تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سهام صادق
قبله أودعها على جبينها ودفئ سكنها به بين أحضانه فأغمرها بمشاعر حلمت بها يوماً... وضعها على الفراش وقد ذابت خجلاً من فعلته لينظر إليها بابتسامة جعلتها تأخذها لطريق سقوط قلبها.
"مش دي من طقوس الفرح؟"
قالها ضاحكاً غامزاً إليها لتتورد وجنتاها بحمرة الخجل. طرقت عيناها نحو يداها المتشابكة.
ليرمقها بمشاعر جديدة عليه، لكن عقله كان يصرخ به يخبره أن ما يفعله معها تلك الليلة ما هو إلا واجب عليه يقدمه لها وليس حب كما يظن ذلك الذي يخفق داخله. بتراقص مشاعر كذب به على نفسه وأكمل دور الزوج العطوف، ولكن هي كأي أنثى تراه حبًا... ترى أنها وجدت سعادتها.
خرج من شروده يزفر أنفاسه ببطء جليّ كي ينفض الصراع الذي بداخله.
"مش هتقومي تغيري فستانك؟"
طالعته بتوتر تومئ له برأسها ودقات قلبها تتسارع خجلاً. استمتع بخجلها بمتعة، رغم زواجه الأول إلا أنه لم يجرب ذلك من قبل. زواجه من سوسن بني على الود والاحترام، حتى حين طالبته بحقوقها كان يعاملها وكأنها امرأته وابنته. ينسيها فارق العمر بينهم مقتنعًا أن حياته سيُكملها معها، ولكن موتها غير كل شيء وكان قدره تلك التي تجلس أمامه تقبض على فستانها وتهرب من مطالعته.
كسر الصمت الذي بينهم متحنحاً.
"هغير هدومي في الأوضة التانية... تكوني انتي كمان غيرتي عشان نصلي."
أومأت له برأسها مجددًا فأبتسم.
"شكلي مش هسمع ليكي صوت النهاردة خالص يا ياقوت."
ثم أردف مازحاً قبل أن يعطيها ظهره ويخرج.
"أتمنى تفضلي كده."
تركها وأغلق باب الغرفة خلفه كي يعطيها حريتها. ليقف أمام الغرفة محدقًا بباب الغرفة المغلق.
"هعملك بما يرضي الله يا ياقوت.. لكن حب القلب مش هقدر أدهولك."
***
نهضت من فوق الفراش تلتقط أنفاسها ورفعت كفيها تتحسس وجنتيها ثم اتجهت نحو المرآة تطالع هيئتها.
"أنا مالي ضايعة كده... أنا حاسة نفسي إني في حلم."
تنهدت وهي تستنشق رائحة عطره التي ملأت الغرفة وعُلقت في يداها.
"بس حلم جميل زي ما كنت بحلم."
طالعت الغرفة الواسعة والفراش الواسع.
"أخيرًا بقى عندي بيت أعيش فيه من غير ما أحس إن محدش عايزني."
وسقطت دموعها وهي تتذكر معاملة زوجة أبيها لها ودعائها عليها ألا تفرح وترى السعادة.
"أوعدك يارب هحافظ على حياتي ومش هعمل زي بابا وماما.. ولا هظلم ولادي زي ما اتظلمت."
تتفت بعهودها التي كانت تتمتم بها في سجودها تدعو الله أن يبعث لها زوجًا يعوضها عما فقدته. ابتسمت وهي تتذكر الدعوة التي دعتها عندما كان يعاملها حمزة بكره لا تعرف سببه. تمنت أن يلين الله قلبه ليكون في النهاية هو الزوج الذي انتظرته طويلاً بعد أن ذاقت من الحياة مرارتها متحملة راضية شاكرة.
اتجهت نحو باب الغرفة تغلقه جيدًا لتأخذ حريتها في تبديل ثوبها الذي فور أن حررت جسدها منه رفعته صوب عينيها تنظر إليه.
"اتمنيت ألبسك ولبستك."
انهت ما عليها فعله بعد وقت. وسارت بخطى خفيفة نحو باب الغرفة تسترقي السمع لكنها لم تسمع شيئًا.
لتفتح باب الغرفة بخفة ومن فتحة صغيرة طالعت ما أمامها فلم تجده. أعطاها الحرية كاملة حتى تستعد براحة. تأكدت من أحكام حجابها فوق خصلاتها وهندام جلباب الصلاة. لتخرج من الغرفة تبحث عنه. كانت تدور برأسها يمينًا ويسارًا ولم تنتبه لخروجه من غرفة المكتب التي خصصها.
شهقت بفزع وهي تصطدم به. ليضحك على منظرها الظريف.
"بتتسحبي ليها؟"
طرقت عيناها خجلًا.
"بدور عليك."
ضحك وهو يضم وجهها ويرفع رأسها نحوه.
"اتعودي تبصيلي يا ياقوت.. مش هينفع كده."
لطافته وحنانه كل هذا أذابها معه تلك الليلة. خطوة خطوة أصبح يخطوها معها كي تعتاد عليه دون حرج. وكل هذا يضعه تحت بنود أن هذا هو المطلوب منه فهذه حقوقها قبل أن يعود لإطار حياته العملية وواجبه العائلي. مجرد عسل يغدقه بكثرة فعسله لن يظل بكثرته وما عليها إلا التقابل بالرضى. قانون العقل يقوده تخطيطًا أما القلب كان عطشًا فحرر نفسه من حصونه مخبرًا حاله أنه سينعم هذه الليلة والليلة التي تليها ثم سيعود لغلق بوابته عليه ويعود لظلامه. ولم يكن يعلم أنه لن يعود مسجنه وظلامه كما كان فمن ذاق العسل أراده دوماً.
تخضبت وجنتاها بخجل وقد تعلقت عيناها به.
"مش عارفة... أنا عايزة أبلة نادية."
اتسعت عيناه وهي تطالبه بشقيقته فأنفرجت شفتاه بضحكة صاخبة.
"عايزة نادية يا ياقوت في ليلة فرحنا؟"
حركت رأسها له فهي بالفعل أحبت نادية واعتبرتها شقيقة كبرى تمدها بنصائحها فلم تقدم لها والدتها ولا زوجة أبيها نصائح لتلك الحياة الجديدة عليها ولم تقم بذلك الدور إلا نادية التي أعطتها من خبرتها بتعقل بعيدًا عن جنونها ومكرها فمكر النساء لا يُعلم إنما يُستكشف.
"إيه رأيك نصلي الأول وبعدين نتعشا ونشوف موضوع نادية بعدين.. لأن شكلي بتجوز لأول مرة."
ابتسمت على عبارته. فأبتسم هو الآخر.
"يلا يا بنت الناس عشان أنا بنام بدري."
أنهوا صلاتهم ومجرد أن أنهى دعاء تلك الليلة وجدها تبكي. فسألها بلهفة وقلق.
"ياقوت في إيه؟"
لم تعرف ما تخبره به. أتخبره أنها تخشى فشل زواجهم وتعود لما كانت عليه؟ أتخبره أنها تريد حنانه ولطفه معها دوماً وألا يحرمها منه؟
رجفت شفتيها وكلما أرادت البوح له صمتت. مسح دموعها برفق.
"ياقوت انتي مش مبسوطة؟"
رمقته خلسة ثم أطرقت عيناها وأفصحت أخيرًا بما يعتريها.
"في الأول مكنتش مبسوطة لأني خفت منك وقولت ده طردني من شغلي من غير ما يسمعني لما هتجوزه هيعمل إيه."
فتأملها في صمت وترك أذنيه تسمعها باهتمام.
"بعدين سمعت كلام من عم مهاب وأبلة سلوى عنك كتير حبك لعيلتك ودعمك ليهم ومواقفك معاهم والأهم معاملتك لولاد مراتك وحبك ليهم وعمرك ما حسستهم إنك زوج أم."
عن معتز، عيناه ارتفعت نحوه تطالع ملامحه الرجولية عن قرب.
"أنا جربت معاملة مرات الأب وجوز الأم.. شعور صعب أوي لما متكونيش فرد مرغوب فيه لا هنا ولا هنا وكأنك على الهامش.. أنا مش عايزة حياتي تكون كده."
ولم تشعر بحالها إلا وهي تلقي نفسها بين ذراعيه ليضمها إليه بملامح جامدة متخيلًا العذاب الذي تلقته من معاملة سيئة فهو لم يرتاح لزوجة أبيها.
"انسى يا ياقوت كل ده."
وأبعدها عنه ينظر إليها بحنان آسرها.
"حياتي مش ملكي لوحدي يا ياقوت.. ومش هكون زوج كامل ليكي وعلطول معاكي لأن عندي مسؤوليات وبيت تاني مقدرش أتخلى عنه."
أومأت برأسها متفهمة الوضع ولم تفكر أنها في النهاية بشر وسيأتي يوم ولن تتحمل أن تكون في هامش حياته ومجرد ساعات ليل يقضيها معه. تنهد بارتياح وكأنه هكذا أراح ضميره. وفي وسط مشاعرهم الهائجة كان يزيل حجابها عن رأسها يغزل أصابعه في خصلات شعرها. فهمس بقرب أذنها.
"شعرك جميل يا ياقوت."
أغمضت عيناها وهي تعلم أن شعرها جميل كطول واحمرار طفيف في خصلاته ولكن لم يكن فائق النعومة إنما نعومة متوسطة. وقد أتت سماح بالمنتجات التي تعتني بالشعر وتجعله انسيابيًا من إحدى صديقاتها التي خدمتها في الأمر.
"بس أنا شعري مش ناعم أوي.. ده معالج للشعر."
ابتعد عنها ليبتسم على براءتها.
"برضه جميل يا ياقوت."
زفرت أنفاسها من هول تلك المشاعر الجديدة عليها. حفر تلك الليلة داخلها وضاعت مع لمساته ولم تشعر إلا وهو يضعها على الفراش وقد جردها من جلباب الصلاة وظهر له ثوب نومها الذي جلبته لها نادية مع بعض المنتقيات الأخرى من أثواب راقية وجميلة. قادها قلبه إليها لتصبح تلك الليلة امرأته وعالمه الخاص.
***
ضحك شهاب على ندي التي وضعت الوسادة فوق ساقيها وظلت تقضم أظافرها بضيق.
"مش كنتي راجعة تعبانة ومرهقة؟"
وأردف ساخرًا وهو يرمقها.
"أيوه يا شهاب، السفر متعب مع إنها ساعة ونص من هنا للبلد بس أقول جوازة مش على هواكي."
طالعته ندي بضيق ثم أشاحت عيناها عنه.
"انت ليه مش قادر تفهمني... أهي عيلتنا السعيدة المترابطة هتضيع بسبب البنت دي.. أنا ست وعارفة وفاهمة الستات كويس."
فأقترب منها يجلس على الفراش جانبها مستنكرًا حديثها ولكنه قرر أن يسايرها حتى يفهم نظريتها في أمور النساء.
"وفاهمة إيه؟ يمكن أنا مش بفهم."
رمقته وهي تعلم باستخفافه بها.
"يا شهاب حمزة جوزها وهيبقى من حقها وشوية شوية هتاخده مش هنشوفه وبعدين لو جابت طفل بسرعة كده خلاص."
تجمدت ملامحه وهو يسمعها ونهض من جانبها نافراً.
"لدرجة دي يا ندي كرهًا لأخويا إنه يعيش حياته ويبقى عنده طفل.. ليه عايزينه ليكم انتوا وبس.. ياقوت بنت عادية ومش من نوعية الستات اللي انتي فاكراهم... ده هي اللي هتتظلم معاه."
وأشار بيده محذرًا قبل أن تهتف بكلمة أخرى.
"عارفة يا ندي لو محترمتيش مرات أخويا ورجعتي لعقلك.. أنا فعلًا هفهم إنك اتغيرتي للأسوأ."
كاد أن يتحرك ويتركها فنهضت من فوق الفراش سريعًا تركض إليه وتتعلق به بعد أن شعرت أنها زادت الأمر بالفعل معه ومثلما هي حزينة على ذكرى شقيقته فحمزة أيضًا شقيقه.
"شهاب أنا آسفة... استحملني الفترة دي معلش بس أوعدك إني هخفي مشاعري وأتعود على الموضوع.. انت عارف إني كنت بستلطف ياقوت بس الموضوع ده قلب حاجات كتير جوايا."
لم يبدي أي رد فعل بل أشاح وجهه بعيدًا عنها لتشب على أطراف أصابعها ثم لثمت خده.
"متزعلش بقى... بضايق لما بزعلك."
قطب حاجبيه عابسًا.
"ما بيبانش أوي يا ندي إنك بتزعلي على زعلي."
وضعت رأسها على صدره تضم نفسها إليه. فحياته كانت جميلة وفي تحسن ولكن منذ قرار حمزة بالزواج وتصريحه بالأمر والمشاكل ظهرت بحياتهم.
"أنا وعدتك هحاول أتعود."
ورفعت عيناها نحوه تسأله.
"انت محضنتنيش ليه؟"
يضحك على عبارتها فضمها بذراعيه.
"والله انتي مجنونة يا حبيبتي."
تعلقت عيناها له تتمنى أن تكون بالفعل حبيبته وأحبها وليس ما يفعله معها تقديرًا لما تفعله لا أكثر. كان يطالعها بحب حقيقي ولدته أيامهم معًا. ومال نحوها يلثم عنقها هامسًا.
"لو مكنتش اتجوزتك كنت خسرت كتير."
***
طالعها وهي نائمة براحة تضم الوسادة إليها. تغفو كل ليلة لتتركه يحترق بنيران قربها. يزفر أنفاسه بقوة.
"ياترى مين اللي خلاكي كده يا مها... أنا شاكك في سالم الكلب."
أصبح يمقتها ويمقت شقيقتها حين يأتون لزيارتها ولكنه رغماً عنه يتقبل الأمر من أجلها. الحيرة أصبحت تقتله منذ ليلة زفافهم. شعوره بالذنب لتركها جعله يتحمل وينتظر إلى أن تصارحه بما حدث بغيابه ولكنها لا تتحدث تبكي فقط. كلما اقترب منها أشعل جنونه وغضبه ليرحل قبل أن يفقد صوابه. مد أنامله يمسح على وجهها برفق هامسًا باسمها.
"مها."
ردد ندائه عليها فتأكد من تعمقها في النوم. ليزيل الوسادة من بين ذراعيها ويقربها من أحضانه لينعم بها وهي نائمة. قبلاته وملامس جسدها يسرقهم هكذا. شعر بلملمتها بين ذراعيه لتشد من احتضانه تظنه وسادتها متنهدًا داخله.
"الوضع ده مش لازم يستمر كتير."
***
تسطح بجسده فوق فراشها الصغير بمنزل والديها. لتدلف الغرفة بكأس الماء فطالته بضيق بعدما أغلقت باب الغرفة خلفها.
"على فكرة ده سريري... وأنا مش هنام على الأرض."
رمقها مراد مبتسمًا بصفاقة.
"هو إحنا مش خلصنا من الحوار ده وقولنا هنعدي الليلة دي وكل واحد يتحمل التاني؟"
عضت شفتيها بعبوس.
"لا أنا غيرت رأيي... أنا مبحبش أنام جنب حد."
رفق حاجبه مستهزئًا من عبارتها. فأبنة عمه الوديعة قد تحولت لقطة شرسة.
"يبقى خلاص نامي على الأرض... أما أنا مش هنام."
تتفه عبارته كي يستفزها. لتجز على أسنانها واقتربت من الفراش تجذب ذراعه كي تنهضه.
"قوم بقى بطل رخامة وبرود."
ضحك على فعلتها لتتسع عيناه ذهولًا عندما سقطت عليه دون قصد منه. تلاقت عيناهما ومع كل نظرة خاطفة كان يمر شريط تلك الليلة التي جرحها فيها وأخبرها أنه لم يحبها وأنها اختيار أبيها. غمضت عيناها بقوة أما هو كان لأول مرة يرى هناء الفتاة الجميلة الناعمة وليست ابنة العم المرغم على زواجها واقتراح والده. تحركت يداه كي تأسرها فوجدها تنفض نفسها سريعًا بعيدًا عنه تلتقط الوسادة حتى تتسطح فوق الأرض. نفورها أذى رجولته التي حطمت كبريائها. لينتهض من فوق الفراش غاضبًا.
"نامي على السرير يا هناء.. مش لدرجة دي أنا معدوم الرجولة."
وألتقط منها الوسادة. لترمقه بصمت ومن دون كلمة اتجهت نحو الفراش تتسطح عليه تعطيه ظهرها تتمنى أن تمضي تلك الليلة على خير.
***
رمق سالم ماجدة النائمة طالعها بضيق وكأنه لا يطيقها جوارها. نهض من جانبها متمتمًا.
"الواحد زهق.. آه لو البت مها مكنتش اتجوزت كنت استمتعت بحتة الملهبية."
عاد بنظراته نحوها باصقًا عليها لتلمع عيناه بخبث متذكرًا اقتراح صديقه وما الاقتراح كان إلا تبادل الزوجات. ولمعرفته لرفض ماجدة وتجاوزاتهم قبل زواجهم ما كانت إلا لهدف أن ترضيه حتى يتزوجها. أرادت الزواج فقط غافلة عن أخطائها ولم تدري أنها وقعت في التهلكة.
***
فتح عيناه ليجدها بين ذراعيه نائمة بعمق. ابتسم وهو يمسح على وجهها. خفق قلبه بعطش إليها مال نحوها يقبلها لكنه وقف عندما سار الماضي أمامه وحبه لصفا التي طعنته طعنة العمر. نهض من جوارها ليتجه نحو المرحاض مخاطبًا حاله.
"أوعي يا حمزة تضعف تاني.. أوعي القلب يقودك... أنت بتعامل ياقوت بعطف."
ارتدى ملابسه بعجلة هاربًا من شعوره الجديد نحوها. وبعد نصف ساعة كان يقف بسيارته في الصباح الباكر. مازالت الشمس تبدأ في سطوعها دون أن تسلط حرارتها وتنشر دفئها. زفر أنفاسه بقوة وطيفها وهي بين ذراعيه ورائحتها تتغلغل في أعماقه. كانت كالبريئة وهو يُلقنها فنون الحب. بادلها مشاعر لم يكن يتخيل أنها يومًا بداخله وأن الماضي قضى عليها. ولكن كانت تلك الليلة هي الفاصلة في كل شيء.
تعالت أصوات أنفاسه من هياج مشاعره الهادرة. وابتسامة لاحت على شفتيه وهو يتذكر وجهها حين استيقظ وكانت غافية على ذراعه تضم نفسها نحوه وانفاسها الدافئة تلفح عنقه.
وقفت سيارة نادية جانب سيارته ثم ترجلت من سيارتها وآثار النوم في عينيها. اقتربت منه بقلق.
"إيه اللي حصل.. في واحد يخرج من البيت يوم صباحيته؟"
ووضعت يدها على فاها تكتم صوت شهقتها. فطوال طريق قدومها إليه وهي تفكر في الكثير من الأسباب التي جعلت شقيقها يهاتفها في بداية الصباح.
"أوعي تقولي إنك ندمان يا حمزة."
تجمدت عيناه نحوها ورمقها ببطء ثم أشاح عيناه بعيدًا عنها كي يُعرّي نفسه من مشاعره دون أن ترى ما يفيض من عينيه.
"كلامك صح يا نادية... اللعبة قلبت عليا.. حبيتها من غير ما أحس."
خرجت الحقيقة التي هرب منها صباحًا. تنهد وهو يغمض عيناه.
"الماضي لسه جوايا... كسرت أمي يوم ما اترفضت من شغلي ودموعي وأنا بستلم قرار فصلي عن حلمي لسه محفور يا نادية. جوازي من سوسن ونجاحي والسنين لسه ممحتش الماضي... أنا ضعفت وسيبت قلبي يخرج من ضلمته."
سقطت دموعها وهي تربت على ذراعه وتسمعه.
"حب وعيش من تاني يا حمزة... صفا كانت درس وانتهى... متحرمش نفسك من الحياة. ياقوت غير صفا... سيب نفسك وعيش."
وقفت أمامه تعلق عيناها به. لترى ألمًا في عينيه أراد إخفاءه.
"بقى حمزة الزهدي خايف من نفسه والحب لدرجة دي؟"
يزفر أنفاسه مشيحًا عيناه بعيدًا عنه.
"هو حمزة الزهدي ده مش إنسان؟"
ضحكت وهي تمسح دموعها التي سقطت حزنًا عليه.
"انسى الماضي وافتكر إنه كان محطة وصلتك للي انت فيه دلوقتي."
وكان كلامه مقنعًا قضى على شيطانه وظلامه.
***
استيقظ فرات على رنين هاتفه الذي أخذ يرن بإلحاح. التقطه ينظر لرقم شقيقته.
"أيوه يا فادية."
تجمدت ملامحه وهو يسمع صوت بكائها.
"تاني موضوع عزيز والبنت دي.. ما هي شغالة في المزرعة وبعيدة عنه."
وأردف بسخط وهو يسمع شكواها.
"اقفلي يا فادية أنا مش فايق على الصبح."
تأوه صوتها الباكي ورجائها.
"اسمها بقى على لسانه وهو نايم يا فرات... نفسي أموتها... خلصني منها."
ضاقت أنفاسه بمقت.
"انتي شايفاني قاتل قتلة ولا رئيس عصابة.. جوزك ده بقيت قرفان منه.. بدل ما يحافظ عليكم بيجري ورا الحريم."
عادت تتوسله إلى أن تذكرت سفرته التي بعد أيام.
"خدها معاك الكويت تخدمك هناك وبعدين لما تنزل سيبها في بيتك واه كل ما تروح فرع شركتك تخدمك ونبقى خلصنا منها."
التوت شفتيه ساخطًا فأردفت برجاء وأمل.
"أرجوك يا فرات ابعدها عن مصر... وجودها في المزرعة مينفعش أنا والولاد عزيز بنقضي الصيف فيها... مش عايزة أشوفها هناك خطافة الرجالة اللي كانت عايزة تضحك على جوزي."
ولم يكن من فرات إلا أنه يسمعها جيدًا مفكرًا تلك المرة ومع إلحاح شقيقته التي لا ترى إلا زوجها.
"آخر مرة هحل لك مشكلة من النوع ده يا فادية.. المرة الجاية لو عينه زاغت هطلقك منه مفهوم."
وقبل أن ينتظر سماع ردها أغلق الهاتف. لينهض من فوق الفراش محركًا ساقه المصابة بجهد.
***
فتحت ياقوت عيناها وهي تشعر بالسعادة تغمرها. نظرت جانبه لتجد الفراش فارغًا وليس بجانبها. التقطت مئزرها لتنهض تبحث عنه ولكنها لم تجده.
"هو راح فين؟"
دارت بعينيها في أرجاء الشقة بحزن وخشية أن يكون عاد إلى منزله الآخر وتركها وحيدة.
وقف بسيارته أسفل البناية ناظرًا لباقة الأزهار التي جلبها لها معه حتى يعتذر منها. صدح رنين هاتفه قبل أن يترجل من سيارته لينظر إلى رقم مريم متعجبًا من اتصالها.
"أيوه يا مريم."
وجدها تبكي وتخبره أن لديها امتحان اليوم ولم تذاكر تلك المادة جيدًا.
"إزاي عليكي امتحان ومذاكرتيش... المدرسين اللي بيجوا البيت بيعملوا إيه؟"
انتحبت بقوة.
"محدش فيكم بقى فاكر حاجة عني.. كلكم نسيتوني حتى انت يا بابا... انت كنت بتذاكرلي قبل كل امتحان انت كمان نسيتني خلاص."
أبنتها الصغيرة بمهارة فجعلته يلوم حاله على نسيانه لموعد امتحاناتها. تنهد وهو يسمعها.
"اجتزي عشان جاي أوصلك."
أغلقت معه الهاتف لتصفق لنفسها بسعادة أنه سيترك عروسه وسيأتي لاصطحابها لمدرستها وسيكون جانبها كالمعتاد. وأنها مازالت ابنته حبيبته وأنها الأفضل وليست عروسه.
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سهام صادق
جلست على الفراش بعد أن رتبته.
زفرت أنفاسها التي خرجت مُثقله بآلام قلبها.
عدم وجوده جانبها صباحاً أصابها بالخيبه.
ظنت أنها ستستيقظ على قبلاته فتخجل منه وتظل مغمضه العين تدفن وجهها بين احضانه يسألها كيف تشعر ويمسح على وجهها مبتسماً ويخبرها بسعادتها.
حلم غرق به القلب كما كان يرى في الحكايات، ولكن الحكايه وقفت عند أن دمغها بأسمه قولاً وفعل.
تنهدت وهي ترفع يدها نحو عنقها تمسح عليه تتذكر قبلاته الدافئه وحنانه.
كانت في تضارب بين فرحتها ليلاً وكسرتها صباحاً.
توسطت الفراش مُتكوره على حالها تنتظر مجيئه ودموعها تسيل على وجنتيها.
***
وقف بسيارته أمام المدرسه ينظر إلى صغيرته بدعم وحنان.
"حاولي تركزي ياحببتي ومتتوتريش... بنتي شاطره وذكيه انا عارف."
ضمت مريم كفوفها ببعضهم تنظر نحوه بسعاده.
"متقلقش يابابا.. هحل كويس."
ابتسم على سعادتها فهبطت من السياره ليودعها.
فوضعت قبله على كفها ترسلها اليه.
ضحك وهو يُطالعها بأبوة حقيقيه.
فمريم لها جزء كبير يحتل قلبه لا يتحمل ان يصيبها شئ.
تنهد وهو يتذكر باقه الازهار التي ألتقطتها الصغيره بعيناها عندما دلفت سيارته لتحملها بسعاده وتشكره عليها وقد ظنت أنها لها كما نسي هو أمرها.
قاد سيارته نحو تلك التي تنتظره بقلب جريح لتركها من اول يوم.
أراد مهاتفتها ولكنه أدرك أن هاتفها كان بسيارته منذ ليله امس وقد انتهى شحنه.
وصل اخيرا للشقه بلهفه كي يراها ليدلف الغرفه فوجدها نائمه وسط الفراش تضم الوساده إليه.
تنهد وهو يرى الغرفه المرتبه وملابسها التي ابدلتها فعلم أنها استيقظت من قبل ولم تجده جانبها.
اقترب من الفراش يجلس جوارها.
"ياقوت انتي صاحيه."
كانت تشعر بوجوده ولكن ظلت هكذا تُصارع المشاعر التي داخلها.
أتصرخ وتعاتب ام تصمت وألا تتحدث.
اعتصر قلبها الألم وهي تجد حالها دوماً الطرف الذي يقبل ما يُقدم له حتى لو كان قليلاً دون تمرد.
تخيلت فشل حياتها كما اخبرتها زوجة ابيها والعودة إليها والى تسلطها وسمومها.
مال عليها يلثم خدها وقبل ان يعتدل في رقدته ويتركها في غفوتها فتحت عيناها تُطالعه بعتاب.
"انت جي."
ابتسم وهو يمسح على وجهها.
"صباح الخير."
ابتلعت ريقها وهي تُطالع ملامحه.
"افتكرتك مشيت وسبتني."
اقترب منها اكثر حتى تلامست اجسادهم.
"مريم كان عندها امتحان واضطريت اوصلها... اتعودت اني ديما معاها في الأيام اللي زي ديه."
تنهد وهو يتأمل ملامحها الحزينه.
"أنتي اكيد متفهمه الوضع."
انتظر ان تخبره ردها فصمتت وهي ترمقه.
وقبل ان تتحرك شفتاها وتسأله عن وضعها بحياته كان يميل نحوها ويعبث بيداه بخصلات شعرها.
"وحشتيني."
ولم تكن لكلمته الا معنى واحد فغرقت معه في عالم المتعه ولم يكن الا رجلاً بارعاً يعرف كيف يجعلها تهوى الغرق بين ذراعيه.
***
نظرت ندي لزميلتها بتعاطف اخبرتها عن فعله ابن عمها بشقيقتها وتركها قبل زفافهم بشهراً فأصبحت متحطمه منزويه على حالها.
"طب واختك هتفضل كده يا رهف... خليها تشوف حياتها تخرج او تشتغل المهم متفضلش حابسه نفسها."
تنهدت رهف وهي لا تعرف حلاً لانطواء شقيقتها في عالم واحد وهو الزواج فقط.
"مش عارفه ياندي اعمل معاها ايه.. سمر كان علاء كل حياتها وكل أحلامها الجواز والعش اللي هيبنوه سوا.. فجأة سبها وسافر يشوف حياته وشايف انها مش مناسبه ليه."
واردفت وهي تزفر أنفاسها.
"بقاله ست شهور على كده... وطبعا كلام الاهل والجيران مش بيرحم... اللي يقولك اكيد زعلانه عليه لان حصل بينهم حاجه وخايفة واللي يقولك اكيد عرف عليها حاجه."
استمعت إليها ندي بأشفاق وهي تتخيل حالها مكانها.
أدارت الأمر برأسها لتهتف وهي تنظر لها.
"شهاب جوزي بيدور علي سكرتيره تكون جاده في شغلها.. ايه رأيك سمر تشتغل عنده وتسلي نفسها ومنه تنسى وتشوف حياتها."
تركت رهف كأس الشاي الذي ترتشف منه وحدقت بها دون تصديق.
"بجد ياندي.. انا مش عارفه اقولك ايه..انا كنت محرجه اطلب منك المساعده ديه بس حقيقي انتي ونعمه الأخت."
عانقتها ندي بمحبه ورغم مده صداقتهم القصيره الا انها اكنت لرهف مشاعر الصداقه الحقيقيه بعيدا عن زمالتهم بالعمل.
***
استيقظوا بعد عدة ساعات.
كانت تشعر بالجوع الشديد.
استيقظت قبله تنظر إلى ملامحه الرجوليه فأبتسمت وهي تتمني ان يُحبها.
قررت أن تطبق نصائح عمتها رحمها الله التي اثمرت على زواجها.
ورغم عدم حب زوج عمتها لعمتها في بدايه زواجهم الا ان عمتها بحكمتها وحسن المعامله واللسان اكتسبت زوجها وصارت بعد ذلك كل شئ بحياته ولم يكن يرى غيرها.
عكس والدتها التي انفصلت عن والدها بسبب كثرة شكواها.
كانت محاطه بأفكار عده لا تعرف من اين تسير طريقها حتى تنجح حياتها.
ارتدت ملابسها بعد ان اخذت حمامها الدافئ واراحت جسدها.
خرجت تضع المنشفه فوق رأسها تُجفف خصلات شعرها فوجدته ينهض من فوق الفراش مبتسماً.
"مصحتنيش ليه."
تمتمت بخجل وهي تجده على مقربه منها.
"انا لسا صاحيه من شويه."
ابتسم على ارتباكها من قربه.
"اجهزي عشان نخرج نتغدا بره."
أجابت وهي تعترض على خروجهم.
"انا هحضر لينا اكل مش لازم نخرج.. انا بعرف اطبخ كويس."
طالعها بمرح حتى يجعلها تعتاد عليه.
"أنتي مش عايزه ترتاحي يا ياقوت.. اي ست مكانك هتفرح."
واردف بمزاح.
"أنتي زوجه موفره خالصه."
ارتبكت من نظراته ومرحه الذي لم تعتاد عليه.
"انا ممكن اعمل حاجه خفيفه ناكلها ونقعد نتفرج على التلفزيون."
قالتها وهي تنتظر موافقته.
فابتسم وهو يراها كيف تتحدث وتتحاشا النظر إليه.
"خلاص اعملي اللي تحبيه وانا معاكي."
واقترب منها يرفع وجهها نحوه.
"بصيلي وانتي بتتكلمي يا ياقوت.. انا مش باكل بشر."
وضحك وهو يجدها تهمس بخجل.
"مش عارفه ابص في عينك."
ثبت وجهها نحوه يسألها.
"بصيلي واتكلمي... يلا."
جاهدت حالها وهي تهرب من النظر إليه.
"هقول ايه."
تمتم وهو يشبع عيناه من برأتها وخجلها الجميل.
"قولي اي حاجه..انا مستني اه."
خفق قلبها من اثر قربه ومُحاصرته لها.
لم تستطع فعل كلتا الأمرين.
فدفعته عنها ثم فرت من أمامه.
"هروح احضر لينا الغدا."
غادرت الغرفه ليلتف بجسده ضاحكاً على فعلتها.
***
اختلس مراد النظر نحو هناء الجالسه جانبه بالسياره تلعب بهاتفها بحماس دون أن تعيره اي اهتمام.
فتح حوارات عده معها في طريق عودتهم للاسكندريه الا انها كانت تجيب على سؤاله فقط دون اضافه.
شعر بالمقت من ردودها الجافه وكأن الأدوار قد قُلبت.
قاد سيارته بشرود وهو يتذكر الرسائل التي بعثتها له شقيقته ولم تكن الرسائل الا عن زوجته.
لم يعلم لما ابتسم وهو يتذكر رقصها رغم أنها ليست بارعه ورقصها لم يكن الا ناتج عن فرحتها بزواج صديقتها ومع ذلك كانت فاتنه وجميله.
شرد في ضحكتها ومرحها الذي اطفئه هو.
