تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي والستون 61 - بقلم سهام صادق
لم يُصدق ما سمعه، وكيف سيُصدق بعد أن أضحي عمره يُعطي من أجل سعادة من حوله. انتقلت عيناه بينهم حتى يرى صدق ما سمع.
"أنت مش مصدقني... طب أحكيلك طردها إزاي؟"
شحبت ملامح ندي وهي تسمع مها. فلأول مرة تكن جريئة بين أفراد عائلته.
نيران اشتعلت داخل قلبه وهو يستمع لمها التي وقفت أمامه بجرأة ليست من صفاتها. اقتربت منه ندي سريعاً تفصل بينه وبين مها الواقفة.
"حمزة... شريف ندمان وبيدور عليها وهيعتذرلها."
الغضب أصبح يحتل كيانه وهو يتخيل كيف طُردت زوجته وأُهينت من أفراد عائلته، رغم كل شيء فعله معهم دون أن يُفكر يوماً بحاله.
"حمزة هنلاقي ياقوت وكلنا هنعتذرلها."
"مراتي فين ياندي... هو سؤال وعايز إجابته."
طرقت عيناها فلا أحد يعرف إلى أين ذهبت. رغم محاولتهم لمعرفة ذلك.
"أنا آسف."
رفعت ندي عيناها نحو شريف الذي أتى للتو يطرق رأسه خزياً وخجلاً. ساد الصمت للحظات ليتكرر اعتذار شريف.
"أنا آسف... صدقني بدور عليها... مكنتش أقصد."
لم يشعر بنفسه إلا وهو يقبض على كتفي شريف بقوة يصرخ بجنون.
"أنا النهاردة عرفت إني ضيعت عمري هدر... لأول مرة في حياتي أكتشف إني كنت حاسبها غلط... ياخسارة."
سقطت دموع شريف. فنفضه من بين ذراعيه، ليسرع شريف في جذب ذراعه.
"اضربني... اعمل أي حاجة بس سامحني... مش هسكت غير لما ألاقيها."
نظرة لم يراها شريف يوماً بأعين حمزة المُحب له ولشقيقته وكأنهم منه. لحظتها أدرك أن ما فعله لن يمحوه إلا الزمن وسيظل ما حدث ذكرى مُرسخة.
نظر شهاب نحو شقيقه الواقف يتحدث بهاتفه بجنون والخدم يحملون حقائبه، وندي تقف جانبه باكية من حين لآخر تطلب منه أن يفعل شيئاً. أما مها وقفت تُطالع كل شيء صامتة، يداها ترتعش خوفاً.
همست ندي برجاء وهي تجد الخدم أنهوا حاجة حمزة الذي لم يرمقهم إلا بنظرات خذلان.
"اعمل حاجة ياشهاب... أرجوك اتصرف."
"ما خلاص ياندي... البيه حضرت الظابط دمر كل حاجة، خليه يفرح بقى."
سقطت دموع ندي بعجز تتذكر هيئة شريف وهو يُغادر بسيارته مُسرعاً.
"حمزة لو مشي ولاد اختي هيضيعوا... أنت متعرفش هو بالنسبالهم إيه."
لم تجد من شهاب إلا ابتسامة ساخرة رمقها بها طعنت قلبها.
أشاحت عيناها بعيداً عنه ترمق مها الجالسة بمقت.
"كل الشنط اتحطت في العربية يابيه."
تعلقت عين ندي بـ شهاب بأمل أن يفعل أي شيء. فحمزة يترك المنزل بأكمله لهم وهو الذي لم يفعلها حين ماتت سوسن.
انتبه شهاب على خطوات شقيقه ونظرات ندي إليه. فتنهد بيأس واتبع شقيقه يهتف باسمه قبل أن يصعد سيارته.
"حمزة... استنى ياحمزة."
وقف مُقتضباً يتحاشى النظر إليه.
"صدقني ياحمزة مكنتش ساعتها موجود... أنت عارف إني بعتبر ياقوت أختي وعمري ما كان جوايا حاجة وحشة ليها وحزين على اللي حصل."
قبض على يده بقوة وهو يسمع تبرير شقيقه الذي لا يزيده إلا غضباً.
"مبلغتنيش ليه... يومين مراتي غايبة ومتعرفوش عنها حاجة وأنا آخر من يعلم."
أطرق عيناه مُعللاً.
"افتكرت هقدر ألاقيها قبل ما ترجع... مكنتش عايز نوصل للنقطة دي."
ضرب فوق صدره ينظر إلى المكان مُتذكراً أول يوم دلفوا جميعهم فيه كعائلة.
"الغلط غلطي ياشهاب... أنا اللي خليتها آخر حاجة قدامكم في حياتي... أدّيتكم كل حاجة وهي دوست عليها كتير."
وأردف وهو لا يستطيع تحمل تخيل هجرها له وكيف يكون حالها.
"ابعد عني ياشهاب لأن اللي جوايا نار."
غادر بسيارته ولم يُفكر لحظة بحياته أنه سيخرج من ذلك البيت نادماً كارهاً له ولحياته. فها هو حلمه يتحقق وأتى موعده ولكن لا رسالة تركتها له ولا شيء إلا نيران تحرق فؤاده كلما تذكر أن زوجته أُلقيت للشارع شريدة.
استيقظت فزعاً من حلمها تضم بطنها بذراعيها خوفاً... خوفاً من المجهول ومن كل شيء. أصبح شريف جزء من أحلامها لا تراه إلا وهو يدفعها فتسقط أرضاً تتناثر الدماء أسفلها وتصرخ بخوف على صغيريها.
ألتقطت كأس الماء الموجود على الطاولة جانبها تروي عطشها.
بدأت وتيرة أنفاسها تنخفض شيئاً فشيئاً لمعدلها الطبيعي لتسقط دموعها بعدها وهي تهبط بعينيها نحو بطنها تشكي همها إليهم.
"طول عمري كنت الحيطة المايلة اللي الكل بيطلع همه فيها... مش هربيكم أبداً على الضعف."
رنين هاتفها الجديد الذي ابتاعه لها هاشم أخرجها من طور أفكارها لتلتقط هاتفها سريعاً.
"أيوه ياهاشم... أنا كويسة متقلقش عليا."
وأردفت شاكرة.
"مش عارفة أقولك إيه غير أن جميلك مش هنساه أبداً."
تنهد وهو يعتدل في رقدته.
"قلت مش عايز أسمع منك شكر تاني."
صمتت لثوانٍ ليُخبرها.
"بكرة ياسمين هتكون عندك... أنا وهي ووالدك ظبطنا كل حاجة ومحدش يعرف مكانك غيرنا."
وزفر أنفاسه دون راحة عما يراه في حمزة من ضياع.
"حمزة بيدور عليكي زي المجنون."
"لا ياهاشم... أرجوك... لو مش حابب وجودي في بيتك قولي."
قطع حديثها غاضباً.
"أتمنى مسمعش منك الكلام ده تاني... الفجر قرب يأذن قومي صلي ونامي... وبكرة الضهر هتلاقينا عندك."
انتهت المكالمة لتغرق في دوامة أفكارها وعبارة هاشم تتردد بداخلها "بيدور عليكي زي المجنون". ولكن الآوان قد فات.
تعلقت عين سناء بابنتها وزوجها وهم يتهامسون سوياً. فأقتربت منهم تضع كؤوس الشاي حانقة.
"أنا مش عارفة إزاي موافق تروح القاهرة مع راجل غريب وتشتغل عنده... وبنتك التانية محدش يعرفلها طريق... أقطع دراعي لو الموضوع ده مفيهوش آآآه."
ارتبك زيدان من نظرات زوجته فأسرعت ياسمين بجذب انتباه والدتها إليها.
"أولاً ياماما مستر هاشم ده بتشتغل معاه ياقوت وهي موصياه عليا... وهعيش في نفس السكن اللي كانت عايشة فيه ياقوت... وبخصوص أختي هي اللي مختفية بمزاجها واحنا مطمئنين عليها."
"والله عال ياست ياسمين بقيتي تعرفي تتكلمي... ولمعت عيناها وقد انتبهت لحديث ابنتها."
"أنتي تعرفي حاجة عن ياقوت.. انطقي يابت خلينا نبلغ جوزها."
ابتلعت ياسمين لعابها، فلا أحد يعلم بمكانها إلا هي ووالدها.
"ما تسكتي بقى ياسناء وجعتي دماغنا... قومي هاتي الفلوس اللي كنت شايلها لوقت زنقة اديهم لبنتك... العيشة في مصر غالية."
احتقن وجه سناء فأنتفضت واقفة.
"مصيري أعرف يازيدان إيه اللي مخبيه عليا بخصوص المحروسة بنتك."
تنهدت ياسمين بقله حيلة فتعلقت نظرات والدها بها.
"ياسمين خدي بالك من اختك يابنتي... اختك على وش ولادة."
وسقطت دموعه بعجز.
"قوليلها إن أبوكي بيحبك... وخليها تسامحني أنا اللي رميتها وسط ناس لا من توبنا ولا حياتنا تنفع معاهم."
كادت أن تبكي ياسمين ولكن عادت والدتها إليهم وإلقاء المال فوق الطاولة الخشبية جعلها تضحك رغماً عنها.
"خدوا الفلوس أهي ولو البت حصلها حاجة ذنبها في رقبتك يازيدان."
تجاهل زيدان حديثها ووثب واقفاً يحمل حقيبة ابنته.
"يلا ياياسمين يابنتي أوديكي الموقف الراجل زمانه مستنينا هناك."
وقف هاشم في المكان الذي أبلغه به السيد زيدان كما اتفقا. استند بظهره جانب سيارته ينتظر قدومهم. كان لديه صورة في هاتفه تجمع ياقوت بعائلتها فلم يستصعب عليه الأمر فور أن وقعت عليهم عيناه. اقترب منهم سريعاً يُعرفهم بحاله.
تصافح زيدان معه بود.
"أهلاً يابني... أنا مش عارف أشكرك إزاي."
"متقولش كده ياعمي. ياقوت زي أختي."
ابتسم زيدان براحة... فقد صدقت ابنته عندما أخبرته أنه رجلاً شهماً.
وقفت ياسمين جانب والدها مُطرقة الرأس خجلاً. لم تتعلق أعين هاشم بها ولكن عندما رفعت وجهها قليلاً التقت عيناه فشعر لوهلة أن هناك شيئاً خفق بقلبه تجاهله سريعاً ليحمل الحقيبة التي وضعها والد ياقوت أرضاً.
"هنطمنك أول ما نوصل."
مجرد ساعة غفاها وانتفض بعدها مفزوعاً من قسوة أحلامه يهتف باسمها.
"ياقوت."
لا رد أتاه فتأكد أنه كان يحلم بها. أسبوع مر وهو يبحث عنها كالمجنون لا وجود لها. أمواله ونفوذه وسلطته لم تُساعده بشيء.
كان لأول مرة يُجرب معنى الخوف الحقيقي. زوجته وطفله الذي اقترب موعد ولادته وكيف تعيش وأين مأواها. أسئلة كثيرة كانت تدور بخلده فتجعله يجن.
وثب من فوق فراشه يفتح أزرار قميصه مُتجهاً نحو شرفة غرفته في الفندق الذي يقيم به.
"أنا اللي ضيعتك... افتكرتك جبل وهتفضلي تتحملي... ضيعتك بغبائي."
ضرب بقبضتيه فوق سور الشرفة حتى نزفت يداه. رنين هاتفه جعل قلبه يخفق بأمل فأتجه للداخل نحو فراشه لعله أحد رجاله يُخبره بشيء فلم يجد إلا رقم شقيقته فألقى الهاتف مرة أخرى.
ضياعها منه حمله لهم جميعاً كما حمله لنفسه.
وضع لها أحد موظفي أمن الشركة باقة الأزهار المرسلة لها فوق مكتبها. فتعلقت عيناها بالباقة فرحة.
"الورد ده ليا أنا."
ابتسم الواقف على تصرفها وأومأ برأسه مُتمتماً.
"أيوه يافندم."
لم تسأله عن هوية المرسل وقد ظنت أن من فعل ذلك هو مراد. فاليوم عيد مولدها ولم تشأ بأي مظهر من مظاهر الاحتفال لاختفاء ياقوت رفيقة عمرها. فاكتفت بالتهنئة حتى تظهر صديقتها لتدق عنقها دكاً لاختفائها أيضاً عنها.
اندَمَجَت في شم رائحة الأزهار العطرة وشردت فيما عرفته من مراد عن سبب اختفاء ياقوت. رغم أن نادية أخفت الأمر عليها إلا أنها علمت بكل شيء حانقة من تلك العائلة بأجمعها.
تعالى رنين هاتفها برسالة. لتلتقطه فأتسعت عيناها من محتواها.
"أتمنى أن تكون قد أعجبتك هديتي... عيد ميلاد سعيد."
تعلقت عيناها بالرسالة ثم انتقلت نحو الباقة مصدومة. ظنت أن مراد هو من أرسلها.
سمعت صوت أحد الموظفين مُرحباً بزوجها فشحب وجهها خوفاً وأسرعت في إلقاء الباقة من شرفة مكتبها مُتحسرة عليها.
"بتعملي إيه عندك ياهناء."
"بشم شوية هوا."
تلجلجت في تمتمتها ليقترب منها مُبتسماً.
"مستر مارتن عزمنا على الغدا عنده في فيلته... حاولت أهرب من العزومة بس معرفتش ياحبيبتي."
انكمشت ملامحها اقتضاباً من سماع اسمه.
"مابرتّحش للراجل ده يامراد... أنا مش عارفة أنت مبهور بيه على إيه."
ضحك وهو يرى حنقها.
"حتى طفلة في مشاعرك ياهناء... ياحبيبتي مارتن رجل أعمال ذكي وأنا عايز أستقل بتأسيس شركة لوحدي ولا أنتِ مش عايزة جوزي يعلى."
تمتمت حانقة.
"عايزاك تعلى وتبقى أنجح واحد بس مش مع الراجل ده... أنا قلبي مش بيرتاحله يامراد اسمع..."
لم تكد تُكمل عبارتها فأنحنى يلثم ثغرها بقبلة خاطفة وابتسم.
"بطلي قلق وخليكي واثقة في جوزك."
وقفت مُتعجبة من أوامر فرات لإعداد ضيافة خاصة من أجل أحد ضيوفه. كان مُهتماً بقدوم ذلك الضيف إلا أن نظراته نحوها كانت عجيبة.
مر الوقت وقد قضته بصحبة حورية تحت نظرات الكثير من العاملين. فكيف لزوجة رب عملهم تتجاذب الحديث مع إحدى العاملات.
"الوقت سرقنا."
ابتسمت إليها صفا بمحبة.
"تعرفي الكلام معاكي أحسن من أي دكتورة نفسية."
خجلت حورية من ذلك المديح الذي رطب قلبها.
"كلامك أحسن من أي علاج... أنتِ اللي قربتيني من ربنا."
"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء."
صدق الله العظيم.
تمتمت صفا براحة تغزو قلبها وهي تستشعر جمال الآية.
تقدمت منهم إحدى الخادمات تخبرها أن سيدها يريدها.
ودعت حورية وسارت بخطى هادئة تُلائم حركتها مع انتفاخ بطنها.
تعلقت عيناها بذلك الواقف مع زوجها وزوجها يُرحب به بحفاوة.
فنطقت اسمه دون إرادة "حمزة".
كانت أعين فرات تلتقطها إلى أن اقتربت منهم. مجرد كلمات رسمية تجاذبها معها. كان فرات يُراقب خلجاتهم ويسبر أغوارهم بعينيه.
ولكن لا شيء كان يراه في نظرات حمزة إلا حزن غائر بعينيه. أما زوجته لم يفهم نظراتها يشعر وكأنها تُخبر نفسها "يا ليت".
نفض أفكاره التي تعصف بعقله وقلبه وهتف مُرحباً فهو يحترمه بعيداً عن كل شيء.
"اتفضل ياحمزة شرفت."
دلفوا ثلاثتهم للمنزل لتُسرع صفا نحو المطبخ مُتمتمة.
"هقولهم يحضروا الغدا."
لم يأتِ للضيافة والجلوس إنما أتى حتى يطلب من فرات مساعدته في إيجاد زوجته. فالحديث بالهاتف لن يجني شيئاً فهو يحتاج خبرة فرات العسكرية.
تمتم فرات قاطباً حاجبيه من صنيع زوجته.
"خلينا نتكلم في المكتب."
تمتم بها فرات مُتقدماً حمزة الذي اتبعه. وقبل أن يتسأل فرات عن سبب قدومه.
"محتاج مساعدتك يافرات."
"مساعدتي في إيه."
تهاوى بجسده فوق أحد المقاعد واضعاً رأسه بين راحتي كفيه.
"ألاقي مراتي."
صعدت لغرفتها حتى تبدل ثيابها التي انسكبت فوقها صلصة الطعام. رؤيته اليوم أربكتها وجعلتها تتخبط حتى أنها فرت للمطبخ مُتعللة أنها ستُخبرهم بتجهيز الطعام.
أغمضت عيناها بقوة وهي تتذكر ملامح وجهه الشاحبة. فاليوم لم يكن حمزة الزهدي الذي عاهدته أنما كان آخر مُنطفئاً يحمل هموم الدنيا.
زالت حجابها ثم انتقلت يداها نحو بلوزتها لتفكها ببطء. فتوقفت يداها فوق أزرارها وهي تسمع زمجرته.
"حنيتي له مش كده."
اتسعت عيناها مما تسمعه. فأقترب منها.
"لسه بتحبي."
لم تُجب فالإجابة لم تعد تعلمها. فسر صمتها أنها بالفعل مازالت تحبه ولكنها كانت تسأل نفسها هل مازال حبه ينبض بداخلها.
"ردي ياصفا."
"معرفش."
لم يُعجبه ردها فعاد يسألها.
"لا آه لا لأ... مفيش حاجة اسمها معرفش."
