منزل الهواري، شعرت جليلة بالصدمة والحزن على زوجها، بالرغم مما فعله بها، لكنها لم تستطع منع حزنها عليه، فهي قد عاشت طوال حياتها تحبه بمشاعر صادقة وقلب عاشق متعلق به.
سارت مسرعة بصحبة جواد بقلق، وانهلع قلبها بداخلها، شاعرة به يهوى من قلقه الشديد عليه، خوفًا من أن يصيبه شيء سيئ، بالرغم مما علمته الآن من جواد، تلك الحقيقة التي صدمتها أكثر، لكنها لم تفكر في شيء، وتناست الأمر بأكمله، لم تتذكر سوى أنه ليس بخير الآن. بقيت سما مع رنيم، وهي تبكي بحزن وقلق على والدها.
ابتسمت مديحة ما أن علمت بنجاح خططتها وحصول ما تريده. خرجت متخفية دون علم أحد، حتى لا يشعر بها، وسارت سرًا لتقابل ذلك الشخص الذي نفذ لها ما تريده.
ابتسم الشخص بطمع، هو ومَن معه، ما أن رآها تأتي:
- شوفتي يا ست هانم، كل حاجة حصلت المرة دي زي ما أنتي عاوزة. مع أنك المرة اللي فاتت مديتناش باقي فلوسنا.
صاحت به بعصبية غاضبة، عندما تذكرت ما حدث المرة الماضية، وتهجمت ملامحها منفعلة بهم بحدة:
- المرة اللي فاتت كنتوا أغبية. بعتاكم تربوه، علقة خفيفة، تقوموا تقتلوه. وياريتكم كمان خلصتوني منها زي ما قولت. كنت ارتاح. لأ، سايبنها وبتبوظ كل اللي ببنيه.
التمعت عينيها بالشر والغضب، متذكرة بعض الأحداث لما فعلته وكيف خططت من قبل، وما الذي دفعها لفعل ذلك، لاعنة إياه سرًا. فهو مَن تسبب في موته، ليس أحد آخر، بعدما تجرأ وتخلص من خوفه، وبحث في ملفاتها السرية التي أغلقتها دون معرفة أحد، ونجحت في فعلها حقًا. لكنه تجرأ وبحث خلفها، فكان السبب في موته.
رواية لهيب الروح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم هدير دودو
عادت الروح إليهم من جديد بعد لهيب قوي أصابهم معلنة انتهاء حالة الحزن على الجميع.
كانت جليلة تقف في المستشفى تبكي بحزن، شاعرة بنصل حاد غُرز في قلبها. على الرغم مما علمته عنه وما فعله بها، إلّا أنه يظل زوجها وحبيبها وأب ابنائها. هو مَن جعلها تتعلم الحب كيف يكون. عاشت جميع مراحل حياتها على يده، لن تستطع أن تكرهه بعد كل ما فعله معها. هي الآن تتذكر حنانه عليها وحبه الكبير لها التي عاشت به دومًا.
لم تستطع أن تظل ثابتة، هي تشعر بلهيب قوي في روحها، قلبها يؤلمها لأجله. تريد الذهاب إليه للتأكد من سلامته، تريده يكون بخير. انهارت باكية بضعف وجسد مرتعش، داعية ربها أن يحفظه لها. كادت أن تسقط أرضًا بانهيار تام، إلا أنها وجدت من يقف بجانبها ويسندها بقوة. لم يكن سوى جواد، الذي يسندها دومًا دون أن تطلب منه.
احتضنها بحنان قوي محاولًا أن يجعلها تهدأ قليلًا، مغمغمًا بهدوء وتعقل:
"متقلقيش يا أمي، هو بقى كويس والله. دة قرب يفوق خلاص، الدكاترة طمنوني. أهدى يا حبيبتي عشان متتعبيش."
حاولت أن تلتقط أنفاسها بصعداء من بين دموعها وتحدثت بضعف وهي تحتضنه بقوة:
"عاوزة أشوفه يا جواد، عشان خاطري. مش هعرف أهدا من غير ما أشوفه."
كان يعلم صحة حديثها، خاصة بعدما رأى حزنها الشديد عليه. فأومأ لها برأسه مبتسمًا بهدوء وأجابها بثقة:
"حاضر يا حبيبتي هدخلك ليه، هو خلاص والله قرب يفوق. الدكتور طمني، بس بردو هدخلك عشان تطمني بنفسك."
بالفعل نفذ لها ما تريده ودخلت الغرفة المتواجد بها. بكت بضراوة عندما رأت حالته الضعيفة. هي بعمرها لم تتخيل أن تراه بتلك الهيئة. اقتربت منه بحزن جالسة بجانبه ممسكة بيده بقوة وأردفت بنبرة ضعيفة بحزن متلعثمة دمر قلبها الممتلئ بحبه:
"فـ… فاروق اوعى تسيبني لحظة واحدة، دة أنا بتقوى بيك. أنت عندي بالدنيا كلها، حتى بعد كل اللي حصل أنت زي ما أنت عندي. عشرة السنين مش بتروح كده."
واصلت بكاءها بضعف تام متمنية من ربها أن يحفظه لها. تريد أن تراه دومًا أمامها بصحة جيدة، تتذكر تمسكه الكبير بها عنوة عن جميع الصعاب التي مرّ بها، ووقوفه معها دومًا وخوفه ولهفته عليها إذا حدث لها شئ سئ، اشتياقه الكبير لها إذا ابتعدت عنه ليوم واحد. هي عاشت معه عمر كامل لم يمحيه الدهر وأخطاؤه الكبيرة في حقها والتي لم تغتفر.
في المنزل الخاص بعائلة الهواري…
أغلقت رنيم مع جواد بعدما كانت تحاول أن تقويه وتدعمه ولو ببعض كلمات بسيطة تؤثر به. تريد أن تثبت له أنها بجانبه وستظل معه في جميع أوقاته الحزينة قبل الفرحة، متناسية تمامًا ما فعله فاروق بها. هي الآن تتذكر شئ واحد فقط وهو أنه والد زوجها، ويجب أن تدعي له بالشفاء لأجل زوجها وسعادته.
هي تحب جواد بصدق لذا تحب سعادته وتريد أن تحققها له. فهي عانت من لهيب الهوى وقسوته الشديدة، لذا تعلم جيدًا كيف يكون للحب الحقيقي وماذا يجب أن تفعل، واضعة سعادة جواد في مقدمة أفكارها قبل تفكيرها بذاتها وحياتها التي عانت بها كثيرًا بسبب فاروق الذي تسبب في إبتعادها عن حبها والقاها في الجحيم دون رحمة.
حاولت أن تتوقف عن تفكيرها وعادت مرة أخرى بجانب سما الباكية بضعف وحزن. طالعتها متسائلة بلهفة وقلق:
"ايه يا… ر…. رنيم جواد قالك ايه طمنيني بابا بقى عامل ايه دلوقتي."
احتضنتها بحنان كما كانت وحاولت تهدئتها وطمأنتها بهدوء تام:
"متقلقيش يا حبيبتي، هو بقى كويس والله. جواد طمني عليه وكمان طنط جليلة جوة معاه، اهدى بس ومتعيطيش."
ابتسمت من بين دموعها وتمتمت بضعف من بين شهقاتها وموعها:
"شكرا يا رنيم بجد مش عارفة اقولك ايه."
ربتت رنيم فوق ظهرها بحنان وطبعت قبلة رقيقة فوق جبهتها متمتمة بهدوء ومشاعر صادقة:
"متقوليش كدة، احنا أخوات يا سما. اهدي بس ومتعيطيش، والله هو بقى كويس."
ابتسمت سما بحزن، لكن قبل أن تتحدث وجدت رنين هاتفها يصدح في الغرفة. تفاجأت عندما رأت اسم خالد ينير شاشة هاتفها. ابتلعت ريقها بصدمة، شاعرة باشتياق شديد إليه. تطلعت نحو رنيم بخجل، فابتسمت رنيم بعدما فهمت ما تريده وربتت فوق كتفها بحنان ثم خرجت من الغرفة تاركة إياه بمفرده لتستطع التحدث معه.