اختلس النظرات إليها مُجدداً ولا يعلم لما أصبحت تشغل حيز تفكيره بكثره.
تمتم وهو يقف بسيارته جانب الطريق.
"هناء."
هتفت دون أن تلتف اليه.
"نعم."
تنهد وهو يرى حماسها باللعبه التي تلعبها على هاتفها.
"تحبي اجيبلك ايه... زمانك جعتي."
نظرت الي المطعم الصغير الذي يقع على الطرف الآخر من الطريق ويُعد فيه اطعمه سريعه المأكل.
"اي حاجه يامراد وهاتلي بيبسي معاك وياريت اي نوع شيكولاته من السوبر ماركت اللي جانب المطعم."
زفر أنفاسه بضيق من معاملتها.
فحتى لم تكلف حالها وتُخاطبه وهي تنظر اليه.
ترجل من سيارته وابتعد.
لتترك الهاتف من يدها ونظرت اليه بأعين دامعه فلم تكن تحلم الا بحياه تحياها بجواره سعيده.
لو أخبرته عن أحلامها معه لخجل من حاله عما فعله بها دون رحمه.
"عشان تعرف ازاي الجفا بيقتل ياابن عمي.. ياريت تدوق من نفس الكاس اللي دوقتهوني."
***
تناول كأس الشاي من يدها وهو يُطالع احد الأفلام القديمه.
"تسلم ايدك."
ابتسمت بتوتر وهي تجلس على طرف الاريكه فرمقها بصمت دون تعليق.
بدأت ترتشف من كأس الشاي خاصتها وتتابع الفيلم بأندماج وهي ترى نهاية قصة البطلين المؤلمه.
فلقد أحبت رجلا متزوجاً كان سوء حظها ان تهوى من ليس لها.
دمعت عيناها وهي تهتف.
"ياريتها ما كانت حبيته وشافته... الحب ليه مؤلم كده."
ابتسم وهو يراها كيف تنظر للتلفاز بملامح حزينه وكأنها لما ترى ذلك الفيلم من قبل مرات عدها.
قترب منها ضاحكاً وقد كانت فرصه له.
"ده فيلم يا ياقوت... انتي متأثره اوي كده ليه."
عبست بشفتيها معترضه.
"بس الحكايات ديه بتحصل في الحقيقه.. وصعب انك تاخد حاجه مش بتاعتك ومتحسش بغيرك بس القلب ده غبي بيحب الحاجه اللي مش ليه."
صمت وهو يتذكر حاله في الحب كان أكبر احمق دمره الحب.
طالعها للحظات لتسأله دون مقدمات وقد فاجئه سؤالها الذي فاجئها هي الأخرى.
"انت كنت بتحب مراتك."
لمعت عيناه بتقدير لذكرى سوسن فركز انظاره نحو التلفاز.
"كنت بحترمها وبقدرها... ساعات الاحترام والتقدير بيكونوا احسن من الحب يا ياقوت."
صمت كل منهما ولكنها شعرت برغبه في سؤاله مره اخرى.
"بس ليه ميبقاش في حب واحترام وتقدير... ليه ميبقاش كل دول مع بعض."
رمقها بخفه بعدما ألتف نحوها وهتف ضاحكاً بداعبه.
"أنتي طماعه اوي يا ياقوت."
وقبل ان يكتمل حديثهم صدح رنين هاتفه.
لينظر لرقم معلمه مريم مُتعجباً من مهاتفته شخصياً.
نهض يستمع للمعلمه ولم تكن الا ريما التي أخبرته عن سوء مريم فجأه في الماده وكأن شرحها ضاع هباءً وامتحانها الذي سيكون بعد غداً.
استمعت ياقوت للمكالمه بأنصات وبعدما أنهى مُكالمته مع ريما التي ابتسمت عندما اخبرها انه سيأتي للمنزل كي يري لماذا ساء مستواها فجأه دون مقدمات.
أسعد الأمر ريما وظنت انه مدام سيترك عروسه فهو تزوجها كما سمعت من الصغيره انه زواج لا اكثر وانه لا يحبها وأنها هي من احتالت على والده.
نظرت ريما لمريم ورغم انها لم تكن سيئه اليوم لكنها كانت شارده الا ان ريما وجدتها حجه كي تراه وتخبر قلبها انه لم يحب تلك التي تزوجها وسيطلقها بالتأكيد بعد أن يمل منها.
لمعت عين مريم بسعاده فالأمر اتي عن طريق معلمتها.
فشهاب وشريف حذروها ان تهاتفه ثانيه بعد فعلتها صباحاً.
تعلقت نظرات حمزه ب ياقوت التي طالعته تسأله.
"في حاجه حصلت... مريم مالها."
سألت بقلق حقيقي فتنهد وهو يمسح على وجهه.
"اخترت وقت مش مناسب لجوازنا للأسف... امتحاناتها الايام ديه.. البنت مستواها نزل فجأه."
حركت رأسها وقد فهمت ما أراد أخبارها به.
أستدارت بجسدها واتجهت نحو غرفتهم.
"فهمت."
شعرت بتأنيب الضمير اتجاهها.
عدل عن قراره فرفع هاتفه يُهاتف شريف يُخبره ان يهتم بمريم وانه سيأتي غدا إليهم.
***
اقترب شريف من زوجته التي تجلس بجانب ندي ويتحدثون عندما شعرت بقربه نهضت تتعلق به.
"شريف."
طالعتهم ندي وضحكت.
"من ساعه ما اتجوزت بقيت تخلص شغلك وترجع على البيت علطول... بقيت مستقيم ياحضرت الظابط."
ضم شريف مها اليه يخبئها بين ذراعيه.
"شكلك غيرانه... فين شهاب."
تنهدت بأستياء من عبارة ابن شقيقتها.
"انا اغير.. شهاب ياسيدي عنده عشاء عمل."
واقتربت من مها تهمس في اذنها.
"بيضحكوا علينا في الأول ويقعدوا معانا وبعدين يقولولك مشغلنا."
احتدمت نظرات شريف نحوها.
لتفر ندي من أمامه.
"هروح اشوف مريم وميس ريما بدل ما حضرت الظابط ياكلني."
كانت مها تضحك وهي تسمع مناقرتهم اليوميه.
مسح على وجهها بحنان هامساً لها.
"وحشتيني."
رفرف قلبها بسعاده فقادها برفق نحو غرفتهما ومازال يُعلمها خطوات المنزل.
صعدوا لغرفتهم ليبدل ملابسه وهي تسأله عن تفاصيل يومه وهو يُجيب عليها.
تحركت يداها نحو ألم عنقها فسألها.
"مالك يامها في حاجه بتوجعك."
ضمت شفتيها وهي تُدلك رقبتها.
"شكلي نمت غلط علي رقبتي."
اقترب منها ينظر لمكان الألم.
ورفع كفه ليدلك عنقها ببطئ فأرتجف جسدها وخشت ان تبعده عنها فيغضب فقد اصبحت تلك النقطة هي مشكلتهم.
وكلما سألها عن السبب تخاف ان تجيبه فسالم قد اصاب لديها عقده وخوف.
أسقط منامتها العلويه عنها وقبل ان ينجرف نحو ما يُريد انتفضت باكيه.
"انا خايفه ياشريف."
صاحت بعبارتها للمره الثالثه فأبتعد عنها يُطالعها.
كان سيغضب عليها ولكنه تمالك نفسه متذكراً كلام الطبيبه عن حاله زوجته.
"اهدي يا ماما."
تعلق به وجسدها يرتجف وخيالها يقودها الي تحرش سالم بها وافعاله الدنيئه.
"انا موافقه تعمل اللي انت عايزه فيا.. بس استنى انام."
اتسعت حدقتيه بصدمه وهو لا يُصدق ما أخبرته به.
***
وقفت صفا بخوف أمام عنتر.
كانت تخشاه فلم ترى منه الا سوء المعامله والعمل الشاق.
مسحت وجهها بأرهاق فللتو أنهت عملها في اطعام المواشي.
"ما تقفي عدل ياختي."
ارتبكت صفا وثبتت اقدامها وهي لا تقوي علي الوقوف.
"يا استاذ عنتر قولي عايز ايه.. لسا ورايا شغل كمان."
احتدمت نظرات عنتر نحوها بمقت.
"بقى ليكي صوت.. طب اعملي حسابك هتنضفي الاسطبل كمان النهارده نضافت امبارح معجبتنيش."
شهقت صفا وهي تآن ألماً.
"الله يخليك بلاش النهارده... انا بشتغل طول اليوم."
رمقها عنتر بسخط فهو يكرهها ويكره كل من يتاجر بالمخدرات فلم يمت شقيقه الا بجرعة أنهت حياته.
لو لم يكن يعلم بسبب سجنها لكان عاملها كما يُعامل الآخرين.
"ايه رأيك هتشتغلي طول الليل كمان ومافيش راحه وكلمه تانيه خدي شنطه هدومك وسيبي المزرعه."
ودفعها من أمامه لتسقط على الأرض باكيه.
نظر لها وهي ساقطه أرضاً دون رحمه.
فلمح سيارة فرات تدلف المزرعه.
فركض نحوه مُتعجباً منه قدومه اليوم للمزرعه.
"ده البيه."
ما هي تعلقت عيناها بضعف بسيارة مُقرره أنها ستغادر المزرعه فلم تعد تتحمل مشقة العمل والإهانة.
***
نظرت سماح لرقم سهيل الذي يدق عليها منذ ليله امس بألحاح.
مضغت الطعام بتمهل وارتشفت بعض الماء لتبتلع الطعام.
صدح صوت الهاتف ثانيه لتُجيب عليه ببرود.
"نعم."
زفر سهيل أنفاسه بمقت.
"لما لم تُجيبي امس علي هاتفك."
تمتمت وهي تلوك الطعام بفمها.
"مكنش ليا مزاج ارد."
قطب سهيل حاجبيه بضيق وهو يغلق حقيبته الرياضيه بعد أن أنهى تدريبه.
"غدا تأتي ل لندن.. سأنتظرك."
عبثت بخصلات شعرها بلامبالاه لاوامره.
"مش هاجي.. لو عايز تيجي تاخدني تعالا بنفسك."
واغلقت الخط بوجهه دون أن تنتظر سماع رده.
ولم تكتفي بأنهاء المكالمه فقط انما اغلقت الهاتف نهائياً وابتسمت بنصر وهي تتخيل النيران التي تخرج من مقلتيه.
***
وجدتها صفا فرصه عندما قادها عنتر لمكتب سيده.
وقفت في منتصف الغرفه تنتظر ان يلتف بجسده وتسمع ما يُريد اخبارها به.
طالت وقفتها فأمر عنتر بجمود.
"روح شوف شغلك ياعنتر."
انصرف عنتر على الفور.
لتلتف نحوه متسائلا بغموض.
"عجبك شغلك في المزرعه."
فركت يداها بتوتر وتمتمت دون أن ترفع عيناها نحوه.
"اسمحلي امشي من هنا... ارض الله واسعه وهدور علي شغل في اي مكان تاني."
ضاقت نظراته نحوها.
ورمقه بأستخفاف وقد فسر رغبتها بالرحيل انها ستعود لزوج شقيقته فأمثالها لا شرف ومبادئ لديهم.
"وتفتكري اللي يدخل ممتلكات فرات النويري يخرج منها برغبته... خروجك من هنا برغبتي انا."
صرخ بها.
فأرهبها.
"لو خرجتي من هنا... تليفون مني للبوليس أبلغه بسرقه حصلت في المزرعه."
تجمدت عين صفا عليه تخشي تهديده.
"بس انا مسرقتش حاجه... انا كل اللي عايزاه امشي من هنا."
تجلجلت ضحكاته وحدق بها.
"هو الدخول زي الخروج."
واردف وهو يُطالعها بنظرات تشع احتقاراً.
"أنتي دخلتي سجني انا المرادي."
***
اتسعت عين ناديه ذهولاً وهي تجد شقيقها بغرفه مكتبه بالفيلا ويذاكر لمريم دروسها.
نسي شريف امرها امس ولم يأتي هو كما وعدها لتظل طيله الليل تبكي حتى احمرت عيناها.
امتنعت عن الطعام ومذاكرتها اليوم.
ولم تجد ندي حلا الا اخباره.
"مش معقول انت هنا ياحمزه."
رفع حمزه عيناه نحو شقيقته.
بينما أشاحت مريم عيناها عن ناديه فقد أصبحت تلومها هي بالأساس على زواجها.
لم تهتم ناديه بنظرات الصغيره وكادت ان تتحدث وتُعاتبه على ترك زوجته.
فنظر اليها حتى تصمت ولا تفتح حديثاً أمام مريم.
امتقع وجهها وخرجت من الغرفه حانقه.
قابلتها ندي بترحيب فسألتها بضيق.
"مش قولنا نسيبه الايام ديه مع مراته وتهتموا انتوا ب مريم ياندي."
تقبلت ندي الحديث من أجل وعدها لشهاب ولكن داخلها كانت حانقه.
"نعمل ايه ده وقت امتحاناتها وهي متعوده ان هو اللي يذاكرلها قبل الامتحان...محدش بيقدر على مريم غير حمزه."
واردفت عندما شعرت بغضب ناديه نحوها.
"هخلي الخدم يحضروا لينا العشا... اكيد هتتعشي معانا."
وانصرفت من أمامها دون سماع ردها.
لتنظر ناديه في اثرها.
ولمعت عيناها فأخرجت هاتفها من حقيبتها تبحث عن رقم ياقوت.
ابتسمت وهي تسمع صوتها.
"ياقوت حببتي حمزه بيقولك تعالي الفيلا... هبعتلك السواق."
هتفت ياقوت وهي تخشي القدوم.
"بس انا..."
لم تمهلها ناديه الاعتراض فأكملت قبل أن تغلق الخط معها.
"اجهزي لحد ما السواق يجيلك."
أغمضت ياقوت عيناها بقله حيله.
يومان عاشتهم بمشاعر مختلطه سعاده وآلم ولا تعلم اي منهم سيغلب الآخر.
تجهزت ووجدت السياره والسائق ينتظرها بالأسفل وكما حفظته ناديه ان حمزة من بعثها.
دلفات للسياره وبعد عشرون دقيقه كانت السياره تدلف الفيلا.
وقلبها يدق بتوتر.
ابتسمت ناديه وهي تتابع خروجها من السياره من الشرفه.
كانت مائده العشاء قد عُدت وخرج حمزه من غرفه مكتبه هو ومريم وباقي أفراد الاسره يجلسون ينتظرونهم حتى يتناولوا العشاء معاً.
فتحت الخادمه الباب لتبتسم ناديه وهي تجد ياقوت تدلف بتوتر تضم حقيبتها الصغيره إليها.
يتبع بأذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سهام صادق
دارت نظراته بين شقيقته التي وقفت تُطالعه بنظرات ماكرة وتلك التي وقفت مطرقة الرأس تُداري خجلها عن أعينهم.
لحظة كان الصمت يخيم عليهم جميعاً. شهاب، أمسك كف ندي يضغط عليه وكأنه يُحذرها من أي فعلة غير لطيفة. أما شريف، فكان يخشى من رد فعل شقيقته التي وقفت جامدة الملامح.
رفعت ياقوت عيناها نحو من تنتظر سماع صوته فيطمئنها. شعر بها، فأقترب منها يمسك يدها، ناظراً لهم وبنبرة مرحة لطيفة حتى يكسر حاجز الصمت بينهم هتف:
"ايه يا ندى، عاملة حسابنا في العشا ولا نروح؟"
توتّرت ندي ونظرت لياقوت بترحيب من أجله ومن أجل زوجها:
"اه طبعاً يا حمزة، مكانك ديما محفوظ وسطنا."
قالتها بصدق. وعندما وجدت نظرات شهاب الجامدة نحوها وكأنه ينتظر منها أن تُكمل عبارتها وترحب بياقوت أيضاً، فهمت نظراته وأكملت على الفور:
"شرفتّينا يا ياقوت."
واقتربت منها تُصافحها.
وقفت الصغيرة بعيداً تتابع الموقف بعينيها. نظر لها شريف وأقترب منها يضمها إليه بحب هامساً لها:
"حببتي، اللي بيحب حد بيحب الناس اللي ليه. عملي ياقوت كويس عشان خاطره."
دفنت مريم رأسها بحضنه. كل ما كان يدور بعقلها الصغير أنها ستسرقه منها، ستأخذه لها وحدها، وستفقد حبه واهتمامه. كما أخبرتها إحدى صديقاتها بالمدرسة أن والدها هجرهم منذ أن تزوج بأخرى ولم يعودوا يروا والدهم إلا كل فترات بعيدة.
كانت مها تقف تسمع الحوارات الدائرة مبتسمة تتمنى أن تتحدث معهم، ولكنها تخشى أن لا يهتم أحداً بها. فظلت صامتة.
"كنت أتمنى أفضل معاكم، لكن ورايا مشوار مهم."
هتفت نادية عبارتها بابتسامة واسعة واتجهت نحو حمزة تُعانقه هامسة:
"حاول تقرب مريم من ياقوت عشان متتعبش."
هتفت بعبارتها وأكملت عناقها بالآخرين ثم انصرفت. فهتف شهاب وهو يسير معها للخارج نحو سيارتها:
"بتعرفي تلعبي صح يانادية. اختنا الكبيرة بس مكارة."
ضحكت بدلال وألتقطت ذراعه تقرصه بخفة فتأوه:
"اه دراعي يا جبّارة. أنا مش عارف فؤاد بيحبك على ايه."
صعدت سيارتها تضحك ناظرة إليه:
"ملكش دعوة بجوزي، روح لمراتك اجري."
وانطلقت بسيارتها ليضحك على أفعال شقيقته متذكراً عندما كانت في بداية شبابها وكان هو صغيراً. لم تكن إلا فتاة خجولة لا تتحدث إلا قليلاً.
عاد أدراجه نحو الداخل ليجدهم جالسين يشرعون في تناول الطعام.
***
سلطت ياقوت نظراتها نحو شريف ومها بعدما تمالكت غصتها من الموقف المحرج الذي حدث عندما منعتها الصغيرة من الجلوس فوق مقعد والدتها. لم يكن حمزة موجود بينهم تلك اللحظة فقد كان يتحدث في هاتفه. لكن شريف، وقد قدّر موقفه اللطيف، جعل مريم تعتذر منها. لم تجلس على المقعد احتراماً لمشاعرهم وتمنت لو أن الصغيرة طلبت ذلك منها برفق موضحة لها الأمر، ولكنها ترى عدائيتها رغم أنها تتمنى من كل قلبها أن تحبه.
مقَت ندي ملامح ياقوت وقد أثارت فعلتها اللطيفة مع ابنة شقيقتها وصمتها عند قدوم حمزة. بدأت تُدرك أن عدائيتها لم تكن إلا خوف، وقد بدأ خوفها منها ومن هدم حياتهم العائلية يزول.
تابع حمزة نظراته نحو شريف ومها. شريف الذي كان يجلس دون خجل يطعم زوجته برفق ويُمازحها.
ابتسمت وهي تستمع لمزاح شريف مع زوجته:
"هتاكلي صباعي يا ماما؟"
تخضبت وجنتاها وخنقته بصدره برفق. فضحك شهاب عليهم:
"عصافير كنارية يا ناس."
جذب ندي نحوه متمتماً:
"تعالي أما أكلك ياحبيبتي، هي جت عليكي."
يضحك الجميع. ومريم التي كانت تجلس على يسار حمزة، رمقت ياقوت بضيق وهي ترى ابتسامتها وضحكتها معهم. فمضغت طعامها بحنق.
كانت عيناها تُطالع ما يحدث وهي لا تحلم أن يفعل ذلك معها. ولكن يده التي قبضت على يدها أسفل المائدة ونظراته نحوها جعلتها تشعر أنه يشعر بها ويُقدر ما تُحرم منه أمامهم.
من نظراتها تأكد أنه ظلمها معه. ياقوت، حياتها وأحلامها الحالمة الهادئة لا تشبه حياته المعقدة. أطرق عيناه نحو طبقه بعد أن حرر يدها من قبضة كفه وهو يلوم نفسه أنه أدخلها حياته التي تجعله ماهو إلا كبير العائلة وأنه من يجب أن يجمعهم دون أن يفكر بسعادته مدام هم سعداء فسعادته تأتي بعدهم.
مكانه وضعته به الحياة ولم يكرهها يوماً، ولكن الدور أصبح ثقيلاً عليه هذه الأيام ولا يعلم السبب. ولكن قلبه كان خير من يخبره. فقد ملّ من ذلك الدور ويريد أن يحيا لو قليلاً.
أول من أنهت طعامها كانت مها التي تمتمت بحنان لزوجها الذي يفرط في تدليلها أمام الجميع:
"خلاص ياشريف، أنا شبعت. كل أنت."
ونهضت برفق فنهض شريف هو الآخر وكاد أن يهتف باسم الخادمة حتى تصطحبها لدورة المياه كي تغسل يداها.
"الحمدلله. ممكن تقوليلي فين الحمام يا أستاذ شريف وأنا هاخد مها."
الكل تعجب منها فطالعتهم بخجل، فهي لم تكن إلا تريد أن تزيل الحواجز بينهم وتخبرهم أنها تطمح أن تكون جزء من عائلتهم بالمحبة لا بشيء آخر.
تعلقّت عين حمزة بشريف ليبتسم إليها شريف بلطف كما ابتسمت مها:
"أكيد مدام ياقوت."
وأشار إليها نحو الطريق المؤدي لدورة المياه. فتناولت يد مها التي تمتمت بهمس:
"أنا كنت عايزة أتعرف عليكي، انتي شكلك لطيفة."
طرب قلب ياقوت وهي تشعر بود مها وطيبتها:
"على فكرة انتي جميلة، ماشاء الله."
اخجلت مها من مديحها. ومع بضعة خطوات ودقائق، بدأت صداقة ودودة بينهم بعدما اطمأنت مها لياقوت. مما جعل شريف يتعجب من سرعة تقاربهم.
***
دَلفت سماح لأحد المطاعم الفخمة وهي تعلم أن عشاء اليوم سيكلفها كثيراً، ولكن قررت أن تدلل نفسها بمكافأة الجريدة التي حصلت عليها بسبب السبق الصحفي الخاص بذلك الذي صار زوجها. تذكرته بمقت، فكلما تذكرت اللعبة التي أدخلها بها كرهته أكثر وتمنت لو تقبض على رقبته لتشفي غليلها وتبرد نيرانها.
أزاحت المقعد بعد أن قادها أحد موظفي المطعم نحو طاولة فارغة. لتسقط عيناها نحو آخر رجل تمنت رؤيته اليوم ولم يكن إلا ماهر، الذي انتبه على وجودها لحظة رؤيتها له. كان يُداعب ابنه ويمسك كف زوجته الجميلة، ابنة العائلة العريقة.
أضعفت رغماً عنها وهي تتذكر أنها أحبت جباناً مثله يوماً. تذكرت جنينها الذي أجهضته من حزنها على ما فعلوه بها هو ووالده. والده بجبورته وهو بضعفه.
عندما شعرت بحرقة عينيها وعدم تحملها، خرجت من المطعم بخطوات أشبه بالركض، لتنحني بجزعها العلوي وتلتقط أنفاسها بصعوبة والماضي يعود لمخيلتها من جديد فيحيي ألماً أمات قلبها.
صرخت بصوت مكتوم لتسمع صوته خلفها:
"سماح!"
أغمضت عينيها بقوة تتمالك دموعها، لكنها لم تستطع. اقترب منها ليقف أمامها:
"كان لازم أرجعها، مستقبلي كان هيضيع. سامحيني."
التقطت أنفاسها ببطء وهي ترفع عيناها نحوه. اعتدلت في وقفتها وهي تتمنى أن يعود الماضي من جديد لتدير له ظهرها ولا تقع في حبه وتسلمه نفسها.
اقترب منها خطوة لتبصق بوجهه وقد شعرت بثقل أنفاسها:
"للأسف الزمن مابيرجعش. لو كان بيرجع مكنتش وقعت في حب واحد جبان زيك وسلمته نفسي."
مسح وجهه بألم واطرق عيناه أرضاً:
"صحيح قصة حبك انتي وسهيل نايف."
لم تعلم اتبكي على خيبتها الأخرى أم تضحك وتحكي للعالم تعاستها:
"يهمك في ايه؟"
رفع عيناه نحوها يسألها برجاء:
"حبتيه يا سماح؟"
لكي تؤلمه مثلما آلمها قديماً.
"اه حبيته."
وانصرفت دون أن تنظر إليه مجدداً تُداري خيبتها. ليقف يتأملها، ورغم أنه أحبها، إلا أنه كان جباناً نذلاً لا يقوى على تحمل رفاهيته في سبيل الحب ولا يعرف ما هي التضحية. الحب معه متعة جسد وكلام معسول.
سمع طرقات حذاء زوجته التي وقفت خلفه ترمقه بألم:
"سنين ولسه بتحبها. بس تعرف هي الكسبانة ياماهر."
***
دَلِف للمطبخ يُطالعها وهي تجلي الأطباق قبل أن تذهب للفراش. شعر بالامتنان لها بعد تلك العزيمة ورغم أنها أتت من عملها مرهقة إلا أنها أحسنت ضيافة صديقه.
"شكراً يا هناء."
ألتفت نحوه تنظر إليه وهي تُجفف الطبق الذي في يدها:
"المهم يكون الأكل عجب صاحبك."
ابتسم وهو يتذكر مدح صديقه الذي جاء مصر في رحلة قصيرة وقصد النزول بالإسكندرية لرؤيته:
"عجبه جداً وخصوصاً الملوخية."
أصبح حديثه معها ودوداً، ولكنها لم تعد تشعر إلا بجرحها. صمتت عندما تذكرت أنها كانت تتمنى كلمة لطيفة واحدة منه، ولكنه كان يبخل بها عنها ويفر من المنزل كي لا يجلس معها.
أنهت جلي الأطباق ومسحت يداها تنفض من رأسها ما يؤلم قلبها:
"تصبح على خير."
ومرت من أمامه ليمسك ذراعها برفق مُقترحاً عليها:
"ايه رأيك نتعشا بكره بره؟"
طالعته وهو يمسك يدها، ففهم نظرتها فأزاح يده عنها:
"هناء، خلينا ولاد عم وأصحاب. يمكن خسرنا بعض أزواج، بس ايه رأيك السنة دي نكون ولاد عم بجد؟"
لم تحلم يوماً أن تكون ابنة عم فقط، إنما أرادته حبيباً وزوجاً وصديقاً. ابتسمت حتى تُداري الألم الذي لم تخفيه عيناها:
"مافيش مشكلة يا مراد."
وانصرفت من أمامه لا تشعر إلا بقبضة تعتصر قلبها وعقلها يؤنبها. ما زلتي تحبيه، ما زلتي تركضين وراء حلمك.
***
ضمها شريف إليه وهو يُطالع حماسها وسعادتها عن لطافة ياقوت وأنها أصبحت فرد في عائلة جميلة مثلهم. ابتسم على حماسها ودغدغها مازحاً.
ضحكت مها وهي تتلوى أسفله وتدفعه عنها:
"كفاية ياشريف، مش قادرة خلاص."
ضحك وهو يرفع كفيه نحو وجنتيها:
"بتحلوي كل يوم، ينفع كده؟"
تخضبت وجنتاها بخجل تسأله:
"أنا فعلاً جميلة ولا بتقولولي كده عشان متحسسنيش إني ناقصة عنكم؟"
أغمض عيناه بقوة. فتقارير حالتها بعثها لأكبر مشافي لندن منذ أسبوع وينتظر جوابهم. ولكنه أراد أن يهيئها نفسياً للأمر. وأردفت بحنين لطفولتها وفترة إبصارها:
"أنا فاكرة صورة بصيت لملامحي وأنا طفلة كنت بضفائر طويلة."
تأملها بحنو ولثم خدها وكفه يداعب خدها الآخر:
"قريب ياحبيبتي هتشوفي نفسك وتعرفي ملامحك."
عبّست ملامحها وهي تفهم مقصده:
"بس أنا مش عايزة... قالوا لي إني هفضل عمياء. مش عايزة أحط أمل ويموت جوايا من تأنيبك."
بكت بحرقة وهي تتذكر تجربتها من قبل:
"بابا مات بسببي، أنا اللي خليته يخرج بيا اليوم ده."
دفنت وجهها بين أضلعه وكأنها تطلب منه الأمان. ضممها بقوة إليه وهو يتمنى أن يزيل آلامها، أن يراها مبصرة، أن تحبه بعينيها كما أحبته بقلبها.
انصدم وهو يراها تُحاول تقبله وكأنها تسمح له اليوم أن تكون منه. كانت خائفة، ولكن اليوم شقيقتها عندما أتت لزيارتها صباحاً أخبرتها أن الرجال تمل وسيتركها حينما لا يجد بها متعته.
ابتعد عنها وسط مشاعرهم الهائجة يسألها:
"مها، انتي متأكدة انك عايزة كده؟"
ابتَلعت ريقها بخوف. وعندما شعر بتردده، أغمض عيناه حتى تهدأ أنفاسه ويصارع رغبته التي أشعلتها:
"ايه رأيك نروح عند دكتورة تتكلمي معاها وتسمعك؟"
اعتدلت بتخبط واغلقت أزرار منامتها تبحث عن معنى لعرضه:
"هو انت زهقت مني؟ أنا مش تعبانة ياشريف."
ابتسم وهو يجدها عبست بملامحها:
"يا حبيبتي، انتي محتاجة تتكلمي وتحكي عن اللي جواكي وده هيساعدنا في العملية وفي علاقتنا."
***
عبثت ندي بلحية زوجها فنفر من مشاكساتها بضيق:
"ندي، عايز أنام."
ضحكت على حنقه فأعادت فعلتها ليفتح عيناه ممتعضاً:
"عايزة ايه؟"
زَمّت شفتيها بعبوس مصطنع تدفعه على صدره بغل:
"احنا مش اتفقنا هنسهر سوا النهارده؟"
ضاقت عيناه، ولكن سريعاً اتسعت ذهولاً:
"ايه اللي لبساه ده؟"
ابتسمت وهي تنهض من فوق الفراش حتى تريه ما تلبسه. حدق بما ترتديه من زي تنكري يشبه الشرطة. تمتع بالنظر قليلاً فأبتسمت عندما رأت إعجابه. شعرت بالسعادة من نظراته كما أخبرتها البائعة التي يتعاملوا معها زميلاتها بالمدرسة فأرادت التجربة مثلهم.
"وهتنضمي للداخلية امتى؟"
انكمشت ملامحها لترفع طرفي شفتيها مستنكرة حديثه:
"هو ده ردك على اللي أنا عملاه ليك؟"
مقّها ببطء عائداً ليتفحص هيئتها:
"فين الجمال فيه؟ وايه اللي في ايدك ده؟ كلبشات؟"
هتفت عبارته الأخيرة ساخراً وتوالت سخريته إلى أن جعلها تلقي بالقبّعة التي فوق رأسها وتلتقط إحدى منامتها وتسرع نحو المرحاض.
تنهد وهو يسمع صفعتها القوية للباب وهمهماتها. فعاد لنومه يدفن رأسه أسفل وسادته.
خرجت من المرحاض تنظر إليه وهو نائم فأزداد غضبها:
"أنا اللي استاهل."
أغلقت أنوار الغرفة وتسطحت بجانبه وهي تسبه وتشتم حالها على فعلها لكل ما يفتنه بها ويُعجبه، ولا تعلم أنه قد وجد فيها الجزء الذي كان يبحث عنه.
شعر بلملمتها فوق الفراش فعلم أنها لم تغفو. حاوطها بذراعه وهو بين اليقظة والغفلة:
"أنا بيعجبني ندي مراتي الحنينة اللي لما بتعمل حاجة بتعملها عشان خاطري وبتكبرني."
يخفق قلبها وأنفاسه تسري فوق عنقها:
"شكراً إنك قدرتي ياقوت النهارده واحترمتي وجودها وسطنا."
أدارت جسدها نحوه لتصبح جبهتها فوق جبهته ولا يفصلهم سوا أنفاسهم:
"تعرفي ياندي، من أسباب غضبي قبل جوازنا ونفورى منك، إن ديما علاقتنا كانت معروفة لحمزة وسوسن، ويجوا يحاسبوني."
قالها وهو مغمض العين يُخبرها بأسراره وهو ذاهب لعالم أحلامه. وكادت أن تغمض عيناها هي الأخرى:
"بحبكم."
وغفا بعدها ليتركها تنظر إليه، بعد أن قالها لها صراحة الليلة.
***
نظر لها وهي غافية جانبه تضم الغطاء على جسدها. تأمل سكونها وملامحها فأتّكأ على راحة كفه يُطالعها دون قيود. ابتسم عندما أصبحت ملتصقة به للغايه تُحاوطه بذراعيها. فمسح على وجهها ونهض من جانبها يشعر بالتعب بكل ما يُحيطها.
استيقظت بعد وقت تبحث عنه بعينيها. نهضت من فوق الفراش ترتدي حذائها المنزلي. وخرجت من الغرفة تبحث عنه لتجده غافياً على الأريكة. فأقتربت منه تهتف اسمه بخفوت وتوتر:
"حمزة."
