تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سهام صادق
وقفت أمام ناديه بملامح شاحبه تُعطي إليها الهاتف.
فحصتها ناديه بنظرة مطوله وهي تلتقط الهاتف وقلبها يُحادثها ان هناك أمراً ما.
انكمشت ملامح ناديه وألتفت بجسدها تستمع لرد شقيقها.
كانت تظن انه سيُبلغ شقيقته ان تأخذها وينكشف بعدها الأمر او انه سيُخبرها بأنها تتناول حبوبً حتى لا تُنجب.
أسوء الاحتمالات وضعها عقلها وارتجف قلبها خوفاً فبعد ما عاشته معه في رحلتهم القصيره زالت الحواجز بينهم ونعمت بالحب الذي سمعت عنه حتى حنانه آسر قلبها.
عادت ناديه تلتف ناحيتها ثانية ترمقها بحنق.
"يعنى كنت هاكلك يا ياقوت.. خدي جوزك الحنين اللي بيقولي سيبي مراتي في حالها وبلاش شغل الحموات"
ناولتها الهاتف وسحبت حقيبتها لتسرع ياقوت نحوها تتمالك مشاعرها وخوفها.
"انتي مشربتيش حاجه؟"
"مره تانيه يا ياقوت"
غادرت ناديه بعدما لم يُعجبها حديث حمزه.
رفعت الهاتف ترى هل مازال على قيد الاتصال ام اغلق الخط.. لتجد الخط مفتوحاً.
"ديه زعلتا"
احتج صوته وهو يدق بالقلم علي سطح مكتبه.
"في حاجه تانيه عايزه احلها؟"
تقلص جسدها وهي تسمع نبرة صوته.
جف حلقها ولم تعرف بما ستُخبره به فأي اعتذار ستقدمه له.
أتاها الإجابة حين انتهت المُكالمه.
لترفع الهاتف عن اذنها تنظر اليه وعادت تدق على رقمه ولم يأتيها الجواب غير أن الهاتف مُغلق.
***
دلف للمزرعه بسيارته بوجه مكفهر.
حديث مكرم عنها كان يدور أمام عينيه كيف ان لا تكون ابنته ذلك الرجل الذي دفعت أخطاءها.
أخبره ان معلوماته من شقيقه عدنان.
فشقيقها كان لا يُنجب.
قابله عنتر وهو يصعد على الدرج المؤدي لبهو المنزل ولم يعد مُتعجباً من قدومه.
فقدومه كثر وليس عليه إلا الترحيب بسيده فهذه املاكه ويأتي كما يرغب.
ألتف نحو عنتر الذي يسير خلفه يسأله هل سيبيت الليله ام سيعود للعاصمه.
"من غير اسئله كتير.. هاتلى البنت اللي جبتها المزرعه وامرت بتشغيلها هنا"
لم يلفظ بأسمها ففرات النويري لا يظهر اهتمامه بأحد.
يُشعر من أمامه ان لا قيمة له.
هكذا صارت حياته كما كان يفعل والده هو أصبح نسخة مصغرة.
طالع عنتر وهو لا يفهم عن أي فتاه يتحدث سيده.
اتسعت حدقتيه وهو يتذكرها.
"قصدك صفا يابيه.. هو انت ناوي تطردها.. البت مهما بعمل فيها واشغلها مسبتش المزرعه"
مسح على شاربه.
ليفزع من صراخ فرات.
"عنتر روح ابعت حد من الغفر يندها.. وروح شوف شغلك"
غادر عنتر علي الفور راكضاً يحمل طرفي جلبابه دون كلمه اخري.
انحني نحو احد المقاعد يسند عليه مرفقيه وعيناه جامده يتذكر اغتصابه لها وانتقامه منها في إطار الشر.
مر الوقت ببطء وهو ينتظر في غرفه مكتبه يحتسي من القهوه التي قدمتها له السيدة نعمات التي تعيش هنا منذ ايام والده الراحل.
أدلها عنتر للغرفه وعندما ألتقت عيناها به أشاحتهما سريعا.
فعيناه تُذكرها بمشهد اعتدائه عليها وهي تتوسل له ان يرحمها.
انصرف عنتر بإشارة من عين فرات وأغلق الباب خلفه.
ليرتجف قلبها وهي تراه ينهض من فوق الاريكه التي كان جالس عليها ثم تقدم منها بخطوات ثابته يفحصها بنظراته الثاقبه.
مع كل خطوه كان يقترب بها منها كانت تتراجع للخلف خوفاً.
ضاقت أنفاسه من فعلتها التي أشعرته بمدى حقارته ولكن تجاوز ذلك الشعور وعاد لصلابته ونظرته الحاده.
"متخافيش مش هاكلك"
"مش خايفه منك"
خرج صوتها مُرتجفاً مهزوزاً تتحاشا النظر إليه تتذكر صوته وهو يُخبرها ان تتعرى أمامه ثم يدفعها نحو الفراش صارخاً بها ان تدفع ضريبه ما اقترفه والدها يومًا.
وقف أمامها بعدما انكمشت أمامه علي نفسها وألتصقت بالباب خلفها.
"باين انك مش خايفه"
سقطت دموعها فهي لا تتحمل رؤياه تختنق وهي تراه وتسمع صوته وتشم رائحته.
كل شئ يعيد لها ذكريات لعينة معه.
"ابعد عني.. انت عايز مني ايه تاني حرام عليك"
تجمد فرات في وقفته وهو يرى ناتج ما اقترفه.
ترتعش تعض شفتيها بقوه تكتم صوت بكائها.
وسقطت على الارض أسفل قدميه تدفن وجهها بين كفوفها.
جسده وصدره الذي ظهر من فتحتي قميصه هيئته وخشونه صوته وتصفيف خصلاته حتى العطر كان نفس رائحة ذلك الذي علق بجسدها.
كل شئ اعاد لها تفاصيل كل ما عاشته وهو ينتهكها.
فهيئته اليوم كانت شبيها لنفس اليوم الأول عندما جرها خلفه للغرفه.
قبض على كفه ليهتف صائحاً بعدما تملكه الغضب.
"قومي مش هعملك حاجه خلاص"
وألتف بظهره يمسح على وجهه بضيق.
"افتحي الباب واخرحي"
تصريحه لها كأنه إشارة منه للفرار.
غادرت الغرفه دون أن تعرف سبب لاستدعائه.
استمع لصوت فتح الباب وخطواتها الهاربه.
تجمدت عيناه نحو الفراغ الذي أمامه واليوم أدرك حقيقة الجرم الذي فعله بها ليجعلها بتلك الحالة أمامه.
ولم يُخبرها بحقيقة نسبها فأي حقيقة أو اعتذار سيُقدمه.
***
نظرت الي الساعه التي بجوارها ثم لهاتفها.
منذ ساعات هاتفتها ندي وقد تعجبت من اتصالها.
كان اتصال عجيب منها ولكنه فاجأها.
أخبرتها ان حمزه لديهم والعائله مُجتمعه لما لا تأتي أيضاً.
اعتذرت بلطف وساعدها ان صوتها أتى إليها كأنها مزكومه ولم يكن صوتها هكذا إلا من أثر البكاء المتواصل.
أرهقت جفونها من أثر البكاء لتغمض عيناها تاركه نفسها لسلطان النوم.
أحست بحركه بالغرفه ثم دثر نفسه جانبها.
فتحت عيناها لتجده يُعطيها ظهره ويمد يده ليغلق الإضاءة.
همست اسمه بثقل تخشي رده.
"حمزه"
كررت اسمه ثانية ليأتيها جوابه بغلظه.
"نامي يا ياقوت لاني مرهق وتعبان"
طالعت ظهره وجفاءه بآلم.
"انت كنت عارف من امتى.. وليه مقولتش انك عارف وكنت بتعاملني كويس.. ليه اتغيرت فجأه مع انك عارف وساكت؟"
ارتفع صوت أنفاسه ليغمض عيناه مُتمتماً.
"تصبحين على خير يا ياقوت"
لم تتحمل جموده الذي يتقنه لتدفعه بيدها فوق ظهره بضيق.
"بس انا مش هنام غير لما تقولي سبب سكوتك وانت عارف"
ألتف نحوها فجأة لينظر إليها بنظرة بارده.
"كنت مستني مراتي تقولي الحقيقه لوحدها وتحكيلي.. لما اقولك نفسي في طفل وانتي تكوني بتاخدي حبوب من ورايا ده تسميه ايه؟"
قبض على كتفيها صارخاً بها لتسقط دموعها من أثر قبضته القويه.
"سمي خوف.. عارف يعني ايه خوف؟"
ونفضت حالها من بين ذراعيه تزيل دموعها بعنف وغضب من نفسها.
"خوف من كل حاجه.. خوف من إنسان مش بيظهرلي مشاعره.. من حياه معرفش انا فيها إيه.. من أهل خايفين ارجعلهم مطلقه ومعايا طفل وبدل ما كنت بعبئ لوحدي هبقي بطفل يعيش زي ما أنا عايشه"
"انتي بتقولي إيه.. متخيلاني في يوم من الأيام هكون كده؟ هعيد تجربتك مع ولادي؟"
"أوهامك ديه هي اللي هتخسرك حياتك"
رفع اصبعه نحوها يُحدق بها بغضب.
"افتكري ده كويس.. أوهامك هي اللي هتخسرك"
كاد أن ينهض من جانبها لعله يكبت غضبه بعيداً عنها فعاد ينظر إليها بتمعن ليجدها غارقه في دموعها.
"وشكرا انك مش شايفه مني مشاعر"
نهض ليتركها مع نفسها ترثي حالها علي تلك الذكريات التي عاشتها معه الأيام الماضيه بهول.
نظرت للفراغ الذي تركه.
طالبها قلبها بالصمت ولكن عقلها أبي ذلك.
نهضت تتعبَه فوجدته جالس بالظلام شارداً.
اقتربت منه ببطئ وتردد ووقفت أمامه.
"هو احنا ليه متناقشناش زي أي زوجين طبيعين... شايف حياتنا غلط ازاي"
رفع عيناه نحوها بعدما استوعب عبارتها.
فحصها بنظراته فشعرت بأنها حمقاء تمتمت داخلها بضيق.
"الله يسامحك ياسماح انتي وهناء أنا قولتلهم اني غبيه مصدقونيش"
"ياقوت انتي هابله.. انتي مستهونه باللي عملتي"
"تعرفي الحاجه اللي غفرالك معايا حياتك القديمه"
"أنا كنت هبطل الحبوب وأحكي"
انتقلت عيناه على ملامحها الباهته يسألها.
"وايه اللي منعك يا ياقوت.. مستني اسمع تبرير مقنع"
انتظر ان يسمع اجابتها ولكنها وقفت جامده تُحدق به إلى أن تحركت شفتاها وخرج صوتها المقهور.
"الحواجز كانت بينا كتير ياحمزة بيه"
هجرت اقدامها نحو غرفتها لتتركه في عمق عبارتها.
أثره ما قالته ونهض ليذهب خلفها ولكنه عاد لما كان عليه.
***
وضعت هناء يدها على خدها تُفكر في قدوم تقي ابنة عمها اليوم.
لاتعرف كيف ستنام معه بنفس الغرفه وتتظاهر أمامها انهم سعداء مع بعضهم.
صوت خالد لم يُيقظها من شرودها.
اضطر لطرق قبضه يده بقوه على مكتبها لتنتفض من فوق مقعدها تفتح عيناها على وسعهما تشيح رأسها يميناً ويساراً.
"مستر خالد"
تصرفاتها العفويه كانت توقعه فيها كل يوم دون شعور.
ولكنه الحال كما هو لا مشاعر يستطيع إظهارها لها.
ف في النهايه هو المدير وما هي إلا موظفه لديه والأكبر أنه زوج وأب.
تمتم بصوت حاول أن يجعله صارماً يُخفي خلفه مشاعره.
"ياريت ننتبه على شغلنا.. فين المقترحات اللي قولت تجميعها عن الاحتفال للسنه التاسعه لافتتاح الفندق؟"
أسرعت في ترتيب الأوراق التي أمامها تُخبره عما فعلته.
"أنا خليت كل موظف وزوار الفندق يقولوا اقتراحتهم زي ما حضرتك طلبت"
ناولته الأوراق تنتظر ان يُبدي برأيه عن عملها.
"كل حاجه في الورق"
ألتقط الورق منها وطالعه بنظرة سريعة ثم طالعها.
"تعالي مكتبي نتناقش سوا"
تعجبت من عرضه العجيب.
ولكن في النهاية كان هذا عملها.
أتبعته صامته ووصلت غرفه مكتبه ليقف مُتجمداً.
ولكن ركض الصغير إليه يهتف بكلمه واحده جعلته ينحني ويبتسم لصغيره.
"حبيب بابا"
ضمه نحوه وعيناه على زوجته التي وقفت مرتبكه تُحدق به تحمل هديه بين يديها واقتربت منه.
كانت هناء تقف تُطالع المشهد بإثارة ومتعة.
احتواءه لطفله وزوجته الجميلة تُقدم له هديه.
"جيت عشان أصالحك واعتذر منك ياحبيبي"
نست هناء أنها تقف كمتطفلة بينهم.
ورغم أن ظهر خالد كان لها ولم ترى ملامح وجهه الجامدة التي لا توحي إلا بالبرودة إلا أنها كانت تُشاهد المشهد بحالمية وكأن هناء القديمة قد عادت.
تخيلت حالها مع مراد ولكن حين تذكرت أنه خدعها وجرحها فاقت من أحلامها وانتبهت على وضعها.
"عن إذنك يافندم اجي في وقت تاني"
انصرفت دون أن تسمع رده لتقترب منه جنات أكثر تلثم خده بندم على ثورتها به في حق من حقوقها ولكنه هو لا يرى إلا أنها زوجة أجبر عليها وهي غارقة في حبه.
"سامحتني صح؟"
"مكنش ليه لزوم تيجي الفندق"
أوجعته عبارته فأرسمت على ملامحها ابتسامة هادئة تُداري خلفها خيبتها.
"افتح الهديه طيب"
عادت تتذكر هناء وتستجمع ذاكرتها.
فهي تشعر أن ملامحها مرت عليها من قبل.
"هي البنت ديه نعرفها.. حاسه اني شوفتها في مناسبة"
***
نظرت ندي للحفل الذي اصطحبت معها شهاب بالقوه والاقتدار.
كان حفل زواج لشقيق كلا من رفيف وسمر.
وقعت عين ندي على سمر التي تشعل الفرح برقصها لتوكظ شهاب بذراعها هاتفه.
"بص ياشهاب على سمر.. ديه طلعت ولا صافيناز"
ثم اردفت بحماس.
"أنا هخليها تعلمني"
تعلق عيناه بسمر واشاحا رأسه ضائقا عيناه من جملتها الأخيرة.
"تعلم مين.. سمعيني كده"
ابتسمت وهي تلتقط ذراعه وتتمايل برأسها.
"تعلمني أنا عشان أرقصلك"
"مبحبش الرقص"
لطمت ذراعه بخفة.
"في راجل ميحبش الرقص.. يعني رقص سمر مش عاجبك؟"
كانت كالحمقاء وهي تسأله عن امرأة أخرى تُخبره عن محاسنها.
"هو مين أقنعكم ياحببتي ان الراجل عايز يتجوز رقاصه... ما نروح نتجوز من الكباريه وخلاص"
امتعضت من حديثه وازاح لها مقعداً فارغاً حول إحدى الطاولات وجلس جانبها مُتنهداً بقله حيله من مجيئه معها.
لم ترغب في إنهاء ذلك الحديث الذي رأته شيقاً.
"طيب ليه بتفضلوا تتكلموا قدامنا عن ديه مهتميه بجسمها.. ديه بترقص حلو ديه لبسها شيك"
ضحك وهو ينظر إليها وكيف تُحرك يدها مع كل عبارة.
"شكل الموضوع عجبك.. بنستفزكم ياندي.. الست الذكية هي اللي ديما واثقة في نفسها عارفه امتى هتضعف قدامنا وامتى هتكون قطة بتخربش.. بتعرفي تنطي الحبل ياندي؟"
أومأت برأسها وهي لا تعرف سبب لسؤاله هذا.
"آه الراجل عايز الست اللي كده.. بتنط الحبل كويس وبنفس طويل"
انفجرت ضاحكة ولولا أصوات الموسيقى العالية لكان الجميع سمع رنة ضحكتها.
قرص ذراعها بخفة يضغط على أسنانه بضيق.
"اضحكي كده تاني.. هعلقك في البيت"
التفت نحو كتفه تتمسك به أكثر.
رغم عيوبه التي تعرفها إلا أنها تعشقه.
تعشق وقاحته وصراحته التي أحياناً تجلطها ولكن هي لم تحب شهاب المميز.
أحبت شهاب بعيوبه.
كانت سمر تنظر نحو طاولتهم وهي ترقص.
ظنت أنها ستجذب نظره ولكن شهاب طيلة الحفل لم يكن إلا مع زوجته.
***
نظرت إليه وهو متسطح فوق الفراش براحه.
غضبت منه ومن بروده هذا فألتقطت الوسادة لتدفعها أرضاً وتضربها بقدميها.
"يعني هنام أنا فين بقى؟"
رمقها ثم عاد يُغمض عيناه.
"على السرير ياهناء"
ضاقت عيناها بضيق من ردوده.
"ياسلام أنام جانبك ليه وبصفتك إيه؟"
فتح عيناه مستمتعاً بحنقها وغضبها.
"بصفتي إني جوزك ومش راجل غريب"
عند ذلك الحد لم تتحمل.
خرجت من الغرفه ولم تجد إلا المطبخ لتجلس فيه تسترد عافيتها من بروده الذي تتلقاه منذ أن جاءت تقي اليوم.
لمسات وأحضان وغزل أمام شقيقته التي تنظر لهم بسعاده.
***
جلست هي وحوريه أسفل أحد الأشجار يتناولون طعام الغداء قبل العوده إلى عملهم.
مجرد لقيمات بسيطة يسدوا بها جوعهم ويتثامرون قليلاً.
الكل كان يعلم بقدوم شقيقه رب عملهم لقضاء بعض الأيام لتُريح أعصابها وإحدى الخادمات تُرافقها.
كانت فادية شارده تتذكر عزيز زوجها الذي رحل وتركها وحيدة.
انتبهت على صوت ضحكات قريبة لترمق صاحبتيها.
لتجدها تضحك بملء فاها.
فخطت نحوها بأعين يشتعل بها الغضب.
وقعت عين صفا عليها فتجمدت ملامحها ولم تشعر بعدها إلا بكف فادية على وجنتها.
اتسعت عين حوريه كما فعلت الخادمة التي تُرافقها.
صرخت بأسم عنتر بقوه تنظر لصفا التي وضعت يدها على خدها وقد تحجرت دموعها.
"عنتر.. انت ياعنتر"
كان عنتر قريب منها للغاية اقترب سريعا ينظر إلى سيدته.
"أيوة يافادية هانم"
ارتفعت شفتي فادية بأمتعاض تشير نحوها بأصبعها ترمقها بحقد.
"طول فترتي هنا.. البنت ديه تبقى خدمتي مفهوم؟"
لتُصب كلمتها الواقفين ذهولاً.
فلماذا اختارتها هي.
***
انتهت حصتها في المركز الذي تعمل فيه.
اتجت نحو غرفة هند حتى تأخذ اللوحة التي أخبرتها هند أن تتعلم منها إتقان خطوط الرسم بجودة.
رمقتها هند وهي تدلف وأكملت حديثها مع صديقتها.
"صالحتِ مروان؟"
انتبهت ياقوت على سؤال صديقتها ولم تكن تقصد الإنصات لحديثهم.
"مروان حبيبي قلبه طيب.. وبيتصالح بسرعة"
"أنا مش عارفه ازاي عملتيها ياهند.. ازاي تصدقي مرات عمك وتروحي لدجال عشان الخلف"
نظرت ياقوت لملامح هند المتألمة.
"بتعلق في أي أمل.. مرات عمي قدرت تأثر عليا أنا مش عارفه عملت كده ازاي.. وأه اتعقبت ومروان فضل أسبوع مخاصمني"
ضحكت صديقتها كلما تذكرت ما حدث.
"رايحة لجوزك القسم وانتي مقبوض عليكي وعايزاه ميعقبكيش بسلم تجد هند إلا القلم لتدفعها به.
ابتسمت وهي تتذكر عندما هاجمت الشرطة المكان وأخذوا الموجودين لتجد نفسها تدلف لقسم الشرطة الذي يخدم فيه زوجها وفور أن عُرضت عليه بين من قبض عليهم ركضت نحوه تتحامي به.
كانت تقص هند التفاصيل أمام صديقتها للمرة التي لا تعرف عددها ولكنها كانت مستمتعة وخاصة حين ضمها إليه.
ورغم الكارثة إلا أنه عاملها أمام الجميع بحنان متجاوزاً غلطتها أمامهم والعقاب أتى في منزلهم.
خفق قلب ياقوت مما تسمعه ولم تشعر بقدميها وقلبها وهم يأخذانها لمقر عمله.
سمح لها سكرتيره بالدخول.
لتفتح باب غرفته تُطالعه وهو يتحدث بالهاتف ويعطيها ظهرها.
اقتربت منه تضم خصره بذراعيها.
فتصلب جسده من فعلتها.
شعر برأسها على ظهره وهمسها.
"خدني في حضنك"
يعني أي شئ يسمعه عبر الهاتف من المتصل وهو يستمع إلى ما تطلبه منه.
أنهى المكالمة وألتف نحوها ومازالت متشبثة به.
"ياقوت انتي كويسه؟"
لم يعهدها هكذا.
تُطالب تُخبره بحاجتها.
والصدمة الكبرى التي جعلته يقف جامداً عندما قبلته سريعا وابتعدت عنه.
خجلت من نظراته واطرقت عيناها أرضاً.
"كنت عايزة أعمل كده وعملت"
دهشته ازدادت مما تفعله وعادت تُطالبه.
"مش هتاخدني في حضنك وتقولي انك هتكون ديما معايا؟"
لم يعد يشعر بنفسه ورغبة مُلحه تقوده لفعل ما لم يتخيل فعله من قبل.
جذبها إليه كي يُقبلها وتلامست شفاهم.
لينفتح الباب ومريم تدلف للغرفه بصياح قد انطفئ.
"بابا أنا جيت"
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سهام صادق
كانت المشاعر الجديدة تغمرها وهو يقبض على كفها بحنو، يسألها عما ترغب في تناوله. لم يُفرق بينهم في التعامل، ولكن مريم كانت تنظر إلى ما يفعله كأنه كثير عليها، وأنها وحدها من تتدلل.
سألها عما تُريده. حدقت مريم بطبقها بمقت، فلو كانت تعلم أن خروجتهم سوياً، والتي ظلت ليومين تطلبها منه، ستُشاركها بها ياقوت، لكانت جلست بغرفته.
رفعت عيناها نحو ياقوت، ترمقها بضيق. تراها لا تستحق تلك الحياة ولا مكانة والدها. فأين هي وأين هم؟
ياقوت ذات الملامح البسيطة الخالية من مستحضرات التجميل، وحجابها البسيط الذي لا يليق بموضة العصر، وملابسها الهادئة الطويلة. كل هذا لا تراه الصغيره إلا أنها امرأة أقل من العادي. فكيف تكون في النهاية المرأة التي تأتي وراء والدتها الراحلة؟
غرزت شوكتها بقوة، لينظر نحوها حمزة متعجباً.
"مالك يامريم؟"
وابتسم وهو يطالعها.
"متخافيش الخروجه مش هتقف على كده.. هنعمل شوبينج كمان، لأني عارفك بتحبي الشوبينج أكتر من أي حاجة."
تهللت أسارير الصغيرة من الاقتراح، ونست حقدها على ياقوت، التي ابتسمت على سعادتها وأنهم يتشاركون حبه.
وعندما التقت عيناها بمريم، لم ترَ فيهم إلا بروده ونظرة لم تفهمها.
"مبتأكليش ليه يا ياقوت.. أغيرلك طبقك بصنف تاني؟"
انتبهت ياقوت على تلاعبها بالملعقة، فالطعام كان يُعجبها، ولكنها كانت شارده تتساءل: إلى متى ستظل مريم تبغضها؟ إلى متى ستراها بشعة، خاطفة للرجال، وستخطفه منها وتنسيه أبوته التي يمنحها لها؟ تمنت أن تُخبرها أنها سعيدة، أنها بينهم، سعيدة بوجودها بين عائلة متكاملة.
شعرت بأطراف أنامله فوق شفتيها، يزيل لها الصوص الذي سقط بخيط رفيع على طرفي شفتيها.
ارتبكت وهو ينظر لها بعدما أزاله عنها.
"كملي أكلك.. لو مش عاجبك قوللي."
رمقته بسعادة، تتأمله اليوم بنظرة أخرى.
"الأكل طعمه جميل وعجبني جدا."
المشهد كان يسير أمام مريم، التي جلست تتأملهم وتتذكر والدتها. مكان ياقوت، وكيف كان يفعل ذلك مع والدتها. المشاعر التي كان يمنحها لوالدتها، جاءت أخرى وحصلت عليها، بل وأكثر.
فمشهد القبلة وهو يأسرها بين ذراعيه حينًا، ودلفت مكتبه، مازال مسطرًا داخل عقله.
تنهدت بمقت، تهتف داخلها بضيق.
"مصيرك تخرج من حياتنا."
مضى الوقت، ورغم عدم تصريحه أنه سامحها على فعلتها، إلا أنه كان يحتويها بحب كما يحتوي مريم.
وصلوا إلى المول التجاري الذي اقترحته مريم. نظر إليهم وكأنه ينظر لأطفاله.
"يلا ادخلوا اشتروا اللي انتوا عاوزينه.. وأنا عليا أدفع."
ألقى عبارته مبتسمًا وهو يطالعهما، مشيرًا إليهم أن يبدؤوا. لم تشعر إلا وهي تلقي بنفسها بين ذراعيه دون حواجز أو خجل.
"ربنا يخليك لينا."
كان اليوم هو يوم المفاجآت التي تقدمها، ولكنها كانت تفعل كل ما يريده قلبها. حدقت مريم بفعلتها، الغيرة تكاد تقتلها. بدأ شيطانها يخبّرها أن ياقوت لا تفعل ذلك إلا لتعطيها إشارة أنها ربحت في النهاية، وأصبح لها وحدها. وقد صدقت صديقتها رؤى في التفاصيل التي حكتها عن أحد أقاربها، وكان نفس حكاية والدتها.
لم تستمتع مريم بالجولة كما كانت تتمنى. تنظر إليها وهي تقتني الثياب، وكما يفعل معها حمزة كالمعتاد في إخبارها برأيه، كان يفعل معها، برؤية زوج لا أب. يفحصها بكل تفاصيلها، وكلما رفض شيئًا، بدّل الآخر، وأتت لتريه.
كان لا يفرق بينهم، ولكن مريم كانت ترى كل شيء بقلب تنهشه الغيرة، فتراه يميزها عنها، ولا تفسر ذلك إلا أنها خدعته، وأنها ماكرة.
انتهى التسوق الذي احترقت فيه مريم بالغيرة، وقضته ياقوت بالاستمتاع، ليس لأنها تشتري ثيابًا جديدة، إنما وجودها معه واهتمامه بها كان يكفيها.
أوصلوا مريم المنزل، فحملت حقائبها وانصرفت للداخل لتركض لأعلى تحت نظرات ندى المتعجبة.
اتبعتها ندى، هاتفة باسمها، ولكنها لم تُجب عليها.
"مبترديش عليا ليه.. مالك يامريم؟"
انفجرت مريم بالبكاء، تدفن وجهها في وسادتها، تقص عليها كل شيء، ولكنها حذفت مشهد قربهم بمكتبه، فالمشهد يحرق قلبها.
"اخدتوا يا ندى... خلاص بابا هيبعد خالص، هيبقى بتاعها هي وبس. دي ضحكت عليه. انتوا قولتلولي إنها وصية ماما وكانت لازم تتنفذ، وإنه اتجوزها عشان كده وبس. بس هي خلاص شالت ماما من قلبه."
صدمت ندي من حديثها عن سبب الزيجة، الذي لم يخبروها به إلا عندما شعروا بحزنها الشديد ونومها في غرفة والدتها كل ليلة باكية، تُخبرها أنه لم يعد موجودًا بينهم.
"مريم دي مراته.. بكرة لما تكبري وتتجوزي هتفهمي ياحبيبتي.. ياقوت مش وحشة أوي ومش هتاخدوا مننا."
احتدمت عيناها وهي تسمع اسمها.
"لا وحشة وأنا بكرهها.. دي كانت بتقرب منه النهارده عشان تضايقني."
وما كانت تفعله الأخرى تلقائيًا، حتى تُجرب إحساس هند الذي قصته على صديقتها. كانت تراه الصغيرة مكيدة لتقهرها.
اختلس النظر إليها، وعادت عيناه نحو الطريق، يبتسم على طفولتها في فتح الأكياس.
حملقت به، وقد لمعت عيناها بالسعادة.
"أنا مبسوطة أوي."
فابتسم للحظة، ثم أودع تركيزه في القيادة. شعرت وكأنه مازال غاضبًا منها، وأن لطفه طيلة اليوم لم يكن إلا لإخفاء غضبه أمام مريم.
بهتت ملامحها، وقبل أن تسقط دموعها، نست ضعفها وابتسمت، تضم كفيها ببعضهما.
"كنت غبية لما مفكرتش أشاركك في خوفي.. اعتبره درس واتعلمت منه."
لم يكن غاضبًا منها تلك اللحظة، ولا غضبًا بسبب فعلتها، فهو يعلم بحياتها وكيف عاشت. ولكن تجنبه لها كان مجرد عقاب.
وقد ضاع العقاب اليوم، لحظة دخولها مكتبه وارتماءها بين ذراعيه.
"حمزة، انت سامحتني؟"
أوقف سيارته في مكانها المخصص أسفل البناية التي يقطنون بها. جاهد على أن يُخرج صوته صلبًا جامدًا، لتكون ردة فعلها الأسبق وهي تندفع نحوه، تدفن وجهها في عنقه.
"أنا بحبك ياحمزة.. بحبك أوي."
وأصبحت العقد تنفك، وأصبح القلب مستسلمًا.
أصبحت لا تراه، كل ما عرفته أنه في دولة أخرى مع فريقه. حقائبها جهزتها حتى ترحل، قبل أن يطردها هو، ملقيًا عليها كلمة حريتها منه، التي وضعتها جين مقابل لرحيلها.
انتبهت على طرقات على باب غرفتها، وقبل أن تزيل الحقائب تخفيها خلف الخزانة، دلفت جين تنظر إليها، ثم نحو الحقائب، وابتسامة ساخرة احتلت فاها.
"أراكِ تعدين حالك للرحيل... هذه النهاية عزيزتي."
تنهدت سماح بضيق، فقد ملت من نظراتها الساخرة، وكأنها تخبرها أنها ستفضح أمرها. ولكن اليوم قررت أن تفصح بكل شيء.
"أحب أن أخبرك أن سهيل سيلقيكِ خارج ذلك البيت."
تبدلت ملامح سماح لابتسامة واسعة، تُداري داخلها خيبة. أعادت إليها الماضي.
"لا بأس.. أنا أنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر. ولولا مساعدتك العظيمة ما كنت رحلت."
خرجت الكلمات من بين شفتيها بحرقة، ولكنها أقسمت أن تكون قوية رغم كل شيء. لا رجال استطاعت التخلص منهم بحياتها، ولا تجربة لم تُخض مثلها ثانية. الفشل عاد إليها وعاد عذابها مجددًا، تلعن سهيل في كل لحظة.