"أيوه معرفش... ما أنا مجربتش حب راجل تاني عشان أعرف أرد عليك."
بهتت ملامحه وقد أجاده إلقاء كلماتها التي قصدتها. اندفع خارج الغرفة دون كلمة أخرى لتنظر إلى الفراغ الذي أمامها تزفر أنفاسها تتسأل لما أتى حمزة إليهم اليوم وانصرف سريعاً.
دَلفت جين غرفتها تطرق الأرض بحذائها ذو الكعب العالي.
"كيف حالك سماح."
رمقتها سماح بكره.
"من الذي سمح لكِ بالقدوم إلي."
نظرت جين للخادمة الواقفة مُشيرة لها أن تنصرف. لتنفذ أمرها.
فأقتربت منها جين أكثر وغضب سماح يزداد.
"قلت اخرجي من غرفتي."
تجلجلت ضحكات جين وازاحت خصلاتها جانباً.
"لا تغضبي هكذا سماح... فالغضب لا يليق لك."
وأردفت ساخرة.
"الأفضل أن توفريه لما هو قادم."
لم تتحمل سماح وجودها أكثر في غرفتها فـ وثبت من فوق فراشها واندفعت نحوها.
"قلت اخرجي ياحقيرة... ياقاتلة."
"أنتِ مريضة سماح... تُخبرينني أنني القاتلة وأنتم من قتلتم نورالدين... لولا سهيل لكنت أخبرت الشرطة عنكِ."
كانت يدي سماح الأسرع في الالتفاف حول عنقها قبل أن تستمع لحديثها المريض أكثر. فأندفع سهيل للغرفة يُخلص جين من سماح.
تراجعت سماح للخلف وهي تراه يحتضن جين ويُهدئ من روعها.
"كادت أن تقتلني سهيل."
"سنتخلص منها قريباً حبيبتي لا تقلقي... تلد وسنتزوج أنا وأنتِ."
ولولا أنها أصبحت تعلم بتلك المسرحية الهزلية لكانت ماتت قهراً.
اندفعت نادية لغرفة مكتبه مُتمتمة وقبل أن يُخبرها أنه ليس لديه وقت كما اعتادت منه منذ ما حدث واعتزلهم جميعاً.
"جاية أقولك إن ياسمين أخت ياقوت سايبة البلد... أمها قايلة إنها نزلت القاهرة تشتغل لكن البنت مجتش هنا."
هب واقفاً من مقعده واقترب من شقيقته.
"يعني أهل ياقوت عارفين مكانها."
ألتقطت نادية أنفاسها.
"أكيد ياحمزة... يعني أختها مُختفية فين كل ده."
لم ينتظر سماع حديث أكثر من شقيقته فأسرع يلتقط سترته ومتعلقاته وانصرف على أمل وأعين نادية تتبعه تتمنى أن يعود بها.
وصل لبلدتهم أخيراً ليطرق الباب. وما من دقائق حتى فتحت سناء الباب.
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني والستون 62 - بقلم سهام صادق
قتمت عيناه بالظلمة وهو يخرج من بيت عائلة زوجته خالي الوفاض، رغم تيقنه بأن والد زوجته يخفي شيئاً ما. فسناء كانت ستخبره بأمر ما لولا خروج والد زوجته من غرفته، يتولى هو الحديث ناظراً لزوجته بنظرة آخرستها.
زفر أنفاسه دفعات متتالية قوية، يطرق فوق عجلة القيادة بغضب.
"مش هسكت غير لما ألاقيكي... مش هضيعك من إيدي بعد ما رجعتي جو قلبي شبابه اللي ضاع."
احتل الألم تقاسيم وجهه وهو يتذكر عبارة السيد زيدان: "لما تلاقي بنتي طلقها يابني أحسن ليك وليها... بنتي مش شبهكم ولا انتوا شبهها."
لولا رنين هاتفه لظل غارقاً في ظلمة أفكاره. حقيقة اعترف بها مؤخراً لحاله، أنه كان يعتبرها ملكية خاصة له ونسي أن ما نملكه يضيع يوماً عند القنوط.
"أيوه يانادية... للأسف لأ."
هتف عبارته لشقيقته بصوت يأس، فتمتمت نادية بدعم:
"هنلاقيها أكيد ياحمزة، متقلقش."
***
وضعت ياسمين الهاتف أمامها تنظر إلى ملامح ياقوت التي تغيرت بعد المكالمة التي دارت بينهم وبين والدهم.
"حمزة بيحبك ياياقوت... ده قالب الدنيا عليكي."
تععلقت عين ياقوت بشقيقتها، متذكرة كل لحظة بحياتهم معاً. لم تعلق على حديث شقيقتها، إنما نهضت تسير نحو غرفتها، تغلق بابها خلفها، تهوي فوق فراشها باكية. لم تتركها ياسمين بل اتبعتها خائفة عليها، وفور أن فتحت الباب اندفعت نحوها تربت فوق ظهرها.
"ياقوت كفاية بكى... انتي ناسيه إن كل اللي انتي فيه ده غلط عليكي وعلى ولادك."
"غصب عني ياياسمين.. أنا حاسة بوجع فظيع في قلبي."
جففت دموعها بكفيها تنظر نحو ياسمين التي هتفت داعمة لزوج شقيقتها:
"حمزة ملهوش ذنب."
كانت تلك العبارة التي تخبرها بها دوماً شقيقتها عندما يخبرهم هاشم عما يفعله حمزة.
"عارفة إنه ملهوش ذنب.. بس في حاجات مبتعرفيش تحكيها ياياسمين."
صمتت ياسمين ليقطع لحظة جلوسهم صوت رنين الهاتف، فأسرعت ياسمين بألتقاط هاتفها.
"ده هاشم."
أجابته بصوت رقيق وكانت طبيعتها، ليأتيها صوت هاشم:
"ياسمين أنا واقف بالعربية بره.. تعالي عشان تساعديني في شيل الحاجة."
أسرعت للخارج لتتعلق عين ياقوت بها بحنو، فوجودها جانبها هي وهاشم كان دعماً لها.
بعد دقائق كانت ياسمين تندفع للداخل بسعادة تحمل بعض الروايات التي طلبتها من هاشم وقد أتى بها.
"أنا مش مصدقة إنهم بين إيديا."
ضحك هاشم وهو يتبعها يحمل بيديه العديد من الأكياس.
"لا صدقي وكمان ليا خبر تاني هيفرحك بس أكيد بمقابل."
"خبر إيه؟"
كانت نظراتها إليه كالطفلة، ولكن لأول مرة كانت تربكه نظرات امرأة. نفض أفكاره التي أصبحت تقتحمه مؤخراً هاتفاً بقلبه: "إنها ليست إلا طفلة بالنسبة له، اجتازت التاسعة عشر ربيعاً."
انتبه لنفسه فوضع الأشياء التي بيده فوق الطاولة، واتجهت عيناه نحو ياقوت التي خرجت من غرفتها للتو بعد أن رتبت ملابسها وحجابها.
"عاملة إيه النهاردة..."
تعلقت أنظارها نحو بطنها.
"الحمدلله..."
"الدكتورة قالتلك هتولدي إمتى؟"
أسرعت ياسمين في الإجابة عليه وقد تعلقت عيناها بهم بحماس.
"أقل من شهر وهبقى خالتو."
وأردفت وهي تتجه نحو المطبخ بخطوات سريعة:
"هحضر الغدا عشان تتغدا معانا."
"استني ياياسمين أنا أصلاً ماشي... جيت بس أطمن عليكم وأجبلكم اللي محتاجينه."
وامتدت يده ببعض النقود لياقوت التي أبعدت يداها سريعاً.
"لأ كفاية كل اللي بتعمله معايا.. الأول أخدت منك عشان قولت ده مرتبى بس دلوقتي أنا مبشتغلش."
"ياقوت بطلي الحساسية اللي انتي فيها دي."
وأردف وهو ينظر لها يذكرها بنسبتها في شركته التي اشتراها لها حمزة.
"أنتي ناسيه إنك شريكة في الشركة وليكي أسهم."
"ده فلوس حمزة مش فلوسي."
تنهد هاشم لا يعرف من أين وكيف يقنعها.
"أنتي وحمزة واحد ياياقوت... على العموم أولدي انتي بس وأنا هجبلك عروض تصمميها ونبقى نتحاسب بعدين."
وعاد يمد يده بالمال فهتفت تنظر نحو شقيقتها:
"معانا فلوس بابا بعتها صدقني حتى اسألي ياسمين."
حركت ياسمين رأسها تلقائياً، فزفر أنفاسه حانقاً منهم. وضع المال فوق الطاولة متمتماً:
"الفلوس أهي ومش عايز أسمع كلمة تانية."
وتحرك بعدها كي يغادر، فتعلقت أعين ياسمين به راغبة في أن تعرف تلك المفاجأة التي نسي أن يخبرا بها. ولكن توقفت أقدام هاشم عند الباب ثم استدار بجسده، ومطالعتها جعلتها تنتبه جميع حواسها إليه.
"قدمت لك في المعهد واتقبلتي الدراسة يومين في الأسبوع."
تهلللت أسارير ياسمين وركضت نحوه لتقف متخشبة مما كانت ستفعله بعفوية، لتتجه نحو ياقوت التي ابتسمت وفتحت لها ذراعيها تضمها إليها بحب.
***
دَلفت نادية لغرفة مكتب شقيقها تتنهد بأسى. الساعة كانت العاشرة مساءً وما زال هو بالشركة يجلس فوق مقعده شارداً ينظر من شرفة مكتبه، معطياً ظهره لباب الغرفة.
"كده تقلقني عليك ياحمزة.. حتى تليفونك قفله متعملش فيا كده."
هتفت نادية عبارتها الأخيرة وهي تمسح دموعها. شقيقها القوي ذو المشاعر الجامدة انهار، وهو الذي لم ينهار يوم وفاة سوسن وجمع شمل العائلة ثانية بصلابة. عاد بها الزمن للوراء تتذكر انهزامه بعد خيانة صفا له، ولكنه كان شاباً لم يتخطى الخامسة والعشرين، أما اليوم هو رجل على مشارف إتمام عامه الثامن والثلاثين.
اقتربت منه بخطوات هادئة.
"روحي يانادية... أنا عايز أفضل لوحدي."
وقفت للحظات مترددة، إلا أنها عزمت أمرها بأنها لن تتركه إلا وهو معها.
"لأ ياحمزة مش همشي وأسيبك..."
"نادية."
تمتم بحزم، فأقتربت منه أكثر حتى أصبحت خلفه، ليلتف بمقعده غاضباً، لتشهق نادية مصدومة من هيئته.
"انت عينك حمرا كده ليه... أوعى تقولي إنك كنت بتبكي."
"حمزة الزهدي مش ضعيف يانادية."
كان يكذب على نفسه قبل شقيقته، فضعف الحب قد عاد بعد أن بنى حول قلبه جداراً لسنوات.
"يالا ياحمزة تعالا معايا ارتاح... مش شايف شكلك بقى عامل إزاي."
تعلقت عيناه بشقيقته.
"أنا كنت راجل سيء أوي كده يانادية."
صمتت تزفر أنفاسها.
"مش انت اللي سيء ياحمزة، إحنا اللي كنا أنانيين معاك ومعاها... استخترنا حنانك فيها، كنا بنشوف إنه مش من حقها وإنها واجب عليها ترضى بالقليل."
وألتقطت أنفاسها الثائرة.
"حسبناها حتى على حادثة مريم.. بقينا نفرغ أي غضب ومشاعر جوانا عليها.. حتى أنا كنت بفتكر بقدم ليها نصايح بس الحقيقة أنا كنت بأمرها.. وأوجع شيء على الإنسان إنه يحس إنه متهان وسط الناس."
"وأنا كنت ساكت... شايف وساكت.. كنت زيكم أناني.. الغلطة مش غلطت شريف، غلطتي أنا يانادية."
صرخ بقوة وهو يتذكر معاملته لها قبل فعلة شريف. حملته تقصيره في حق مريم ونسي أنها لمرات عدة كانت تنبهه أن ينتبه لصغيرته، ولم يكن يأخذ بنصحها إلا أنها مشاعر كره نحو مريم.
جذبته نادية نحوها تحتضنه بقوة داعمة، وهطلت دموعها وهي تستمع لهذيانه.
"أنتي اللي أصرتي أتجوز.. قولتلك مبقاش ينفع..."
"مكنتش فاكراك هتحبها كده."
ليبتعد عنها لثوانٍ ينظر لها بتعمق، ثم انفجر ضاحكاً ساخراً من كلمات شقيقته.
***
وقف شريف يتأمل شقيقته الراقده فوق سرير المشفى والحزن يفطر قلبه ألماً. هوى فوق المقعد الذي كان بجانب فراشها وألتقط يدها يسألها.
"هتصحي إمتى يامريم... هتصحي إمتى عشان أعوضك."
انحدرت دموعه بعجز وهو يرى سكونها، فأين هي شقيقته التي كانت تركض حولهم هنا وهناك.
"هجبلك حقك حتى لو كلفني عمري كله... مش هسيب الكلاب اللي عملوا فيكي كده."
كان يعلم أن رؤى هي مفتاحه لمعرفة هوية ذلك الشاب الذي إلى الآن لم يصل أحد لهويته، لتخفيه.
دقائق مرت وهو جالس هكذا يفيض لشقيقته بكل ما هو فيه، يطلب منها ألا تكسر ظهره، هي أيضاً، يكفيه بعد حمزة عنه.
اهتزاز هاتفه جعله يخرج من تلك الدوامة التي هو بها.
فنظر لرقم صديقه بالعمل ليخرج من غرفة شقيقته بعد أن ألقى بنظرة أخيرة عليها.
توقفت قدماه وهو يرى حمزة يصافح الطبيب الخاص بحالة شقيقته، ثم تقدم نحو غرفتها دون سلام. أطبق عيناه بحزن وانصرف مغادراً المشفى بأكمله، فلم يعد يتحمل نظرات حمزة وتجاهله.
***
ركضت الخادمة إليه تخبره عن تعب سيدتها. ثوانٍ وكان يصعد الدرج بخطوات سريعة ينظر إليها بلهفة.
"مالك ياصفا."
اعتدلت في وقفتها بعدما كانت منحنية من شدة ضربات صغيرة.
"شوية تعب وراح."
"صفا لو تعبانة قولي... ميعاد ولادتك قربت."
تعلقت عيناها به تتأمله.
"انت بقيت تمشي كويس على رجلك."
كان سؤالها مفاجئاً بالنسبة له، فتنهد وهو ينظر إليها.
"التزمت في العلاج الطبيعي."
أومأت برأسها متفهمة ليقترب منها يرفع وجهها إليه.
"عايز أبقى زوج وأب كامل بالنسبة ليكم."
كلماته كانت تطعنها وتخبط خطتها، فهو يسعى لفعل أي شيء حتى يجعل حاله كاملاً في عينيها، وهي تسعى لتدميره.
"الضمير" وحده كان يقف حائلاً بين أفكارها ونشأتها القديمة.
"انت ليه بتعمل كده... ارجع وحش تاني."
أصابه الصدمة مما تفوهت به.
"أنتي عايزاني أبقى وحش ياصفا.. طب أنا بتغير عشانك وعشان ابني مش عايزة يتربى زي ما اتربيت."
"فرات بيه ست فادية مستنياكي تحت."
دخول الخادمة إليهم مهرولة قطع حديثهم، لينظر إليها قبل أن يغادر لأسفل حتى يرى شقيقته.
أخذتها قدماها بعد فترة نحو الدرج لتسمع إلى صراخ فادية.
"ماهي أكلت عقلك خلاص.. أظاهر إنك لسا في الغيبوبة اللي كنت فيها."
صفعة سقطت فوق خد فادية ليرمقها بغضب.
"اخرسي... تفتكري مش عارف بعملتلك ده، أنا مكتوف أفكر إن أختي وصلت للشر ده."
اتسعت عين فادية وهي لا تستوعب ما وصل إليه عقلها.
"لعبتي مع الشخص الغلط يافادية."
"فرات أنا..."
أشار لعنتر الواقف بينهم.
"وصل الهانم لحد عربيتها."
أسرعت بالاقتراب نحوه تهتف بأسف.
"هتخليها تخسرنا بعض يافرات... خليتها توصل لهدفها."
"أنانتيك وحقدك هما اللي وصلونا لكده يافادية."
ولم تكن خسارتها إلا تدبيراً من القدر.
***
انتفضت مها من غفوتها مع غلق شريف لخزانة الخزانة بقوة، كان يفعل ذلك متعمدًا.
ألتقت عيناهما، فعادت إلى غفوتها لتنفذ طاقته من برودها معه. اقترب منها يجذب ذراعها بقوة فتأوهت متألمة.
"لو فاكرة إنك بتهربي مني بالنوم.. فأعرفي إني سيبك بمزاجي يامها."
"أيدك بتوجعني."
ترك ذراعها بعنف من قبضته.
"أيدي بتوجعك... واللي انتي بتعمليه معايا ده يتسمى إيه؟"
"أنا مش عايزة أعيش معاك... أنا بخاف منك."
كانت تلك إحدى عباراتها الدائمة له منذ حادثته مع ياقوت، كان يتحملها بسبب مرضها وأنها إلى الآن تعيش اضطراب نفسي من الحادثة.
"مها أعدلي كلامك معايا عشان تعبت وفيا اللي مكفيني."
صرخت بضياع وتشتت مما تعيشه داخل عقلها الذي لا يذكر شيئاً، إنما يسجل داخله كل ما يراه.
"أنا عايزة أمشي من هنا.. انت طلعت وحش ياشريف... انت طردت ياقوت وهتطردني أنا كمان."
وأردفت وهي تضم جسدها بذراعيها.
"بشوفك في الحلم وأنت بترميي في الشارع."
تجمّدت عيناه وهو يسمعها، فزوجته وحبيبته التي نسي معها رعاية شقيقته وأصبحت هي كل عالمه تخبره اليوم أنها تخشاه وتنظر إليه بتلك البشاعة لخطأ سيدفع عمره نادماً على فعلتها.