استمع لهتافها وتظاهر بالنوم. فجثّت على ركبتيها بجانب الأريكة تتأمل ملامحه وتبتسم. رفعت يدها كي تمسح على وجهه براحة كفها. زال خوفها واستمتعت بلمس ملامحه بخفة. كما استمعت. انصدمت مما تفعله وكأن شيئاً كان يقودها دون شعور. فرفعت كفها عنه تؤنب نفسها:
"ايه اللي أنا بعمله ده. غبية يا ياقوت."
وكادت أن تفر من أمامه بعدما نهضت من رقدتها، ولكن يده كانت أسرع فقبض على ذراعها:
"رايحة فين؟"
شحب وجهها وهي تُدرك أنه كان مستيقظاً أثناء فعلتها. ابتلعت لعابها بخجل:
"أنا كنت جاية اصحيك تنام جوه."
وقبل أن تنفض ذراعها من قبضته وتفر، آسرها أسفله ولم تعلم كيف أصبحت في تلك الوضعية. مشاعر كانت تقوده إليها بعطش وكأن مراهقته وشبابه الذي قارب على الانتهاء عادوا إليه معها.
***
انتهت أوراق سفرها بسهولة. فمكانها، فرات القديمة والحالية، أنهت كل شيء دون إطالة. وها هي معه في دولة أخرى يصطحبها معه كخادمة. تألمت من المسمى، ولكن ماذا ستحصل إلا عن ذلك والقانون والناس يرونها قاتلة للشباب بالسموم التي كانت تتاجر فيها. أخذت بذنب ليس لها ودفعت سنوات من عمرها في السجن وما زالت تدفع الضريبة.
وصلت السيارة بهم لفيلا صغيرة بحديقة. ليفتح أحد الرجال باب السيارة لفرات مرحباً به. فنظر إليها الرجل بغرابة فلا هيئتها تشبه السكرتيرة الحسناء ولا لشخص مهم يقربه. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً وحجابها الذي قررت أن ترتديه. ورغم أن البداية كانت إجبار، إلا أنها شعرت أنها بحاجة أن تقترب من الله وتتوب بعد أن خذلها البشر وقذفوا بها تحت أقدامهم.
تحركت خلف فرات تحمل حقيبة ملابسها الصغيرة بعدما أخذتها من السائق الذي حمل حقائب فرات. تأملت المكان فوجدت أن هنا أفضل إليها حتى لو سبب قدومها كان إجباراً.
تحدث فرات مع الرجل الذي استقبله. أما هي وقفت بعيداً منزوية على نفسها تنتظر أن يدلّها على مكان غرفتها. انتظرت لدقائق إلى أن انتهى حديث فرات مع الرجل ورحلوا. وجدته يصعد الدرج دون أن يعطيها اهتماماً فأقتربت منه بلهفة تسأله:
"فرات بيه؟"
وقف في مكانه ثم التفت نحوها بجمود ينتظر سماع ما تريده منه:
"مكان أوضتي فين؟"
رمقها فرات محتقراً ورفع عصاه مشيراً نحو المطبخ:
"تفتكري مكان الخدم فين؟ في المطبخ."
أوجعتها عبارته فعادت تسأله وهي تطرق عيناها أرضاً:
"طيب هنام فين؟"
تأتيه نفس الإجابة ثانية:
"في المطبخ. ولا انتي فاكرة هتعيشي هنا معززة؟"
وتابع بقسوة وهو يرمقها:
"وبطلي المسكنة اللي انتي فيها دي. أوعي تكوني فاكراني عزيز."
غرز طرف عصته في كتفها من شدة ضيقه من وجودها معه. فالصورة التي يرسمها لها داخله أنها امرأة سيئة دمرت مستقبل أحدهم قديماً والآن تدور حول رجل متزوج.
تأوهت من دفعته بعصته، فصاح بغضب:
"هطلع أرتاح في أوضتي. اصحي ألاقي الأكل جاهز والبيت متنضف. مفهوم؟"
وأكمل صعوده. ورغم نظافة المنزل كانت هذه البداية. لتسقط دموعها بحرقة وألم:
"السجن كان أهون يارب."
***
وقفت هناء أمام مديرها بتوتر تخشى أن يخبرها أنها فشلت في فترة تدريبها بفندقهم.
"آنسة هناء."
ارتبكت من الكلمة فلم تخبر أحد أنها متزوجة. فرفعت عيناها بقلق:
"أنا علمت حاجة يا فندم. هو أنا فشلت في فترة تدريبي؟"
ابتسم خالد على عباراتها ولم يزدها توترها إلا فتنة:
"لا يا آنسة هناء."
وأردف بجدية حتى يُداري المشاعر التي تنتابه حين يراها:
"حبيت أعرض عليكي شغل شايفه أنسب ليكي من شغل الريسبشن."
فانتظرت سماع عملها الجديد:
"ايه رأيك تشتغلي في العلاقات العامة؟"
***
فتحت سماح باب غرفتها بالسكن ولم تنتبه لهيئتها المبعثرة لتشهق وهي تراه أمامها:
"انت؟"
ابتسم سهيل بصفاقة وهو يدلف الغرفة ويغلق الباب خلفه. فالسماح له بالدخول كان سهلاً فهي زوجته:
"هل هذا هو استقبالك لي زوجتي؟"
وجلس على فراشها الصغير واسترخى بجسده مُطالعاً غرفتها:
"أمامك ساعة واحدة وتجهزي زوجتي."
ضاقت أنفاسها بمقت وصرخت بوجهه وهي تقترب منه تسحب ذراعه من فوق فراشها:
"مش هسافر معاك. وقوم من على سريري."
لتلمع عين سهيل بخبث وفي ثواني كانت منبطحة فوق الفراش وهو يعلوها زافراً أنفاسه فوق خصلاتها:
"ما رأيك أنا نستمتع قليلاً زوجتي."
***
قذف فرات قهوته عليها لتصرخ بألم من سخونتها:
"كم مرة أقولك أعملي قهوة تتشرب. يعني ولا بتعرفي تطبخي عدل ولا بتعملي قهوة عدلة."
تعالت شهقاتها من كم الإهانة التي تتلقاها. فلم تولد إلا ابنة لرجل ثري ماله حراما، ولكنها عاشت تتمتع بالمال. لم تتعلم في السجن إلا المسح والتنظيف وغسل الثياب وبعض من الحياكة، ولكن الطعام لم تكن يوماً بارعة فيه.
صرخ بوجهها حانقاً:
"غوري من وشي. شكلك مالكيش فايدة غير إنك تلعبي على الرجالة."
طعنتها الكلمة بمقتل وظلت واقفة بمكانها لا تشعر بحركة قدميها. فنهض من فوق مقعده يتأهب لخروجه بعد أن تعكر مزاجه. لتقبض على سترته وقبل أن يدفعها صارخاً بها، ارتخى جسدها غائبة عن الوعي بين ذراعيه.
***
خمسة أيام مرت على زواجهم. وفي نفس اليوم الذي عاد فيه لعمله، هو نفسه الذي قررت زوجة أبيها ووالدتها وأشقائها القدوم إليها. ولم تعلم بذلك إلا صباحاً. أخبرها أن لا تتعب حالها وسيبعث لها كل شيء للضيافة وسيأتي مبكراً قبل قدومهم.
تناولت زوجة أبيها الحلوى تسألها بشماتة:
"فين جوزك يا ياقوت؟ مش المفروض يستقبل أهل مراته؟"
ونظرت إلى صباح غريمتها:
"ولا انتي ايه رأيك يا صباح؟"
لوت صباح شفتيها مؤكدة على كلامها لأول مرة:
"عندك حق يا سناء."
فتعلقّت عيناها بالساعة المعلقة. فقد أخبرها أنه سيأتي بالموعد المحدد ولكنه أخلف وعده. شعرت بالخيبة وقبضة تعتصر بقلبها فقد جعلها لقمة بين أنياب زوجة أبيها التي لم ترحمها.
أشفقت ياسمين عليها لتنهض من جانبهم تخلصها من محاصرتهم:
"ياقوت عايزة أكلمك في موضوع مهم."
وأخذت بيدها نحو المطبخ تزفر أنفاسها من أفعال والدتها:
"اتصلي بي يا ياقوت، مش معقول يسيبك وانتي عروسة."
ألمتها الكلمة فدمعت عيناها وهي تنظر لهاتفها:
"تليفونه مقفول يا ياسمين. قوليلي أعمل ايه؟"
وعندما سمعت صوت والدتها أشاحت وجهها بعيداً:
"بنتي يا ياقوت فين جوزك؟ خليتي واحدة زي سناء تشمت فيكي."
تنهدت ياسمين وهي تسمع جملتها عن والدتها فغادرت حتى تجعل والدتها تكف عن حديثها:
"اتصلت بي قالي جاي في الطريق. أصل عنده شغل مهم."
هتفت عبارتها كاذبة تهرب بنظراتها عن والدتها. لتقترب منها صباح بشك وقد وضعت بيدها على صدرها شاهقة:
"أوعي يكون جوزك قرفان منك يا بت. يا خبتك يا بنت صباح هترجعلي مطلقة. وهتشمتي فيا سناء وسعيد جوزي."
ضاقت أنفاسها من عويل والدتها وصوتاً بالخارج أعاد لها الحياة لتخطو نحو صوته تستنجد به.
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سهام صادق
ركضت إليه تلقي نفسها بين ذراعيه.
رمت أوجاعها وكسرتها وآلام سنين عاشت فيها لا ترغب بشيء إلا العيش.
شعر بها فضمها نحوه مبتسمًا:
- آسف يا حبيبتي اتأخرت عليكي.
لوت سناء شفتيها مستنكرة فعلتها. أما صباح كانت تنظر إلى سناء نظرات ساخرة. لم ينظر للمشاهد ببرآءة وسعادة سوى أشقائها، فلم يصل إليهم خبث ومكر أمهاتهم. أكبر حظ كان لياقوت هم أخوتها لا يرونها سوى الأخت الكبرى الحنونة.
ابتعدت عنه خجلاً بعدما أدركت فعلتها، ولكن حديث والدتها وجرحها لها بكلامها جعلها لا تدري إلا وهي تركض نحوه تتمنى أن تخبره أنها هربت بالزواج منه ليس لنيله لأنه رجل مقتدر أو أعجبتها مكانته، إنما الخلاص الذي رغبه به بداية من عمل قست عليها الحياة فيه، وها هو الزواج الذي في أيام قليلة ذرفت فيه دموع خيبتها، فزوجها لديه مسؤوليات وهي تأتي بالمرتبة الأخيرة كما اعتادت دوماً.
- منور بيتك يا جوز بنتي.
تفتحت صباح عبارتها وهي تقترب منه تمسح على سترته وعيناها ترمق سناء بمكر.
ابتسم حمزة بلطف لها واعتذر منهم بلباقة:
- آسف يا جماعة، كان عندي شغل مهم. بس ده بيتكم وانتوا مش ضيوف.
التوت شفتي سناء أكثر فتمتمت داخلها:
"آه ياناري بقى بنت صباح تتجوز الراجل ده وأنا بنتي حظها يقع في حتت موظف مرتبه يدوبك بيكفي.. ياميلة بختك ياسناء".
ورغم نيران حقدها إلا أنها رسمت فوق شفتيها ابتسامة تُداري خلفها ما يجول بنفسها:
- كلك ذوق ياحمزة بيه... عرفتي تختاري يا ياقوت يا حبيبتي.
لم يخفَ عن ياقوت حقد زوجة أبيها لها، ومن أجل تكملة دور واجبها بين أهلها ابتسمت.
تربية عمتها لها جعلتها تتعلم أموراً كثيرة في الحياة وازدادت أخلاقها تهذيباً أكثر حين عملت بالملجأ بين الأطفال. لا الحياة تأخذ بلوي الذراع ولا المكر ولا القوة، إنما نيتك تجعلك تحصد ما تستحق.
داعب حمزة أشقاءها بلطف تحت نظراتها المحبة لما يفعله مع عائلتها. لم ينفر من شقاوة أشقائها ولا تنطيطهم، أنما عاملهم بلطف وانسحب من بينهم بعد أن جلس برفقته دقائق.
- هدخل أغير هدومي.. عشان نتغدى سوا.
اتسعت ابتسامة صباح بعدما غادر ثم دفعت ياقوت:
- روحي ورا جوزك يا ياقوت.
انصرفت ياقوت بتوتر خلفه، لتنظر صباح لسناء التي تشيطت غضباً:
- شايفة جوز بنتي.. يامحلاه.. حبيبتي يابنتي كانت بيضالك في القفص.
احتقن وجه سناء وكادت أن ترد لها الصاع صاعين، إلا أن ياسمين وقفت حائل بينهم:
- خلاص ياماما كفاية بقى. وانتي يا طنط صباح بلاش الكلام ده هنا.. جوزها يقول علينا إيه.
تجهم وجه صباح فأشاحت عيناها بعيداً متأففة، ولكنها كانت تشعر بالزهو من رؤية حنق سناء.
وقفت ياقوت وظهرها ملتصق لباب الغرفة تنظر إليه وهو يزيل ربطة عنقه بإرهاق ورمقها بابتسامة لعوب:
- ماماك جابتك ورايا عشان تساعديني مش تقفي تتفرجي علي.
تخضبت وجنتا ياقوت حرجاً فأشار إليها أن تقترب منه، فألتفت حولها فضحك على هروبها وصمتها:
- ياقوت مش هتساعديني وأنا بغير هدومي.
اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل تنظر إليه:
- ها... آه حاضر.
واقتربت منه ببطء ليبتسم هو على ما يفعله بها، فقد أصبح يشعر بالمتعة وهو يرى ارتباكها وتوترها:
- طب يلا ساعديني عشان نخرج لأهلك، ليفهمونا غلط.
اتسعت حدقتاها وهي تفهم مغزى كلامه، وفي ثواني كانت تتحرك يداها بخفة على أزرار قميصه تفتحه له، وعندما انتهت من الأمر ابتعدت عنه بحرج ليقبض على يداها بنظرات ماكرة:
- كملي يا ياقوت، ولا أنده حماتي أقولها بنتك مش بتسمع الكلام.
تعرقت يداها من فرط توترها وابتلعت لعابها هاتفة:
- ما أنا هروح أجيب لك اللبس اللي هتلبسه.
ضحك مستمتعاً بتعلثمها ودنى منها يزفر أنفاسه على أحد خديها، أغمضت عيناها بقوة مع سرعة خفقان قلبها، فتحركت شفتاه صوب هدفها وقبل أن تنال ما يريد صاحبها، صدح صوت تكسير أحد الأشياء بالخارج، لتبتعد عنه فزعاً وفرت من أمامه لترى ما حدث.
تنهد وهو يتبعها بعينيه زافراً أنفاسه مستاءً:
- كان وقته...
وقفت على مقربة منه تنتظر أن ينهي طعامه، جسدها كان يئن من الألم بسبب نومها على أرضية المطبخ.
تنفست براحة عندما أنهى طعامه دون كلمة جرحه على مذاق الطعام، فمنذ أن سقطت أمامه مغشية عليها وأصبح يرحمها قليلاً من قسوته:
- اعملي لي قهوة وهاتيها مكتبي.
تمتم عبارته بغلظة وأكمل خطواته نحو مكتبه، تابعته بعينيها متمتمة:
- حاضر.
وأسريت بجمع الطعام حتى تصنع له قهوته وتجلس تتناول طعامها وتأخذ قسطاً من الراحة التي أصبحت لا تحصل عليها إلا في أحلامها.
أعدت له القهوة تدعو بداخلها أن تتقن صنعها ولا تجعلها تعيدها.
سارت بصينية القهوة وطرقت الباب بخفة ودلفت دون سماع رده. كان يمدد ساقه بوجع بسبب ضغطه عليها كثيراً في الحركة وعدم تمسيدها من حين لآخر:
- أنا أذنت لك تدخلي.
واردف وهو يعتدل في جلوسه:
- حطي القهوة واخرجي.
أسريت في وضع القهوة أمامه وخرجت تلتقط أنفاسها.
انهمكت ياقوت في ترتيب المنزل وتنظيفه بعد أن رحل أهلها، جلست على الفراش براحة غير مصدقة أنها أخيراً ستجد الراحة.
وفي دقائق معدودة كانت غافية ولم تشعر إلا بحركة يده على ظهرها ويكتم ضحكاته بصعوبة:
- ياقوت فوقي... محدش كسر الفازة ولا الطبق.
كانت تعيد مشاهد اليوم مع أشقائها في أحلامها.
انتفضت من نومها بفزع تنظر حولها:
- في إيه.. في حاجة حصلت.
تجلجلت ضحكاته وهو يرمقها:
- أنتي مش معقولة.. أخواتك مشيوا يا ياقوت.. أنتي بتعيدي كل حاجة حصلت معاهم وانتي نايمة.
وأكمل بمكر:
- أنتي بتحبي مرات أبوكي أوي كده.
اتسعت عيناها ذهولاً من أثر ذكره لزوجة أبيها:
- بحبها.. هو أنا قولت إيه بالظبط.
تلاعب بها بنظراته العابثة:
- كنتي عايزة تجيبيها من شعره.
لتشهق مصدومة مما قالته لتصدح ضحكاته بعلو وهو يراها تشير نحو حالها:
- أنا قولت كده.
أومأ برأسه مجيباً فهو بالفعل استيقظ على همهماتها وهي غافية.
تأملها وهي تفرك عيناها من النعاس وفي ثواني كان يأسرها بين ذراعيه يعيش معها أحلامه الضائعة.
استيقظ فرات بصداع يدق رأسه ألماً، هبط الدرج يبحث عن مسكن.
دلف المطبخ لا يرى أمامه من شدة الصداع وقد ترك عصاه، بحث في أرجاء المطبخ عن مسكن ليتناوله، بعثرته في أرجاء المطبخ جعلتها تستيقظ من نومتها فزعاً.
عدلت وضعيتها بخجل وألتقطت حجابها الذي تضعه جانبها فوضعته على رأسها وهي تنهض من رقدتها المؤلمة فوق الأرضية:
- بتدور على حاجة يا فرات بيه.
لم ينتبه عليها فرات إلا الآن ناسياً أن المطبخ مكان نومها:
- اعملي لي قهوة وهاتي لي أي مسكن.
شعرت بأنه يتألم رغم ما يفعله بها إلا أنها أشفق عليه، فهو طوال وقته يعمل وكأنه آلة وليس بشراً:
- حاضر.
وأسريت في إعداد القهوة والمسكن، كان يتعقبها بعينيه وهو جالس على أحد المقاعد في المطبخ. ظهر شعرها من أسفل حجابها، وجهها كان محمرًا من أثر النوم وعباءتها المنزلية ترسم منحنياتها. عندما شعر أن شيطانه يأخذه إلى طريقه أشاح عينيه مستغفراً ثم نهض أمراً لها بجمود:
- هاتي لي القهوة غرفة المكتب.
وصلت سماح لندن برفقة سهيل وطوال طريق رحلتهم كان الصمت يجلسهم.
وبعد وقت وصلت لمنزل كبير بحديقة خلابة، نظرت من السيارة نحو المنزل متسائلة:
- أنت عايش هنا.
اعتدل سهيل في جلسته زافراً أنفاسه:
- أيوه.
عادت تحدق بالمنزل ولوت شفتيها ممتعضة:
- هي الكورة طلعت بتكسب أوي كده.
التقط سهيل خروج شقيقه وجين تدفع مقعده المتحرك.
دنى منها يُقبل جانب شفتيها حتى يتظاهر أمامهم أنه يُقبل شفتيها ويثبت لهم حقيقة زواجهم. اتسعت حدقتا سماح وكادت أن تدفعه عنها وتسبه:
- إنهم ينظرون إلينا.
قطبت سماح حاجبيها بضيق بعد أن فهمت، حانقة من فعلته الوقحة:
- مش خلاص عرض المحبين خلص.
هبطوا من السيارة لتحدق سماح بشقيقها والفتاة التي تقف خلفه، أشفت على شقيقها وهي ترى نظرات تلك الواقفة ولم تكن نظراتها إلا موجهة إليها ترمقها بكره وحقد:
- أهلاً بكي ضمن عائلتنا... أدعي نور الدين وهذه جين حبيبتي.
رحب بها نور الدين بود ولطف فشكت أن الاثنان أخوة.
ابتسمت إليه وبادلته لطفه:
- لي الشرف سيدي.
تمتم نورالدين وهو يطالع شقيقه الواقف جانبها وقد تحركت يداه على خصر سماح:
- أصبحتِ من العائلة سماح... أنا نورالدين فقط.
لم تبدِ جين أي ترحيب بها وإنما ظلت ترمقها بنظرات حاقدة، وقد كان سهيل يتلذذ في رؤيتها هكذا وينتظر رحيلها من المنزل الذي تقيم فيه معهم لأنها ممرضة شقيقه وتعتني به:
- كنت أظن أنك ستتزوج بفتاة شقراء يا سهيل، ليست كما توقعت.
أخيراً تخلصت جين من صمتها وكانت تظن أن سماح سهلت المنال، فأحتقن وجهها هاتفة:
- القلب كما يهوى عزيزتي.. وسهيل يذوب بي عشقاً.. مدام اختارني قلبه فأنا لست أي امرأة.
تجمدت ملامح جين وهي لا تصدق أن سهيل الذي يمقت النساء وليسوا في قاموس حياته أحب وتزوج، فكم مرة عرضت عليه نفسها بإذلال ولا تلقى منه إلا النفور والطرد.
فابتسم بزهو على ردها الذي أعجبه وانتهى أخيراً اللقاء الذي حققت فيه جين على سهيل وأقسمت أنها ستذيقه مرارة فعله وجرحه.
دارت عين سماح بالغرفة الواسعة:
- أعجبتك الغرفة.
طالعته بحنق مشيرة نحو كلاهما:
- أنا وأنت سنقعد فيها مع بعض.
اقترب منها وسلط عيناه نحو إصبعها:
- بالطبع.. وفي نفس الفراش أيضاً.
اتسعت عيناها غضباً وقبل أن تبدي ردة فعل صدمتها وقاحته:
- لا تقلقي أنا أمقت النساء وحين أتخلى عن كرهي لهم فلن أقع في غرامك أنتِ.
لم تتحمل سماح إهانته، فمثلما يبغض النساء هي تبغض أمثاله.
وكادت أن تلذعه بوقاحتها مثلما تواشح معها، ولكنها أدركت أن البرود مع أمثاله هو الأفضل:
- القلوب عند بعضها.
ومع صوت جين تهتف بهم أنهم ينتظرونهم على الطعام:
- اضحكي واصنعي أي دور، أم أنكِ لا تفهمين في أمور النساء أيتها الشويش.
رغم حنقها منه كانت تمثل الدور ليس من أجله إنما رداً لأنوثته.
تتسترقي جين السمع لأصواتهم:
- سهيل بس عيب بقى.. ابعد خليني أنزل.
والمشهد لم يكن إلا هي تدفعه على صدره وتارة تعض ذراعه وهو يحاول أن يمسك يداها أو رأسها.
نظر مراد نحو الفطور المعد على المائدة ليلتقط الورقة الموضوعة أسفل كأس العصير:
"كان لازم أروح شغلي بدري النهارده".
وأنهت جملتها برسم وجه على شكل ابتسامة.
ابتسم رغماً عنه وجلس يتناول فطوره. كل يوم أصبح يكتشف فيها أشياء عدة. هناء الفتاة القوية التي تمالكت جرحها ولم تتبع أساليب النساء في الخصام، إنما اتبعت تربيتها، تحضر طعامه وغدائه وما يريده منها. رأته كيف تكون ابنة الأصول التي لا تثور وتفضح أمرها. أكملت حياتها معه إلى أن يأتي وقت الرحيل ولم تنسى بناء كيانها والذي لم يكن إلا ترميماً لجراحها.
وفي مكان عملها كانت تقف في مطبخ الفندق تتناول كأس الشاي وقطعة من الكعك وتتحدث ببشاشة مع العاملين داخل المطبخ:
- عليك كيكة يا عم علي تهبل.. عايزة الطريقة بقى.
وأردفت مبتسمة:
- أوعي تقولي دي سر المهنة.
ضحك على الطاهي الخاص بالفندق:
- عنينا ليكي يا أستاذة.
ووسط شرح على طريقة إعداد الكعكة، دلف خالد للمطبخ ليسرع الجميع في إتمام عمله باهتمام ليتمتم على باحترام:
- أهلاً خالد بيه.
وقفت رشفة من الشاي في حلقها لتسعل من ارتباكها ونظرت إلى قطعة الكعك الصغيرة المتبقية فألتقطتها لتلتهمها:
- اشربي بؤه ميه يا أستاذة.
كان خالد يرمق تصرفاتها بصمت إلى أن قرر أن يتخلى عن صمته وهتف بجمود عكس ما بداخله:
- أستاذة هناء.
دارت هناء جسدها نحوه ببطء تبحث عن إجابة لوجودها بالمطبخ:
- مش على مكتبك ليه يا أستاذة.
طالعت هناء الواقف جانبها ثم العاملين لتنظر إلى خالد الذي ينتظر إجابتها:
- أصل كنت... بصراحة يا فندم الشيف علي بيعمل كيكة خرافة وأنا أدمنتها... فقولت آخد فطاري هنا.
ضحك "علي" على عباراتها وصراحتها وقد ظن أن حديثها لن يعجب مديرهم واتسعت عيناه وهو يجد مديره يبتسم مشيراً لها بعد أن أخفى ابتسامته:
- اتفضلي يا أستاذة.
طالع شهاب سكرتيرته الجديدة التي أوصت عليها زوجته بشدة:
- اتفضلي يا آنسة سمر.
حدقت به سمر بافتتان من وسامته وجسده. أفكارها كانت تنحصر دوماً بالرجال في الوسامة والجسد، تذكرت حديث إحدى صديقاتها فمن أجل أن تعاقب خطيبها السابق وترد كرامتها عليها أن تجذب أحد الرجال وها هي وجدت الرجل المطلوب.
نست ندي التي وظفتها لدى زوجها ونست لما أتت لتنتبه على صوت شهاب:
- آنسة سمر أنتِ معايا.. ممكن أوراقك.
نفضت أفكارها وأعطته أوراقها بابتسامة متسعة:
- اتفضل يا فندم.
تنهد شهاب وهو يطالع أوراقها متمتماً بداخلها حانقاً من زوجته:
"أقول فيكي إيه يا ندي.. جايبالي واحدة ضايعة".
تنهدت ياقوت بملل وهي تنظر إلى الطعام منتظرة قدومه، تعلقت عيناها بالوقت فقد مضى وقت انتهاء عمله. نظرت للطعام الذي أعدته. رمقت هاتفها تخجل من مهاتفاته ولكنها لم تجد شيئاً غيره. ألتقطت هاتفها كي تدق عليه فسمعت صوت الباب يفتح ليدلف للشقة فنهضت نحوه قلقة:
- اتأخرت أوي.. أنت كويس.
طالعها حمزة وهو لا يعرف بماذا يجيبها فقد أصبح منقسماً بين واجبه مع أسرته الأخرى وواجبه عليها.
كل يوم يكتشف أنه دخل حياة لن يصبح عادلاً فيها، فلن يحطم عائلة بناها من أجل شغف قلبه، كانت نيته وهو عائد من عمله أن يذهب حيث يرغب قلبه ولكنه عدل عن الأمر وذهب للفيلا كي ينعم بعشائه وسط عائلته وصغيرته.
انتبه على سؤالها:
- أنت كويس.. أكيد جعان.
رمق مائدة الطعام المُعدة ونظر لها فأشفق على ما صنعته من أجله، وأقترب منها يمسح على خدها برفق:
- هغير هدومي تكوني سخنتي الأكل وناكل سوا.
ابتسمت وهي تطالعه خجلاً وذهبت لتسخن الطعام الذي سخنته من قبل.
عاد بعد أن بدل ثيابه وجلس أمام المائدة، صنعت له كل الطعام الذي يفضله:
- أنا سألت نادية على الأكل اللي بتحبه.
قالتها بحماس.
ليطالع حماسها مبتسماً.
وأخذت تضع له من الأصناف التي أعدتها في طبقه وهو لا يستطيع تناول شيء.
شرع في تناول الطعام ببطء وبدأت هي بالأكل وبعد لقمتين أكلتهم:
- تسلم إيدك الأكل طعمه يجنن.
نظرت إلى الطبق الذي لم يمس منه إلا القليل ولم يكن إلا صنفاً واحداً قد تناوله:
- بس أنت مأكلتش حاجة.
ابتسم بلطف وتناول ملعقتها منها:
- عايز آكلك بنفسي.
تعجبت من أمره وبالفعل بدأت تطعامه مع دعاباته، أنساها أمر أنه لم يأكل شيئاً وأراح ضميره أنه هنأ بعشاء هادئ وجميل.
أنساها لماذا تأخر عنها ولما لم يأكل طعامه وكانت هي كالعطش الذي يرتوي من الحب والحنان حتى لو كان عدد من الساعات التي تنتهي بهم كما يرغب هو بين ذراعيه.
رمق سالم مها بنظرات متفحصة يعض على شفتيه يتأمل كيف أصبحت سيدة من سيدات المجتمع، فالرفاهية ظهرت على جسدها وملابسها ووجهها فأزدادت جمالاً.
كانت ماجدة بالمطبخ تجهز الطعام من أجل شقيقتها أما مها جلست تتحاشى الحديث معه تتلاعب بأصابعها:
- إيه يامها أنتِ مخاصمة جوز أختك ولا مبقيناش نشرفك.
صمتت دون رغبة في سماع حديثه.
ما زالت ذكرى لمساته القذرة وهي نائمة وكانت تظنها أحلاماً تقتحم مخيلتها، وصوته حين وضعها شقيقتها فوق سطح المنزل صداه داخلها. أخبرها أنه سيجعل ماجدة تعيدها للشقة والمقابل أن تصمت على أي شيء، ولم يكن الشيء إلا انتهاك حرمة جسدها.
- احلويتي يابت يامها.
هتف بها سالم بصفاقة، فضاقت أنفاسها من سماع صوته فمجيئها اليوم لم يكن إلا بسبب شكوك شريف في رفضها للذهاب لشقيقتها التي تظن أنه يحرمها من عائلتها، ولكن الحقيقة هي من لا ترغب بالذهاب فلا هي تستطيع الحديث وهدم حياة شقيقتها ولا هي تعرف كيف تأخذ حقها.
- وعلى كده شريف باشا شايف شغله وقايم بالواجب.
لم تفهم مقصده في البداية ولكن بعدما أكمل باقي عباراته البذيئة مشيراً نحو علاقتهما:
- ماجدة أنتِ فين... تعالي أنا مش عايزة آكل.
ونهضت نحو المطبخ هاربة تتعثر في خطواتها ولكنها لم تعد تحتمل حديثه داعية أن الوقت يمر ويأتي شريف ويأخذها.
ضحك سالم على هروبها متلذذاً:
- ياخسارة بقى حتة الفرسة دي تضيع مني وأتدبس في أختها.
نظرت مريم لهديل صديقتها بسعادة:
- أخيراً خلصنا امتحانات وبقي فاضل لينا سنة وندخل الجامعة.
كانت هديل تحدق بالمكان الذي اصطحبتها إليه مريم بانبهار متسائلة:
- مريم ما تيجي نقوم من هنا.. المكان شكله غالي.
طالعتها مريم ضاحكة تنظر حولها:
- متقلقيش يابنتي.. أنا مش عارفة اتأخرت ليه ديه كمان.
تنهدت هديل بيأس من صديقتها وأفكارها:
- بلاش تمشي ورا رؤى يامريم... وكمان حرام عليكم اللي هتعمليه في مرات باباكي ديه شكلها طيب.
احتلت نظرات مريم ولانت ملامحها وهي تشير بيدها نحو رؤى القادمة نحوهم.
جلست بينهم ولم تعد مريم لصداقتها مع رؤى إلا عندما شعرت بحاجتها لمكرها، أما الأخرى مدام ترى الجميع يعاني في حياته وليس لديه عائلة تهتم لأمره فهم أحبائها:
- فينها يامريم أنا متحمسة أوي.
ضحكت مريم باستمتاع لتلتقط عيناها ياقوت القادمة وقد أتت إليها بسعادة حتى يقتربوا من بعضهم.
واقتربت من طاولتهم بابتسامة صادقة ولم تنتبه لغمزات مريم مع صديقاتها.
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سهام صادق
نزوت على نفسها ترثي حالها بعدما نهض عنها.
وقف مصعوقاً مما فعله. لا يُصدق أنه نالها هكذا.
قبض على كفيه بقوة، يرمقها بنظرات جامدة يسمع أنينها.
"سماح..."
ازداد نحيبها وهي تسمع صوته الذي كرهته. لم يأبه لصراخها ولا توسلاتها وهي تترجاه أن يتركها.
نفخ أنفاسه بضيق عما صار بينهم.
"لم أقصد فعل ذلك... سأدفع ثمن تلك الليلة إن أردتي."
أدمت كلماته قلبها الذي لم تشف جراحه. أعاد إليها سنوات من عمرها جاهدت على نسيانها. تمقت لمسات الرجال. أقسمت أن لا يمسها رجلاً ثانية.