تلاشى الزهو الذي يرتسم في عين جين وهي تجدها بتلك القوة، غير عابئة بشيء. رمقتها جين بحقد، فقد تمنت أن تراها ذليلة باكية.
"أنتِ تعرفين بكل شيء."
وتجلجلت ضحكاتها، تلتف نحوها تبث سمها.
"وهل سيعطيكِ سهيل باقي خدماتك؟ كم تبقى لكِ عزيزتي."
وأخرجت من جيب فستانها المال، لتمسك كفها، تضع داخله المال، ونظرات سماح ترمقها بحدة وألم. ولم تشعر إلا وهي ترفع كفها تصفعها، وجين تشع حقداً، تلامس خدها من أثر الصفعة.
"المال لأمثالك وليس لي."
خرجت من الغرفة حتى تُحرر دموعها الحبيسة، وصوت أنفاسها يتصاعد. جعلها كالعاهرة تُشتَرى بالمال.
عذاب ومرارة ذاقتهم، وفادية لا تفعل شيئًا إلا التفنن في مذلتها.
طوال اليوم عمل، حتى باتت لا تشعر بجسدها.
جلست على أحد المقاعد بالمطبخ، تفرد ساقيها بتعب.
نظرت نحوها السيدة نعمات بإشفاق، واقتربت منها تربت على ظهرها.
"ست فادية طيبة بس موت جوزها أثر عليها.. كانت بتحبه أوي."
تعلق عين صفا ودمعت عيناها وهي تطالعها، فقد كثر الظلم عليها.
"أنا معملتش ليها عشان تكرهني كده."
واسَتها المرأة بطيب خاطر.
"بنتي سميحة بتشتغل عند فرات بيه في القاهرة. يرجع بس من الدولة اللي مسافرها، وهخليها تستعطفه ترجعي شغلك في المزرعة مع العمال تاني."
عندما استمعت لاسمه، ارتجف جسدها.
لتنظر لها المرأة بحنو.
وفجأة، تعالى صياح الخادمة التابعة لفادية.
"ست فادية عايزاكي.. قومي يلا."
تنهدت هناء بمقت، وهي تجلس بالمطبخ. كبرياؤها كل ليلة منذ قدوم تقي يأخذها إلى هنا، لتعود بعد أن يثقل على جفونها النعاس إلى الغرفة التي تجمعهما، لتجده نائمًا لا يعبأ بشيء. ولا تجد شيئًا تفعله من حنقها إلا النوم جواره، لتستيقظ تسأل نفسها: هل كانت تحلم به وهو يضمها ويمسح على وجهها؟ أم قربه بدأ يجعلها راغبة إليه؟
فراغ الفراش جوارها يعلمها الإجابة، فكل هذا ما هو إلا أوهام.
ولكنها كانت الحقيقة التي يعيشها معها وهي نائمة بعمق.
"أنتِ هنا ياهناء."
انتفضت هناء فزعًا من صوت تقي. ارتبكت من نظرات تقي التي وقفت أمامها تتثاءب.
"بتعملي إيه في المطبخ في الوقت ده؟"
"كنت جاية أشرب.. قولت أقعد شوية."
ضحكت تقي، ثم اتسعت عيناها وهي تجده ترتدي عباءة منزلية.
"أنتِ بتنامي جانب مراد كده؟"
هبطت عين هناء بالتدريج نحو ما تريده، فهي بالفعل تنام جانبه هكذا. أما باقي الوقت في وجود تقي، ترتدي الثياب بحرية بعض الشيء حتى لا تشك بالأمر.
لم تجد إجابة تكذب بها عليها، ولكن الخلاص جاء على صوت مراد، الذي وقف على باب المطبخ يطوي ساعديه، يرمقهما بتساءل.
"انتوا بتعملوا إيه؟"
احتواها بذراعيه بعدما استخرجت كل ما في جوفها. أسندها بذراعيه نحو صنبور المياه، يمسح فمها برفق.
"قولتلك نروح للدكتور يامها، بقالك يومين تعبانة وتقوليلي دور برد وهخف."
خارت قواها بين ذراعيه بضعف.
"هبقى كويسة ياشريف، متقلقش."
تألم قلبه وهو يراها بهذا الضعف.
"السفر بعد بكرة.. هتقدري تسافري إزاي يامها.. أنتِ مش شايفة شكلك عامل إزاي؟"
ضحكت بألم، فهي لا تعرف ملامحها، ولا تعرف كيف تبدو. أهي بشعة أم جميلة؟
عندما رأى صمتها، أدرك فداحة كلمته التي لم يقصدها.
"حبيبتي أنا مقصدش."
"عارفة ياشريف.. أنا بس كان نفسي أكون عارفة ليا ملامح."
قادها نحو فراشهم، وأجلسها برفق، ثم ضم كفوفها بين راحتي كفوفه.
"هتعملي العملية وتشوفي كل حاجة، بس أوعي تقوليلي طلعت وحش ياشريف، عايزة أتغير."
للحظة، تبدل حالها من بضعة كلمات. ارتاح قلبه وهو يرى ابتسامتها، لتتعلق عيناه بجيدها.
"فين العقد بتاعك يامها؟"
ومن نظرة واحدة منها، علم أن هناك ما تخفي عليه.
دلفت هناء لغرفة خالد تحمل بعض الأوراق التي طلبها منها.
اتسعت حدقتاها وهي تجد نغم جالسة على مقعد خالد، ترفع عيناها عن الأوراق. فأصابها الذهول مثلها.
"أنتِ بتشتغلي هنا؟"
ارتجف قلب هناء، فكل شيء قد انكشف، والأمر الذي تخشى معرفته زال الغطاء عنه.
"مراد يعرف إنك شغالة هنا."
"لا ميعرفش.. ويا ريت متقوليش."
دفعت نغم مقعدها للوراء قليلاً، ونهضت من فوقه، وبنظرة دقيقة شملتها، فاحصة.
"وليه مراد مش عارف؟"
وقطبت حاجبيها، متذكرة خالد.
"وتقريبًا خالد كمان ميعرفش إنك متجوزة.. أنا فاكرة وقت توظيفك مكناش عايزين واحدة متجوزة لسبب ما."
"أنا مش مقصرة في شغلي."
رمقتها نغم بتحديق، تسألها عن كذبتها.
"ليه كذبتي علينا؟"
تحجرت عيناها نحو الطبيب، تستمع ما يخبّرها به، وقلبها يتمزق من الألم.
"أنتِ بتعاني من مشاكل في الرحم يامدام ندي."
ارتجفت شفتيها وهي تخرج عبارتها بثقل.
"يعني إيه.. يعني مش هكون أم؟"
ثاني مرت عليها كالدهر، عندما عاد الطبيب لمطالعة فحوصاتها.
"أنا مقولتش كده يامدام ندي، بس المشوار طويل ولسه في بدايته في رحلة علاجك."
سقطت كلماته عليها، ولم تشعر بقدميها، ولا دموعها التي أغرقت وجنتيها وهي تسير بالشارع دون سيارتها. أخبرها أن لا تذهب لعمل فحوصات، فهو لا يرغب بالأطفال الآن ولا يفكر بالأمر. ولكن منذ أن علمت بحمل مها، وقد تأجلت سفرتهم إلى أمريكا بسبب ذلك، وهي تريد أن تُجرب ذلك الشعور.
وضعت يدها على فمها، تكتم صوت شهقاتها بألم. صحيح أن هناك أمل، ولكن الأمل طويل أمام حلم تمنته.
"ندي.. ندي."
وقفت في مكانها ساكنة، لا تميز صاحبة الصوت، لتجد سمر أمامها.
"مالك يا ندي.. فيكي إيه؟"
ظلت صامتة لا تتحدث. فطالعت سمر المكان حوله، لتجد أحد المطاعم. فقادتها نحو الداخل، تمسك يدها الباردة قلقًا.
"فيكي إيه.. فين عربيتك طيب؟"
أجلستها سمر وهي تنتظر منها أي إجابة، وجلست أمامها تعيد سؤالها.
أغمضت ندي عيناها، والألم ينهشها.
"الدكتور قالي صعب أخلف ياسمر."
دفعت سماح الاختبار نحو السلة بعنف، لا تُصدق أنها تحمل طفلاً في أحشائها منه.
الشكوك منذ يومين تدور داخل عقلها، وكل المؤشرات تؤكد الأمر، ولم تجد إلا الفحص المنزلي حتى تتأكد وتخرج حرة من تلك الزيجة، والتي في النهاية أثمرت بطفل.
تعلم أن مجيئه سيكون غدًا، بعد غياب دام لأسبوعين، تركها معلقة فيهم. تتلاشى جين بحقده.
تعالى رنين هاتفها برقم السيدة سميرة، صاحبة المسكن الذي كانت تعيش فيه.
"ها يا سماح طمنيني، عملتي الفحص؟"
"طلعت حامل.. مش لازم يعرف بالطفل مش لازم."
"هتربي طفل بعيد عن أبوه ياسماح؟"
سقطت دموع سماح بعجز، ولم تنتبه لوقوف سهيل يقبض على مقبض الباب بقوة، وقد عاد اليوم من تدريبه.
سقطت تحت قدميها بعدما تلاشت الرؤيا أمامها. جسدها لم يعد يتحمل كل هذا العبء. لتنظر لها فادية من علو، تدفعها من أمامها، صارخة بخادمتها.
"نادي عنتر يشوف لها دكتور أو رشوا مايه على وشها."
اقتربت الخادمة من صفا، وكما رأت بالأفلام فعلت لها، فحصت نبضها هاتفة بهلع.
"دي نبضها ضعيف خالص ياست."
احتدمت نظرات فادية. ليدلف عنتر للداخل ليجد صفا ممدة أرضًا.
"شوف مالها."
وقف عنتر في مكانه، لا يعرف كيف يتصرف. وقبل أن تصعد فادية نحو غرفتها، لمعت عين فادية.
"خدوها المستوصف اللي على الطريق."
استوعب عنتر أخيرًا الوضع، وحك دقنه ليركض للخارج، يأمر السائق بأن يستعد حتى ينقل إحدى الخادمات للمستوصف.
اقتربت فادية من مهجة، تُحلق بها.
"اسمعيني كويس يامهجة."
ففقها مهجة وعنتر للمستوصف، وعندما اقترب الطبيب لفحصها، تمللت رقدتها.
"أنا فين؟"
لم يعبأ أحد بسؤالها، وبدأ الطبيب فحصه ليبتعد عنها.
"تعمل التحاليل دي دلوقتي حالا."
ألتقطت مهجة الورقة المدونة بها بعض التحاليل.
ابتسمت ياقوت براحة على صنيع يداها. أخبرتها ندي أن مريم تعشق المشغولات الصوفية، بعدما سألتها عن الهدية التي تفضلها مريم حتى تُهاديها في احتفالهم العائلي البسيط بعيد ميلادها.
تأملت الكنزة الصوفية برضى، ثم رفعتها بيدها حتى تتأملها أكثر. أسبوع تجلس تصنعه دون تعب، حتى تتقرب منها. هناء هي من اقترحت عليها ذلك، تُخبرها كما أخبرتها تقي أن مريم طيبة القلب، ولكن تحتاج الصبر قليلاً.
نظر عنتر للغرفة الخالية بعدما ركضت إليه مهجة تُخبره أن صفا دفعتها بقوة وهربت. لم تتبعه مهجة، فخشيت أن يكتشف عنتر أنها وراء ذلك.
تنهد بشأن ما حل به اليوم. عاد بأدرجه للخارج حتى يبحث عنها، فأقتربت منه إحدى الممرضات تعطيه فحوصاتها. لينظر عنتر إلى ما أعطته له، ضائقًا عيناه.
"إيه ده؟"
تعجبت الممرضة من سؤاله، لتحملق به بنفاذ صبر.
"فحوصات المريضة اللي جيتوا بيها الضهر. هي دلوقتي عايزة دكتورة نسا تتابع معاها وتهتم بأكلها عشان الجنين."
"جنين إيه؟"
"إيه اللي جنين إيه يافندي.. المدام حامل."
تعلق عين سيلين بحمزة، الذي يتجه نحوهم وياقوت متعلقة بذراعيه مبتسمة. حدقت مريم بهم، ورؤى جانبها تنظر لهم.
"ده باباكِ شكله وقع خالص يامريم."
كانت تعلم أن مريم تكره ذلك الحديث، ويزداد حقدها، ولكن تلك كانت مهمتها.
أخفضت سيلين عيناها حتى لا يري أحد ضعفها نحوه. فالصغيرة أيقظت داخلها الأملاق.
اقتربت نادية منهما، واجتذبت ياقوت جانباً بعدما صافحت شقيقها.
"إيه يا ياقوت مافيش حاجة برضوه في السكة.. مها حامل اهي، وأنتي؟"
ارتبكت ياقوت من سؤال نادية، وقد أصبحت تسألها كثيرًا. كانت ندي قريبة منهم حتى تصافحها، ولكن عندما استمعت لحديث نادية، ابتعدت تمسح دموعها، تخشى أن يأتي دورها.
كان شهاب هذه الأيام في رحلة عمل خارج البلد، مما أعطاها الوقت في لملمة أوجاعها.
اقتربت ياقوت من مريم، التي وقفت تضحك وتتمازح مع أصدقائها.
"كل سنة وأنتي طيبة."
عبست مريم عندما رأتها، ولم يأتها الرد إلا الصمت، وجذبت الهدية من يدها وألقتها وكأنها ترميها، وأعطتها ظهرها لتكمل حديثها مع صديقاتها.
تعلق عين ياقوت بهديتها، التي نالت منها جهدًا كبيرًا حتى تصنعها لها. ابتعدت بخجل عندما لم تجد اهتمامًا من الصغيرة.
الكل كان مشغولًا في الحفل. مها وشريف، الذي لا يصدق إلى الآن سيسير أبًا، وذلك الخبر هو من أجلها يغفر لها صنيعها واستغلال ماجدة. ونادية، وقفت بين زوجها وشقيقها.
ولم ينتبه منهم على مشهد مريم معها إلا ندي، التي اقتربت منها تربت على ذراعها.
"متزعليش منها يا ياقوت.. مريم طيبة بس أنانية في حبها شوية."
زفرت ياقوت بقله حيلة، فأنانية مريم لا تصيب إلا هي.
اقترب عنتر من فرات، الذي عاد من سفره وجاء المزرعة، وقد علم من السيدة نعمات بما حدث لصفا.
كان يريد أن يسأله عن حالها، ولكن كبرياءه جعله يصمت.
"فرات بيه، في حاجة لازم تعرفها."
رمقه فرات، وهو يقطب حاجبيه، ينتظر ما سيخبره به.
"صفا هربت من المستوصف."
تصلب جسد فرات، وزمجر به بحده.
"هربت إزاي.. أنا مش قولتلك تبقى تحت عينك.. وفادية إزاي تجيبها هنا تخدم وأنا معرفش؟"
ارتبك عنتر بقله حيلة.
"فادية هانم كانت مصممة عليها يابيه."
وصمت حتى يرتب الكلمات ليُفجر حقيقة أخرى.
"طلعت حامل يابيه."
الكلمة سقطت على مسمعه كالصاعقة. صفا حامل.
اقترب الحارس من حمزة، الذي كان غارقًا في الحديث مع فؤاد.
"في واحدة ست مستنياك بره يابيه.. باين عليها إنها متبهدلة. أنا كنت هطلب لها البوليس بس قالت إنك تعرفها كويس.. حد من الماضي."
رمقه حمزة وابتعد عن فؤاد، الذي وقف لا يفهم شيئًا. سار معه لتقلق نادية من ابتعاد شقيقها، فتركت ندي بمفردها واقتربت منه.
"في إيه يا فؤاد؟"
قص لها فؤاد ما أخبرهم به الحارس، لتتسع عين نادية وهي تعرف هوية المرأة.
"إحنا مش كنا خلصنا منها.. إيه اللي جابها تاني؟"
"قصدك مين يانادية؟"
تنهدت بمقت، وهي تتذكر صفا.
"صفا يا فؤاد.. أنا مصدقت حمزة ينساها وينسي الماضي ويتجوز."
لم تنتبه نادية لوقوف ياقوت خلفهم، تحمل هاتفها حتى تعطيه لنادية كي تُحادث هناء. شهقت نادية، متذكرة أمرًا.
"لأيكون مكرم وصل لها وعرف مكانها وعرفها الحقيقة.. حمزة ممكن يحن لها من تاني لو عرف إنها مش بنت عدنان الأنصاري."
واندفعت سريعًا لخارج الفيلا، فألتف فؤاد بجسده، زافرًا أنفاسه، فوقعت عيناه على ياقوت، التي وقفت تُحلق به، لا تفهم شيئًا.
"مين هي صفا؟"
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سهام صادق
انحصر الزمن أمامه وهو يراها بتلك الهيئة المزرية بجلباب واسع رث. كتفاها مرتخيان بضعف، ووجه شاحب كالموتى. أنفاس تخرج مثقلة من بين شفتيها، وتقبض على يدها المضمومة بضعف، كحال عينيها التي تطالعه بأمل ألا يغلق بابه بوجهها.
الزمن عاد للوراء. عاد لتلك الفاتنة التي سلبت لُبه قديمًا، وكانت أول حب عرفه. لم تكن هيئتها عندما خرجت من السجن بمثل هذا الضعف. كانت صفا التي عرفها وأحبها قديمًا.
أشاح عينيه بعدما طالت مدته في مطالعتها، وقد شعر بضعف قلبه نحوها للحظات. كأن رؤياها اليوم أكدت له أنها دفعت الثمن بكثرة.
"ظهرتي تاني ليه يا صفا؟"
عاد يركز عينيه عليها بجمود، وأردف: "قولتلك في آخر لقاء بينا طرقنا اختلفت."
تذبذبت كلماته قلبها، الذي أتى إليه متيقنًا أنها ما زالت تحيا بقلبه بجزء جميل لم تضيعه الخيبات.
وعندما طال صمتها، ورغب قلبه في مساعدتها بعد رؤيتها هكذا، أدار جسده بعبارة صريحة بأن ترحل.
صوتها خرج بصعوبة بعدما رطبت شفتيها. وصوت خادمه فادية يخبرها أن تفر هاربة وتُخلص نفسها من عذاب سيدتها، يتردد بأذنيها.
"مكنش عندي غيرك أروحله. احميني منهم أرجوكوا."
صدح صوت نحيبها مع تحديقها بظهره، فقد كان آخر شخص لديها في هذه الحياة تلجأ إليه.
"مجيتش ليك عشان عايزة حبك. أنا عارفة إنك اتخلصت من حبي خلاص."
ارتجفت شفتاها مع صمتها للحظات. ومع تحرك خطواته للأمام، بعد أن التقطت عيناه ما خلف نادية، شقيقته. ياقوت زوجته التي تخطو صوبهم.
"جيتلك عشان محتاجة عطفك... بس حتى عطفك طلع صعب عليا."
تجمدت حركته وهو يسمع آخر كلماتها. التفت ببطء منه نحوها ثانية، وقلبه يؤنبه على غلق بابه. تطلب مساعدته بذل وانكسار، وجسدها يبدو عليه الهزل الشديد. تحركت بأقدام تجر خيبة صاحبتها، راحلة من هنا ودموعها تتساقط من قسوة الحياة عليها.
"متعودتش أقفل بابي في وش حد. هحاول أستخدم عاطفي معاكي يا صفا."
ضغط على كل كلمة من عبارته حتى يجعلها تفهم حقيقتها بالنسبة إليه.
ملت نادية من وقفتهم هذه، وعيناها عليهم متربصة لكل حركاتهم. ولكن سؤال ياقوت عن هوية صفا، جعلها تلتف نحوها ناظرة إليها بقوة، ثم لانت ملامحها تتدارك الوضع.
"قريبة لينا من البلد متعرفهاش."
ابتعدت عنها ذاهبة، إلا أنها عادت إليها مشيرة للداخل.
"مظنش إنها حاجة لطيفة وقفتك دي. ارجعي للحفلة وابقى افهمي بعدين من جوزك."
وانصرفت نحوهم لتنهي ذلك الأمر السخيف.
***
وقفت مريم تتعلق به، متشبثة كطفلة صغيرة تطلب منه البقاء والمبيت هنا. لم تهتم بوجود ياقوت في دمج اسمهما معًا، وكأنها دخيلة على حياتهم. الكل بدأ يراها فردًا من العائلة، إلا مريم ما زالت تراها سارقة لحبه وذكري والدتها، وسيأتي يوم ولن ينظر إليهم مطلقًا.
"خليك هنا معانا يا بابا أرجوك."
رمقت ياقوت الواقفة بصمت تتابع المشهد دون ضغينة.
ومع إلحاح مريم وتوسلها، رضخ للأمر رغم ما به من تشتت منذ رحيل صفا مع نادية شقيقته.
زال الضيق الذي يمتلكه مبتسمًا.
"خلاص يا مريم، انتي عارفة مقدرش أرفض ليكي طلب."
قفزت عاليًا صائحة بسعادة تحت نظرات ندي الحزينة، وشريف الذي لا يعرف كيف سيرد معروفه يومًا نحو كل ما يفعله من أجلهم، وكأنهم من دمه.
ضحك هو الآخر وقرص وجنتيها، وعين ياقوت تتابعهم مبتسمة، تتمنى لو تحظى بتلك المشاعر الأبوية، فقلبها مملوء بذكريات حسرتها وهي متنقلة بين بيت والدها أسبوعًا، وآخر لدى والدتها وهي كالمتطفلة على قوت أولادهم.
"طيب يلا يا مشاغبة، اطلعي أوضتك نامي."
ولرغبتها في النعاس، اتجهت لغرفتها وهي سعيدة أنه بينهم. وظنت أنه سيصرف ياقوت لشقتهم ويبقى هو وحده، ولكن قدماها تخشبت وهي تسمعه.
"ندي، من فضلك خدي ياقوت أوضتين."
نيران الغيرة حطت داخل قلبها وهي تتخيل ياقوت نائمة فوق فراش والدتها وهو معها.
صعدت الدرج بخطوات سريعة، ولم تسمع باقي عبارته بعدما أضاف لكلمة "غرفته" بغرفته الخاصة التي كان يبيت فيها عندما كان يعود من عمله في ساعة متأخرة، يجد شريف ومريم يعانقون والدتهم كالصغار نائمين جوارها.
أومأت ندي برأسها، تتمنى أن ينقضي اليوم لتسقط على فراشها باكية على حلم أمومتها الضائع.
اتجه شريف لغرفته حتى يلحق بمها التي قادتها الخادمة لأعلى منذ ساعة عندما أصابها التعب ورغبتها بالنوم.
"يلا يا ياقوت."
وعندما وجدت ندي تشبث نظراتها نحو حمزة وقد دخل غرفة مكتبه وأغلقها عليه.
انصرفت ندي ليصبح المكان خاليًا بها. فأتبعته حتى تسأله عما سمعته من حديث نادية والسيد فؤاد زوجها.
طرقت الباب بخفة، ثم دلفت دون أن تنتظر إجابته، لتنظر نحوه وهو واقف أمام الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية للمنزل، يطالع الظلام بشرود.
"حمزة."
خرج صوتها أخيرًا، وجاء رده جامدًا.
"مطلعتيش الأوضة ليه؟"
"مين صفا دي؟ أنا سمعت أستاذ فؤاد ونادية..."
وقبل أن تكمل باقي عبارتها، صدها بجمود.
"مش وقت أسئلة يا ياقوت. اطلعي نامي وأنا هحصلك."
اقتربت منه بخطوات مترددة، رغم جفاءه معها منذ لقائه بتلك السيدة. وبالأصح، كلما وطأت قدميها هنا تشعر وكأنها لا شيء بحياته، وكأن حنانه وشوقه لا يكون إلا في شقتهم وعلى فراشهم.
"طيب، أنت مش هتنام؟"
"مش دلوقتي."
جاءها رده مقتضبًا، لتقف تطالع جسده الصلب، وانصرفت راغبة بالبكاء.
تنهد بثقل بعدما سمع صوت إغلاق الباب، وعاد يلتف بجسده نادمًا على فظاظته معها التي قصدها هارباً من سؤالها الذي ترغب بإجابته.
انتبه على رنين هاتفه، ليجد رقم شقيقته.
"أيوه يا نادية."
لم تقو عن الصمت، رغم تحذير فؤاد لها أن تنتظر إلى أن يأتي هو إليهم.
"كانت عايشة في مزرعة فرات النويري."
استغرب من معرفتها بفرات وعملها لديه. لتبعث عبر الهاتف حقيقة أخرى.
"فرات النويري اتجوزها عشان ينتقم من عدنان الأنصاري."
***
دلف للغرفة بعد أوقات قضاها بمفرده بغرفة مكتبه، منفردًا بنفسه.
قدومه وهي ضعيفة مهزومة، آثار داخله شيئًا لا يعرفه، عكس ما أتت إليه يومًا وهي صفا الجميلة الراقية.
طالع ياقوت الغافية في منتصف الفراش بملابس بيتيه مريحة، يبدو أن ندي أعارتها إياها.
فتحت عينيها بتشويش بعدما أضاء نور الغرفة، لتنظر إليه بعدما مسحت عينيها من أثر النعاس.
"فضلت مستنياك، اتأخرت ليه؟"
"كان عندي شوية شغل بخلصه في المكتب."
التقط ملابسه من الخزانة ليبدل ثيابه تحت نظراتها. فركت يداها متعجبة من اقتضاب كلماته التي تؤلمها.
"مالك يا حمزة؟"
ولكي تجعل الحديث يأتي نحو تلك المرأة المسماة بـ صفا، رغم أنها رأتها من قبل، إلا أن الظلام وهيئتها الهزيلة أخفت ملامحها.
"من ساعة ما قابلت قريبتكم في الجنينة وانت متغير. هي قالتلك حاجة ضايقتك؟"
وضمن كلامها، علم أن نادية بالتأكيد هي من أخبرتها أنها قريبة لهم.
"ياقوت، أنا تعبان وعايز أنام، ممكن نتكلم بعدين."
صمتت بخيبة، وعيناها تتابعه إلى أن استلقى جانبها وصورة صفا بتلك الهيئة وما أخبرته به نادية يقتحم عقله. شعر بها وهي تلتف بجسدها، ولكنه ظل بأفكاره.
دموعها انسابت وهي تشعر بقلة حيلتها. تكره شخصيتها تلك، ولكنها تربت وعاشت مهزومة خاضعة.
وفي وسط أفكارها، شعرت بيديه على جسدها وقرب أنفاسه منها.
***
جلس فرات فوق فراشه ينتظر اتصالاً من أحد رجاله يخبره عن مكانها بعدما خصص رجالاً للبحث عليها.
عبارة عنتر ما زالت صداها في عقله وهو يخبره عن حملها ويصفها بالعاهرة، وأن فعلتها بالتأكيد مع أحد العاملين بالمزرعة.
ارتفعت صوت أنفاسه ومع اهتزاز ساقيه. فبعد هذه السنوات، سيصبح لديه طفل ناتج عن زيجة جاءت من أجل الانتقام.
أضاء هاتفه مع نغمته، ليتساءل بقلق.
"لقوها؟"
وكانت الإجابة كالخيبة بالنسبة له. فلم يصلوا لمكانها حتى الآن.
وها هو الصباح يشرق في الأرجاء.
***
طالع شقيقته وهي جالسة أمامه صامتة بعدما قصت عليه كل ما عرفته منها. ناهية حوارها أنها لأول مرة تشعر بالعطف عليها، وخاصة وهي تعرف حقيقة لم يعرفها هو، أنها ليست ابنة عدنان، وأنه قتل والدها كما دمر حياتها وجعلها لعبة في يديه يشكلها كما يشاء.
وعندما لمحت صفا تدلف صوبهم مطأطأة الرأس بفستان واسع وحجاب، تعجب من ارتدائها إليه، وقد عادت بعض الدماء لوجهه.
انهضت نادية تنظر نحوها ثم إليه.
"هسيبكم تتكلموا مع بعض."
وخرجت وهي تتمنى أن تنتهي تلك الحكاية بعدما يسمع منها حمزة سبب لجوئها إليه بعد أن تزوجت.
دققت النظر إليها للحظات وهي واقفة أمامه منكسرة ضائعة.
زفر أنفاسه مرات متتالية، ثم اعتدل في جلسته مشارًا لأحد المقاعد.
"تعالي يا صفا. مظنش هنتكلم وانتي واقفة."
قاطعته بطرف عينيها، ثم تحركت نحو المقعد جالسة عليه، تضم ساقيها وتقبض بيديها على فستانها، ولا يعلم إلا تفسيرًا واحدًا لتلك الحركة: "الخوف".
عطف عليها، فما يمتلكه الآن نحوها ليس إلا عطفًا واشفاقًا.
"احكيلي كل حاجة عشان أعرف أساعدك إزاي. وأتمنى المرة دي مكنش بوقع نفسي في فخ جديد معاكي."
ألمتها عبارته، فتحجرت عيناها نحو نظراته، تبتلع غصتها.
"متخافش يا حمزة."
وأتبعت عبارتها بحقيقة تصف بها حالها.
"محدش بيخاف من حد."
لم ينطق بكلمة أخرى بعد أن سمع ردها. تركها تسترد أنفاسها قبل أن تبدأ بقص كل شيء، بداية من صراخه بها بشركته وطردها من حياته، لزوجة عزيز التي ظنتها تدور حول زوجها كما ظن هو عندما رآها تخرج من السجن وعزيز ينتظرها، إلى عملها بالمزرعة تجمع المحاصيل وتنظف الحظائر، إلى سفرها الكويت مع فرات وجبروته، ثم إلى أصعب ما وصلت إليه، اغتصابها.
ولحظة وصولها لتلك النقطة، رفعت ذراعيها تضم جسدها بخوف.
شعر بالذنب لأن غضبه وكرهه منها جعله ينبذها، ناسيًا أنه يتركها في حياة شخص كعزيز. وشعورها بالذنب ازداد عندما أخبره مروان صديقه بعد زواجه من ياقوت أنها تزوجت من عماد شريك والدها من أجله هو، حتى يخرجه من تلك الورطة كما وعدها عماد. لم يرد قديمًا أن يخبره ذلك اللقاء الذي دار بينهما حينها، قبض عليها شامتاً بها أنها وصلت لتلك النقطة بعد خيانتها لصديق عمره.
حقيقة لو عرفها قديمًا كان سيُسامحها، لأنه وللأسف لم يحزن لما أصابه، إنما خيبته كانت وهو يراها زوجة لآخر بعد أن دمرت حياته.
صفا كانت حلم حياته، مع كل نجاح كان يصعده كان ينظر لصورة يرتدون فيها دبلتين بالخفاء، إلى أن تسمح الفرصة وتصير له علنًا. كل شيء عنها أزاله عندما تزوج ياقوت. لم يكن مخلصًا كفاية لسوسن مهما كذب على عقله، فلم ينساها لسنين طويلة، وكأن الحب لعنة حقيقية تجعلك كالعمى.
خرج صوتها مهزوزًا يفيقه من أفكاره.
"احميني منه. مش عايزة أرجع تاني ليه. ومحدش هيشوفني تاني. هبعد عنكم مش هضايقكم تاني. كل واحد حد انتقامه مني خلاص."
ونهضت من فوق مقعدها متجهة إليه، تلتقط كفيه حتى تقبله.
"أرجوك يا حمزة ساعدني."
"فرات مش هيسبني."