"يا مها بعد كل اللي عملته معاكي ده وبتقوليلي أنا كده."
وقفت ثابتة بمكانها، فهي لا تتذكر أي صنيع له قدمه لها.
وعندما استمر سكونها وصمتها دون اهتزاز، انتفخت أوداجه، فأقترب منه يقبض فوق كتفيها.
"ردي عليا مبتنطقيش ليه... عايزة تمشي من هنا، أجرحك وأقولك إن مالكيش مكان تروحي."
صمتت وهي تهز رأسها ودموعها منهمرة.
"عارفه... عارفه."
تشتتها وضياعها أضعفه، فهو الأكثر علماً أن الحادثة جعلت زوجته كالصفحة البيضاء، فأسرع في ضمها إليه.
"بلاش الوجع يجي منك انتي يامها... أنا عارف إنه مش بإيدك بس بلاش انتي."
***
دفنت سماح رأسها أسفل الوسادة باكية، رغم علمها بكل ما يخطط له سهيل وردها اللاذع لجين وثبوتها، إلا أن كيد جين لها بكلامها كان يقتلها.
فالحقيرة اليوم دلفت إليها تشمت بها، تخبرها أنها تتأهب للخروج برفقة سهيل من أجل تناول الطعام. فسهيل لاحظ نفسيتها التي تأثرت مما يحدث، فأراد الترفيه عنها هي وجنينها.
مرت ساعتان على خروجهم، لتمر ساعة أخرى بعد عودتهم، ليدلف بخطوات بطيئة لغرفة سماح، بل سجنها.
"آسف حبيبتي..."
واقترب منها يقبل كل أنش بوجهها معتذراً، يعدها بأن كل شيء سينتهي قريباً.
"اخترت الطريق الذي يختاره كل الرجال سهيل."
أبتعدت عنه بعدما كان غارقاً في بث مشاعره واشتياقه لها.
"ماذا تقولي سماح."
ابتسمت شارده وأشاحت عيناها بعيداً عنه.
"ستفهم قريباً سهيل."
"أحبك سماح."
ولم يترك لها حديث آخر، ليجذبها نحوه.
***
تعلقت عين هناء بالعقد الماسي الذي جلبه لها مراد متسائلة.
"إيه ده يامراد."
ضحك على سؤالها العجيب وأدارها حتى يصبح ظهرها مقابل صدره.
"عقد ياحبيبتي.. مش قولتلك شراكتنا مع مارتن هتجني حاجات كتير حلوة.. وده بمناسبة نجاح الصفقة."
"بالسرعة دي."
هتفت مندهشة فأجاب.
"مارتن علاقاته كتير ووضعه وسط الغرب والشرق الأوسط قوي وده بيسهل كل حاجة."
لامست العقد وابتسمت.
"مش عاجبك العقد."
"انت عارف إن الحاجات دي مبتفرقش معايا... لو حاجة بسيطة بتفرحني."
ضمها إليه بقوة إلى أن صدح رنين هاتفه.
"أيوه يانغم.. لأ مش هقدر أجي لأني خارج أنا وهناء."
كان رده يسمعه مارتن أيضاً وهو ينفث دخان سيجارته. لتقترب منه نغم بعد أن أنهت المكالمة.
"أرأيت."
لينظر إليها مارتن بجمود.
"وأنا لا أخسر شيئاً."
فأقتربت منه نغم تتلاعب بياقة قميصه.
"متى سنكشف أوراقنا."
أبعدها عنه، تتعلق عيناه بها، ولكن عادت تلامسه بإغراء، فتسأل بوقاحة أحرجتها.
"أليست راغبة بمراد."
وعندما لم تجب، جذبها إليه ليثبت لها أنها ليست إلا امرأة تبحث عن الرجال المميزون فقط، مال ووسامة ومكانة، تلك هي أهدافها نحو الرجال.
***
نظرت سناء إلى الطبيب الذي يخبرا أن ابنها لديه ثقب بالقلب وأن حالته لا تنتظر. نظرت لفلذة كبدها وسارت هائمة بالطريق تمسك يد ابنها. كانت لا تصدق تعبه الدائم وعدم قدرته على اللعب مثل رفاقه.
"أجيب فلوس العملية منين واللي جاي على قد اللي رايح.. ده حتى فلوس جهاز ياسمين اتصرفت."
ولطمت جانب فخذها.
"أتصرف إزاي."
وتنهدت وهي تفكر.
"اهدي ياسناء أكيد هتلاقي حل."
دَلفت للمنزل تنظر لابنها متحسرة. واتجهت نحو غرفة نومها لتتفاجأ بزوجها يحدث ابنته.
"السيد هاشم ده طلع راجل ابن ناس يابنتي... متخافيش حتى سناء متعرفش مكانك... أهم حاجة إنك كويسة."
لتتذكر زوج ابنة زوجها الثري. لتلمع عيناها وهي تتذكر اسم الرجل الذي نطقه زوجها "هاشم".
وخاطبت حالها.
"أكيد لما هساعده هيساعدني وهيفتكرلي الجميل اللي عملته فيه."
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والستون 63 - بقلم سهام صادق
لمساته كانت تسري فوق جسدها، يعرف كيف يلغي عقلها بل يستولي عليه ليُحركها كالدمية بين أصابعه.
"اهدي يافادية... بضايق اوي لما اشوفك متعصبة كده."
وانحنى يلثم كتفها العاري.
"متزعليش نفسك ياحببتي، بكرة آخدلك حقك منهم كلهم."
تعلقت أعين فادية به بلهفة، وقد نسيت مقتها من شقيقها.
"امتى بقى ياعزيز هتظهر... انت متعرفش مشاعري بتبقى ازاي لما أي واحدة من صحابي في النادي بتحكي عن جوزها."
"قريب ياحببتي، هنمشي من مصر خالص ونعيش حياتنا."
تنهدت بمقت وعادت النيران تشتعل داخلها منذ لقائها مع شقيقها.
"انت قولت هتخلصني من اللي اسمها صفا ديه... خلصني منها ياعزيز."
وعندما تذكرت أن زوجها السبب في إقحامها بحياتهم.
"انت السبب في وجودها بينا.. كانت عجباك اوي."
شرد في ملامح صفا بلوعة، إنها الداء الوحيد الذي أصابه ولم يستطع التخلص منه.
نفض أفكاره التي لم تعد تُجدي نفعاً.
"انسى اللي فات بقى يافادية.. انتي عارفه ان مافيش في القلب غيرك."
عاد يُقبلها إلى أن تعالت ضحكاتها بدلال، أغاب عقلها وسط مشاعر زائفة.
مال بجسده ليلتقط سترته المُلقاه أرضاً، مخرجاً منها ورقة مطوية.
"اخوكي عقيم يافادية ... عارفه يعني إيه مبيخلفش.. الفحوصات ديه لقيتها في خزنته."
ابتعدت عنه تنظر إليه بأعين مُتسعة.
"انت بتقول ايه."
"بقول السبب اللي كان مخلي اخوكي مضرب عن الجواز..."
"لو انت اللي بتقوله صح.. إزاي فرات مصدق كدبتها."
تنهد واعتدل في رقدته، ثم التقط علبة سجائره ليخرج واحدة وبدأ في إشعالها، ضاماً إياها بين شفتيه الغليظة.
"اخوكي كبر فبقي عايز يصدق أي حاجة يافادية... أكيد افتكر إن المعجزة اتحققت معاه ويقدر يخلف."
انقلبت ملامح فادية غير مُقتنعة بما تسمعه.
"فرات مش غبي كده ياعزيز."
"ماهو عشان اخوكي مش غبي أنا اللي لعبت في فحوصاته الجديدة.. حابب أشوف كسرته بعد الفرحة اللي عايشها ديه كلها لما يعرف إنه كان عايش على أمل كدبة."
اتسعت أعين فادية ذهولاً وهي تقترب منه أكثر تتفرس ملامحه.
"عزيز الكلام ده لو صح لازم فرات يعرفه.. بنت الحرام ضحكت على اخويا واستغفلته."
نهضت من جانبه تبحث عن هاتفها... لتتسع ابتسامة عزيز وهو يرى كيف اقتنعت بحكايته الكاذبة التي ترغب في سماعها.
وثب من فوق الفراش مُتجهاً إليها يشعر بالزهو من نجاحه.
"اهدي واعقلي كده يافادية... انتي كده هتخسري اخوكي اكتر... لو خطفنا الواد كده هنخلص اخوكي من كدبة عايشها."
وقفت تُطالعه دون فهم، وقد أصبح عقلها عاجزاً عن فهم ما يصبو إليه.
"انا مش فهماكي ياعزيز... بدل ما تخليني أكشف الخاينة اللي لميناها من الشارع .. تقولي اخطف الولد ما يتحرق هو وأمه في ساعة واحدة."
كانت أعين عزيز تلمع بخبث، فها هي فادية صدقته كعادتها حينما تريد تصديق شيء. ومال نحوها يلثم عنقها بقبلات متفرقة هامساً.
"انتي ساعديني بس نخطف الولد اول ما يتولد يافادية."
لتتجمد نظراتها نحو الساعة المُعلقة فوق الجدار، وحديث عزيز يقتحم أكثر وأكثر داخل عقلها.
.............................
سقطت دموع سناء وهي تستمع لكلمات ابنتها قبل أن تغلق الهاتف معها... أخبرتها بالحقيقة المؤلمة أن كل ما يمرون به من مصائب بسببها هي.. هي التي لا ترحم أحد من لسانها ومُعايرتها.. هي التي تقف على أوجاع الناس لتضغط بكلامها المسموم فيزداد النزف.
"انتي السبب ياماما... في كل اللي بيحصلنا... دوسك على أوجاع الناس بيقعد فيا وفي اخواتي."
صدى عبارات ياسمين كان يخترق فؤادها فتبكي أكثر.
"لا كله إلا ولادي يارب... ده أنا جبتهم بعد جوازتين فشلت فيهم."
دلف زيدان للغرفة مُتعجباً من صمت زوجته واعتزالها في غرفتها.
"مالك يا سناء مش عوايدك السكوت ده."
"هو أنا وحشة أوي يازيدان."
تعجب زيدان من سؤالها وانفجر ضاحكاً.
"الوحش مش محتاج حد يقوله إنه وحش يا سناء، الإنسان بيحس بأفعاله."
"قصدك إيه يازيدان."
هتفت بشراسة وهي تنهض من مضجعها... فتناول عباءته وشرع في تبديل ثيابه يستغفر ربه.
"ابنك عيان يازيدان ومحتاج عملية... اتصرف بقى يارجلي وهات فلوس."
انقبض قلبه وهو يسمع ما تفوهت به عن مرض أحد أبناءه التوأم.
"محمود طلع عنده إيه."
لتعود إلى حزنها تقبض على عباءتها بألم تُخبره بكل ما قاله لها الطبيب.
............................
وقفت تتابعه بعينيها وهو يُحادث العمال في ألوان حجرة صغيرهم ويختار الأثاث له بنشاط وطاقة... تعلقت عيناها به مُتعجبة من تلك المشاعر التي يحملها فرات نحو طفلهم القادم.
فهل هذا ذلك الرجل القاسي الذي عاهدته سيكون أب بحنانه ذلك... تلاقت عيناه ليبتسم لها هاتفاً.
"تعالي ياصفا عشان تقولي رأيك في الألوان."
"ما انت اخترت كل حاجة، إيه لازمة رأي."
كان ردها جافاً أحرجته وسط الواقفين، فتنحنح بخشونة.
"لو مش عجباكي حاجة أكيد هنغيرها... رأيك أكيد الأهم."
تنهدت بقوة، فكلما باعدت الأميال بينهم.. قربها هو.
وكيف ستنتقم وتثأر لكرامتها وكبريائها... وكأن القدر أراد أن يجعلها تعيش ذلك التخبط ليتعلم أحدهم درساً.
اقترب منها بعدما رأى الضياع في عينيها.. فهو قادر بأن يفهم ما تُفكر به.
"صفا."
رفعت عيناها إليه وفرت من أمامه هاربة إلى غرفتها لتلقي بجسدها فوق الفراش باكية تهتف بمرارة.
"ليه بيحصل معايا كل ده.. ليه."
اتبعها فوقف على أعتاب باب الغرفة ينظر إليها بملامح لينة.. ملامح جديدة عليه، جديدة على رجل عاش حياته في قوانين تُشرعها القسوة.
اقترب منها ببطء إلى أن جلس جانبها فوق الفراش يرفع وجهها إليه.
"انتي اللي عايزة تعيشي في ضياع ياصفا... ادي نفسك فرصة تعيشي من جديد."
عيناها حملقت به تبحث عن قسوته، ظلمه ولكن لم ترى بعينيه إلا الحنان والندم.
"أعيش.. طب إزاي؟ انت موتني، إزاي هرجع أعيش من تاني.. ده أنا لحد دلوقتي بفتكر كل حاجة عملتها فيا.. بفتكر وانت موقفني عريانة.. بفتكر لما بترميني بعد ما تخلص من رغبتك.. بفتكر أمرك ليا إن أقلع هدومي.. بفتكرك وانت بتساومني على عمري اللي جاي لارضي باللي هيحصلي معاك أو السجن اللي هرجع فيه من تاني أكمل باقي عمري جواه..."
لم يشعر بنفسه إلا وهو ينهض من جانبها، وتلك المرة هو من هرب... يسأل نفسه كيف كان بتلك البشاعة.
..........................
نظرت ياقوت نحو شقيقتها تربت على كتفها.
"مكنش ينفع تقوليها كده يا ياسمين... أنا سبتك تهدي الأول عشان أتكلم معاكي."
"انتي بتدافعي عنها ياياقوت... أمي هي السبب."
وأردفت بحسرة على حالها تخرج كل ما بجعبتها.
"اللي حصلي بسببها كانت عايزاني أتجوز قبلك عشان تشمت فيكي... واه بقي مكتوب كتابي وخطيبي مات قبل فرحنا بأسبوع... وادي محمود أخويا بقى مريض قلب."
ضمّتها ياقوت إليها بحنو.
"استغفري ربنا متقوليش كده.. ربنا ليه حكمة في كل حاجة."
"بس ربنا عادل ياياقوت... والإنسان بيدوق من نفس كاس مكره وشماته في غيره وأمي مكنتش بترحم حد."
انحدرت دموع ياسمين ألماً وهي تهتف أملاً.
"نفسي تتغير ياياقوت... نفسي أمي تتغير."
"اهدي ياسمين... خلينا طيب نفكر في عملية محمود."
أسرعت في مسح دموعها مُنتبهة لها، فالآن مصاب شقيقها هو الأهم.
"هنعمل إيه... العملية غالية واحنا معناش غير ربع الفلوس."
"هبيع...."
هتفت ياقوت بالكلمة ولكن توقف باقي الحديث وهي تتذكر أنها خرجت من المنزل خالية الوفاض لا تملك إلا ملابسها التي ترتديها وهاتفها.
أطرقت عيناها أرضاً.. لتمسد ياسمين فوق كتفها.
"ربنا هيدبرها واكيد هتتحل."
.............................
"المحل اللي حليتنا عايز تبيعه يازيدان... طيب هنعيش منين قولي."
نكس رأسه أرضاً لا يجد حلاً إلا هذا... فهو يعلم بحاله إذا اقترض من أحد مالاً فلن يستطيع سداده وأحوال كل معارفه مثله. عقله قاده للسيد مهاب والد هناء ولكن حرجه منعه.
"قوليلي أعمل إيه غير كده... معناش غير ربع الفلوس."
كان التوأمان يقفان يتأملان حال والديهم لتنتبه سناء لهم صارخة بهم.
"خد أخوك وادخلوا أوضتكوا."
أسرع الصغيران في الركض نحو غرفتهما.
"بطلي شخط في العيال.. متحسسيهوش إنه حالته مفيهاش أمل."
أطرقت عيناها حزناً تُتمتم بأمل.
"لا إن شاء الله ابني هيخف.. هي عملية بسيطة مش صح يازيدان."
أومأ برأسه، فلو توافر المال سيطيب صغيرهم... كان المال هو العجز الوحيد لديهم مع موعد العملية التي حددها الطبيب بالاسراع فيها حتى يصبح الأمر أفضل.
"زيدان اطلب من جوز بنتك إحنا هنفضل شايلين الهم وجوز بنتك معاه فلوس وشركات."
"إنسي جوز بنتي كفاية اللي هي فيه.. بنتي هتطلق منه بعد ما تولد."
لطمت فوق صدرها هاتفه.
"تطلق وتيجي تعيش معانا بعيلين، هو إحنا بنخف الحمل ولا بنزيده... ياحظك المايل ياسناء."
"آخرسي ياولية وكفاية ندب.. من ساعة ما اتجوزتك جبتيلي الفقر."
"أنا فقر يازيدان... طب أنا هكلم بقى جوز بنتك وأقوله على اسم الراجل اللي مقعدها في بيته."
صرخت متآوهة بعدما قبض فوق ذراعها... ترى نظرات زوجها لأول مرة تحمل الشر.
"ما كفاية بقى.. أنا اتحملتك كتير ياسناء، غلطة واحدة وهعملها تاني وأطلقك، أنا مستحملك كل السنين ديه عشان مش عايز أغلط غلطتي الأولى وأطلق والعيال يتشردوا بينا... كفاية ياقوت كفاية، ذنب واحد شايلة في رقبتي."
حرر ذراعها لتطالعه وهي تُدلك ذراعها وتركها دون النظر إليها.
"رايح فين يازيدان... قولي هتجيب فلوس منين مدام كرامتك نافعة عليك ومش عايز تكلم جوز بنتك."
ولطمت فخذيها بيديها.
"راجل طول عمره بيحب الفقر وبنته طالعة له... قال تطلق قال."
..........................
رمقه شهاب بأسى وهو جالس وسط رؤساء الأقسام والكل يتناقش حوله وهو شارد يُحرك قلمه بين أصابعه... تنهد شهاب وعاد يتولى الحديث عن شقيقه الذي ينتبه تارة وتارة أخرى يشرد في زوجته.