أجابت عليه مسرعة، شاعرة بضربات قلبها تتسارع بقوة ولهفة كبيرة إليه. استمعت إلى صوته العاشق الذي طرب أذنيها وهو يطمئن عليها بقلق:
"الو يا سما أنتي كويسة يا حبيبتي؟ أنا عرفت باللي حصل وقولت اتطمن عليكي."
اجهشت في بكاء مرير ولم تستطع منع ذاتها من الانفجار بعدما استمعت إلى صوته وشعرت بالأمان حولها من وجوده. شعر بالقلق يزداد بعد استماعه لبكاءها الشديد فغمغم بقلق ولهفة شديدة عليها:
"سما اهدى يا حبيبتي اهدي عشان خاطري والله هيبقى كويس متزعليش اجيلك طيب تحت البيت."
أسرعت نافية حديثه خوفًا من أن يصيبه شئ سئ بسببها وحاولت أن تهدأ حتى لا تقلقه عليها مجيبة بتوتر وحزن كبير شاعرة باحتياجها الشديد إليه في ذلك الوقت، لكنه لم يتأخر عليها بالرغم من ابتعادهما:
"ا… أنا كويسة يا خالد متقلقش عليا، أنا بس خايفة على بابا بيقولوا الحادثة جامدة فخايفة عليه."
ظل يحاول أن يهدئها ويخبرها أنه سيظل معها دون أن تطلب. حاول يخبرها أن والدها سيكون بخير حتى لا تقلق هكذا. حاولت أن تقنع ذاتها بحديثه شاعرة بسعادة لوجوده بجانبها دون أن تطلب ذلك. هو يشعر بحزنها دون حديث، كان يتمنى أن يكون بجانبها ومعها في ذلك الوقت.
في الصباح…
استعاد فاروق وعيه وكان في حالة جيدة أفضل من ليلة أمس. كانت جليلة تهتم بكل شئ لكن دون حديث، تفعل ما يحتاجه بصمت تام دون أن تتحدث معه. هي فقط اطمأنت على سلامة صحته.
مسك يدها بقوة معترضًا ذهابها حتى لا تسير من أمامه بعدما أعطته الدواء وغمغم بنبرة مجهدة ضعيفة لم تعتاد على استماعها منه من قبل:
"جـ… جليلة أنا بحبك والله، حتى يمكن مش بقولها كتير بس عشان انتي عارفة أنا بحبك قد ايه. عاوزك تسامحيني يا جليلة، أنا غلطت في حقك بس والله ما أعرف أنا عملت كدة ازاي."
حاولت أن تبتعد عنه متحاشية النظر أمام عينيه المتعلقة بها وأجابته بتوتر:
"بلاش نتكلم دلوقتي يا فاروق، أنت تعبان نتكلم بعدين."
غمغم بأصرار شديد بعدما أشار لها بالجلوس بجانبه ليستطيع التحدث معها بهدوء وصدق:
"أنا كويس عاوز نتكلم…. عاوزك تسامحيني يا جليلة. أنتي عارفة انتي ايه عندي، اللي حصل دة كله غلطة صدقيني وندمت عليها وعمري ما هكررها."
لا تعلم لما قابلت حديثه بضحكة ساخرة مصحوبة بوجع قلب مقهور أنهكه الهوى والخداع، شاعرة أن حياتها معه بأكمله ليس سوى كذبة يخدعها بها. تمتمت بتهكم ساخرًا ولم تستطع أن تظل صامتة بعدما أصرّ هو على التحدث:
"ويا ترى عاوزني أسامحك على انهي مرة فيهم؟ المرة بتاعت عصام ولا بتاعت أروى ما كلهم عيالك.!"
تابعت حديثها بجنون ولم تستطع التحكم في ذاتها، شاعرة أن هناك أمر مبهم لا تعلم ما هو وكيف ستعلمه.
"بس ازاي…. ازاي كنت عاوز تجوزها لابنك أنت ايه بجد ازاي كدة أنا عايشة مع مين؟"
استمع إلى حديثها بصدمة وعدم فهم معقدًا حاجبيه بدهشة وغمغم بعدم تصديق وجدية تامة:
"أروى مين اللي بنتي انتي بتقولي ايه، انا قولتلك مغلطتش غير مرة واحدة وغلاوتك عندي وأنا حتى مش فاكر حصلت ازاي بس أروى بنت أخويا عادي انتي حتى بتقولي كنت هجوزها لجواد فلو بنتي هعمل كدة ليه، انتي جايبة الكلام دة منين؟!"
حاول أن يقنعها بصحة حديثه ليجعلها تصدقه وتثق به، لكنها حركت رأسها نافية بصدمة وغمغمت بحدة مشددة متخلية عن هدوئها أمامه:
"أنت لسة بتضحك عليا، عاوز توصل لأيه بكلامك دة انا عرفت الحقيقة خلاص."
طالعها بعدم فهم متسائلًا بملامح يرتسم عليها الجدية وعينيه مثبتة عليها:
"وإيه هي الحقيقة دي قوليها؟"
أجابته بقوة زائفة، شاعرة بقلبها سيتوقف بداخلها وهي تخبره عما علمته من ابنها. ذهنها مشتت بضراوة ولا تعلم كيف سينتهي بها الأمر:
"الحقيقة هقولهالك يا فاروق… عرفت أن حسن أخوك مبيخلفش معنى كدة أن الأتنين عيالك."
شعر هو بالصدمة ألجمت لسانه مانعة إياه من التحدث وعقله تشتت هو الآخر. كيف حدث ذلك؟ هو حقًا لم يفعلها سوى مرة واحدة، إذًا أروى كيف جاءت؟! حاول السيطرة على ذاته قليلًا وسألها بضيق حاد وجدية:
"مين اللي قالك الكلام دة يا جليلة انتي متأكدة منه؟"
شعرت بالتوتر عندما رأت حالته، شاعرة بصدقه تلك المرة. لكنها حاولت السيطرة على ذاتها ومنع قلبها من تصديقه واجابته بنبرة يملأها الوجع والحزن:
"جواد هو اللي عرف لقى ورق يثبت الكلام دة واتأكد منه كمان بس ميعرفش أنك ابوهم أنا مقولتش حاجة.."
طالعته بنظرات حزينة معاتبة على وجعها المتسبب به الآن. لماذا فعل بها ذلك؟! وكيف خانها؟ كيف لم يشعر بقلبها المحب له بصدق.
كان فاروق يشعر بالغضب. لا يعلم كيف فعلت ذلك تلك الماكرة؟ كيف خدعت شقيقه طوال حياته. تطلع نحو جليلة الحزينة التي تبكي بصمت وغمغم بصدق:
"جليلة أنا والله ما غلطت معاها غير واحدة والله ما بكدب انا بقولك الحقيقة انا مش فاكر حصلت ازاي المرة دي بس والله ما اتكررت تاني."
طالعته بصمت وهي لا تعلم كيف تصدقه وهل هو الآن يخبرها بالحقيقة أم يكذب عليها مرة أخرى؟! لكنها حاولت التفكير قليلًا كيف ستكون أروى ابنته وهو كان مصمم على زواجها من جواد. بالطبع هناك أمر خاطئ لم تفهمه.
حاولت أن تسيطر على ذاتها ومشاعره لأجله. لم تريد أن يحدث له شئ بسببها، لذلك فضلت الصمت. لكنه كان يفكر بعمق يود أن يعلم الحقيقة، لكنه كيف سيصل إليها وهو في تلك الحالة الصحية السيئة!
كانت مديحة مبتسمة بشر، شاعرة بالإنتصار. ستجعله يفكر قبل أن يتحدث معها مرة أخرى. هو يفضل جليلة عليها، إذًا ستجعله يعرف جيدًا مَن هي؟ وما نتيجة اللعب معها!
هي ليست ذات شخصية ضعيفة سهلة لتتهاون معه عندما يريد أن يدمر ما تخطط إليه. هي قادرة على فعل أي شئ لأجل تحقيق ما فنت حياتها لأجله. لن تخرج من تلك العائلة هي وابنتها دون فائدة. ستتحول وتجعلهم يرون حقيقتها وأنيابها الحادة وماذا ستفعل بالجميع!
أثناء تفكيرها قد آتى إلى ذهنها ما فعلته مع ابنها الذي كان سيتسبب في هدم جميع مخططاتها التي تريد الوصول إليها.
عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم التي أخبرته أنه ابن فاروق الهواري الذي نتج عن غلطة تسببتها معه، وقرر الرحيل من المنزل غاضبًا منها. لكنه عاد بعد يومين فقط ومعه سبب موته.
وقف عصام غاضبًا مغمغمًا بعصبية شديدة يصيح بها بحدة بعدما كشف حقيقتها المخفاه:
"بقى انتي بتضحكي عليا وتشتغليني فكراني هسكت بكلمتين."
صاحت أمامه بغضب حاد ممسكة بأطراف قميصه:
"ما تفوق لنفسك واتعدل وأنت بتكلمني ضحكت عليك امتى أنت شارب حاجة وجاي تطلع قرفك عليا فاكرني الوسـ*ـة بتاعتك ما تتعدل معايا."
لم يصمت مثلما يفعل كل مرة، لكن تلك المرة تختلف بعدما علم الحقيقة التي تخفيها طوال حياتها. فوقف قبالتها متبجحًا بغضب:
"لا أنا فايق دلوقتي بالذات مش شارب وفايق قولتيلي أن ابويا فاروق وطلعتي كدابة انا اتأكدت انه مش ابويا شكيت يمكن بتكدبي وأنا ابن حسن الهواري ابويا فعلا عارفة لقيت ايه؟!"
شحب وجهها بصدمة ووقفت أمامه صامتة دون حديث، شاعرة أن أسرارها المخفاه ستظهر بسببه. لم تعقب على حديثه بل وقفت صامتة لأول مرة أمامه لم ترد مثلما تفعل دومًا. وجدته يتابع حديثه بقسوة غاضبًا:
"عرفت ان مش فاروق لقيت دول الورق دة بيثبت أن حسن الهواري مش بيخلف يعني أنا وأروى مين ابونا ردي."
مسكها بقوة وظل يهزها بعنف وغضبه يعميه مكررًا سؤاله عليها بحدة ولهجة مشددة:
"مين ابويا قولي وازاي قدرتي تعملي كل ده انطقي."
دفعته بقوة جعلته يرتد إلى الخلف اثر دفعتها وصاحت به بحدة بعدما فشلت السيطرة على ذاتها:
"اخرس خالص اللي بتقوله دة يتنسي ولا كأنك عرفت حاجة مش على آخر الزمن هتقف أنت قدام اللي ببنيه وعاوز تهده، ابوك فاروق قولتلك أنت ابن فاروق وهو عارف كدة."
لم يهتم بحديثها الكاذب المتأكد من عدم صحته، فوقف يكرر حديثه عليها بحدة حازمة:
"ردي عليا مين ابويا قوليلي أنا ابن مين من غير كدب."
لم ترد عليه بل تلقى صفعة قوية فوق وجنته وصاحت بعصبية والغضب يعميها تمامًا:
"اطلع برة والكلام اللي بتقوله دة تنساه فاهم لو طلع برة هكون مموتاك بأيدي مش على آخر الزمن واحد زيك هيقفلي في اللي ببنيه بقالي سنين من أول ما دخلت العيلة دي اطلع برة.."
دفعته بقوة شاعرة بالدماء تغلي بداخلها. لا تعلم من أين وصل إلى تلك المعلومات التي ستدمر حياتها. لن تدعه يفعل ذلك، هي على استعداد على فعل أي شئ في مقابل تنفيذ مخططها حتى لو ذلك الشئ هو التضحية بابنها. لن يهمها سوى مطامعها. لكنها تحاول التفكير قليلًا لتصل إلى حل يرضيها ويجعله ينسى ما علمه عنها.
بعد تفكير طويل توصلت إلى حل مرضي لها، وقامت بالإنفاق مع هؤلاء الأشخاص مغممة بحدة وجدية مشددة:
"دة عنوانه زي ما اتفقنا عاوزاه يتربى بس بعلقة حلوة تنسيه اسمه عشان يتعدل معايا.."
بعد ذهابهم وتغيير خطتهم وقتله بالخطأ دون عمد منهم بسبب عناده لهم وأخبروها بفعلتهم شعرت بالغضب منهم لاعنة إياهم وتحاول التفكير في طريقة للتخلص مما فعلته. فوصلت لحل واحد يرضيها ويخلصها من فعلتها. غمغمت بقسوة والشر ملتمع في عينيها تتعامل كأنها لم تفعل شئ:
"عاوزة رنيم هي اللي تبان القاتلة اهو اخلص من البت دي بعد عملتكم السودة دي."
تم تنفيذ الأمر كما كانت تريد وإدّعت هي الحزن بمهارة بعدما خططت ونفذت لتلك الجريمة حتى تتخلص من أي شئ ممكن أن يهددها. فواحدة مثلها فعلت كل ذلك لن تتنازل عما تريده سوى بموتها حتى ولو اقتربت نهايتها في تلك الحياة التي كانت كاللعبة بالنسبة لها، تتلاعب بها كما تريد لكن دون قواعد. تفعل ما تريده بلا حدود ولديها هدف واحد هو تحقيق ما تسعى إليه وحصولها على نفود أكبر.
عادت من ذاكرتها وملامحها يملأها الشر، شاعرة بالانتصار متمنية رؤية جليلة في هذا الوقت شامتة بها، خاصة انها تعلم بحبها الكبير لفاروق. ضحكت بانتصار لما فعلته بها بعدما كانت تريد طردها من المنزل.
بعد مرور اسبوع…
استرد فاروق صحته وعاد إلى المنزل. كانت عينيه معلقة فوق مديحة التي اقتربت منه مبتسمة بهدوء ومكر تخفي خلف ابتسامتها حقيقتها القوية:
"الحمدلله انك قومت منها على طول كانت حادثة خفيفة."
وقف بشموخ مستندًا على ابنه وأجابها بنبرة مغزية قاسية وعينيه مثبتة فوقها مشتعلة بنظرات غاضبة حادة:
"قومت عشان احاسب الكل… كل واحد غلط هياخد حسابه مفيش سكوت تاني."
ابتسمت ببرود ولم تهتم بحديثه مدعية عدم فهم ما يريده. اقتربت سما منه محتضنة إياه بسعادة من بين دموعها لعودة والدها مرة أخرى:
"الحمدلله ياحبيبي أنك رجعت بألف سلامة كنت قلقانة عليك."
طبع قبلة رقيقة فوق وجنتها بسعادة شاعرًا بحبها الكبير له واحتياجها لوجوده. غمغم جواد بتعقل هادئ عندما لاحظ ملامح وجهه المجهدة بتعب:
"تعالى ارتاح في أوضتك الأول."
اقترب يسنده بهدوء حتى وصل به إلى غرفته. غمغم فاروق بغضب مستغلًا وجوده معه بمفردهما:
"أنا عاوز اعرف مين اللي عمل كدة وعاوزك تكمل تدوير في موضوع عمك ده."
اومأ رأسه أمامًا وأجابه بجدية وثقة تامة:
"اللي عمل كدة مش هسيبه وهجيبه وقسما بالله ما هرحمه وحوار عمي متقلقش اعتبره خلص ارتاح أنت بس ومتشغلش بالك دلوقتي ارتاح بس عشان صحتك."
ابتسم بسعادة شاعرًا بندم عن أفعاله المعارضة دومًا لسعادته، بينما هو في المقابل يهتم به وبسعادته ويريد أن يصل إلى راحته. فاقترب محتضن إياه بحنان مغمغمًا بهدوء:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي أنا واثق أنك هتعرف تعمل دة طبعا."
وقفت جليلة بصحبة ابنتها على أعتاب الغرفة تشاهد ذلك المشهد التي كانت تتمنى رؤيته. كانت دومًا تدعي ربها مترجية أن تتحسن علاقة زوجها وابنها لتصبح عائلتها افضل. ابتسمت على حديث فاروق الذي لأول مرة يثق في ابنه ويعترف بقدراته.
ولجت سما تقطعهما بمرح بعدما اقتربت هي الأخرى محتضنة والدها:
"ايه هو جواد هياخد الحب كله سيبلي بابا شوية وحشني."
ابتعد بالفعل ينفذ ما تريده ليجعل والدها يحتضنها هي الأخرى. وظلت تتحدث معه بمرح محاولة أن تجعله يضحك لملاحظتها للحزن المتواجد بداخله.