تفاجأ من فعلتها ليبعدها عنه، ناهضًا من فوق مقعده يدير ظهره لها بعد أن اهتز جسده من أثر فعلتها.
"وليه هربتي منه دلوقتي يا صفا؟"
"كنت عايزة أسيبك في حالك. مكنتش عايزة أشوفك غير سعيد. وجودي في حياتك كان بيعيد الماضي من جديد. أنا عارفة إن حكايتنا انتهت."
"فعلاً يا صفا، حكايتنا انتهت من زمان."
وألتف نحوها يطالعها بعينين جامدتين.
"أنا بساعدك كعطف مني مش أكتر."
طرقت عيناها تخبر قلبها أن لا ينتظر أن يسمع شيئًا آخر منه.
***
نظرت إليه نادية بعدما صعدت صفا لأعلى حيث غرفتها الحالية كضيفة ببيتها.
"أنت علاقتك كويسة مع فرات النويري. بلاش تخش في متاهات بسببها. اديها فلوس وتسيبها تروح لحالها."
ضاقت عيناه وهو يستمع إليها.
"وعدتها أساعدها يا نادية. وأنا عند وعدي."
وأردف وهو ينحني يلتقط هاتفه من فوق المنضدة المستديرة.
"لو مش حابة وجودها ممكن أوديها الفيلا."
"وياقوت يا حمزة؟"
تصلب جسده، ففي الصباح كانت عيناها تطلب منه تفسيرًا لهوية تلك المرأة ومجيئها إليه.
"ياريت تفضل إجابتك ليها زي ما هي."
وانصرف من أمامها مغادرًا، يفكر بلقائه مع فرات.
***
أنهت عملها في المركز لتتجه نحو منزل نادية حتى تفهم منها كل شيء وما سمعته من حديث. لم تنتبه لكل الحديث الذي دار بين فؤاد ونادية، إلا أن بعض الكلمات علقت بأذنها.
فما هو الماضي الذي ربط زوجها مع تلك المرأة؟
استقبلتها نادية التي كانت ستخرج من المنزل للتو للقاء إحدى صديقاتها. اعتذرت بلباقة.
"أسفة جيت ليكي من غير معاد."
ابتسمت نادية بلطف، ورغم أنها أحيانًا تكون معها كحماة، إلا أنها تتعامل معها بود.
"تعالي يا ياقوت، لسا معايا وقت."
وتنفست بذكاء وهي تدلف لغرفة الجلوس وياقوت خلفها.
"أكيد جايه تسألي نفس سؤال امبارح."
ارتبكت ياقوت من نظرات نادية بعدما جلسوا. فأبتسمت نادية.
"أي زوجة مكانك أكيد هيكون عندها فضول زيك."
توترت ياقوت من نظراتها المسلطة نحوها.
"هو إيه الماضي اللي بيجمع حمزة مع الست دي؟"
ثبتت نادية عينيها عليها، ثم عادت تبتسم.
"قولتلك إنها واحدة تقرب لينا من بعيد. وعشان أريحك، كانت بتحب جوزك."
"بتحب حمزة؟"
قالتها بصدمة، لتهتف نادية بدهاء.
"مالك مصدومة كده؟ طبيعي أي راجل ليه ماضي."
تساءلت وهي تخشى الإجابة. حمزة لم يخبرها يومًا صراحة أنه يحبها. حتى أنها لا تشعر أنه ملكها إلا عندما يكونوا سويًا. لا مساحة بينهم كما كانت تسمع من هناء صديقتها أن الأزواج المحبين لا بد أن يكون بينهم دعابات ومرح ودلال وجنون وشغف. صحيح أن الشغف بينهم، حتى أنها مجرد أن يلمسها تنسى كل شيء وتسلمه حالها بقلب راغب. عاشقة.
ولا تُنكر أنها عشقته بجنون، وكأن لمساته بها سحر قوي.
"ياقوت، أنا بقولك هي كانت بتحبه. مقولتش إن حمزة كان بيبادلها نفس الشعور."
تساءلت بضياع.
"طب ليه جات ليه؟ وليه مرضاش يحكيلي؟ اشمعنا هو اللي جاتله؟"
ضحكت نادية وهي ترمقها.
"معندهاش حد غيرنا."
واسترسلت حديثها ببطء.
"صفا متجوزة بس فيه مشاكل كبيرة بينها وبين جوزها. وجات لينا تطلب مساعدتنا. البنت مسكينة."
وأخذت تقص لها عن بعض المعاناة التي حصلت عليها صفا من زوجها، لتنظر بصدمة مما فعلته بها أيضًا شقيقته وطردها لها.
"لدرجة دي فيه ناس وحشة كده؟"
تعاطفت معها حقيقة، حتى أنها نسيت أن المرأة التي يساعدها زوجها كانت تحبه ومن الممكن أنها ما زالت مغرمة به.
تعمقت نادية بالنظر إليها واقتربت منها.
"أتمنى قريب أسمع إنك حامل. الطفل هيقرب بينك وبين حمزة أكتر وكل الحواجز هتتلاشي."
***
نظرت إليه هناء بقلق وهي تسمع اسمها. كلما عاد للمنزل تخشى أن تكون نغم أخبرته بعملها في فندقهم. تنهدت عندما أنهى مكالمته واقترب منها يلتقط بعض شرائح الخيار التي تقطعها حتى يتناولوا عشائهم.
"عاملة إيه في شغلك؟"
ارتبكت من سؤاله وخشت أن يكون تمهيدًا لما تخشى معرفته.
فأكثر أسبابها خشية أن يعلم أن عصيانها قادها إلى العمل في فندق ليس إلا، رغم أن العمل ليس عيبًا، ولكن كيف سيتقبلها عقلاً زوجها يدير إحدى أفرع الشركات الكبرى، وما هي إلا موظفة عادية؟ أقسمت أنها ستواصل البحث عن عمل كما أصبحت تفعل منذ أن رأتها نغم.
شعرت بيده على خصلات شعرها يهمس وهو قريب منها للغاية.
"رحتي في إيه يا هناء؟"
رفعت عينيها بتوتر عندما رأت قربهم، فأبتعدت عنه.
"مسرحتش في حاجة. كنت بسأل عن إيه؟"
ابتسم وهو يراها مشتتة، ناعمة تهلك قلبه حسرة لأنه السبب في تمرده.
"بأسألك عاملة إيه في شغلك."
"أنا هسيب الشغل ده وهدور على مكان تاني."
ضاقت عيناه وهو يسألها عن السبب.
"حد ضايقك في حاجة؟ أنا من الأول قولت مافيش شغل، انتي اللي حبيتي تتمردي عليا."
احتقن وجهها عندما شعرت أن صوته بدأ يعلو عليها.
"مراد، لاحظ أن تقي بره."
تنهد بمقت ينظر إليه وهي تعود لتقليب الطعام.
"هسيب الشغل عشان مش مبسوطة فيه. هدور على شغل تاني."
"وأنا مش عايزك تشتغل ياهناء."
سئمت من جداله معها نحو العمل دوماً.
"مراد، متنساش اتفاقنا."
أصبح تذكيرها له بذلك الأمر الذي لم يعد يتقبله، بمقته.
"مافيش اتفاق. انتي مراتي ياهناء وهتفضلي مراتي، وأنا صابر عليكي عشان أنا الغلط كان مني أنا."
وابتعد عنها حتى يغادر المطبخ، ولكنه توقف عائدًا إليها.
"اعملي حسابك هتيجي تشتغلي معايا. مدام شايفة إن الموضوع تمرد يا زوجتي العزيزة."
***
وضعت أطباق الطعام وجهزت المائدة بالأكلة التي تعلم أنه يحبها. اقترب منها بعض أن أنهى استحمامه، ينظر للطعام الذي تحرص على صنعه بيديها كأي زوجة تعرف مهامها، رغم أنها ليست مرغمة على فعل ذلك، فلديها من يجلب أكثر من خادمة، بل ومنزل كبير وليس شقة، رغم أنها شقة في أرقى المناطق، ولكنها لا تهتم كما ظن مروان صديقه أن مثال ياقوت يريدون الشبع بسبب حرمانهم من متع الحياة وحياتهم الصعبة.
ولكن كل يوم يرى أنه أجاد الاختيار، امرأة تحمل اسمه ثم أولاده. وكم يشتاق أن ينجب منها ويكمل حياته للنهاية معها، ولكنه لا يستطيع أن يبرهن مشاعره لها إلا في أوقاتهم الخاصة، وبعض العدل الذي يمنحه لها من حقوقها.
"تسلم إيدك."
حاوط خصرها بعدما نظر للطعام وتأمل هيئتها الجميلة.
فرفعت يدها نحو شعره الرطب، تداعبه بجرأة بدأت تكتسبها من حوارات زميلاتها في المركز، فحياتها كانت تقتصر على هناء ومن بعدها سماح، وكلتاهما كانت تختلف شخصياتهم.
"شكلك مرهق."
ابتسم وهو يلتقط يدها يقبل أناملها.
"جداً يا ياقوت."
ثم همس بأذنها فتخضبت وجنتاها خجلًا.
"حمزة."
ضحك وقد نسي أمر صفا كليًا، كما نسيت هي الحكاية. وجلس وأجلسها جانبه راغبًا تعويضها بما شتته اليومان اللذان مضيا.
تناولوا الطعام وأخذ يُطعمها ينظر إلى ابتسامتها الهادئة.
انتهت تلك اللحظة الجميلة وساعدها في حمل الأطباق للمطبخ، لتشرع في غسل الأطباق وهو يقف يبحث عن إناء لإعداد الشاي.
"بتدور على إيه؟"
التقطت عيناه ما يبحث عنه رافعًا لها ما التقطه.
"هعمل شاي لينا. بقالي كتير مقعدتش معاكي أسألك عن شغلك في المركز."
خفق قلبها وهي تحمل الطبق وتنظر إليه وهو يشعل النار.
"غير عايزين نخطط لزيارة لأهلك والهدايا اللي هنجبها ليهم، وخصوصًا ياسمين عشان جوازه."
لم تشعر بحالها إلا وهي تحاوط خصره بيديها الغارقة بسائل الصابون، ليضحك وهو يرى الصابون يتقطر من يديها.
"مكنتش أعرف إنك هتبسطي كده."
"أنا مبسوطة أوي."
وشعر بظلمه لها، فأبسط حقوقها لا يهتم بها معها، ناسيًا أن لها أهل تود أن تمنحه مما تعيش فيه وتساعدهم.
"أنا بقول نقفل على الشاي وبلاش تغسلي الأطباق ونتكلم في حاجة أهم."
أزالت يداها عنه مبتعدة بعدما فهمت مغزى كلماته، لتعود لجلي الأطباق كالطفلة الخجولة.
كاد أن يُكمل مزاحه إلا أن رنين جرس المنزل جعله يذهب ليعلم هوية الطارق، ليفتح الباب.
"مريم."
***
جالسة تقلب طعامها ببطء شارده في آخر حوار بينهم. تلك الليلة التي استمع لمكالمتها وهي تخبر من تهاتفها بنيتها للهروب منه وبطفلها.
أقسم أن فعلت ذلك سيجعلها ترى وجهه الحقيقي، مخبرًا لها بصفاقة: "إذا أردتي الرحيل، ارحلي دون طفلي سماح. ستنجبين ذلك الطفل."
كانت عين جين تتابعها بخبث، فهي استمعت لصراخه بها، شاعرة بالنشوة وهي لا ترى أي حب بينهم، وأنه لم يفعل ذلك إلا هربًا منها ومن أجل شقيقه اللعين الذي أحبها.
سلطت نظراتها نحو نور الدين وهي تتمنى الخلاص منه ومن سماح حتى يصبح سهيل لها.
صدح رنين هاتف المنزل، لتجيب الخادمة على المتصل وأتت سريعًا نحوهم تخبر نور الدين.
"سيدي، سيد سهيل أُصيب وهو بالمشفى."
انسقطت المعلقة من يد سماح، ولا تعلم لماذا شعرت بالخوف عليه. لتتجمد ملامح جين تخشى أن تُفضح مشاعرها.
***
دلف للمطبخ يطالعها وهي تعد بعض السندوتشات لمريم وأكواب العصير والفشار الذي طلبته أيضًا. انقطع سحر اللحظة وأتت مريم تشاركهم اليوم في المبيت لديهم.
ضمه نحوه متسائلًا.
"تحبي أساعدك في حاجة؟"
ابتسمت وهي تنهي ملء آخر سندوتش.
"اقفل النار على الفشار."
فعل ما طلبته. أفرغ حبات الفشار في الطبق، ومن دون قصد منه طرف عينها اليمنى لتتأوه بألم.
"وريني عينك كده."
انحنى ينفخ في عينها لعلها تستطيع فتحها.
"بقيت أحسن."
أومأت برأسها نافية، ليعيد فعلته إلى أن استطاعت فتح عينها.
كان فضول مريم وغيرتها يقتلها لتأخيرهم. تحركت ببطء حتى وقفت متلصصة على أعتاب المطبخ، تُداري جسدها وعيناها مثبتة عليهما.
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سهام صادق
دلفت خلفه تتباطأ بغرور وثقه واهيه.
عيناها كانت تترصد المكان هنا وهناك.
وقفت كما وقف هو ليصافح أحدهم، ويبدو أنه ذو وضع بالشركة، ومن ضمن حديثهم علمت أنه محامي الشركة.
طالعت المكان بتأفف، فلم تكن ترغب بعملها معه، إلا أن نظرات نغم نحوها أصبحت تجعلها تشعر وكأنها مذلولة لستر عملها لديهم.
شردت بأمس حينا قدمت استقالتها، ونفعها سفر خالد خارج البلاد، فلو كان هنا لكان رفض.
لا تعلم سبب واضح لاهتمام خالد بها، ولم تنظر للأمر إلا أنه رجل خلوق يُعاملها كشقيقه، فهو زوج لامرأة بها كل شيء وأب لطفل جميل.
انتهى الحديث بينهم، ولم تشعر بتحركه أمامها، الي أن وقف أمام المصعد لينتبه على وقفتها وتحديقها في إحدى الموظفات التي كانت تقف أمام موظفة الاستقبال، ويبدو أنها تسألها عن أمر ما.
انتبهت الفتاة إليها لتتسع عيناها غير مُصدقة بها هاتفة بأسمها:
- هناء مش معقول.
ولم يتركا لحظة أخوي للحديث ليتعانقوا بشوق.
لم تكن صداقة قوية بينهم، إلا أن الذكريات التي جمعتهم بالجامعة كانت قوية، جعلت كل منهما يحمل ذكرى جميلة للآخر.
- يااا ياهناء على الزمن نتقابل أخيراً، وفي إسكندريه.. انتي عاملة إيه طمنيني عنك.
وانتبهت للدبلة التي تُزين إصبعها لتبتسم:
- اتجوزتي؟
- اتجوزت من شهور وجيت أعيش هنا.. وانتي مش كنتي في السعودية مع جوزك؟
تلاشت ابتسامة جيهان وهي تتذكر طلاقها، ارتسم الحزن على محياها تتلاشى ذكرى طلاقها:
- أطلقت من سنة وجيت أعيش عند خالي.
- ده انتوا واخدين بعض عن حب.. راح فين الحب اللي بينكم؟
- الحب طلع مجرد كلمة ياهناء.
لمسة الحزن في صوتها لتشعر بوجعها متذكرة حكايتها مع مراد، والتي حصدت من حبه الألم وحده.
أردت أن تواسيها ببعض الكلمات، ولكن شهقتها المفزوعة وهي تنظر لساعة يدها وبدء دوامها:
- الكلام أخدنا ونسيت أسألك بتعملي إيه هنا؟
- المفروض هعرف النهارده هشتغل إيه.
تعجبت جيهان من عبارتها، ولكن لم يعد لديها وقت لتستفسر عن الأمر:
- خلاص نتقابل في البريك.
وأسرت في الانصراف نحو وجهتها.
ظلت نظراتها مصوبة نحوها، فاتسعت عيناها وهي تدرك أنها كانت تتبع مراد، ولكن أين هو؟
ظلت تلتف يميناً ويساراً تبحث عنه.
............................
فتحت غرفة مكتبه بضيق لا تعرف سببه، فبعد أن كانت سعيدة برؤيتها لصديقتها، ولكن رؤيتها لسكرتيرته التي تجلس بالخارج وتتزين جعل الدماء تفور داخلها.
انتبه نحو قدومها، فرفع عيناه عن الأوراق يرمقها:
- مالك.. ما كنتيش كويسة مع صاحبتك؟
تأففت حانقة لمرة واثنتين، ليصوب عيناه نحوها هاتفاً:
- هناء.
- اه جيت معاك الشركة هتشغلني إيه؟
تعجب من تغير مزاجها السريع الذي بدأ يكتشفه معه.
انهض من فوق مقعده مقترباً منها بهدوء يرمقها بتلاعب:
- عايزة تشتغلي إيه ياهناء؟
قطبت حاجبيها من سؤاله الذي لم يروق لها:
- إيه المتوفر عندك؟
راقته عبارتها فضحك مستمتعاً جالساً قبالتها:
- للأسف مافيش حاجة متوفرة حالياً ياهناء.
- نعمة.
انهضت بغضب وهي تهتف بالكلمة، فهتف بحزم:
- اقعدي ياهناء.
دارت عيناه عليها وهي تعود لمكان جلوسها تتحاشى النظر نحوه، تدور بعينيها هنا وهناك.
كان يعلم أنها تخشى الضعف.
عقلها كان ينهرها عن حماقة قلبها بالخفقان له مجدداً.
تهتف داخلها أن تظل صامدة، أن لا تنسى زواجه من قبلها وجرحه لها بقسوة وكأنها دون قلب.
شرودها لم يجعلها تنتبه لقربه منها، فقد تحرك من فوق المقعد وجلس على المنضدة التي تقع بالمنتصف، يُلامس بأطراف أنامله وجهها برقة.
بدأ عقلها يقدم إنذاره، ولكن قلبها جعلها كالمغيبة.
- هتشتغلي معايا ياهناء.
- هشتغل إيه معاك؟
قالتها بهدوء استعجبه وليس كطبيعتها معه منذ أن تمردت:
- السكرتيرة هتفهمك كل حاجة.
لم يعد إلا أنفاسهم التي تفصلهم.
أراد أن يرضي غروره كرجل ويعلم هل ما زالت تحبه أم كما ينطق لسانها.
اختلطت أنفاسهم لتُحدق نحوه، فنظرت للمسافة المنعدمة بينهم، فأنتفض جسدها مع شهقة خرجت من بين شفتيها جعلته يمد يده يجذبها نحوه مستمتعاً بما أراد الحصول عليه.
.................................
ضمها إليه بشوق ساحق بعدما غمرها بقبلاته المشتاقة.
- ما كنتيش بتردي على اتصالاتي ليه.. أعاقبك دلوقتي ياندي.
بين ذراعيه، فأبعدها عنه ظناً أنها تبكي من شوقها إليه:
- بتعيطي ليه وأنا معاكي ياحبيبتي؟
عادت لتدفن وجهها في صدره تُخبره بضعف وألم اقتحم روحها:
- متسبنيش ياشهاب... مقدرش أعيش من غيرك.
لتتجمد ملامحه بصلابة ناطقاً بقلق وهو يرفع وجهها نحوه:
- فيكي إيه ياندي.. انهيارك دلوقتي وعدم ردك على اتصالاتي في ورا حاجة؟
شحب وجهها وهي تنظر إليه لا تعرف بما تخبره.
هل تخبره الحقيقة ليدعمها أم تترك له الفرصة ليتركها ويتزوج عليها؟
.................................
اقتربت ماجدة من شقيقته تنظر لبطنها التي لم تظهر بعد متحسرة على حالها.
فمها أصبحت حامل وتزوجت بعدها وهي لم تصبح بعد، والعمر يجري ولم يتبقى إلا القليل من السنوات.
- جوزك عامل إيه معاكي يامها... محسستيش إنه زهق منك؟
تعجبت مها من حديث شقيقتها.
لا تعلم لما ماجدة أصبحت هكذا.
وفي ساعة صفو بينها وبين شريف سألته لما أصبحت شقيقتها بعيدة عنها بقلبها.
الإجابة لم تكن إلا أنها تعيش مع رجل مثل سالم، فماذا ستنتظر بعد منها.
كانت ماجدة غارقة في تعامل سالم معها.
أصبح يضربها بكثرة، يسرق مالها، يُعايرها بكبر سنها وأنها لم تعد تصلح.
تعلق عين ماجدة بالخلخال الذي تريده حول كاحلها:
- حلو الخلخال ده.. بس لازمته إيه؟
تخضبت وجه مها بحمرة الخجل تتذكر تلك الليلة التي أهداها إياه.
نسي فعلتها مع شقيقتها واعطائها العقد دون أن تُخبرها، بل وجاء لها بهدية أخرى متجاوزاً الأمر، قارصً وجنتيها يُخبرها: "أن لا تفعل شئ من دون علمه ثانية".
- شريف جابهولي هدية.
اشتعلت الضغينة قلب ماجدة دون شعور، ف سالم أصبح يُلقي صراحة أمامها عن جمالها وحظ شريف بها، وكلام وقح لا ترغب في تذكره كلما عاد يطرب أذنها.
- ماجدة انتي فيكي حاجة؟
رمقته ماجدة بصمت، لتُحرك مها يدها باحثة عنها ناسيه كل ما مروا به:
- أنا اتفقت مع شريف أني لو جبت بنت هسميها فيروز عشان انتي بتحبي الاسم ده أوي.
جمر اشتعل في قلب ماجدة وهي تتذكر حبها لذلك الاسم وكم تمنت أن يرزقها الله بفتاة لتسميها به.
.................................
جلست ياقوت تحيك إحدى القطع الصوفية وعيناها تلمع كلما اقتربت من الانتهاء منها.
أرادت أن تهديها لهند بعدما رأت عليها شال صوفي تلفه حول عنقها وقد أعجبها.
طبقت باحترافية صنعها، فقد ساعدتها الدورة التي اتخذتها منذ شهر للتطوير لتصبح ماهرة.
انتبهت لرنين هاتفها، فنظرت لرقمه الذي يُضاء على شاشة هاتفه متذكرة ما حدث بالصباح بوجه متورد تتدفق السخونة فيه.
- تعرفي إنك وحشتيني.
ينطق عبارته دون قيود ودون النظر نحو نفسه كل يوم بالمرآة يخبر حاله أنه حمزة الزهدي ولا يعلق به أفعال المراهقين.
فالمراهقين وحدهم هم من يعبرون عن مشاعرهم بسهولة.
قاعدة كان يُخبرها لنفسه، وها هو اليوم تحرر منها.
كان يسير في غرفة مكتبه يزيل رابطة عنقه، يسمع صوت أنفاسها المضطربة:
- ياقوت روحتِ فين؟
توترت وهي لا تعرف كيف تبادله المشاعر، ولكن نصائح هناء ترددت بأذنيها: "اتحري من خجلك ياياقوت عبري عن مشاعرك.. شخصية حمزة الزهدي عايز الست اللي تبادر بجذبه مش العكس".
- وانت كمان.
- وأنا إيه يا ياقوت؟
صمتت ليهتف بتلاعب:
- هو أنا لازم أستنى كتير بعد كل تصريح منك؟
- وحشتيني.
خفق قلبه ليبتسم متذكراً شغفهم معاً بالصباح وذهابها للعمل متأخراً ليس راغباً:
- بتعملي إيه؟
مشاعر متدفقة اليوم تغرقها به واهتمام يقف قلبها بسببه راقصاً:
- بشغل على إيدي كوفيه لهند هدية.
ابتسم على ما تقدمه لغيرها على سبيل جهدها ولعلمه لحبها لذلك، لكان وبخها على جهد عينيها التي هي سبيل ضعفها.
آه مشتعلة صدحت بقلبه.
ضعفها ونقائها يُضعفه:
- هنتعشا بره.. متعبيش نفسك النهارده.
أسرعت تسأله وهي لا تقصد، ولكنه ترغب بوجودها معه وحدهما:
- لوحدنا؟
ضحك على عبارتها وهو يعلم أنه من حقها.
فطيلة اليومين اللذان قضتهما معهم مريم وهي لا تلقى منه سوى اهتمام حذر.
تخدم مريم وتتقبل دلعها من أجله:
- لوحدنا ياياقوت.. هقفل عشان أكمل شغلك.
كانت بحاجة لدعوة مثل تلك منه، دعوة عشاء من زوجها دون أن ترافقهم مريم ورؤية حدقها عليها وكرهها منه.
مسح على وجهه المرهق وهو يشعر براحة الضمير.
فملاحظته لسوء معاملة مريم لها بدأ يراها.
انتبه على طرقات غرفة مكتبه ودلوف سكرتيره:
- فرات النويري منتظر مقابلة حضرتك يافندم.
لم يكن ينهي سكرتيره عبارته ليجد فرات أمامه وجهاً لوجه.
يتبع بأذن الله
********
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سهام صادق
وايه اللي هيجيبها عندي؟
قالها بثبات يسبر فيه أغوار قلبه. لم يرى لهفة بقدر ما رأى تملك.
وحق دقنه ينظر إليه قاطبًا حاجبيه.
بس انت تعرف صفا منين؟ مفتكرش بينكم قرابة.
حمزة بلاش مراوغة معايا. أنا عارف ومتأكد إنها عندك.
زمجر بخشونة وقبض على يده وهو يرى لجوءها إليه تفسيراً واحداً، فقد لجأت لحبيبها السابق.
صفا في حمايتي دلوقتي يا فرات. ورجعوها ليك بموافقتها.
اشتعل الغضب بداخله وهو يسمع عبارته. احتدت عيناه بظلمة مخيفة يطرق بعكازه المستند عليه وهو يرى فعلته خيانة وطعنة لرجولته. ارتسم التهكم على محياه وتمتم ساخرًا.
المدام تحت حماية حبيبها القديم. هترجعوا اللي فات ولا إيه؟
لم يتفوه حمزة بكلمة وتركه يخرج كل ما بجعبته. فصفا لا تعد تمثل له شيئًا إلا امرأة يتعاطف معها. هناك أخرى قلبه أصبح معها.
ما ترد يا حمزة بيه، يلي بسببها اطردت من وظيفتك في الداخلية؟
ألتزم حدودك.
ضاقت أنفاسه وهو يذكره بصفعة الماضي.
فين صفا يا حمزة؟ مش هسألك تاني. أنا جيتلك عشان عارف مين حمزة الزهدي كويس.
وأنا عشان عارف مين فرات النويري كويس. مش هسلمها ليك إلا لما أحس إنك فعلاً بتدور على مراتك. مش جاي تاخدها لجحيمك.
فاض فرات آخر ذرة من صبره واقترب منه يرفع أصبعه بوعيد.
بلاش تخليني أقولك مراتي قدام مراتك. بلاش نلعب مع بعض بطريقة مش لطيفة.
انت اتجننت؟ طب أعملها كده وشوف أنا هعمل إيه. مراتي خط أحمر. أظاهر إن الغضب عاميك.
هدأت نظراتهم المتواعدة مع صدوح رنين الهاتف. التقط حمزة هاتفه محدقاً برقم شقيقته فأجاب وهو يتلاشى النظر إلى فرات الذي تحرك ليس على أحد المقاعد، فهو يعلم طبيعة حمزة في المراوغة.
بتقولي إيه يا نادية؟ مستشفى إيه؟
فارتجف قلب فرات ونهض فزعاً لا يعرف هل هو من أجلها أم من أجل طفله الذي ينمو في أحشائها.
***
انتقت أجمل ثوب لديها وعيناها تلمع بالسعادة. ليست أول مرة تخرج معه، لكن خروجاتهم دوماً إما لدي منزله الآخر أو مريم معهم. اليوم أرادت أن تصبح جميلة رغم بساطة ملامحها.
أنهت استحمامها وجمعت وصنعت لبشرتها بعض مسكات التفتيح والنضارة وهي تنظر للوقت من حين لآخر.
تأملت سعادتها في المرآة ضاحكة على طفولتها، مجرد عشاء بالخارج فعل بها هذا.
انتي مالك مبسوطة كده زي الأطفال الصغيرة يا ياقوت؟
والحقيقة سعادتها كانت أن قلبها عاد إليه ثقته بأنه يحبها وأن تقصيره ما هي إلا مسؤوليات يحملها على عاتقه. تعلمها من قبل أن تتزوجه وهي دوماً تتحمل ولا بأس أن تتحمل قليلاً.
واضعة ضمن هذا عبارة عمتها: "الرجال يلينون مع العشرة وفهم معدن المرأة في صبرها معه".
***
ركض فرات نحو الطبيب يسأله عن حالها والطفل. تعجب حمزة من إخفائها لذلك الأمر. فأقتربت منه نادية تنظر نحو فرات.
شكله قلقان عليها أوي. مش شايفه كره منه اتجاهها.
قالت لك إنها حامل؟
طالعته متعجبة من سؤاله.
شكلها مكنتش عارفة. كانت مفزوعة من منظر الدم.
وأردفت وهي تلتقط أنفاسها وتتذكر قلقها وفزعها نحوها.
بس الحمد لله الطفل بخير وقدروا يلحقوها.
تعمق حمزة بالنظر صوب فرات ليجد الدماء تعود لوجهه ثانية. ثم جلس على أحد المقاعد يمد ساقيه أمامه ويلتقط أنفاسه.
***
منذ إصابته وهي تجلس معه بشقته الخاصة ترعاه وتهتم به.
نحنت نحوه تضع صينية الطعام أمامه ناظرة إليه وهو يعبث بهاتفه.
تناول طعامك حتى أعطيك الدواء.
رمقه سهيل دون كلمة ليشرع في تناول طعامه ثم عاد للنظر إليها.
شكراً سماح.
أماءت برأسها تشعر بالوهن، ولكنها تلاشت إرهاقها.
أريد الحديث معك.
كان يعلم ما تصبو إليه، ولكن قرر أن يسمعها للمرة الثانية.
تفضلي سماح. ولكن لو أردتي الحديث عن موضوع الطفل، فطلبك مرفوض. لن أعطي لكِ طفلي.
لماذا يا سهيل؟ زواجنا كان لعبة حمقاء أنت وضعتها. أليس يسعدك أن أغادر حياتك دون أن أترك بها أثرًا؟
إنه طفلي يا سماح.
صرخ بها وهي يدفع صينية الطعام نحو المنضدة المجاورة لفراشه.
لن أدع طفلي يعيش بعيداً عني مهما كان غايتي من ذلك الزواج. أخبرتك أنني سأدفع لكِ ثمنه.
لم تعد لديها طاقة تتحمل صفاقته، فكل شيء لديه بالمال.
لن أبيع طفلي يا سهيل. ليس كل شيء بالمال. أنت السبب في جلبي هنا وأنت السبب في وجود ذلك الطفل.
الزهو الذي ارتسم على شفتيه جعلها تشعر بالحنق. أهذا وقته أن يزهو برجولته؟
أردت أن تصفعه بأي شيء أمامها، ولكن الدوار الذي داهمها جعلها تترنح تحت عينيه المتحفصة. لينهض بصعوبة على ساقيه الأخرى مقترباً منها بلهفة.
ما بكِ يا سماح؟ استدعى لكِ طبيبًا.
لم يكن هذا سهيل الذي يحادثها، فسهيل الذي تعرفه لا ترى بعينيه قلقاً أو خوفاً، إنما الاستخفاف الذي يعاملها به.