رنين هاتفه الذي كان دوماً يُغلقه في اجتماعاته لفت انتباه الجميع... لتتعلق عيناه برقم المتصل، فأنسحب من الغرفة سريعاً هاتفاً.
"أيوه يافرات... بتقول مين."
أصابه الذهول وهو لا يُصدق أن من يأوي زوجته هو هاشم... غادر الشركة بخطوات أشبه بالركض، لا يرى شيئاً أمامه.
.............................
اندفعت هناء لمكتب خالد بعدما ضجرت من الرسائل التي تُبعث لها منه كما تظن.
"أنا كنت فاكراك راجل فعلاً بس للأسف."
رمقته باحتقار لينتفض خالد من فوق مقعده.
"هناء انتي بتقولي إيه."
"بقول إنك راجل حقير.. رسايل وصور كأنك بتراقبني."
اقترب منها وهو لا يفهم شيئاً مما تُخبره به.
"هناء أنا مش فاهم حاجة... اقعدي كده وافهميني."
لم تُمهله لحظة فأندفعت صوبه تُحذره.
"لو مبعدتش عن طريقي هبلغ مراتك."
"اهدي ياهناء."
ألتفت بجسدها حتى تُغادر لتتسع عيناها وهي ترى جنات زوجته واقفة وبيدها صغيرها يمسك الحلوى... تجمد جسد خالد وهو يرى نظرات زوجته الشاحبة.
"جنات."
.............................
"انت اتجننت ياحمزة."
انقض عليه يلكمه للمرة الثانية في مكتبه تحت نظرات سكرتيرته ليُشير إليها هاشم بالانصراف.
"أنا تعمل فيا كده... تخبي مراتي في بيتك وعامل فيها صاحبي وبتواسيني."
تآوه هاشم من شدة لكماته وكاد أن يلكمه ولكن قوة حمزة كانت تفوقه.
"حمزة أنا مقدر حالتك ديه..."
لكمة أخرى تصدى لها هاشم صارخاً.
"ياقوت هي اللي طلبت مني كده... اترجتني."
"اترجاتني... عذر أقبح من ذنب يا أستاذ."
وأشار نحوه بأصبعه وهو يلتقط أنفاسه.
"آه عرفت أوصل لمكانها... افتكر إنك انت اللي بدأت العداوة ياهاشم."
وألتف بجسده كي يُغادر مكتبه.
"انت السبب في ضياع مراتك منك... متلومش الناس يا حمزة لوم نفسك... كان المفروض ياقوت تتحامى فيك لكن سابت كل حاجة واختفت من حياتك."
اندفعت الكلمات كالرصاص لقلبه، فكان يعرف بصدق ما يقوله هاشم.
"حمزة الزهدي بهيلمانه فشل في حياته عارف ليه؟ عشان اتعود من الحياة على المكسب لكن الحياة خسرتك المرة دي... ما أصل مش كل حاجة هتمشي زي ما انت مخطط لها."
الحقيقة كانت مؤلمة بل قاتلة ولكنها كانت حقيقة... زواجه بدأ بالتخطيط، مشاعره بدأت بالتخطيط.. حبه لها كان بمقدار.
كل شيء كان يسير بحساب حتى أخفقت حساباته ونسي أن المسائل الحسابية كثيراً ما تخفق في آخر خطواتها.
"المرحلة اللي وصلت ليها ياقوت بسببك... عارف معناها إيه إن مراتك تهرب منك وتفضل البعد عنك."
"كفاية."
دمعة انحدرت فوق خده مسحها سريعاً.. ارتجفت كفوفه وهو يقبض على كلاهما ليقترب منه هاشم مُعتذراً.
"أنا آسف يا حمزة... بس ديه الحقيقة."
غادر بخطوات ثقيلة عكس ما أتى... لينظر إلى الرسالة التي بعثها إليه هاشم عن عنوان منزله بدقة رغم أن فرات أخبره بكل شيء.
................................
تعلقت عين شريف بذلك الشاب الذي يُقاربه من العمر يُخبره بهويته.
"أنا فارس.. كنت صديق لمريم."
انتفض شريف من فوق مقعده يمسك ب تلابيبه.
"آه يا كلب.. جاي تعترف بحقارتك."
سعل فارس بشدة يزيح يديه عنه.
"انت مش عايز تعرف الحقيقة ولا إيه يا حضرة الظابط."
تجمدت يدي شريف وارتخت، فتحرر فارس من قبضته ليُهندم ملابسه.
"وليد هو اللي بتدور عليه."
قالها وهو يرمق شريف الذي وقف يُطالعه بنظرات باهتة.
"وليد مين."
"وليد الأسيوطي... أخو عضو البرلمان ورجل الأعمال أحمد الأسيوطي."
...............................
دلف إلى غرفة سماح التي جلست هادئة تتناول الفاكهه وتشاهد أحد البرامج البلوسيّة، كاد أن يُخبرها باعتزاله الرياضة لكن رنين هاتفه جعل الحديث يتراجع لتنظر إليه سماح بنظرات أصبح يكرهها فاللوم والخذلان بهما.
"ماذا تقول... سآتي على الفور."
رغم كل شيء إلا أن قلقها جعلها تُسرع في سؤاله بلهفة.
"انتظر سهيل... ماذا حدث."
ألتف نحوها يرمقها بنظرة خاطفة.
"جين قتلت سماح."
.............................
كانت تسير بجوار المنزل تستمتع بهواء القرية النقي... تعبت من شدة التفكير بشقيقها وبعملية والدتها التي أبلغها بها والدها يُوصل لها رسالة زوج أمها.
الكل يطلب منها المساعدة وهي التي بحاجة إليها... والدها أصبح يدعمها يُخبرها أنه معها ولأول مرة كانت تشعر بعزوة الأهل.
زفرت أنفاسها بتنهيدات خافتة.. عادت نحو بوابة المنزل الخاص بعائلة هاشم لتتجمد أطرافها وتتسع عيناها وهي تراه يهبط من سيارته ينظر إليها.
اقترب منها بخطوات هادئة لتتراجع للخلف.
"تفتكري مكنتش هعرف أوصلك يا ياقوت."
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والستون 64 - بقلم سهام صادق
كانت نظرات عيناها كالجليد وهو يقف يدور حولها يمسح على وجهه من حيناً لآخر. يسألها للمرة الثالثة نفس سؤاله:
- عايزه تختفي مني يا ياقوت.. طب ليه؟
صمتها أزعجه، فأردف بغضب أعمى وحديث هاشم يخترق صداه عقله:
- ردي...
- مش عايزة أرد.. لو رديت هاوجعك.
جمدته عبارتها، فلطم فوق صدره بجنون:
- كل اللي عملتيه ده ولسه ما وجعتنيش؟ عارفة يعني إيه ألجأ للناس تعرفني مكان مراتي المختفية عني بمزاجها؟
طالعته بألم استوطن قلبها قبل عينيها:
- وجعك ليا فاض.. لو ما كنتش بعدت عنك وعن عيلتك كنت هموت.. هموت مقهورة.. القهرة اللي عشت حياتي كلها بدوق مرارها على أمل إن الحياة تدوقني حلوها.. لكن حتى يوم ما الحياة غرقني في نعيمها.. القهرة فضلت جوايا.
ارتعشت شفتيها كمثل باقي جسدها:
- ياقوت انتي...
صرخت بضعف، وتعلقت عيناها بأعين شقيقتها التي وقفت على أعتاب المطبخ ثم توارت بداخله ثانية، حزينة على حال شقيقتها.
- هتقولي إن أنا الضعيفة؟ واه مشيت وسيبتلك حياتك.. سيبني بقى في حالي واهتم بعيلتك، هي أولى باهتمامك.
لم يكن يقصد إخبارها بما ظنته، إنما أراد أن يخبرها لماذا لم تقف بوجه شريف وتدافع عن حقها.
صمتت تلتقط أنفاسها، واندفعت نحوه لا تشعر إلا بحرقة قلبها.
- اتهمتني بحادثة مريم.. كلكم اتهمتوني من غير ذنب.. عشت بينكم كإني دخيلة على حياتكم، باخد حاجة مش ليا.. عشت فرد زايد لا ليه حق يتكلم ولا يعترض.. سيبتهم يهينوني.
وعند تلك العبارة سقطت دموعها وهي تتذكر أفعالهم جميعاً.. تتذكر أفعال نادية وأوامرها لها وكيف تُعامل ندي بتقدير.. تتذكر سخط وكره مريم وفعل شريف.
- ياقوت أنا تعبت من المشاكل.. تعبت إني أعيش أراضي من كل الجهات.
وهوي بجسده فوق الأريكة يرمي بثقل جسده:
- حنانك هو اللي بيعوضني.. يمكن أكون أناني في حبي ليكي بس أنا...
وصمت عاجزاً عن التعبير باحتياجه لها ولحبها.
- للأسف اتجوزت الإنسانة الغلط عشان أنا...
ألتقطت أنفاسها، ولملمت شتات حالها وأشارت بإصبعها صوبها:
- عشان أنا محتاجة حبك وحنانك يا حمزة.. محتاجة حد يعوضني.. محتاجة اللي يشيل عني قسوة السنين.. يشيل عني الضياع.. اخترت الإنسانة الغلط.
تجمدت عيناه فوق صفحات وجهها وملامحها الشاحبة وهو يسمعها تفيض له بأوجاعها.. نظراتها له كانت ضائعة، تُخاطبه دون شعور منها.. فنهض مقترباً بعد أن رآها تنحني بجزعها العلوي تضم بطنها بيديها.
- مالك يا ياقوت.. اهدي يا حبيبتي.
- اه مش قادرة يا حمزة.. بطني...
ارتبك وهو يراها بذلك الوضع، لا يعرف ماذا يفعل.
- طب انتي حاسة بإيه؟
صرخت بقوة، فالألم الذي كانت تُجاهد على مقاومته ازداد حتى أصبحت لا تتحمله. خرجت ياسمين من المطبخ مسرعة تنظر لشقيقتها المنحنية وقد اقترب جسدها من الأرض وحمزة جاثٍ على ركبتيه أمامها.
- مالها يا ياقوت يا حمزة؟
- ياسمين ساعديني.. ياقوت شكلها بتولد.
- ده لسه ميعادها.
عاد صراخها يزداد بقوة، ليحملها خارجاً بها من المنزل، وياسمين تركض هنا وهناك داخل المنزل بضياع تلتقط ما تستطيع التقاطه وخرجت تتبعه بهرولة.
وقف كالضائع يسير في رواق المشفى دون هوادة.. تعلقت عيناه بساعة يده، زافراً أنفاسه بقوة، ولكن كل شيء توقف وهو يسمع صوت ياسمين الراكضة إليه.
- ياقوت ولدت يا حمزة وجابت ولدين زي القمر.
- ولدين؟ ياقوت كانت حامل في..
قبل أن يُكمل باقي عبارته، كانت ياسمين تهز رأسها إليه بسعادة هاتفة:
- أيوه يا حمزة.. ياقوت كانت حامل في توأم.
عيناه لمعت بالدموع التي ظلت عالقة بين أهدابه.. دار حول نفسه غير مصدقاً أنه أصبح أباً.. أن الحلم تحقق، وأنه سيرى ذريته.
- الحمد لله..
وتعلقت عيناه بياسمين التي وقفت تطالعه بسعادة واشفاق عليه من حالة الضياع التي لأول مرة تراه بها.
- مبروك.. يتربوا في...
لم تكد تُنهي عبارتها، فوجدته يتجه نحو شقيقتها التي خرجت للتو من غرفة العمليات.
تمتمت لحالها وهي ترى لهفته:
- أختي لو شافت خوفه ولهفته عليها، هتعرف قد إيه بيحبها.
تعلقت عيناها بأفعال نادية وسعادتها بعدما رأت الصغيران.
- يااا يا ياقوت متعرفيش سعادتي قد إيه النهارده وأنا بشوف ولاد حمزة.. انتي جبتيلنا السعادة معاكي.
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيها.. فمنذ متى كانت نظرتهم إليها هكذا؟ إنها كانت بالنسبة لهم نذير شؤم.
- بس أنا ليا عتاب عندك يا ياقوت.. كده تختفي شهر بحاله.
دخلت ياسمين الغرفة بعدما ودعت والدها ووالدتها على باب المشفى، خلصها من ذلك السؤال الذي لو أجابت عليه لانفجرت غاضبة في شقيقة زوجها.
عاد حمزة بعد أن اطمئن على صغيريه من طبيب الأطفال، واتبعه شهاب يتنحنح حرجاً.
- حمد الله على سلامتك يا ياقوت.
تمتمت بهدوء، فشهاب الوحيد الذي لم تر منه يوماً ردات فعل تجعلها تحمل منه بغضاً داخل قلبها.
- الله يسلمك.
شعر بالحرج لأن ندي لم تأت معه، متعللة بحزنها على مريم ومقاطعة حمزة لشريف، ولكن الحقيقة كانت في مكنونها غير ذلك.. فهي لن تحتمل أسئلة نادية عن سبب تأخر حملها.
غادرت نادية وزوجها، كما غادر شهاب الذي تبدلت ملامحه بعد مكالمته مع شريف، ولم يهتم حمزة لأول مرة بمعرفة تفاصيلها.
سعادته كانت متعلقة بأولاده، كان وكأنه ولد من جديد.
شعرت ياسمين بالحرج من وجودها بينهم.
- أنا هخرج أجيب حاجة.
وانصرفت دون انتظار كلمة اعتراض من شقيقتها، واتسعت ابتسامتها وهي ترى هاشم يتقدم نحو غرفة شقيقتها.
- حمد الله على سلامتك.
قالها حمزة وهو ينحني يلثم جبينها بقبلة حانية، شاكراً داخله ذوق شقيقة زوجته في تركهم.
ورفع يدها يُقبلها.
- جبتيلي أجمل هديتين يا ياقوت.. رغم إني زعلان عشان خبيتي عليا إنك حامل في توأم.
كانت رأسها مائلة للجهة الأخرى صامتة، ولكن عندما عاتبها على تلك النقطة، نظرت إليه ساخرة:
- قولتلك مرتين وسط كلامنا، لكن عمرك ما أخدت بالك.. انت ما كنتش مهتم بينا وشايفنا يا حمزة بيه.
دار بعقله يتذكر متى قالت، ولكنه لم يتذكر شيئاً.. يعلم أنه لم يكن يشاركها بأي شيء في فترة حملها، إلا حيناً تخبره بحاجتها أو تلفت نادية انتباهه.. عقله كان مع عائلته الأخرى، وهي آخر فرد في أولوياته.
تنهد وهو يرمقها بأسف:
- هنعوض اللي فات يا ياقوت مع ولادنا.
وتبدلت ملامحه سريعاً للسعادة وهو يتذكر أولاده:
- الفيلا الجديدة هتعجبكم.
وأردف بابتسامة متسعة:
- دلوقتي أستاذ أدهم محتاج سرير زي أستاذ عبد الله.
- أنا هرجع بيت بابا يا حمزة.
تلاشت ابتسامته تدريجياً، ينظر إلى عينيها.
- ترتاحي شوية يعني عندهم.. يا حبيبتي أنا معاكي، وفيه هناك مربية للأولاد وخدم، وياسمين معاكي كمان.
- حمزة أنا مش هرجع معاك.. اللي بينا خلاص اتكسر، واللي بينكسر مبيرجعش تاني.
- انتي بتقولي إيه.. ياقوت أنا موافق إنك تثوري عليا، تغضبي مني، لكن بعدي عني انتي والولاد.. لا يا ياقوت.. ورجوعك معايا أمر مفروغ منه، فاهمة.. أنا مش عايز أحاسبك على اختفائك وبديكي كل العذر، لكن...
توقف الكلام على أطراف شفتيه وهو يسمع طرقات ياسمين على باب الغرفة، ثم دخولها.
رمقتهما اثنتين لتشعر بالتوتر.
وقفت هناء عندما سمعت خطوات جنات، لترحب بها جنات بجمود، فشعرت هناء بالحرج.
- خير يا مدام هناء؟
أطرقت هناء عيناها تفرك يديها بارتباك، تهتف بحالها أن تُخبرها بالحديث الذي أرادت إخبارها به.
- أولاً أنا آسفة على اللي سمعتيه.. وصدقيني ما فيش بيني وبين مستر خالد حاجة.
طالت نظرات جنات إليها، مشيرة لها بأدب من شمتها.
- اتفضلي اقعدي.
جلست هناء سريعاً توضح لها:
- مستر خالد بيحبك وبيحب ابنه.. يمكن بس أنا فهمت مشاعره غلط.. دي كانت مشاعر أخوة.
ارتسم الألم فوق شفتي جنات التي ضحكت:
- انتي جاية تضحكي عليا ولا على نفسك يا مدام هناء؟ جوزي حبك.. جوزي كان بينطق اسمك في علاقتنا الزوجية.
تجمدت أعين هناء وهي تسمع عبارات جنات:
- على العموم أنا مش زعلانة.. عارفة ليه؟ لأن خالد عمره ما حبني وعمره ما وهمني بحبه.
وربتت فوق بطنها:
- عايشين مع بعض عشان ولادنا بس.. زي ما ستات كتير عايشة.
كلمات مقهورة كانت تخرجها زوجة ارتضت بمشاعر زوجها الفقيرة نحوها.. كنساء كثيرات.. لم تعرف هناء بماذا تُجيب عليها، فماذا ستُخبرها بعد أن علمت منها أن خالد يهتف باسمها وزوجته بين أحضانه؟ أي مشاعر قهر عاشتها تلك المرأة.
خرجت من المنزل وحمدت ربها أنها لم تلتقِ بنغم.. لتعود للمنزل شاردة.
دَلفت للشقة وألقت مفاتيحها وحقيبتها وحذائها كما اعتادت دوماً، لتُسعل من دخان السجائر وهي ترى مراد جالس فوق الأريكة يُدخن بشراهة.