غمغم جواد بخشونة وجدية تامة بعدما نهض أعد ذاته للرحيل من الغرفة:
"هسيبكم بقى واروح اتطمن على رنيم شوية."
همهمت جليلة سامحة له للذهاب وتمتمت بهدوء وحنان:
"روح يا حبيبي وابقى طمني عليها."
سار جواد متجهًا نحو غرفته بخطوات واسعة متلهفًا لرؤيتها باشتياق شديد أنهك قلبه العاشق لها. ابتسمت بسعادة وقد تهللت أساريرها ما أن رأته ونهضت مقتربة منه. جذبها بلهفة واضعًا يده فوق خصرها يقربها منه بضراوة مستمتعًا برؤية ملامحها واستنشاقه لعبيرها الخلاب وهي داخل أحضانه.
لفت ذراعيها حول عنقه بسعادة وكادت أن تعبر له عن اشتياقها، لكنه لم يمهلها فرصة للتفوه بشئ وانقض فوق شفتيها يقبلها بعشق ضاري مستمتعًا بقربها الذي دام طيلة حياته يتمناه لوهلة واحدة، لكن الآن فخياله أصبح واقعه حقًا.
ابتعد عنها عندما شعر بحاجتها القوية للهواء مغمغمًا بصوت أجش حاني وعينين تعكس مدى احتياجه الشديد لها:
"وحشتيني.."
ابتسمت بسعادة شاعرة بنسيم يرفرف بداخلها نتيجة اقترابه منها وغمغمت بنبرة خافتة يملأها اللهفة والاشتياق:
"وأنت كمان وحشتني أوي كنت مستنياك."
حملها فوق ذراعيه متوجه بها نحو الفراش وضعها فوق ساقيه مبتسمًا لوجودها معه. ممرر يده فوق بطنها بحنان وغمغم بمرح:
"وحبيب بابا عامل ايه عشان وحشني هو كمان."
ضحكت بمرح هي الأخرى وأجابته بدلال زائد واضعة رأسها فوق صدره بارتياح:
"هو كويس عاوز بس بابا يهتم بيه شوية صغيرة عشان هو بيحبه."
وزع قبلات رقيقة متفرقة فوق عنقها وأجابها بلوعة ونبرة عاشقة شاعرًا بفقدان عقله أمام عينيها التي سلبته حياته بأكملها ليس عقله فقط:
"لأ بابا هيصالحه حالا ويهتم بيه بس الأول يشوف ماما عشان وحشته جامد."
أنهى حديثه غامزًا إياها بمرح فضحكت بسعادة ودفنت وجهها في عنقه متمتمة بخفوت وخجل:
"جـ… جواد بطل تكسفني.. على فكرة أنت كمان وحشتني وكنت عـ…."
لم ينتظر أن يستمع إلى بقية حديثها بل انقض فوق شفتيها بنهم وشغف شديد شاعرًا بضربات قلبها المتسارعة وخضوعها التام لعشقه معلنة هزيمتها أمام عشقه الجارف الذي يغمرها به دومًا مطمئنة لوجوده بجانبها.
بعد مرور يومين…
توجه فاروق نحو غرفة مديحة يقتحمها بغضب والدماء تغلي بداخله ولازال يتذكر الحقيقة التي علمها والتي ستقلب الأمر بأكمله رأسًا على عقب عليه أولًا أن يعلم كيف حملت بأروى وشقيقه غير قادر على الإنجاب.
طالعته بدهشة عندما رأته يدلف بتلك الطريقة والغضب في عينيه مقترب منها بخطوات غاضبة متوعد لها. صاح بها بغضب ونبرة حازمة مشددة المرة الأولى التي يعاملها كما تستحق:
"بقى واحدة زيك تشتغلني وتضحك عليا أنا واخويا… ماتفوفي يا مديحة دة أنا فاروق الهواري اللي عنده والكل بيقف وبيعمل ألف حساب للخطوة والكلمة هتيجي انتي تلعبي معايا."
شحب وجهها بطريقة ملحوظة وشعرت بالخوف من حديثه التي لا تعلم سببه. لكنها ظنّت أنه يثرثر بذلك الحديث لعلمه أنها مَن تسببت في الحادث الذي فعله. فتمتمت متبجحة ببرود محاولة أن تظهر اللا مبالاه:
"أنا عملت ايه لكل ده أنت كل شوية تيجي تزعق هو في ايه؟"
لم يهتم بحديثها الذي دون فائدة بل اقترب منها بغضب والشرر يتطاير من عينيه قابضًا فوق ذراعها بقوة ضارية صائحًا بها بعنف:
"أروى مين ابوها يا مديحة لما اخويا مبيخلفش!! وعصام ابني فعلا ولا ابن مين؟!"
شحب وجهها لوهلة شاعرة بالصدمة التي وقعت عليها كالصاعقة ولا تعلم من أين وصل إلى تلك المعلومة التي عاشت طوال عمرها تعمل على إخفائها عن الجميع وتسببت في قتل ابنها. حاولت أن تتجاوز صدمتها أمامه وتمتمت بنبرة متلعثمة كاذبة:
"ا… ايه الجنان اللي بتقوله ده أنت الحادثة أثرت على مخك أروى بنت حسن أخوك وبنت العيلة دي وعصام ابنك وأنت عارف ده كويس ولا أنت عـ…"
قطع حديثها الذي أصبح متأكد من كذبه بعد تأكده من جواد أن شقيقه غير قادر على الإنجاب وأن المعلومات التي وصل إليها صحيحة حقًا. صاح بها بحدة غاضبة مشددًا فوق حديثه:
"اللي بقوله عين العقل مش جنان وهديكي فرصة أخيرة يا مديحة أروى بنت مين عشان أنا واثق انها مش من العيلة دي وعصام ابني ولا ابن غيري أنا كنت مش عارف الغلطة دي حصلت ازاي مش فاكر أن عملت كدة."
دفعته إلى الخلف ليتركها وشهقت بطريقة مقززة ضاحكة بسخرية وتمتمت بمكر وهي لازالت تتمسك برفضها وتخفي الحقيقة:
"مش فاكر ايه دة انت صاحي وأنا في حضنك وعارف ومتأكد أن عصام ابنك وجبتلك اللي يثبت ده وأروى بنت اخوك أنت عاوز تاكل حقها."
علم أنه لن يصل معها إلى شئ فطالعها بغضب وغمغم بوعيد صارم:
"أنا مش هسكت ولا هسيبك غير لما تقولي الحقيقة خونتي اخويا مع مين؟!!"
ضحكت بسخرية وطالعته باستهزاء ولازالت تحاول أن تظهر عدم اهتمامها بحديثه او بالأمر بأكمله وغمغمت بتهكم ساخرة منه:
"أخوك اه لا انا مخونتوش لوحدي أنت كمان خونته معايا وضحكت عليه وكاتب ابنك باسمه بلاش تعمل أنك بتحبه والدور ده كله عامله عشان تاكل حق أروى.."
باغتها بصفعة قوية غاضبة هوت فوق وجنتها وتمتم بغضب حاد:
"مش فاروق الهواري اللي هيعمل ده كله عشان ياكل حق واحدة، أروى حقها بتاخده من قبل ما تطلبه فوقي لنفسك يا مديحة واعرفي أنتي واقفة قدام مين."
وضعت يدها فوق وجنتها بصدمة وطالعته بنظرات نارية وصاحت أمامه بغضب:
"كل حاجة عملناها اتعملت واحنا متفقين مع بعض مش هتيجي فالآخر ترميني أنا وتطلعني غلطانة وتعمل نفسك برئ انت مشاركني في كل حاجة أنا مش هسكت كفاية لحد كدة أوي لو فاكر أني هسكت تبقى متعرفنيش طول الوقت ده."
لم يهتم بتهديدها بل طالعها بنظرات حادة وتمتم بحدة وغضب بعدما اهتاج عقله لإنكارها للحقيقة وتمسكها بحديثها الكاذب:
"أنا هعرف الحقيقة يا مديحة ووقتها صدقيني مش هرحمك وأنتي عارفة فاروق الهواري لما بيعوز يوصل لحاجة بيوصلها.."
تركها وسار بخطوات واسعة غاضبة وهو يفكر في طريقة ليصل إلى الحقيقة ويعلمها حينها لن يصمت وسيجعلها تندم على اليوم التي فكرت باللعب معه!