ضحكة ساخرة صدحت داخلها. فمن منا لم يقسم على شيء أن لن يفعله ولن يقبل به إلا وجاء يوماً مصعوقاً من حاله.
ارتجفت شفتيها قهراً تبحث عن شيء تقذفه به. يظنها سلعة.
تعلقت عيناها الدامعة به وهي تجده ينتظر أن يسمع منها الثمن الذي تريده.
"كم تريدين يا سماح؟"
عند تلك النقطة لم تعد تحتمل بذائته. كادت أن تصرخ به.
ليصدح صراخ الخادمة باسمه تستنجد به.
"سيدي ساعدنا..."
هرول من الغرفة عندما التقطت أذنيه أن الأمر يخص شقيقه.
...
انتقلت أنظار سهيل بين شقيقه وجين التي تمسك كفيه تقبلهما.
"أنا آسفة حبيبي... ما حدث لك بسببي."
قالتها جين بأعين دامعة، ولكن داخلها كانت ترقص فرحاً فقد حققت ما أرادت.
شردت في الحقيقة التي سمعتها، وعن المال الذي دفعه سهيل لتلك المخادعة التي تزوجها حتى ترحل هي عنهم.
أصابت هدفها عندما ذهبت إلى نور الدين تحمل حقيبة ملابسها تُخبره أنها ستغادر المنزل فشقيقه يرفضها ولن تقبل أن تسبب لهما نزاعاً من أجلها.
خرجت من غرفته بعدما أجادت رسم خطتها، وكما توقعت لم يتحمل نور الدين رحيلها. هرول خلفها بمقعده المتحرك وعند الدرج جاهد أن يقف على أقدامه ليسقط بعدها من أعلى الدرج هاتفاً باسمها أن لا ترحل.
حب نور الدين لها أصبح ورقة رابحة. ومدام علمت بحقيقة زواج سهيل لن تضيع حلمها فيه حتى لو تزوجت بشقيقه العاجز.
وأكملت دور الممرضة والحبيبة المخلصة التي لا مثيل لها.
ابتسم نور الدين وهو يطالع سماح الواقفة على أعتاب الغرفة تطرق عيناها نحو يداها المتشابكة.
"سلامتك."
تصلب جسد سهيل وهو يسمع بحة صوتها المنكسر. أغمض عينيه نادماً على فعلته.
"اقتربي يا زوجة أخي."
اقتربت منه سماح وهي تختنق من وجود من أخذ حقه منها بمقابل ماله اللعين. ولكن كرهها لسهيل لا تضعه في كفه نور الدين الرجل الذي لا يطالعها إلا بحنان وابتسامة دافئة.
"إنها وقعه فقط وأنا بخير..."
ثم رمق جين بمحبة. ألتقطتها سماح بأشفاق عليه.
"يبدو أنني غالي عليكم..."
وقد كانت جين بارعة في جعله يهواها أكثر. فتعلقت عين سهيل بسماح التي لم تتحمل النظر إليه، فوجوده يذكرها بلمساتها التي تحرق جسدها.
...
المفاجأة التي كانت إليها أن المركز التعليمي الذي ستعمل به كان قريباً من شركة الحراسات الخاصة به.
كان يوماً جميلاً وهي تجلس بين الأطفال تُعلمهم خطوات الرسم.
انقضى اليوم الأول لها وخرجت من المركز سعيدة.
وصلت للمنزل وأسرعت في تبديل ثيابها كي تدلف للمطبخ وتصنع له الطعام الذي يفضله.
أردت أن تصنع له عشاءً مميزاً له امتنانًا على موافقته واحترامه لحلمها.
وقفت في المطبخ تطهو الطعام بخفة، فأنتبهت على اهتزاز هاتفها. لتقع عيناها على اسمه فأبتسمت بسعادة لتذكره اليوم الأول لعملها.
كان يخرج من الشركة متجهاً لسيارته ينتظر ردها.
"مش قولتلك كلميني لما تخلصي شغلك."
لطمت جبهتها بخفة متذكرة ما أخبرها به.
"غصب عني نسيت... أصل كنت فرحانة باليوم الأول ليا في المركز."
وقبل أن يعاتبها اردفت بصوت معتذراً.
"مزعلتش صح؟"
ابتسم على براءتها متنهداً. سمع صوت أحدهم يفتح له باب السيارة ويشكره.
دق قلبها بسعادة، فموعد وصوله قد اقترب وستبدأ في اتباع نصائح نادية التي أخبرتها عن حكايتها هي وفؤاد وكيف وصلت لقلبه حتى بات لا يتحمل البعد عنها.
فاحت رائحة الطعام لتتسع عيناها صارخة.
"الأكل هيتحرق... اقفل عشان ألحقه."
ولم تنتظر رده فأغلقت الهاتف ليضحك على فعلتها متجهاً إليها حتى يرى ما احرقته.
...
نظرت ليدها التي ألأستها حرارة الفرن وقد ضمدتها. لتحط عيناها نحو الطعام المُعد وهبطت بعينيها نحو ثوبها الذي يصل لركبتيها.
ثلاثة ساعات مرت على وقت مكالمته ولم يأتي.
قررت أن تتصل به كي تطمئن عليه وتعرف موعد وصوله.
انفتح الخط لتجيب عليها الصغيره وتنظر إلى ذراعها الذي قد كسر. ولحظها أن سترته كانت فوق فراشها والهاتف داخلها.
"حمزه هترجع امتى؟ أنا حضرت الأكل من بدري ومستنياك."
تكفت عبارتها وهي تظن هو.
"أنا مريم... بابا مش فاضي يرد عليكي وهيتعشا معانا وهيبات هنا... يا ريت مستتنهوش."
وانقطع الخط وبعدها أغلقت الهاتف تماماً.
كانت ندي تقف على أعتاب حجرتها تضيق عيناها من فعله الصغيرة.
"ولما تقوله على كلامك ده هيكون منظرك إيه قدامه؟ اتقبلي فكرة أن هي بقيت مراته يا مريم."
تأوهت من ألم ذراعها لتقترب منها ندي قلقاً.
"أخدتي المسكن اللي الدكتور كتبهولك؟"
استطاعت الصغيرة أن تجعل ندي تنسى فعلتها. وبالفعل ندي نست واجتمعوا جميعهم في غرفتها يمازحوها وهي كانت سعيدة أن الكل مهتم بها وحدها.
وفي ظل ضحكاتهم ومزاحهم مع صغيرته نهض من فوق فراشها يلتقط سترته. لتتعلق عين مريم به.
"هو انت مش هتبات هنا يابا؟"
رمق شريف شقيقته حتى تصمت. فهو احترم مشاعرهم ولم يجلب زوجته للعيش معهم. فماذا سيريدوا أكثر من ذلك.
"حبيبتي بكرة هكون عندك... لازم أمشي، ياقوت لوحدها في البيت."
تجمدت ملامح مريم وهي تسمع اسم غريمتها التي سرقت حقه فيه كما يصور لها عقلها وتبثه داخلها رؤى صديقته.
رحل بعد وعد أنه سيأتي إليها صباحاً قبل الذهاب لعمله.
احتضان شريف لها ومزاح شهاب معها جعلوها تندمج معهم ثانية بعد أن كانت تحترق من نيران الغيرة وهي تتذكر تلك الليلة التي قضتها لديهم. فمشهد ضمه لها وتعلقها به ثم عودتهم لغرفتهم وفهمها للأمور جعلها تحقد على ياقوت أكثر.
...
سقطت عيناه عليها وهي نائمة فوق الأريكة تضم جسدها بذراعيها. تعلقت عيناه بيدها المضمومة. وقبل أن يقترب منها وقعت عيناه على الطعام الذي تركته كما هو دون أن تمسه.
تنهد بضيق مما أصبح فيه. لا هو ينعم بها ولا عاد ينعم بالراحة.
جثى على ركبتيه جانبها يمسح على خصلاتها. ثم انتقل بكفه نحو وجهها هامساً باسمها.
"ياقوت."
أعاد هتافه ثانية إلى أن تلملمت فوق الأريكة تفتح عيناها الحزينة تُطالعه بألم.
"إيه اللي نيمك هنا ومأكلتيش ليه؟"
تأملته بحسرة ولوم ليزفر أنفاسه بضيق من صمتها.
"ياقوت ردي عليا... مش هفضل أسأل وانتي بصالي كده."
تمالكت ذرف دموعها بصعوبة. ولكن قلبها رفض صمتها وأبى أن يظل هكذا. لا ينال إلا القليل وعليه أن يعطي هو.
خرج صوتها بثقل.
"هقول إيه... أبسط حق ليا مش من حقي. لا من حقي وجودك جانبي ولا من حقي أستنى اهتمام منك. أرضى بس اللي بتدهولي وبوجودك معايا في ساعات الليل."
وأردفت بألم.
"أنا زوجة في رتبة عاشقة مش أكتر."
تجمدت ملامحه من سماع قولها. فالمعنى قد وصل إليه. لكنه لا يعدها كما يصور لها عقلها. هو يحبها ولكن حب يحسب خطواته بعقله والقلب كالراغب والخائف. يريد أن يحيا ولكنه يخشى الضعف.
انسابت دموعها وعيناها قد تعلقت بعينيه.
"هو أنا ليه دايماً على الهامش في حياتكم؟ مرات أبويا بتحب عيالها أوي وماما بتحب جوزها وبتخاف على زعله وبابا بيحاول يظهر حبه ليا بس مش عارف خايف من غيرة مراته. عمتي الوحيدة اللي كانت صادقة في حبها وأنا كنت بدفع تمن الحب ده."
سقطت كلماتها على قلبه بمرارتها فشعر بعلقمها في حلقه.
انهيارها ذبذب قلبه. لم يشعر إلا وهو يضمها إليه.
"لدرجة دي موجوعة مني يا ياقوت؟"
ضاقت أنفاسها تدفن وجهها في عنقه.
"أنا موجوعة من كل الناس... موجوعة حتى من نفسي."
تركها تخرج كل ما بداخلها. يشعر بظلمها. لا رحلة زواج منحها لها رغم مقدرته المادية ولا يجلس معها في ساعة صفا بينهم يُلاطفها.
صوت تنهيداتها اخترق أذنيه. ليبعدها عنه ناظراً إلى يدها.
"مالها إيدك؟"
ضحكته أجابتها ونظرتها المستاءة.
"أتلسعت من صنية البطاطس المحروقة."
تناول كفها المضمود يُقبل باطنه فأرتجف قلبها.
"وزعلانة على إيدك ولا على صنية البطاطس؟"
جاءته إجابتها الأخرى لتنفرج شفتيه في ضحكة صاخبة.
"طبعاً على صنية البطاطس."
عاد لضمها يُخبرها عن سبب تأخيره.
"مريم ذراعها اتكسر وده سبب تأخيري... المفروض كنت أتصل بيكي أبلغك. لكن غصب عني نسيت."
لم تعاتبه ثانية عندما تفهمت الأمر. ولكن أقسمت داخلها أن تتعلم اللعب بذكاء مع الصغيرة بعد تلك المكالمة.
سألته بصدق عن حالها.
"بقت كويسة دلوقتي... بكرة هروح أزورها أطمن عليها."
ابتسم على طيبتها. فبعد ثورتها عليه مضى الأمر بكلمتان أرضى بهما قلبها.
عيناه جالت على ملامحها الهادئة وخصلاتها التي تسقط على عنقها ب التواء. لم يشعر إلا وهو يحط شفتيه على عنقها يسألها عن يومها.
...
اتسعت عين فرات وهو يسمع طلب مكرم منه. لا يصدق أن تلك الملعونة أغوت مكرم ابن أحد أصدقاء عائلته.
"انت بتقول إيه يا مكرم؟ عايز تتجوز مين؟"
تصنع مكرم الدور الذي أتى من أجله.
"عايز أتجوز صفا."
قطب فرات حاجبيه. أبعدها عن حياة شقيقته لتضع شباكها على مكرم الشاب الذي يعده كشقيق أصغر ويأتمنه على ماله هنا.
"صفا الخدامة؟ عايز تتجوز خدامة؟"
قالها فرات بجمود. لتتعلق عين مكرم بنقطة بعيدة.
"أنا عارف صفا كويس يا فرات بيه... صفا كانت صديقة الطفولة وسجنها كان ظلم. كلنا عارفين مين هو عدنان الأنصاري."
صدم فرات مما يسمعه عن معرفته بها.
"انت طلعت تعرفها يا مكرم... ومقولتش ليه من أول مرة شوفتها هنا؟"
ارتبك مكرم من سؤال فرات. فخطته ستُكشف وفرات ليس إلا رجلاً عسكرياً قبل أن يكون رجل أعمال يدير السوق ببراعة.
"محبتش أسبب ليها مشكلة."
رمقه فرات دون اقتناع. فشكوكه تخبره أن هناك لغزاً في عرض مكرم.
"والدك هيوافق على الارتباط ده؟ انت ناسي وضعه ودخوله مجلس الشعب."
وأردف بتلاعب متفحصاً ملامح مكرم المتوترة.
"وخطوبتك من بنت شريكه يا مكرم؟"
حاصره فرات بما لم يحسب له حساب. انتقامه منها كان يقوده إلى فعل أي شيء. دارت الأفكار في عقله يبحث عما يقنع به فرات.
"فرات بيه صفا كانت حلم ومحتاج أحققه عشان أنهي مرضي بيها... لو اتجوزتها هنهي هوسي... أكيد انت فاهم."
يتلاعب فرات بالقلم بين أصابعه. الكل يراها حلماً وهوساً وهو لا يرى بها إلا امرأة لعوب. أومأ برأسه يظهر له اقتناعه.
"جواز متعة تقصد؟"
لمعت عين مكرم بعدما شعر أن خطته تسير كما يرغب وأومأ له برأسه. فلا بأس أن ينالها وينتقم منها.
...
زفر شهاب أنفاسه بأرهاق وارتخى في مقعده يغمض عينيه من ألم الصداع.
طرقت سمر بخفة على باب غرفته ودلفت تحمل بعض الأوراق التي تحتاج امضاءه.
أسدلت جفنيها وهي ترمقه تضع الأوراق أمامه تسأله باهتمام.
"حضرتك شكلك تعبان."
حرك ربطة عنقه وهو يعتدل في جلوسه. لتخرج من الغرفة تحت نظراته المتعجبة لهرولتها بعدما ألقت بسؤالها.
"مجنونة دي ولا إيه."
خمسة عشر دقيقة قد مرت ليجدها تدلف غرفته ثانية تحمل فنجان قهوة ومسكن للصداع.
"اتفضل."
رمق ما وضعته أمامه متعجباً لتمتم بعبارات هامسة.
"حضرتك بترهق نفسك أوي في الشغل."
ابتسم بلطف على فعلتها. فرغم شعوره بالقلق منها إلا أنه لا ينكر اجتهادها بعملها. مكتبه ترتبه بنفسها. قهوته تعدها له.
"شكراً يا سمر."
وعلى تلك الجملة كانت ندي تدلف غرفة مكتبه تسلط عيناها نحوهما مبتسمة.
"إزيك يا سمر."
تعلقت عين سمر بنهوض مديرها من فوق مقعده محتضناً زوجته بين ذراعيه يُخبرها أنه اشتاق إليها.
ذكرها المشهد بحبيبها الخائن الذي تركها قبل عرسهم وجعلها أضحوكة للجميع. وشيء داخلها هتف أنها تستحق رجلاً مثل مديرها.
...
تجمدت يد فرات على هاتفه وهو يستمع لوالد مكرم بعدما أخبره عن عرض مكرم بالزواج من خادمته.
صدمة عامر كانت كبرى وهو يسمع اسمها ثانية في حياة أولاده.
"ابعدها عنه يا فرات... مكرم ممكن يضيع بسببها... أعمل أي حاجة ووقف الجوازة دي... أنا مش عايز الماضي يرجع واللي راح راح خلاص ومنال ماتت مش هترجع تاني."
يتعجب فرات مما يسمعه متذكراً منال حبه الصامت. لم يخفق قلبه إلا لها. لن ينسى اليوم الذي عاد فيه من إجازته بخدمته بالجيش مقرراً طلب يداها وتُكمل دراستها وهي زوجته.
ترتجف قلبه من أثر ذكراها.
"إيه اللي دخل منال في الحكاية... مش منال ماتت في حادثة؟"
سقطت دموع عامر وهو يتذكر ابنته وسرها.
"عدنان الأنصاري هو السبب في موتها يا فرات... مكرم بيحلم باليوم اللي هينتقم فيه من صفا... صفا اللي كانت حلم طفولته ومحبش غيرها."
...
خرجت هناء من غرفتها ترتدي حذائها بأستعجال.
"لازم يعني أجي المناسبة دي معاك؟"
تأملها مراد بأعجاب برق في مقلتيه. لتقترب منه تستند على كتفه.
"أخيراً خلصتي."
عملها وخروجها من دائرة أحلامها جعلها تحيا بطاقة وأعادت لقلبها الثقة. أصبحت لا تشعر أنها ناقصة إنما هو من ستجعله يشعر كل يوم أنه ناقص حين رفض حبها.
"طالعة حلوة يا هناء."
رفعت عيناها نحوه ترفع كتفيها بزهو وهتفت بدراما.
"شكراً للمجامله دي سيدي."
يضحك على دعابتها وعيناه تلمع وهو ينظر إليها. شعرت بنظراته تفحصها.
"مش يلا بقى هتتأخر كده؟"
تنحنح حرجاً بعدما فاق من تحديقه بها.
ليمد كفه كي يلتقط يدها. انتظر أن تمد له يدها وشعر بالخيبة عندما رأى علامات ترددها. وسريعاً استرخخت ملامحه وطرب قلبه عندما تلامست كفوفهم.
...
ابتسمت ياقوت بسعادة وهي تضع بعض من الزينة على وجه مها التي أخبرتها أنها تعد مفاجأة اليوم لشريف وتريد أن تظهر في عينيه جميلة.
"كده خلصت مع أنك مش محتاجة حاجة... أنتي جميلة لوحدك يا مها."
ارتجف قلب مها بسعادة.
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا ياقوت... مكنتش عارفة أطلب ده من حد واتحرجت من ندي... الحمد لله إنك جيتي النهارده."
وعندما تذكرت حديث مريم مع ياقوت اليوم عند زيارتها. كانت ذاهبة للصغيرة كي تجلس معها.
"متزعليش من مريم يا ياقوت... بكرة تعرفك كويس وتحبك."
ارتسم الحزن على ملامح ياقوت ومازال تهكم الصغيرة بها حينما عرفتها على معلمتها يمر أمام عينيها. فعلتها ولم تكن غير ريما التي طالعتها بتفحص غير مصدقة أنها هي من اختارها "حمزة الزهدي" وتزوجها.
"ياقوت رحتي فين؟"
انتبهت ياقوت على صوتها ومسحت على شعرها الناعم.
"معاكي يا مها... أنتي محتاجة مني حاجة تانية قبل ما أنزل."
طرقت على باب الغرفة قطع حوارهم لتدلف الخادمة.
"حمزه بيه مستني حضرتك تحت."
...
تعلقت عين هناء بأتساع وهي ترى مديرها واقترابه من إحداهن. ابتلعت ريقها بتوتر خشية أن يراها في حفل كهذا. وأدارت جسدها عندما وجدته يلتف حوله.
بحث عن مراد الذي وقف على بضعة خطوات منها يُحادث أحد الرجال مع شريكته الجديدة التي تقف جانبه وتلتهمه بنظراتها.
اقتربت منهما تمسك يده أمام نظرات نغم التي تجهم وجهها حين عرفت أنه متزوجاً.
"مراد أنا تعبانة وعايزة أروح."
أبعدها بها قلقاً يُلامس وجهها بكفيه.
"مالك ياهناء... انتي كنتي كويسة؟"
توترت من لمساته ثم مالت قليلاً حينما سمعت صوت نغم يهتف باسم خالد الذي كان يقترب من مكان وقوفهم.
بحثت عن مهرب بعينيها. فلو رآها هنا ولو علم مراد بمكان عملها. فقد كذبت عليه وأخبرته أنها تعمل في إحدى الشركات الكبرى.
"هناء فيكي إيه؟ حاسة بأيه طيب راسك مش سخنة؟"
كان يهتف بعباراته وهي لا تسمعه من فرط توترها. ليقف جامداً عندما ألقت نفسها بين ذراعيه تدفن رأسها بصدره.
وخالد يمر جانبها ذاهباً إلى نغم التي عرفته بالرجل الذي يقف معها.
"خالد ابن عمي وجوز أختي جنات."
...
اتسعت حدقتيها ذهولاً وهي تقف أمامه.
"بجد هسافر معاك؟"
رغم أنه لم يفكر بأخذها إلا اليوم وكان متردداً في أخذها فالرحلة رحلة عمل لا أكثر. ابتسم على سعادتها.
"بجد يا ياقوت آخر الأسبوع مسافرين... بس دي سفرية شغل."
تلت أساريرها تتقافز أمامه. وقد بدأت قيود خجلها منه تذوب.
"مش مهم... المهم إننا هنسافر... هنروح فين شرم ولا الغردقة؟"
ضحك على تقافزها وسؤالها.
"مسافرين هولندا."
وكانت عيناها هي من تعبر عنها. لتصدح ضحكاته.
"في إيه مالك... شكلك بيقول مش عايزة تيجي معايا."
داعبها بكلماته ثم اتجه نحو الفراش ليقف على صرختها.
"طب والمركز... هند تقول عليا إيه... مركز إيه؟ لا الفرصة مش بتتعوض صح."
كانت تُحادث نفسها لتشهق حين وجدت وجده منحني عليها يفحصها بنظراته.
"انتي فيكي إيه النهارده؟"
"مش عارفة... أظاهر إني تقلّت في العشا."
ضحك من قلبه على عبارتها.
"ياريت تتقلّي في العشا كل يوم... وتاكلي من نفس الأصناف."
تمتم عبارته وهو يلتهمها بنظراته. فسعادتها لا تلمع فوق وجنتيها وحسب إنما تشع من عينيها التي ترمقه بنظرة يشعر وكأنها تذيب عتمته.
"أتقل في العشا ليه؟ كده هتخنق."
قالت كلماتها ببرأة ودلال. ليدنو منها نافخاً أنفاسه على صفحات وجهها.
"مش مهم... عايزك مجنونة يا ياقوت. حياة العاقلين تعبتني."
وقد صدقت نادية في كلامها معها. شقيقها قد ملّ من حياة العقلاء. حياة تُحسب بالورقة والقلم.
...
كانت تتشبث بغطائها تُصارع كابوسها. تعتذر من صديقتها ووالدها يقف ضاحكاً يسحب منال خلفه وهي تركض خلفهم كي تُنجدها منه.
انتفضت فزعاً على أثر صرخات وعصا تلطمها في معدتها.
"أنا تسرقيني؟ هستنى إيه من خريجة سجون؟"
ترتجف قلب صفا وهي تفتح عيناها وتلتقط أنفاسها. فأي سرقة يتحدث عنها؟ لم تُذنب ولم تسرق شيئاً.
"أنا مسرقتش حاجة."
رواية للقدر حكاية الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سهام صادق
خرجت من المطعم تتمالك دموعها التي سقطت رغماً عنها.
الصغيرة جعلتها وسط أصدقائها المرأة اللعوب التي ترمي شباكها على الأثرياء.
أتت من بلدتها تبحث عن وظيفة، وفي النهاية حصدت زواجاً.
وأكثر ما قهرها أنها كانت تأتي لمنزلهم من أجل أن تقترب من والده.
"مجرد دردشة"، كما سمتها الصغيرة، وما وراء ذلك كان مكراً وخبثاً.
"أنا آسف."
اعتذرت ياقوت من المرأة التي انحنت تلتقط ما سقط منها بعدما اصطدمت بها.
"أنا شوفتك قبل كده صح؟"
حدقت بها هند لفترة كي تتذكرها.
"أنا ياقوت، شوفتيني في المعرض بتاعك."
صافحتها هند بود.
ولم تكن تعلم لا هي ولا زوجها مروان أنها لم تعد فقط فتاة عادية جلبها معه حمزة.
"افتكرتك.. وكويس إني قابلتك."
كتمت ياقوت بقلق.
وعندما شعرت هند بقلقها، ابتسمت حتى تطمئنها.
"متقلقيش، عايزاكي في شغل.. مش انتي بتعرفي ترسمي؟"
ارتعشت يد صفا بصدمة وهي تنظر لملامح ذلك الجالس مع رب عملها.
خشيت أن يتذكرها ويذكر ملامحها.
وضعت القهوة أمامهم وانصرفت سريعاً تُداري حالها في المطبخ الذي أصبح مكان جلوسها.
أنهت جلستها مع هند بسعادة بعدما اقترحت عليها الأخرى العمل ضمن الفريق الذي أسسته في مركزها.
سارت تتمشى قليلاً حتى تنسى لقاءها مع مريم.
فوقعت عيناها على حديقة صغيرة بسيطة.
جلست بها تتأمل الجالسين حولها.
لمعت عيناها وهي ترى من يجلب لزوجته قرطاساً من الترمس ثم يربت على بطنها المنتفخة.
ومن يجلس بجانب خطيبته وتمسك ورقة وقلم ويبدو وكأنهم يدونوا ما سيحتاجونه وتكفيه أموالهم.
ومن ما زال في زهوة حبه.
ومن تجلس مع ابنها تلاعبه.
تنهدت بأنفاس مثقلة تتمنى لو تزوجت رجلاً بسيطاً وكان لها وحدها، ولكن الحياة لا تعطي كل شيء ببساطة دون ضريبة.
تاهت في حياتها التي تعيشها لتنتبه على رنين هاتفها، تظنه هو، ولكنها تفاجأت بهناء تدق عليها.
"ياقوت، انتي فيكي حاجة تعباكي؟"
ابتسمت ياقوت لشعور هناء بها، فزفرت أنفاسها وهي لا تعلم بما تُجيب عليها.
أتخبرها أنها بخير، أم أنها ضائعة؟
شعرت بها هناء فأجابت بمقت:
"مفيش غيرهم، الرجالة هما اللي بيدخلوا حياتنا ويبوظوها."
كانت لأول مرة هناء تخبرها عن الرجال هكذا.
الرجال كانوا في مخيلتها هم الأمان والحب.
كانت تتكلم بقلب عاشقة، أما الآن أصبحت امرأة خذلها الحب.
"شكلك زعلانة مع مراد يا هناء."
ضحكت وهي تتمنى أن تخبرها أن زعلها منه شيء قليل عما تعيشه معه، ولكنها تجاوزت الحديث عن حياتها.
"سيبك مني أنا، وقوليلي فيكي إيه."
صمتت ولم تتحدث.
ففهمت هناء ما تعيشه.
فوالدتها أخبرتها عن مخاوفها من زيجة ياقوت.
رغم أنه رجل ذو خلق، إلا أن حياته المعقدة ومسؤولياته لن تناسب ياقوت التي حلمت كثيراً بزوج تكون هي عالمه كما سيكون هو عالمها الصغير.
"ياقوت، اخرجي من دايرة أحلامنا في الجواز... بلاش أحلام الروايات، كل ده مش موجود في الجواز."
وأردفت وقد آلمتها ذكرى أحلامها التي هدمها مراد دون رحمة:
"الجواز مش عايز الست الحالمة اللي فاكرة جوزها هيكتبلها كل يوم قصيدة شعر وهيجروا ورا بعض بالمخدات ويحضنها وهي في المطبخ."
أثار حديث هناء جزءً داخلها.
رغم أن علاقتها بحمزة هادئة، إلا أنها لا تتذكر أنه ضمها إليه يسألها عن أحلامها البسيطة أو جلسوا يتسامرون ليلاً سوياً.
"مش هي دي كانت أحلامنا يا هناء؟"
فضحكت هناء وهي تتذكر أنها من أثرت عليها بتلك الأحلام.
"ذنبك في رقبتي أنا عارفه."
"في إيه بينك وبين مراد يا هناء خلاكي كده؟"
نظرت للقلم الذي تحمله في يدها وتكتب التقرير الذي طلبه منها مديرها.
"صدقيني يا ياقوت، أنا حالياً في أحسن وأفضل فترة في حياتي. قوليلي بتعملي إيه في يومك؟ رجعتي شغلك؟"
تنهدت ياقوت بيأس.
فحمزة رفض فكرة عملها بالشركة عندما فتحت معه رغبتها بالعودة.
"حمزة رفض.. بس النهارده جالي عرض شغل تاني."
ولم تمهلها هناء إكمال تفاصيل ذلك العمل، لتهتف بإصرار:
"انتي بتحبي هوايتك، أوعي تضيعيها منك. واتغيري يا ياقوت، الحياه عايزة الست الذكية."
مضت المكالمة كما مضى لقاءها بهند، ولكنهم حركوا شيئاً داخلها.
أسرعت صفا في وضع الأطباق فوق المائدة خشية أن ينتبه مكرم لملامحها.
كان يبدو من وجوده مع فرات أنه شخص قريب منه يثق به.
منذ الصباح وهو معه في مكتبه يتناقشون بأمور عدة.
وجوده يخيفها، تخاف أن يتذكرها ويأخذها بذنب ليس لها دخل فيه، إلا أنها ابنته، رجل لم يعرف الرحمة يوماً ولم يكن إلا شيطاناً.
"متعرفش وجودك هيفرق قد إيه معايا في الشغل يا مكرم."
قالها فرات وهو يسير بجانبه نحو مائدة الطعام.
فأطرقت صفا عيناها أرضاً حتى لا يرى مكرم ملامحها.
رمقها فرات بسخط:
"واقفة عندك ليه؟"
وقوفها كان من أوامره.
فتعلثمت في ردها:
"دي أوامر حضرتك."
تخفي ملامحها على مكرم، ولكنه فضل الصمت بذكاء حتى يفهم كيف وصلت للعمل مع فرات.
شرعوا في تناول طعامهم.
وعقل مكرم يدور في وجودها هنا.
ولكن أخيراً وجدها، فحق شقيقته سيأخذه منها.
وكأن وقت الحساب قد أتى.
تظاهر مكرم بتذكر مكالمة هامة:
"تسمح لي يا فرات بيه.. أعمل مكالمة؟"
ابتسم فرات بلطف مشيراً إليه أن يفعل ما يحلو له.
خطواته أخذته إلى المطبخ الذي خمن وجودها فيه.
وجدها تجلي الأطباق بذهن شارد.
"يااا على الزمن.. صفا بنت عدنان الأنصاري آخرتها خدامة وخريجة سجون كمان."
ألقى عباراته متهكماً.
فأغمضت عيناها بخوف، فما خشت منه حدث.
"انتي وصلتي لفرات النويري إزاي؟ ولا شكله الصيدة الجديدة بعد حضرت الظابط؟ عدنان الأنصاري هيخلف إيه غير أفعى."
سقطت دموعها وهي تتذكر مكرم صديق طفولتها وشقيقته منال توأمه.
منال صديقتها الجميلة التي انتهك والدها حرمة جسدها بعد أن جعلها فتاة مدمنة، ومن أجل أن تنال جرعتها كانت تعطيه جسدها كعربون.
لم تعرف كل هذا إلا يوم وفاتها.
"فاكرة منال يا صفا؟"
دموعها ملأت وجهها ولم تشعر إلا بالطبق يسقط من يدها ودخول فرات عليهم متعجباً من وجود مكرم بالمطبخ.
"بتعمل إيه هنا يا مكرم؟"
أجابه بصلابة وهدوء:
"كنت بطلب منها كوباية ميه."
وغادر المطبخ دون كلمة أخرى حتى لا يثير شكوك فرات.
ليرمقها فرات وهي تنحني تجمع الأجزاء المنثورة فوق الأرضية.
"ابقى خدي بالك بعد كده."
تمتم عبارته بجمود وانصرف ليتركها في الماضي الذي أبى أن يتركها رغم ما تدفعه لتكفير ذنوب والدها.
انتظرت قدومه بفارغ الصبر حتى تعلمه بمقابلتها لهند وعرض عملها.
ابتسمت وهي تقترب منه، ولكن ابتسامتها اختفت سريعاً.
"ليه عملتي مريم وحش يا ياقوت قدام صحابها؟"
انصدمت بما يخبره به.
فأردف بأسف لفعلتها:
"كنت فاكر عقلك أكبر من كده."
لم تتحمل إهانته الظالمة، فلم تفكر أن تخبره بإهانتها لها أمام صديقاتها ولم تهينها كما أهانتها، ولكن في النهاية يكون هذا جزاءها.
"انت جاي تتهمني؟"
أشارت نحو حالها بألم.
فتنهد بضيق:
"فين إهانتك؟ احنا بنتكلم.. ياقوت مريم بنتي ولازم تتقبلي ده."
ابنته وما هي إلا خاطفة الرجال كما أسماها الصغيرة.
ذلك هو الخلاص الذي تمنته.
اتضحت لها مكانتها بحياته، وكما أخبرتها زوجة أبيها ستعود لهم بحقيبتها مطلقة.
دمعت عيناها قهراً:
"بنتك اللي فخور بيها دي كدابة وأنانية."
صرخ بها بقسوة وكأنها أجرمت فيه هو:
"ياقوت.. حاسبي على كلامك."