- مراد انت جيت امتى؟ مش قلتلي عندك اجتماع مع مارتن؟
دهس عقب سيجارته في المطفاة، لتتعلق عيناه بها يتذكر لقاءه مع مارتن، ولم يشعر إلا وهو يُلقي أقرب شيء التقطته يداه.
- مارتن طلع أخو جاكي يا هناء.. مارتن خسرني شركتي.
ورنين الهاتف أخذ يتعالى برقم والده.
صراخها كان يتعالى من شدة الألم.. تُنادي باسمه "سهيل" ولكن أين هو؟ لا أحد معها.
سقطت دموعها من شدة الألم وقهرها.
سهيل اختفى وترك البيت بعد مقتل جين، وقد اتهم في البداية بمقتلها، ولكن براءته ظهرت بعد ساعات من اتهامه.
- ماذا بكِ سيدتي؟
- سهيل... هاتفي سهيل.
أخرجت الخادمة هاتفها ودقت عليه، لكن الهاتف ما زال خارج نطاق التغطية.
- الهاتف مغلق سيدتي.
تصاعد صراخ سماح، لتسرع الخادمة نحوها:
- أنتي بتولدي سيدتي.
جلست ندي بحديقة المنزل الذي أصبح كئيباً، تنظر حولها شاردة تتنهد بألم على حالهم.. انتفض جسدها وهي تسمع صراخ شهاب باسم شريف.
- شريف استنى عندك.. انت هتفضل متسرع كده لحد امتى؟ انت عارف انت رايح تقف في وش مين.. ده أحمد الأسيوطي.
- وحق أختي.. مدام القانون اللي أنا بخدمه مش هيساعدني عشان مكانة البيه.. أنا هساعد نفسي بنفسي.
لطمه شهاب فوق صدره بغضب:
- قولتلك أنا هبلغ حمزة.. انت اللي عملت فيها راجل.
- أنا راجل طول عمري.
ولكن أطرق رأسه للحظات وهو يتذكر كيف كان حمزة سنداً لهم وسط الجميع.. كيف كان ينجدهم من أي شيء، داعماً له.. أباً وشقيقاً وصديقاً.
- اعقل يا شريف.. أخوه مختفي أصلاً ومدير أعمال الراجل بلغنا نستنى تليفون منه.
- وهفضل أستنى اتصال الباشا.
اقتربت ندي منهم باكية، وركضت بعدها لداخل المنزل صاعدة لغرفتها، مُلتقية بمها ترمقها بنظرات لائمه.
- لو كان حمزة هنا ما كانش ده كله حصل.
صعد شريف لسيارته مُنطلقاً.. فتنهد شهاب بسأم واتبعه بسيارته.
وقفت مها تُطالع السيارتين وهم يغادروا.. لتتنهد وهي تضع يدها فوق رأسها من أثر الصداع الذي بات يُداهمها بقسوة في الأيام الأخيرة بعد أن أهملت أدويتها.
سارت بالحديقة تُرفه عن نفسها، ونظرات بعيدة كانت تتبعها بأعين مظلمة، ولم يكن إلا سالم الذي فاق من غيبوبته وغادر المشفى منذ أسبوعان بعد أن فقد شريف الأمل في إفاقته وناسه.. ناسياً أن بينهم قضية يجب تصفية حساباتها.
ألتمعت عيناها وهي ترى وضع أساس المصنع.. حلمها تحقق وستساعد كل امرأة عانت مثلها.. تعلقت عيناها بفرات الواقف يفرك جبينه من حرارة الشمس ويتحدث مع المهندس المسؤول على بنائه.
تأوهت بخفوت من ألم ظهرها وهتفت بأحد العمال وهي تشعر أن اليوم هو ولادتها.
- نادولي فرات بيه لو سمحت.
رمقها العامل بنظرة سريعة وأسرع نحو سيده.. ألتف فرات نحوها مذعوراً واتجه إليها بخطوات سريعة قلقة.
- مالك يا صفا.. حاسة بإيه؟
ألتقطت أنفاسها تمسك ظهرها بيدها.
- حاسة إني هولد.
أشار لسائقه بالاقتراب بالسيارة، يبلع ريقه متوتراً وهو يسمع تأوهها.
- طب اهدي.. كل حاجة هتبقى تمام.
صعدوا للسيارة، فألتقط كفيها يُدلكهما يأمر سائقه بأن يُسرع.
- خدي نفسك براحة.. هكلم الدكتورة حالا.
وكاد أن يُخرج هاتفه من جيب سرواله، إلا أنها منعته بعد أن شعرت بالراحة وزوال الألم.
- الألم راح.. روحني البيت أرتاح.
- لا لازم نروح المستشفى يا صفا.. انتي ميعاد ولادتك الأسبوع اللي جاي.
- أنا بقيت كويسة يا فرات.. عايزة أروح.. رجوك.
أرضخ لطلبها بعد جدال طويل.. ليدلفوا لغرفتهما بعد وقت قصير وهو يسندها مُتجهاً بها نحو الفراش، وكادت أن تجلس ليعود إليها الألم أكثر.
- ألحقني يا فرات.
كانت أعين الخدم تُلاحقهم وهم يروا سيدهم يحمل زوجته بين ذراعيه هابطاً الدرج بسرعة، رغم شعوره بآلم ساقه، يصرخ بعنتر وسائقه.
توارت إحدى الخادمات عن الأنظار تُخرج هاتفها من عباءتها تبحث عن رقم سيدتها بخوف تنظر حولها هنا وهناك.
- أيوه يا ست فادية.. مرات البيه بتولد.
يتبع بأذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس والستون 65 - بقلم سهام صادق
يداه اتخذت طريقهما نحو خصلاته، يجذبهم بيأس وألم وندم. وقلب أهلكته الحياة بعدما كان لا يهاب شيئًا. انغلق الباب بعدما عادت الممرضة إلى الغرفة التي ترقد بها صفا، تُصارع الموت بعد أن خرج طفلها للحياة. أخبرته الممرضة بالبشارة الأولى لتحطمه إلى أشلاء وبقايا. أنسته حلمه الذي انتظره طويلًا ولسنوات يخفيه عن أعين الجميع حتى لا يشعر بالنقص.
لطمته قوية ضرب بها الجدار الذي خلفه بقوة. فأسرع نحوه عنتر، رجله المخلص.
"اهدي يابيه، متعملش في نفسك كده."
ثم أردف متحمسًا:
"مبروك ما جالك يابيه."
لو كان فرات القديم الحاقد القاسي، ما كان انفطر هكذا. زوجته بين الحياة والموت ورجله يبارك له على طفله.
"اوعي تعمليها ياصفا وتسبيني... مش بعد ما اتغير ادفع التمن."
الوقت كان يمر، ومع مروره كانت الحياة تعلمه درسًا من دروسها. لا السلطة والمال والنفوذ اليوم نفعته بشيء. هو يقف عاجزًا مكتوف اليدين، ينتظر اللحظة التي سيخرج فيها الطبيب لتعود له روحه.
كانت فادية تسير بخطواتها نحو شقيقها، ترمي بين ذراعيه المرتخية. ثم ابتعدت عنه تسأله بلهفة مصطنعة:
"ولد؟"
تُرمقه فرات لثوانٍ وابتعد عنها يسير بخطى بطيئة نحو اللاشيء دون هدف. تسمرت فادية في وقفتها مندهشة من حال شقيقها. فأقترب منها عنتر يخبِرها خافضًا عينيه أرضًا:
"ولدت، لكن هي لسه في غرفة العمليات. حالتها خطرة، النزيف مش راضي يقف. ربنا يستر."
تظاهرت فادية بالأسى نحو ما تسمعه، ولكن عيناها كانت أكثر إفصاحًا بسعادتها عما تسمعه. تُخاطب حالها بشماتة:
"لازم تبقى آخرتك كده واوحش كمان... بكرة فرات يرميكي في الشارع بعد ما بقاش ليكي عازة بعد ما ابنك يغور في داهية."
.................................
وضع جسدها فوق الفراش ببطء، يتعمده مما أثر حنقها. وابتعد عنها مبتسمًا.
"لولا بابا مكنتش رجعت معاك... أنا احترمت قراره ورجعت."
ابتسم حمزة وهو يشكر داخله حماه الطيب الذي أقنع ابنته بالعودة مع زوجها بعدما شاهد بعينيه سعادته بأطفاله.
"عمي طيب زي بنته."
مازحها بخفة وقد عادت ملامحه بالإشراق. تعمدت ألا تطالعه. فتنهد:
"متخافيش يا ياقوت، هديكي كل الوقت اللي تقدري تتعافي فيه من كل حاجة ونبدأ نرسم حياتنا مع ولادنا من جديد."
لم تهتف بشيء. واقترب منها حتى أصبح قبالتها. فرفع وجهها نحوه:
"الفيلا دي باسمك وأنا ضيف فيها يا ياقوت... هسيبلك كل الحرية، لكن اسمحيلي أكون قريب منك ومن ولادي."
قالها بصدق وانصرف بعدها بهدوء نحو غرفة صغيرة. وقعت عيناه على ياسمين التي وقفت تطالعهم بحنان. ثم انتبهت على خطوات حمزة فأرتبكت بخجل:
"شكلهم حلو أوي."
ابتسم حمزة وهو يميل نحو مهد كلاهما. ينظر إلى صغاره وهم يمدون شفتيهم. متمتمًا بهمس:
"مكنتش فاكر إن عطاء ربنا هيكون كبير أوي... جيتوا للدنيا ورجعتوا ليا عمري اللي راح."
...............................
أغمضت عيناها بقوة تحبس دموعها التي أبت الصمود. حديثهم كان لهيبًا من النيران يُذكرونها بطفولتها كي لا تجني على أطفالها مثلما جُني يومًا عليها. رغبة نطقتها رغم رفض قلبها للأمر، رغم أنها هتفت بها حتى تتحرر من قيود الضعف. ولكن كل شيء أصبح قاتمًا أمامها وهي تسمع زوجة أبيها ووالدتها يخبرانها:
"لو انفصلتي عن حمزة هتعملي زي اللي اتعمل فيكي... هتعيشي ولادك نفس ما عيشتي."
وتلك التي أقسمت يومًا عليها أن لا تجعل أولادها يعيشون نفس المرارة.
طرقات ياسمين الخافتة على باب غرفتها أفاقها من شرودها. لتُصوب نظراتها نحو شقيقتها:
"تعالي يا ياسمين."
اقتربت منها ياسمين، تنظر لبهوت ملامحها:
"مالك يا ياقوت... فيكي إيه؟"
"حاسة إني مخنوقة شوية."
فردت ياسمين ذراعيها بمرح تنظر لأرجاء الغرفة:
"حد يبقى عنده ولدين حلوين وزوج مشتريلها بيت جميل أوي كده وعمال يراضيها وتقول مخنوقة... لا يا ياقوت ده أنا هغير منك كده."
ألقت ياسمين عبارتها بفكاهة حتى تجعل شقيقتها تتناسى ما عاشته وتمضي خطوة مع زوجها. صمت ياقوت جعلها تخفض عيناها. ثم رفعتها لتقترب من فراشها تُجاورها:
"أنا عارفة إننا أنانيين يا ياقوت، بنبني سعادتنا على حياتك... ماما فرحت لما حمزة اتكفل بمصاريف محمود وعلاجه. وأنا فرحت لما قالي هتعيشي معانا وأداني فرصة شغل معاه. ووالدتك كانت طايرة من الفرحة وهي بتتباهي به قدام جوزها... كلنا أنانيين يا ياقوت وناسيينك."
مع كل كلمة كانت تلقيها ياسمين كانت المشاهد تسير أمامها. نظرات زوجة أبيها ونظرات والدتها لزوج ابنتها البطل. كانت تريد الرحيل لمنزل والدها حتى ترتب أوضاعها وتعود عزيزة النفس مرفوعة الرأس. ولكن هاهي تعود معه لمنزله الجديد دون تعقيم لجراحها. التي لم يخلقها حمزة وعائلته فقط، إنما ندوب قديمة. ندوب الكسرة والصمت لتمضي الحياة.
"ياقوت انتي بتبكي."
تعلقت عيناها بشقيقتها وهي تمسح دموعها. وأشاحت عيناها بعيدًا عنها:
"ببكي على حالي ياياسمين."
ضمتها ياسمين بذراعيها تمسد فوق ظهرها، تُحلل حياة شقيقتها من سطور الكتب والروايات التي تقرأها.
"ياقوت متزعليش مني، بس انتي وحمزه غلطانين."
ابتعدت ياقوت لتهتف ياسمين مكملة حديثها:
"هو كان حاطك آخر أولوياته رغم حبه ليكي... كان ظاهر لعيلته إنهم هما الأهم في حياته وانتِ آخر حد ممكن يبص ليه. للأسف هو طبق الحب زي رجالة كتير في مجتمعنا، حبهم مبيظهرش إلا لما بنضيع من بين إيديهم."
تعلقت عين ياقوت بها. لتزفر ياسمين أنفاسها ببطء:
"وانتي كنتي ضعيفة وسلبية يا ياقوت... اتعودتي تنجرحي في صمت."
"انتي كبرتي أوي ياياسمين."
أطرقت ياسمين عيناها منكسرة تسترجع موت خطيبها قبل زفافهم بأيام قليلة.
"الكسرة والوجع بيكبروا يا ياقوت."
تلك المرة كانت ياقوت هي التي تأخذ شقيقتها بين ذراعيها:
"عندك حق ياياسمين."
...............................
زفر أنفاسه بدفعات متتالية وربت فوق كتف رجله المخلص عنتر بعدما سمع حديث الطبيب عن تجاوز صفا لمرحلة الخطر.
"الحمد لله... الحمد لله."
ابتسم عنتر لسيده وهو سعيد. رغم عدم تقبله لصفا، إلا أن تلك المرأة غيرت حياة سيده بالفعل. ويكفي أنها أضافت لحياتهم فردًا جديدًا أعاد لسيده شبابه.
اقتربت فادية من شقيقها ترسم فوق شفتيها التودد:
"حمدلله على سلامتها يافرات."
تعلقت أعين فرات بشقيقته وقد هدأت ثورته منها وزال بعض من غضبه:
"الله يسلمك يافادية."
وتعلقت أنظارها بعنتر حتى تظهر سعادتها:
"الولد طالع شبهك يافرات، مش كده ياعنتر؟"
حرك عنتر رأسه مبتسمًا. واتسعت ابتسامة فرات على ذلك الحديث الذي أرادت أن تتجاذبه معهم فادية لتشعر شقيقها بحسن نواياها. تدعو داخلها أن يكون الأمر قد مر بهدوء كما أخبرها عزيز. اليوم كان هو يومها تتخلص من الطفل. صفا راقده على سرير المشفى وستخرج أخيرًا من عائلتهم دون أن تكون المرأة الشريرة تلك المرة.
تمتمت داخلها براحة:
"مش محتاجة أكشفلك يافرات إنها خاينة... هي معدش ليها فايدة خلاص والولد اللي ربطنا بيها مع السلامة يتربى زي ما يتربى بقى."
"أنا رايح أشوفه."
ولكن خروج الممرضة من غرفة زوجته، جعلته ينسى صغيره للحظات مقتربًا منها يسألها عن حال زوجته حتى يطمئن أكثر.
توترت فادية في وقفتها وهي تنظر لظهر شقيقها. ليعلو رنين هاتفها برسالة. ابتعدت عن أعين عنتر الذي لم يدقق بتحرك سيدته. لتلمع عين فادية بنصر وهي ترى رسالة عزيز:
"كل حاجة تمت والولد معايا."
.................................
"ابني فين... انتوا متعرفوش أنا ممكن أعمل فيكم إيه."
وصرخ بعلو صوته وهو يسير دون هوادة. يمسك في تلابيب كل طبيب يُقابله.
"ابني فين ردوا... ردوا بدل ما أعرفكم أنا مين."
عنتر وفادية وقفوا ينظرون لحالة فرات الجنونية. فنفض عنتر رأسه سريعًا من حالة الذهول التي سيطرت عليه.
نصف ساعة مرت ثم انقلبت المشفى رأسًا على عقب برجال الشرطة ورجاله.
..................................
طالعها فارس طويلاً وهو يستحضر براءتها عندما طلت أمامه لأول مرة في ذلك الملهى الذي لا يشبه أمثالها. يعلم أنها دخلت لهذا العالم هربًا أو ملجأ، ولكن قدميها قد غرزت بالوحل وها هي النتيجة راقده على فراش المشفى في ظلام تام.
اقترب بخطواته بعدما فرت دمعة من عينيه وجلس فوق المقعد المقارب لفراشها يلتقط إحدى كفيها.
"مريم."
نادها لمرات ثم أطرق رأسه بأسى.
"أنا مسافر يامريم... جيت عشان أودعك. يمكن مكنش بينا كلام كتير بس أنا..."
لم يستطع نطق الكلمة. فماذا سيقول القلب الآن؟ أيعترف أنه أحبها عندما التقطتها عيناه، ولكنه احتقرها لدخول عالمهم الملوث؟
"ياريتني صرخت فيكي وقلتلك العالم ده مش بتاعك... ياريتني اتخليت عن احتقاري وبعدتك عن طريقنا... أنا آسف."
ارتكزت عيناه نحو جسدها الراقد بسكون. ليبتلع غصته.
"مش هرجع مصر غير ليكي يامريم... هرجع فارس إنسان جديد ونبدأ حكايتنا سوا بعد ما اتعلمنا إن الحياة مجرد لحظة."
دلف إحداهن للغرفة ولم تكن إلا الممرضة المرافقة لحالتها تُحذره بعينيها بأن ينصرف.
هب واقفًا بعدما ودعها بنظراته ومضى في طريقه.
مر بجانب حمزة وكل منهم مضى بخطواته.
أتى حمزة اليوم ليخبرها عن أشقائها وأنها صارت شقيقة كبرى.
............................................