جلست مديحة فوق الفراش بضعف لأول مرة تشعر بالخوف. لم تتخيل أنه يعلم أمر كذلك، هو قادر على إثبات الحقيقة. لكنها كيف تخبره بحبها لشخص آخر في الماضي وخيانة شقيقه معه! نعم في الحقيقة هي لم تحب حسن ولم تحب فاروق، هي فقط دخلت تلك العائلة لأجل حصولها على النفوذ والمال ليس سوى ذلك.
علمت أنها ستحصل على كل ذلك وهي مع فاروق ففعلت كل ما بوسعها لتحقيق أهدافها، أوهمته بخيانته لزوجته وحملها منه، ومن بعد ذلك بدأت في تنفيذ طلباتها وأطماعها وهي مع حبيبها الذي انجبت منه عصام وأروى. لكن في النهاية تركها دون أن ينظر إليها. هي فعلت كل ذلك بحيل ماكرة وتخطيط خبيث يملؤه الشر، لن تدع الأمر يفشل بعدما فعلت كل ذلك. لن تدعه يهدم كل ما خططته ستحاول في إيجاد طريقة حتى تتخلص من كل ذلك حتى تعيش في أمان وتستكمل مخططاتها!
في منتصف الليل…
تم القبض على هؤلاء المجرمون الذين نفذوا خطة مديحة ونفذوا خطتها كما طلبت. لم يهدأ جواد إلا عندما وصل إليهم. كيف وصل بها الأمر لفعل شي هكذا مع والده “فاروق الهواري” الذي يهابه الجميع!
وبعد التحقيق معهم ومعرفتهم أن لا مفر من الهرب بعد تأكد جميع افراد الشرطة أنهم الفاعلين فقد وصل جواد إليهم بعد دقة ومهارة عالية في عمله. قرر كل منهم الإعتراف بضعف والخوف يملأهم:
"يا باشا مديحة هانم هي اللي طلبت مننا كدة احنا ملناش ذنب في حاجة هي اللي قالتلنا على كدة.."
تفاجأ جواد بعد معرفته بأن زوجة عمه هي المتسببة لفعل ذلك. لماذا فعلت ذلك؟ هناك جزء كبير مفقود من الحقيقة وعليه أن يعلمها. لكن تفاجأ جواد بيد شخص منهم متواجد فوقها حرق كما أن هناك اسوارة عريضى باللون البني على شكل ثعبان. هو قد رأى ذلك المنظر من قبل. ضيق عينيه بتركيز محاولًا أن يتذكر أين رآها!
صدح صوته فجأة بعد تفكير طويل دقيق قاطعًا الأمر الذي يدور وغمغم بمكر صارم:
"ومين اللي قالكم تقتلوا عصام الهواري!"
تطلع الجميع نحوه باهتمام فتابع حديثه المجهول يوضح ما يعنيه مغمغمًا بثقة:
"كان ظاهر في الكاميرا اللي فيها فيديو قتل عصام نفس الإيد دي ظاهرة فالفيديو.."
تم مراجعة الفيديو للتأكيد مما قاله جواد وبعد الضغط عليهم أخبروه بالحقيقة كاملة تحت ضغط كبير فتحدثوا خوفًا على انفسهم مما سيحدث لهم خاصة بعد تأكدهم من انكشاف الأمر:
"مديحة هانم هي اللي اتفقت يا باشا وهي اللي مظبطة كل حاجة بردو وعندنا اللس يخليكم تتأكدوا من ده احنا معملناش كدة لوحدنا."
سأله الضابط المسؤول باهتمام كبير:
"وايه هو الدليل ده، قولوه وده لمصلحتكم."
أجابوه بقلق وقد بدا الخوف عليهم:
"مـ… معانا التسجيلات وهي بتتفق معانا وكل حاجة متصورة هي اللي قالتلنا نروح نربيهولها واتفقت على كل حاجة وهي اللي قالتلنا نعمل الحوار بتاع مراته وكل دة متسجل."
بعد عرض كل ذلك وتأكدهم ان مديحة هي الفاعلة، هي مَن تسببت في قتل ابنها! كيف لأم ان تفعلها؟ كيف فكرت بتلك الفكرة السامة؟ والأهم ما الذي دفعها لفعلها؟ دارت تساؤولات عديدة داخل عقل الجميع وأكثرهم جواد الذي يجهل السبب الحقيقي لقتل ابن عمه.
بعد أن صدر القرار بالقبض على مديحة تقدم جواد بطلب أن يدلف هو المنزل ويحضرها إليهم.
بالفعل توجه جواد نحو المنزل ليلًا حتى ينفذ الأمر الذي صدر وبداخله اسئلة عديدة يود معرفة إجابتها لكنه لن يحصل على إجابة سوى منها، المخططة والفاعلة لكل ذلك، هي التي كانت تسعى لتدمير تلك العائلة. لكنه لن يسمح بفعل ذلك وقف له بالمرصاد بعدما كشف جميع مخططاتها ونواياها السامة السيئة.
تفاجأ كل مَن في المنزل بوجود سيارة الشرطة التي تقف خارج المنزل وتوجه جواد فقط إلى الداخل لإحضارها. اجتمع جميع مَن في المنزل أسفل. اقتربت رنيم منه متمتمة بقلق:
"جـ… جواد في حاجة ولا إيه؟"
لم يرد عليها بل عينيه مثبتة فوق مديحة بنظرات مجهولة عن الجميع. غمغم فاروق يقطع ذلك الصمت الغير مفسر بجدية حادة:
"في ايه يا جواد ما ترد علينا العربية بتاعت شغلك برة بتعمل ايه من امتى بتيجي بيها؟"
أجابه بعملية مقتربًا بخطواته الواسعة نحو مديحة ودار حولها عدة مرات بطريقة جعلتها تشعر بالخوف وانقبض قلبها بداخلها شاعرة بعدم الاطمئنان:
"أنا جاي في شغل، جاي اقبض على مديحة عارف ليه يا بابا."
طالعه والده بعدم فهم معقدًا حاجبيه بدهشة وسألها بجدية هو الاخر ولازال لم يفهم سبب ما يقوله:
"تقبض عليها ليه في ايه يا جواد؟"
قبض فوق يدها بقوة ضارية ضاغطًا فوقها بحدة وأخرج الأصفاد الحديدية ووضعها بداخل يدها وغمغم بتهكم قاسٍ:
"هي اللي دبرت الحادثة بتاعتك بس الأهم من كدة انها هي اللي قتلت ابنها وهي كمان اللي خلتهم يبينوا أن رنيم هي المتهمة هي اللي عملت كل ده."
شهقة قوية صدرت من جليلة التي وقفت تحت تأثير الصدمة من حديث ابنها الغير متوقع، فهي الآن تستمع إلى حديث يفوق توقعاتها ولا يمكن لعقل بشري أن بصدقه. هي قتلت ابنه…لماذا؟!!
بينما رنيم فقد رمقتها بدهشة متعجبة بذهول ولم تصدق هي الأخرى ما استمعت إليه كانت تطالعها برهبة وخوف كبير، لكن لا تعلم لماذا فعلت بها ذلك؟ هي كانت تريد أن تجعلها قاتلة وتُعاقب على جريمة لم تفعلها.
اقترب فاروق منها بعدما تجاوز صدمته فيما استمعه وصفعها بقوة مما جعلت الدماء تسيل من فمها اثر صفعه القوي بضراوة لها، وصاح بها بغضب عارم وهو يهزها بعنف:
"ليه عملتي كدة!! قتلتي ابنك وخونتي جوزك مخلفة وهو مبيخلفش وكمان عاوزة تقتليني مكفكيش كل اللي عملتيه، فاكرة أنك هتهربي باللي عملتيه ده كله."
لم تستطع السيطرة على ذاتها بعدما علمت وتأكدت ان الحقيقة وجميع خباياها ظهرت الآن فلا داعي لإنكار الأمر بعد علمها أن نهايتها قد آتت. تمتمت بنبرة ساخرة قاسية على مَن يستمع إليها وهي لازالت تحت تأثير الصدمة لكن حديثها صعق الجميع:
"اه عملت كده وأكتر كمان، عملت اللي محدش يتخيله خونت جوزي مع حبيبي وأوهمتك إن عصام ابنك وهو مش ابنك لا كمان دة أنا خليتك تفهم أنك خونت مراتك وأنت حتى معملتهاش عيشتك عمرك كله في كدبة وبنتي كتبتها باسم اخوك اللي مبيخلفش…. قتلت ابني لما عرف الحقيقة وقولت تشيلها البت دي محدش هيهتم بيها، وأنت جاي كنت عاوز تبوظلي ده كله قولت اديك قرصة ودن عشان تعرف تلعب معايا كويس مش أنا اللي هسكت بسهولة.."