ألمها صراخه بها.
رأت صورته القديمة وكأن زهوة الزواج قد انطفأت.
"أنا مكدبتش، دي الحقيقة... للأسف انت فشلت في تربيتك يا حمزة بيه. البرج العالي اللي معيش بنتك فيه خلق منها إنسانة أنانية ومريضة."
لم يحتمل حديثها، فصغيرته لا أحد يفهمها غيره، يعذر صغر سنها.
"قلت اسكتي.. ظاهر إنك مش واعية لكلامك."
بكت بحرقة وهي تنظر إليه:
"أنا واعية لكل كلمة.. بنتك محتاجة دكتور نفسي يعالجها من أنانيتها وكذبها."
تجمدت نظراته نحوها ورمقها بقسوة:
"خيبتي نظرتي فيكي.. كنت فاكر معاملة أهلك ليكي هتخليكي تعامليها كويس وتحسي بيها.. بس ظاهر فاقد الشيء مش بيعرف يدي حاجة."
صفعتها كلماته، لتتسع حدقتيها وهي تسمع اتهامه:
"انت بتعيرني بحياتي... أنا كل ضعفي وطيبتي من اللي شوفته، بخاف أذى الناس لأني دُقت مرارة الأذى."
ضاقت أنفاسه وهو يدرك ما تفوه به.
لم يكن يقصد جرحها، ولكن مريم في كفة أخرى بحياته.
أزالت دموعها بعنف من فوق وجنتيها آسفة على حالها:
"سمعت بنتك ومفكرتش تسمعني حتى؟"
وارتجفت وهي تعض شفتيها حتى لا تعود لبكائها.
"عملت زي ما طردتني من شركتك عشان غلطة كانت غصب عني."
تنهد بيأس عما حدث، وأخذ عقله يدور في صغيرته التي لا تكذب عليه أبداً، وكيف ستكذب وهي من هاتفته تطلب منه أن تقابل ياقوت وتعرفها على أصدقائها ويقتربوا من بعضهم لأجله.
سارت من أمامه وهي لا تشعر بقدميها.
ها هو الظلم يعود إليها من جديد.
ضحك شريف بقوة وهو يزيح وجهه بعيداً عن عبث يداها.
"كفاية لعب في وشي يا مها.. الظاهر إن جلسة النهارده أثرت عليكي يا حبيبتي."
أكملت عبثها بالمثلجات بشقاوة، ليلتهم إصبعها فصرخت بتأوه:
"أكلت صباعي!"
مال نحوها يداعب أنفه بأنفها:
"مرتاحة... عرفتي تتكلمي مع الدكتورة وتحكيلها؟"
شبكت يداها ببعضهما تزفر أنفاسها نحوه:
"أنا بحبك أوي يا شريف."
ضمها نحوه ناسياً كل شيء معها.
رغم أن فارق العمر بينهما سوى عام، إلا أنه لا يراها إلا كابنته.
سبحانه من وضع حبها في قلبه.
"مها، أنا بقول نروح.. كده هنتفضح يا حبيبتي.. وسمعتك المهنية هتدمر بسببك."
ابتعدت عنه بعدما أتم عباراته وفهمت مغزى كلامه.
"ابعد عني يا شريف.. انت اللي بتستغل الفرص."
أدار مفتاح سيارته ضاحكاً على فعلتها:
"ياريت لما نروح تبقى كده يا حبيبتي.. بدل ما انتي لا نايمة أو قاعدة مع ندى."
بكت حتى أصبحت ليس لديها طاقة للبكاء.
كلما تذكرت كلماته التي طعنها بها، شعرت بوجوده معها بالغرفة.
وعندما تسطح جانبها، نهضت تلتقط وسادتها وغطاءً.
"رايحة فين يا ياقوت؟"
رمقته بغضب هش وضمت وسادتها وغطائها نحوها.
"رايحة أنام في مكان تاني."
تنهد ممسحاً على وجهه، فالمشاكل قد بدأت وعليه أن يراضي ويتقبل أعاصير النساء.
"ارجعي مكانك ونامي وبلاش شغل العيال ده."
لم تشعر بنفسها وألقت ما في يدها فوق الفراش.
"أنا عيلة.. عشان زعلانة أبقى عيلة."
وعادت تلتقط أشياءها.
فقبض على معصمها ناهراً:
"مش بأول نقاش بينا هنوصل لكده... أنا مبحبش تصرفات الستات وصغر عقلهم."
انسابت دموعها وهي تسمع عباراته، لا تصدق أنه قاسٍ هكذا.
"ده مكنش نقاش.. ده كان اتهام وظلم."
ذبذبة بكائها تخلي عقله عن قيوده وضمها نحوه.
"خلاص يا ياقوت، أنا آسف على الكلمة اللي قولتها لك، مكنتش أقصد أعايرك بحياتك."
جهشت بالبكاء وهي تُخلص حالها من أسر ذراعيه.
"انت مصدقتنيش، شايفني كدابة؟ مريم محتاجة تتعالج صدقني."
زفر أنفاسه مقرراً أن يجمعهم ببعضهم وهو بينهم حتى يفهم الأمر منهما سوياً.
فعقله رجح الحكاية له غيرة من كلتيهما ليس أكثر.
"خلاص يا ياقوت.. هنخرج أنا وانتي ومريم، والغلطان فيكم هيراضي التاني. أنا عايزكم تقربوا من بعض لأن كده هرتاح."
لم تحب الفكرة، ولكنها لم تجد إلا الصمت.
وعندما تذكرت أمر العمل، ابتعدت عنه.
"أنا قبلت هند النهارده."
وقبل أن يفهم منها كيف تمت مقابلتهما، أردفت بحماس:
"قدمت لي عرض شغل في مركزها التعليمي.. نفس العرض اللي انت قدمته لي لما كنت موظفة عندك."
تذكر ذلك العرض الذي لم يكن غرضه منه إلا نسج خيوط لعبته.
كان ذلك من الماضي، ولكن الآن هي زوجته.
"لا يا ياقوت، مافيش شغل. عايزة ترسمي؟ فضي لك أوضة وهجيب لك كل اللي تحتاجيه وارسمي في البيت."
أطفأت حماسه لتنهض من جانبه تلتقط وسادتها تاركة الغرفة له.
"ياقوت..."
تعلق عين شهاب بندى متعجباً من وجوم وجهها بعدما خرجت من المرحاض.
"إيه اللي في إيدك ده يا ندى ومالك حزينة كده؟"
سلط عيناه نحو ما تقبض عليه بيديها.
"مطلعتش حامل يا شهاب."
ضحك على درامتها، فالأمر لا يفرق معه.
"وزعلانة عشان كده؟ ده أنا قولت مات ليكي حد."
داعبها حتى تضحك، ولكنها لم تبتسم.
فأقترب منها يرفع وجهها إليه:
"المرادي مفيش حمل... المرة الجاية يحصل، احنا مش مستعجلين يا حبيبتي."
ومال نحوها يخبرها بعباراته الوقحة، فدفعته عنها بسبب وقاحته.
"بطل كلامك ده."
تنهد بارتياح عندما سمع ضحكتها.
"أيوه كده اضحكي.. صحيح يا ندى، سمر دي انتي واثقة من قواها العقلية؟"
هزمت شفتيها بعبوس وهي تسمع تهكمه بشقيقة صديقتها.
"شهاب متقولش كده، البنت بتمر بظروف نفسية.. والشغل هيخرجها من اللي هي فيه."
كان غارقاً في تأملها غير مبال بقصة الأخرى.
"سيبك من سمر دي وخليكي معايا."
خرج فرات من غرفة مكتبه بعد أن أنهكه عقله باتصال محاميه به.
لم يكن الاتصال إلا اطمئناناً ومزاحاً، ولكن العبارة التي رماها أسعد محاميه كانت بمقصد.
أسعد لم يكن محاميه وحسب، إنما صديقاً له.
"عزيز كان بيسأل عن العقارات والأراضي اللي ملكك.. وفرحان بالفلوس والأملاك اللي بتعملها، ماكله هيكون لأولاده مش ولاد فادية هما اللي هيورثوك."
عزوفه عن الزواج كانت رغبته.
الفتاة التي أحبها في شبابه رحلت وأخذت أحلامه معها.
وأصبحت النساء أمامه متعة لا يرغبها.
وعادت كلمات أسعد تصب في أذنيه:
"لو هاشم النويري كان عايش وشايف نسله بينتهي وماله وأراضيه هتكون لواحد زي عزيز كان مات بحسرته يا فرات."
قبض على عصاه بقوة ودق بها الأرض حتى ينفض أفكاره.
شعر بحاجة إلى فنجان قهوة يعيد له توازنه، ليخطو نحو المطبخ.
فوقعت عيناه على صفا الممددة أرضاً تضم غطائها على جسده.
تنهد بمقت من فكرة شقيقته في إبعادها عن مصر حتى ينسى زوجها أمرها.
رغم أنه يعرف أن يقدر على ردع عزيز أو تطليق شقيقته منه، ولكن حب شقيقته لزوجها يجعله يتغاضى.
قضت سنوات شبابها تخدمه وتخدم أبيه وترعاهم، وكانت رغبة أبيه أن تظل معهم دون زواج، فهي ليست بحاجة لأن تتزوج.
عقد كان داخل والده وأفكار عقيمة لم يطبقها إلا على شقيقته.
ولكن هو كان يشعر بها ولم يُكمل رحلة حرمانها من حقوقها بعد وفاة والدهم.
أعطاها حريتها، ورغم عدم تقبله لعزيز، إلا أن إصرارها جعله يرضخ في النهاية حتى يتبرأ من ذنبها.
سكب قهوته التي كادت أن تفور، ليقف منصتاً لهمهمات صفا.
"أنا مظلومة.. منال.. حمزة.. انت السبب."
كانت تنادي عليهم وتبكي.
ترددت الأسماء في أذنيه.
هو يعلم بحكايتها مع حمزة الزهدي.
ولكن من منال تلك التي تهتف باسمها؟
انتفضت من نومتها تلتقط أنفاسها لتقع عيناها على فرات القريب منها ويحمل في يده كأس الماء.
طالعته بخوف تضم جسدها بذراعيها.
"خدي اشربي."
مد كفه بكأس الماء، لتتعلق عيناها به خوفاً.
أما هو فوقف يسبر أغوارها.
اتسعت حدقتيها وهي ترى الصغيرة تقدم لها هدية وتبتسم نحوها.
"ممكن تقبلي مني الهدية دي يا ياقوت؟"
جالت عين حمزة بينهما بعدما أخرجت صغيرته هديتها المغلفة من حقيبة ظهرها وقدمتها لها.
ألجمتها فعلتها.
فالصغيرة منذ أن دلفت معهم السيارة إلى أن وصلوا لأحد المطاعم وهي تحدثها بلطف وكأنها باتت ليلتها واستيقظت لتجد أنها تحبها.
"ياقوت، مريم بتكلمك. انتي سرحتي في إيه؟"
انتبهت على صوته الجاد وهو يرمقها بتأنيب على صمتها وحديثها عن صغيرته.
وها هي صغيرته تثبت لها حسن نواياها بقلب حنون.
رسمت ابتسامتها بصعوبة من هول دهشتها وألتقطت الهدية تنظر لاعين مريم التي كانت تطالعها براءة.
"أتمنى تعجبك الهدية.. ونتصالح ونبقى أصدقاء يا ياقوت."
أسبلت جفنيها بوداعة تنظر نحو ياقوت التي دخل عليها الدور ولانت ملامحها وابتسمت نحوها بصدق.
ولامت نفسها على حديثها عنها، فيبدو أنها فهمت اندفاعها خاطئ، وها هي تعتذر منها.
"هو أنا ممكن أقولك ياقوت عادي؟"
لمعت عين ياقوت واشرقت ملامحها بابتسامة حانية.
"طبعاً يا مريم.. هكون سعيدة لو بقينا صحاب ونقرب من بعض."
طالعهم حمزة بسعادة حقيقية ينفث أنفاسه براحة وهو يراهم منسجمين هكذا.
"المهم بابا يكون مبسوط."
قالتها الصغيرة بدهاء ليُطالعها حمزة وهو سعيد بأن صغيرته تتقبل كل شيء لأجله.
"حبيبتي، أنا هبقى مبسوط لما تقربوا من بعض.. وكده أقدر أوعدكم إننا نسافر أي مكان تختاروه سوا."
وكأنه أراد أن يكافئهم.
فلا شيء يرق مضجعه تلك الفترة إلا هما.
عواقبه تتلخص بين صراعه معهم، يرغب بزوجته والتمتع معها براحة، ولكن أبوته غرزت في أعماقه ولا يوجد مقارنة لديه بين حبهما.
لمعت عين الصغيره وهي تنظر لملامح ياقوت التي تنظر لحمزه بسعادة عندما أفصح عن نيته برحلة معهم وحدهم.
تمتمت داخلها بحقد:
"مش هتاخدي مكان ماما أبداً."
"خلي مريم هي اللي تختار المكان.. أكيد هي محتاجة الرحلة دي قبل الدراسة."
تمتمت ياقوت عبارتها وهي تطالع مريم.
ليسعد حمزة من ردة فعلها.
بدأ النادل يضع أطباق الطعام أمامهم.
ليصدح رنين هاتفه فنهض يُجيب على المتصل ناظراً لهم بحب.
"كلوا لحد ما أخلص المكالمة ورجعلكم."
أومأت ياقوت له برأسها وشرعت في ارتشاف الشربة بمعلقتها، غير منتبهة على نظرات مريم التي تحولت للعداء.
"متحلميش أوي بالعيشة دي كتير."
انصدمت من عبارتها لترفع عيناها نحوها وقد استوعبت الأمر أخيراً.
الصغيرة تمثل أمام والدها.
"انتي بتعملي كده ليه معايا؟"
رمقتها مريم بحقد.
انتظرت ياقوت أن تخبرها عن سبب كرهها، ولكن الصغيرة صمتت وبدأت تتناول طعامها.
"اتأخرت عليكم."
صوت حمزة وقدومه كانت الإجابة عليها.
فالصغيرة صمتت حيناً وجدته عائداً نحوهم.
كان سهيل بارعاً في رسم دوره حتى أنه صدمها.
تجاوزاته كانت مخجلة بالنسبة لوضعهم.
"أخيراً رأيتك تحب أخي وتزوجته."
تنادى نورالدين عبارته وهو يرمق سهيل الذي كان يمسد كف سماح داخل قبضته.
ابتلعت جين طعامها بغصة وعيناها ترى المشهد.
لم تتحدث بكلمة.
فالمشهد الغرامي الذي يعرضه سهيل جعلها تحترق بنيران الغيرة.
"سماح سرقت لي عقلي."
سلط عيناه نحو جين وهو يتمنى أن تأخذ دورها الصحيح وترحل عن شقيقه.
يعلم أن شقيقه سيتألم، ولكنه سيعتاد.
لو استطاع إخباره سبب مكوثها بينهم وتضحيتها العظيمة بأن تظل ممرضة له.
رسمت بسمة حنونة على شفتي نورالدين لتتعلق عيناه بجين.
"أنا وجين لدينا خبر لكم."
لم يشعر بالراحة مما سيخبره به شقيقه.
وفي ثوانٍ كان يخبره بآخر شيء ينتظره.
المخادعة جعلت شقيقه يرغب بزواجها.
ستخدعه كزوج وتنتقم منه.
"سنتزوج."
حدقت بهم سماح صامتة وأكملت تناول طعامها سعيدة بما سيحدث لذلك المغرور.
فالحكاية تعقدت وبدلاً من كانت مجرد حبيبة ستنتقل لرتبة أكبر وتكون زوجة شقيقه.
تنهد وهو يجدها تبتعد عنه بعدما حاوطها بذراعيه.
يدنو منها ليقبلها:
"وهتفضلي لامتى زعلانة؟"
تمتمت بحزن وهي لم تنسى معايرته لها ونظراته التي اتهمتها أن ابنته ذات نية صادقة.
"لما توافق أني أشتغل.. أنا تعبت من القعدة لوحدي طول اليوم."
اعتدلت في رقدتها لينظر لها ضائقاً عيناه.
"انتي كلمتي نادية؟"
توترت وهي تتذكر مجيء نادية إليها اليوم صباحاً وقد طلبت منها أن تساعدها حتى تجعله يقبل أمر عملها.
ولكن نادية وضعت لها الحل دون أن تظهر هي في الصورة.
"حمزة دلوقتي جوزك يا ياقوت، ابدأي افهمي مداخل جوزك وألعبي عليه... وصدقيني الراجل بيعند أكتر لما طرف تالت بيدخل في قراراته مع مراته."
وأخذت تخبرها بنصائحها.
شعرت أنها تتعلم من جديد.
وضحكت ساخرة على حالها، فمن أين ستتعلم وكل حياتها كانت مغلقة.
"مدام سكتي يبقى كلامي صح."
وزفر أنفاسه مقتاً:
"ياقوت، أنا مبحبش الجدال كتير."
ارتبكت وهي عازمة على فعل ما أخبرتها به نادية.
فاقتربت منه تمسك كفيه برجاء:
"ارجوك، أنا بحب الرسم ودي فرصة ليا.. ده يعتبر عمل تطوعي."
وأردفت بتلاعب من أفضال نادية:
"انت طول عمرك حنين.. هتيجي معايا أنا ومش هتبقى حنينا."
ابتسم على عبارتها:
"ما شاء الله، نادية ليها تأثير ساحر."
ورغم أنه لانت ملامحه ووافق من أجل ألا يحرمها من هوايتها، أراد التلاعب بها.
"قلت لا يا ياقوت."
حاولت كثيراً معه إلى أن ضاقت أنفاسها.
فنهضت من فوق الفراش حانقة.
خرجت بمنامتها القصيرة وقد نسيت أمر مبيت مريم لديه.
دلفت للمطبخ تبحث عن شيء تخرج به حنقها.
ألتقطت إحدى حبات الطماطم تلتهمها بضيق.
لتشعر بوجوده.
رمقته وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويحدق بها مستمتعاً.
"نفسك قصير يا ياقوت.. وعلى العموم أنا موافق مدام ده حلمك."
اتسعت عيناها ذهولاً غير مصدقة أنه وافق أخيراً.
ركضت إليه تتعلق بعنقه والسعادة تغمرها.
"بجد موافق؟ أنا مبسوطة أوي."
ضمه نحوه وقد خفق قلبه وهي بين ذراعيه.
شبت على أقدامها تلثم خده مما جعل قلبه يخفق أكثر بمتعة.
ولم ينتبهوا لنظرات الصغيرة وقد تأكدت من صدق حديث صديقتها رؤى أنها ستأخذه لها وسينساها.
دفع سهيل كل شيء يقابله أمامه غاضباً وهو لا يرى أمامه.
خطته كانت لكي ترحل عندما ترى زوجته.
كان يعلم أن رحيلها لن يكون سهلاً، ولكن لم يظن أن الأمر سيقلب لزواج.
فماذا ستريد من شقيقه وبوضعه هذا؟
"حقيرة.. ماذا سأنتظر من النساء إلا المكر."
التوت شفت سماح تهكماً ولم تعبأ بثورته.
"تستاهل.. فاكرها هتقعد تبكي عليك؟ أهي ألشتك وهتتجوز أخوك."
وصلته همهمتها فتوقف عما يفعله لتحتد نظراته نحوها.
أرعبتها نظراته الحادة لترفع كتفيها بثقة.
"بتبصيلي كده ليه.. لو فاكرني هخاف منك مش هخاف."
قبض سهيل على كفيه يجاهد محو أفكاره الشنيعة مقترباً منها.
"مدام اتفاقنا لم يجني ما خططت له.. سآخذ حق أموالي التي دفعتها لك."
اتسعت عيناها وهي تجده يرمقها بنظرات فهمتها.
لعنت اللحظة التي قابلته فيها والمال الذي أخذته منه وقد ظنت أنه سيأتي شيء في أمواله.
أخذت بعض المال منه لتدفعه في دار أيتام.
أوشكت على السقوط.
اتفاقهم كان بعد نهاية مدة العقد، ولكن حدث ما حدث.
"بس ده مكنش اتفاقنا."
مرت أمامه صورة والدته وهي في أحضان عمه.
ذكرى لعينة لم ينساها يوماً.
ابتلعت سماح لعابها بخوف من قربه لها وانتفضت من فوق الفراش هاربة، إلا أنه كان أسرع منها.
"سآخذ حقي بمالي سماح."
قلبت الغرفة رأساً على عقب تبحث عن الخاتم الماسي الذي يتهمها بسرقته.
عصرت ذاكرتها لعلها تتذكر شيئاً أثناء تنظيفها لغرفته، ولكن لم تلتقط عيناها شيئاً كهذا.
سقطت دموعها بعجز تدور حول نفسها هنا وهناك حتى نهكت قواها.
ليتصلب جسدها وهي تسمع صوته.
"ساعة بتدوري عليه."
وأردف متهكماً:
"مش لايق عليكي التمثيل ده."
واقترب منها يدفشها أمامه:
"والله ما سرقت حاجة ولا شفته وأنا بنضف.. أنا مش حرامية."
ارتسمت السخرية على شفتيه ومازال يدفعها أمامه إلى أن وصل بها للمطبخ الذي تبيت فيه، آمراً إياها:
"دوري في حاجتك ووريني."
تعلق عيناها بفرشتها التي تأخذ ركناً في أحد أركان المطبخ.
اعتصر الألم قلبها، فأي حياة تلك التي كانت تنتظرها وتعد لها الأيام حينما كانت في سجنها.
انحنت تبحث أسفل وسادتها وتنفض فرشتها.
رمقه فرات بوجه جامد لتنظر إلى مكان نومتها.
"مفيش حاجة."
كان يعلم أين ستجد ضالته ولعبته التي خطط لها.
ولكن بعقله العسكري كان يرسم الدور بإتقان وببطء.
"دوري في هدومك."
طالعته بأعين غامت بها دموعها لتفعل ما أمرها حتى تتخلص بعدها من هذا الاتهام، ثم سترحل مهما كلفها الأمر.
بحثت في ملابسها لتقع يدها على شيء مستدير.
ارتجفت أوصالها وهي تخرج كفها من أسفل ملابسها تخشى مخاوفها.
ألتقط يدها بعنف ناظراً إلى ما تقبض عليه بكفها.
لتسقط عيناه على ضالته ناظراً لها باحتقار:
"هستنى إيه من واحدة خريجة سجون؟"
وفي ثوانٍ كان يخرج من المطبخ متجهاً إلى الخارج صارخاً بالحارس الذي يقف على بوابة المنزل والذي دلف سريعاً بعد أوامره ليحاصرها بسلاحه.
والتهمة التي لم تفعلها سقطت على عاتقها لتصرخ بألم.
"مسرقتش حاجة، والله ما سرقت حاجة."
صراخها لم يُحرك به ساكناً وهو يرفع هاتفه أمامها.
"مكاني السجن اللي خرجتي منه."
ركضت نحوه تتوسله بعدما أزاحت الحارس عنها.
"أنا عمري ماكنت حرامية في يوم.. واتسجنت ظلم..ابوس إيدك رجعني مصر، ولو بتعمل كده عشان عزيز ميقربش مني أحلف لك إن هبعد عنه ومش هتشوفوني في حياتكم خالص."
جعلها تصل إلى حد الانهيار.
ترجته وتوسلت أن يرحمها ولن يروها بحياتهم ثانية.
ليشعر فرات بالإشباع وهو يرى ذلولها.
يقسم أنه سيجعلها تعيش ما عاشته منال حبيبته وقد عرف سبب رحيلها بعد سنين دفن فيها حبه.
"اخرج انت يا إبراهيم."
أشار إلى حارسه بالخروج، فأنصرف الحارس دون كلمة لتتعلق عين صفا به تظن أنه سيعفو عنها من ذنب لم تقترفه.
"حريتك ولا السجن؟"
تف عبارته بوجه جامد جعل جسدها يرتجف من قسوة ما تعيشه.
قضمت شفتيها بقوة ودموعها تسيل فوق وجنتيها.
"جدران السجن كانت أحن عليا من قسوة البشر."
طالعت وجهه الذي كرهته.
"يعني اخترتي السجن؟"
تمتم فرات عبارته متهكماً.
وكاد أن يعود لرفع هاتفه ثانية فوق أذنيه كي يطلب الشرطة.
أغمضت عيناها والألم يجثم فوق روحها، ستُلقى في السجن مرة ثانية ظلماً.
"عايزة حريتي."
سمع الجملة التي ينتظرها ليُحدق بها للحظات يتأمل هيئتها الشاحبة.
"مدام اخترتي حريتك يبقى هتدفعي حق منال وهتعيشي زي ما عاشت."
شعرت بقبلاته تغمر صفحات وجهها ويده تعبث بخصلاتها.
تقلبت في نومتها ترفع كفها تبحث عن وجهه.
ابتسم شريف إليها وهو أسعد رجل بعد أن وهبت له نفسها برضى.
"صباح الخير يا حبيبتي."
خجلت وهي تتذكر أحداث ليلة أمس.
كانت لمساته تخرجها من ظلامها.
سقطت دموعها ورغبتها في رؤية وجهه الآن حتى ترى سعادته بأنها أصبحت له.
"بتعيطي ليه يا حبيبتي.. في حاجة تعباكي؟"
ارتجفت شفتيها وبحثت عن صدره بكفيها ثم دفنت رأسها به.
"نفسي أشوفك.. كل اللحظات الحلوة محرومة منها."
انهمرت دموعها بغزارة.
فمهما خرج من بين الشفاه كلمات تأخذنا لعالم آخر، إلا أن لغة الأعين أقوى في إيصال مشاعرنا.
"هتعملي العملية وتخفي يا مها.. وهنعوض كل حاجة من تاني، أوعدك يا حبيبتي."
سمع شهقاتها فضمها إليه أكثر.
مازحها حتى يجعلها تنسى نقصها.
"المفروض الواحد يصحى على كلمة حبيبي وبوسة على خد ده والخد ده مش عياط يا مها."
ابتعدت عنه بعدما شعرت بحماقتها.
فعاد لضمها مستمتعاً سعيداً.
طرقات قطعت لحظتهم لتهتف الخادمة:
"شريف بيه.. أخت مدام مها وجوزها تحت علينا."
سمعت اسمه تلاشت سعادتها وعادت لحضنه من جديد.
"قوليلهم نازلين يا مجيدة."
احتست ياقوت كأس الشاي الذي جلبته لها العاملة في غرفة هند التي طلبت منها انتظارها في غرفة مكتبها لتتحدث معها عن الراتب الذي تريده مقابل عملها معهم.
"اتأخرت عليكي."
ألفت ياقوت نحوها ترمقها بابتسامة هادئة.
"لا أبداً."
جلست هند في المقعد الذي أمامها تنظر إليها بلطف.
"تعرفي يا ياقوت، بساطتك دي أحلى حاجة فيكي.. واتوقع إن من أسباب اختيار حمزة لكِ كشريكة حياته."
تخضبت وجنتيها خجلاً.
فهي لا تعرف سبب اختيار حمزة لها كزوجة، فأحياناً تشعر أنها شيء ثمين بحياته وأحياناً أخرى لا تشعر بشيء.
كل ما ترغب به أن تنال حياة هادئة ناجحة معه ولا ترى شماتة زوجة أبيها بها.
"وشك جاب ألوان الطيف.. خلينا نرجع لموضوعنا الأساسي.. قولي لي عايزة راتب قد إيه."
انتظرت هند أن تجيبها، ولكنها كانت تشعر بالحرج.
بمثل هذه الأمور هي تمارس هوايتها حبّاً، والمال لو أخذته ستبعثه لوالدها، فعمله في محل الفاكهة لم يعد يكفي حاجة إخوتها ولا علاجه.
"اللي تشوفيه.. أنا بمارس هوايتي حب مش عشان الفلوس."
كانت تعلم هند أن هذه ستكون إجابتها.
اتفقوا على الراتب.
ليدخل أحدهما بطريقة درامية.
"وردتي الجميلة."
شعر مروان بالحرج عندما لم يجدها وحدها، ولكن فور أن وقعت عيناه على ياقوت ابتسم بود.
"إزيك يا مدام ياقوت؟"
أصبح على علم بزواج حمزة واختيار ياقوت.
ورغم أنه لا يرى توافقاً في هذه الزيجة، إلا أنه في النهاية هذا قرار صديقه.
"لسه كنت عند حمزة في شركة الحراسات بعاتبه على جوازه اللي كنت آخر من يعلم عنه."
شعرت ياقوت بالحرج وتوترت وهي تبل شفتيها بطرف لسانها.
"كل حاجة جت بسرعة والفرح كان في البلد."
طالعت هند زوجها بابتسامة محبة.
"خلاص بقى يا مروان، قلبك طيب.. إحنا ندبس حمزة في عزومة محترمة وناخد حقنا منه."
وقف مروان لوهلة مفكراً وكأن العرض راق إليه لينظر لزوجته ضاحكاً بداعبه.
"تصدقي عندك حق."
ابتسمت ياقوت على عباراتهم ولطافتهم وأقتربت هند من زوجها تهندم له قميصه.
"قلت لك مليون مرة اقفل القميص للآخر."
ضحك مروان على أفعال زوجته.
لترمقه بحنق وهي تغلق له أزرار قميصه.
خجلت ياقوت من وجودها بينهم وألتقطت حقيبتها.
"همشي أنا.. محتاجة مني حاجة؟"
ابتعدت هند عن زوجها بعد أن هندمت له قميصه.
"لا يا حبيبتي، تقدري تمشي."
خرجت من المركز تحسم أمرها بالذهاب إليه.
مشهد مروان وهند جعلها تشعر أنها بحاجة أن تجرب مثل هذه المشاعر.
قادتها أقدامها إلى مقر الشركة لتقف تنظر إلى وجهتها ثم دلفت إليها.
الجميع كان يعلم أنها موظفة في إحدى فروع شركته، فقد أتت من قبل هنا.
ولكن هويتها الجديدة ليست بكثرة من يعرفها، فزواجه لم يكن معلناً للجميع.
صعدت لغرفة مكتبه التي تعرف وجهتها.
في نفس اللحظة التي صعدت بها عبر الدرج كان يهبط من المصعد وبجانبه سيلين التي عادت من عملها بدولة الإمارات.
وقفت ياقوت أمام سكرتير مكتبه تطلب مقابلته وعلى ثغرها ابتسامة واسعة تلاشت حينا أخبرها:
"حمزة بيه لسه خارج من دقائق."
أسرعت في خطاها وتلك المرة صعدت المصعد كي تلحقه.
خرجت من الشركة كما دخلت، ولكن تلك المرة بخطوات سريعة لتقف في مكانها وهي ترى سيارته تغادر وبجانبه امرأة.
انطفئ حلمها الذي تخيلت فيه حضنه حينا تذهب لمقر عمله.
يمازحها، يغمرها بقبلاته فتخجل.
أحلاماً حلم بها القلب.
"أظاهر إن الأحلام دي في الروايات بس يا ياقوت."
خاطبت حالها بأنفاس متقطعة وضاقت عيناها وهي تود معرفة هوية تلك المرأة.
"أكيد ليها شغل معاه.. يعني هيكون بينهم إيه.. اكبري يا ياقوت."
أوقف سيارته بغضب بعد أن تعب من صراخها المتواصل.
"هرجع بلدي يعني هرجع ياسهيل.. مش أخدت تمن فلوسك."
أغمض عيناه وهو يزفر أنفاسه بقوة.
"اصمتي قليلاً."
ضاقت أنفاسها من بروده العجيب عليها، فرفعت كفيها تدفعه على صدره.
"هفضحك وسط الإعلام.. وأحكي عن لعبتك الحقيرة واغتصابك لي."
تجمدت ملامحه وقد نفر من تلك الكلمة.
"وهل تظني أنهم سيصدقونكي؟ ثانياً أنتِ زوجتي سماح، كنا متفقين أم لا، فأنتِ زوجتي وهذا حقي."
اشتغل قلبها بالحقد وكادت أن ترفع يدها لتصفعه.
فقبض على كفها بقوة محذراً:
"احذري من أفعالك سماح."
تعلق عيناهما بتحدي.
"عايز إيه تاني مني... أخوك وهيتجوز جين خلاص."
أغمض سهيل عيناه ليزفر أنفاسه بغضب.
"سأجعلها تدفع ثمن لعبتها."
ونظر لها بهدوء يعرف أن هذه الطريقة تجدي معها نفعاً.
"اعتبري هذه المرة خدمتك من أجل أخي سماح."
تلملمت فوق الفراش لا تشعر بالنعاس.
رقدت على جانبها تتأمل ملامحه وهو غافي.
مدت كفها نحو وجهه تُحرك باطن كفها بخفة تسأل حالها.
"ياترى جوازنا نهايته إيه؟"
نهضت من جانبه تلتقط مئزرها وتغلقه جيداً على جسدها.
سمعت رنين هاتفها وقد تجاوزت الساعة الثانية عشر.
تعلق عيناها باسم هناء لتسرع في الإجابة عليها.
"هناء، انتي فيكي حاجة؟"
زفرت هناء أنفاسها وهي تقضم أظافرها من فرط توترها من المصيبة التي حلت عليها.
"بكرة معزومين على العشا عند نغم شريكة مراد."