يداه تحسست وجهها وعيناها كانت متعلقة به لتشعر لأول مرة معه أنها تعشق رائحته، وتلك حماقة بحد ذاتها ستجعلها تعيد كرة ماهر ثانية وتترك الرجال يعبث بمشاعرها.
عادت لوعيها بعد أن نثر الماء البارد على وجهها ليعود بعدها إلى طبيعته.
***
الوقت يمر وهي تنتظر. تنظر لهاتفها فتعود للاتصال به لتجد هاتفه يعطيها نفس الرسالة "إنه مغلق".
انطفأت سعادتها. فالعشاء قد ضاع وضاعت معها نبتة أمل أخرى.
انتبهها القلق عليه. فكيف تفكر بالخروج وهي لا تعلم هل هو بخير أم لا؟ لامت قلبها لاستلامه الأوهام.
لتبحث عن رقم ندي حتى تسأل شهاب عنه.
لم تحصل على إجابة من ندي. فشهاب ليس بالبيت ولم يأت حمزة إليهم اليوم.
ولم تجد سبيلًا إلا الاتصال بنادية.
***
اقترب فرات من فراشها بعد أن عادت لمنزل نادية رافضة أن تذهب معه. انتفضت بالهلع الذي ظهر عليها وهي تجده مع بالغرفة بمفردهما. طعن قلبه. فكأنه وحش سيلتهمها.
صفا.
خرج صوته جامداً وهو يحدق بملامحها المذعورة.
هربتي ليه؟
الكلمة لا إجابة لها إلا الخلاص من سجنه وجبروته وجبروت شقيقته وتهديدها لها بالقتل.
أغمضت عيناها وهي تتذكر حديث مهجة لها أن تهرب حتى لا تموت.
هربتي ليه يا صفا؟
أعاد سؤاله منتظراً منها إجابة ولكن لا رد.
هتروحي معايا. مكانك في بيتي.
لأ. لأ.
صدمة صراخها المصحوب بالرفض وارتجاف جسدها.
مش عايزة أروح معاك. أنا مصدقت أخرج من سجنك.
وابني يا صفا؟
لم تفكر بعاقبة كلمتها إلا بعد أن رأت الوعيد بالهلاك في عينيه.
هنزلُه.
غضب امتلكه وأعماه ولكنه يشعر إلا وهو يقترب منها للغاية يقبض على يده أمام وجهها.
لولا وضعك كنت حاسبتك على الكلمة دي.
وقفت نادية ترمقهم بعد أن ابتعد فرات عنها مطالعاً إياها.
شكراً يا مدام نادية على استضافتك ليها في بيتك.
شكر نادية دبلوماسية معتاداً عليها. لتطلب منه دقيقة منفردة تتحدث بها معه عن حالة صفا ولم يكن الحديث إلا تركها حتى تستقر حالتها.
***
وقف مشدوهاً من منظرها وهي جالسة تنظر الأوراق التي تدققها. عقابه لها كان في الشركة وليس في المنزل وعلى فراشه.
انتي بتعملي إيه يا هناء؟ الشغل ده أنا قلت عليه في الشركة مش هنرمقه هناء بوجه مقضتب لتعود لفحص الأوراق.
مديري قلي يكوني عندي بكرة الصبح على مكتبه. ومافيش حل غير كده.
على سريري يا هناء. طيب أنا عايز أنام ممكن.
عادت ترمقه حانقة.
روح نام في أي مكان تاني.
انتي ناسيه؟
قيهزت رأسها بلامبالاة جعلته يقتحم منها ليتناول الأوراق من فوق الفراش بمقت. وعاد يلتقط الأوراق من يدها لتنتفض من رقدته تحلق به.
انت عملت إيه؟ هات الورق يامراد.
وطريقة وحيدة علم كيف يخرسها بها. جعلتها تدفعه بعنف بعد أن نالها ونال قلبها العطش. قبلته. لتركض خارج الغرفة تلعنه وتلعن قلبها مما أصبح راغباً.
***
فتح باب غرفتهما يُحلق بها وهو لا يصدق أنها أخفت عليه ما يحزنها. انتفضت فوق الفراش بعد أن مسحت دموعها.
مالك يا شهاب؟
اقترب منها ببطء يفحصها بنظراته.
بتخبي عليا ياندي. طب ليه.
انهار تماسكها واغمضت عيناها بألم.
قالي إني مشوار علاجي طويل وصعب أخلف.
مافيش حاجة بعيدة عن ربنا.
دمعت عيناها وهي تتذكر كيف فعلت نادية لتتزوج حمزة حتى ينجب فماذا ستفعل معها.
نادية مش هتسيبك تقعد معايا. هتجوزك زي ماجوزت حمزة.
ولأول مرة يرى دموعه. ضمها إليه بقوة شاعراً بها.
عمري ما أعملها. هنقولهم العيب مني يا ندي.
***
وجدها جالسة تحيك قطعة صوفيه. تضع كل اهتمامها بها. لم تنهض كالعادة حين عودته. فعلم أنها غاضبة منها.
اقترب منها يحضر بعض الكلمات في عقله. مخبراً نفسه أن زوجته طيبة القلب وستنسي سريعاً.
ياقوت.
لم تجب على ندائه. ليُكرر الأمر، إلا أنه لم يُلاقي إلا الصمت.
وعندما اقترب أكثر من مكان جلوسها. نهضت تجمع أدواتها متمتمة.
العشا عندك في المطبخ لو جعان.
كادت أن تنصرف إلا أنه لم يسمح لها.
مقموصة مني يعني؟
جاهدت على تحرير نفسها من أثره وعيناها تفيض بالألم الذي يخترق قلبها.
هعوضها لكِ.
مش عايزة منك حاجة.
دفعت بقوة لا تعلم كيف أتت بها لتركض نحو غرفتها باكية. وهو يتبعها يصيح باسمها.
جذبها نحوه معتذراً. يُعلل لها أنه كان ظرفاً مضطراً إليه.
نظرت له بعتاب وألم والأعذار لديها أصبحت تنفذ. ولم تشعر إلا وهو يطاوقها من خصرها. يُبرهن له مع كل قبلة يغمرها بها أنه يحبها دون كلمة تُنطق.
فابتعدت عنه بأنفاس لاهثة وقد تثاقل عليها كل شيء. لتنطق آخر كلمة لم يظنها ستنطقها يوماً.
طلقني!
ولم يعدها تكررها ليجعلها تذوب بين ذراعيه يبثها تملكه بها وهي تكرر الكلمة حتى باتت الكلمة ريحاً. وضحك الملك على جاريته العاشقة.
يتبع بإذن الله
رواية للقدر حكاية الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سهام صادق
احتضنت شقيقتها وهي لا تعرف من أين تأتي بالكلام إليها.. لم يكن باقي على العرس الا أسبوعاً واحداً ولكن نفذ قضاء الله
بكت ياسمين بحرقه وانين الوجع يخرج من بين شفتيها دون تحمل.. لم تبكي بحضن امها التي كانت تندب حظها وبختها
وما أصابهم ولكن رؤياها لياقوت وضمها لحضنها جعلها تخرج احزانها بأهات مكتومه
- اهدي ياياسمين ده قضاء الله ياحببتي.. انا عارفه انه صعب
ألقت بضعه كلمات تعرف انها لا تهون
ووقفت زوجة ابيها على اعتاب الحجره ترمق ياقوت بنظرات حاقده.. خطيب ابنتها مات وياقوت تحيا بزواجها والسعاده هاهي تراها في هيئتها وثيابها ووزنها الزائد ببضعة جرامات
صرخت ياسمين بوجع وهي تحكي لها عن تحضيراتها للزفاف واحلامهم معا
- مات وسبني ياياقوت
وركضت نحو الخزانه تخرج ثوب زفافها المعلق تنظر اليه ببهوت وسناء تقف تُطالع ابنتها بحرقه.. الي ان اتجهت نحوها تضمها بقوه
- ياحسرة قلبي عليكي يابنتي
لأول مره كانت ترى انكسار زوجة ابيها وبكائها في آن واحد مع ابنتها
.................................
خرجت من غرفه شقيقتها مُغلقه الباب خلفها بعد أن غفت اخيرا
رمقتها سناء بنظرات فاحصه وعادت تركز عيناها نحو حبات العدس الذي تنوي طهيه اليوم
اقتربت منها تجلس جانبها فوق الاريكه الخشبيه
- نامت الحمدلله
اختلست سناء النظر إليها صامته
- بابا فين
- في اوضته بيريح.. مكناش عارفين انك جايه فمعلش هنأكلك عدس
دائماً هي ضيفه ثقيله على قلب زوجة ابيها.. مهما فعلت لها تظل كارها لها كرهاً لا تعرف سبب له
رفعت سناء يدها من فوق حبات العدس تُسلط نظرها فوق بطنها
- حملتي ولا لسا .. ولا تكوني مخبيه
الاجابه لم تكن تعرفها.. باتت تشك بالأمر منذ ايام
- ولا يمكن جوزك البيه مش عايز منك عيال عشان يرميكي لينا بعد ما يبقاش ليكي عوزه عنده
احرقت الكلمه فؤادها سمها غرز داخلها ضعف تمقته.. لا تتمرد لا تصرخ لا تصد لا تمتنع وكل ذلك من أجل أن تثبت لزوجة ابيها انها ليست فاشله ولن تعود إليها مكسوره مذلوله.. القليل من حمزه اهون من اي شئ مع زوجة ابيها
شماتت زوجة ابيها كانت تطل من عينيها بسواد وحقد ولم تشعر الا وهي ترد لها الصاع بأبتسامه واسعه تعلمتها من هند التي تقص لها كثيرا عن معاناتها من ألسنه البعض بأمر الإنجاب الراضيه به واثقه ان الله سيُرضيها
- بالعكس يامرات ابويا حمزه نفسه اوي في طفل مني.. ادعيلنا انتي بس
تجهم وجه سناء ولوت شفتيها ممتعضه تنهض من جانبها نحو المطبخ متمتمه ببغض
- بدعيلك ياحببتي بدعيلك
شعرت بالزهو وهي تشعر بالراحه المُتدفقه داخلها لم تكذب هند عليها حينا اخبرتها ان البرود مع البعض دون الديس على الاوجاع واخذ الذنوب من سلاطة اللسان يزيل الآلم سريعا وهي ترى بعينيها ان الطرف الآخر انصرف دون أن يحصل على مااراد
زوجة ابيها نهضت ممتقعه من ردها... وهي تجلس تتنفس برضى دون رغبه بالبكاء
أخرجت هاتفها من جيب عبائتها فلم تجد اي اتصال من حمزه بعد أن أخبرته انها وصلت لمنزل ابيها بعدما اوصلها سائقه
..............................
احتدت نظرات فرات نحو فاديه الجالسه على احد الارائك وخادمتها المُخلصه مهجه تجلس أسفل قدميها
لا يصدق ان شقيقته هي السبب في هروبها..
ف ناديه أخبرته بما قصته عليها صفا من أفعالها
اقترب منها مُشيراً للخادمه بغلظه ونظرة حارقه
- روحي شوفي شغلك
نهضت مهجه مفزوعه من صوته كما انتفضت فاديه من مكان جلوسها
- مالك يافرات
- أنتي اللي طردتي صفا
لم تخاف فاديه من الاجابه فأماءت برأسها وألتقطت حبات العنب تلتهمه بتلذذ
- ايوه وهددتها كمان.. كويس انها غارت ومشيت
اصاب فاديه الشك لتنظر اليه ثم شهقت وهي تخشي الشئ الذي لا تظنه قد حدث
-اوعي يكون حصل بينكم حاجه يافرات.. سؤال مكرم عليها واتهامه ليك بأختفاءها بدء يقلقني.. هي البت ديه لعبة بعقل
- اخرسي
صراخه افرغها ازدادت شكوكها
- فرات طمني... اوعي تقولي أن فرات النويري ضحت عليه حتت بت رد سجون
دكا بعصاه وقد تجمدت ملامحه
- صفا مراتي وأم ابني يافاديه
وعند تلك الحقيقه سقطت فاديه مُغشيه عليها غير مصدقه ان شقيقها تزوجها
..............................
اعتدلت ناديه في جلوسها وهي تراه يتقدم منها.. استجمعت بعض العبارات داخل ذهنها لكي تُنهي شكوكها نحو صدق مشاعر شقيقها اتجاه صفا من عطفه ومساعدته
لا تُنكر ان صفا تغيرت وأصبحت امرأه اكثر حشمه مُلتزمه ولكن ماهي متأكده منه أن صفا مازالت تحب شقيقها مهما انقطعت الآمال وتخشي ان يكون الحنين عاد لقلب شقيقها وياقوت بغبائها كما تصفها احيانا لم تربطه بطفلاً وكأن النساء لا تربط الرجال الا بذلك
جلس على مقربة منها ولم يسأل عن صفا مما أسعدها
- ها ياناديه جيباني ليه
وغمز ضاحكاً
- اوعي تكوني على اخر الزمن اتخانقتي مع فؤاد وجيباني اصالحكم
ضحكت بعذوبه وهي تتناول مشروبها الساخن ترتشف منه
- لاا فؤاد حبيبي عمره ما يزعلني.. انت واخوك اللي ديما مزعلني بس وضيف عليكم مراد
رمقها قاطباً حاجبيه يُطالعها
- طب خلي ساميه تعملي قهوتي... عشان اعرف اركز في موضوعك المهم اللي طلباني عشانه
ولم تنتظر لحظه فنهضت تصنع له قهوته بنفسها..
صدح رنين هاتفه فأخرجه ليري من يُهاتفه فأرتسمت على شفتيه ابتسامه واسعه لو كانت رأتها لعلمت انها تمثل له قيمه كبيره ولكن عهده على نفسه بأن لا يُظهر مشاعره لها ويكفيها التقدير والاحترام الذي كان يفعله مع سوسن انساه ان ياقوت ليست سوسن
واختلطت النسوة بحياته تجربة حب كانت فاشله اضاعته وتجربه اخري كان الود والاحترام أساسها نجحت واثمرت وهاهي تجربه ياقوت معه... يحبها ولكن حب صامت يفسره لها بطريقه أخرى
كاد ان يُجيب عليها ولكن دلوف صفا الغرفه وصوتها الهامس
- ممكن اتكلم معاك ياحمزه بعد اذنك
رفع عيناه نحوها وقد انتهى اتصال ياقوت.. أشار إليها بالجلوس متمتماً
- اقعدي ياصفا
كان حديثها يتلخص انها تُريد معرفه اهل والدها.. ضغط علي بعض الازرار مدوناً برساله لتلك التي جلست تنظر لهاتفها منتظره اتصاله
" هكلمك بعد ساعتين"
ركز في حديثها بعدما وضع هاتفه علي المنضده مُتسائلا
- مظنش ان معرفتك بيهم هيريحك ياصفا
اطرقت رأسها فعائلتها المجهوله هم املها
- مش عايزه افضل طول حياتي مجهولة الهويه.. ومعرفش ليا اهل.. يمكن اعرف اتحامي فيهم
- متناقشتيش مع فرات ليه في الحكايه ديه... فرات يقدر يساعدك اكتر مني.. مكانة جوزك عاليه
دلوف ناديه بالقهوة قطع حديثهم ولم تسطع اخباره انه تُريد مساعدته في الطلاق من الفرات دون اخذ طفلها منها
نهضت حرجاً بعدما سلطت ناديه نظراتها نحوها
خطت بضعة خطوات مُطرقه الرأس فأوقفتها ناديه
- اقعدي ياصفا معانا...
واقتربت تربت على كتفها
- روحي ظبطي طرحتك لحد ما اتكلم مع حمزه.. وانزلي عشان اخدك للدكتوره نطمن على البيبي
خرجت خارج الغرفه صاعده لأعلى لتتابعها ناديه بعينيها ورمقت حمزة الذي جلس يحتسي قهوته ببطئ
- كنتوا بتتكلموا في ايه واول مادخلت وقفتوا الكلام
رفع حاجبه لأعلى مُستنكراً فضول شقيقته
- مش لازم كل حاجه تعرفيها ياناديه...
واردف بملامح جامده
- ايه الموضوع الضروري بقى ياناديه
جلست جانبه حانقة من رده الفظ كانت تُعطل الكلام الي ان تأتي اللحظه التي خططتها لها
مره تسأله عن ياقوت وأهلها وأخرى عن شهاب الي ان ضجر من الأمر
- ناديه هو انتي جيباني عشان تسأليني عن كده
وكاد ان ينهض فأسرعت بنكشه بحديثها
- لسا بتحب صفا ياحمزه
لم تُعجبه عبارتها فقطب حاجبيه بضيق
- ورا سؤالك ايه ده ياناديه
- عايزه اطمن ياحمزه.. انا عارفه انك اختارت ياقوت عشان ترتاح من زنى عليك
واردفت بمكر تجيده
- بحس بالذنب عشان انا اللي اقنعتك بها وعارفه ان ياقوت مش مناسبه ليك
وعند تلك العباره نهض ماقتاً حديثها
- ذنب ايه اللي تحسي اتجاهي ياناديه هو انا عيل صغير.. وعشان اريحك خالص انا اختارت ياقوت عشان عايزها مش عشان زنك عليا
ابتسمت ناديه ابتسامه لم يُلاحظها واردفت بتلاعب
- ياحمزه مقصدش.. بس انا حاسه ان ياقوت مش الزوجه اللي تسعدك.. مافيش طفل بينكم لو مش مبسوط معاها طلقها
احتقن وجهه من عبارتها انتظرت ناديه ما تسعي لسماعه وعند رؤياها لخيال صفا تمنت ان يُصرح بحبه لياقوت حتى تقطع امال صفا
- شكل مساعدتي لصفا ومساندتي ليها خليتك تفتكري اني مش عايز مراتي.. عشان ترتاحي ياناديه وتريحي قلبك انتي وفؤاد
حمزه الزهدي محبش غير ياقوت
وخرج من الغرفه ليجد صفا تقف مطرقه الرأس.. تجاوزها مُغادرا المكان تحت نظرات ناديه الثاقبه
................................
استلمت ماجده تقرير الفحص الذي أجرته شارده في الجمله التي سمعتها للتو حينا اخذت فحوصاتها
" جسمك في مخدر يامدام.. انتي بتاخدي منوم"
الشك بات يملئ قلبها منذ فتره ولكن سالم دوما يشعرها انها تتوهم وأنها اصبحت مرأة خرفاء
سارت في الطريق وهي هائمه لا تشعر بشئ حولها
يرتطم جسدها بالماره الي ان هوت بجسدها على احد الارصفه
.................................
دلفت للصيدليه الخاليه من الزبائن ذلك الوقت.. لتجد احمد يقف أمام زوجته يُدخل خصلاتها المتمرده لها أسفل حجابها وهي تقف مبتسمه
اخفضت عيناها حرجاً هامسه
- السلام عليكم
عندما وقعت عيناه عليها ابتسم وهو يرد السلام هو وزوجته
- وعليكم السلام..
كان يتذكرها ولكن تلك التي جانبه انسته جميع النساء بحضورها وغيابها .. ترك البيع لزوجته التي اقتربت تسألها عما ترغب
وكان الطلب في كلمتان " اختبار حمل" حتى تفرح شقيقتها ياسمين ووالدها وتعود لزوجها بالخبر الذي ينتظره
.............................
وقف كحائط منيع بين شقيقته وزوجته الاثنان يشعراه انه يعيش مع اطفال... يتجادلون نحو لاعبين الكره والفرق التي يشجعونها هو كرجلا لا يفعل ذلك مثلهم
تنهد حانقاً بعد أن ازاح تقي جانباً
- بس كفايه ايه الشغل العيال اللي انتوا فيه
- وانتي ياكبيره ياعاقله
رمق هناء بعد أن قصدها بعبارته لتزم هناء شفتيها ممتعضه
- وانت مالك بينا... احنا بتفاهم مع بعضنا
أكدت له تقي الأمر برأسها.. ليدفع شقيقته نحو الغرفه المُقيمه بها
- على اوضتك ونامي
انصرفت تقي تتمتم ببعض الكلمات التي لم يفهمها.. لتتجه هناء نحو غرفتها أيضا تاركه اياه يقف عابث الوجه
صدح رنين هاتفه مُطالعاً رقم نغم وفور ان أجاب ونطق اسمها
وقفت بملامح جامده تستمع لتلك المحادثه خائفه من ان تخبره بعملها بالفندق.. غباءها في اخباره بالحقيقه كان يقودها لفخ مجهول.
أنهى مراد اتصاله ومازالت عيناه عالقه بها.. كانت تعلم أن عزومه نغم لهم لحفل عيد ميلاد ابن شقيقتها ليس ورائه الا ان تجمعها بخالد ويعرف انها لم تكن الا كاذبه
ألتفت نحوه بضيق من موافقته
- مين قالك اني موافقه اروح ... ابقى روح لوحدك
- نغم عزمتك وعزمه تقي ياهناء.. ومن الذوق اننا نروح
- ابقى خد تقي معاك انا مش هروح.. مبحبش الأجواء ديه
ودلفت لغرفتهم دون كلمه أخرى.. اتبعها غاضباً من طريقتها التي أصبحت تستفزه
- مش كل ما نتكلم ترمي كلمتين وتمشي...اتعلمي الذوق شويه وانتي بتكلمي جوزك ياهناء
- وانا مش قللت الذوق يامراد..وكلها كام شهر وهريحك من قله ذوقي
احتقن وجهه من سماع عبارتها
- ومين قالك اني هرتاح من قله ذوقك ياهناء.. انا كمان قليل الذوق .. فنستحمل بعض
- وانا مش عايزه استحمل واحد زيك.. كفايه اوي كده
طعنته عبارتها ولكنه هو من صنع الحصن بينهم..رجولته تعود اليه وهو يرى ارتباكها أمام ناظريه.. اقترب منها هامساً
- مش بمزاجك يابنتي عمي
كادت ان تدفعه من أمامها حانقه الا انه سبقها دافعا لها للخلف
فسقطت فوق الفراش الذي ينتظر احتضان جسدها
ليُثبتها بعدها بجسده
- مراد ابعد عني
- كنت غبي ياهناء
................................
نظرت الي هاتفها بعد ان مضت الساعتان ولم يُهاتفها.. كانت تنظر لاختبار الحمل بين يديها بسعاده تلاشت مع كل دقيقه تمر وهو تنتظر مكالمته...وضعت له الأعذار كما اعتادت وقررت مُهاتفته ثانية
كانت مريم تمسك هاتفه تُبدل الصوره التي يضعها على شاشه هاتفه وكانت صوره تجمعه هو وهي وياقوت
زاد حقدها وهي ترى أن والدتها قد تلاشت من حياتهم
ابدلت الصوره بصورة اخري تضمها هي ووالدتها
وميض الهاتف برقم ياقوت نظرت حولها لتجد الجميع مشغولاً عنها.. ابتعدت بالهاتف كي تُجيب عليها بحقد
- الو
صوت مريم جعلها تتأكد انه نساها كما يعتاد وسط أولوياته الأخرى.. أغضمت عيناها ثم فتحتهما بعد أن ضبطت أنفاسها
- ازيك يامريم
لم تجيب مريم علي سلامها فلم تنتظر رداً منها
- ممكن تدي التليفون لحمزه
- مش فاضي.. ابقى اتصلي بي وقت تاني
وانقطع الخط لتنظر الي هاتفها فوقاحتها كثرت وحمزه لايري في مريم الا طفله صغيره يجب احتوائها
كانت نظرات ياسمين عالقه بها تنظر إليها بشفقه صامته
.............................
اقترب منها ببطئ بعد أن بحث عنها في ارجاء الشقه
كانت غافيه بملابسها
التعب كان ظاهر على ملامحها من ضيافتها لضيوفه طيلة اليوم ومن خدمته وطلباته.. كان يتدلل عليها كطفل صغير وهي تُلبي ذلك خانقه منه إلا أنه اكتشف في تلك المده التي جمعتهم وجها لوجه وتحت سقف واحد
إن سماح ماهي إلا امرأه رائعه وحظها اسقطها مع رجلا مثله
يخاف ان يُخدع فيها الا انه قرر ان يترك قلبه ليكتشفها فهناك طفلاً أصبح يربطهما
ارهقه وقوفه وهو يتحامل على ساقه المُصابه.. فجلس على الفراش يتأمل ملامحها الهادئه ببشرتها الحنطيه وشعرها القصير عن قرب
مد كفه راغبا في ان يُلامسها ومع كل لمسة منه كانت تشعر بها
نهض من جانبها فظنت انه سيترك الغرفه ويُغادر الا انها شعرت به يُحاوط خصرها بذراعيه وبعدها انتظمت أنفاسه
..........................................
ضمت ندي جسدها اليه بعد أن غفا جانبها.. الليله اشعرها وكأنها عروس ... رفعت كفها لتُحرك باطنه على خده.. دغدغت لمساتها بشرته فألتقط اصابعها بشفتيه يقبلهما
- بحبك ياندي
وانقلب على بطنه يدفن رأسه أسفل وسادته.. السعاده كانت تغمرها انساها حزنها..
ألتقطت هاتفها من جوارها لتعبث بتفصح موقع التواصل الاجتماعي
كانت سمر تتصفح صفحتها تنظر لصورها هي وزوجها.. تتخيل لو كانت هي مكانها... عضت سمر على شفتيها وهي تتخيل حالها بين أحضان شهاب
انتبهت سمر على منشور ندي الذي تحمد فيه الله... فأسرعت بالضغط على أيقونة الرسائل لتُراسلها مُتسائله
" طمنيني عليكي ياندي.. شهاب عرف"
لم تخبئ عليها شئ بحديث شهاب ودعمه ... دعم سمر لها الايام الماضيه جعلها تقترب منها وتحبها وأصبح بينهم حديث دائم
اجادت سمر استغلال الفرصه في التقرب منها... لتنظر للكلمات التي تكتبها ندي بأعين يشتعل بها الحقد
هي تركت من رجل.. وأخرى زوجها يدعمها حتى لو لم يصبح ابً يوماً
..........................................
هبط الدرج غير مُصدقاً مااخبرته به الخادمه بأسم تلك التي تنتظره بالأسفل
تعلقت عيناه بصفا التي تحمل حقيبه صغيره بيدها تطرق عيناها نحو حذائها
شعرت بخطواته قربها فرفعت رأسها تنظر اليه بأعين باهته
- مافيش مفر من اني اعيش عندك يافرات بيه
.................................
تفاجأت سلوى بقدوم ياقوت للملجأ بعدما سمعت صياح الأطفال بأسمها.. تابعتها سلوى من الشرفه بأبتسامه حانيه وهي تُعطي الأطفال هداياهم وتقبلهم
وبعد دقائق دلفت لحجرتها فأحتضنتها سلوي بأمومه مُعاتبه لها لعدم زيارتها في منزلها
- كده ياياقوت يعني عشان هناء مبقتش موجوده متجيش تشوفيني
- حقك عليا ياابله سلوى
ربتت سلوى فوق خدها بحنو وقادتها نحو احد الارائك
- تعالي ياحببتي اقعدي نتكلم.. تشربي ايه بس
- مش عايزه حاجه.. انا عايزه بس انك تحضنيني
ألقت ياقوت جسدها بين ذراعيها فشعرت سلوى بوجود خطب يؤذيها.. ضمتها سلوى بأمومه.. بكت بحرقه وهي تتذكر حديث والدتها .. فقبل ذهابها لسلوى ذهبت لها التي فور ان اخبرتها انها تُريد العوده للعيش في بلدتها الصغيره بينهم
لطمت صدرها
" ترجعي مطلقه يابنت صباح..اوعي اسمع الكلام ده منك تاني.. ماله الراجل بيعملك ايه"
فاضت بأوجعها لوالدتها التي استنكرت حديثها
" ماانتي اللي خايبه يابنت بطني الزن على الودان امر بالسحر.. كرهيه فيهم"
لو تركت اذنيها لنصائح والدتها ستصبح مسخ في هيئة انسان
وتفحصت ملامحها لتلمع عيناها بخبره
" شكلك حامل يابنت بطني "
فاقت على صوت سلوى الحاني تسألها
- احكيلي يا ياقوت مالك
وعندما لم تجد رد منها نهضت سلوى من جانبها.. وسارت بالغرفه دون هواده وهي تتذكر حديث ناديه معها منذ ايام تخبرها عن مخاوفها من اهتمام حمزه بصفا التي أصبحت مقيمه لديها
وحينا سألتها اذا كانت ياقوت تعلم بهوية صفا اخبرتها انها تعلم أن صفا مجرد قريبه لهم لا اكثر.. شعرت بالحنق من ناديه في استغلال طيبه ياقوت وتصديقها لهم..
فتاه في مقتبل عمرها تزج بزيجة من رجل كان من قبلها زوج مرتبط بعائله وله ماضي جعل قلبه لا يعترف بالحب
وماهي الا فتاه بخبرة ضئيله عانت بحياه تحتاج لزوج يُعلمها كيف يكون الحب ويعوضها عما عاشته
عمتها وظلمتها في الغلق عليها من كل شئ.. تتذكر ان ياقوت كانت تتطهو الطعام في سن السابعه وتمسح وتنظف
كانت تشفق على طفولتها السيئه
انتبهت سلوى على ندائها القلق بأسمها.. فألتفت سلوى نحوها
- حمزه اختارك زوجه ياياقوت عشان زن ناديه انه يتجوز ويكون لي طفل من صلبه... كانت بتفكر في كده حتى وسوسن عايشه
تجمدت ملامح ياقوت ولم تشعر بحالها وهي تضع بيدها على بطنها.. ف الطفل الذي رغبوا به هاهو في احشائها
- اختيارهم ليكي عشان انتي بنت من الارياف متفهميش في حاجه وهتقدري تتعايشي بأي حاجه يقدموها ليكي وهتبقى ساكته وراضيه ومش هيسمعوا ليكي صوت..
- منكرش ان حمزه راجل محترم.. بس لسا الماضي محاوطه..
أخرجت سلوى كل مابجبعتها تنظر إلى ياقوت التي بهتت ملامحها.. دمعت عين سلوى وهي تنظر إليها
- مقدرش اسيبك ضايعه كده وضعيفه.. لأن انا كمان السبب صورة ل ناديه بصورة البنت المكسوره اللي ملهاش اهل سند ليها
- مين هي صفا
ألتقطت سلوى الاسم فصمتت وهي لا تعرف اتكذب عليها هي الأخرى ام تُجيبها
لحظات مرت فأجابت ياقوت عنها
- كان بيحبها حمزه صح.. الحب اللي بينهم مكنش من طرف واحد
وتذكرت مراوغه ناديه وحمزه الذي لا يذكر لها إلا أنه يُساعدها عطفاً
- صفا كانت عشق ل حمزه ياياقوت.. ومفتكرش انه حب ست غيرها
رواية للقدر حكاية الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سهام صادق
كانت عيناه تترصد تحركاتها مع زوجها، كلما مال نحوها، يُخبرها بشيء أو يضمها نحوه بتملك. نيران كانت تلتهم روحه. يوم أن أحب، وقع صريع الهوى لامرأة ملكاً لآخر. آخر امتلك أحلامه التي جمعته بها.
زفر أنفاسه الممزوجة بدخان سيجارته، شارداً في الحقيقة التي عرفها حين عاد أمس من رحلة سفره. هناء زوجة لشريكهم، وقد خدعته. وليته كرهها، بل إنه يقف الآن متحسراً، ناسياً تلك التي تقف بجواره تُطالع صغيرهما الذي يلهو ويركض مع أصدقائه احتفالاً بيوم مولده.
"خالد."
تفتت اسمه برقة، فأنتبه على صوتها، ليرمقها وهو يفك عقده رابطه عنقه التي باتت تخنقه.