حديثها كان كالصاعقة بالنسبة للجميع وقد زاد من دهشتهم بدلًا من القضاء عليها، هي ظهرت بجبروت لم يتخيل أحد ظهورها. هي ليست امرأه هي شيطانة متنكرة في صورة امرأه مخادعة. مَن تفعل ذلك ليس لديها قلب هي فعلت كل ما لا يتخيله عقل لتنفيذ احلامها عنوة عن الجميع والقدر.
أبعد جواد والده عنه الذي كان مُصر على الثأر منها بعد خداعها له طوال حياتها، جعلته يعيش تحت تأثير كذبها وأوهامها الكاذبة بينما هي كانت تطالعه بنظرات غير مفسرة له لكنها هي عملت في النهاية أنه مَن انتصر هو وزوجته بحبه الكبير لها. هي في النهاية فشلت عن تحقيق ما سعت إليه هي الآن تشعر بالهزيمة وخيبة الأمل بعدما انتهى بها الأمر وهي مقيدة تُعاقب على أفعالها.
سار جواد بها وهو مصدوم هو الآخر بعد علمه بما فعلته بوالده. لكنه ولم يدعه يفعل لها شئ خوفًا عليه بعدما أعماه الغضب.
وقفت أروى مصدومة هي الأخرى لا تصدق ما فعلته والدتها. فهي الآن ليست ابنة لتلك العائلة. شعرت بالحزن على حالها فهي عاشت حياتها بأكملها في كذب بسبب والدتها التي جردت من معاني الرحمة ولم تفكر بها. علمت لماذا كانت والدتها تسعى دومًا لزواجها من جواد وتخبرها بأن يجب حدوث ذلك حتى تضمن حقها من تلك العائلة. الآن قد فهمت لماذا تفعل ذلك؟!. لكنها لأول مرة تشعر بشعور مختلف تفكر بطريقة بعيدة عن تفكير والدتها السام. لذلك اتخذت قرار الرحيل عن تلك العائلة والبلد بأكملها. يكفي ما فعلته، عاشت طوال حياتها تستمع إلى حديث والدتها وتنفذه دون تفكير. لكنها الآن تفكر بعقلها قليلًا بعدما القت نظرة سريعة نحو رنيم زوجة جواد والتي تحمل ابنه ايضا. علمت أن هذا ليس مكانها بالطبع، كانت تجري خلف أوهام ليس سوى ذلك.
بالرغم من كل ذلك كانت جليلة تشعر بالفرحة لتأكدها من عدم خيانته لها، لكنها قررت أن تستمر في ابتعادها عنه حتى تجعله يعترف بخطأه. ستحاول معه لتساعده على التغير للأفضل كما تتمنى، خاصة بعد رؤيتها لاستجابته الواضحة في الفترة الأخيرة.
بعد مرور أسبوع…
كانت جليلة تجلس في غرفتها. تفاجأت بفاروق الذي ولج الغرفة ووقف يشعر بالتوتر من مواجهتها. لكنه حاول أن يحث ذاته على فعلها بمساعدة سما ابنته.
رمقته بطرف عينيها متعجبة صمته فقطبت جبينها متعجبة وتمتمت بدهشة:
"في حاجة يا فاروق أنت واقف ساكت بقالك شوية."
اقترب يجلس بجانبها ممسكًا يدها بحنان وطبع قبلة رقيقة حانية فوق يدها وأردف بندم صادق وشغف حقيقي يشعر به معها:
"أنا اسف انا غلطت في حقك كتير بس انتي عارفة أنا بحبك قد ايه وانتي ايه عندي، وبعدين مديحة طلعت بتكدب أنا مقربتش لواحدة غيرك فعلا أنا شربت وقتها عصير ومحستش بحاجة، حقك عليا يا جليلة."
حاولت أن تخفي ابتسامتها عنه وشعرت بالسعادة لحديثه معها واعترافه بحبه لها الذي لم يتكرر كثير من قبل. هو دومًا يقلل حديثه عن حبه لها يتعامل على أنها تعلم ذلك. فليست بحاجة إلى استماعه. لكن بعد علمها لما حدث هي تحتاج لكل شئ بالفعل. تحتاج لحنانه قبل غضبه، هدوءه قبل عصبيته، تحتاج إليه بالفعل. أردفت بعتاب يتخلله بعض الحزن:
"بس أنت كفاية انك روحت وكان ممكن تغلط وكفاية قدرت أنك قدرت تخبي عليا ده كله، كنت بتيجي عليا وعلى عيالك عشانها."
تحشرج صوتها في النهاية بحزن دلالة على أنها تريد البكاء، فاسرع يضمها نحوه بلهفة ولوعة مغمغمًا بعشق ونبرة هادئة يملأها الحنان:
"انا عمري ما أقدر اجي عليكي عشان أرضي حد اتخلق في الدنيا دي كلها، أنت غلطت لما خبيت عليكي فعلا بس عملت كدة عشان خايف احسن تبعدي عني أنا مقولتش أن مش غلطان لا أنا غلطان، بس أنا بحبك."
ابتسمت بسعادة بعدما استمعت إلى حديثه الذي جعلها تشعر بالرضا والإرتياح، جعلها تعلم أهميتها الكبيرة عنده، فألقت ذاتها داخل حضنه بسعادة متمتمة بهدوء:
"ربنا يخليك ليا وللعيلة دي كلها، أنا كمان بحبك يا فاروق ومقدرش استغنى عنك أنا بس كنت زعلانة منك ولازم تراضي الكل كمان عشان أنت غلطت في حقنا كتير."
ابتسم هو الآخر يشاركها سعادتها بعد حصوله على أكثر شي كان يريده، هي سامحته وذلك كان أكثر ما يريده ويزعجه. طبع قبلة هادئة فوق جبهتها وشدد من احتضانه لها بعشق صادق ازداد بمرور السنوات بينهم. بالرغم من كل ما مروا به لم ينقص يومًا. هي أحبت فاروق كما هو متغاضية عن عيوبه ترى فقط مميزاته وذلك كافي لجعلها تحبه وتنسى كل ما يفعله، وهو أحبها بصدق يفكر في أفعاله لاجلها لا يريد أن يزعجها يومًا بشئ يفعله. مَن يحي يبحث عن راحة وسعادة محبوبه دون النظر لشئ آخر في تلك الدنيا وهذا ما يفعلونه هما.
كل منهما أحب الآخر بطريقته الخاصة الصادقة لذلك استمرت تلك العلاقة ناجحة مثمرة ولم تتأثر بشئ من الحيل والخداع التي كانت تملأ حياة الجميع. كل منهم عليه جزء متسبب في نجاح حياتهم. لم يهتما بمَن كان عليه الجزء الأكبر ومَن اخطأ أكثر. هما فقط يهتمان بسعادتهما واستمرار حبهما لبعض وسعادة عائلتهم وهذا الذي سيفعلونه سويًا من الآن بعدما أعطت له اكبر فرصة في حياته.
في نفس الوقت…
كانت رنيم تجلس في غرفتها تفاجأت برنين هاتفها الذي صدح في الغرفة يقطع الهدوء التام التي كانت تجلس به. لكنها شعرت بالصدمة عندما رأت اسم والدها هو الذي ينير الشاشة. خشيت ان يكون هناك شئ ما يدبره لها. لكنها سرعان ما نهت أفكارها مقنعة ذاتها أنه لا يريد أذيتها هو بالطبع يريد منها شئ آخر. من المتوقع مال أجابت عليه عندما كرر اتصاله عدة مرات. تمتمت بنبرة متوترة متلعثمة بقلق:
"ا… الو خـير في حاجة أنت اتصلت عليا كتير وأنا مش متعودة أنك تتصل."