دلف لغرفتها بخطوات هادئة ينظر إلى جسدها فوق الفراش. لم يستطع تنفيذ وعده لها بأن يترك لها الحرية لتلملم شتاتها.
عاش طويلاً بين صراع القلب والعقل بعد تجربته الأولى مع صفا. لينتصر العقل لسنوات طويلة. ولكن حين رحلت هي واختفت عنه أدرك أنه لا شيء من دونها. هي جاءت وأعطت له الحياة معنى.
تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه:
"آه يا ياقوت، مكنتش فاكر إني رجعت ضعيف للحب تاني غير بعد ما جربت بعدك عني... أنا عارف إني ظلمتك معايا كتير ومديتكيش الحب اللي تستحقيه ولا عوضتك... خليتك ترضي باللي بديهولك، خليتك ناقصة في عيونهم وعيون نفسك... مرممتش فيكي قسوة السنين، ضيفت ليكي وجع فوق وجعك يا حبيبتي."
لملمتها فوق الفراش. ثم التفت جسدها لجهته وقد أصبح وجهها مقابل له. جعله يتقدم منها.
جلس جانبها يمسح خصلاتها بحنو يتأمل ملامحها بشوق.
دقائق مرت وهو جالس هكذا يشبع عيناه منها. لتفتح عيناها بتشوش. لتنتفض بعدها من فوق الفراش:
"مالك يا ياقوت، اهدي."
منذ طرد شريف لها وذلك المشهد دائمًا يتردد بأحلامها. ألتقطت أنفاسها وهي تتمتم:
"عايزة أشرب ميه."
ألتقط كأس الماء الموضوع جانبها فوق الكومود مندهشًا من فزعها. فأرتشفته دفعة واحدة. قرب كفه من وجهها ليمسد عليه لينصدم من نفورها. قبض على يده بقوة وقبل أن ينطق بشيء... كان الجهاز المخصص لصغيريه يعلو ببكائهم.
نهضت مسرعة تلتقط مئزرها تُغلقه فوق منامتها راكضة لصغارها دون حديث.
تنهد من تجاهلها القاتل ونهض يتبعها:
"حبيبي اهدي... شايف عبدالله هادي إزاي."
وقف يطالعها صامتًا وهي تهدئ من روع صغيرهم. ليعلو بكاء الصغير الآخر وكأنه غار من شقيقه. فأبتسم رغما عنه وهو يرى انفتاح الآخر في نوبة بكاء.
تقدم منها يحمل الصغير الآخر بين ذراعيه مبتسمًا إليها:
"شكله غار من أخوه مش كده ياعبدالله باشا؟"
لم تعلق على حديثه إنما واقفت تضم صغيرها إليها إلى أن كفى عن البكاء وعاد لنومه. ومثلما فعل ذلك الصغير فعل الآخر بين ذراعي والده.
وضعوهم في فراشهم وخرجوا من غرفتهما. ليجذب ذراعها حانقًا من تجاهلها وصمتها:
"مش كفاية تجاهل بقى... لو حتى عايزة مساحة لحريتك ولسا غضبانه مني، لكن مش لدرجة دي."
تعلقت عيناها نحو يده القابضة فوق ذراعها:
"حمزة سيب إيدي لو سمحت."
"ياقوت إحنا لازم نتكلم... حياتنا من الأساس بدأت غلط."
"قول لنفسك أنت اللي بدأت كل حاجة غلط."
تفت عبارتها تحرقها حقيقة زواجه منها. رغم أنها تجاهلتها قديمًا. إلا أن تجاهلها لم يكن إلا صمت يتبعه صمت حتى أتت القشة التي أودت كل شيء داخلها. وماذا ستنتظر أكثر من أن تلقى ذليلة من بيت زوجها الذي عاقبها بصمته منذ رقود ابنة زوجته الراحلة بالمشفى.
المشاهد كانت تتكرر. فهتفت وهي تشيح عيناها عنه:
"التجاهل ده ياما أنت عيشتني فيه ياحمزة... جربت مرة، جربت أبقى على الهامش... جربت أشوف نفسي ولا حاجة... جربت أبقى ضعيف مكسور كل حلمي بيت يضمك بدفاه... جربت أحلم بحياة هادية فيها حنان."
صوت أنفاسهم هي من كانت تتعالى. لتتعلق عيناها بعينيه:
"أنا جربت معاكم كل حاجة اتمنيت أهرب منها..."
وأردفت وهي تطرق عيناها نحو اللاشيء:
"قالولي الزوج سند وحما... قالولي هتقفي ورا ضهره وانتي مش خايفة... قالولي هتبقي ملكه في بيته... قالولي أحلام كتير معاك. لكن مقالوليش هتبقى الحيطة المايلة اللي بيفرغوا فيها غضبهم وهمومهم. حملتوني حادثة مريم وقبلها حملتوني كره مريم ليا... حتى أنت حملتني احتياجك إنك ترجع اللي فات من عمرك وترمم ندوبك اللي خلقها الماضي وحبك لإنسانة خانتك."
أغمض عيناه بقوة وهو يسمعها. حديثها كان يخترق فؤاده. هو بالفعل حملها ندوب ماضيه. أراد أن يعيد لقلبه ما فقد. ونسي أنها عاشت حياتها ناقصة منقوصة من كل شيء.
"ياقوت كفاية اسكتي."
تنهدت وهي تنظر إلى ملامحه الباهتة المشبعة بالألم:
"مش كنت عايزني أتكلم؟"
وأردفت وهي تتذكر بعض أحاديثه ساخرة:
"أنا عايز أتجوز معاكي... أنا تعبت من حياة العاقلين."
وصرخت وهي تضع بيدها على قلبها. تتذكر حديث نادية معها في إحدى المرات عن علاقة حمزة بصفا. لتُعلمها كيف سطرت الأخرى حبها بقلبه حتى بعد فعلتها معه وزواجه بسوسن. لم تدرك نادية أنها كانت تشوه داخلها أشياء كثيرة. ولكن ما كان عليها إلا الصمت. الصمت لينجح زواجها حتى لا تكرر خطأ والديها وحتى لا ترى الشماتة في أعين زوجة أبيها.
"كنت عايزني أكون زيها... كنت عايز تعيش لحظاتكم معايا... بس أنا ياقوت الضعيفة اللي عايزة تعيش مش صفا المرحة الجميلة."
"يااااااقوت."
صرخ وهو لا يشعر بنفسه. فرغم حبه لصفا، إلا أنه أحبها حبًا اختلف عن صفا وسوسن. حبها كان من نوع آخر. نوع لا يعرف تفسيرًا له. إلا أن كل ما يفهمه أنها يريد أن يشيب ويموت بين ذراعيها.
"مش أنت اللي عايزني أتكلم... وأه اتكلمت... اتكلم تاني ياحمزة."
عيناه شملتها بندم ومرارة. ليسحب قدميه بصعوبة مبتعدًا. لا يرى دموعها التي تدافقت من مقلتيها دون توقف.
................................
دلف بلفافة يخفيها تحت سترته خائفًا. يلتف حوله ثم التقط أنفاسه أخيرًا براحة.
"ايه اللي مخبيه ده ياسيد؟"
هتفت بها وردة وهي تتفحص زوجها بعينيها. وعندما رأت ما لم تتوقعه من زوجها لطمت صدرها:
"يانهار أسود... هي حصلت تسرق أطفال."
قبض على رسغها بقوة وكتم فمها بكفه:
"اكتبي ياولية هتفضحينا."
دفعت وردة عنه تندب حظها:
"ياميلة حظك يا وردة في جوزك... هتدخلي اللومان تاني بسببه... أنا قولت ديل الكلب عمره ما يتعدل."
رمقها بنظرات قاتمة. ليصرخ الصغير بقوة:
"شفتي صوتك عمل إيه... خدي سكتي."
دفعت الطفل من أمامها:
"لأ مش واخده حاجة غير لما أعرف ابن مين ده."
ولوت شفتيها مُتهكمة:
"الكر ده مش بتاعنا ياسيد."
اقترب من الفراش المتهالك ووضع الصغير الذي لم يكف عن الصراخ عليه. ليجذبها نحوه يُداعبها قليلاً بقبلاته. ولكن صراخ الصغير جعلها تبتعد عنه حانقة:
"انت بتضحك عليا ياراجل أنت... عايز ترضي مزاجك من غير ما تفهمني المصيبة اللي جايبها ليا آخر الليل."
ليمسح سيد فوق شفتيه:
"ده وش السعد علينا."
وأخرج من جيبه رزمة من المال. ثم تمتم بسعادة ووضعهم أمام نصب عينيها.
"ولسه اللي جاي يا بت يا وردة."
.................................
انتظرت هناء أن يرفع عينيه صوبها بعدما كان غارقًا في كم الملفات والأوراق التي أمامه بعد أن غادر محامي الشركة. زفر أنفاسه بعدما دفس عقب السيجارة في المطفأة. ثم دفع الأوراق بقوة من فوق مكتبه. فلا ثغرة يجدها تجعله يخرج من تلك البنود دون خسارة. ذكاءه في عالم الأعمال اكتشف للحظة أن الإنسان حين يطمح بشدة ينقلب كل شيء ليخرج خاسرًا.
تمتمت باسمه مُشفقة:
"مراد."
تقابلت عيناه ليشيح عينيه عنها سريعًا. فالنيران عادت تشتعل بقلبه وهو يتذكر عرض مارتن البذيء: "زوجتك هي المقابل... ورقة طلاقها أمام عودة شركتك."
عادت تهتف باسمه وهي تقترب من مكان وقوفه:
"هتلاقي حل صدقني... بس فكر بهدوء."
ومسحت فوق ذراعه بحنو:
"أنا معاك في كل وقت حتى لو هنبدأ من الصفر."
"انتي مش فاهمة حاجة ياهناء... الشركة دي عمك وضع فيها كل رأس ماله وحمزة كمان شريك فيها وأنا بغبائي خسرت كل حاجة."
صرخ بقوة وهو يزيح يدها عنه. فأطرقت عيناها حزنًا:
"طب اتكلم مع مارتن واتفاهم معاه... أروح أنا."
وقبل أن تكمل باقي عبارتها موضحة له أن ذهابها لن يكون إلا لتوضح له أن زواجه من جاكي كان خاليًا من أي مصالح أو نزوة. زواج ستخبره أنه كان حبًا رغم صعوبة نطق تلك الكلمة أمام قلبها:
"تروحي فين... انتي اتجننتي."
جنونه زاد وهو يتخيل مارتن ينظر لزوجته نظرة رجل لامرأة راغب بها.
قبض بيديه فوق كتفيها مخاطبًا لها بقسوة:
"إياكي يا هناء تفكري تقابلي الراجل ده سامعة."
غضبه كان كالإعصار. فمجرد اقتراح انقلبت عيناه بالظلمة. أماأت برأسها سريعًا:
"حاضر يامراد... حاضر."
ولم يشعر إلا وهو يضمها إليه بقوة هاتفًا لنفسه:
"مش هسمحله يلمس شعرة منك."
وابتعد عنها ينظر لملامحها بعشق. عشق لم يكن يتخيل أن تستوطنه امرأة.
..........................
وقفت تتأمل الجليد وهو يهبط بسكون. لا تعرف كم مرة من الوقت وهي تقف هكذا بجسد منهك. تمتمت الخادمة وهي تضع لها الطعام جانبًا:
"الطعام سيدتي حتى تتناولي دوائك."
ألفتت نحوها سماح بصمت لتقترب من الفراش تجلس عليه. ثم رفعت كفها لتمسد فوق بطنها الخاوية. لتسقط دموعها وهي تتذكر فرحتها التي ضاعت وهي تعلم بأن صغيرها فارق الحياة فور أن وضعته.
طالعتها الخادمة بأشفاق وانصرفت. لتطرق رأسها أرضًا عندما وجدت سهيل يقف أمامها:
"مازالت تبكي سيدي."
ابتلع سهيل لعابه صامتًا. ثم أشار لها بأن ترحل.
عيناه تعلقت بها وهي تحتسي الشربة الساخنة بشحوب. الدخول لحياته لعنات متدفقة لمن يقترب منه.
جين وقد قتلها رغبتها في الحصول عليه. وأخيه وقد مات بلعبة قذرة. وسماح وقد أدخلها حياته ليطفئ شعلتها. ألم انغرز بقلبه وهو يرى المرأة التي كسرت حدود قلبه وجعلته يعرف مرارة الحب ويخشى الفقد. رفعت عيناها نحوه لتتقابل عيناهما بصمت. أصبح مساءهم ونهارهم.
"كيف حالك سماح؟"
تمتمت وهي ترتشف من كأس الماء حتى تزيل مرارة حلقها:
"بأحسن حال."
كان يعلم أن إجابتها ساخرة. ولكن تجاوزها ليجثو فوق ركبتيه أمامها ويتناول كفيها هاتفًا بأسف:
"أسف على كل شيء سماح... أنا من أتيت بكِ لهنا."
وأردف وهو يتذكر النبتة التي جعلت حياتهم تستمر:
"موت صغيري كسرني كما كسرَك."
لم يكد يتم عبارته ليسمع ما جمد أطرافه:
"انتهت الحياة بيننا سهيل... طلقني!"
.........................
تعلقت أعين ياقوت ب ندي التي تجمدت ملامحها فور قدوم نادية تسأل عن الصغيرين ومحملة لهم بالهدايا.
"فين ولاد الغالي... حبايب عمتهم."
ارتفع حاجبي ياسمين مُتعجبة من أفعال تلك المرأة. فهتفت ياقوت:
"في أوضتهم لسا نايمين."
"البيت طبعًا بيتي يا ياقوت... هطلع أشوفهم."
أماءت ياقوت برأسها. لتنظر ندي نحو خطى نادية تتذكر حلم شقيقتها بأن لو كانت باستطاعتها الإنجاب وإنجاب طفلاً من حمزة. وهتفت شاردة:
"نادية من حبها الشديد لأخواتها بتحب تكون مسيطرة على اللي حواليهم."
وتعلقت عيناها ب ياقوت:
"احمدي ربنا إنك خلفتي يا ياقوت... الدور جيه عليا."
لم تفهم ياقوت مقصدها. لتحمل ندي حقيبتها مُعللة بالمغادرة. ولكن الحقيقة كانت الهروب من حصار نادية بأسئلتها المتلاحقة عن تأخر حملها.
..........................
دلف وسط الصخب والضجة التي تحاوط المكان مُتأففًا بضيق. رحب به صاحب الملهى غير مصدقًا أن شهاب الزهدي اليوم في ملهى بعد انقطاعه لفترة.
"منور ياشهاب بيه."
أماء شهاب برأسه يبحث بعينيه عن معتصم الذي هاتفه. وكانت حالته لا توحي إلا بسكره الشديد وضياعه. لا يُنكر أن معتصم تغير كثيرًا منذ عمله معه وخطبته ل سمر سكرتيرته وصديقة زوجته. حب وقع بين الطرفين ولا يعرف كيف. فالاثنان شتان بينهم.
تقدم من معتصم بخطوات حانقة يجذبه بضيق:
"قوم بينا... كفاياك شرب."
نفض معتصم ذراعه منه مُتأففًا:
"سيبني أشرب."
وضحك ساخرًا:
"كنت عايز أنضف عشانها... طلعوا كلهم ميستهلوش."
قطب شهاب كلتا حاجبيه بحيرة وهو لا يفهم شيئًا مُتسائلاً:
"يابني انت مش فرحك بعد أسبوع وحالك بدأ ينصلح."
تعلقت عين معتصم ب شهاب. وصمت عبارات سمر وهي تحكي لإحدى صديقاتها عن حبها لشهاب وسعيها ورائه. وأن لولا السحر الذي أصابه هو وليس شهاب لكانت الآن زوجة مديرها تنعم بكل ما تحسد ندي عليه. لم تكن صديقة سمر إلا ساعية لتنال خطيبها منها. فكشفت له الحقيقة.
سمر التي تعجب الجميع من جنونه بها وهو الذي لم يكن إلا زير نساء.
"كانت عايزك أنت... بس أنا اللي لبست."
الحيرة أصابت شهاب ليتنهد وهو يلتقط كأس الخمر الذي يقبض عليه:
"بطل شرب وقوم فوق لنفسك."
"بقولك كانت عايزك أنت."
صرخ معتصم وهو يدفعه عنه:
"بتحلم بيك أنت... نفسها فيك عارف يعني إيه."
استوعب شهاب مقصد صديقه لتتجمد عيناه:
"مراتك بتحكي ليها عنك والهانم بترسم نفسها معاك."
أردف وهو لا يشعر بحاله:
"انت إيه يا أخي مافيش ست مبتحلمش بيك ما أنت شهاب الزهدي."
.............................
اندفع لغرفتهما وهو في حالة جنون مما سمعه من صديقه. هل حياته كانت مرئية أمام أعين الجميع. سمر أحبته من وصف ندي عنه. انتفضت من جلستها وهي تنظر إليه بقلق. وقد تركت الأوراق التي كانت تفحصها بعينيها. أوراق لم تكن إلا خاصة بذلك الملجأ الذي تم الموافقة بإنشائه. وقد دعمها حمزة في كافة كل شيء رغم ما يعيشه بحياته.
"مالك يا شهاب فيك إيه."
نهضت سريعا حتى ترى ما به. فزوجها لا يفرك خصلات شعره هكذا إلا لو كان غاضبًا من شيء.
"فين تليفونك."
"تليفوني."
صرخ بوجهها. ففزعت:
"شهاب انت بتصرخ ليه."
"فين تليفونك ياندي."
عندما رأت إصراره أسرعت بإلتقاط حقيبة يدها وأخرجت هاتفها تُعطيه له. فألتقط الهاتف يبحث عن الرسائل التي بينها وبين سمر. ليتجهم وجهه وهو يرى حماقة زوجته في بعض المحادثات بينهم. صحيح لا تطرق لتفاصيل في وصف علاقتهما الجسدية التي أقسم لو فعلتها لكان سيتغير كل شيء بينهم.