"في حاجة يا جنات؟"
"مش كفاية كده ونطفي الشمع؟"
ومهمة أخرى يقوم بها بخطوات مدروسة مع عائلته الصغيرة، حتى يُكمل دوره في حياة، ظن يوماً أنها لن تفرق معه. قديماً سار بمبدأ وضعه في طريقه دوماً: أن الزواج مجرد صفقة لا أكثر، لا تطلب حباً ولا قبولاً، إنما المصلحة بها هي الأهم. وها هو اليوم، قلبه يحترق من ألم لم يظن سيحرقه، وما أصعبه.
انطفأ الضوء وعيناه ما زالت تترصد خطواتها، يلتقط كل حركة يفعلها مراد، يداه التي أخذت موضعها فوق جسدها بحميمية يعلمها كرجل.
صياح صغيره باسمه جعله يضمه ويشاركه تلك اللحظة. اشتعل الضوء مجدداً، وبدأ الجميع يتناولون الحلوى.
انتهزت نغم فرصة انصراف هناء مع تقى للمرحاض، واقتربت منه تعطيه طبقاً من الحلوى أعدته له خصيصاً.
"اتفضل يامراد."
أعطته طبق الحلوى وهي تُسبل أهدابها بطريقة تُجيدها.
"ميرسي إنك قبلت دعوتي يامراد."
ابتسم بساحريته التي تجذب النساء، مما جعل قلب نغم يتقافز راغبة به بشدة، حتى لو ليلة واحدة تجمعهما.
"إحنا بقينا كعيلة يانغم، وأنا بحب سيف كأنه ابني حقيقي، طفل لذيذ وهادي."
وقفت هناء تعبث بهاتفها بكلل وهي تنتظر خروج تقى من المرحاض. انتفضت مفزوعة وهي تسمع صوته.
"كذبتي ليه ياهناء؟"
وأردف ساخراً، قاصداً كل كلمة يتفوه بها.
"يعني معقولة تكوني زوجة مراد الفيومي ومش عارف يشغلك في مكان يليق بيكي؟ ولا جوزك شكله مكنش على علم؟"
رجفت شفتيها وهي تلتف نحوه ببطء، تُريد الاعتذار منه عن تلك الكذبة السخيفة التي لا تعرف إلى أين ستقودها.
"أنا مكنش قصدي أكدب..."
وقبل أن توضح له الأمر، وأن سبب عدم علم مراد أنه لم يكن سيقبل بمثل هذا، وبحثها عن عمل بمفردها حتى تتحرر من اعتمادها الدائم على اسم عائلتها، وخاصة اسم عمها.
"بس كذبتي واستغفلتي إدارة الفندق."
"أنا آسفة لو ده يرضيك حضرتك يا مستر خالد."
صدمها عندما استدار بجسده دون أن يعبأ باعتذارها.
"مستنيكي بكرة في الفندق عشان فترة عقدك لسا مخلصتش يامدام."
وألتف نحوها ثانية ببرود يليق به.
"شئون العاملين معرفتش توصلك بعد ما غيرتي رقمك، ونسيوا ينبهوكي بالشرط الجزائي اللي مضيتي عليه."
وانصرف ليتركها بأعين مفتوحة على وسعهما، تتذكر ذلك المبلغ الذي استهزأت به حين وقعت عليه. "عشرون ألف جنيهاً". نعم، زوجها يملكه ويملك أكثر، أما هي فليست تملك شيئاً.
***
طرقات خفيفة طرقها على باب غرفتها، ثم دلف بعدها يحمل صينية الطعام بعد أن عادت الخادمة للمرة الثالثة تحمل الطعام الذي لم تمسه. لا طعام تأكله، والنوم تفترش لها فرشاة جانب الفراش كي تغفو عليها. مُتذكراً اليوم الذي أتت فيه إليه منذ يومين تحمل حقيبة ملابسها الصغيرة، تطرق عيناها أرضاً، تُصارع داخلها ما يُخبرها به عقلها وقلبها. القلب كان كعادته ضعيفاً، لاجئاً، أما عقلها فكان يأبى المجيء لذلك الذي ظلمها وانتقم منها دون ذنب تفعله له، واستغل حاجتها وذلها، وأخيراً اغتصبها وصك ملكيته بطفل ينمو بين أحشائها. زادها ضعفاً وانهزاماً.
اقترب منها بالطعام وعيناه تجول فوق صفحات وجهها وتتركز نحو شفتيها وهي تتلو كلام الله، وعيناها تفيض بالدمع.
"وتفتكري رفضك للأكل ده في مصلحتك؟"
ثم رمق مكان جلوسها فوق الأرضية الصلبة.
"أنتي بتعاقبي نفسك؟"
هتف بعبارته بغلظة اعتاد عليها، فأصبحت حنجرته لا تفرق بين إذا كان ليناً أم غاضباً.
"صدقت بهمس، وأغلقت مصحفها لترفع عيناها نحوه."
"وفر فلوسك يافرات بيه.. وفر حسنتك عليا."
ضاقت عيناه وهو يسمع عبارتها. لتتناول كيساً تضعه جانباً، فتأكل ما به من طعام تشتريه صباحاً حين يُغادر المنزل متجهاً إلى عملها.
أخذت تلوك قطعة الخبز الممزوجة بالجبن تحت نظراته بمرارة. لا أهل ولا مكان لها. السجن كان أحن عليها من تلك البرودة التي تعيشها.
ألتقطت عيناها صينية الطعام التي وضعها دون اهتمام.
"الأكل قدامك أهو.. ربع ساعة أرجع ألاقيقي أكلتي."
ونظر للوقت في ساعته وغادر. ولم يكن كاذباً عندما أخبرها أنه سيعود لها ثانية. عاد بعد أن بدل ملابس عمله بملابس أكثر راحة. وتلك المرة كان مستعداً لما سيفعله معها. لتنتفض فزعاً عندما ألتقط صينية الطعام من الأرض، ثم ألتقطها هي الأخرى وحاصرها بين ذراعيه كطفل صغير.
"ابعد ايدك عني.. ابعد ايدك متلمسنيش."
لقمة حشرت داخل فمها، فأتبعها بأخرى.
"مدام مبتجيش بالذوق في إجبار."
الصمت ساد المكان وهي تبتلع الطعام بصعوبة، وعيناها تفيض بالقهر.
"الإجبار والظلم اللي انت متعود عليهم يافرات بيه."
***
انهارت قواه وهو يقرأ ما ألتقطته يداه. رحلت بعدما نفذت قواها، بعدما أعطت وأعطت ولم يعد هناك مجال للعطاء أكثر. سقطت عيناه نحو ما سطرته، لتتجمد نظراته نحو آخر ما كتبته.
"متدورش عليا."
ولم يشعر إلا وهو يصرخ باسمها بقلب ممزق، يقبض على الورقة التي بين يديه.
"يااااقوت."
فتح عينيه على وسعهما وهو يرى حاله مسطحاً فوق فراشه، وهي غافية جانبه. اقترب منها يتأكد أنها معه ولم ترحل. زافراً أنفاسه بقوة، رافعاً كفيه يمسح بهما على وجهه المرهق.
جالت عيناه فوق كل إنش بها، واقترب أكثر حتى تلامست أجسادهم. لم يعد يعرف ما أصابها منذ أن عادت من زيارة عائلتها وهي بعيدة عنه، تضع بينهم الحواجز. فتوراً أصاب علاقتهما، وضاع النعيم الذي كان ينهال منه وهي بين ذراعيه.
تلملمت في غفوتها إلى أن أصبح وجهها مقابلاً له. ابتسم وهو يتأملها كيف تغفو، وكأنها لأول مرة تغفو جانبه وتحت نظراته. مد كفه يُلامس وجنتها، لينحدر كفه نحو عنقها، مائلاً نحوها بجسده يُريد ضمها إليه. ولكن سريعاً ما انتفضت من غفوتها تنظر إليه بأعين قد انطفأ بريقها.
"انت مقرب مني كده ليه؟"
تصلب جسده من عبارتها، صدها له أصبح أمراً جديداً عليه. قطب حاجبيه.
"لأ، انتي من ساعة ما رجعتي من البلد وانتي متغيره. في إيه مالك؟ مش معقول كل ما أقرب منك يبقى ده منظرك."
"قولتلَك مفيش حاجة.. بس مش عايزة أفهم بقى، مش عايزة."
احتدمت نظراته، ولم يشعر إلا وهو يجذبها نحوه بضراوة.
"طب أنا عايز يا ياقوت."
دقائق مرت وهو ينال منها كما يرغب. رغبته بها أعمته لدرجة لم يشعر بملوحة دموعها، ودفعها لهدفعاتها المستميتة فوق صدره الصلب، جعلته يبتعد عنها مذهولاً من رفضها الصريح، وكأنها لا تتحمل لمساته.
نهضت من فوق الفراش راكضة نحو المرحاض، ليسمع صوت تقيئها وعيناه جامدة. لهذه الدرجة أصبحت لا تطيقه.
غضب امتلكه وهو ينهض من فوق الفراش يتبعها، ولكن عندما وجدها جالسة على أرضية المرحاض تخرج ما في جوفها بتألم، اقترب منها متألماً على حالها، واثقاً أن هناك شيئاً. رفعها بحنو من فوق الأرضية بعدما أفرغت ما في جوفها، متمتماً بنبرة حانية.
"لدرجادي مش طيقاني ياياقوت؟"
تعلقت عيناها به وهو يفتح صنبور المياه لينثر بعض قطرات الماء على وجهها ويمسح شفتيها.
"فيكي إيه؟ قوليلي."
صرخت بقهر لم تعد تتحمله، وحررت جسدها من أسر ذراعيه.
"فيا حاجات كتير وانت السبب."
***
لم تصدق أنه من أعد طعام الإفطار لهما، وتحمل صعوبة الوقوف على ساق واحدة مستنداً على عكاز. نظر إلى عينيها الجاحظة، فضحك مما جعلها تتعجب أكثر، متمتمة.
"أشعر أن الإصابة أتت في رأسك وليس ساقك."
تأفف من عبارتها، فسحب مقعده ليجلس عليه، وأشرع في تناول الطعام، يفرد ساقه ويضع عكازه جانباً.
"عندما تصمتين سماح، يكون صمتك أفضل من الحديث."
لوت شفتيها مستنكرة حديثه، وجلست تلوك طعامها ببطء. صحيح أنه تغير كثيراً في معاملته معها منذ أن أصبحوا في مكان واحد سوياً، ووجهه بوجهها ليلاً ونهاراً، إلا أنه سيظل سهيل نواف، لاعب الكرة الفظ.
قطرات من المربى انسابت فوق شفتيها، وفي لحظة لا تعرف كيف حدثت ومتى، كان يتذوق تلك القطرات بمتعة. وعيناها مفتوحة على وسعهما. وبعدها عاد لمكان جلوسه.
"أكملي طعامك سماح."
"وقبل أن تتفوهي بكلمة، اصمتي عزيزتي.. أنتِ الصمت معكِ رائع، ويُشعرني أنني زوج لامرأة وديعة."
***
دق بقلمه على سطح مكتبه، وتفكيره بها سيجعله يجن. يبحث عن سبب لذلك الجفاء الذي أصبح بينهما، ولا إجابة يجدها منها، إلا نظرة تحمل احتقاراً يقتله، والجملة التي أخبرته بها اليوم تجعله يدور حول نفسه ولا يعرف ماذا فعل. ضحكة ساخرة صدحت بداخله. هل يسأل ماذا فعل؟ هو يعلم أنه فعل الكثير، ولكن من رؤية عقله أن الاحترام والتقدير وإعطاء المال، هم يكفوا ويعوضوا أي شيء. فماذا سيطلب المرء أكثر من حياة كريمة يحياها؟ وهو قدم لها الحياة الكريمة، حتى قلبه قدمه لها، ولكن سيظل ذلك في الخفاء. فالحب أصبح لا يعرف معناه إلا أن يُقدر ويُحترم.
وما حياه المحبين وما يفعله شهاب مع ندى وشريف ومها، ليسوا له، إنما هو رجل ناضج يبحث عن الراحة.
وعند تلك الكلمة، نهض من فوق مقعده، ملتقطاً سترته، ملقياً بعض العبارات على سكرتيره.
"ألغِ كل المواعيد اللي عندي."
***
أنهت فحصها لدى الطبيبة، وخرجت من العيادة هائمة فيما أخبرتها به الطبيبة. هي حامل بتوأمين، وقد أصبح برقبتها طفلين. وهي كانت طفلة واحدة. جنت خلفهم تجربة أب وأم لم يفكروا بها للحظة. شردت في ذلك اليوم الذي أخبرتها به سلوى عن كل ما يعتلي صدرها خوفاً عليها من مصير لا تتمناه لها. عزمت أن تجلس ببيت والدها مُعززة مُكرمة لترى تقديره لها في حياته. ولكن حين دلفت منزل والدها، وجدت إحدى شقيقات زوجة أبيها وأطفالها لديها. ألقت التحية عليهم، واتجهت نحو المطبخ حتى تروي عطشها ببعض الماء. لتدلف سناء خلفها تُخبرها: "انتي مش عملتي الواجب يابنت جوزي.. خففي شوية واتصلي بجوزك يجي ياخدك، ولا هو ماصدق تمشي."
لا تعرف متى استقلت سيارة الأجرة ولا وصولها للمنزل، فالشرود بكل مقتطفات ما عاشته يجعلها تكره حمزة أكثر وأكثر. ألقت حقيبتها فوق الفراش كما ألقت تقارير فحصها. لتتجه نحو المرحاض حتى تغمر جسدها بالمياه.
دلف للشقة يبحث عنها بعينيه، منادياً باسمها.
"ياقوت.. ياقوت."
تعلقت عيناه بحقيبتها والتقرير الطبي الذي بجانبها، فألتقطه سريعاً يشعر بالقلق عليها.
لتخرج من المرحاض وهي تلف المنشفة حول جسدها، تنظر إليه وهو يقف ممسكاً بالفحص، ينظر إليها متسائلاً.
"كنتي عارفه انك حامل؟"
ماءت برأسها وعيناها ما زالت متعلقة بعينيه، فأقترب منها.
"مقولتيش ليه، وانتي عارفه اني منتظر ده بفارغ الصبر."
"عشان متستحقش الفرحة دي."
وأتبعت عبارتها بصدمة أكبر له.
"إنجازك من الجوازة اتحقق ياحمزة بيه."
صمت مُطبق ساد المكان، وصوت أنفاسها وحدها من تتعالى. تتذكر قسوة كلمات سلوى التي لم تقلّها إلا خوفاً عليها بأن تعيش عمرها بينهم كلقمة سائغة. ألتقطت أنفاسها بصعوبة بعد ذلك المجهود الجبار عليها في إخراج ما يكتمه قلبها. فليتها كانت تستمع لهناء صديقتها حين كانت تُخبرها بأن تصرخ بوجههم جميعاً حتى يعلموا كم ثقل عليها حمل الوجع.
"سكتي ليه ياياقوت.. قولي كل اللي جواكي."
قالها بجمود يليق به، وتقدم منها بخطوات هادئة.
"اتكلمي."
تعلقت عيناها به، ثم بكفيه الموضوعان فوق كتفيها، وانتفضت من أسره، دافعة إياه بعيداً عنها.
"اتجوزتني ليه.. دخلتني ليه حياتك الكئيبة وظلمتني؟"
"أنا ظلمتك ياياقوت؟"
تنفست بعمق وهي تشعر بأن كل شيء بات يخنقها.
"أيوه ظلمتني واستغليت حياتي وحاجتي للحنان... ياريتني مشتغلتش عندك ولا شوفتك.. ياريتني مقابلة راجل أسير الماضي بيتجوز عشان أهدافه."
"اسكتي كفاية."
"مش هسكت تاني... سكت زمان كتير ومحدش رحمني. دوستوا عليا انت وبنتك واختك... عديت وقولت لنفسي استحملي وعيشي يمكن في يوم يحس بيكي."
انسابت دموعها بغزارة، وكلمات سلوى تقتحم عقلها فتدمي قلبها. "صفا كانت عشق لحمزة يا ياقوت.. ومفتكرش انه حب ست غيرها."
"صفا طلعت حبيبتك مش القريبة اللي انت بتساعدها شفقة... ونادية الأخت العظيمة كانت بتكدب عليا عشان تداري عن حب أخوها العظيم."
كان ينظر إليها مصدوماً مما تتحدث به. فلم تكن التي أمامه ياقوت زوجته الهادئة، كانت أخرى تُحادثه بضراوة. ولكن الحقيقة أنه كان قهراً كُتم لسنوات طويلة، ظنت فيها أن الطيبة والضعف ليس لهما ثمن.
سقطت كلماتها فوق قلبه كسوط، ووقف في صراع بين كبريائه وقلبه، وكاد أن ينتصر القلب.
"ياريتني ما حملت منك... ياريتني فضلت آخد الحبوب ومصدقتكش."
وعند تلك الكلمة، تصلب جسده وبهتت ملامحه، وتقدم منها بوجه مُحقن.
"مش هحاسبك على كلامك ده دلوقتي.. بس اعرفي انك غلطتي جامد أوي."
وانصرف تاركاً لها المكان، صافعاً الباب خلفه بقوة. ارتجف جسدها أثر صفعة الباب، وسقطت جاثية فوق ركبتيها.
"حتى مهنش عليه ياخدني في حضنه.. انتي ولا حاجة في حياته ياياقوت."
***
أوقف سيارته في المكان الذي اعتاد عليه دوماً حتى يتحرر من أوجاعه. صوتها الباكي ما زال يصدح بأذنيه دون هوادة. خرج من سيارته شارداً بالظلام وفي حياته التي تشبهه. زم شفتيه بعبوس، يقبض على يده بقوة، ولم يشعر إلا وهو يضرب على موضع قلبه.
"ياقوت مكنتش تنفعك ياحمزة.. دخلتها دايرة ظلامك.. قلبك لسا عايش في الماضي، منساهوش."
تذكر رغبته في ضمها، ولكن لعنة الماضي اقتحمت قلبه فجعلته لا يرى ذلك إلا تحطيماً لكبريائه. وإذا وضع الحب أمام الكبرياء، لابد أن ينتصر الكبرياء. وهو مقسم بين قلبين، قلب يعيش في ظلام الماضي لديه درس دفين سُطر بقلبه، وقلب آخر يُريد أن يحيا ويُحب.
رن هاتفه، أخرجه من شروده، وقد كانت نادية شقيقته. نظر للهاتف على أمل أن تكون هي، ولكن لم يجد إلا اسم شقيقته، ولأول مرة يغلق هاتفه دون أن يُجيب عليها.
***
رفعت ذراعيها لأعلى حتى تُساعده أن يُلبسها كنزتها. أزاح لها خصلاتها جانباً، ثم انحنى ليُكمل لها ارتداء ما تبقى. كانت تبتسم كلما فعل ذلك، وتترك ليدها حرية العبث بخصلات شعره.
نهض من رقدته ليترك ليداه تسوية ثيابها، وما زالت ابتسامتها مرسومة فوق شفتيها.
"ممكن أعرف سر الابتسامة دي؟"
همست برقتها المعهودة التي تؤثره، واطْرقت عيناها أرضاً بعد أن تخضبت وجنتاها.
"مها."
"عشان فرحانة ياشريف."
ضحكة شقية خرجت من بين شفتيه وهو يتأمل ملامحها الخجلة.
"طب ولازمته إيه الكسوف ده دلوقتي؟"
"نفسي أشوفك أوي ياشريف.. تفتكر هشوف؟"
تلاشت ابتسامته وهو يسمع رغبتها في رؤياه. أقصى أحلامها أن تراه، أن ترى من أحبت وتزوجت وضم رحمها طفلاً منه. وعندما ساد الصمت، زمت شفتيها بعبوس.
"متخافيش، مش هسيبك لو طلعت وحش ياشريف."
وفي ثوانٍ معدودة، تبدلت ملامحه وعاد وجهه يشرق، قاسمًا داخله أنه بعد وضعها لطفلهما سيذهب بها للخارج لإجراء عمليتها، وسيظل يسعى وراء ذلك الأمر إلى أن يراها مُبصرة.
"شريف، أنا عايزة أزور ماجدة."
***
أنهت ماجدة ارتشاف الشاي الذي قدمه لها سالم بعد أن بدلت الكؤوس، لترى بعينيها ما يحدث لها ذلك اليوم خصيصاً. كل شيء كان يفعله باحتراف معها. جلسوا مع بعضهم بتناغم، وكأنه ليس هو سالم الذي لا يُطيق لمسها، ثم اقترابه منها بعد إنهاءها آخر رشفة من الشاي خاصتها، يُغويها ببراعة فتستسلم له، ثم بعدها لا تشعر بشيء إلا وجوده بجانبها صباحاً.
انتظرت أن يبدأ مفعول المخدر عليه، ولكن لا شيء حدث، وظل يُتابع التلفاز دون اهتمام منه نحوها. مُلئ الشك فؤادها وهي تكاد تُجن، فكل شكوكها تنصب نحوه، ولكن أين الدليل؟
نهضت من جانبه حتى تختلي بنفسها وتفكر. وفور دخولها لغرفتهما، ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ماكرة.
***
عاد قبيل بزوغ الشمس بعد أن ظل ساعات الليل في سيارته هائماً بأفكاره. ألقى سترته فوق الفراش، يبحث عنها بعينيه بأرجاء الغرفة، مُقرراً أنه سيتبع معها الصمت حتى تعرف خطأها وفداحة كلماتها. هي استطاعت أن تُغير مشاعره وتجعله يتوق لقربها، دفئها، وصفاء الروح الذي تمتلكه، ولكن أفكاره لم تتغير.
الجمود والصلابة والكبرياء هم عنوانه، وهذا ما أحبته به سوسن وعاشت معه لسنوات دون أن تُطالبه بشيء آخر. يرضى أنوثتها كإمرأة، فترضى هي الأخرى رجولته وينتهي الأمر.
انتبه على خروجها من المرحاض تحمل المنشفة بيدها وتُجفف بها وجهها. تعلقت عيناه فوق ملامحها الباهتة، يُجاهد مشاعره. كبرياء وشوق، وبين هذا وذلك يضيع العمر.
رمقته صامته ولم تُحادثه بكلمة أخرى، ولكن عندما وجدها تضع كفها جبينها المتعرق، اقترب منها بلهفة.
"مالك يا ياقوت فيكي إيه؟"
خفق قلبها وتعلقت عيناها به، وما زال يسألها. وقد ضمها نحوه بحنو.
"ياقوت لو تعبانة قوليلي."
أصابه الضجر من صمتها والبرودة التي احتلت عيناها.
"المفروض اللي يزعل هو أنا مش أنتي... ضيعتي فرحتي وفرحتك."
ابتعدت عنه وعبارته تتردد داخلها بمعانٍ كثيرة. فأين فرحتها هي؟
"ضيعت فرحتك... طب وأنا؟"
ضاقت أنفاسه وهو يرى أن الحديث سيأخذهم نحو أعتاب أخرى.
"أنتي عايزة إيه ياياقوت.. عايزة تعرفي إيه وننهي المهزلة دي؟ مش هنبقى زي المراهقين نتخانق."
ولو عاد الزمن للوراء بسنوات، فكان عاشقاً متيماً يُراضي ويُدلل صفا، حتى أن مروان صديقه كان يُطلق عليه لقباً كلما تذكره سخر من نفسه. واقترب منها تحت نظراتها الباهتة، زافراً أنفاسه بهدوء.
"تعرفي إن النهاردة أسعد يوم في حياتي."
ورفع كفه يُلامس موضع طفلهما بأعين لامعة، وكفه الأخرى أخذت طريقها نحو خصلاتها تُداعبهما برفق، إلى أن هبط به نحو عنقها، ثم لشفتيها، وعيناه تلتقط كل إشارة ذوبان منها بين ذراعيه.
ثوانٍ مرت وهي صامتة، مسحورة، ضعيفة. ولكن قلبها انتفض بكبرياء من بين أضلعها، فانتفضت معه كالملسوعة، تبعده عنها.
"انت مش بارع غير في حاجة واحدة بس ياحمزة بيه."
وأتبعت عبارتها الساخرة وهي تسقط بعينيها فوق الفراش، ليصله المعنى بجدارة. لتتجمد عيناه نحو الفراش بعد أن غادرت الغرفة، وتركته ينظر للحقيقة التي أوصلها إليها: "زوجة للفراش وحسب."
***
انتفضت صفا فزعاً وهي ترى فادية تقف أمامها تُطالعها بإستعلاء وحقد.
"تصدقي مطلعتيش سهلة ياخريجة السجون... لفيتي على أخويا واتجوزتي."
وأردفت متهكمة، تضغط على شفتيها، غير مصدقة أنها ستصبح عمة لطفل منها هذه. وعند تلك النقطة، كانت عيناها تجول فوق بطنها. انتبهت صفا لنظرتها، فأرتجف جسدها خوفاً. كل ما فعلوه معها جعلها كالقط المذعور الخائف. تقارن بين مراهقتها وعمرها الذي في الثلاثون، ولا ترى إلا أن الأعوام زادتها خنوعاً.
وابدلتها. شرودها لم يجعلها تشعر بتقدم فادية منها إلا عندما أصبح جسدها بين ذراعي فادية تهزها بعنف.
"الطفل ده لازم ينزل، سمعاني... لو نزلش هموتكم انتوا الاتنين. مش بعد العمر ده كله تيجي واحدة زيك تورث اسم النويري."
"ابعدي عني... ابعدي عني وديني مكان بعيد، أنا مش عايزة حاجة منكم."
"بتعملي إيه يافادية؟"
تجمدت ملامح فادية خوفاً، وخشت أن يكون سمعها وهي تُهددها. ألتقطت عيناه ذعر صفا وانكماشها، فألمعت عيناه.
"مالك واقفة كده ليه يافادية؟ وإيه اللي جابك هنا؟"
تنفس فادية براحة بعد أن ذهبت مخاوفها، وألتفت نحوه ببطء، ترسم على شفتيها الوداعة.
"جيت أعتذر منها يافرات، قولت نفتح صفحة جديدة، مدام بقت خلاص فرد منا."
كانت تخرج الكلمات بصعوبة من بين شفتيها. فهل هذه ستكون فرداً منهم؟ طبعاً، لتدهور الزمن.
"وخلاص خلصتي كلامك معاها يافادية؟"
وقفت صفا تنظر نحوهم بشرود، تستمع إلى أكاذيب فادية وتشرد في تهديدها.
"انت بتطردني من بيتك يافرات... بتطردني ياخويا؟"
تنهد فرات سأم من أفعالها، لتعود بعينيها نحو صفا الواقفة.
"خد بالك منها يافرات... صفا عايزة تهرب وممكن تضيع نفسها."
اتسعت عين صفا ذهولاً تحت نظرات فرات الجامدة. مرت لحظات وهو واقف في مكانه يُحدق بها بعد أن غادرت فادية.
"اعملي حسابك هتتنقلي عندي في أوضتي."
***
وضعت المشروب أمام تلك الضيفة التي تُشعل داخلها مشاعر جديدة عليها معه. نظرت إلى التصاق الفتاة به، والتي تعد شقيقة أحد أصدقائه.
"أين مشروبي سماح؟"
ألتوت شفتي سماح امتعاضاً وهي تراه أخيراً انتبه لوجودها.
"مضر على صحتك."
قطب حاجبيه وقد ارتفعت شفتيه استنكاراً.
"لم أسمع يوماً أن مشروب الكاكاو الساخن مضر بصحتي."
"أنا قلت ذلك وانتهى الأمر."
استغرب من ردودها الفظة، فتعلقت عين هيلين بهم وهي لا تفهم شيئاً من اللغة التي يتحدثون بها.
"ما الأمر سهيل؟"
انتبه سهيل على تلك الجالسة جواره، ونهض بعكازه نحو سماح التي وقفت تعقد ساعديها أمامه وكأنها تتحدّاه.
"لا شيء هيلين... سنعود بعد دقائق."
طبق بيده على رسغ سماح وقادها خلفه وهي تهتف حانقة.
"ابتعد سهيل.. هل تجر بقوة خلفك؟"
دفعها نحو الطاولة التي تتوسط المطبخ، يرمقها بنظرات متفحصة.
"منذ قدوم هيلين وأنتي تتصرفين بغرابة. ماذا سماح؟ هل تُغارين؟"
"نعم.. أنا أغار عليك."
ضحك وهو يلتقط لغة جسدها.
"بالطبع تغارين فأنا رجل جذاب ولاعب مشهور عزيزتي."
"وأيضاً فظ وبارد و..."
وقبل أن تسترسل بسبابه، كان يُصمتها بالطريقة أثمرت معه نفعاً.
ابتعد عنها بعد دقيقة كاملة، ينظر نحو شفتيها.
"لذيذة أنتِ سماح."
***
وقفت سمر أمامه تنظر إليه وهو يوقع على بعض الأوراق. كانت تتذكر كلام ندي، فترسمه بمخيلتها، تتخيل هي التي بين ذراعيه. سذاجة ندي جاءت لصالحها، ولكن إلى الآن لا تعرف كيف تخطو خطواتها. فشهاب لا يتعامل معها إلا أنها كمجرد موظفة لديه لا أكثر.
"حجزتي التذاكر؟"
ماءت سمر برأسها، والفضول يقتلها نحو تلك الرحلة، وهي تظن أنها من سترافقه لوجود عمل هناك.
"هو أنا اللي هرافق حضرتك لدبي يافندم؟"
ناولها الأوراق التي أنهى توقيعها وهو يستنكر سؤالها.
"لو محتاجك أكيد هتكوني على علم ياسمر.. اتفضلي على شغلك."
بهتت ملامحها وخرجت سريعاً من غرفة مكتبه، تترك لدموعها العنان، فهي الأحَق بمثله، ومثلما تركها رجل يوماً، فلا بأس أن تجعل أحدهم يترك زوجته.
***
ابتسمت هند فور دخول ياقوت لمكتبها. ارتبكت من رؤيتها لذلك الشخص الذي يجلس بالمقعد المقابل لهند ويتحدث معها بأريحية.
"أجيلك وقت تاني ياهند؟"
"لأ تعالي ياياقوت، ده مش حد غريب.. ده هاشم أخويا."
تعلقت عين هاشم، يومئ برأسه كترحيب بها.
"دي ياقوت ياهاشم.. عايزة أقولك إنها موهوبة جداً وشاطرة جداً في التفصيل.. عندها قدرة رهيبة تتعلم أي حاجة بسرعة، وأظن إنها هتفيدك في شركتك."
وأشارت نحو ذاتها بفخر. لترتبك ياقوت من نظرات هاشم نحوها.
"زي ما أنا هفيدك بالظبط."
انشقت ابتسامة هاشم ببطء، وعاد يركز نظراته نحوها كأنه يفحص مقدرتها. وبداية جديدة قد بدأت.
***
الكل اجتمع ذلك اليوم تحت إلحاح نادية، رغم مشاغل كل فرد في العائلة. جلست ياقوت في مقعد بعيد عنهم. فلم تعتد تشعر بأي مشاعر نحو تلك العائلة، ولكن الواجب والذوق حتماً عليها المجيء. تناولوا الطعام بهدوء، والكل لديه فضول لما اجتمعوا اليوم.
لأول مرة، لم تكن لدى ياقوت مشاعر بالسلب نحو مريم، فلم تعد تجد لنفسها دوراً بحياته، إلا أنها حققت حلمه وحلم شقيقته بأن يصبح له طفل، وهكذا انتهت مهمتها بينهم.