تنهد بارتياح عندما استمع إلى صوتها الذي اشتاق لاستماعه وأجابها بندم وحزن شديد:
"وحشتيني اوي يا حبيبتي… أنا آسف يا رنيم…آسف على كل اللي عملته فيكي أنا وأمك، احنا غلطنا والفلوس طمعتنا بس والله ما كنا نعرف احنا قولنا جوازة حلوة لبنتنا هتطلعها وتطلعنا من الفقر اللي كنا فيه… ليه نرفض!؟"
صدر منها ضحكة ساخرة مقهورة تعكس مدى حزنها الكبير منه ومن الجميع. فمَن كانو سندها وقوتها أصبحوا أول المتنازلين عنها وعن حقها. القوها في الجحيم بإرادتهم دون التطلع إليها وفي النهاية يحاول أن يبرر أفعاله. تمتمت بنبرة خافتة:
"ليه ترفض صح أنت توافق وتبيع بنتك مش مهم، بيعتني ليه بشوية فلوس كنت باجي هربانة استنجد بيك وأنت بترجعني ليه يموتني، ليه ده كله عشان الفلوس!!"
التقطت أنفاسها من بصعداء من بين دموعها الحزينة واستكملت حديثها بضعف بعدما تذكرت كيف كانوا يجعلوه يأتي وياخذها أمامهم عنوة عنها تحت توسلاتها لهم لكن كل ذلك في النهاية دون جدوى فكانت تعود معه ليتفنن في تعذيبها دون رحمة بجميع الوسائل المتاحة إليه دون شفقة ورحمة. كيف يرحم بها وهو لا يوجد بداخله رحمة من الأساس. هو فقط يعلم القسوة والعذاب. كان يستمتع بصرخاتها المتألمة وفي النهاية يخبرها والدها أن الأمر كان زيجة عادية. كيف استطاع أن يخبرها ذلك ويتحدث بلا مبالاه! يريد في النهاية أن تسامحه:
"دة أنت كنت باجي اتذللك وابوس ايدك ورجلك عشان مرجعش ليه تاني، فاكر كنت بتعمل ايه؟! كنت بتزقني وتتصل بيه ياخدني، انا استسلمت بسببك عشان مليش حد ولا مكان اروحه غير الشوارع وحتى مسابنيش فيها، انا فكرت اقتله بسببكم بس اتراجعت عشان أنا مش زيه ولا زيكم انتو اللي قتلتوني وجاي بعد ما فوقت ورجعت لحياتي تاني تقولي مجرد جواز وعاوزني اسامحكم، انتو مخلتوش حاجة ومعملتوهاش فيا كنت بتقووه عليا كان بيذلني بيكم لـيـه!! لــــيـــه عملتو كدة؟!"
لم تعطيه فرصة للرد واستكملت حديثها بسخرية قاسية وقلبها كاد يتوقف من فرط الحزن والقهر المتواجد به:
"عشان شوية فلوس انا عمري ما هسامحكم ابدا عشان انتو اكتر حد أذاني، انا اتأذيت منكم اكتر منه عـ…."
قطعها والدها بصوت باكٍ حزين بعدما لأول مرة يستمع إليها وإلى ما تشعر به بسببهم. شعر بما فعله وكيف آذاها بدلًا من أن يقف معها ويسندها:
"لـ… لأ يا رنيم مكملناش عشان الفلوس احنا فالأول وافقنا عشان كدة بس لما عرفنا حقيقته وانه مجنون ملحقناش نرفض مديحة مضتني أنا واخوكي على شيكات كانت هتحبسني بيهم مقابل سكوتنا مكنش لينا حق نرفض ولا نكلمك، بس لما عرفت أنها اتحبست وهتتعدم كمان قولت اكلمك عشان تسامحينا كل دة غصب كان عنننا."
لم تهتم بحديثه ولم تقتنع به أردفت بقسوة:
"لأ انتوا محدش غصبكم هي ممضتكمش على شيكات غير بعد موافقتكم لو كنتوا اختارتوني مكان الفلوس مكنش كل دة حصل أنا مش هسامحكم أنا عمري ما هسامحكم عشان انتو السبب في كل اللي حصل."
لم يستطع أن يتحدث معها بعدما صدمته بحديثها لأول مرة يشعر بها ويستمع إليها يعلم ما مرت به وكيف عانت بسببه؟! لأول مرة يعترف أنه أخطأ في حقها هو جميع العائلة. لكنها كانت قاسية عليه مقررة أن تبتعد عنهم. فبعدما تركوها لن تعود إليهم مجددًا.
جلست تبكي بحزن بعدما أغلقت الهاتف. هي لأول مرة تعلم سبب صمتهم وتجاهلهم لحزنها ووجعها. كل ذلك حدث بسبب مديحة. لكنها ترى أنه حدث بسببهم فهم مَن وافقوا من البدايدة وأعطوا تلك الفرصة لمديحة. تفاجأت بمَن يضمها من الخلف بحنان مغمغمًا باهتمام:
"مالك يا حبيبتي مين اللي مزعلك كدة وبتعيطي ليه؟"
طبع قبلة رقيقة حانية فوق جبهتها ليحثها على التحدث. فتمتمت بصوت متحشرج حزين:
"مـ… مفيش يا جواد متشغلش بالك أنتَ يا حبيبي."
لم يقتنع بالطبع بحديثها فجلس بجانبها ممسكًا يدها بحنان وأوما لها أمامًا ليحثها وعاد سؤاله مرة أخرى:
"ايه اللي يخلي حبيبة قلبي زعلانة كدة والعيون دي تعيط."
أخبرته ما أزعجها وجعلها حزينة. كانت تتحدث بصوا خافت خجل من أفعال عائلتها الذين لم يهتموا بها يومًا وتذكروها الآن فقط بعد القضاء على مديحة:
"بـ… بابا كلمني كان عاوزني اسامحه على اللي حصل بس أنا مقدرتش يا جواد، أنا كدة وحشة طيب أنا مش عارفة أسامحه عشان اتأذيت منه بجد مش قادرة، هو كمان مش معترف بغلطه لأ ده هو بيبررلي هو عمل كدة ليه بيقولي هو باعني ليه هما بس رجعولي عشان مديحة خلاص اتقبض عليها.."
ازداد بكاءها بحزن وقد خارت قوتها ومحاولاتها في التمسك بالقوة مرددة حديثها مرة أخرى بضعف:
"مـ… مش هقدر اسامحه مش هقدر اسامحه بس انا مش وحشة.."
احتضنها بضراوة مشددًا عليها داخل حضنه وأردف بحنان هادئ محاولًا أن يجعلها تهدأ. يريد إخبارها انه حقها وهي مَن تقرر تسامحه أم لا. هي لم تخطئ برفضها لمسامحته في النهاية هذا حقها:
"يا حبيبتي محدش قال أنك وحشة. بس ده حقك وانتي مش قادرة تسامحي أنتي اللي اتأذيتي منهم وانتي اللي تقرري تسامحيهم ولا لا، انسي كل ده انسي كل حاجة ممكن تزعلك فكري فيا وفي ابننا اللي جاي."
ابتسمت بسعادة من بين دموعها فقام بالتقاط شفتيها بين خاصته بعشق وسعادة ممررًا يده فوق بطنها بفرحة لوجود طفلهما بداخلها. طفلهما الذي يكبر كل يوم وتشعر به. تعيش معه كل ما حُرمت منه سعادة، فرح، عشق واهتمام كل شئ تمنته حصلت عليه معه.
بعد مرور شهر..
اجتمع الجميع أسفل كما طلب فاروق منهم. جلست رنيم بجانب جواد الذي كان يجلس بصمت. قطبت جبينها شاعرة أن هناك شئ ما يزعجه فتمتمت متسائلة بصوت منخفض هادئ لا يصل سوى لمسامعه:
"في إيه يا جواد مالك يا حبيبي ايه اللي مزعلك؟"
ابتسم أمامها بهدوء محاولًا ان يخفي حزنه أمام الجميع وأجابها بجدية:
"مديحة ماتت وهي بتحاول تهرب."
طالعته بحزن لكنها لا تعلم لماذا لم تشعر بالشفقة والحزن عليها. هي تراها نالت عقابها المُستحق. ترى أنها ستعاقب في النهاية أشد عقاب لأفعالها السيئة التي فعلتها متناسية وجود ربها الذي يفعل ما يريده في النهاية عنوة عن الجميع قبل أن تتحدث صدح صوت فاروق الذي وصل بصحبة جليلة وغمغم بجدية وتعقل هادئ:
"أنا عاوز اتكلم معاكم في كذا حاجة مهمة اولهم رنيم."