"طب وفيها إيه يا هناء، متتعزميش؟"
قالتها ياقوت وهي تلتقط زجاجة المياه من الثلاجة ترتشف منها.
"ركزي معايا يا ياقوت.. مديري في الفندق اللي شغالة فيه يبقى ابن عم نغم ويبقى جوز أختها."
وقبل أن تسألها ياقوت عن المشكلة في ذلك الأمر، أردفت هناء وهي تزفر أنفاسها بقوة.
"محدش يعرف في الفندق اللي شغالة فيه إني متجوزة.. ومراد ميعرفش إني شغالة في فندق.. اعمل إيه؟"
فهمت ياقوت ما يشغل بال صديقتها لتهتف ضاحكة.
"ما ده آخرة الكذب، كان فيها إيه لو قولتي إنك متجوزة؟"
قطبت هناء حاجبيها بضيق.
"شروط الوظيفة إني مكنش متجوزة."
وكتمت صوتها وهي تسمع طرقات على باب حجرتها.
"ياقوت، هكلمك بعدين."
وأغلقت الهاتف فوراً لتسرع في فتح الباب ولم تنظر إلى ما ترتديه.
سقطت عين مراد عليها.
عيناه بدأت تراها كامرأة يشتهيها رجلاً وليست ابنة العم الذي أجبره عليها والده.
"في حاجة يا مراد؟"
تحنح مراد حرجاً من تحديقه بها.
ولم يعرف سبب قدومه إليها.
لمعت عيناه وهو يجد الجواب لقدومه.
"محتاجك تختاري معايا بدلة تنفع لاجتماع بكرة."
تعجبت من طلبه، فمنذ متى يهتم برأيها بملابسه.
مراد المعروف بعنجهيته وثقته بجاذبيته يطلب منها اختيار ما سيرتديه غداً.
سارت من أمامه لتختار له ما يرتديه ليقف خلفها يتأملها وهي تنتقي له ما يروق لها.
عيناه أخذت تنتقل مع حركتها وقلبه يلعن غباءه.
"إيه رأيك ديه أو ديه؟"
ابتسم وهو يقترب منها ينظر لما اختارته.
"أنا شايف ديه."
تعلق عيناها بما وقع عليه الاختيار، فأومأت برأسها تأكيداً.
"أنا برضوه ده رأيي."
وضعت ما في يدها وكادت أن تنصرف من غرفته، ولكن يده جذبتها إليه وذاق ما كان يتوق إليه تلك اللحظة.
صفعة صدحت على خده لتفر من أمامه تضع بيدها فوق شفتيها.
وقلبها العاشق له يئن سعادة وألماً.
وقف يتأملها وهي منبطحة أرضاً منحنية على دفتر رسوماتها.
وتربط شعرها بأحد أقلام الرسم.
أبعدت الرسمة عن عينيها قليلاً لتتسع ابتسامتها.
"فعلتها."
فزعت من أثر ضحكته بعد قفزها وسعادتها أنها أتمت الرسمة التي كانت ترغبها.
"انت هنا من امتى؟"
حاوطها بذراعيه وهو يضحك.
"بعد النطة اللي نطتيها."
خجلت من نظرته ليرفع وجهها نحوه ثم ألتقط رسمتها يتأملها.
"تستاهل فرحتك."
ألصقت به بعد أن جلس فوق الأريكة ويُحدق برسمة الطفل الرضيع بين أحضان والدته.
"بجد الرسمة حلوة."
تأملها ثم عاد يتأمل الرسمة وأومأ برأسه صامتاً للحظات.
"تعرفي إني متخيلك في الرسمة دي يا ياقوت."
بللت شفتيها بتوتر وتعلقت عيناها به.
"عايز طفل منكِ."
وكانت الكلمة كالصاعقة بالنسبة لها.
فقد حرصت على تناول الحبوب منذ أول ليلة في زواجهم خائفة أن يحدث لها مثلما حدث مع والديها.
"رحتي فين؟"
مد كفه يمسح على وجنتيها.
"معاك."
ظنت أنها ما زالت تشعر بالخجل منه، فأبتسم وهو يداعب وجنتيها وانتقل كفه نحو القلم الذي تربط به خصلات شعرها ليزيله عنها.
فتحررت خصلاتها بتموجاته الغجرية.
"كده أحلى يا ياقوت."
دق قلبها وهو يفرد خصلاتها بيديه.
ثم أغدقها بمشاعره العطشة لتشعر أنه يسحبها معه لعالم آخر بارعاً هو فيه.
ارتجفت أصابعها وهي توقع باسمها على صحيفة هذه الزيجة.
سينتقم منها بالزواج.
السجن كان مصيرها للمرة الثانية، أو أنها تمضي على صك ملكية عذابه.
وها هي توقع هذا الصك بقلب جامد.
الظلم.
ستجعله يأخذ ثأره الذي لا ذنب لها فيه.
فالجميع يأخذ حقه منها ولم يعد يفرق معها، فالقلب قد مات.
انتهت المهمة المثقلة وخرجت من المحكمة التي تم عقد القران بها.
سارت خلفه بخطوات بطيئة ترافقه وهي لا تشعر بشيء.
"اتحركي ولا هتعملي نفسك عروسة؟"
رمقته بألم تنظر إليه بصمت.
دَلفت للسيارة ودلف هو الآخر ليأمر سائقه بالتحرك.
بعد نصف ساعة وصلت السيارة لمنزله الذي اتهمت فيه بالسرقة.
وبخطى سريعة دلفت للمطبخ ترثي حالها.
"مش قولتلك حصّليني على مكتبي؟"
أشاحت عيناها بعيداً عنه تكره سماع صوته.
"فاضل إيه تاني؟"
احترقت الكلمة أذن فرات لتصدح ضحكاته.
"فاضل إيه.. لا إحنا لسه هنبدأ وخطوة خطوة."
واقترب منها يجذبها من مرفقها صاعداً بها لغرفته يُلقيها فوق الفراش بقسوة.
"زي ما اتعمل فيها وماتت بسبب أبوكي هيتعمل فيكي. رحمتك من إني أخليكي تبيعي نفسك عشان جرعة تشميها."
اتسعت حدقتي صفا وهي تفهم نواياه التي لم تكن تظنها.
ظنت العقاب سيكون ذلاً، ولكن كلماته توحي بشيء لا تريده.
الرجل الوحيد الذي أرادت أن يلمس جسدها وتكون له، نبذها من حياته.
"انت هتعمل فيا إيه؟"
تجلجلت ضحكاته بقوة وهو يُلقي بعصاه وبدأ في فك أزرار قميصه.
"هتكوني عاهرة لمتعتي يا صفا.. هخليكي تكرهي نفسك.. هغتصبك كل يوم.. هخليكي تصرخي تطلبي الرحمة.. هخليكي ست من غير روح."
تصلب جسدها ونهضت كي تفر من جحيمها، إلا أنه أحكم حصاره عليها ولم يفقد قوة جسمانه رغم الحادث الذي أدى إلى تركه لرتبته بالجيش.
هجمها بقبلاته.
كان يضع فيها ضياع حبيبته التي أخذها منه الموت بسبب والدها اللعين.
استسلمت بعد أن خارت قواها وهمست باسمه تستنجد به وتصرخ صرختها.
"حمزة."
ابتعد عنها وهو يلهث، وآخر شيء كان يتوقعه.
صفا عذراء.
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سهام صادق
وقف أسفل المياه يفرك عيناه غير مصدقاً فعلته.
داخله نيران مشتعلة هائجة بالانتقام، كلما تذكر مكالمة عامر والد مكرم وهو يحكي له عما فُعل بابنته التي لم يحب امرأة غيرها، وموتها جعله يعيش عمره عازباً لا يفكر بالنساء.
الحقيقة ظهرت بعد سنوات عديدة، وأراد الانتقام من تلك التي يهواها كل رجل.
انتقل بكفه لخصلات شعره يعيدها للخلف، وصوت صراخها يقتحم أذنيه، ودماء عذريتها ما زالت أمام عينيه، فقد كان يظن أنها ثيب وليست عذراء.
أنهى استحمامه ليخرج من المرحاض، يجفف خصلاته يتحاشى النظر نحو فراشه الذي ما زالت مستلقية عليه، تحدق بعينيها بسقف الغرفة وقد جفت دموعها على وجنتيها.
سرق الشيء الذي احتفظت به لشخص واحد.
لم تعطيه لعماد زوجها الذي زوجه لها والدها غصباً، وقد رضخت لذلك الزواج بعد أن وعدها عماد أنه سيثبت براءة حمزة ويجعله يعود لعمله.
باعت روحها من قبل لتحمي من أحبت، أما اليوم باعت روحها لسبب خفي، ليس السجن بل أن تجعله ينتقم منها بحق منال التي عادت تقتحم كوابيسها كل ليلة.
"مكنتش فاكر إنك لسه بنته."
تفوهت فرات، وعندما تعلقت عيناها به، أردف بملامح جامدة:
"أبوكي أخد منها نفس الشيء اللي أخدته منك."
وصمت قليلاً وهو يرمق حركت عينيها.
"لكن الانتقام مش عادل."
سقطت عبارته على مسمعها، فأي عدل يتحدث عنه؟
هي لم تر عدلاً بحياتها، عاشت لتدفع ضريبة أب لم تحظ إلا بقسوته.
فاقت من شرودها على أنفاسه القريبة منها، لتنكمش على نفسها تُداري عريها من نظراته.
صدحت ضحكاته بعلو:
"متخافيش أوي كده، خلي خوفك للأيام الجاية."
أغمضت عيناها بقوة ولم تشعر بنفسها إلا وهي تنتفض من فوق الفراش ويداها تمزق وجهه.
"حيوان، معندكش رحمة!"
دفعها عنه بقسوة، يطالعها وهو يمسح على وجهه الذي جرحته بأظافرها، لتبصق على وجهه.
صفعة قوية سقطت على وجهها، شعرت وكأن خدها قد تخدر.
"اخرسي خالص، مش عايز أسمع صوتك. كنت ناوي ملمسكيش تاني وأرحمك بس خلاص، كل ليلة هتبقى عاهرتي لحد ما أنا أرميكي بنفسي."
***
دلف لغرفتها يبحث عنها بعينيه.
نظر إلى الوقت في ساعته، فلم يعد يتبقى إلا ساعة على موعد العزيمة.
"هناء."
مع ندائه الثاني وجدها تخرج من المرحاض، تحني جزعها العلوي قليلاً وتضع بيدها فوق بطنها تتأوه بخفوت.
"بطني بتتقطع.. آه يا بطني."
فزع من هيئتها قلقاً واقترب منها بلهفة.
"مالك يا هناء؟"
تعمقت عيناها به، آلمها قلبها وهي ترى أخيراً لهفته عليها، ترى من حلمت به وانتظرته طويلاً وأصبح كل شيء يتحقق كما تمنت، ولكن بعد أن أصبحت لا تنتظر شيئاً منه واعتاد قلبها على حكاية واحدة، أنه تزوجها غصباً وتزوج من أخرى قبلها، حملت منه طفلاً.
"هناء ردي عليا مالك؟"
فاقت على هتافه وأخذت تتأوه حتى تتصنع دورها بإتقان وتهرب من تلك العزيمة التي تخشى فيها رؤية خالد وتنكشف كذبتها ويطردها من عملها بالفندق.
"بطني يامراد بتتقطع."
وقبضت على ذراعه تصطنع الألم ثانية وصوت آهاتها يعلو.
ضاقت عيناه وهلع قلبه عليها، ولا يعرف لماذا أصبح هكذا.
"غيري هدومك نروح للدكتور.. ولا أقولك أنا هطلب دكتور.. شكلك أكلتي حاجة منتهية الصلاحية."
ابتسمت داخلها على القلق الذي سببته له، وخفق قلبها وهو يجلسها فوق فراشها وأنفاسه تسير على عنقها.
انتبهت على سكونها بين ذراعيه واستمتعها بتلك المشاعر.
نفضت رأسها سريعاً وهي تجده يخبزها أنه سيتصل بالطبيب وأخرج هاتفه من جيب سرواله لتقبض على ذراعه بقوة ليسألها:
"مالك فيكي إيه؟"
تمتمت وقد تعلقت عيناها به وكأنها طفلة صغيرة:
"مبحبش الدكاترة يامراد."
ضحك على عبارتها وهو يحرر ذراعه من قبضتها.
"بطلي شغل العيال ده ياهناء، وسبيني أكلم الدكتور."
"مراد أنا هبقى كويسة.. هشرب حاجة سخنة وهتحسن.. روح أنت العزومة الناس مستنياك."
تذكر أمر العزيمة بعد أن وقفت أصابعه على شاشة الهاتف.
"عزومة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ هعتذر منهم وخلينا فيكي دلوقتي."
وكاد أن يضغط على رقم الطبيب الذي اقترح اسمه إحدى التطبيقات الهاتفية، فأرتبكت وخشت أن يكشف كذبتها.
"يامراد اعملي حاجة سخنة طيب وأنا هبقى كويسة، صدقني لو مبقتش كويسة أطلب الدكتور."
رمقها للحظات مفكراً، ومع إلحاحها رضخ للأمر واتجه نحو المطبخ حتى يحضر مشروباً ساخناً لها.
التقطت أنفاسها براحة بعد أن نسي أمر الطبيب وخلصت حالها من تلك العزيمة.
***
ضمت جسدها المرتجف بذراعيها تهتف باسمه كالغائبة تتذكر أيامهم معاً.
الحب الذي بدأ بلعبة انقلب إلى عشق، ذاقت فيه أجمل أيامها.
سقطت دموعها وهي تتذكر كيف كان يعاملها ويحلم معها بالبيت السعيد، المال الذي يدخره من أجل أن يشتري شقة تليق بها وعرس كما تتمنى.
همست بقلب قد ثقلت فيه الآلام:
"محبتش غيرك.. انت الوحيد اللي علمتني إزاي أحب نفسي.. أنا دلوقتي بكره نفسي وكل حاجة فيا."
تعالت شهقاتها ولمساته تحرق جلدها.
لطمت جسدها بيداها تصرخ قهراً:
"مكنش بيحبني.. مكنش بيعاملني كأني بنته من لحمه ودمه.. ليه أتحمل كل ده وأدفع تمنها؟"
استمع إلى صراخها وهو يسند وجهه بين مرفقيه لا يقوى على تحمل صراخها وعويلها.
***
قضمت شفتيها بقوة لعلها تخرج حنقها من إلغاء تلك العزيمة.
تأملتها شقيقتها وهي تطعم طفلها الصغير، فتمتم خالد متعجباً وهو يرى تبدل ملامحها.
"مش معقول تكوني مضايقة عشان الراجل اعتذر عن العزيمة."
قطبت حاجبيها بضيق ونهضت من فوق مقعدها، تدق الأرض بكعب حذائها مبتعدة عنهم.
"هتفضى امتى لينا يا خالد؟"
تعمقت عيناه بزوجته التي تترجى منه اهتماماً ولكنه لا يستطيع.
زيجة كلما تذكرها تذكر إرغام عمه له بأن يتزوج ابنته حتى ينال من المال الذي تعب في جمعه معه.
حاول كثيراً أن يحبها ولكنه لم يعرف الحب معها إلا علاقة زوجية يعطيها إياها وكأن هذا هو حقها.
"مش فاضي يا جنات."
كلمة تسمعها منه دوماً، ولكن تتحمل بداية من أجل حبها له ثم من أجل صغيرهم.
"انت ديما مش فاضي."
زفر أنفاسه يضيق من حوارهم الدائم ونهض متعللاً:
"عندي مشوار مهم.. سلام."
***
ناولها للمرة الرابعة مشروباً آخر ساخناً.
وانقلبت كذبتها عليها.
"خدي اشربي ده كمان ياهناء.. عشان الألم يخف بسرعة."
أغمضت عيناها نادمة على فعلتها، فمعدتها ستكاد تنفجر من السوائل.
رمقها بخبث، فقد كشف لعبتها حين كان عائداً من المطبخ متلهفاً يحمل لها كوب النعناع الساخن، سمعها وهي تحدث ياقوت تخبرها عن نجاح خطتهم.
"كفاية يامراد.. بقيت كويسة خلاص."
جلس جانبها يتعمق في النظر إليها.
"لا أنا حاسس إنك لسه تعبانة.. يلا اشربي."
ضمت شفتيها متذمرة.
"لا مش هشرب.. اشربه انت."
دنى منها كي يساعدها على ارتشاف المشروب.
"انت بتعمل إيه؟"
"مدام مش عايزة تشربي.. هشربهولك أنا."
تفوه بعبارته يُحدق بها بنظرات عابثة، لتلتقط منه الكوب فلا يوجد مجال للهرب منه.
أنهت ارتشافه، لينظر لها وهي تمسح شفتيها بيدها وتعبس بوجهها.
خفق قلبه على هيئتها الجميلة، تذكر صفعتها التي استحقاها.
نفض أفكاره سريعاً ونهض من جانبها وهو يلتقط الكوب.
"هروح أجيب لك كوباية تانية."
صرخة قوية خرجت منها، لتجذبه من مرفقه متوسلة:
"لاااا كفاية حرام عليك."
تصدح ضحكاته عليها مستمتعاً بما أصبح يعيشه معها، وياليت الأيام تعود للوراء.
***
تعمقت بذراعه كي تلتقط منه الهاتف.
من غبائها سمعها وهي تحدث نفسها عن الخطة التي اتفقت عليها هي وهناء.
لم يكن يفهم الحكاية، ولكن عندما سألها أفصحت عن كل شيء، ثم جاءت صدمتها.
"متتصلش بمراد ياحمزة.. كده هناء هتزعل منك."
كان يمازحها ويضحك على تصديقها أنه سيهاتف مراد.
انتقل الهاتف من ذراعه الأيمن إلى الأيسر، لتتجه نحو الآخر.
"ياقوت أنا خلاص قررت أتصل بمراد أقوله على لعبتكم.. سيبي دراعي بقى."
تفوه بعبارته بحزم حتى تخيل عليها فعلته.
سقطت عيناها على مقاعد طاولة الطعام، لتركض نحوها تحت نظراته ليجدها تأتي بالمقعد كي تصعد فوقه.
انفرجت شفتاه بضحكة صاخبة.
"هتعملي إيه يامجنونة؟"
طالعته بعلو وزمت شفتيها حانقة.
"هطلعالك مدام مش طايلها."
استغلت غرقه بالضحك وصعدت فوق المقعد لتلتقط الهاتف منه، تهللت أساريرها فرحاً وكأنه أكبر إنجاز لها.
ولم تكتمل فرحتها وأنبطحت أرضاً بعد أن تعرقلت قدمها وسقطت من فوق المقعد.
"آه يا رجلي.. انت اللي وقعتني."
ضحك على هيئتها المثيرة وداعبها بمزاح أصبح يعيشه معها.
"آه يا رجلي واه يا تليفوني اللي اتكسر شاشته."
طالعت هاتفه بصدمة واتسعت حدقتاها.
"وقع مني من غير ما أقصد.. أوعى تزعل مني."
عبست ملامحها وهي تؤنب نفسها ليضحك من قلبه.
"والله انتي هبلة.. يعني هزعل على تليفون.. تعالي وريني رجلك."
اعتادت أن تصرخ بها زوجة أبيها إذا أسقطت شيئاً، حتى عمتها كانت بها ذلك الطبع تظل لأسبوع تؤنبها على فعلتها.
دلك كاحلها برفق.
"بتوجعك؟"
نفت برأسها ثم حركتها بالإيجاب.
"بتوجعك ولا لأ يا ياقوت.. لأن أنا كده مش فاهم حاجة."
تخضبت وجنتاها خجلاً وهتفت بقلب يحتاج الأمان والعطف.
"لا مش بتوجعني.. بس أنا عايزة نفضل كده."
اقترب بوجهه منها يتحسس بأنامله شفتيها.
"وعايزة إيه تاني؟"
طأطأت عيناها حتى لا ترى نظراته التي تربكها.
"نفسي أصحى من النوم ألاقيك جنبي."
طلباتها كانت حقوقها التي تُحرم منها، لأنه رجلاً منقسماً بين واجب عائلته التي تتعلق بعنقه وبين تلك التي وضعها في قفصه ينال منها رحيقها كل ليلة يروي عطشه، يكمل نواقصه معها.
وها هو ينهل منها وهي تغرق بين ذراعيه تُسلم له حالها بأنفاس هائجة.
***
وقف مكرم بوجه محتقن بعد أن تلقى إجابة فرات.
لم يخبره فرات أنه تزوجها بل أنها رحلت وعادت لمصر.
"إزاي ده حصل.. سافرت إمتى؟"
حدق به فرات بوجه جامد ثم عاد يطالع الأوراق التي أمامه.
"سافرت النهارده الصبح."
زفر مكرم أنفاسه بثقل، فقد هربت منه قبل أن يصفوا حساباتهم.
"أنا محتاج آخد إجازة يافرات بيه.. أنزل مصر أريح أعصابي شوية."
أكثر ما كان يميزه هو الثبات ورحيل صفا قد صدقه.
"مافيش مشكلة يامكرم.. ولدك طلب مني ده.. محتاجك الفترة دي جنبه."
***
بللت شفتيها بتوتر تُحاول أن تعيد عليه طلب شقيقتها التي أصبحت تهاتفها كل ساعة من أجل أن يجد لهم زوجها حلاً.
"شريف ممكن أتكلم معاك؟"
التقط ساعة معصمه كي يرتديها، يقطب حاجبيه.
"لو نفس موضوع امبارح لأ.. لأني مش هساعدهم."
صمتت وهي تتذكر حديث شقيقتها أنها ستقاطعها إذا لم تؤثر على زوجها.
"يا شريف انت تقدر تخدمهم ياخدوا الشقة دي.. هما مقدمين فيها بس سمعوا إن الموضوع محتاج واسطة."
"مها اقفلي الموضوع ده.. لأني مش هساعد أختك ولا جوزها اللي مش بطيقه وبستحمل يدخلوا بيتي عشان متزعليش."
طأطأت عيناها وهي تعلم أنه مُحق، ولكن في النهاية ماجدة شقيقتها.
"شريف هو انت بتتكسف من عيلتي؟"
لم يكن يقصد الكلمة، ولكنها خرجت منه دون قصد، فهو يكره سالم اللعين الذي ينتظر وقوعه بفارغ الصبر، أما شقيقتها فهو لا يرى إلا شقيقه أنانية.
"أيوه يامها بتكسف من إن اسمي يرتبط باسمهم.. ارتاحتي."
***
نظر شهاب نحو المخبوزات الشهية المحشية بالجبن والبقدونس التي يعشقها.
"إيه ده يا سمرا؟"
تمتمت سمر بخجل وهي تنظر إلى ما وضعته.
"عرفت من ندي إنك بتحبها يافندم."
تلذذ شهاب من طعمها وهو يتناولها.
"تسلم إيدك.. أنا فعلاً بحبها جدا."
التقط واحدة ثم الأخرى متلذذاً بالمذاق.
فوقفت تتأمله بإستمتاع.
صداقة شقيقتها ب ندي أصبحت تُثمر ثمارها من أجلها وستجد الحب الذي تستحقه، رجلاً أكثر وسامة ومالاً من ذلك الذي تركها.
***
طالعها متهكماً وهي ترتجف أمامه وتعض شفتيها بقوة، فليلة أخرى سينالها فيها.
"تفتكري ده كان نفس شعورها وابوكي بياخد حق مش ليه؟"
سقطت دموعها وهي تتذكر صديقتها.
اليوم علمت معنى أن يسلب أحداً جسدك.
جربت شعور صديقتها، ولكن منال لم تكن إلا غائبة، فالجرعة كانت تجعلها تحلق بسعادة.
مشهد عاد به الزمن للوراء، والآن مشهد آخر تدفع ضريبته أخرى.
حاول أن ينالها ولكنه اشمأز من نفسه ومنها ليدفعها عنه.
"امشي اطلعي بره."
تعالت شهقاتها ولملمت ما عراها من جسدها لتركض، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تخرج للشارع تبكي.
وقفت تلتقط أنفاسها وعادت تنظر للمنزل ثم للطريق الذي أمامها.
وأسئلة كثيرة تدور بخلدها، إلى أين سترحل؟
***
تعمقت عيناها بالصور التي تجمعهم كعائلة واحدة سعيدة.
"كنا ديما مبسوطين ومع بعض يارؤى.. دلوقتي خلاص هي هتاخده مننا."
ارتشفت رؤى من كأس العصير خاصتها.
"عندك حق تزعلي.. كان وعدك هياخدكم مع بعض وتسافروا واه اخدها هي.. واكيد هي اللي رفضت وجودك معاهم."
أظلمت عين مريم بالحقد لتطالع صديقتها.
"أنا بكرها.. ديه حية تبان قدام الكل إنها طيبة بس هي أفعى."
أومأت رؤى برأسها مؤكدة، وداخلها تبتسم على تحويلها لمريم مثلها، فتاة حاقدة تؤذي من حولها.
"هي مين الست اللي كانت عندك قبل ما أجلك.. ست شيك وجميلة أوي؟"
ابتسمت مريم وهي تتذكر سيلين، رغم معرفتها القليلة بها قبل سفرها خارج مصر، إلا أنها حين عادت أتت لزيارتها تحمل معها إحدى الهدايا بالماركة التي تحبها.
"دي سيلين كانت سكرتيرة بابا وبعدين سافرت الإمارات تشتغل هناك.. ورجعت هنا تاني."
لمعت عين رؤى بخبث لا يناسب عمرها.
"إيه رأيك ندخل سيلين طرف تالت بينا بما إنها هتشتغل في الشركة؟"
***
دلت للغرفة التي تم حجزها وهي لا تصدق أنها بتلك البلد ومعه.
نظر إلى عيناها التي تجول بالغرفة.
"عجبك المكان ياياقوت؟"
طالعته بسعادة واقتربت منه تدفن وجهها بحضنه.
"أنا مبسوطة أوي إنك جبتني معاك."
ابتسم وغمرها بين ذراعيه سعيداً لسعادتها.
"وأنا مبسوط إنك فرحانة."
تعمقت عيناها به بعدما ابتعدت عنه، وقلبها يطلبها بمعرفة الجواب الذي تتمناه.
فركت يداها بتوتر ثم حررت كلماتها من بين شفتيها.
"هو أنا بالنسبالك إيه؟"
***
ألقى فرات الهاتف فوق مكتبه مصدوماً.
"عزيز قد قُتل."
اقتربت من مكان جلوسه تحمل فنجان قهوته التي أمرها بها، ليتصلب جسدها وهي تسمع عبارته.
"جهزي نفسك هننزل مصر."
رواية للقدر حكاية الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سهام صادق
- أنا بالنسبالك إيه؟
عبارة أردت معرفة جوابها، ولكن لم يُحررها لسانها كما رغب بها قلبها.
- ياقوت، مالك بتبصيلي كده؟
أردف مازحاً، يقرص وجنتيها.
- شكلك معجبة بيا ولا إيه؟ أنا عارف إني وسيم.
شاحت بوجهها عنه خجلاً، تتذكر بعض النصائح التي قدمتها لها هناء حتى تزيل خجلها هذا وتعتاد على أنها زوجته.
- مغرور يا حمزة بيه.
قهقه غير مصدقاً ما قالته، ليدير وجهها نحوه ثانية، سعيداً بتحررها من قيودها معه.
- مغرور؟ وحمزة بيه؟ وفايدتها إيه بيه بقى؟
ضحكت، ليتعمق في النظر إليها، فأشتعلت وجنتاها خجلاً.
- خجلك مميز أوي يا ياقوت.
جالت أنفاسه على صفحات وجهها، وهو يُسلط عيناه على حركة شفتيها.
- بس أنا عايزة أتحرر منه.. عايزة أكون حد غير نفسي.. إنسانة قوية تعرف تاخد حقها.
كان غارقاً تلك المرة بالنظر في عينيها. قضمت شفتيها مرتبكة، ثم همست باسمه.
- حمزة.
نسي موعد اجتماعه ليجذبها إليه، وعطشه في براءتها يزداد. هل القدر كان يخبئ له تلك الصفحة البيضاء؟ ياقوت، وما هي إلا كاسمها.. ضعفها وخجلها الذي تخجل منهما، ما هما إلا لعنته تسحره بهما، وهو رجل اعتاد على الخشونة بحياته.. اعتاد على النفاق والمجاملات، اعتاد على ظلام حوط قلبه لأعوام.
- أنا قوتك يا ياقوت.. اتحرري من خجلك معايا أنا.
ابتسمت برأسها مغمضة العين، لتشعر بأنفاسه القريبة منها للغاية، ثم سقوطها فوق الفراش، ودقات قلبهما تتعالى بنغمة الحب.
***
ترجت السائق بصوت قد بحت نبرته من أثر صراخها الأيام الماضية.
- الله يخليك، ممكن تاخدني على شركة الزهدي؟ أنت أكيد عارفها.
ارتبك السائق بعدما تحرك كي يأخذ طريقه نحو المزرعة.
- أوامر فرات بيه إني أوصلك المزرعة.
التفتت صفا نحو المكان الذي تحرك إليه فرات، وكان هناك رجلان بانتظاره، ولم يكن المكان إلا مديرية الأمن.
- محدش هيعرف حاجة.. ربنا يخليك، أنت شكلك طيب.
ظلت تترجاه، إلى أن تنهد السائق، يرمقها من مرآة السيارة.
- عشر دقايق بس.. مش عايز أروح في داهية.
انشقت ابتسامتها بصعوبة، تشكره على موافقته.
- شكراً.
تحرك السائق نحو عنوان الشركة التي أملته له، عنوانها وبسهولة عرف المكان. هبطت من السيارة، وكل أملها أن حمزة يخلصها من فرات. لا تريد شيئاً منه إلا الخلاص.
- عشر دقايق بس.
قالها السائق بقلق أثناء هبوطها، لتخطو نحو بهو الشركة، ووقفت أمام إحدى موظفات الاستقبال تسألها بلهفة.
- ممكن أقابل حمزة.
عندما طالعتها الفتاة دون فهم، فمن حمزة الذي تريده؟ فالمالك الشركة لا أحد ينطق اسمه مجرداً.
- قصدي حمزة بيه.. صاحب الشركة.
أومأت لها الفتاة برأسها، تتفحص هيئتها الباهتة، مجيبة بملامح باردة.
- حمزة بيه مسافر.
انطفأت ملامحها بيأس، لم تجد خلاصها، لم تجد من مهما قسى عليها سيحميها.
عادت بأدراجها لخارج الشركة، لتجد السائق أمامها.
- متودنيش في داهية.. أنا راجل غلبان.. يلا خليني أوصلك المزرعة.
***
وقفت أمامه ترسم على ملامحها البراءة، تتذكر ما سمعته ليلة أمس عندما تلصصت عليهم وسمعت مكيدتهم.
- ما الأمر سهيل؟
رمقها سهيل بملامح جامدة، يود لو يطردها الآن، ولكن عجزه هو شقيقه المتعلق بها وكأنه طفل صغير. لم يكن نور الدين رجلاً ضعيفاً يوماً، ولكن عجزه وحاجته لأحد يحبه جعله طعماً سهل المنال.
- ماذا تريدين جين، وتغادري هذا المنزل؟
قالها سهيل وهو يقف بثقته المعهودة التي أحبتها فيه.
اقترب منه كي يجعل سحره يطغى عليها وتعترف برغبتها به.
- ماذا؟ أنت تريد أن تبعدني عن نور الدين؟
وتقدمت منه تذرف دموعها ببراعة.
- أنا لا أريد المال سيد سهيل.. أنا أريد نور الدين فقط.
كانت سماح تقف بالخارج، وبجانبها نور الدين على مقعده المتحرك. انصدمت سماح من رد فعلها، فالخطة لم تحصد ما أرادوه. لتعلق عيناها بنور الدين الذي قاد مقعده المتحرك نحو غرفة المكتب المفتوحة بعض الشيء.
- كفى تصنع جين.. أنا وأنتي نعرف ماذا تريدين.
- يكفي سهيل.. يكفي.
كلمات خرجت من شقيقه بحزم، لينظر نحو محبوبته الباكية، يفتح لها ذراعيه.
- تعالي حبيبتي.
ابتسامتها الخبيثة لم يراها إلا سهيل، الذي تجمدت ملامحه على مشهد ضم شقيقه لها.
ألتقطت عيناه بسماح التي طالعته بيأس، فخطتهم لم تجني نفعاً. رحيلها كان متوقفاً على فشل تلك الزيجة، ولكن..
- سنتزوج أنا وجين بعد غد.
***
انتظرت أن ينهي لقاءه مع شركاءه في التحدث عن الصفقة التي أتى من أجلها. زفرت أنفاسها بيأس تتلاعب بكأس مشروبها. ابتسمت وهي ترى هاتفها يضيء برسالة، فضحكت وهي تقرأ محتواها. صديقتها تحقد عليها أنها الآن في دولة أوروبية تقضي وقتاً ممتعاً.
وجهت هاتفها نحو حمزة الجالس أمامها يخاطب شركاءه ويدرسوا بعض العقود. ألتقطت الصورة لتبعثها لصديقتها.