انتهت وجبة العشاء، وجلسوا في غرفة الجلوس يحتسون مشروباتهم. شعرت برغبتها بالتقيؤ بعد أن تقدمت الخادمة بمشروب القهوة لندى الجالسة جانبها.
"إيه سبب الجمع السعيد ده يانادية؟"
هتف بها شهاب وهو يرمق شقيقه الجالس بهدوء. وقبل أن تجيب نادية عليه، نهضت ياقوت من فوق مقعدها مهرولة نحو المرحاض. انتفض حمزة من مكانه بعد أن أزاح ذراع مريم المتعلقة بعنقه، وأسرع خلفه.
تعجب الجميع من تعب ياقوت، لتبتسم نادية فلا داعي للانتظار.
"سبب الجمع السعيد ده.. ياقوت حامل."
رواية للقدر حكاية الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سهام صادق
بعد ما كانت تتخيله أن تراه هنا آتيًا إليها.
ارتجفت يدها القابضة فوق القلم، ورفعت عينيها خشية تُطالع أعين زميلاتها بالغرفة التي تعمل بها.
"مستر خالد."
"أيوة يا هناء."
أردف متهكمًا وهو يرمقها.
"قولت أجيبك أنا بدل ما أنتِ مش عارفة تجيلي."
تذكرت آخر لقاء بينهما، وقد ظنت أنه مجرد تهديد منه لغضبه من كذبتها وسيمضي الأمر.
"عندي اجتماع مع مراد، هخلصه والأقيكِ مستنياني بره الشركة."
وانصرف دون كلمة أخرى.
تعلقت عيناها به، وعادت تُطالع الأوراق التي أمامها، وإلى الآن لا تجد إجابة عما يفعله خالد معها.
انتبهت على صوت جيهان التي وقفت أمامها تعطيها الكتاب الذي أخبرتها عنه بأن تقرأه.
"هناء.. خدي الكتاب، أه صدقيني هتستفيدي منه أوي في حياتك."
"جيهان أنا محتاجة نصحتك أوي."
لم تكن جيهان إلا صديقة مستمعة، علمها الزمن الكثير.
رغم ساعات العمل، إلا أنهم استطاعوا اتخاذ بعض الوقت للحديث في المقهى المقابل.
"مالك يا هناء؟"
صمتت هناء للحظات، تُرتب بعض الحديث داخل عقلها.
متجاوزة البداية التي تشعرها بالمرارة.
قصت كل شيء على جيهان وهي تتابع تغير ملامحها وكأنها تُفكر بكل كلمة تنطقها.
"وإنتي إيه اللي خلاكي تدوري على شغل وجوزك عنده مكان يشتغل فيه ويقدر يساعدك؟ وليه كذبتي عليه عن مكان شغلك؟"
"مكنش هيوافق يا جيهان، ومكنتش عايزة مساعدته."
تعجبت جيهان، ولكن لم تطرق في الأمر كثيرًا.
"بصي يا هناء، مش قدامك غير حل واحد، فهمي جوزك الوضع واحكيله عن السبب اللي خلاكي تعملي كده. بلاش تخبي عليه، لأن اللي اسمه خالد ده مش نيته الفلوس."
وأردفت بعدما ارتشفَت القليل من الماء كي تروي حلقها.
"واحد في وضع خالد وعلاقة الشغل اللي بتربط بينه وبين جوزك، إيه اللي يخلي يتلاعب بيكي كده من ورا جوزك؟ فكري براحة وهتفهمي."
اتسعت حدقتا هناء وهي لا تستوعب ما وصل إليه عقلها.
"مش معقول مستر خالد متجوز؟ غير إنه شخصية محترمة، لا لا مش معقول يا جيهان تكون دي نيته."
"احكي لجوزك يا هناء، ومتخليش حد يتلاعب بيكي. حياتك في الريف وسط أهلك الناس البسيطة غير حياة المدن، اسأليني أنا."
ازدردت هناء لعابها بقلق جليّ على صفحات وجهها.
ولا حل كان أمامها إلا أن تحكي لمراد عن عملها الأول الذي كذبت فيه عليه والعقد الذي أمضته.
***
وقفت هناء في الممر الذي يقود لغرفة الاجتماعات تنتظر خروج بعض الموظفين.
اعتدلت في وقفتها المائلة نحو أحد الأركان وهي ترى خروج سكرتيرة مراد وبدء الباقي بالخروج.
تجمدت عيناها نحو خالد الذي كان يسير بجانب أحدهم ويتحدث معه بعملية، وعندما التقط عيناه بها أشار لها برأسه بأن تتبعه.
حديث جيهان شجعها وجعلها تسير بثقة تتجاوزه وهي تتجه نحو الغرفة لتفيض بكل شيء لمراد، فإذا لم يسمعه كزوج سيسمعه كابنة عمد.
لفت لتتفاجأ بقرب نغم منها.
"أسفة جيت في وقت غلط."
واندفعت تاركة الغرفة وصوت مراد يعلو خلفها باسمها.
أما عينا نغم فكانت تلمع بالظفر.
***
جلست شارده في غرفتها التي اتخذتها لها وحدها بعيدًا عنه.
تنهدت بحرارة، فثورتها لم تأتي معه بشيء إلا الصمت.
شرّدت في أمس حين اجتمعوا بمنزل نادية وأخبرت الجميع بحملها.
رأت الحزن في عين ندى، ولم تعرف كيف تفسره، خاصةً أما مريم كانت الدموع عالقة في عينيها.
مها الوحيدة التي هللت كطفلة صغيرة تخبرها أنها لن تصير الوحيدة بينهم حامل وتتعذب من تخيل ألم الولادة.
أما شريف كان طبعه هادئ دبلوماسي في ردود أفعاله.
وشهاب كان الأسعد بينهم وهو يحتضن حمزة غير مصدق أنه سيصبح أخيرًا عم طفلها، أو بالأصح طفليها.
حملت لهم تلك العائلة مشاعر مختلطة.
نادية لم تعد تركز معها، فما تمنته لشقيقها قد حدث.
فاقت من شرودها الذي بات يحتل كيانها على صوت رنين هاتفها.
تعلقت عيناها باسم المتصل ولم تكن إلا هند.
"ياقوت بكرة ميعاد مقابلتك، متضيعيش الفرصة دي منك، أنتِ موهوبة وبكرة يكون عندك شغلك الخاص."
انتهت المكالمة بعد بضعة دقائق.
كانت هند تشجعها لأخذ خطوة جديدة بحياتها.
تلاعبت بمفرش الفراش ولم تجد إلا النهوض بعزيمة متجهة نحو الغرفة التي أصبح يستقلها.
لفت للغرفة ببطء ترمقه بأعين حزينة.
قلبها الخائن أشفق عليه وهي ترى لأي حد كبرياؤه اللعين أخذه.
هو مسطح فوق الفراش بملامح شاحبة وفقد حيويته.
رأته بأعين زوجة محبة، ولكن قلبها لم يعد يشفع له، فالألم ثقُل عليه من كل اتجاه.
"حمزة."
لم يفتح عيناه، ولكن صوت أنفاسه وهبوط وصعود تلك المسماة بتفاحة آدم جعلها تعلم أنه مستيقظ.
"حمزة أنا عايزة أتكلم معاك ممكن."
"اتكلمي يا ياقوت."
ومن دون كلام كثير حكت له عن عرض العمل الذي قدمته لها هند في شركة شقيقها الذي عاد مؤخرًا من لندن.
"وحملك يا ياقوت؟"
"أنا مش تعبانة... لو تعبت أكيد هوقف كل حاجة."
ولمست بطنها بحنو، مما جعله يسلط أنظاره نحو موضع يديها.
"أنا هخاف عليه برضه."
تذكر طعنة كلمتها وهي تخبره بندمها بأن ربطت حالها بطفل منه.
"مدام إنتي مرتاحة مش همنعك عن حلمك."
وأردف بألم اخترق صوته.
"لتقولي عليا متجوزك عشان متعتي وبس."
"أنا مكنتش أقصد."
"مش محتاجة تبرري يا ياقوت... الغلطة كانت غلطتي من الأول."
ونهض من فوق الفراش يسير نحو الشرفة يقف أمامها شارداً في الظلام.
"كان من حقك ترتبطى بإنسان لسه عنده أحلام يعيشها، مش راجل عجز في عمره وتفكيره."
كادت أن تتحدث وتخبره أنها لم تكن تريد منه إلا حنانه وشعوره أنها ليست هامشًا وأنها في النهاية بشر.
كيف ستعرف أن زوجها ما زال يعشق امرأة أخرى وهي ليست بحياته بشيء.
"أنا عارف إني طفيتك... بس أنا كمان اطفيت من زمان يا ياقوت."
وقف الكلام بحلقها، وأخذ خافقها يخفق في أضلعها بلوعة.
لا تتحمل أن تراه بهذا الانهزام.
تقدمت خطوة نحوه، ولكن حديث سلوى وقف عالقاً أمام الكبرياء والقلب.
***
ضاقت أنفاس سماح وهي تنظر لنظرات جين نحوها.
كانت نظرات جين عدائية، ولكن لسهيل كانت نظرات محبة عاشقة.
"كيف حالك سهيل؟"
تمتم سهيل بهدوء وهو يُقلب في قنوات التلفاز.
"بخير يا جين، لما جيتي وتركتي نور الدين؟"
"إنه بخير لا تقلق... هو من أرسلني للاطمئنان عليك."
"متى ستعود للقصر؟"
تعلقت عين سهيل بسماح.
كان من المفترض أن يعود للقصر منذ أيام، ولكن الراحة التي يحياها هنا جعلته لا يود ترك شقته بالعاصمة والعودة لذلك القصر الكئيب.
اقتنص عبارته بكلمتان قبل أن يتابع بعينيه نهوض سماح واتجاهها نحو المطبخ بعدما تلقت رسالة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
"بعد أيام."
ونهض يتبعها يسير على كعبه، لتتعلق عين جين به حاقدة.
أخذت تتأكل بشفتيها والغل يقتلها، فزواجها بنور الدين لم يأتِ إلا عليها وظلت كما هي ممرضة ولا علاقة زوجية تسير بينهم.
مرت دقيقتان وهي تجلس هكذا يأكلها الحقد.
فنهضت بخطوات هادئة إلى أن اقتربت من المطبخ لترى سهيل كيف يمازحها.
"أعطني الهاتف سهيل."
"اجلبي بنفسك سماح."
ضاقت عين سماح مقتاً وشبت على أطراف قدميها، ولكنها لم تصل للهاتف.
ظل يقفز بالهاتف يمينًا ويسارًا مستمتعًا برؤيتها هكذا.
"سهيل أعطيني الهاتف أريد الحديث مع صديقتي."
"اصنعي لي الكاكاو الساخن أولاً ثم أعطيكي الهاتف."
كان يتذمر كالاطفال، مما جعل جين تتأمل الوضع وهي مذهولة تتساءل هل هذا سهيل؟ كيف تغير بتلك السرعة؟ هل هذا سحر تلك العربية عليه؟
أسرعت جين بترك المكان والتقطت حقيبتها مغادرة الشقة تركض بالطريق.
"لما هي؟"
"لما هي؟"
وصلت للقصر بعد أن تحجرت عيناها بالدموع.
لتنظر للحارس الذي يقف على بوابة الفيلا وكانت دوماً عيناه عالقة بها.
لم تشعر إلا وهي تجذبه لداخل الغرفة المخصصة له تهبه جسدها وعيناه لا تستوعب ما تفعله سيدته معه.
***
اتكأ فرات برأسه فوق الوسادة بعدما رتب الأريكة التي يغفو عليها.
مال برأسه نحو الفراش ليتأمل سكونها.
جلبها لغرفته اقتدارًا، وبعد معاناة لم يعد يطمئن إليها بعدما أخبرته شقيقته برغبتها بالهرب.
زفر أنفاسه بثقل وهي يتذكر حديث الضابط الذي كان يحقق بقضيتها قبل دخولها للسجن.
"هي كانت كبش فداء مش أكتر، وشالت الليلة بدل أبوها وجوزها اللي اتقتلوا."
ليصحح له فرات أنها ليست ابنة عدنان الأنصاري.
شروده في ذلك اللقاء وما غيبه عن عدنان كشخصية قاسية سادية جعله يقنط على حاله.
حتى عزيز الذي اكتشف مؤخرًا هروبه وعدم حقيقة موته لم تكن صفة له إلا هوساً وهو خدعها بـ "شهامتها".
غمض عينيه بعدما ثقلت جفونه.
لينهض مفزوعاً من رقدته وهو يسمع صراخها مثل كل ليلة.
"أنا مظلومة... متعملش فيا كده... ابعد عني."
صراخها كان مصحوبًا بالبكاء وصوت أنفاسها يعلو وكأنها بسباق.
"صفا اصحى.. صفا فوقي ده كابوس."
فتحت عيناها بصعوبة وهي تنظر إليه.
لتنهض من فوق الفراش راكضة نحو النافذة.
"انت عايز تقتلني."
ووضعت يدها على رقبتها تتذكر فادية وهي تقبض على رقبتها وتصرخ بها وطفلاً صغيراً ينادي باسمها.
عند تلك الذكرى لم تشعر إلا وهي تضم بطنها بذراعيها.
"متتخدوش مني."
اقترب منها فرات بخطوات مدروسة يُهدئها.
"صفا مش أنا وعدتك إني مش هأذيكي."
أومأت برأسها كطفلة صغيرة.
مما جعله يكره حاله، لقد وصلت لأسوأ مرحلة يصبح بها المرء.
"صفا إنتي محتاجة تروحي لدكتور نفسي."
"أنا مش مجنونة... إنتوا السبب."
***
توارت فادية خلف إحدى الأشجار في الظلام تُخفي وجهها بشال أسود تنتظر قدوم أحدهم.
"اتأخرت ليه."
التف الرجل حوله حتى يتأكد من خلو المكان.
"إيه الشغل اللي عايزاني فيه إيه يا ست فادية."
تعلقت عين فادية به وهي تتذكر جنون شقيقها بذلك الطفل.
أخرجت الصور التي تخبئها بعباءتها وأعطته له.
"تخلصني منها."
***
تعلقت عيناها بالمبنى الذي تحتله الشركة بابتسامة راضية.
كانت لأول مرة تتألق وتصبح سيدة يظهر عليها الثراء.
ملابسها كانت محتشمة ولكنها أنيقة.
لم تكن تقصد التأنق ولكن نظرات الكثير لها أنها مجرد امرأة ريفية جعلها تخرج من بساطتها لتريهم أنها تستطيع أن تكون مثلهم امرأة راقية أنيقة.
سارت بخطوات هادئة لتقف أمام سكرتيرة مكتب السيد هاشم.
"عندي مقابلة مع مستر هاشم."
"اسم حضرتك يا فندم."
"ياقوت زيدان."
تناولت السكرتيرة سماعة الهاتف الذي يصلها بمديرها لتُخبره عن هويتها.
"اتفضل."
أكملت طريقها نحو مكتب هاشم بارتباك، وقبل أن تطرق على باب غرفته هندمت بلوزتها وتنورتها.
"ادخل."
لفت بعد أن سمعت صوته يأذن لها بالدخول لتتعلق عين هاشم بها بعدما ترك الأوراق التي كان يطالعها.
ظل لثواني يرمقها إلى أن ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.
"اتفضل."
تقدمت نحو أحد المقاعد تجلس عليها ليسألها هاشم بعملية.
"ممكن أشوف شغلك."
أخرجت هاتفها لتريها الصور التي التقطتها لما صنعته.
كان هاشم يرمق كل صورة ببطء إلى أن تمتم.
"هايل.. هند كان عندها حق لما قالت إن ليكي مستقبل."
قفز قلبها فرحاً، فأخيراً شعرت بالحافز بشيء بحياتها.
"شكراً يا فندم."
تمتمت عبارتها وهي تطرق عيناها نحو أصابعها المتشابكة بتوتر.
ليأخذ هاشم الفضول وهو يتأمل أصابعها الخالية من خاتم خطبة أو زواج.
***
خرج صوت ماجدة بضعف وهي تُحادث شقيقتها.
"أنا محتاجاكي يا مها... تعالي زوري أختك ولا خلاص مبقتش أختك."
"إنتي عارفة إن شريف مانعني يا ماجدة، غصب عني."
تنهدت ماجدة بمرارة.
"عنده حق.. سامحيني يا أختي."
"مالك يا ماجدة إنتي فيكي إيه؟"
دمعت عين ماجدة بقهر.
"أنا تعبانة أوي يا مها... سالم مسافر بكرة الصبح، أنا عارفة إن شريف مش راضي يجيبك عشانه."
كان سالم يقف بالخارج يستمع للحديث الدائر بينهم.
ظنت ماجدة أنه غادر المنزل، ولكنه عاد بأدرجه بعد أن تذكر أنه ترك محفظته فوق الطاولة.
لمعت عيناه بخبث وهو يمسح على وجهه.
"أما نشوف يا حضرت الظابط ضربتك هتجيلك في إيه."
***
دفعت رؤى مريم أمامها نحو الملهى.
"يابنتي هتتبسطي وهتنسي نفسك."
"أنا خايفة يا رؤى."
"خايفة من مين؟ محدش بقى فضيلك خلاص."
بهتت ملامح مريم وهي تستمع لعبارتها.
فلا أحد بالفعل يهمه أمرها.
شهاب وندى سافروا وشقيقها وقته بين عمله وزوجته، أما حمزة الذي تأكدت بالفعل أنه ليس والدها بعد حمل ياقوت وتصريح شهاب وندى أنهم أخيرًا سيروا أولاده.
"عندك حق."
ارتسم الزهو على ملامح رؤى وجرتها خلفها.
إلى أن اقتربت من إحدى الطاولات تشير نحو أحد الشبان تُعرفها عليه، وأشارت نحو آخر وعيناها تلمع بهيام.
"وده فارس لسه راجع من لندن."
ركز فارس عينيه نحوها يرمقها باستحقار.
فمن تأتي لهنا لابد أن تنال تلك النظرة.
صدح رنين أحد الهواتف لينظروا لبعضهم.
فنهض فارس بعدما أزاح ذراع رؤى بحنق وخرج من الملهى.
"أيوة يا هاشم."
"انت فين يا فارس مش قولنا تبطل سهر وتنتبه لجامعتك."
"هاشم ارجوك متعش دور الأب بقى... فوزي باشا مش مهتم بابنه هتهتم انت."
تنهد هاشم مقتاً على شقيقه الذي كان السبب الأساسي في تدهور حاله.
"انت أمانة معايا يا فارس وعارف إني بخاف عليك قد إيه."
"ساعة وراجع متقلقش عليا."
وأغلق الهاتف شاعراً بالضيق متذكراً والدته التي سرقها الموت.
***
دلف لحجرتها قلقاً عليها بعد أن هتف باسمها لأكثر من مرة.
استمع إلى صوت الماء فتنهد وجلس على الفراش ينتظرها.
تعالى هاتفها بالرنين ليرمق الرقم، فألتقط الهاتف يستمع إلى الطرف الآخر.
"رقم الآنسة ياقوت."
أبعد الهاتف عنه ثم عاد يضعه على أذنيه.
"مين معايا؟"
"هاشم فهمي."
التقطت أذنيه الاسم ليأتيه صوتها بعدما خرجت من المرحاض.
"مين اللي بيتصل؟"
أغلق الهاتف والدماء تفور بعروقه.
لينهض من جلسته مقترباً منها يفحص يديها.
"ما عنده حق يقول الآنسة ياقوت يا مدام."
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سهام صادق
لم تستوعب مقصد عبارته إلا عندما رفع كفها اليسرى بمقت.
"فين دبلة جوازنا؟"
ضاقت عليها.
تحدثت ببساطة عجيبة عليه، استنكرها منها. ولكن أسلوب اللامبالاة الذي حدثتها عنه هناء لساعة كاملة عبر الهاتف جعلها تدرك أن هذا هو الحل، حتى لا تقضي باقي عمرها مقهورة من سوء المعاملة.
حدق بجسدها بلمحة فاحصة مما جعلها ترتبك. ولكنها أخذت تهتف بقلبها: "اثبتي يا ياقوت.. أنتي قررتي تبدأي اللعب معاه وتخرجي كسبانة.. مراد متغيرش مع هناء غير لما بدأت تحرمه من حبها."
كانت غارقة في بث الثبات لقلبها. لم تشعر بقرب أنفاسه ولا بيداه التي اتخذت طريقهما فوق ذراعيها. نسي حنقه من ذلك الذي حادثه وبقي شوقه لها هو المسيطر.
"ياقوت."
صوته الهامس باسمها ذبذب قلبها. ولكن الطريق الذي اتخذتهما يداه جعلها تنتفض من آسرها، تستوعب وضعهما.
ابتعدت عنه تحت نظراته المصدومة، يراها كيف انتفضت منه، تُداري عنه ما عراه من جسدها. ازدردت لعابها وهي تتحاشى النظر إليه.
"مين اللي كان بيتصل؟"
كان يلعن نفسه عن لحظة الضعف التي أصابته أمامها. لم يكن يومًا رغبته تقوده. فعاش سنوات مع سوسن، اقترابه منها كان محدودًا وهي من كانت تطالبه أو تظهر له لوعتها. أما الآن هو الراغب والعاشق. ولكن طعنتها له بكلماته ووصفها لعلاقتهم جعله يشعر وكأنه حيوان يبحث عن غرائزه.
فاق من شروده وهو يراها تلتقط هاتفها من فوق الفراش لترى هوية المتصل. عاد لجموده ولكن بصورة مهزوزة.
"مردتيش ياهانم. فين دبلتك؟ ومين هاشم ده؟"
التفتت بجسدها حتى تخفي لمعة عيناها. فها هي نصائح سماح أيضًا تثمر بالنفع. أفادها تجمعهم ثلاثتهم حتى لو كان ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
"قولتلك إن وزني زاد... وهاشم ده مديري الجديد وافتكر إني قولتلك اسمه."
هتفت بعبارات واثقة ولكن لم تستطع النظر بعينيه، فظلت على نفس وضعيتها.
"تخنّتي؟ خسّي؟ أو قوللي أشتريلك دبله غيرها. مش أستنى واحد يقول على مراتي آنسة."
التفتت نحوه واتسعت عيناها ذهولًا عما تسمعه. فلأول مرة تكتشف به ذلك الطبع. وما كان الطبع إلا غيرة. كانت خامدة مع زوجة هادئة مطيعة.
"أنتي بتبصيلي كده؟"
"مستغرباك... أنا عمري ما كنت محور حياتك. على فكرة أنا قالعة الدبلة من شهرين."
توقف الكلام على طرف شفتيه وتحولت ثورته نحوها لصمت. فمنذ متى كان يلاحظ تفاصيل بها.
***
وضعت رؤى الكأس المملوء بالخمر أمام مريم التي جلست تفرك يدها متوترة تنظر حولها بخشية.
"خدي، اشربي وفكيها يابنتي. متخافيش. كده هو حد مهتم بيكي؟"
وكلما ارتسم الحزن على ملامح مريم من تلك العبارة التي تجعله تشعر أن لا أهمية لها بين عائلتها كما تظن، كانت عين رؤى تتراقص طربًا. دفعت مريم الكأس عنها حانقة.
"قولتلك مش هشرب يارؤى. أنا جيت معاكي عشان أتبسط. أما شرب لاء."
"براحتك."
هتفت بها رؤى حانقة ونهضت من جوارها لتلصق بجسد فارس الذي جلس يركز أنظاره نحو مريم. وسريعًا ما اندمج مع لمسات رؤى البارعة فوق بشرة صدره.
جلست مريم تتأمل رؤى الخبيرة في جذب أعين الرجال. أما هي فلا ترى أحدًا مشدودًا بها. فهي بجسد طفولي وتقويم تضعه فوق أسنانها رغبة في أن تجعل أسنانها بأفضل صورة. وما زالت تعقد شعرها بضفيرة خلف ظهرها.
"أنتي بقيتي تصاحبي أطفال يارؤى؟"
خرج ذلك الصوت من أحد الجالسين وبجانبه إحدى الفتيات. وكأن الباقية كانوا ينتظرون شيئًا كهذا، فنفجروا ضاحكين.
"أنا مش طفلة واحترم نفسك يا اسمك إيه أنت!"
ضحك وليد الذي كان متلذذًا بإغضابها وعيناه مركزة على ملابسها الطفولية.
"روحي ياشاطرة بيتكم. اشربي اللبن ونامي. وخلي ماما تحكيلك حدوته."
سخريته جعلت الجميع ينفجر ضاحكًا إلا شخصًا واحدًا كان يتابع كل شيء باهتمام. وفجأة شهق الجميع ووقف وليد مصدومًا من فعلتها بعد أن أسكبت كأسه المثلج بوجهه وركضت بعدها خارج الملهى.
***
أحاط جسدها بذراعيه، دافنًا رأسه بعنقها الرطب يستنشق عبيرها بعشق حقيقي ولدته حياتهم معًا. حبها الكبير له أتى بالنفع بعدما كسرت جميع حواجزه. ندي تحملته بكل عجرته واستهتاره إلى أن أصبحت مرساه. ولم يعد يرى امرأة أخرى حتى حبه القديم نساه معها. أعطته كل شيء يرغب به أي رجل: زوجة تدلله، تشاغبه، تتسامر معه، تتقبل صمته وغضبه بهدوء إلى أن يعود إليها لتكون موطنه.
وقد أتى اليوم أن يبرهن لها أنه حقًا كامل بها ومعها.
"الجميل سرحان في إيه؟"
تمتم عبارته وهو يقبل عنقها قبلات متفرقة يبثها شوقه الذي لم ينطفئ بعد.
"بدأوا يسألوني حملك ليه اتأخر... الكل بقى يسألني ياشهاب."
آلمه قلبه وهو يسمع نبرتها الحزينة. فضمها نحوه أكثر.
"هتكوني ياحبيبتي أجمل أم. بس ربنا عايزنا نصبر شوية. أنتي سمعتي كلام آخر دكتور روحناله؟ قالك مفيش حاجة بتقف قدام قدرة الله."
أدارت جسدها نحوه فلم يتحمل رؤية دموعها.
"أنا بحبك أوي ياشهاب... كنت فاكرة إني بعاند قدري لما فضلت أدور حواليك عشان أتجوزك. بس أنا بحمد ربنا إنك كنت أجمل قدر لي."
لم يعرف أي يبكي على رؤيتها ضعيفة أمامه بقلب ممزوج أم يبتسم على ما تسمعه إياه مع دموعها التي تنساب على وجنتيها.
"يعني أنتي حتى لما تسمعيني كلام حلو بتعيطي... أنتي تركبتك إيه؟"
ابتعد عنها حتى يرسم على ملامحه العبوس ويُكمل مزاحه.
"لأ أنا محتاج أغيرك.. أو أرجعك لحمزة ويجيني واحدة تاني فرفوشة."
أوقفت حديثه. وفي ثوانٍ معدودة كانت تتعلق بعنقه وتقفز فوق ظهره.
"عايز تغيرني ياشهاب؟ وقول ياصبح."
ضحك حتى دمعت عيناه. زوجته الرقيقة انقلبت إلى ما سعى له بكلماته. وها هي ندي الشرسه تنهال من خصلات شعره تقطيعًا.
"إيدك يامفترية. أنا عارف إنك غيرانة من شعري من زمان. وكمان بتعضي. ماشي ياندي استحملي الهزار بقى."
"بلاش هزارك."
وقبل أن تُكمل باقي عبارتها صرخت متألمة بعدما ألقاها فوق الفراش بقوة.
"ده هزار ده ياشهاب. اتعامل معايا على أساس إني أنثى."
أعجبته الكلمة التي خرجت من بين شفتيها متألمة من أثر دفعته. ليقفز نحوها فتتصادم رؤسهما وعاد تصرخ ثانية وهي تضع كفها فوق جبهتها.
"متنهزرش معايا تاني. أنا كنت قاعدة مع نفسي بكلم النجوم."
"شوفي سبحان الله. الليلة بتقلب ديما معانا بعد الهييح نكد مع هطل. بس على مين؟ هقلبها من أول وجديد."
ولم تكد تنهض حتى تفر منه.
"رايحة فين؟ ما أنا مش جايبك أفسحك لله وللوطن."
"وقح."
وضاعت مع طوفان مشاعره. وخمد الألم مع الطوفان.
***
أغلق الملف الذي أمامه وعقله مشغول بها. لم يعتد منها تلك القوة وتمرد المشاعر الذي اعتادت عليها. نفخ أنفاسه بقوة مرددًا لحاله:
"بعدهالك يايقوت. عايزة توصيني لأيه؟"
قطع حبل أفكاره طرقة خافتة على باب غرفة مكتبه ثم دخول سيلين بملامحها الباهتة وملابسها السوداء.
اعتدل في جلسته مشيرًا إليها باشفاق.
"تعالي ياسيلينا."
اقتربت بخطى حزينة وجلست على المقعد المقابل لمقعده. فنهض ليجلس على المقعد المقابل لها.
"البقاء لله. مش عارفة أقولك إيه حقيقي. ربنا يصبرك."
اجتمعت الدموع في عين سيلين التي لم تجف على شقيقتها التي ماتت أمام مرأى عينيها في حادث.
"أنا جيت أقدم استقالتي يافندم."
"ليه ياسيلينا؟"
قالها حمزة مذهولًا فسيلين المحبة لعملها لأقصى درجة جاءت إليه اليوم تخبره بهذا القرار.
"معدش ليا شغف بالحياة. النجاح والجري في الدنيا كل ده سراب."
"أنا مقدر حزنك ياسيلينا لكن هي دي سنة الحياة. الفراق صعب لكن الموت هو الحقيقة الوحيدة في حياتنا اللي نسيناها وكلنا هنلاحق بعض."
تعلم بصدق كلمة يقولها ولكن حزنها على شقيقتها أبهت كل شيء أمام عينيها.
"أنا هعتبرك في إجازة مفتوحة ووقت ما تحبي ترجعي لمكتبك مكان محفوظ."
وثب من فوق المقعد ليتجه نحو مقعده خلف مكتبه. وأعين سيلين كانت عليه فلم تعرف بماذا ستجيب عليه. ولكن تقديره لحزنها جعل تقديرها له داخل قلبها يزداد.
"شكرًا يافندم."
أومأ برأسه وقد عاد إلى شخصيته ذو الملامح الجامدة التي لا توحي بما خلف ذلك القناع. فنهضت منسحبة ولكنها وقفت في منتصف الغرفة لتلتف نحوه مجددًا.
"خلي بالك من مريم ومن تصرفاتها. سنها ده محتاجكم جنبها."
وعندما سمع اسم صغيرته هب واقفًا.
"مالها مريم ياسيلين؟"
رآه فزعًا عليها وكأنه والدها الحقيقي. هتفت داخله وهي تتذكر رغبة الصغيرة في أن تجعلها تقترب منه وتفرق بينه وبين زوجته. ارتبكت من نظراته وإلحاحه في السؤال.
"مقصديش أقلقك يافندم. بس حضرتك عارف السن ده ومريم طيبة وممكن حد يستغل سذاجتها."
جاهدت بكل الطرق حتى تنهي ذلك الحوار وبالفعل تمكنت من إنهائه لتنصرف من غرفة مكتبه وهي تشعر بالراحة أنها لفتت نظره نحوها.
عاد لمكان جلوسه ينظر إلى الأوراق التي أمامه وقلبه شارد في حديث سيلين. التقط هاتفه سريعا يبعث على رقم صغيرته ليهاتفها حتى يرتاح قلبه. فهو يفهمها من كلامها وعيناها. ولم يعرف أن الصغيرة قد تخطت مرحلة الطفولة والدلال المفرط لا يفعل شيئًا إلا الإفساد.