ضغط على زر بعض الرسائل الصوتية. لتخفض عيناها أرضًا.
وهي تُخبر سمر عن الغلالة الحريرية التي اشترتها معها وسترتديها له اليوم. وبعدها كان سؤال سمر ماذا حدث تلك الليلة. لتخبرها ندي أنها كانت ليلة لا تُنسى. ألحت سمر في معرفة التفاصيل. ولكن انتهى الحوار عند تلك النقطة. تذكر تلك الليلة ورفع عينيه نحوها.
ليُلقي الهاتف فوق الفراش بقوة:
"ولما أروح الشركة تاني يوم... سكرتيرة مكتبي كانت أكيد بتتخيل مديرها إزاي في السرير مع مراته."
رفعت عيناها نحوه بخجل وندم:
"شهاب أنا..."
"انتي اخرسي خالص... أنا مش عارف إمتى هتتغيري... ماهي دي نفس النقطة اللي كان حاطه بينا حواجز... كل حاجة كان بيعرفها حمزة وسوسن."
وألتف بجسده راحلاً. ولكن وقف وعاد يُطالعها وقد تعالت شهقاتها باكية:
"أظاهر إننا كنا بنعاند قدرنا ياندي."
وانصرف بعدها ولم يكن إلا معنى واحد هو الواضح.
.............................
رغم عدم تقبله لوجود هاشم اليوم ضيفًا في بيته. إلا أنه لن ينسى أنه وقف بجانب زوجته ورعاها.
قدم مروان وهند هديتهم للصغار. وكانت هند سعيدة للغاية وهي تحملهم وتُخبر زوجها عن جمالهم.
"حلوين أوي يامروان."
ابتسم مروان وداعب أحدهم بكفه.
"طالعين شبهك ياحمزه... شكل مدام ياقوت بتحبك أوي."
أطرقت ياقوت عيناها خجلًا. اليوم كان مرهقًا بشدة إليها بسبب مجيء البعض للمباركة. معارف لاول مرة تعرفهم. ولكن نادية اليوم عرفتها بالكثير. فما كان منها إلا أن ضحكت داخلها ساخرة: "فلقد أصبحت الآن إحدى سيدات عائلة الزهدي، الزوجة الرسمية بعد أن ظل الكثير يعتبر سوسن وحدها امرأته حتى بعد وفاتها."
"فعلاً يامروان."
هتف بها هاشم فأمتقع وجه حمزة مما جعل هاشم يضحك داخله. فحمزة أصبح مرئ المشاعر بعد أن كان جامدًا صلبًا.
غيرته ظهرت. حبه لزوجته وتعلقه بأطفاله.
"انتوا كده هتزعلوا ياقوت.. يعني هي تتعب وتحمل تسع شهور وفي الآخر يبقوا شبه حمزة. لا كده ظلم للست مننا."
ضحك الجميع حتى ياسمين التي كانت طيلة الجلسة صامتة. تعلقت عين هاشم بها وألتمعت عيناه. فاليوم أتى لرؤيتها خصيصًا. وقد اتضحت مشاعره. أحبها دون أن يعرف متى وكيف. ولكن للقدر حكاية.
مضت الجلسة والتي طرق فيها الحديث لتعب ياقوت في شهرها الأخير والذي كان يرعاها فيه هاشم. مما جعل حمزة فور رحيلهم. يرحل بسيارته بسرعة قصوى غاضبًا من نفسه ومن كل ما عاشه فيما مضى.
عاد ليلاً وأول ما فعله دلوفه لغرفة صغاره يُطالعهم بحنو. ثم بعدها اتجه لغرفتها. دلف ببطء ليجدها نائمة بمنامة خفيفة تتقلب بجسدها فوق الفراش. لتتعلق عيناه بها.
اقترب منها يجلس جانبها مُشتاقًا. ولكنه سيظل على وعده. سيعطيها الحرية كاملة. سيجعل أوجاعها وخذلانها منه يطيب أولًا.
داعب وجهها بخفة وانتقلت بعدها يداه لخصلاتها مُتنهدًا:
"استحق اللي أنا فيه يا ياقوت."
وأردف ساخرًا على حاله:
"جيه الوقت اللي أدوق فيه إزاي أبقى على الهامش."
...........................
ضاقت أنفاسها من كآبة المنزل. رغم كبره وجماله إلا أن الحياة أصبحت قاتلة فيه. ياقوت ورحلت منه. مريم وما زالت بالمشفى. وفتور علاقتها هي وشريف. وأحلامها التي تراودها بتلك المرأة التي تصرخ: "هنِموت سوا ياما."
وأخيرًا الخلاف الذي شب بين ندي وشهاب.
وجدت الحارس يصرخ في أحد الرجال بأن يبتعد عن البوابة والآخر يهتف بضيق:
"بنضف الشارع يابيه... الله هو الواحد يعني حابب الشغلانه دي."
"بق'الك ساعة بتنضف هنا لا وكل يوم... أنا بدأت أشك فيك ياراجل أنت."
تعالت أصوات الحارس مع ضعف الرجل الآخر. لتسرع مها نحوهم. لم يكن ضعف ذلك الرجل إلا اصطناع منه. فلم يكن إلا سالم الذي يقف يراقب الفيلا حتى تسنح له الفرصة وينتقم من شريف.
"دايمًا بتيجوا على الغلبان... ده أنا أد أبوك يابني."
"أنت بتعمل فيا كده ليه... حرام عليك."
انصدم سالم من وجود مها وكاد أن يُخفي وجهه. إلا أنه تذكر الذقن وتلك الملابس. التي تجعله بهيئة رجل عجوز وصوته الذي يغير نبرته.
"ياهانم الراجل ده يوميًا قريب من الفيلا."
"وده يسمحلك تعمله كده."
أطرق الحارس رأسه بعد توبيخ مها له. لتلمع عين سالم ويد مها تمتد لتساعده. نظر إلى يدها الناعمة التي تربت على كفه.
مما جعل الرغبة تشتعل مجددًا بجسده.
"انت كويس؟"
تعلقت أعين سالم بها وهو يسمع صوتها. وأدرك حاله سريعًا وهو يتأمل جمال عينيها بعدما أصبحت مبصرة.
"شكرا يابنتي."
ورفع كفه نحوها يربت على خدها يستشعر نعومته.
..............................
بكل ما يملكه من مال وسلطة وقف عاجزًا منهارًا. يضرب فوق الجدار بقبضة يده. صوت صراخها عندما علمت الحقيقة بعد أن بدأت تستوعب سبب منع طفلها عنها ومنعها عنه. فلم يأخذها عقلها إلا لطريق واحد. أن طفلها قد مات. ولكن الحقيقة كانت أكثر ألمًا. طفلها خطف قبل أن تقر عيناها به أو تشم رائحته.
سقطت دموع فرات. فأتسعت أعين عنتر ذهولاً. سيده ذو القلب الصلب القاسي يبكي.
هاتفه صدح بالرنين ليخرجه من جيب سرواله مُتلهفًا:
"عرفتوا حاجة."
ولكن صمت الآخر جعله يفقد آخر ذرة له. ليقذف هاتفه نحو الجدار فيرتطم به تحت نظرات عنتر الذي علم اليوم أن سيده قد تغير كثيرًا ولم يعد فرات النويري كما كان.
..........................
خبر حملها كان أسعد لحظة بحياتها. جنين من رجل أحبته في كل وقت. ورغم معرفتها بذلك الخبر في أحلك ما يمرون به. إلا أنها شعرت أنه سيسعد مراد.
ذهبت هناء للشركة التي أوشكت على السقوط بعد ما مر بهم. ولا شيء يصلح مع مارتن في استعادتها.
مكتب سكرتيرته كان فارغًا. بل واغلب موظفو الشركة استقالوا في تلك الأزمة. تنهدت بأسى. فكيف يصل الانتقام لتلك الحقارة والخديعة.
طيف نغم لمحته من فتحتي الباب الذي لم يُغلق بأكمله. لتقترب ببطء وتتواري في الزاوية حتى تستمع لحديثهم.
"جايه ليه يانغم؟"
"جايه عشانك يامراد."
رمقها باستخفاف. فهتفت بضيق:
"مراد قولتلك الحل موجود... أنت اللي مصمم تبقى خسران."
"أطلع خسران أحسن ما أطلع حقير وخاين."
تف عبارته قاصدًا. لتتوتر. فأقتربت منه بخطواتها:
"مراد أنا مستعدة أقف معاك ضد مارتن."
ضحك ساخرًا وهو يعرف تكملة حديثها. ولم تخيب ظنه:
"بس بشرط تطلق هناء ونتجوز."
لتسقط العبارة فوق مسمع الواقفة. لتتابع نغم وهي تمسد فوق ذراعيه:
"هناء هيبقى ليها مستقبل مع مارتن يامراد... وإحنا مستقبلنا سوا."
يتبع بإذن الله
•
رواية للقدر حكاية الفصل السادس والستون 66 - بقلم سهام صادق
احنى رأسه بين كفيه بعدما زفر أنفاسه بثقل مما يُحاوطه.. أغلق شهاب الملف بعدما رمق شقيقه بحزن
- مالك ياحمزه.. ما الشركه خلاص هترجع تاني وعرفنا هنوقف مارتن عند حده ازاي ونخلص مراد من الوضع ده
أنفاسه المُثقله بالهموم عاد يزفرها ثانيه ودون ان يرفع عيناه نحو شقيقه
- تعبان ياشهاب
فزع شهاب واتجه صوبه يفحصه
- فيك ايه ياحمزه
واردف مؤنباً
- حرام عليك نفسك بقي... طب الأول كنت بتقول هفكر في مين.. دلوقتي ولادك اللي محتاجينك
لم يسمع شهاب رداً منه ليفرك جانب عنقه حانقاً
- مش قادر اقولك خد ياقوت والولاد وروحوا استمتعوا في اي مكان وهدى أعصابك ومريم في المستشفى
- وتفتكر انا ممكن اعمل كده ياشهاب.. مريم بنتي اللي مخلفتهاش
اطرق شهاب عيناه أرضاً بعد ما تفوه به
- عملتوا ايه مع احمد الأسيوطي... لقيتوا اخوه او البنت
تسأل حمزه ونظرة منه نحو شقيقه علم ان لا شئ قد حدث
- مبقاش حمزه الزهدي الا لو مدفعتهوش تمن عملته بعد ما لاقيه هو والحقيره اللي كانت السبب
اشتعلت نيران غضبه كلما تذكر انه لم يأخذ حقها الي الان وارتسم الأسى فوق محياه وهو يرى صورة سوسن كل ليله اتيه اليه حزينه على ابنتها التي تركتها امانه في عنقه
- انا السبب ياشهاب
عاد حمزه الي إلقاء اللوم على حاله بعد أن ظن شهاب ان شقيقه تجاوز تلك النقطه فالأمر كله ماهو الا قضاء الله وقدره وانه درساً صعباً كان لهم
- حمزه بطل تلوم نفسك على حادثه مريم.. لو هنلوم هنلوم نفسنا كلنا انا وندى وشريف الذنب مش لوحدك ...
- ياقوت ديما كانت بتنبهني ياشهاب... بس اقول ايه مكنتش شايف غير أن مريم عمرها ماهتغلط.. واه ضيعتها بغبائي
حزن جليّ ارتسم فوق ملامحه ليقترب شهاب منه رابتً فوق كتفه
- مريم هتقوم منها أن شاء الله واه اتعلمنا من اخطائنا
تنهد حمزه بأمل وابتعد عن شقيقه يصوب عيناه نحو الحديقه الخارجيه للمنزل
رنين هاتف شهاب ثم رؤيته لرقم فؤاد زوج شقيقته جعله يهتف
- ده فؤاد
ألتف حمزه نحوه يخبره قبل أن يُجيب
- قوله ميسافرش لمراد.. انت عارف فؤاد مبيحسش بنفسه في كلامه ومراد مش ناقص والموضوع خلاص هنحله
أماء شهاب برأسه واتجه نحو الباب حتى يُغادر ويُحادث زوج شقيقته..
مع خروج شهاب كانت ياقوت مُتجها نحو غرفه المكتب وبيدها هاتفها... حياها شهاب فردت له تحيته مع ابتسامه هادئه
- حمزه ارجوك اتصرف
اندفعت اليه واردفت دون أن تعطي له مساحه لسؤالها
- متخليش مصير ياسمين زي.. مش الجواز هو اللي بيخلصنا من ضغط الاهل
كانت عبارتها كفيلة بأن تُرسل له رسالتها
- هعديلك كلامك ياياقوت عشان متأكد انك متقصديش بكلامك
شعرت بالحرج فأبتسم واحتواها بين ذراعيه
- براحه كده وفهميني.. مالها ياسمين
- مرات بابا وبابا عايزين يجوزوها.. في عريس متقدم لياسمين من البلد عندنا وهما شايفينه عريس لقطه واحسن من قاعدها هنا وانها تكمل تعليم وتشتغل
واردفت راجية مُتأثرة ببكاء شقيقتها ورجائها
- اعمل حاجه ياحمزه.. كلم بابا هيسمعلك ويسيب ياسمين تكمل الطريق اللي اختارته لحد ما تلاقي الإنسان اللي عايزه تكمل عمرها معاه
كل كلمه من عبارتها كانت تطعنه... زوجته تُخبره من مغزى عباراتها ان الظروف هي من تجعلنا نتقبل ما امامنا مُرغمين
ابتعد عنها يُدير عيناه بعيداً حتى يتلاشى شعوره...
فركت يداها وهي تُطالع ظهره وتنهدت وقد ظنت انه لن يقف معها ولن يسمعها كعادته ولكن ألتفافه نحوها مُجدداً ونظرته الحانيه
- قولي لياسمين تطمن وهكلم عمي ياياقوت
ابتسمت بأمتنان وسارت لتُغادر الا انه أراد أن يتجاذب معها بعض الحديث فالجفا منها لم يعد يتحمله فيكفيه مايُحيطه من مشاكل وما عليه إلا واجب حلها دون انانيه
- مش هتستني لما اكلمه قدامك
طالعته مُتعجبه من سؤاله
- انا متأكده انك هتكلمه مدام وعدتني
لم ينتظر حديث اخر منها ليضغط على ازرار هاتفه الي ان أستجاب الطرف الآخر.. كان حمزه خير مُقنع لوالدها الي ان اخذ وعد منه
سعادتها وهي تراه اخيراً أصبح سنداً أمام أهلها وكيف يفعل كل شئ حتى يُراضيها لم تنتبه بأن ذراعه تُحاوطها
خفق قلبها بقوه وهي تسمع عبارته المازحه لوالدها
" المهم بس ياقوت ترضى عني"
حمزه يُمازح والدها ويتحدث معه ببساطه.. قديما لم يكن بينهم الا محادثات قليله في المناسبات ليس اكثر.. لن تُنكر انه مُهذب دوماً معهم ولكن تهذيبه كان لا يتلخص الا في المال والهدايا وكأن الحب والقرب لا يتلخص الا هكذا
انتهت المُكالمه ليسألها
- حلينا ياستي مشكله ياسمين..مبسوطه
توترت من قربه وكادت ان تخونها مشاعرها... فمهما أظهرت ستظل طبيعتها الطاغيه.. ياقوت الشخصيه المُسالمه التي تبحث عن الحنان والكلمه الطيبه التي تُطيب خاطرها
ابتعدت عنه سريعاً بعدما شعرت بقرب أنفاسه
- هروح اطمن ياسمين واطمن على الولاد
وغادرت الغرفه لتتعلق عيناه ب خطواتها زافراَ أنفاسه
- لازم اتحمل لحد ما أصلح حياتنا ياياقوت
............................
سارت كالهائمه بعدما غادرت الشركه ولم تستطع تحمل باقي الحديث الذي سمعته بين نغم وزوجها.. تنهدت بعجز تهتف لحالها
- يعني انا السبب..
وتذكرت نظرة نغم الراغبه في زوجها فقبضت فوق كفيها بقوه
تعبت من السير لتعود بأدراجها للمنزل... فتحت باب الشقه وهي تستمد طاقتها مُكرره انها ستفهم اليوم هل هي الابقي بحياه زوجها ام لا
تعلقت عيناها بمراد الذي يقف أمام الشرفه وكعادته يُدخن بشراهة... سعلت بشده ليلتف نحوها فأطفئ سيجارته يسألها بغضب
- قفلتي تليفونك ليه بعد ما بعتي الرساله
اقتربت منه وعلي وجهها ابتسامه تخفي الصراع الذي داخلها
- كنت محتاجه اتمشي شويه يامراد... انا تعبت من كتر ما بشوفك هالك نفسك اما في الشغل أو السجاير او بتطلع غضبك عليا
سألها وكانت اجابتها هي طوق النجاة
- هتتخلي عني ياهناء لو بدأت من الصفر
لم يعد يفصلهما الا خطوه واحده اقتربت بها منه ومدت كفها الصغير لتُعانق كفه
- في حاله واحده لو انت اتخليت عني يامراد وخنت حبي ليك
اقترابها منه بذلك الشكل وصوت همساتها وشفتيها وهي تتحرك أمامه جعله يقسم انه لن يتخلى عن زوجته مهما حدث وسيدفعهم ثمن ما أصبح يعيشه
- بحبك يامراد
كلمه واحده خرجت منها مُقتارنه بأسمه بتناغم جعلته ينسى كل همومه
- هناء انتي عارفه بتعملي فيا ايه
نفت برأسها ليضمها اليه بتملك
- بتخليني كل يوم اسأل نفسي ازاي كنت غبي ومعمي...
ولم تشعر بعدها الا بحمله لها لغرفتهما سابحون في مشاعرهم الهائجه ناسين أعباء الحياه لوقت...
" احيانا يكون الحب كالطاقه التي تدفع المرء للأمام وأحيانا أخرى يكون كالعنه التي تسقطك للقاع"
وفي وسط حبهم وضمه لها كان يُخبرها
- بحبك ياهناء.. متجوزتش جاكي غير عناد وصلابه راس لكن معاكي بكون اسعد راجل.. حضنك وطن ليا
وعند ذلك السطر عرفت اجابه زوجها لنغم.. مراد لها وهي له
........................