"شايفة الاستمتاع اللي أنا فيه؟"
حدقت هناء بالصورة وهي تلتقط شرائح التفاح تلتهمها.
"يا خيبتك يا ياقوت.. طول عمرك خيبة.. هستنى إيه من واحدة كانت بتنام من بعد العشاء؟"
تبدلت ملامحها بمقت وهي تقرأ عبارات صديقتها، وقد أتمت رسالتها بأحد الملصقات المضحكة.
"كده يا هناء.. أنا تقوليلي كده؟"
لتضحك هناء باستمتاع على صديقتها الحبيبة.
"ما أنتي خيبة.. عمتك الله يرحمها خليتك قطة مغمضة... أنتي محتاجة تدخلي مكنة إعادة تأهيل."
شعرت هناء بالتسلية وهي ترى الملصقات الغاضبة التي تبعثها، لتبدأ في متابعة مشاكساتها.
"ياخيبة."
انتفخت أوداجها بعد تسلية هناء بها. عيناه كانت تتابع تحول ملامحها من الاسترخاء للعبوس والحنق وتحديقها بشاشة هاتفه.
نهض معتذراً من شركاءه متجهاً إليها. لم تنتبه لقربه فقد كانت منشغلة في النيل من هناء ومن فظاظتها.
دنا منها ينظر إلى ما تكتبه، لتنفرج شفتيه بابتسامة واسعة وهو يقرأ بعض العبارات التي ترسلها لصديقتها. زوجته الخجولة تطلق سباباً وألقاباً مضحكة.
- ولما هي اسمها علوكة، أنتي اسمك إيه؟
تجمدت أصابعها على الهاتف وهي تسمع صوته. ألتفتت نحوه ببطء بعدما قلبت الهاتف على شاشته.
- أنت هنا من امتى؟
ابتسم مستمتعاً.
- من زمان.. من ساعة فرس النهر.
توترت من نظراته العابثة.
- هو أنت هتخلص إمتى عشان زهقت من القاعدة لوحدي وخليت هناء تشمت فيا.
ارتفع حاجبه الأيسر على عبارتها، ومد كفه يمسح على وجهها بحنان.
- شكل السفرية دي هتحولك لزوجة لمضة.
تفاجأت به وهو يلثم خدها، وتركها عائداً لضيوفه. لتلتقط أنفاسها من أثر تلك المشاعر التي يغدقها بها، وكأن ما كانت تعيشه معه من قبل فترة خطبة لا أكثر.
***
تعلقت عيناها بهاتفه وهو يضيء أمامها برسالة برقم ليس مسجلاً لديه. قادها فضولها أن تفتحها، لتنظر لمحتوى الرسالة تتذكر هل زوجها لديه في قمصانه لون كهذا؟ وعندما تذكرت أنه بالفعل لديه هذا اللون بل ويفضله، أزالت نظارتها الطبية من فوق عينيها.
- شهاب.. افتح يا شهاب.
كان داخل المرحاض يُنهي استحمامه ويلف المنشفة فوق خصره. فتح لها الباب مفزوعاً من صوتها.
- في إيه مالك؟
ألقت الهاتف نحوه ليلتقطه مذهولاً من فعلتها.
- شوف يا أستاذ المُعجب بلون القميص بتاعك.
طالعها وهو لا يفهم ما تقصده. وانتقلت عيناه نحو هاتفه يقرأ محتوى الرسالة، ثم عاد ينظر إليها فوجدها واقفة تطوي ساعديها أمامها وترمقه بمقت وتهز ساقيها. أعجبته هيئتها فأبتسم باعتزاز.
- شايفه الناس اللي بتفهم وبتقدر.. قوليلي يا ندى هو القميص الكحلي واللحية الخفيفة بيخلوني خارق كده وشبه اسمه إيه ده اللي قالت عليه؟
رمقته وهي تجز فوق أسنانها بغضب ساحق.
- كينان أميرزالي يا حبيبي.. الهانم بتشبهك بـ كينان أميرزالي.
اشتاق لغيرتها وفقد صوابه ليقرأ الرسالة بصوت عالٍ.
- إذا كان كده نلبس القميص ده كل يوم.
ولم يشعر إلا وهي تتعلق بعنقه تخنقه بيديها.
- يا مجنونة هتموتيني.
***
- هي اللي موتته يافرات.
تتمتمت فادية عبارتها والألم ينهش قلبها، حتى أنها أصبحت غير واعية لما تتفوه به.
- أنتي مجنونة يافادية.. صفا كانت معايا في الكويت.
تعلقت عيناها به، ثم ضمت أولادها إلى حضنها باكية.
- جوزك اتقتل لأن ريحته بدأت تطلع وزهقوا منه.
تعالت شهقاتها بألم تهمهم بعويل.
- خدلي حقه يافرات.. خدلي حق جوزي.
***
تقلبت في نومتها تصرخ. اقتربت منها المرأة التي تعيش معها بنفس الغرفة في سكن المزرعة.
- ماليش ذنب في حاجة.. ابعد عني.. متلمسنيش.
ارتجفت المرأة من أثر صراخها ودفعتها على كتفها برفق كي تستيقظ.
- مصيبة إيه اللي اتحدفت عليا يارب.. مالقوش غير دي ويحطوها معايا في الأوضة.. أنا إيه اللي جابني اشتغل هنا.
انتفضت صفا من غفوتها، تقبض على يدها كي تطمئن أنها فاقت من كابوسها. تخشبت المرأة في وقفتها تهتف بخوف.
- بسم الله الرحمن الرحيم.. أنتي شكلك ملبوسة.. أنا لازم أخلي عنتر يشوفلك مكان غير ده.
انتبهت صفا عليها أخيراً وشعرت بخوفها.
- متخافيش مني.. أنا كنت بحلم وخلاص.
صحي.
رمقتها المرأة التي تدعي حورية، لانت ملامحها وهي تشعر أنها بالفعل عانت كثيراً وقسمت الحياة ظهرها. ابتعدت عنها تجلب لها كأس الماء، لتلتقطه صفا وترتشفه دفعة واحدة.
- شكراً.
جلست حورية جانبها بعد أن اطمأنت قليلاً منها.
- شكل الدنيا ملطشة معاكي أوي.
وأردفت ببؤس تلوي شفتيها بقله حيلة.
- اللي يشوف حياة الناس تهون عليه حياته.
***
ألتقط يدها وهي نائمة على صدره. دقات قلبه كانت تسمعها، وأنفاسه تشعر بدفئها فوق بشرتها العارية.
- تعرف أن عمري ما حسيت بالدفا.
طالعها حمزة متعجباً وضمها إليه أكثر.
- أنتي مش دفيانة.. أعلى تدفئة المكيف شوية.
رفعت عيناها نحوه تنظر له بشرود.
- ده شعور ديما جوايا لو حطيت فوقي مليون حاجة ودفتني.
وعاد مشهد زوجة أبيها وهي تسحب من فوقها الغطاء، وآخر عندما كانت تجعلها تغسل سجاد المنزل ليلاً ثم تبيت مبتلة الملابس منهمكة من التعب. كانت لا تعبأ بها إذا مرضت، ولكن مع شقيقتها ياسمين كان الأمر غير ذلك. تبدل لها ملابسها وتوبخها على نومها وملابسها مبتلة. ترى المشهد بحسرة تتمنى أن تجد يداً حانية تزيل دموعها التي تسقط ألماً وحاجة.
شعر بدموعها فوق صدره لتبهت ملامحه وهو يسمع بعض تفاصيل حياتها. أخيراً تحررت معه من صمتها وبدأت تقص عليه ذكريات طفولتها.
- احكي يا ياقوت.. احكي كل اللي وجعك.. هتتحرري من قيودك.
عبارة ينصحها بها، وهو بحاجة أن يفعل ذلك.
- مبحبش.. أحكي بتوجع أكتر.
أغمضت عيناها وهي تضم جسدها نحوه أكثر، فدنت منها حتى تلامست جبهته بجبهتها واختلطت أنفاسهم، وأصبحت شفتيهم لا يفصلهما إلا التلامس.
- جربي.. عايز أعرف ياقوت البنت اللي جات من بلدها تشتغل في مكان غريب عليها.. البنت اللي لسه الدنيا بتعلمها من دروسها.
وانتهى الكلام مع الكلمة التي نطقتها، لا تعرف كيف خرجت منها.
- أنا بحبك.
***
اقترب منها يلثم جبهتها.
- أنا عارف إنك صاحية يا مها.
فتحت عيناها وقد غامت عيناها بالدمع بسبب رفضه لقرب شقيقتها منها.
- اعملي حسابك إننا هنسافر آخر الشهر أمريكا.. مراد بعت تقاريرك لصديق لي هناك ولقى أن الأفضل نسافر أمريكا عشان عملية عينك.
مدت يداها تبحث عن وجهه، ليقترب منها يرتب خصلاتها بحنان ويسمح على خدها برفق.
- يعني هعمل العملية قريب.
واعصر الألم قلبها وهي تتذكر عمليتها التي فعلتها منذ سنوات وقد فشلت.
- لو العملية منجحتش يا شريف...
لم يجعلها تكمل عبارتها ليهمس لها بأنفاس متقطعة وهو يغمرها بدفئه.
- هنكمل طريقنا وحياتنا سوا.
***
فتح فرات عينيه يلتقط أنفاسه بصعوبة، لا يصدق أنه حلم بها بين ذراعيه. كل تفاصيل الليلتين اللتين نالهما فيها تقتحم عقله دون هوادة. ظن أنه سينسى، ولكن تلك الليلتين وسموا جسده. هناك شعور بداخله يريدها ثانية، وعقله يفسره أنها نيران الانتقام، أما جسده يراها رغبة، وهناك شيء خفي يزرع.
نهض من فوق فراشه ينفض تلك الأفكار والأحلام من رأسه، يسير نحو الشرفة يفتحها على مصراعيها.
***
فتح سالم باب الشقة برفق، ينظر للرجل والمرأة التي معه.
- ليدلفوا الشقة، فهتفت المرأة بخلاعة.
- شربتها الشاي بتاع كل أسبوع.
ضحك سالم وهو يجذبها نحوه يقبلها أمام زوجها ويعبث بجسدها.
- طبعاً يا جميل وزودت الجرعة كمان.. عشان نقضي الليل كله سوا.
طالعهم زوجها وهو يفك أزرار قميصه، فضحك سالم بصخب وهو يجذبها للغرفة الأخرى.
- هتلاقيها عندك في نفس الأوضة يا أشرف.. استمتع وسيبني استمتع.
***
اتسعت حدقتا هناء وهي تلمح زوجها يدلف من باب الفندق وبجانبه نغم وصوت خالد يهتف بها.
- آنسة هناء.. يا ريت تشوفي كل حاجة جاهزة وتشرفي بنفسك على الموظفين.
ارتاعت هناء وعادت تنظر إلى خطوات مراد ونغم الملتصقة به، وخالد الذي يرمقها وهي تلتف هنا وهناك، ولم تجد حلاً إلا المرض.
- آه بطني.. معلش يا مستر خالد.
وفرت هاربة من أمامه تحني جذعها العلوي ليُحدق بها وهو لا يفهم شيئاً.
- مالها البنت دي يا خالد؟
رمقت " نغم" هناء التي اختفت عن أنظارهم، لينظر نحوها مراد بعدما أنهى مكالمته، ولولا الزي الخاص بالفندق لكان اكتشف أمرها.
***
أشار فرات نحو عنتر بأن يغادر مكتبه بعدما استدعى صفا من الحقل الذي تجمع فيه المحصول مع الفلاحين. طالع ملامحها الباهتة ونحول جسدها. للحظة شعر بالشفقة عليها، ولكنه عاد إلى فرات النويري الرجل العسكري الذي لا يرى بقلبه، إنما عقله هو من يقوده.
اقترب منها يرفع وجهها نحوه يسألها بجمود.
- قولتي لحد على جواز؟
نفضت وجهها من يده وهي تشعر بالتقيؤ من لمسته.
- مقولتش حاجة.
تمتمت عبارتها بكره ليحدق بها ومن رد فعلها نحوه.
- طب كويس.. يا ريت محدش يعرف بالموضوع ده.. مفهوم.
ولم يلقى منها إلا نظرة محتقرة. أعاد سؤاله ثانية.
- مفهوم ولا مش مفهوم؟
ضاقت أنفاسها منه ومن رائحته التي مازالت عالقة بجسدها وكأنها تذكرها بما ناله.
- متخافش يافرات بيه.. ميشرفنيش أن أقول إني مرات واحد ظالم زيك ميعرفش ربنا.
وانسحبت من أمامه، ليتصلب جسده غضباً من عبارتها.
***
عادوا من سهرتهم يضحكون. تلك الرحلة أزالت الكثير من الحواجز بينهم. حررها من أسره ضاحكاً يتذكر سيرها خلف عروسين يلتقطان الصور، الجميع لا يهتم بالأمر، ولكن هي كانت ترى ذلك بشغف وانبهار.
- كفاية بقى ضحك عليا.
استمتع بحنقها وقطب حاجبيه.
- أنتي فاكرة هنا زي مصر يا ياقوت؟
زمت شفتيها بعبوس ورمقته حانقة.
- تقريباً انتي طلعتي معاهم في الصور اللي اتصوروه.
وقلد طريقة وقفتها ونظراتها نحوهم.
- وشكلك هيطلع كده بالظبط.
لم تتحمل مزحته وأنقضت عليه كالقطة تتقافز أمامه وهو غارق بالضحك.
انتهت نوبة ضحكهم، وتسطح على الفراش ينتظرها بشغف بعد أن بدل ملابسه. فتح الدرج الذي بجانبه ليلتقط العلبة التي تضم عقداً رقيقاً من الذهب الأبيض. أراد أن يقدمه لها تلك الليلة.
شعر بتأخرها فأتجه نحو المرحاض ليفتح الباب ينظر إلى ما ابتلعته فور دخوله.
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سهام صادق
خفق قلبها بخوف بعدما ابتلعت الحبة. خشيت أن يكون قد رآها.
أغمضت عيناها والخوف يسري داخلها. أفصح لها عن رغبته بطفل، فما الحجة التي ستُخبره بها إذا اكتشف فعلتها؟ أفكار كثيرة اقتحمتها في ثوانٍ معدودة لتسمع صوته الهادئ وهو يُخاطبها.
"مالك يا ياقوت؟ انتي تعبانة. إيه الحباية اللي أخدتيها؟"
ارتبكت بعدما استدار بها اتجاهه. ابتلعت لُعابها تُطالع عينيه التي تخترقها بثبوت.
"ده مسكن للصداع."
وأسرعت تضع بيدها على جبهتها تخفي توترها.
"حسيت بشوية صداع، قولت آخد مسكن."
رمقها بهدوء يفحص ملامحها. أصابها الشك في أمره وأنه كشفها، ولكن لانت ملامحه ورفع كفيه يُضم وجنتيها يُلامسهم بأنامله وعيناه تقتحم عيناها.
"بقيتي أحسن دلوقتي."
كرهت نفسها لأنها كذبت عليه. فكذبة اتبعتها أخرى. إيماءً برأسها تُخبره أنها أفضل الآن. ليقبض على يدها بخفة يسحبها خلفه خارج المرحاض وعلى ملامحه ابتسامة هادئة.
***
مع هدوء أنفاسها وتوسدها لصدره كانت مشاعر أخرى تقتحمه. نسيت أنه قديمًا كان ضابط شرطة ولم ينسَ يومًا مهنته التي اختارها برغبة قوية.
ارتباكها وتوترها جعلاه يُدرك أنها تُخفي عليه أمرًا ما. احتمالات عدة فسرها عقله، ولكن أكبر احتمال، وخاصة أن تلك الليلة التي أخبرها فيها أنه يريد طفلاً ولم يُلقِ منها إجابة، ما زال تغير ملامحها تلك اللحظة أمام عينيه.
زفر أنفاسه يُطالع ملامحها ويدها التي تضعها على العقد الذي توج به عنقها الليلة وقد أسعدها. ولولا ما حدث لكان أخبرها بأن سعادتها أصبحت تُسعده وأنها أصبحت شيئًا ثمينًا بحياته.
زاحها برفق من فوق صدره لينُهض من جانبها راغبًا في قطع شكه. بحث عن حقيبتها وداخله يتمنى أن إحساسه يخيب، ولكن الصدمة كانت أمامه وهو يفتح أحد جيوب حقيبتها من الداخل. شريط من الحبوب لا يجهل شكلها.
قبض على الشريط بقوة بملامح جامدة. ونظر نحوها فوجدها تتقلب فوق الفراش.
وسؤال أخذ يتردد داخله: "ليه عملتي كده يا ياقوت؟ معقول متكونيش عايزة تخلفي مني؟"
***
طالعت السعادة المرتسمة فوق شفتي كل من نورالدين وجين. لولا معرفتها بنوايا جين لكان صار ذلك المشهد من أجمل ما رأت. عروس بفستانها الأبيض تجر مقعد زوجها، تُقسم أنها ستكون له ونعمة الزوجة.
انتقلت عيناها نحو سهيل الذي وقف متجمد الملامح. كل محاولته فشلت وجين بالنسبة لشقيقه لعنة استوطنته.
تقدمت منه تسأله متهكمة.
"مش هنروح نبارك لأخوك؟ تصدق المشهد قدام الناس والإعلام مبهر. شوف الكل دلوقتي هيتكلم عن فكر المجتمع الغربي والتحضر مع إنكم في الأصل عرب. لكن الكل هيشاور ويقول هو ده الحب، لكن ما يعرفوش ورا الصورة إيه."
قبض على كفه بقوة. ولولا اتباع الصحافة له والصور التي كانت تُلتقط لكان صرخ بها وبفشلها في الخطة التي تزوجها من أجلها.
"اصمتي سماح. أنا لا أطيق حديث أحد. تركت نفسي أسمعك وفي النهاية تمت الزيجة."
رمقها بغلظة وحقد رأته في عينيه.
"أنتم النساء لعينات مثل الحياء، تتلونون وتدفعون سمكم داخلنا."
قضمت شفتيها حانقة من عبارته لتزمجر بغضب.
"لو كنت بتحب أخوك كنت قلت له الحقيقة. أنت كمان بتخدعوا. تصدق أنا فرحانة فيك عشان تبقى تلعب بحياة الناس تاني؟ واه أخوك اللي اتجوزتني عشان تخلصه من جين. اتجوزها... طلعت ناصحة وضربتك من نفس الضربة."
وميض الكاميرات جعله يبلع باقي كلماتها جاذبًا إياها نحوه لترتطم بصدره. وقبلة لثم بها جانب فكها. اتسعت حدقتاها وهي ترى وميض فلاش الكاميرات وابتسامة خرقاء حتى تنال الصورة ضجة معجبيه ويشهدوا على حب لاعب الكرة ذو السجل اللامع لزوجته.
حررها بعدما ظهر للصحافة ما أراد وابتسامة خبيثة ترسم على ملامحه.
"لم أكن أعلم أن النساء تصمت من قبلة."
احتدمت عيناها وهي ترى نظراته الماكرة. ولولا الاتفاق والورقة اللعينة التي اكتشفت أنها مضت عليها أثناء عقد قرانهم ولم تهتم بقراءة شيء بقدر ما كانت تهتم بسبابه والتوعد له. عام كامل مشروط بقيمة مالية مليون دولار. ولم يكشف تلك الورقة إلا ليلة تصريح نورالدين بتعجيل زواجه من جين.
رمقها وهي تبتعد عن صخب الحفل وتختفي عن الأنظار وابتسامة تزين شفتيه.
***
دلف لغرفتهم بالفندق بعد أن تمت الصفقة بنجاح واطمأن على كل سير أعماله هنا. تقدم منها مقررًا إخبارها أنهم سيعودون غدًا لمصر، رغم أنه قرر أن يطيل مدة إقامتهم، ولكن فعلتها أثارت مشاعره. حاول ألا يظهر لها معرفته، يريدها أن تخبره بنفسها عما أخفته عنه.
وجدها تنظر في الجهاز اللوحي الخاص به تبكي وهي تطالع شيئًا خلاله. أدهشه تأثرها، فأقترب منها يجلس جانبها وينظر إلى ما تشاهده. لم يكن المشهد إلا لمشاهد مجتمعية يتم تمثيلها من أجل إثارة ضمائر الناس.
سقطت عيناه على صوت المرأة التي تجسد الدور تطلب لصغيرها ما يريده من الطعام. أما الفتاة فتترجاها أن تأتي لها بطعام مثله وهي تفكر في أن تطعمها أرخص شيء يقدمه المطعم. تقرصها على ذراعها تأمرها ألا تسمع صوتها وترضي بما ستختاره لها. والصغيرة تسألها لما تفعل ذلك؟ هل لأنها ليست ابنته؟ لم تكن زوجة أبيه امرأة مؤذية، لكن الرحمة كانت منعدمة داخلها. فالمشهد ذكرها بما كانت تفعله فيها قبل أن تأخذها عمتها لديه.
تألم قلبه وهو يرى ما يبكيها. غضبه منها قل ولم يشعر إلا وهو يسحب من يدها الجهاز اللوحي ويضمها إليه هامسًا.
"أصابعنا مش زي بعضها يا ياقوت، مش كل الناس وحشة. أنا كنت زوج أم لشريف ومريم وعلمتهم كأنهم مني. ونادية كانت أم لمراد مع إنه مش ابنها، إلا أن عمرها ما حست إنه يختلف عن تقي."
"غصب عني بفتكر. المشهد مش حقيقي بس أنا حسيت بوجع البنت. أنت ممكن تنسى إن حد ضربك لحد ما كسرَك، لكن الوجع وكسرة النفس مش بتتنسي."
صمتت تتذكر تلك اللحظة التي طعنها بكلماته حين أخبرها كيف ستمنح مريم الحنان وتفهمها وهي فاقدة لتلك المشاعر.
"فاقد الشيء يحس ويحس أضعاف مضاعفة من اللي عنده. اليتيم بيعرف قيمة الأم والأب عن اللي مالي حياته وبيعوقهم. قيس حاجات كتير في حياتنا هتلاقي إن النعمة اللي ممكن تستهون بيها عند غيرك حاجة كبيرة. أنا كان حلمي أحس بحب أمي وأبويا، أشوفهم معايا في كل وقت في حياتي، لكن شفت كل واحد فيهم مع عيلته وأنا كنت ناتج تجربة فشلة وسوء اختيار."
ابتعدت عنه تمحو دموعها بعنف من فوق وجنتيها تشير نحو حالها.
"قالوا لي إنك الحاجة اللي جات غلط في جوازنا. يا ريتك كنتِ ولد كان هيبقى أحسن. سمعت ده وأنا طفلة وهما بيقسموا الأيام بينهم عشان يشيلوا غلطتهم ويتحملوا فشلهم."
أغمض عينيه بقوة وهو يسمعها. لم يتخيل أنها تحمل كل هذا داخلها. عيناها دومًا كانت تفضحها أمامه. يشعر أن الحزن قتلها لمرات عديدة ولكنها اعتادت عليه. خرج صوته بثقل يضمها إليه ثانية وأخذ يمسح على ظهرها بحنان. فتلك اللحظة وضحت له لماذا تخشى الإنجاب منه.
"ابتديتي تعالجي نفسك يا ياقوت. أحيانًا لما بنحرر أوجاعنا من جوانا بنشفي من الألم. الكتمان عمره ما بيجيب الراحة."
"هتتخلى عني في يوم؟"
سؤال خشيت إجابته وانتظرت الجواب. أبعدها عنه يسمح لعينيه رؤية ملامحها.
"ما بتخلاش عن حاجة ملكي يا ياقوت."
وأردف بمغزى لم يفهمه عقلها.
"بس ممكن أعاقبك."
رمقته دون فهم تنتظر تفسيره. حدقتاها اتسعت وهي تسأله عن مقصده.
"قصدك إيه؟"
اقترب منها يضع جبهته فوق جبهتها وأنفاسه أخذت تتصاعد.
"مش لازم تفهمي دلوقتي."
همست وهي تلتقط أنفاسها الهائجة.
"بس أنا عايزة أفهم."
وضاع سؤالها وهو يقتنص منها ما يريده قلبه ليروي عطشه. ظمأه لا يرتوي ولهفته كل يوم تزداد وقد ضعف فؤاده بعد أن أقسم أن لن يهدم حصون قلبه ويعود للعنة الحب. نسي أن القلب مهما أغلق جميع الأبواب يأتي يومًا ويشتهي أن يجد ضالته.
***
نهضت من جانبه بمرحها الذي أصبح لذة حياتهم. ابتسم على جنونها بعدما خرجت من الغرفة وكاد أن يضع رأسه على الوسادة فعادت إليه مجددًا.
"عايز النسكافيه بالحليب ولا الكراميل؟"
دفع الوسادة التي أسفل رأسه عليها يرمقها بحنق.
"عايزة بلاك يا ندي ويا ريت تتوصي بالسكر، أنا مش بعمل دايت زيك يا بخيلة السكر."
ضحكت بتلذذ على إثارة حنقه ورفعت كفها تطبع قبلة على باطنها وأرسلتها إليه عبر أنفاسها. انتظرت أن يلتقط قبلتها ولكن وجدته غير مبالٍ. فأقتربت منه تجذبه من منامته بداعبة.
"ما أخدتش البوسة ليه عند قلبك؟ ولا ردتها حتى؟"
رفع حاجبه بقلة حيلة من جنونها يضرب كفوفه ببعضهم.
"بوسة إيه يا هبلة؟ شكلنا مش هنخلص في ليلتك دي. مش كفاية مقعداني عشان أقرأ أشعارك العظيمة."
عزمت شفتيه بعبوس وبعدما كانت هي من تلتقطه من منامته تبدلت الأدوار.
"شفت عشان كده مكنتش راضية أقولك على موهبتي الخارقة عشان عارفة تريقتك. هو شريف السبب فضحني."
تلاعب بحاجبيه يرمقها بنظرات وقحة يجيدها.
"سيبك من الكلام ده وتعالى أقولك أنا أحلى شعر يا حبيبتي. وشعر شهاب الزهدي مش أي شعر."
انكمشت ملامحها ومطت شفتيها وهي تميل برأسها يمينًا ويسارًا.
"يعني لو مكنتش أنت تقرالي وتدعمني يا شهاب مين هيعمل كده؟"
داعب أنفها بأصبعه يتفحص دلالها.
"مش ملاحظة إنك في كل حاجة تقوليلي لو مكنتش أنت يبقى مين؟"
قلد صوتها لتدفعه بقبضتها وابتعدت عنه تهتف بحماس من جديد. فلو ازدادت مناقشتهم سيتحجج أنه لابد أن يغفو.
"هروح أعملك أحلى كوباية نسكافيه بلاك وبأربع معالق سكر كمان. ولا أقولك هعملك سلطة الفواكه اللي بتحبها وبلاش نسكافيه."
وفرت من أمامه ليهتف بها.
"اعملي الاتنين بقى يا ندي. عشان أقرأ بنفسي."
وعاد يبتسم من جديد على زوجته الحمقاء التي لو كان خسرها لندم عمره بأكمله.
انتبه على صوت رسالة منبعثة على هاتفه، فألتقط الهاتف ينظر للرسالة وصاحبتها تمطره بكلمات الغزل وكيف هو رائع. وسوس له شيطانه أن يحادث صاحب الرقم ولكنه مسح الرسالة سريعًا نافضًا أي شيء برأسه.
***
ارتجف جسدها من أثر الحمى والعرق أخذ يتصبب من جبينها. همهماتها جعلت حورية التي ترافقها بالغرفة تنهض على صوتها متتمتمة بقلة حيلة.
"يادي كوابيسك اللي كل يوم بنصحي عليها. الواحد راجع مهدود من شغل المزرعة وكام ساعة اللي بنريح فيهم حيلنا من الهدة."
فركت عيناها حتى تفيق من نعاسها لتنتبه على ارتجافها ورعشة جسدها. اقتربت منها حورية تتحسس جبينها وأبعدت كفها سريعًا.
"ده انتي مولعة نار. أعمل إيه دلوقتي أنا؟"
فتحت صفا عيناها بصعوبة تُطالعها تطلب منها بضعف.
"قول له ياسامحني. هو السبب كان بيحبسني في أوضة ضلمة ويضربني عشان أسمع الكلام."
وأغمضت عيناها ثانية تعود لهذيانها وندائها لشخص واحد لم يظلمها، إنما هي من ظلمته وهي تعرف نوايا والدها، ولكن حبها له أنساها أنها تؤذيه وتقربه من فخه.
تنهدت حورية وهي لا تفهم شيئًا وأسرت في جلب منشفة مبللة بمياه باردة وطبقًا وعادت تجلس جانبها تضع المنشفة على رأسها ثم تزيلها وتعيد الأمر حتى حل الصباح وانخفضت الحرارة قليلاً.
فتحت عيناها تنظر لحورية التي تنهدت براحة.
"أخيرًا وعيتي على نفسك."
شعرت بمرارة حلقها ورطبت شفتيها بلسانها بصعوبة وجسدها يئن من المرض.
"أنا إيه اللي حصل لي؟"
نهضت حورية من جانبها تسحب المنشفة من فوق جبهتها.
"ده انتي كنتي مولعة طول الليل. كويس الحرارة نزلت شوية لحد ما نروح أي صيدلية قريبة ونجيب لك علاج."
وشهقت حورية وهي تسرع نحو دورة المياه الصغيرة.
"ألحق أتوضى وأغير هدومي وأصلي الصبح."
وقبل أن تدلف حورية لدورة المياه عادت إليها تُطالعها وهي تعتدل في رقدتها.
"دعيت لك في صلاة الفجر إن ربنا يخفف عنك ويشفيكي. هي أمك اسمها إيه صحيح عشان أدعيلك باسمها؟"
صلاة ودعاء. هي لا تتذكر يومًا دعت ربها أن يخفف عنها شيئًا. أو اقتربت منه كما يحق.
"اسمها ثريا."
نطقت حورية الاسم تجرب نغمة نطقه بين شفتيها.
"صفا بنت ثريا."
***
أغمض عينيه بمقت لعله يطرد الصراع الذي بداخله. شعورًا يقوده إليها. يريد لمسها مجددًا رغم أنه قرر عدم فعل ما اقترفه بها وسينسي ما حدث بينهم. يتخيل لحظة نيله منها وكيف كان يشعر. لم يحتقرها أو يقرف من لمسها، إنما كان راغبًا بشدة يُظهر لها عكس ما بداخله.
تنهد بأنفاس مثقلة وأخذ يحرر رابطة عنقه يهتف بداخله يقنع نفسه: "فرات النويري مش بيضعف."
***
رفع عينيه عن الورقة التي وضعتها أمامه رمقها بجمود. لأول مرة رغم صرامته مع الجميع إلا أنها تشعر بلطفه دوماً. عقلها دائمًا يفسر لها بحسن نية أنه توفيق من الله لا أكثر.
"إيه ده ياهناء؟"
سألها محدقًا بها لتنظر إليه بتردد.
"دي استقالتي يافندم."
لم تكن ترغب بذلك، ولكن منذ ذلك اليوم الذي أتى فيه مراد للفندق مع نغم والقرابة التي أصبحت تعرفها جعلتها تخشى أن يُكشف أمرها. تذكرت ذلك اليوم وقد تساهل معها خالد ووافق على خروجها بنصف دوام بعد أن تظاهرت بالمرض.
"عارف إنها استقالة... واستقالتك مرفوضة."
قالها بصوت أغضبها فهتفت بضيق.
"أنا عايزة أستقيل وأخد مستحقاتي وشهادة خبرة."
ردت فعله لم تكن طبيعية ولكنه لم يرد رحيلها. أصبحت جزءًا من يومه يُطالعها خلسة حتى أنها بدأت تظهر في أحلامه.
"مش لعب عيال ده. وشهادة خبرة هتاخديها على شهرين شغل بس. إنتي لو قلتي لأي مكان إني اشتغلت شهرين مش هتوقع إنه هيقبلوكي غير أن الفندق اسمه معروف."
وأردف وهو يتحكم في نبرته حتى يظهر بمظهر المدير الصارم.
"أكيد محدش هيتفسر إن العيب في الفندق. العيب فيكي إنتي."
احتدمت عيناها وهي ترمقه وتسمع غلاظة حديثه.
"حضرتك قصدك إني موظفة مش قد المسؤولية؟"
"مش أنا اللي بقول كده يا هناء، ده سوق العمل."
حاول أن يكون هادئًا عندما شعر أن حديثه لم يعجبها.
"الفندق داخل على توسعات يا هناء. وإنتي محتاجة خبرة بلاش تضيعي اللي بدأتي. اعتبريها نصيحة أخ بلاش مدير لموظفة عنده."
***
تعجب عنتر من دخول سيارة فرات عبر بوابة المزرعة. اتجه نحو سيارته بعدما وقفت ليصعد جانبه في المقعد الخلفي.
"إنت مش قلت إنك مش جاي لفترة يا بيه؟"
تجاهل فرات سؤاله فأرتبك عنتر وداعب شاربه حرجًا.
"هتروح بيت المزرعة ولا هتشوف المحصول؟"
"اتي من أجل شيء يجهله. وجد قلبه يخبره بالإجابة فهو آتي من أجلها لينفض رأسه من الدوامة والمشاعر التي تقتحمه.