***
وقفت فادية في شرفة غرفتها التي تحتلها في منزل شقيقها تنظر بجمود نحو صفا الجالسة بالحديقة تتأمل ما أمامها بشرود.
جزت على أسنانها بغل متمتمة بحقد:
"تتمسكني وتعملي نفسك ضعيفة ومكسورة الجناح لحد ما أكسرلك رقبتك من على وش الدنيا."
كان الحقد يملأ قلبها فكرهها لصفا منذ زمن فات وانتهى. كم ليلة كانت تسمع اسمها وزوجها نائم بين أحضانها.
أظلمت عيناها بحقد دفين.
"أخدتي جوزي وأخويا. أنا لأ أنتي ياصفا."
انفتحت بوابة المنزل لتتعلق عين فادية بالسيارة الآتية. توقفت السيارة ليخرج منها مكرم. فقبضت عيناها متسائلة.
"مكرم."
تقدم مكرم منها بخطى هادئة عندما انتبه لمكان جلوسها. كان فرات يتابعها ولكن عند قدوم مكرم تصلب جسده وتجمدت عيناه وهو يتذكر رغبة مكرم بالزواج منها وثورته حين علم أنها زوجته.
"صفا."
انتبهت صفا على صوت من يناديها. لم تنس صوته أبدًا. مهما التفتت نحوه ببطء فوقعت عيناه عليها وعلى الرجفة والخوف اللذان باتا في عينيها.
كلامها طعن قلبه في مقتل وهو يسمعها تهتف بحسرة:
"لو لسه عايز تنتقم مني. فمتقلقش الزمن أخد لمنال حقها."
"أنا عرفت الحقيقة ياصفا. عرفت إنك مش بنت عدنان."
خرج صوتها متألمًا وهي تتذكر حقيقة والدها ووالدتها وكيف أنكرت عائلتها الحقيقية نسبها لهم. فهم نسوا أنهم يومًا كان منهم هؤلاء.
"ما أنا برضه بنت واحد من رجالتهم. وأمي كانت رقاصة."
اقترب منها أكرم وقد أصابته عباراتها.
"أنتي ملكيش ذنب ياصفا."
وأردف بثبوت بعد أن حسم قراره:
"أنا مستعد أقف قدام الدنيا كلها عشانك. حتى لو كان مين الشخص ده."
"حتى لو كنت أنا يامكرم؟"
تجمدت عيناها نحو فرات الواقف بثقة دون عكازه. والتفت مكرم نحوه بثقة مهزوزة.
***
أشار بيده لهم بالانصراف بعد أن وضع خطة الموسم الحالي في الأزياء التي ستعرضها شركته. كل فرد جمع أوراقه ونهض ليتابع عمله. سقطت إحدى الأوراق منها. ولحظتها سقطت الورقة، كانت نفس اللحظة التي نهض فيها هاشم من فوق مقعده.
ارتبكت. فنظر لها مبتسمًا وانحنى بسلاسة دون كبر وتعجرف.
"اتفضل."
رغمًا عنها ابتسمت والتقطت الورقة منه.
"شكرًا يافندم."
تأملها هاشم وهو يتذكر مكالمته بها أمس ثم انغلاق الخط.
"اتصلت بيكي امبارح عشان تبعتيلي بعض تصاميمك الليفرجتيني عليها لكن..."
وقبل أن يتبع عبارته بتوضيح تمتمت معتذرة:
"آسفة يافندم."
فسأل مستفهمًا وهو يجمع أوراقه.
"هو ده رقم تليفونك ولا أنا غلطت في الاتصال؟"
أسرعت بالتوضيح:
"لأ رقمي. بس حصل سوء فهم."
فلمعت عيناه وهو يتذكر صوت ذلك الرجل الذي أجابه.
"يبقى اللي رد عليا أخوكي."
وقبل أن تصحح له الأمر، كان حمزة يدلف لغرفة مكتبه بعد أن رحبت به سكرتيرة هاشم. ليبتسم هاشم فور رؤية حمزة غير مصدقًا أنه يراه بعد تلك السنوات.
***
وقفت جامدة الملامح وهي تراهم يتصافحان بود. لم يأخذها فكرها لوقت طويل حتى تدرك كيف يعرف مديرها الحالي زوجها. فمعرفتهم ببعضهم أمرها واضح، فهو شقيق لهند زوجة مروان صديقه.
"متغيرتش ياهاشم. السنين مغيرتكش."
"ولا السنين غيرتك ياحمزة."
ضحك الصديقان. فوقفت هي تنظر إليهم ساكنة في وقفتها.
"تعرف إني حاولت أوصلك..."
وأردف مازحًا:
"بس مين يقدر ياخد ميعاد مع حمزة الزهدي؟"
تعلق عين حمزة بتلك الواقفة فأبتسم بلطف قبيل حديثه.
"وأنا جيتلك بنفسي ياسيدي."
وصمت لثوانٍ معدودة لم تتحرك عيناه عن زوجته.
"لأ وكمان مراتي بتشتغل عندك؟"
الدهشة اعتلت ملامح هاشم ونظر إليه غير مصدقًا أن زوجته تعد من أحد موظفيه وهو لا يعلم بالأمر.
"مين هي؟ أنا أول مرة أعرف المعلومة دي."
لم يتركه حمزة في انتظار إخباره بهوية زوجته. لتأخذه قدماه نحوها بخطوتين ثم التف ذراعه حول خصرها.
"أستاذة ياقوت مراتك."
هتف بها هاشم وقد اعتلت الدهشة ملامحه الوسيمة. فهند شقيقته لم تطرق معه في الحديث عن ياقوت أكثر من أنها موهوبة. ولكن كيف سيجمعهم حديث آخر عنها وهو لم ير شقيقته منذ أن عاد إلا ثلاث مرات فقط.
تصلب جسد ياقوت أثر احتوائه لها. وعيناها تعلقت بعينيه ليهتف بنبرة رجولية خشنة:
"مراتي للأسف ياسيدي مبتحبش المجاملات والوسايط في الشغل. ومبتحبش تستخدم اسمي في حاجة."
استرخت ملامح هاشم وهو ينظر لذراع حمزة المتلف حول خصرها.
"قولت أجي النهارده أقابلك وأوصيك عليها خصوصًا إنها حاليًا حامل."
الذهول مرسومًا في أعينها حتى شفتيها انفرجت قليلاً معبرة عن اندهاش صاحبتها.
ارتبكت مما يفعله وشعرت أنه يقصد فعل ذلك أمام هاشم.
"والله ياهاشم أنا معترض على شغلها ده بس أعمل إيه مقدرش أرفض."
وهنا خرج هاشم من طور دهشته ليبتسم وقد تعلقت عيناه نحوهما.
"محدش بيقدر يقف قدام قرارات الستات ودلالهم."
"عندك حق. أنا مقدرش أقول لاء ليها."
وكأنه اليوم لا يريد إلا أن يجعلها تقف كالبلهاء تتساءل من هو ذلك الرجل. وها هو زوجها يكشف عن شخصية أخرى لديه. حمزة الزهدي ما هو إلا رجل محنك لا يترك خيوط لعبته الجميلة.
***
اندفعت أمامه نحو سيارته حانقة من ذلك الدور الرخيص الذي فعله أمام مديرها وكأنها طفلة صغيرة أتى يوصي عليها.
عقدت ساعديها بعدما دلفت للسيارة. فصعد جانبها خلف عجلة القيادة بملامح مسترخية.
"مالك؟"
احتقت عيناها نحو يمينها حتى لا ترى وجهه.
"مكنش لازمه الدور ده. أنا مش عيلة صغيرة جاي توصي عليها صاحبك."
"المفروض تفرحي مش تزعلي."
احتقن وجهها من برودة كلماته.
"وأفرح ليه؟ عشان حمزة باشا جاي يقول لمديري إن مراته شغالة عنده ولازم تتعامل بأحسن معاملة. دور رخيص على فكرة ياحمزة بيه."
تجمدت عيناه ببرودة قاتلة. وبعدما كان الاسترخاء يحتل ملامحه والزهو يتراقص في عينيه تلاشى كل شيء. انحنى يعقد لها حزام الأمان صامتًا. ثم اندفع بسيارته بسرعة متوسطة وأصابع مشدودة فوق عجلة القيادة.
تنهدت بضيق ومقت لما وصلت إليه معه. خرج صوته أخيرًا يسألها:
"تحبي نتغدى فين؟"
وأردف ساخرًا دون النظر إليها.
"واه بكمل دوري الرخيص؟"
"على فكرة أنا مقصدتش."
هتفت عبارتها بهدوء. فأختلس النظر إليها وصمت ليتابع قيادته إلى أن وصل بها لأحد المطاعم الفخمة.
ترجلوا من السيارة سوياً لتتفاجئ بآخر شيء كانت تنتظره منه. حمزة يعانق يدها بيده. وقفت تنظر إلى أيديهم المتشابكة لينظر لها وكأنه يسبر روحها. أشاحت عيناها حتى لا يرى توقها لتلك المشاعر. حتى لا يرى أن زوجته ليس إلا بالمراهقة التي ترسم أحلامها الوردية حتى لا يرى أنها تحتاج لمثل هذا.
أكملوا خطواتهم نحو المطعم ليدلفوا للداخل. أحد موظفين الخدمة يرحب به. كان مطعمًا راقيًا مثل وجهته الخارجية. ولأول مرة يصطحبها لمثل هذا المطعم. جلست مسترخية بعد أن أزاح لها المقعد لتمتم له شاكرة.
مرت دقيقتان وهي تراه يتفحص قائمة المأكولات وقد تركت أمر اختيار الطعام له. كانت تتصفح هاتفها مما جعله يستغرب أمر ارتباطها بالهاتف. والذي كان مخفيًا عليها أنها تراسل كل من هناء وسماح في شاتهم المخصص. ولم تكن الموجودة ذلك الوقت إلا هناء التي أخبرتها بسعادة: "ده بدأ يغير ويحس بقيمتك. إحنا كده نستمر في الخطة. أوعي ياقوت تبقي زي الهبلة وتضعفي هتضيعي كل حاجة بنعملها."
كان ينظر لها وهي تخبر النادل بما يرغبون به. لتتجه أنظار النادل نحوها يسألها:
"والآنسة يافندم تحب تطلب إيه كمان؟"
توقفت أنامل ياقوت عن الكتابة لترفع طرفي عينيها نحوه لتجده جامد الملامح وكأن الكلمة تدور برأسه.
"لثاني مرة بسمع الكلمة دي. هل بالفعل هو عجوز ولا يرونها زوجته؟ أم بسبب حماقة زوجته التي لم ترتدي خاتم زواجهم اليوم أيضًا؟"
تحكم بأعصابه وهو يرمق النادل بغضب.
"المدام نفس الطلب. وأظن إني قولت عايز من كل صنف طبقين."
ارتبك النادل وأسرع في الانصراف من أمامه بعدما شعر بالحرج.
"عجبك كده ياهانم... بس هو الظاهر إن الكلمة بقت تعجبك."
"وأنا مالي. هما اللي شايفيني آنسة. الله يجبر بخاطرهم."
احتقن وجهه وهو يسمعها تتحدث ببرود يجعل غضبه يزداد.
"ياقوت بلاش البرود اللي بقيتي فيه ده."
"بس أنا مش باردة."
استفزته أكثر بردها.
"اعملي حسابك بعد ما نخلص غدا آخدك أجيبلك دبله غير اللي ضاقت."
"بس أنا عجباني دبلتي. وفال وحش لما أغيرها. استنى لما أخس الأول وأبقى ألبسها."
اشتعلت عيناه بالغضب. لتدرك أنها أوصلته لقمة غضبه.
"ياقوت بلاش تستفزيني."
"بس أنا مش بستفزك ياحمزة. وعشان أثبتلك حسن نيتي."
ونهضت من فوق مقعدها تثبت له حسن نواياها واقتربت منه لتفعل آخر شيء توقعه منها وهو أن تلثم خده.
كان مصعوقًا من فعلتها في البداية ولكن عندما ابتعدت عنه شعر أنه بحاجة أن يشعر بملمس شفتيها فوق خده ثانية.
عادت لمقعدها وقلبها يدق بعنف عن تلك الجراءة الماكرة التي اكتسبتها من علاقة هند وزوجها. وبعدما كانت عيناه مظلمة من الغضب أصبحت قاتمة من الرغبة. وها هي خيوط اللعبة تنساب من صاحبها لتصبح بين أصابع اللعبة.
***
حرب من النظرات القاتمة كانت تدور بين اثنينهما وهي تقف تنظر إليهم دون شعور. فمشاعرها قد سلبت وقد قضت العواصف على آخر ما تبقى لها. تحدي مكرم كان مهزوزًا ورغم ذلك هتف عبارته صريحة أمام فرات.
"حتى لو كنت أنت يافرات بيه؟"
اللمعت عين فرات بالثبوت وهو يوزع نظراته نحو مكرم.
"أنا هحترم الصداقة اللي بيني وبين والدك يامكرم. وإني في يوم كنت بعتبرك أخ صغير ليا."
وأردف بملامح جامدة:
"فهعتبر إني مسمعتش حاجة. واتفضل زيارتك مش مرحب بيها في بيتي."
تجمدت ملامح مكرم من طرده له وألمعت عيناه بحقد.
"متفتكرش إني هسيبهالك. مش هسيبها تضيعها بجبروتك وعقدك."
وانصرف بعدما ألقى بتوعده له بأخذها وحمايتها. أصابته كلمات مكرم. ليشرد في طفولته وهو يتذكر صفع والده له حتى يكون رجلاً قديرًا باسم العائلة التي لا تعرف إلا جمع الأطيان.
انتبه على تحركها من أمامه ليسرع خلفها يمسك ذراعها.
"استنى عندك."
ولم تمهله الوقت ليستوعب رؤيتها وهي تنفض يده عنها ثم تدليكها لذراعها.
"ابعد إيدك عني."
ثبت عيناه نحوها بملامح تخفي الكثير وعاد إلى صلابته.
"اطلعي جهزي نفسك عشان هنروح للدكتورة نطمن على الطفل."
***
اندفعت خلفه بخطوات متعثرة حتى تشبثت بقميصه تترجاه.
"حرام عليك يا شريف وديني أشوف أختي. أنا كل يوم أتحايل عليك."
وبكت بحرقة وهي تتذكر صوت ماجدة اليوم الحزين ورغبتها في رؤيتها. ولولا الشرخ الذي أصاب قدمها لكانت أتت إليها.
صوت احتياج ماجدة إليها يقتلها.
"قولت لاء يعني لاء يامها ومش هعيد كلمتي تاني. أختك أهلاً وسهلاً بيها هنا."
وصمت بعدما تجمدت ملامحه وهو يتذكر المعلومات التي جمعها عن سالم المتخابث.
"رغم إني مش حابب وجودها مدام هتفضل على ذمة اللي اسمه سالم ده."
"ماجدة ملهاش ذنب في كرهك لسالم ياشريف. شريف أرجوك وديني أشوفها."
تجمدت عيناه وهو يتذكر الرسائل التي تبعث له ويعلم أن الفاعل ليس إلا سالم الذي يتلاعب به. فالحقير يخبره ببعض الأشياء التي في جسد زوجته.
"مها اسكتي خالص."
ارتفع صوته غاضبًا مزجرًا بعدما تذكر آخر رسالة لسالم يخبره عن الوحمة التي في فخذ زوجته.
"ليه بتحرمني من أختي؟ هو عشان أنا عمياء ياشريف بتستغل عجزي وحاجتي ليك؟"
لم يكن يرى أمامه إلا سالم الذي أصبح يقسم داخل نفسه أنه سيبعثه للسجن الذي يستحقه.
"شريف."
جاءه صوتها رقيقًا. لينظر لعيناها الباهتة فمدّ كفيه نحو خديها يمسح وجنتيها برفق.
"مها اسمعي كلامي ممكن. أنا خايف عليكي ياحبيبتي."
"بس أنا عايزة..."
قاطع حديثها ووضع كفه فوق شفتيها حتى يجعلها تصمت.
"قولت إيه يامها."
***
تعلق عين فرات بالشاشة التي تعرض صورة جنين. ترقرق الدموع بعينيه وهو يشعر بمشاعر الأبوة التي ظل لسنوات يحرم نفسه من أمر الزواج بعد الحادث القديم الذي أصابه وأخبره الأطباء أن أمر الإنجاب سيكون صعبًا. لم يكن يبلغ عامه الثلاثين إلا وهو يعرف تلك الحقيقة المرة. لتزيد السنين من قسوته ثم يأتي اليوم الذي كان على وشك الوصول إلى رتبة أعلى بالجيش ليحدث له حادث آخر قضى على حلم دفن به نفسه داخله.
لا حب نصف فيه ولا أمل ولا حلم. ليصبح بعد ذلك كالحجر دون مشاعر. ولكن ها هو الأمل عاد وسيسير أبًا. إنها معجزة تحققت له مع صفا. ليس لديه شك أن الطفل طفله. فكل الشكوك قضى عليها.
مشاعره لم تكن تختلف عن صفا التي نسيت العالم كله وهي تسمع نبض طفلها. أتت من قبل للفحص مع نادية ولكن اليوم كان هناك شيء ينمو داخلها نحو ذلك الطفل الذي لم يأت إلا بانتهاك جسدها وروحها.
ألتفت نحو فرات بنظرات يملأها الكره عما صنعه بها. فهو السبب الأساسي الذي يجعلها لا تتقبل وجود طفلها. فذكرى اغتصابها دون رحمة لا تندمل. تلاشى كرهها له لتحتل الصدمة مكانها وهي لهفته في متابعة طفلهما والضعف الذي تراه لأول مرة في عينيه.
***
تعلق عين سمر ببهوت وحقد نحو الصور التي وضعتها ندي مع زوجها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ما يسمى بالانستجرام. كانت تقلب بين الصور لا ترى إلا حقيقة واحدة أنها أحق بحياة كهذه.
ألقت هاتفها بقوة فوق فراشها مما جعل شقيقتها تستيقظ من غفوتها تنظر إليها متمتمة:
"ربنا يهديكي ياسمرو."
وعادت تغمض عيناها لتعود لغفوتها.
تُرمقها سمر وهي تقضم أظافرها وشيء واحد تفكر به:
"ستفرق بينهم بالسحر. لا شيء سيكون أقوى إلا هذا ويصبح شهاب لها وتنطفئ سعادة الأخرى لتكون السعادة من نصيبها هي."
***
دَلفت للمنزل بعد يوم عمل مرهق من كل شيء. تفكيرها في خالد الذي تتهرب منه ومراد الذي يضيق حلقته عليها في العمل وكأنه يترصد كل خطوة منها. تذكرت نغم اليوم بملابسها الفاضحة والتصاقها الدائم بزوجها وكأنها تتحدها. لم تثر عليه ذلك اليوم بعد أن فرت من مكتبه قادها كبرياؤها للصمت حتى تريه أنه لم يعد يفرق معها. ولكنها ظلت تشتعل وحدها من الغضب.
انتبهت على صوت ضحكات تقي وعمها لتقترب من مصدر الصوت متعجبة. لينهض فؤاد مبتسمًا:
"أخيرًا رجعتوا."
وبحث عن مراد بعينيه ليتساءل:
"فين مراد؟"
"رجعت قبله يا عمي. لسه في الشركة."
هتفت عبارتها بهدوء. ليفتح فؤاد لها ذراعيه حتى يضمها. فأقتربت منه تعانقه بفتور شعر به فؤاد فتألم.
"هروح أسخن الأكل."
قالتها تقي التي اتجهت نحو المطبخ. فنظر فؤاد لابنة شقيقته.
"لسه زعلانه مني ياهناء؟"
لم تعتد على الكذب وإخفاء مشاعرها.
"لو قولت لاء أبقى كذابة."
"سامحيني يابنتي."
وأطرق عيناه بندم.
"صدقيني جوازكم كان في مصلحتكم. وأنتي بتحبيه ياهناء."
تذكرت تلك الليلة القاسية ومراد يُصارحها بحقيقة مشاعره نحوها وزواجه منها من أجل والده.
"فعلاً كان في مصلحتنا. وأول حد كان في مصلحته أنا."
تمتمت ساخرة فضمها فؤاد نحوه.
"أنا عارف إني ظلمتك مع ابني. بس أنا مكنتش هلاقي أحسن منك لابني ياهناء."
وعند تلك العبارة كان مراد يدلف للمنزل ويتجه نحوهم وعيناه توعد لهناء التي خالفت أوامره ورحلت من الشركة بمفردها.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ألقى السلام ثم اقترب من والده يحتضنه. فكانت الفرصة لهناء للابتعاد.
تابعه بعينيه وهي تفر من أمامه حتى دلفت غرفتهما. تحدث مع والده قليلاً يسأله عن أحوال صحته ونادية والعمل. إلى أن جاء الحديث نحو سبب مجيئه.
"ليه يابابا مسيب تقي. لسه الإجازة فاضل فيها شهر."
"كفاية كده يابنيا."
اقتربت منهما تقي تلك اللحظة تهتف بمشاكسة لشقيقها.
"أنا سامعة حد بيقول أقعد كمان. مع إن بقيت حاسة إني ضيفة تقيلة."
ولم تكد تكمل مزاحها لتتلقى من مراد دفعة فوق رأسها.
"ماشي يا أم لسان طويل. هدخل أغير هدومي عشان مزعلكيش."
صرخة مكتومة خرجت من هناء وهي تجده يدلف للداخل وكانت تقف تبدل ملابسها. أسرعت ترتدي منامتها على عجلة.
"مش تخبط قبل ما تدخل."
"وإنتي من إمتى بتغيري هدومك بره الحمام؟"
واقترب منها وهو يفحص جسدها بنظرات كالصقر.
"غير إنك مراتي ياهناء. ومسح على جسدها. وجسمك ده من حقي. بس أنا متنازل عن حقي في الوقت الحالي. عارفة ليه؟"
صمتت تنتظر إجابته.
"عشان بعاقب نفسي على قلة عقلي يوم ما رفضتك يابنت عمي."
طربت عبارته قلبها ولكن سريعا ما تلاشت ذلك الشعور. لينحني نحوها هامسًا.
"بعد ما بابا وتقي يمشوا. لينا قعدة مع بعض عشان أفهم من مراتي المحترمة إزاي تضحك عليا وتخبي شغلها عني في الفندق."
***
انكبت ياقوت أمام كشكولها تبدع في تصميم الحقيبة والحذاء اللذان سيناسبان الثوب الصيفي الذي تصممه. كانت تدندن بلحن لأغنية شعبية قد سمعتها في إحدى المناسبات وعلق اللحن بأذنيها.
لم تكن تشعر بحركة كتفيها وهي مندمجة مع اللحن ولا بهيئتها المغوية ولا نظراته المسلطة نحوها. تشتت عقله عن الأوراق التي يفحصها فألقى الأوراق أمامه ثم أتبعهم بنظارته الطبية.
رنين هاتفه جعله يسترد عقله قليلاً ويبعد ذهنه عنها. تحدث قليلاً في الهاتف مع أحد شركائه وعيناه كانت تأخذ طريقهما نحو هيئتها المغوية. لينتهي الاتصال سريعًا ثم ألقى الهاتف بعنف فوق الأريكة الجالس عليها ونهض متمتمًا داخله بضيق:
"كده كتير. مش معقول مش قادر أستحمل بعدها عني."
اتجه بخطوات سريعة نحو غرفته حتى يهرب من تأثيرها عليه ولا يضعف أمامها ويسقط كبرياؤه. ولكن وقف جامدًا في مكانه وهو يسمع صياحها السعيد وتصفيقها.
"أخيرًا وصلت للي أنا عايزاه."
كانت في عالم آخر لا تشعر به. لا تشعر إلا بالتحدي الذي أصبح بينها وبين زملائها والحماس الذي يعطيه هاشم لهم.
اتجهت أقدامه نحوها ولم تشعر بقربه إلا وهو ينحني نحوها وصوت أنفاسه الساخنة تلفح عنقها فأبتلعت لعابها بتوتر.
"في حاجة ياحمزة. أحضرلك العشا؟"
"بتعملي فيا كده ليه. فاهميني."
"بعمل فيك إيه؟"
خرج صوتها بتعلثم من قربه.
"بتعملي فيا كتير ياقوت. أنتي عايزة توصيني لأيه؟"
لم يكن هدفها إلا أن تصل معه مثلما وصلت هي امرأة عاشقة محبة. هل حبه لها كثيرًا عليها؟ هل صفا أفضل منها ليحبها دون أن ينساها؟
"مش عايزة أوصل لحاجة. أنت مقرب كده ليه؟"
ألصقت بطاولة الطعام وأخذت تلملم أوراقها حتى تفر هاربة من طغيان سحره عليه. لم يمهلها الفرصة للفرار وقد فهم نواياها. لينتشلها من فوق المقعد الجالسة عليه يغمرها بعاطفته.
تخلصت منه بصعوبة تلتقط أنفاسها.
"حمزة ابعد عني. مش هخضع تاني ليك."
وركضت من أمامه ولسوء حظها كانت تتجه نحو الأريكة فتعثرت بالطاولة لتسقط فوق الأريكة. ولم يزده رفضها له إلا عنادًا.
حاصرها بين ذراعيه.
"ليه عقلك بيوصلك إن ده خضوع ياقوت. فاهميني ليه؟"
دمعت عيناها وحديث سلوى يعود إليها.
"ملقتش منك غير ده. ابعد عني بقى."
أظلمت عيناه وهو يرى رغبتها في التخلص من أسره. رنين خافت من هاتفه الذي أسفلها ثم انفتح الخط وصوت أنفاسهم يعلو.
رواية للقدر حكاية الفصل الخمسون 50 - بقلم سهام صادق
مرت دقائق تفصلهما عن كل شيء، حتى أنها لم تشعر به وهو يحملها من فوق الأريكة متجهًا بها إلى غرفتهما. شعر برضى وهو يرى ضعف مقاومتها ثم اندماجها مع مشاعره، ولكن العقل لم يأبى الرضوخ. حديث سلوى ونادية التي ذهبت إليها حتى تسألها عن سبب كذبتها عليها، وصوت والدتها تخبرها عبر الهاتف عن إحدى بنات جيرانها قد حالفها الحظ وتزوجت بثري عربي، ثم عادت لأهلها تحمل طفلًا في أحشائها مطرودة. فالرغبة قد انطفأت. الكل يضع حياتها نحو الهاوية. هي لن تكمل مع حمزة فالإجابة واضحة، هو رجل ذو شأن وهي فتاة عادية. خبرتها بالحياة ضئيلة، ولولا حياتها مع تلك العائلة لظلت طيلة حياتها ياقوت الخادمة لزوجة أبيها، ياقوت التي لا تنطق إلا بالنعم، ياقوت التي من أقصى أحلامها أن تمسك بهاتف حديث الطراز تتصفح فيه مثل صديقتها هناء لترى عبره عالمًا آخر. ياقوت التي تمنت أن تأخذها والدتها بين ذراعيها تعطيها النصيحة بخبرتها.
غرق معها في العالم الذي يريحه بين ذراعيها. زوجته الحمقاء تظن أن شغفه بها رغبة، إنما الحقيقة جوع لما حُرم منه، إنه تطهير له لما دنسه الحب داخله يومًا.
وفي خوض مشاعره الهائجة معها سقطت دموعها بعدما لم تعد تتحمل الصراع الذي يواجهها. هل ترضى بحياتها معه هكذا أم تتمرد قليلًا لعلها تشعر بمكانتها داخل قلبه؟
"ليه حبتها ومحبتنيش؟"
تَهمست بهمس، فتصلب جسده، وتعلقت عيناه بها. أعادت سؤالها بوجع أكبر:
"ليه أنا مينفعش أتحب؟ ليه ناقصة في كل حاجة؟"
عيناه ظلت غارقة في ظلمة عينيها. تذكر حلم هروبها منه الذي أخذ يروقه ليالي طويلة، يُفكر في دنائته منذ البداية معها. يخشى أن يعاقبه القدر بعد أن بدأت حصونه جميعها تنهار وتتبدل الظلمة التي بداخله للنور. وسؤال آخر سألته وهي لا تعرف أنها أعادت الماضي إليه:
"مدام بتحبها ليه سيبتها تبقى لغيرك؟"
"اسكتي يا ياقوت... اسكتي."
وانتصبت واقفا يحرر الباقي من أزرار قميصه. لعله البرودة تزيل عنه الماضي بأعبائه.
"صفا كانت ماضي مبحبش أفتكره... عارف ليه؟"
اتبع عبارته وهو يلطم فوق صدره بجنون:
"عشان بشوف صورة لراجل مكسور، مهزوم، مدمن."
أظلمت عيناه وهو يتذكر نظرة الألم التي صاحبت أعين والدته الطيبة:
"اترفدت من شغلي... حلمي ضاع... دفنت شبابي وعشت ديما بدي مش باخد... عايزيني أكون إزاي؟"
كانت في عالم آخر وهي تسمعه لا تُصدق أنها تراه مهزومًا يتحدث عن ماضيه بشحوب، وكأن الماضي كان كالصفعة بالنسبة له. هدأت أنفاسه بعدما كان الصراع مشتعلًا بين أضلوعه دون هوادة:
"منكرش إني حبيت صفا في يوم... حبها كان لعنة وضعف... زي السحر كده."
وألتمعت عيناه بسحابة من الظلمة:
"أحيانًا الحب بيكون لعنة... لعنة بتخلينا لا بنشوف ولا بنصدق."
تخذت دموعها طريقهما نحو وجنتيها دون توقف مع كل كلمة تسقط على مسمعها فتدمي قلبها. تتساءل كيف أحبها كل هذا الحب وجرحته. لم تكن محظوظة بالحب، ولكنها كانت تسمع عن مرارته:
"وبدل ما أتعلم من لعنته... فتحت الباب ليه من تاني."
تَهمست به وعيناه كانت ثابتة نحو عينيها وكأنه يُخبرها صراحة أنها لعنته الجديدة:
"فاكراني مكنتش بتوجع من نظرتك لشهاب مع ندى وشريف ومها؟ مافيش راجل بيقدر يستحمل نظرة نقص من مراته لغيره."
"كان نفسي تحكيلي كل حاجة عنك من البداية."
خرج صوتها أخيرًا تُلملم شتاتها:
"لأنك محولتيش تخرجي اللي جوايا... أنا فعلًا بترجم حبي ليكي بالطريقة اللي عقلك وصلها... بس ده مكنش إهانة مني يا ياقوت... عقلك صورلك إن كده بهينك."
تاهت معه تلك الليلة، فلم تعد تعلم أهي المخطئة أم هو. وأخيرًا حسمت قرارها بضعف:
"أنا منفَعش في حياتك دي."
وعند تلك النقطة لم تشعر إلا بذراعيه وهو يهزها:
"سلبية وضعيفة... هتفضلي لحد إمتى كده؟ اهزميني واهزمي نفسك لمرة واحدة... اهزمي ضعفك... اتحرري من ماضي أهلك... اتحرري إنك هتعيشي نفس تجربتهم... دافعي لمرة واحدة عن حقك حتى لو خسرتي."
انهمرت دموعها مع كل دفعة يدفعها لها، وتنثرت خصلاتها فوق وجهها، تهمس بخفوت:
"حمزة كفاية."