تطلعت نحوه بخوف ظهر عليها تمسكت بيد جواد بقوة ضارية لتتماسك بعدما شعرت بالخوف وازدادت ضربات قلبها بخوف خاصة انها لم تتعامل معه من قبل سوى مرات قليلة لم تكن في صالحها. ابتسم جواد لها بثقة واومأ لها برأسه أمامًا فتمتمت بتوتر:
"ا… ايوة يا فاروق بيه في حاجة؟"
ازداد تمسكها بيد جواد برعب فغمغم فاروق بجدية محاولًا أن يصلح اخطاءه معها بعد اعترافه بها بينه وبين ذاته:
"أنا عارف ان غلطت في حقك وكنت بعمل كل حاجة عشان ابعدك عن جواد بطريقة غلط تضرك وكانت بتضر جواد كمان، وفالأخر ربنا كان ربنا كاتبلكم نصيبكم مع بعض أنا بس اتصرفت غلط فعشان كدة عاوز اعتذرلك، انا غلطت في حقك كتير."
رمقته بتوتر لكنها علمت أنه ينتظر رد منها فتطلعت نحو جواد الذي ابتسم لها يخبرها بنظراته أنه سيدعمها في أي قرار ستتخذه مع والده لأنه حقها وهو لم يجب أن يتدخل فيه. لا تعلم لماذا بالرغم مما فعله بها، لكنها لم تشعر بأذيته لها. هو فقط أبعدها عن جواد لكن في النهاية اصبحت معه. جميع ما حدث معها كان بسبب عائلتها ومديحة التي استكملت عليها. لكنه لم يؤذيها فتمتمت بهدوء مبتسمة هي الأخرى:
"لا عادي يا فاروق بيه خـ… خلاص محصلش حاجة وأنا مش زعلانة من حضرتك."
اقترب يحتضنها بحنان مردفًا به بعدما شعر بالإرتياح:
"لا فاروق بيه ايه انتي دلوقتي زي سما بنتي مش عاوزك متزعليش مني."
ابتسمت بسعادة مأومأة برأسها أمامًا فسرعان ما جذبها جواد منه متمتمًا بغيرة ومرح:
"ايه يا بابا أنا بغير على مراتي اوعى كدة."
جذبها منه واحتضنها هو بسعادة شاعرًا بفرحة شديدة تغمره لتحسن علاقات عائلته وتقبلهم بزوجته الذي اختارها وتمناها قلبه.
غمغم فاروق مجددًا بهدوء وهو يتطلع نحو ابنته:
"في حاجة كمان بخصوص سما حبيبة قلبي انا اتصرفت فيها غلط وكنت عاوز ابعدها عن شخص كويس عشان تفكيري أنا اللي كان مش صح."
قبل ان تستوعب معنى حديثه وجدت خالد حبيبها الذي تمنته وكانت تفكر به دومًا يدلف المنزل ويتطلع نحو والدها الذي نهض يرحب به بحرارة وابتسامة سعيد لوجوده في المنزل. قطبت جبينها بدهشة متعجبة من أفعال والدها الجديدة على الجميع. ابتسم جواد إليها يطمئنها بهدوء شاعرًا بقلقها مما سوف يحدث.
وجدت والدها يستكمل حديثه بجدية وهو يطالعها بارتياح مبتسم:
"أنا كنت غلط لما قررت ابعدها عن شخص كويس، وأنا مهما ادور لبنتي عمري ما هلاقي حد زيك يحبها ويحافظ عليها ولا هلاقي ابن يساعدني في شغلي ومجتهد زيك أنا هشغلك معايا مش عشان جوز بنتي لا بس فعلا أنت تستاهل الشغل في شركة الهواري عشان انت ابني ثانيًا انت اثبت إنك ناجح في الشركة اللي كنت شغال فيها."
ابتسمت سما بسعادة شاعرة بضربات قلبها تتسارع بداخلها خاصة عندما وجدته يقترب منها بسعادة وغمغم بابتسامة واثقة عاشقة لها وتمتم بهدوء وثقة:
"وانا هبقى قد المسؤولية دي طبعا وسما هشيلها في عنيا عشان حضرتك عارف أنا بحبها قد ايه وتعبت عشان حضرتك توافق."
جلس مع سما يتحدث معها بسعادة ويخطط لحياتهما القادمة بعد الزواج وكل منهما يشعر بفرحة كبيرة بعدما تحقق لهم ما كانوا يتمنونه وظنوا أنه مستحيل.
ضحك فاروق بسعادة وتطلع نحو جليلة التي ابتسمت له تشجعه على افعاله الصحيحة الراضية عنها واقتربت بجانبها فاحتضنها بعشق كبير فعقبت بهدوء مبتسمة:
"ربنا يخليك لينا يا حبيبي."
طبع قبلة رقيقة فوق جبهتها وهو لأول مرة يشعر بالارتياح من أفعاله يشعر انه فعل شئ صحيح بالفعل دون ندم مثلما كان يشعر من قبل. كما كانت هس الاخرى سعيدة تشعر بالاطمئنان على عائلتها.
ضم جواد رنيم يقربها إليه بسعادة متطلع نحو بطنها البارزة قليلًا بسعادة وهمس داخل أذنيها متبجحًا بعشق وهو يغمز لها بعينيه:
"ما تسيبك منهم وتعالي نطلع اوضتنا حاسس ان في حاجة مهمة اوي فوق هكتشفها مع ابني حبيبي."
ضحكت بصوت خافت وقد اكتسى اللون الاحمر وجنتيها وتمتمت معترضة بخجل ونبرة متلعثمة:
"بـ… بس يـ.. يا جواد عيب كده كله قاعد."
اعتلى صوت ضحكته وغمغم بجراءة عاشقة اعتادت عليها منه:
"انا بحب العيب بعدين عاوز اتطمن على ابني ده."
أنهى حديثه واضعًا يده فوق بطنها فابتسمت وردت عليه بضعف متوسلة إليه بدلال وهي تحاول الابتعاد عنه قليلًا:
"جـ… جواد نبقى نشوف الموضوع ده بعدين عشان خاطري اهدا دلوقتي."
اعتلى ثغره ابتسامة سعيدة وهمس إليها بنبرة عاشقة شغوفة:
"ماشي عشان خاطرك غالي اوي عندي، بس أنا نسيت اقولك انهاردة ان انا بحبك وبجد وجودك في حياتي اهم حاجة حصلتلي."
سندت رأسها فوق صدره بسعادة تستمع بحديثه العاشق الذي دومًا يغمرها به. يجعلها تشعر معه بسعادة وفرح وكأن ربها قد عوضها بوجوده معها لتنسى معه كل شئ سئ مرّ عليها. تمتمت بعشق هي الأخرى له:
"وأنا كمان بحبك ومقدرش استغنى عنك."
شدد من احتضانه لها وطبع قبلة رقيقة حانية فوق يدها فدفنت وجهها في صدره بخجل.
وقد حصل كل منهم على النهاية المستحقة له، وتحقق العدل بالرغم مما عانى منه كل شخص إلّا أنهم في النهاية قد حصلوا على ما كُتب لهم. كانت تظن أنها حُرمت من عشقها الذي تمنته لكنها اجتمعت معه في النهاية وحصلت على سعادتها وحياتها قد عادت إليها من جديد بوجودها معه، وقد اطفأ عشقهما اللهيب القوي الذي كان متواجد داخل كل منهما وعادت روحهما من جديد.
تحقق ما تمناه كل منهم وعادت السعادة إليهم وقد دلفت السعادة لعائلة الهواري من جديد بحياة جديدة هادئة ينال كل منهما حياة تمناها.
وقد ذهب الألم والحزن منها بوجوده معها تشعر معه أن حياتها أصبحت ملكها تتحكم بها كما تريد وتفعل ما تريده وكأن روحها عادت إليها من جديد تمحي جميع آلامها وحزنها الذي ظنّت أنه سيلازمها إلى الأبد، لكن ما تعيشه معها جعلها تنسى كل شئ لم تتذكر سواه وسوى حياتها معه فقط.