في الصباح الباكر تثاوبت هناء وتمطأت فوق الفراش.. تبحث عنه جانبها لتقع يدها فوق الورقه الموضوعه وقد سطرها بكلمتان
- ادعيلي ياحببتي...
أسرعت في جذب مئزرها لترتديه ونهضت تبحث عن هاتفها حتى تُهاتفه... لم يرد على مُكالمتها واكتفي ببعث رساله تطمئنها وانه سيُهاتفها بعد أن ينتهي اجتماعه مع شهاب والمحامي واحد اضلع السوق المهمين في البلد
زفرت أنفاسها بعدما تعلقت عيناها بالرساله
- يارب يامراد المشكله تتحل
وعندما عاد حديث نغم امس وكيف تعرض على زوجها تطليقها والزواج منها وهي تكون بيعه لذلك الابله مارتن.. استشاطت غضباً
- انا هعرفك يانغم ازاي تبصي لجوزي وتلعبوا علينا
وبعد اقل من ساعه كنت تطرق باب مسكن نغم وقد اصبحت تقطن في فيلا بمفردها بعيداً عن شقيقتها وخالد
فتحت لها الخادمه الباب
- افندم
لم ترد عليها إنما دلفت للداخل تهتف بعلو صوتها
- فين الهانم اللي مشغلاكي
- الهانم نايمه ومينفعش كده
لم تهتم بعباره الخادمه وعاد صوتها يعلو
- ياسيدة المجتمع الراقيه...
نهضت نغم على أثر صوت هناء كما اعتدل مارتن من رقدته عاري الصدر ينظر إليها بتوجس وعندما عاد صوت هناء يعلو
انتفضت نغم ورارتدت مئزرها هاتفه
- ديه مرات مراد
أسرعت إليها خشيه من الفضائح... لترتسم ابتسامه واسعه فوق شفتي مارتن
- شقيه وممتعه .. محظوظ بكي مراد
- أنتي بتعملي ايه هنا... مين سمحلك تدخلي بيتي
لترفع هناء عيناها نحوها ساخره
- هما كلمتين جايه اقولهم ليكي وكويس ان خدامتك واقفه وسطينا... ابعدي عن جوزي وبلاش خططك القذره مع القذر اللي زيك
كان مارتن يهبط الدرج عند سماع تلك الجمله يغلق ازرار قميصه... ليتجهم وجهه بعدما كان سعيداً لرؤيتها
تعلقت عيناها به ليرتفع حاجبها الأيسر وهي تراه
- مجمع الا موفق... سبحان الله
توترت نغم من وجود مارتن فلم تكن تُريد ان يعلم احد بعلاقتهما ولكن مارتن لم يكن الا بالفعل رجلا قذراً يُحب فضح العاهرات كما ينعتهم
وهتف مارتن اخيرا
- سأنسي سبابك لي حلوتي
- لا ياريت متنساش... عشان انت راجل فعلا قذر.. نظرتي ليك مخيبتش مكنتش برتاحلك لله في لله
بعض عبارات هناء كان يفهم مارتن معانيها بصعوبه ورغم اذياد حنقه منها الا انه رغبتها بها كانت تزداد دون أذى... يحسد مراد عليها
لتستشيط نغم من صمت مارتن اتجاهها رغم درايتها بطبيعته العدوانيه
- اطلعي بره بيتي بدل ما اطلبك البوليس... انا مش عارفه ازاي انتي مرات مراد وبنت عمه... بجد مقرفه
لتسخر هناء وهي تشير نحوهما
- والله المقرفين اللي زيكم.. اتمنى رسالتي تكون وصلت
وغادرت بعدها تلتقط أنفاسها تشعر بالمقت لرؤيتهم
- صدقت فعلا ياقوت لما قالتلي ان في ناس عايشه بالطريقه ديه..
استغفرت ربها وهي تعلم أن علاقة مارتن ب نغم ماهو الا زنا
تعلقت عين نغم ب مارتن فور مُغادرة هناء وقبل ان تشعل نيران غضبه نحو هناء كان يُخرج هاتفه من جيب سرواله ويخطو للخارج ولم تسمع مكالمته
ولم تكن مُكالمته الا أمراً منه بأن يتبع احد رجاله هناء ويخطفها
..........................
اغلقت فاديه باب الغرفه بعدما تأكدت من هدوء المنزل.. ضغطت على ازرار هاتفها خشيه.. اتاها صوت عزيز
- قوليلي الوضع عندك ايه يافاديه
هتفت بقلق وهي تلتف حولها
- فرات قالب الدنيا... ومش هيسكت غير لما يعرف مين اللي ورا الخطف.. عزيز رجع الولد.. انت متعرفش غضب فرات اخويا انا عارفاه خطف الولد موت قلبه من تاني
- أنتي بتقولي ايه يافاديه... ارجع ولد ايه.. انتي عايزه ارجع الولد ويورث اخوكي عيل مش من صلبه
احتقن وجهها وهي تتذكر كذبته عليها
- عزيز بلاش لعب عليا انا اكتشفت الحقيقه... الولد ابن فرات..فرات مش ساذج ولا غبي ياعزيز انت عارف اخويا كويس
توتر عزيز وقد انكشفت كذبته التي استغل بها فاديه وهي يهيج مشاعرها... يعرف ان فاديه تنسى نفسها حينما تكون بين ذراعيه فيعرف كيف يستغلها
- احنا لازم نتقابل ياعزيز
خرج صوته بعد مده
- مش هينفع يافاديه... ومتتصليش بيا.. انا هبقي اكلمك
انقطعت المُكالمه ليغلق هاتفه حانقاً مُلقياً به فوق الاريكه
- ست من ساعه ما اتجوزتها والفقر ركبني... انا مش عارف كانت فين دماغي ساعتها
ليضحك احد رجاله فرمقه عزيز ليصمت .. ولكن لم يعد ان يظل صامتاً دون فهم اخر حركه فعلها رئيسه فالخطف لم يكن طريق اعمالهم يوماً
- بس ياباشا انت مش شايف ان خطف الولد في الوقت ده هيضرنا
تجهم وجه عزيز وضم سيجارته بين شفتيه
- عايز احرق قلب فرات... عايزه يفضل عايش حياته بيدور علي ابنه..
لم يشعر بنفسه وهو يفيض لرجله بمكنون صدره
- تعرف ياواد يافتحي انا كان ممكن اموته واقتله بأيديا دول انا كده كده ضايع وميت بالنسبه للحكومه لكن...
- لكن ايه ياباشا
تعلقت عيناه برجله الواقف ونفث دخان سيجارته بعشوائيه
- امه هي السبب... مقدرتش اقتله.. أمه الحب اللي عمره ما نسيته
وضحك بعلو صوته يسخر على حاله
- حكم الحب ده لعنه ياواد يافتحي... شوف قلبنا ميت ازاي لكن قدام الحب بننسي احنا مين
- اه والله ياباشا.. انا طلقت البت مراتي لما لقيتني حبيتها.. والحياه علمتني من شغلتنا ان الحاجه اللي تبقى نقطة ضعفك امحيها
هتف بها فتحي فأقترب عزيز منه يربت فوق كتفه العريض
- شاطر يافتحي..
..............................
عاد حمزه من الشركه باكراً اليوم وسائقه يحمل حقيبة عمله يعطيها للخادمه يُخبرها ان سيده مُتعب وقد سقط في الشركه مما اذهل موظفينه... ان ذلك الكيان الصلب القوي يسقط مثلهم
هبطت ياقوت الدرج بعد أن هاتفتها شقيقتها تُخبرها ما حدث له
عندما تعلقت عيناها به اتجهت نحوه تسأله بلهفه
- حمزه انت كويس
اخذت تتفحصه كما تتفحص صغيريها
- للأسف لاء ياياقوت... انا حقيقي تعبت ونفسي ارتاح
اشفقت على حاله... فما يُحيط العائله الان من مشاكل ينصب فوق رأسه وماعليه الا ان يجد حلولاً.. حاوطت خصره بأهتمام
- تعالا اطلع اوضتك ارتاح..
ترك حاله لها كما اصبح أخيراً يترك مشاعره فماذا اخذ من تلك الهاله والقوه والصلابه التي كانت تُحيطه
قادته نحو غرفته التي لا تُشاركه فيها.. وساعدته بأن يتسطح فوقه.. عاونته في تبديل ملابسه.. كل يوم كانت تثبت له انها معدن أصيل وان امرأه مثلها خلق الحب من أجلها
تحملت كل سلبياته معها... حاولت أن تتخطى معه مشاكل عائلته التي اكبر منها بل وحاولت ان تتخطى ظلم الحياه بقلب برئ حامد راضي
- هروح احضرلك حاجه تاكلها... انت مبقتش تهتم بأكلك
قبض على يدها يمنعها من تركه
- انا بحمد ربنا انك مراتي ياياقوت
وهمس بعشق حقيقي
- بحبك... حياتي من غيرك ملهاش معنى وبعدك علمني قيمتك واد ايه انا كنت معمي ومش سامع غير عقلي بقوانينه اللي وضعه عشان تكمل حياه حمزه الزهدي من غير ضعف
.................................
اقترب فرات من صفا بعدما عاونتها الخادمه في تبديل ملابسها ثم غادرت مُشفقه عليها
- كنا فضلنا في المستشفى ياصفا..انتي لسا تعبانه
تعلقت عيناها به ترى انكساره وتحطيمه..تمنت ان تراه هكذا وها هي امنيتها قد تحققت ولكن تحقيقها كان صعبً بل مميتً عليها هي الأخرى
سقطت دموعها فأسرع في ضمها
- ارجوكي انا مش مستحمل... ده ابني كمان ملحقتش اشم ريحته.
سقطت دموعه هو الآخر والنيران تشتعل داخل قلبه...فدعوات من جار عليهم قد تحققت ان يحرق الله قلبه وهاهو قلبه يحترق
- مكنتش فاكره دعوتي هتيجي في ابني
واردفت وهي تدفعه عنها بعدما وعت انها في حضنه
- انت السبب.. انت السبب... خلتني اتمنى اشوفك مقهور ومكسور واه جات في ابني
وانهارت أرضاً تحت قدميه
- هاتلى ابني.. ابوس رجلك هاتلى ابني.
اهتز كامل جسده من هول الموقف وهول ما أصبح يعيشه ليجثي فوق ركبتيه أمامها
- والله هلاقيه ياصفا وهدفع اللي عمل كده التمن.
ونهض من أمامها يمسح دموعه كي يعود لرجاله بقوه وهيبة فرات النويري.. غادر غرفتها وصوت بكائها يعلو وهي تهتف
- ابني يافرات... هاتلى ابني... انت السبب
وقف أعلى الدرج يسند جسده وهو لا يقوي على السير.. فقد ذاق حرقه القلب واقتصت الحياه منه بعداله
...............................
دلف شريف لغرفتهما ليجدها جالسه فوق الفراش تعزف بأحد الآلات بشفتيها.. تعلقت عيناه بتلك الآله القديمه والتي كانت بدايه تقاربهم فوق ذلك الرصيف والمقعد الذي شهد على احاديثهم وقربهم
لا يعرف اين وجدتها وخاصه انها لا تتذكر شئ من حياتها القديمه بعد ماحدث.. انقبض قلبه وهو يخشى ان تتذكر حياتها القديمه وستعلم بكذبته ان لم يكن أهل لها
نفض رأسه من قلقه في ذلك الأمر فما به يكفي ان يُزيد عليه هم اخر وتذكر ما اخبره به الحارس
- مها
انتبهت عليه بعدما كانت تعيش سحراً خالصاً مع تلك الآله
اشاحت عيناها بعيداً عنه مما زاده غضباً منذ تلك الحادثه وهو يشعر انه يعيش مع طفله بتصرفاتها وغضبها الغير معقول ردود أفعالها يمقتها احيانا حتى انها أصبح يشعر بفتور قلبه اتجاهها
- مها بصيلي
طالعته بنظرة طفوليه رأي فيها البرآة.. يعلم أن زوجته عانت كثيراً بحياتها ولم تعش مراحل حياتها انما قضت عمرها في الظلمه وغرفتها.. تنهد واقترب منها وحاول ان يُحادثها بلطف حتى يعرف منها هوية ذلك الرجل
- مين الراجل اللي بتخرجي كل يوم من الفيلا تديه اكل وفلوس
ارتبكت وهي تتذكر وعدها لذلك الرجل بأن لا تُخبر زوجها.. صمتها جعله يزفر أنفاسه حانقاً
- ردي عليا... وبطلي شغل الأطفال ده..
كان يغضب منها حينما يشعر انها طفله أمامها... الحادثه بالفعل أثرت عليها وعدم الاهتمام احد بعلاجها يجعلها لا تستعب الانفعالات وتُصدق الناس مثل الأطفال
- شريف انا خايفه منك
وضعت يداها فوق اذنيها.. ليعود لزفر أنفاسه بقوه
- مين الراجل ده يامها... انا مش قولت متخرجيش من الفيلا
بكت بحرقه وخشت من غضبه
- ده راجل عجوز بساعده ياشريف
لم تروق اليه اجابتها فهو يخاف من ظهور سالم ثانية... ولكن لا يستطع أخبارها بما عاشته تلك الليله التي ابدلت حياتهم
- خلاص اهدي ... ياريت متخرجيش تاني بره الفيلا.
توقفت عن ذرف دموعها وقد أصبحت وجنتاها شهيتا للغايه
- ليه ياشريف.. ده راجل طيب وغلبان بيحكيلي عن مراته وعياله اللي ماتوا
لم يجد الا الأوامر ليُلقيها عليها
- مها قولت متتكلميش مع حد... انتي تعبانه
تلك العباره جعلتها تصرخ به
- انا تعبانه عشان انت بطلت توديني للدكتور ونستني... صحاب ندي ضحكوا عليا لما شافوني وانا بجري وراه القطه بلاعبها زي الأطفال... انا ليه كده ليه ياشريف
احرقه قلبه عليها فأسرع بجذبها لحضنه
- قولهم اني بفرح لما بشوف الحاجات ديه.. قولهم اني مكنتش زيهم.. قولهم ان الدنيا كانت ضلمه اوي معايا واني معشتش زي ما عاشوا
وابتعدت عنه تترجاه
- انا عايز اروح للدكتور ياشريف عايزه اخف وافتكر انا كنت عايشه ازاي وانا عاميه ارجوك
ارتجف قلبه من الضعف وهو يراها هكذا بعدما كان عقله يسأله لما يصبر عليها هكذا..الان قلبه يخفق بحزن عليها
يداه كانت تُلامس جسدها بشوق ورغم ان عمله ينتظره الا انه أراد أن يعيش تلك اللحظه معها بعد جفاء دام لفتره
..............................
دلفت لغرفتها باكيه بعد لقاءها بسمر تتذكر كلماتها وحقدها عليها وشماتتها انها لن تنجب
لم تكن تُصدق ان هناك مرضى نفسين مثيلتها... هوت فوق الفراش تتذكر غضب شهاب وخصامه فأنهمرت دموعها اكثر
- ديما بضيعك بغبائي ياشهاب... بس والله بحبك ارجوك متسبنيش
ألتقطت حقيبه يدها الواقعه فوق ارضيه الغرفه لتُخرج هاتفها منها اخذ الرنين يعلو الي ان سمعت صوته
- شهاب انت فين... شهاب ارجوك خلينا نتكلم
سمعت صوت أنفاسه لتترجاه ان يُحادثها
- انا في اسكندريه ياندي ومضطر اقفل
لمح الطبيب يخرج من غرفه الفتاه التي اصطدم بها بسيارته ولم ينتبه انه لم يغلق المُكالمه
" المدام فاقت ... لكن للأسف فقدت الجنين"
..........................
وضع أمامها تذكره السفر وبطاقه بنكيه
- طائرتك غدا سماح
نظرت الي ما وضعه وعندما وقعت عيناها علي البطاقه البنكيه وهتفت بشراسه
- لا اريد مالك سهيل
- هذا ما اتفقنا عليه سماح
هتف عبارته بصعوبه.. يُريدها وبشده ولكن كبريائه يمنعه من استعطافها وهي تلك المره كانت عازمه على الرحيل وهو بات يُحمل نفسه ذنب ماعاشته هنا معه
- اعتبره ثمن لما عشته معك
طعنته عبارتها فهذا ما كان يقوله لها في البدايه
.....................
حطم مراد هاتفه بعدما رأي مقطع الفيديو
هناء فوق الفراش ومارتن جانبها يُلامس وجهها بيديه واسفل الصوره عباره
" اليوم سأنال زوجتك ايها العربي كما فعلت مع شقيقتي"
صرخ مراد بجنون فالغبي لا يُصدق انه لم يفعل علاقه مع جاكي الا عندما تزوجها وانه لم يتزوجها لشعوره بالذنب لانه نالها دون زواج.. يُحمله ذنب موتها ويظنه مُغتصب... لا يعرف من أين يُجمع معلوماته ولكن ما يُدركه ان من اخبره بعلاقته بجاكي لم يكن الا كاره له"
..........................
- ابعد ايدك عني... مراد... مراد
صرخت هناء وهي تشيح وجهها بعيداً عنها حتى لا يُحرر حجابها عن شعرها
- ارغب في رؤيه شعرك حتى تكتمل صورتك في مخليني حلوتي
واردف وهو يوصف لها كيف يتخيلها.. وكيف سيفعل معه حينا تكون معه في فراشه
لم تتحمل وقاحة وبذائة حديثه فبصقت بوجهه ولو لم يكن مُقيداً لها لكانت صفعته
- أخرس ياحيوان.. مراد الحقني
صفعه قويه سقطت فوق وجهها لتتجمد وجنتها من اثرها
- سأريكي كيف تكون الحيوانات
يداه اتخذت طريقهما نحو ازرار قميصه ليحل واحد يلو الاخر وصوت صراخها يعلو المكان