ليستوعب بعدها ما يفعله، فأبتعد عنها يتأمل شحوب وجهها. ثم حركت يداها نحو بطنها، سألها بلهفة ناسيا ما كانوا يتحدثون به:
"حاسة بإيه؟ قومي البسي أوديكي للدكتور لو تعبانة."
كانت عيناها عالقة به تنفي برأسها الألم، تتكئ على جانبها حتى تغفو، تعيد كل كلمة هتف بها على مسمعها. وكلمة واحدة كان صداها عالقًا في قلبها وعقلها: "ضعيفة". ولم يُخطئ أبدًا في تلك الحقيقة.
شعرت بقرب أنفاسه منها ويده التي أخذت تمسد ظهرها، والأخرى بطنها:
"ياقوت طمنيني عليكي."
"خايف عليها."
غمضت عيناها تنتظر إجابته:
"خايف عليكم انتوا الاتنين يا ياقوت."
ولم تشعر بعدها إلا بثقل جفونها ثم غفوتها وذراعه تضمها بحنو.
***
ألتقطت مريم السيجارة من يد رؤى التي نظرت نحو وليد بمكر. سعلت بقوة، فهتفت رؤى بتشجيع:
"هتتعودي عليها متخافيش... اشربي وانسى."
تساءلت مريم بحيرة وهي تضعها بين شفتيها مرة أخرى:
"هي السجاير مش حرام صح؟"
ضحك كل من في الجلسة متعجبين سؤالها، ليُتمتم وليد بخبث:
"ماقولنا لو عايزة تبقي معانا بلاش شغل الأطفال ده."
احتقن وجهها من رده الفظ، وأخذت تنفث دخان السيجارة إلى أن شعرت أن السعال بدأ يخف وبدأت تستمتع بالأمر.
كانت عين رؤى عالقة بها تبتسم لما وصلت إليه. فبعد أن فقدت الأمل أن تأتي معها لذلك المكان ثانية، هاتفتها الليلة تطلب منها المجيء، وها هي تندمج معهم وقريبًا ستصبح مثلهم. مال وليد برأسه عليها هامسًا وعيناه تتفحص جسد مريم بوقاحة:
"لا عرفتي تجريها صح ياحنينه."
تعالت ضحكات رؤى وأبعدت عيناها عن مريم التي أخذت تنظر إليهم بقلق. وقبل أن تسأل رؤى عن سبب ضحكاتها، نهضت راكضة نحو فارس الذي دلف للتو من باب الملهي:
"النايت كلب كان هيبقى وحش أوي من غيرك."
ارتفعت طرفي شفتيه مستنكرًا، ولكن لا بأس من التمتع بمثلها:
"بجد؟ أومال ليه شايفك مندمجة مع وليد؟"
"أبدًا، ده هو اللي بيجر معايا كلام عشان مريم."
تجمدت عيناه نحو الجالسة على طرف أحد الأرائك تُدخن بطريقة أشارت اشمئزازًا. فالمكان وما يفعلوه لا يليق بمثلها، ولكنها هي من اختارت الطريق، فلتتحمل العواقب.
***
فتح فرات عيناه يبحث عنها فوق الفراش في ظلمة الغرفة ليسترقي السمع وهمهمات صادرة. انتصب من رقدته لتتضح له الرؤية. كانت ساجدة فوق سجادة الصلاة تبكي بضعف. اهتز قلبه لرؤيتها هكذا، ولا يعلم اهتزاز قلبه كان على ضعفها أم الخشوع.
أنهت صلاتها فتعلقت عيناها به، وخرج صوتها كهمس ضعيف:
"بتبصلي كده ليه؟"
"بقيت مستغرب تحولك يا صفا."
هتف بها لتطرق عيناها نحو أصابعها:
"كل البيبان اتقفلت في وشي إلا بابه هو."
صمتت تسترجع كل ما حدث لها منذ دخولها للسجن إلى الآن. لم تعتدل الحياة ولا الناس معها إلا عندما اقتربت هي من الرحيم واطرقت بابه طالبة منه رحمته.
"أنا آسف."
خرجت الكلمة من شفتيه باهتزاز لا يُصدق أنه نطقها. ولكن هي بالفعل لديها حق معه. أذلها من أجل شقيقته وفهمه الخاطئ عن علاقتها بـ عزيز الفاسد. عاقبها من أجل منال ولا ذنب لها بمصيرها. فحتى حمزة الذي صفعته قديمًا بفعلتها، سواء كان ضعف وخضوع منها لأوامر عدنان أو خيانة، لم يفعل بها شيئًا إلا الهجر والبدء بحياة جديدة. هكذا هم الرجال. أما هو الرجل العسكري، فلم يكن إلا الجلاد الذي قرر الانتقام، وهو لا يعرف أي ذنب اقترفته معه حتى ينتقم منه.
نهضت تحت نظراته التي تفحصها بحيرة لتطوي سجادة الصلاة. وقبل أن تتجه نحو الفراش، وقفت تخبره:
"أنا موافقة أروح للدكتورة النفسية... عشان نفسي وعشان ابني، يكفيه أنه هيبقى ابن لأم خريجة سجون."
وعذاب آخر كان يُضاف إليها، وكما أخبرتها فادية صباحًا ساخرة: "هيعايروا بيكي... ابن فرات النويري، أمه كانت سجينة في سجن النسا... هتبقى نقطة سودة في حياته، لا وكمان مجنونة."
وخرجت تضحك بضحكة جلجلت أرجاء الغرفة، وما زال صداها يخترق أذنيها لتدفن رأسها أسفل وسادتها. وأعين فرات تتبعها.
***
ودع مراد والده وشقيقته في الصباح الباكر، وانتظر إلى أن تحركت سيارة والده وتحرك عائدًا لتلك التي أصبح لديهم حديث لا بد أن تُفسره له.
دلف للشقة ليجدها أزالت الطعام عن المائدة ولا أثر لها. هتف باسمها وهو يخطو نحو غرفتهما ليتفاجأ بخلو الفراش منه. تلمع عيناه وهو يعلم أين سيجدها:
"كنت عارف إني هلاقيكي هنا."
تشبثت بالغطاء فقد عادت إلى غرفتها القديمة قبل قدوم تقي إليهم.
"هناء متعمليش نفسك نايمة، ماهو مش معقول هتنامي في عشر دقايق."
وصرخ باسمها عاقدًا ساعديه أمام صدره:
"هناء بلاش شغل العيال ده... واصحي كلميني، ما أنا مش رايح الشغل النهارده. ولا انتي إلا أم؟ افهم حكاية شغلك في الفندق."
انتفضت من أسفل الغطاء وانتصبت واقفة فوقه تمسد فوق ملابسها:
"لا، أنا عندي شغل مهم لازم أروح."
"هناء!"
عاد صوته بصراخ أعلى لتنظر إليه متسائلة:
"عايز تعرف إيه؟"
"ليه خبيتي عني يا هناء؟"
أغمضت عيناها تتذكر بداية زواجهم وما عاشته معه:
"كنت مجروحة، عايزة أعمل أي حاجة عشان أثبت لنفسي إني عايشة وأنسى حلمي اللي موته... ملقتش شغل غير في الفندق... كنت عارفة إنك مش هتوافق عليه... كنت بكرهك أوي وبحقد عليك، كنت عايزة أهرب منك، بس هرجع أقول لأهلي إيه؟ أنا اللي اخترت وادي نتيجة اختياري."
تَهمست عبارتها بثقل تشعر بالألم يعود إليها:
"عايز تعرف إيه تاني يا مراد؟"
وفي لحظة كانت تهوى بين ذراعيه يضمها إليه، يسأل نفسه هل كان حقيرًا لتلك الدرجة:
"تعالي نتجوز من أول وجديد يا هناء... اديني فرصة أصلح غلطي وننسى اللي فات."
***
وقفت شارده في ليلة أمس، عقلها يُفكر في كل كلمة أخبرها به. لم تنتبه ليد هاشم الممدودة إليها بالرسمة التي وضع بعض تعليقه عليها وهو يُخبرها بالتعديل المطلوب:
"مدام ياقوت، انتي معايا؟"
كرر ندائه باسمها للمرة الثانية، لتُحرك رأسها يمينًا ويسارًا، حتى تُنفض الأفكار العاصفة بعقلها:
"أيوه يا فندم."
"لا، انتي شكلك مكنتيش منتبهة خالص لكلامي... على العموم يا ستي، التصميم ممتاز بس لازمه بعض التعديلات."
عاد يشرح لها المطلوب منها، لتلتقط منه الورقة تُحرك رأسها بحركات بسيطة دلالة على فهمها:
"في أي حاجة تاني يا فندم؟"
ابتسم بلطف إليها:
"لا يا ياقوت، اتفضلي."
خرج اسمها مجردًا من شفتيه وظن أنها ستُعلق، ولكنها ابتسمت والتفتت بجسدها للمغادرة.
"ياقوت!"
هتف اسمها، فالتفتت نحوه ثانية تنتظر ما سيخبرها به:
"صحيح، مبروك ليكي انضمامك لينا كشريك في المؤسسة."
اتسعت عيناها مما تسمعه، فكيف صارت شريكة في تلك المؤسسة التي تعلم أن فروعها ليست بمصر فقط:
"شريك إزاي يا فندم؟"
تساءلت وهي تُحاول ربط الأمور ببعضها:
"إحنا كنا محتاجين شريك بنسبة 20 في المية، وحمزة دخل باسمك... أنا كنت فاكر إنك على علم، بس شكلي ضيعت المفاجأة."
***
استيقظت على لمسات مشاغبة تُداعب جسدها. أخذت تتأفف بضجر هاتفه:
"يالكِ من ناموسة ثقيلة الدم."
ارتفع حاجبه سهيل حانقًا مما سمعه:
"ماذا؟"
فتحت سماح عيناها بثقل ورغبة شديدة للعودة للنوم:
"مثلما سمعت سيد سهيل."
ارتفعت زاوية شفتيه استنكارًا مما تتفوه به:
"انهضي... أنا جائع."
"لست خادمة لك بعد الآن... اجعل هيلين هي من تخدمني."
لم تدرك ما تفوهت به إلا عندما تراقصت عيناه طربًا:
"أشعر أن الغيرة بدأت تحرقك سماح."
"أنا لا أغار على أمثالك سيد سهيل."
لم يترك أذنيه تستمع لصراخها أكثر من ذلك، بل جعل شفتيه من تتولى الأمر ليبتعد عنها بأنفاس لاهثة:
"تحدثي بعد ذلك هكذا وستنالي عقابي حلو."
تجمدت عيناها نحو خطواته وهو يسير ببطء على ساقيه دون عكازه، غير مصدقة أنها باتت تنتظر قبلاته. ضربت جبهتها بحنق من ضعفها:
"غبية سماح... ستعودي للضعف ثانية... لم تتعلمي من تجربتك مع ماهر."
***
وقفت تتأمل ناطحات السحاب أمامها من المبنى المُقيمين به. صدح رنين هاتفه لتلف هاتفها باسمه:
"شهاب، تليفونك بيرن."
كان يقف في المرحاض يحلق لحيته، وعندما سمع صوتها:
"شوفي مين ياحبيبتي."
ألتقطت الهاتف لتقع عيناها على الاسم المدون: "سكرتيرة مكتبه".
لتهتف قبل أن تُجيب:
"دي سمر... هرد عليها."
أجابت على الفور مما جعل يد سمر تقبض على الهاتف بقوة وقد تبدلت ملامحها للحنق:
"إزيك يا سمر؟ وحشاني."
جاهدت نفسها ومشاعرها الحاقدة نحو ندي:
"إنتي كمان وحشاني ياندي."
وأسـرعت في سؤالها:
"ممكن أكلم مستر شهاب؟"
"حاضر ياحببتي هديله التليفون."
توجهت بالهاتف له ليُشير لها:
"افتحي الاسبيكر يا حببتي."
فعلت ما طلب منها، يستمع إلى سمر التي أخذت تسأله عن بعض الأوراق وماذا ستفعل:
"حضرتك هتيجي إمتى يا فندم؟"
لم تتعلق عين شهاب بندي الواقفة أمامه بثوبها القصير:
"أسبوع كمان... سلام يا سمر."
وقبل أن تضغط ندي زر غلق إنهاء الاتصال، ألتقط شهاب خصرها لتصرخ عاليا، ثم حملها فوق كتفه دون أن يُكمل حلق لحيته:
"وحشتيني الدقايق اللي عدت."
كان آخر شيء سمعته هو صراخها ليُفسر لها علقها الأمر بصورة مرضية. تعلقت عين بهاتفه تُفكر في حديث صديقتها عن أمر الدجال الذي أخبرتها عنه.
***
طرقت الخادمة عدة طرقات على باب غرفتها تُخبرها بقدوم إحدى جيرانها إليها لأمر عاجل خاص بشقيقتها. انتفضت مها من فوق الفراش بتعب وهي تشعر بألم حاد أسفل معدتها. تحملت على حالها وسارت خلف الخادمة بخطي تحسب خطواته. لتنظر إليها السيدة التي تُدعى عزيزة، فأسرعت مها بسؤالها واعين عزيزة تتفرسها:
"ماجدة فيها حاجة؟"
رتبت عزيزة الحديث الذي حفظته عن ظهر قلب داخل عقلها:
"أختك بين الحياة والموت وطالبة تشوفك قبل ما تقابل وجه كريم."
***
دَلفت ياقوت إلى نادي الرماية بعد أن أخبرها مدير مكتبه بمكانه. لم تستطع الوصول إليه عبر الهاتف، فلم يكن بإمكانها الوصول إليه إلا كذا. بحثت عنه بعينيها بعدما أشار لها أحدهم عن مكانه. التفتت يمينًا ويسارًا لتقع عيناها عليه أخيرًا. تأملت ظهره وهيئته لتنظر نحوه بلمعان وهيبة. اقتربت منه تُنادي اسمه بغباء، فهو لن يسمعها، فتركيزه كان مرتكزًا مع ضبط سلاحه. اندفعت الطلقات لتتجمد في وقفتها للحظات، ولم تشعر إلا وهي تركض نحوه صارخة باسمه، ثم تشبثت به:
"هنِموت... هنِموت!"
***
تجمدت ملامح عزيزة وهي تنظر نحو مها لتُدرك حقيقة خفاها عنها ذلك اللعوب سالم. فالفتاة كفيفة. تمد لها يدها حتى تُسندها بعدما أخبرتها بما أصاب شقيقتها. صرخت مها بقهر وألم، فمن لها بعد شقيقتها؟ مهما حدث بينهما، فستظل ماجدة بالنسبة لها أخت وأم:
"أرجوكي وديني عند أختي."
وصرخت باسمها بلوعة:
"ماجدة متروحيش مني!"
فاقت عزيزة على صوت الخادمة التي اقتربت منهم:
"مالك يا هانم... اتصل بشريف بيه."
أومأت مها إليها برأسها لتسرع الخادمة بالاتصال به، مما أربك عزيزة الواقفة:
"الوقت بيعدي... يلا بينا."
"البيه مش بيرد."
هتفت بها الخادمة بيأس تُكمل عبارتها:
"تليفونه مقفول."
فلم تُفكر مها كثيرًا... وحسمت قرارها.
***
شلته حركتها، فلم يستوعب وجودها بذلك المكان. ترك سلاحه كما رفع عن أذنيه سماعتي الحماية من صدى صوت الرصاص. وفي خطوة واحدة أصبحت قابعة بين ذراعيه تدفن وجهها بصدره بتصرف تلقائي منها تعجب منه:
"ياقوت في إيه مالك... أنا كنت بتدرب."
ضمت نفسها إليه أكثر، فلم تعد دهشته من وجودها هنا، بل دهشته شملت ذلك القرب أيضًا. رغم غضبه منها وأنه أتى هنا حتى يفرغ طاقته السلبية، إلا أن شعوره الآن اختلف:
"بخاف ياحمزة من صوت الرصاص."
وتشبثت به بقوة، وذكرى بعيدة أخذتها ليوم قاتم حين شب في القهوة المجاورة لمنزل عمتها خلاف بين أحدهم ليمتد الأمر لتطاول بالأيدي ثم إطلاق الرصاص ووقوع أحد الأشخاص ضحية.
بعدها عنه برفق، ولكن فور أن فعل ذلك عادت تتشبث به ثانية:
"ياقوت طب خلينا نخرج من هنا بس... المنظر مش لطيف."
وعند نطقه لتلك العبارة ابتعدت عنه مفزوعة وكأنها أدركت الأمر، تنظر حولها لتجد رجلان يسيران للداخل. دارت وجهها عنه خجلًا:
"نسيت من الخوف معلش."
ارتسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتيه، ولكن أخفاها سريعًا حتى يرسم فوق ملامحه الجمود ويثأر لكرامته المجروحة التي نسيها عند اندفاعها إلى أحضانه.
بعد دقائق أنهى تبديل ثيابه المخصصة لتلك الرياضة، وسارت بجانبه تنظر حولها تتأمل الوافدين هنا، فأغلبهم كانوا من الطبقة العليا. صوت إحداهن اخترق أذنيها تهتف باسم زوجها المنشغل في تصفح هاتفه. تركزت عيناها نحو تلك المرأة التي ترتدي إحدى البدلات الرياضية وحذاء رياضي ونظارة تخفي عيناها. ابتسامتها اتسعت حين رأتـه وتحول وجهها الجامد إلى وجه بشوش يشع جمالًا بملامح صاحبته الشقراء:
"حمزة مش معقول... أنا مش مصدقة إني شوفتك بعد السنين دي."
كان حمزة ما زال الذهول مرتسمًا على ملامحه وهو لا يُصدق أنه رآها بعد تلك السنوات. أزالت نظارتها السوداء لتظهر عيناها الخضراء، وياقوت تقف تُطالع كل أنبائها:
"ولا أنا مصدق إني شوفتك يالين... متغيرتيش."
ابتسمت ببهوت ظهر فوق ملامحها:
"بالعكس ياحمزة، أنا اتغيرت كتير... وبقيت لين تانية غير البنت البريئة اللي عرفتها."
ارتبك وهو يشعر أن كلامها موجه إليه وكأنها تلومه عن رفضه لحبها يومًا. أدرك وضعه والصمت الذي احتله. التفت نحو ياقوت الواقفة على بعد بسيط منه تُحدق بهما، وبالأخص تُحدق بالواقفة معه. جذبها نحوه بابتسامة هادئة:
"أحب أعرفك ياقوت، مراتي، يالينا."
أصاب لين الذهول، فأخر شيء عاصرته بحياته قبل أن تُسافر مع زوجها أنه زوج للسيدة سوسن، تلك السيدة التي حسدتها يومًا على رجل مثلـه:
"ومدام سوسن راحت فين؟"
ذكرى سوسن جلبت لقلبه حزنًا حقيقيًا. فمهما وصلت علاقته وحبه لـ ياقوت، سوسن كانت له كل شيء جميل وكانت خير زوجة له:
"الله يرحمها."
"أنا آسفة إني فكرتك بيها."
أومأ برأسه وكأنه تقبل أسفها. ألقت بنظرة شاملة نحو ياقوت التي أخذت ترمقها بنظرات أربكتها. غادرت بعدما تمنت لقاءه ثانية. "الأحباب بدأوا يظهروا في حياتك... صفا ولين، فاضل مين تاني ياحمزة بيه؟"
هتفت بها ياقوت داخلها وهي حانقة، وأسرعت بخطواتها لتمسك يده مما جعله يرفع حاجبه مندهشًا. أصبحت غريبة الأطوار معه، تتمنع عنه وأوقات تشعره أنها لعبته الجميلة التي أحبها. يطلب الجنون معها، ولكن لا يريدها إلا قطة هادئة بحياتها.
استقلوا السيارة وكان صمتها استعدادًا لثورتها التي أنستها لما أتت إليه اليوم:
"مين لين دي؟"
جاء بها بهدوء يليق به:
"بنت شريك قديم وقريبة لأهل والد شريف ومريم."
"بس باين من نظرتها ليك إن في مشاعر."
ألقت عبارتها تتفرس ملامحه وهو يُدير سيارته لتبدأ بالتحرك:
"بقيّتي بترّكزي في النظرات... أفهم من ده إيه؟ اهتمام ولا غيرة ولا هجوم؟"
احتقن وجهها من برودة حديثه. شعرت وكأنه يُعاقبها على ما بدر منها ليلة أمس:
"ولا حاجة من دول. أنا مش عايزة أبقى مغفلة زي المرة اللي فاتت وأكتشف بعدين إنها حبيبتك القديمة."
صرير سيارته أفزعها مما جعلها تُدرك أنها أخطأت في إلقاء عبارتها. تعلقت عيناها بثبوت عيناه نحو يداه القابضة على عجلة القيادة، ثم نحو النبض الخافق بعنقه وعروقه التي ظهرت بوضوح فوق ظهر كفيه:
"ياقوت بلاش تطلعي أسوأ ما فيا... مش عايزك تشوفي غضبي."
ازدردت لعابها بخوف وحدقت بملامحه الجامدة. بثت ثقتها داخل نفسها حتى تواجهه:
"كنت ساكتة ومبكلمش، مجبتش وجيتوا عليا... اتكلمت برضوه مش عاجب، انتوا عايزين إيه؟"
تألم قلبه لشعوره بما تُعانيه داخل روحها النقية وخبرتها المعدومة بالحياة:
"وتفتكري هيعجبني برضوه لما مراتي تسمع وتتعلم من غيرها... تجاربنا مختلفة يا ياقوت."
شحب وجهها وهي تخشى أن يكون رأي محادثتها مع سماح وهناء، وعلم أنهم هم من يجاهدون في تغييرها ضده:
"قصدك إيه؟"
تأملها بمكر يجيده وعيناه تفحص خلجاتها:
"غلطت لما افتكرت إن أنا اللي محتاج أتغير على إيدك... إنتي اللي طلعتي محتاجة التغيير ياحبيبتي... والدور جيه عليا عشان أغيرك وتفهمي الحياة صح."
"حبيبته" تلك الكلمة سقطت بألحانها فوق قلبها، ولكن بعدما أكمل حديثه ارتجف قلبها:
"إنت هتفهمني إيه بالظبط؟"
لمعت عيناه بوميض من القوة وهو يُطالعها:
"تدفعي عن حقك يا ياقوت... الطيبة والنقاء مالهومش دخل في إنك تاخدي حقك وتقفي قدام الريح."
وتحول كل شيء لرغبته، وبدل من أنها تُغيره سيُغيرها هو. لتلمع عيناها ونفسها تُحادثها: "لما لا تلعبي معه وتنتصري بالنهاية؟ لما لا تخرجي من شرنقتك وتنسي حياتك مع عمتك وخنوعك لرغبات زوجة أبيك وصمتك؟"
"موافقة أتعلم منك."
تعجب من نظرتها المتحدية له، وأكمل قيادته وهي تُفكر في بداية خطواتها وتلك المرة هي من ستقود حياتها. استرخت في جلستها تتحسس بطنها بابتسامة لعوبة.
***
نظرت ماجدة نحو الرسالة المُرسلة بعدما غادرت المصلحة الحكومية التي تعمل بها، وقد أخذت إجازة دون مرتب إلى أن تنتهي من ذلك الحقير سالم وتثأر لكرامتها. تجمدت في وقفتها وهي تنظر للرسالة، فخفق قلبها بقوة لتركض متحملة على قدمها التي ما زالت تؤلمها، تصرخ باسم شقيقتها:
"آه مها يا سالم يا حقير، آه مها."
***
ألتقطت مريم علبة السجائر التي اشترتها من أسفل ملابسها. وقفت للحظات تشعر بالتردد لما ستفعله. تعلقت عيناها بالعلبة دقائق مرت وضميرها يؤرجحها، لينتهي الحال وهي تدفعها أسفل ملابسها ثانية ثم غلق الخزانة. سارت نحو فراشها، ولكن قدماها توقفت وهي تتذكر كلمات وليد لها وهو يُخبرها بأنها طفلة بينهم. لتشرد في حديث رؤى التي أخبرتها عن مكالمتها لحمزة وهمس ياقوت باسمها ثم انغلاق الخط، لتفسر لها رؤى الأمر بوقاحة لم تفهمها مريم إلا عندما استرسلت في الحديث.
مشاعر متضاربة كانت تخترق أذنيها، لتأخذها قدماها نحو الخزانة ثانية ثم إخراج علبة السجائر وإشعال واحدة وضمها بين شفتيها. سعلت كالمعتاد، ولكن حاربت سعالها وزفرت دخانها متمتمة:
"إنتي مش طفلة يا مريم... أنا كبيرة وبقيت حرة زيهم."
أصابها الفزع وهي تسمع رنين هاتفها بالنغمة المخصصة لفرد واحد، ولم يكن إلا حمزة. دهست عقب السيجارة بحذائها المنزلي وأسرعت لدورة المياه تخفي الأمر بنجاح، ثم المعطر أخذت تنثر رائحته في الغرفة ليقضي على رائحة السجائر.
بدأ الرنين للمرة الثانية لتلتقط هاتفها بأنفاس متقطعة:
"أيوه يا بابا."
أتاها صوت حمزة القلق:
"كنتي فين يامريم ومال صوتك كأنك كنتي بتجري؟ انتي كويسة ياحببتي؟"
أسرعت في الرد عليها خشية:
"كنت بلعب رياضة... هو في حاجة؟"
أتبعت عبارتها الأخيرة بقلق لم يشعر به:
"لا ياحبيبتي بابا... أنا جاي آخدك انتي ومها نتغدى بره... اجهزوا وهعدي عليكوا أنا وياقوت."
استمعت إلى اسم ياقوت بضيق، ولكن لأول مرة يكون شعورها اللامبالاة، ففي النهاية هي التي ربحت وأصبحت أم لطفل ينتظرونه، وانتهت مكانتها:
"مش عايزة أخرج، ماليش مزاج، ومها راحت عند أختها."
استمع حمزة لإجابتها ناظرًا نحو ياقوت التي أخذت تعبث بهاتفها وعلى وجهها ابتسامة واسعة، فهناء تخبرها عن الخطبة التي ستعقدها هي ومراد، الذي سينفجر منها حنقًا يومًا ما:
"عشر دقايق وجاي ليكي... اجهزي لأن بنوتي الحلوة وحشتني."
هتف بحنان أبوي جعل مريم تبتسم، ناسيه المستنقع الذي دخلت فيه بقدميها:
"حاضر يا بابا."
ونهضت ترتدي ملابسها بسعادة، فها هو حمزة والدها الذي اعتنى بها منذ صغرها يُخبرها أنها ما زالت ابنته.
***
صعدت مها بخطوات متعثرة تسندها عزيزة التي تنظر حولها بارتباك حتى لا يراها أحد من ساكني البناية، فلو لم يشك بها أهل الحي، فبالتأكيد الجيران سيسألون عن هويتها التي كذبت بها، فهي ليست جارة جديدة كما أخبرت مها التي صدقتها:
"آه وصلنا للشقة... ادخلي ياحببتي الباب مفتوح."
"هو مافيش صوت ليه؟"
هتفت مها عبارتها وهي تخطو للداخل تهتف باسم شقيقتها بهلع:
"ياماجدة!"
وألتفت بجسدها تهتف باسم عزيزة:
"انتي ياست عزيزة روحتي فيـ..."
فلم تأتها الإجابة إلا انغلاق الباب وسالم يقف يتفحص معالم جسدها بشهوة:
"إزيك يامها؟"
ارتجف جسدها خوفًا من سماع صوته، لتتحرك بخطواتها المتعثرة للخلف:
"فين ماجدة يا سالم؟"
ارتسم الخبث فوق ملامح سالم:
"مستنياكي جوه في الأوضة... أختك خلاص بتطلع في الروح."
عماها كان يُعجزها وهي تبحث بيدها عن غرفة شقيقتها. اندفعت لأول غرفة وجدت بابها مفتوحاً تهتف باسم ماجدة مرة أخرى:
"ماجدة انتي فين... أوعي تروحي مني!"
دارت حولها ولم تجد إلا الصمت، لتتسارع دقات قلبها وهي تُدرك أنها وقعت في الفخ، وصوت سالم يعلو بضحكة قوية:
"أخيرًا يامها وقعتي تحت إيدي."
واقترب منها يجذبها نحوه فصرخت مستنجدة بأحد يسمعها، ولكن يده الأخرى كانت الأسرع، فوضع إحدى اللصقات فوق فمها يُكممها:
"مش عايز صداع ياحلوة... هي ساعة واحدة وكل حاجة هتنتهي، وحضرت الظابط يعرف كويس يلعب معايا إزاي."
***
تعلقت عين جين بزوجها الذي أنهى اتصاله التو مع شقيقه:
"ماذا أخبرك سهيل؟ سيأتي متى؟"
لم يشك يومًا بسؤالها المتكرر عن شقيقه. تمتم بهدوء وهو يلتقط حبه الدواء من يد الخادمة وكأس الماء:
"لن يعود سهيل... قرر أن يستقر بشقته بالعاصمة."
جلست سماح جانبه بعدما أنهى مكالمته مع شقيقه:
"لست معك في قرارك هذا سهيل... ستبتعد عن نور الدين."
طالعها سهيل بملامح لا تفسر بما يشعر به:
"ذلك القصر يخنقني دومًا سماح... أشعر بالراحة هنا."
وتعلقت عيناه بها:
"أشعر بالخيانة نحو شقيقي وأنا أعلم بحقيقة زواجها منه."
طرقت سماح عيناها نحو أصابعها المتشابكة، فاللعبة كان هو مخططها. هو من أتى بها لهنا، وهو من دفع جين بالزواج من شقيقه عندما تزوجها. رفعت عيناها نحوه بثبات وشجاعة:
"طلقني سهيل وأخبر شقيقك بالحقيقة وسينتهي كل شيء."
لم تجد منه أي رد فعل إلا وقوفه وسيره. عدت خطوات ثم عاد ينظر إليها:
"هذا هو الحل سهيل."
لم يعطيها ردًا إلا انحناءه نحوها وحملها فوق كتفه يسير بها نحو غرفته بتحامل على ساقه التي باتت تتعافى:
"سأعاقبك سماح عن نطقك لتلك الكلمة."
"اتركني سهيل... ماذا تفعل؟"
ألقاها بخفة فوق الفراش وقبل أن تعتدل وتدفعه عنها كان يُحاصرها بذراعيه يعبث بخصلات شعرها الذي استطال:
"كنتي لعبة جميلة ومازلتي سماح."
استنكرت كلمته ودفعت يده عنها حتى تنهض:
"أحبك سماح."
وعند تلك الكلمة كانت شفتاها تنفرج ذهولًا. سهيل الفظ يُخبرها أنه يُحبها. هتف عقلها سريعًا يُنبهها: "أنسيتي ماهر وما فعله بكِ؟" ولكنها كانت كالمغيبة مستمتعة بشعور الأنثى الذي دفنته لسنوات وهي بين ذراعي ذلك الوسيم الشهير.
***
هبطت صفا من سيارته بعدما عادت من عيادة الطبيبة النفسية. اندفعت نحو حوض الأزهار الذي صنعته بالحديقة. أمست علقت عين فرات بها ليتحرك نحوها ببطء، فلم يعد يسير بعكازه وعاد للعلاج الطبيعي ثانية، وكأن وجود طفله أعاد له الحياة. ابتسم وهو يرى تفحصها للتربة ووقف مستمتعًا في مطالعتها، ولكن فجأة بهتت ملامحه وهو يرى نقطة حمراء فوق ظهرها يعرف ماهي. صرخ باسمها وهي يخطو خطواتان صوبها:
"صفا!"
وانطلقت الرصاصة وأصابت هدفًا آخر.