"اطلع على حظيرة المواشي."
وقفت صفا خلف حورية تتعلم منها حلب الأبقار. عندما وجد عنتر لا فائدة لها في الحقل وضع مهمتها مع المواشي.
أنهت حورية حلب البقرة لتعطيها الدلو المملوء.
"خدي بالك يا صفا. لعنتر يطلع عنينا."
انحنت بظهرها حتى تتمكن حورية من وضعه فوق رأسها.
"متخافيش يا حورية ما أنا لسه كنت بحمل منك قبل كده."
رمقت حورية شحوب ملامحها مشفقة عليها.
"بس إنتي لسه تعبانة."
"هو أنا إمتى هعرف أحلب زيك؟"
ضحكت حورية على سؤالها ورغبتها الشديدة بالحلب.
"يا بنتي خليكي في الإسطبل ولا أقولك مع الفراخ أحسن. إنتي غاوية تعب."
انتبهوا على صوت العامل الذي يُخبرها بالإسراع في حمل الدلو.
وثبتته حورية فوق رأسها لتسير به ببطء نحو الغرفة التي تقف خارج الحظيرة الواسعة.
تنهدت وهي تقترب من العربة لتلتوي قدمها بالحجر لتسقط ويسقط الدلو معها. تنظر للبن الذي يسيل على الأرض بفزع وعينين العاملين عليها.
اقترب منها العامل المسؤول يصرخ بها.
"إنتي عمية؟ مخصوم منك تمنه."
توقفت سيارة فرات في نفس الوقت وخرج عنتر وقد لمح المشهد. أسرع في الخطى نحوها يرفع عصاه فهو ينتظر الفرصة ليضربها.
العصا كانت ستسقط على جسدها ولم يفزعه إلا صراخ فرات بقوة.
"عنتر!"
تجمدت قبضة عنتر على العصا وفرات يتقدم منهم جامد الملامح ينظر إلى ملامحها الخائفة.
***
وقفت تشب على قدميها حتى تتمكن من ربط رابطة عنقه والتعلم فيه. تنهد بضجر من إصرارها على أن تتعلم فيه اليوم ولديه مقابلة مع شركائه لتغيير بعض بنود في الصفقة.
"ياقوت مش وقته."
كانت متحمسة لما تفعله ناسيه أنه يحني رقبته نحوها.
"سيبني أحاول قربت أعملها اه."
"بقالك ساعة بتجربي."
صدح رنين هاتفه ليميل قليلاً نحو الفراش يلتقطه وقد لمح اسم مريم فضغطت على زر الإجابة على الفور.
"أخيرًا عملتها عشان تعرف بس."
صاحت بعلو صوتها دون قصد منها وهو يفتح الخط فضحك رغماً عنه.
"شايفه يا ياقوت يا مريم معذباني إزاي؟ كل ده عشان تتعلمي تربطي الكرافتة."
رابطة عنقه التي كانت تهوى فعلها، فكانت والدتها تضحك على فعلتها تخبرها أنها هي زوجته وليست هي. وكانت تتذمر منها وهو يضحك على مناكفتهم.
تمالكت حالها ونظرت نحو سيلين القادمة اتجاهها.
"هتيجي إمتى عشان وحشتيني يا بابا."
ابتسم على فعله ياقوت بعدما لثمت خده وضمه إليها.
"مش عارف لسا يا مريم. هعرفكم أكيد قبلها."
أنهت مريم الحديث بعدما وجدت سيلين أمامها. وبعد تفكير طويل في إقحام امرأة أخرى بحياته وبعد مكالمة اليوم هتفت دون مقدمات.
"بتحبي بابا؟"
اتسعت حدقتاها وهي تسحب مقعدها لتهتف مريم ثانية.
"عايزة تبقي حرم حمزة الزهدي؟"
يتبع بإذن الله
رواية للقدر حكاية الفصل الأربعون 40 - بقلم سهام صادق
صراخه جذب أنظار العاملين.
الكل وقف ينظر إلى رب عملهم كيف يتحرك صوب تلك الفتاة الملقاة أرضًا.
تعجب عنتر من زمجرته القوية به ونظراته الحادة.
أزاح عصاه جانبًا قبل سقوطها عليها.
انحدرت دمعة فوق خدها الأيسر، أزالتها سريعًا وهي تسمع صوت حورية الراكضة نحوها تهتف باسمها.
"كل واحد يروح على شغله."
قالها عنتر بحدة ببعض العاملين الواقفين حولهم حين أصبح فرات أمامه.
أطرق رأسه خزيًا.
لينظر نحوه فرات بجمود وحدق بصفا يمد لها كفه.
فعلته جعلت حورية وعنتر ينظرون للأمر بأعين متسعة، وخاصة عنتر الذي عاشره لسنوات طويلة.
تعلقت عيناها بكفه ثم انتقلت لعينيه.
استنكرت رحمته العجيبة ولم تنظر لفعلته إلا متهكمًا.
احتدمت عيناه من تجاهلها له، وقبض على كفه بقوة يراها تنهض بمفردها تتجاوزه.
"أنتي يابت إزاي البيه يمد إيده ليكي وتمشي وتسبيه؟"
عنتر.
عاد يصرخ به ثانية متجاوزًا فعلتها بجمود.
اقتربت منها حورية تُنفض لها عباءتها تنظر لفرات الذي اتجه نحو سيارته.
"إيه اللي عملتي ده ياصفا؟ ده صاحب المزرعة وممكن يطردك."
لم تهتم بما تخبرها به حورية، فهي تكرهه وتكره لمسته.
يكفيها ما عاشته معه.
دمغ جسدها ونالها اقتدارًا وغصبًا.
سارت أمام حورية بخطى واثقة، تعجبت حورية من أمرها لتهتف بها:
"أنتي مش خايفة إنه يطردك ياصفا؟"
التقطت عيناهما والسيارة تتحرك ببطء من جانبهما لتلتف نحو حورية تجيبها:
"الأرزاق بيد الله ياحورية."
***
جلسة كانت فيها الأخرى مجرد مستمعة تستمع في صمت.
شعورها كان يتبدل بين الدهشة والحزن والأمل، وبين أن الشخص الذي تمنته أصبح زوجًا وليست هي من تفكر في رجل زوجًا لأخرى.
يوم أن أعجبتها شخصيته كان أرملًا وكان الأمل ينبت داخلها، ولكن إعطائه لها عملًا في فرع آخر من شركته بعيدًا عنه جعلها تتأكد أنه لا أمل كي يشعر بمشاعرها وأن حكايات الروايات وقصص الأفلام ما هي إلا خيال.
انتهت مريم من نسج الحكاية التي ساعدتها صديقتها رؤى في تأليفها وتمتمت بوداعة تليق بسنها الصغير وليس كـ "ماكرة".
"أنا خايفة على بابا من البنت دي، أنتي متعرفيش بتعمل إيه عشان تبعده عننا. كانت طيبة وفجأة ظهرت نيتها."
واردفت بوداعة أكثر:
"تعرفي إن سمعتها بتكلم راجل غريب وقولتلها بابا لو عرف كده هيكون رد فعله قوي. عملت تمثيلية عليه وصدقها. كان ناوي ياخدني معاهم في سفرية بس ده كان عقابي عشان زعلتها."
وسقطت دموعها وقد أجادت الخطّة كما اتفقت هي وصديقاتها وساعدتهم فيها زوجة عم رؤى في إحكامها.
"مريم مش معقول حمزة بيه يتخدع في حد، حمزة بيه أنا اشتغلت معاه وعارفة دماغه كويس."
ومدت كفها تربت على يديها المتشابكتين ببعضهما.
"أنا ممكن أكلم حمزة بيه وأقوله على سوء الفهم ده."
ارتجف قلبها خوفًا من تلك الفكرة وخشت أن تفعل سيلين ذلك.
"لا أرجوكي هيزعل مني وعمتو نادية كمان، عمتو نادية شايفة إني عايزة أخرب حياتهم."
وأطرق عيناها صوب مشروبها البارد تكمل حديثها الذي بدأ يتوغل داخل عقل الأخرى.
"أنتي مش معجبة بـ بابا."
وأردفت ببرائة تجيدها بملامحها الطفولية:
"من كلامك عنه الكتير حسيت بكده، شكلي فهمتك غلط."
ألقت عبارتها وهي تنظر لملامح سيلين المرتبكة وتوترها لتدرك أنها تسير نحو هدفها.
"مريم مش معنى إني بتكلم عن حمزة بيه بفخر يبقى جوايا حاجة."
تمنت سيلين أن تستطيع إخفاء مشاعرها التي فهمتها مريم.
طردت وسوسة شيطانها فهي لا تريد أن تكون امرأة لعوب بشعة تسرق رجلًا ليس لها.
"أنتي ليه بتداري مشاعرك بعد ما فهمتك حقيقة جوازهم؟ عمتو نادية هي اللي جابتها حياتنا وهي اللي أصرت على بابا يتجوزها. دي لعبة رسموها سوا هي والبنت دي، يرضيكي بابا يعيش مع واحدة بتستغفله؟"
ونهضت تحمل حقيبتها الصغيرة والأمل قد تلاشى بداخلها فـ سيلين تظهر لها صورة المرأة العفيفة وهذا ما لا ترغب به.
تنهدت سيلين ووجدتها تتحرك من أمامها وشيء داخلها يحركها يخبرها أن تفعل شيئًا لذلك الرجل الذي تقدره وتخلصه من زوجته اللعوب كما أفهمتها الصغيرة.
ضميرها ورغبتها تحركوا معًا ولم تدرك أن رغبتها هي التي قادتها وأن الضمير ما كان إلا القناع المزيف.
"مريم استني."
اتسعت ابتسامة مريم وهي تسمع ندائها لتخفي ابتسامتها سريعًا وتلتف نحوها.
حدقت بها سيلين بتوتر تفرك يداها ببعضهما.
"أنا موافقة أساعدك وبس."
اقتربت منها مريم تحتضنها تشعر بالزهو مما حصدته اليوم تهتف بداخلها:
"ياقوت بس تطلع من حياتنا وانتي كمان هتطلعي، وترجع عيلتنا زي ما كانت."
***
نظرت نحوه ونحو تلك السيدة التي تحدثه ببراعة بلغتها الأم ويبدو أنهم يتناقشون.
كانت عزيمة مع شركائه هنا وكل منهم أتى بزوجته.
جلست بينهم لا تفهم إلا كلمات بسيطة من حديثهم الذي تحول إلى مناقشة نحو الأعمال والاستثمار.
خجلت من تناول طعامها واكتفت باحتساء الشوربة وأكل القليل من السلطة.
مضى وقت الطعام ليأتي دور ارتشاف المشروبات وهي جالسة تنظر حولها تارة وتارة تنظر إليه.
إلى أن جذبت عيناها طفلة تركض في المطعم ببالونتها وعلى وجهها ابتسامة صافية.
المشهد جعلها راغبة في رسمه.
تذكرت مفكرتها الصغيرة في حقيبتها ولكن الأمر توقف عند حاجتها للقلم.
تنهدت بإحباط لتقع عيناها على قلم الكحل الذي يعد هو زينة وجهها الوحيد.
شردت في الراحة التي تحتل ملامح الطفلة مع ركضها بحلم بسيط وهي تتعلق ببالونتها فكلما فقدت الخيط من بين أصابعها قفزت لتلتقطه فرحة بصنيعها.
أحدهم أخبره أن زوجته تجلس بينهم منعزلة فرغب بالاعتذار منها لأن حديثهم بات مملًا.
دار رأسه نحوها حتى يسألها عن رغبتها في المغادرة مادام لم يعجبها الأمر.
عيناه وقفت على أصابعها وهي تتنقل بالقلم واتجه بعينيه نحو ما تطالعه لتقع عيناه على الطفلة ببالونتها.
ابتسم لما خطته أصابعها فحتى رسوماتها تشبهها.
"تشبهك البنوتة."
وقفت يدها على القلم لتلتف نحوه تنظر إليه وإلى شركاءه المندمجين مع زوجاتهم وتخضبت وجنتاها خجلًا.
"تشبهني إزاي، أنت كده بتظلم البنت."
طالعتها بنظرة لأول مرة تراها في عينيه ولكنها كانت أجمل نظرة طالعتها.
طالع ياقوت الفتاة البسيطة، ياقوت التي حكمت عليها الحياة أن تعيش في قفص كالطائر إلى أن حرره صاحبه أخيرًا فأخذ يتخبط بجناحيه يبحث عن وطن، وكانت عيناه هي الوطن.
"مش لازم تشبهك في شكلك، يكفي روحك."
ونظر للفتاة ثم إليها يحثها على مواصلة ما تفعله.
"كملي يلا قبل ما البنت توقف لعبها."
أومأت برأسها وعادت إلى ما تفعله ومشاعر الحب نحو ذلك القابع جانبها تعلو وتتدافق بداخلها.
وبعد أن كانت خائفة من حبه تحرر قلبها راغبًا بنيل المزيد يخفق بين أضلعها بتراقص صائحًا مهللًا بسعادته.
***
نهضت من غفوتها وقد ظنت أنها غفت ساعة كما ضبطت منبه هاتفها الذي يجاورها ولكن كالعادة لا تشعر بشيء.
نظرت للساعة تشهق بفزع فالساعة أصبحت التاسعة ولم تطهو الطعام له ولها.
ارتدت حذاءها وركضت خارج غرفتها تتساءل لما لم يوقظها لتأتيها الإجابة من وقفته أمام الموقد يحمر الدجاج ويقلب الصلصة وينتقل بخفة ليكمل عمل السلطة.
لا تعرف كيف يقف يفعل ذلك بتلك السرعة وببراعة ونظافة.
فركت عيناها من النعاس لعلي الرؤية تتضح أمامها.
مراد الذي يهتم بنظافة ملابسه ورائحته العطرة يقف يعد الطعام وبتلك البراعة.
أغلق الموقد والتف نحو الطاولة كي يسكب الصلصة على المكرونة المعدة بالأطباق ليتفاجئ بوجودها وخصلات شعرها مرتفعة كأرسال الراديو.
ابتسم على اتساع عيناها وتحديقها به ينظر إلى منامتها القصيرة الطفولية.
"مالك واقفة كده، وشكلك مش مصدقة إني بعمل أكل."
اقتربت منه بعد أن فاقت من تحديقها الأبله به وارتفع حاجباها دون تصديق.
"أصل مراد اللي أعرفه بيخاف على نضافة هدومه ومش بيطيق ريحة العرق، فجأة ألاقيه في المطبخ وبيطبخ وبقعة صلصة على قميصه."
انتقلت عيناه سريعًا نحو بقعة الصلصة.
ليقطب حاجبيه مستاءً من نفسه.
داعبت رائحة الطبخ أنفه وهو يركز حسه الشم نحو ثيابه.
التوى محياه عبوسًا ينظر إليها فأنفجرت ضاحكة مما يفعله.
"لقيتيها فرصة تضحكي عليا مش كده، أعمل إيه لقيتك نايمة ومافيش أكل قولت أعمل أنا، بس الظاهر أنا غلطان."
ازدادت ضحكاتها أكثر على تذمره.
فانتفخت أوداجه.
"أصل الناس النضيفة اللي زيك بتبهرنا لما بتعمل حاجة من حاجات الناس الطبيعية."
وعادت تضحك ثانية بصوت صخب.
ودون أن تشعر وجدت بعض الصلصة على منامتها أيضاً.
اتسعت حدقتاها مصدومة تجذب منامتها للأمام.
"ينفع اللي عملته ده، كده هغير البيجاما وأنا لسه لابساها النهارده."
"أول مرة أعرف إنك معفنة كده ياهناء، وفيها إيه لما تلبسي غيرها."
أتتها إجابته التي زادتها مقتًا.
ولم تتركه إلا بعدما فعلت نفس فعلته.
قفزت وصفقت بسعادة على رد الصاع له كطفلة صغيرة.
"واحدة بواحدة عشان متستهونيش بيا."
ركضت من أمامه قبل أن ينال منها.
لم تجد إلا الأريكة لتتحامي بها.
"حقي هاخده ياهناء."
لحظة نسوا فيها حكايتهم وبدايتهم.
نست فيها جرحه الغائر وأحلامها الذي كسره.
خفق قلبه وهو يراها كيف تدور خلف الأريكة وتركض هنا وهناك لتتحامي منه.
لم يشعر إلا وهو يجذبها لتسقط فوق الأريكة وهو يحاصرها بين ذراعيه ينظر إليها بشغف.
"خلاص مسامحك عشان مبحبش شغل العيال ده."
ارتبكت من وضعهم ودقات قلبها أخذت تتسارع يشعر أنه يشتهيها.
يشتهيها كزوجة.
"خلينا نبقى زي أي زوج وزوجة طبيعيين ياهناء وننسى اللي فات."
عينيها وصوت أنفاسها الهائجة جعلته يتيقن أنها مازالت تحبه.
لتتجمد ملامحه بعد نطقها رفضه وفاق من صراعها بين العقل والقلب.
"لا يا ابن عمي."
ورغم خفة دفعتها إلا أن رفضها ذلذله.
وعاد الزمن للوراء وها هو يذوق نفس ما عاشته.
والحب مازال بداخلها إلا أنها لم تنسى كلماته الجارحة له في تلك الليلة.
***
شعرت حورية بيد توقظها وصوت أذان الفجر يعلو حولها.
فتحت عيناها لتجد صفا واقفة أمامها تسألها:
"مش هتصلي؟"
تفاجأت حورية بها.
توقظها للصلاة.
ارتبكت صفا من تحديقها واطرقت عيناها خجلاً.
"أنا عارفة إنك مستغربة. تعرفي أنا كنت بصلي زمان وواحد بس اللي ساعدني عشان أتغير وأغير من لبسي وضاع الشخص ده. وضعت أنا من تاني مع نفسي."
صمتت حورية وهي تسمعها تشعر أنها مثلها لديها حكاية أدمت قلبها وروحها.
فهل أحد ليس لديه حمل يثقل على روحه.
هي هربت من قهر زوج أراد أن يقودها للحرام مخبرًا إياها أن لا فائدة منها مادام لم تنجب تزوج عليها فرضت، ولكن عندما طالبها أن تعصي خالقها لم تجد حلاً إلا الهرب حتى لو قادتها الحياة للقاع، ولكن ها هي تعمل وسعيدة بحالها راضية.
صمتت صفا بعد أن أخذها الحنين للماضي وعادت تهتف:
"مش هتقومي تتوضي بقى ياحورية؟"
فاقت حورية من شرودها وابتسمت وهي تزيح غطاءها الخفيف ونهضت من فوق الفراش تجر قدميها نحو دورة المياه.
"قومت أه ياست صفا، وأه النهارده أنتي أخدتي الثواب بس اعملي حسابك هسابقك فيه."
أنهت حورية صلاتها ونظرت نحو صفا التي علا صوت بكائها في سجودها.
همهماتها وشكواها إلى الله كانت خافتة.
رمقتها حورية وقررت أن تذهب لفراشها تتركها في خلوتها.
ولم يكن الرجاء إلا في الخلاص والعفو وكان لها ما رغبت تلك الليلة.
***
لم تصدق أن اليوم هو ختام رحلتهم هنا.
ألقت رابطتي البالونات من بين يديها وعيناها تنتقل معهم.
اتسعت ابتسامتها من تلك التجربة التي جعلتها تعيشها وكأنه أعادها لطفولتها التي لم تنعم بها إلا بالتنظيف والطبخ.
التقطت عيناها به وهو يقف يعقد ساعديه أمامها وينظر لفرحتها.
فاقتربت منه تلقي نفسها بين ذراعيه تخبره عن سعادتها.
"أنا فرحانة أوي."
يضحك وهو يضمها إليه.
لم تفرح يوم أن أهداها عقدًا بثمن غالي ولكن بعض من النفخات جعلتها تطير من السعادة.
"فرحانة من شوية بلالين يا ياقوت."
ابتعدت عنه ترفع عيناها إليه وثغرها يحمل ابتسامة متسعة.
"السعادة ممكن تكون في حاجة بسيطة."
وأخرجت من حقيبتها مفكرتها التي تحملها دومًا وتلك المرة كان لديها قلمًا.
رسمت له ملصقًا مبتسمًا لترفع له وجه الملصق تضعه فوق شفتيه.
"وممكن تكون كده."
هتفت عبارتها بمرح ومشاغبة لمعت في عينيها ليضحك من قلبه على فعلته يجذبها إليه.
"أقولك أنا إيه كمان السعادة.. في إني أحضنك جامد."
"حمزة الناس."
علت ضحكته أكثر ينظر إلى مرور البعض والكل مشغول بحاله.
"محدش هنا بيبص على حد."
حررها من بين ذراعيه بعدما استكفى من دفئها.
***
تنهدت سماح بقلة حيلة وهي تنظر للوقت.
أخبرته عندما هاتفته صباحًا قبل تدريبه أنها تريد الحديث معه.
وها هي الساعة تجتاز منتصف الليل ولم يأتي.
"أنا كان مستخبيلي فين كل ده.. أخلص من ماهر أقع في الراجل الغامض ده."
وضحكت على حالها تحك ذقنها متذكرة اسم أحد الأفلام السينمائية "الراجل الغامض بسلامته".
انتبهت لقدوم سيارة.
فنهضت من فوق الفراش نحو الشرفة لتجده يصف سيارته الرياضية بالخارج.
تمتمت بمقت من أفعاله معها منذ ليلة زفاف شقيقه فأصبح يتجاهلها وكأنها هي السبب في زواج شقيقه من تلك.
"أما نشوف آخرتها معاك ياسهيل باشا."
ألقت عبارتها وهي تغادر الغرفة.
لترى خيال جين وهي تهبط الدرج في تلك الساعة.
سارت بخطى هادئة حتى لا تنتبه عليه.
نظرت من علو الدرج لتجد جين تلتف حول نفسها قبل أن تدخل أحد الغرف.
هبطت بخفة تخشى أن يكون حديث سهيل خاطئ وتصبح هي في النهاية المغفلة.
كتمت صوت أنفاسها وهي تقترب من الباب تتلصص عليهم وصوتهم يصل إليها.
"انت من جعلتني أفعل ذلك سهيل.. أصبحت ممرضة لشقيقك من أجلك أنت.. أخبرتني أنك لا تهوى النساء وتكرههم وفي النهاية تزوجت."
نطقت عبارتها الأخيرة بحرقة وهي تقترب منه ولكن يده منعتها من الاقتراب واظلمت عيناه وهو يتذكر مشهد خيانة والدته مع عمه.
لقد رأى تفاصيل كل شيء تلك الليلة عندما توارى مختبئًا بالخزانة.
"اخرجي جين اخرجي لا أفضحتك وطردتك من هنا."
"لن أخرج سهيل.. أنا أريدك.. لم أستطع تحمل لمسات شقيقك لم أستطع."
أظلمت عيناه ولم يشعر إلا وهو يحط بكفه فوق وجنتها.
لتسقط على الأرض من أثر الصفعة.
"سأخبر الصحافة بحقيقة زواجك من تلك العربية.. سأخبرهم بكل شيء.. لقد علمت بالحقيقة أنت لم تتزوجها إلا لتجعلني أموت قهرًا وأرحل عنك."
لم يعد يطيقها تشبه والدته لدرجة كلما نظر لها كرهها أكثر وها هو الزمن يعود الزوجة تهوي شقيق زوجها.
ضاقت أنفاسه ومشهد الخيانة الذي اقتحم عقله وهو طفلًا لم تمحيه السنين.
طالعته وهو يهوي فوق المقعد يتنفس بصعوبة.
"لن تخبري أحدًا عن سبب زواجي جين.. لن تخبري افهمتي."
ألمعت عيناها وهي تلمس خدها الذي تخدر من صفعته.
"طلقها أولاً واجعلها ترحل من هنا."
وصمتت قليلاً تنظر له قبل أن تخرج ما بجعبتها.
"وبعدها إذا أردت رحيلي سأرحل."
***
كانت تشعر بالتعب ولكن عندما أخبرتها الخادمة أن شقيقتها هنا نهضت على الفور من فوق الفراش تمد يديها نحو شقيقتها التي احتضنتها ببرود.
"عشان أنا الكبيرة بس جيت أسأل يامها.. مش هنسى اللي عمله جوزك وإنه صغرني قدام سالم جوزي ورفضتوا تساعدوني."
بهتت ملامح مها من عتاب شقيقتها.
فما ذنبها هي.
حاولت مع شريف ولكنه رفض دون رجعة.
"كده ياماجدة هونت عليكي."
رمقتها ماجدة باقتضاب تتذكر حديث سالم فتلك المرة لو رفضت شقيقتها مساعدتها فهي أصبحت ترى حالها عليهم.
"ما أنا بقيت بهون عليكي.. وعلى العموم أنا جيالك النهارده في مساعدة بعيدة عن شغل جوزك."
وانتقلت عيناها هنا وهناك ونظرت للعقد الثمين الذي يزين جيدها.
"محتاجة فلوس يامها.. أختك وقعة في ضيقة."
"أنا لو معايا ياماجدة مش هتأخر عليكي ومقدرش أطلب من شريف."
ضاقت أنفاس ماجدة وكما أخبرها سالم أنها سترفض مساعدتها.
"بقولك أختك وقعة في ضيقة، وتقوليلي مقدرش.. أظاهر إنك نسيتي أختك بعد ما عيشتي في العز."
تألمت من كلمات شقيقتها.
فلو لديها مال ستعطيه لها دون أن تفكر.
فهي لا تعرف كيف تطلبه من شريف.
"ياماجدة مقدرش أطلب من شريف."
نفضتها ماجدة من أمامها تهتف بغضب:
"انسى إن ليكي أخت يامها."
أسرعت تجذب ذراعها تتساءل بقلة حيلة.
وقد ظنت أن المبلغ بسيط سيوفي مصروفها الذي يعطيها إياه شريف وتدخره.
"أنتي عايزة كام ياماجدة؟"
تعلقت عين ماجدة بالعقد الذي ترتديه واقتربت تتلمسه.
"تمن العقد اللي لبساه يفك ضيقتي.. ادهوني أرهنه عند واحد معرفه وأول ما أقبض فلوس الجمعية هرجعلك تمنه.. ساعدي أختك يامها.. وأه ياستي المحروس جوزك اللي بقى كرهني أنا وجوزي مش هيعرف حاجة."
***
اندفع مكرم لمكتب فرات بعدما سمحت له سكرتيرته.
التقط أنفاسه وعلى أمل أن يجدها لديه وأن لا يكون فعل ما طلبه منه والده في طردها.
"صفا فين يافرات بيه.. وديتها فين؟"
نطق عبارته بأعين قاتمة ينتظر إجابة فرات.
سنوات قضاها يأخذها بذنب والدها.
تحرر أخيرًا من جموده وصمته وقبض على القلم الذي بيده بقوة يرمقه بنظرات فاحصة يرى لهفته عليها.
"طردتها."
تصلب مكرم في وقفته يسأله بلهفة وأمل.
"راحت فين.. لازم تعرف الحقيقة."
واقترب من مكتبه يتمنى أن يخببره إلى أين رحلت.
"لازم تعرف إن عدنان الأنصاري مش أبوها.. صفا مش بنت عدنان الأنصاري."
تجمدت أطراف أصابعه على القلم واظلمت عيناه بالحقيقة التي أتت متأخرة.
صورتها وهو يأخذها بالقوة وصوت صراخها يسير أمام عينيه.
وعاد صراخ مكرم ثانية.
"صفا فين يافرات بيه.. مش معقول متعرفش مكانها.. عملت فيها إيه؟"
نهض من فوق مقعده يبتعد عن أنظار مكرم.
"معرفش فين."
***
وقفت أمام المرآة تجهز حالها للذهاب للمركز فقد انتهت الرحلة وعادوا.
تورّد وجهها وهي تتذكر تفاصيل ما عاشته.
أيامًا رُسخت بداخلها.
انتبهت على رنين باب الشقة فقطبت حاجبيها فمن سيأتي إليها.
لفت حجابها بإحكام وأسرعت نحو الباب لتقف تحدق بـ نادية المبتسمة.
"حمدلله على السلامة."
ودلفت للداخل تنظر إليها بتمعن وعلى وجهها علامات الراحة.
"شكلها كانت رحلة ممتعة."
ارتبكت من تلميحها المخجل.
"الله يسلمك.. اتفضل."
فوقفت نادية ترمقها.
"لا أنا مستعجلة.. شكلك كنتي خارجة يا ياقوت."
"عندي حصة في المركز."
أومأت نادية برأسها متفهمة.
"اعتذري منهم النهارده أو أجلي حصة لأن ورانا ميعاد عند الدكتورة."
بلعت ريقها بتوتر تسألها.
"حضرتك تعبانة؟"
ضحكت نادية على فهمها أن الأمر يخصها.
"لا الدكتورة عشانك يا ياقوت.. عشان الحمل.. نشوف لو محتاجة حاجة تتعالج ولا محتاجة مقويات."
وأردفت وهي تفحصها بنظراتها الثاقبة.
"مش عايزين نضيع وقت."
ارتجف قلبها وهي تسمع عبارتها.
"نضيع وقت إيه.. إحنا بقالنا شهرين ونص متجوزين بس."
ابتسمت نادية وهي تصحح لها المعلومة.
"تلات شهور يا ياقوت يا حبيبتي.. ده أنا قولت هتحملي من أول شهر بس يلا مش مهما."
جادلت نادية دورها وكأنها والدة زوج.
"مش عايزة تروحي للدكتورة ليه يا ياقوت؟"
شحب وجهها وهي تطالعها.
فاليوم أخذت قرارها أن لا تتناول تلك الحبوب ولكن مجيء نادية اليوم جعلها تدرك أن إخفاءها للأمر أتى عليها بمأزق.
"أنا ورايا شغل النهارده ومينفعش آخد إجازة.. حمزة لو كان عايزني أروح كان قالي الصبح قبل ما يخرج أو اتصل بيا."
ضاقت أنفاس نادية من تعليلاتها فأحتدت نظراتها.
"أنتي خايفة كده ليه.. ياقوت أنا اقترحتك على أخويا عشان هتديله الحاجة اللي ناقصاه."
لاحظت نادية أنها أخطأت في كلامها فتنهدت بضيق.
"روحي كلمي جوزك وقوليله إنك خارجة معايا وريحين نطمن نطمن على موضوع الحمل.. مظنش إنه هيقول لأ."
ارتجف قلبها وهي تتذكر حينما أخبرها عن رغبته بطفلًا.
تحركت ببطء لداخل غرفتها فأتجهت نادية نحو الأريكة تنتظرها تلوي شفتيها بضيق من كل ذلك الجدال.
فهي لم تضع فكرة الزواج داخل عقل شقيقها إلا لترى أطفاله.
***
عادت هناء من عملها في وقت مبكر لتتفاجئ بوجوده.
وضع فنجان قهوته جانبًا فتسألت وهي تلقي بجسدها فوق الأريكة.
"جيت بدري يعني؟"
اقترب منها يجلس جانبها يزفر أنفاسه حتى يتقن داخله الدور.
فهو من اقترح فكرة قدوم شقيقته.
"تقى جايه تقضي معانا شهر ياهناء.. مضطرين نظهر قدامها زي أي زوج وزوجة زي ما إحنا متفقين."
قبضت حاجبيها تستوعب عبارته الأخيرة.
"يعني إيه؟"
ابتسم وهو يطالعها.
"يعني مش هينفع كل واحد فينا ينام في أوضة ياهناء."
انتفضت من فوق الأريكة ترمقه بمقت.
"قصدك إن هتجمعنا أوضة واحدة؟"
***
خرج من شركته لا يرى أمامه.
حديث مكرم مازال صداه بداخله.
عدنان أيضًا قتل والدها لكي يحصل على والدتها بعدما أعجبه.
قبض على كفه بقوة وقد تخلى اليوم عن عصاه.
أسرع سائقه في فتح باب السيارة له ليدلف داخلها آمرًا سائقه.
"روح على المزرعة."
***
انتظرت إجابته على هاتفه وقلبها يدق بعنف.
بللت شفتيها بطرف لسانها لتسمع صوته فهتفت فور رده.
"نادية عايزة نروح للدكتورة عشان موضوع الحمل."
ارتبكت وهي تخبره بالأمر وأكملت بتوتر.
"أنا ورايا النهارده حصة في المركز.. وانت عارف إن..."
لم تكمل عبارتها.
واتسعت حدقتاها وهي تسمعه.
"تعرفي إن أكتر حاجة بكرها في حياتي الكدب يا ياقوت.. كان نفسي تصرحيني من غير كدب حتى مكالمتك دي كان عندي أمل خيبتي.. افتكرتي مش هعرف بموضوع الحبوب."
وزفر أنفاسه بقوة.
فارتعشت يداها.
"انت كنت عارف.. أنا عملت كده عشان..."
وقبل أن تبرر له سبب فعلتها.
أتاها صوته حازمًا جعل قلبها يرتجف خوفًا.
شحب وجهها وسقطت دموعها من برود كلماته.
فهو يعرف بفعلتها وشقيقته تنتظرها بالخارج لاصطحابها للطبيبة.
"أدي التليفون لنادية يا ياقوت."
يتبع بإذن الله.