بعد تلقيها طلقتين…. احتاج جسد زهره سبع لحظات للسقوط في المياه. ورغم أن المياه ضحلة إلا أنها غمرت جسم زهره وسط حشائش الخوبى والقصبه. واصطدم رأسها بقاع النهر، وارتطم في العمل الأسود الذي رمته أميرة في نفس المكان. ودمها اخترق القماشة واختلط بالعمل. لأول مرة منذ مئة وسبعين سنة يلتقي العمل وصاحبه قبل مرور يوم. وكانت ماغه تشاهد ما يحدث بصمت، وارتسمت على شفتيها ابتسامة. من قال إن العفاريت لا تضحك؟
وكانت تفكر في زهره وتسأل نفسها هل تستحق… فرصة؟ ونزلت في النهر حتى وسطها، وشالت زهره بين يديها ونفخت في فمها. أخوها كان حاطط البندقية تحت باطه، بعد عن النهر ودسها في حفرة في الغيط ورجع على البيت مرفوع الرأس، غسل عاره، يمشي بشموخ. وكان يتلقى التهانى في طريقه نحو البيت. وداخل البيت الحزين ارتفعت الزغاريت والاحتفالات ورقصت والدة زهره وهي تتلقى التهانى من جاراتها. الأم مبتسمة.
الأخ يتلقى التحية من شباب في مثل عمره، الأم بتصنع الشربات وتوزعها. وأبوها بيحلف على الضيوف ما فيش حد هيمشي غير لما يشرب الشاي. وكانت أميرة قاعدة قدام البيت بتبص في وشوش الناس الفرحانة اللي رايحة بيت زهره تهني. ونفسها تصرخ: أنا اللي أستحق التهنئة مش حد تاني. جنبها كان قاعد عوض جوزها بيدخن الشيشة وبيحكي لابنه الكبير عن زرعة الشامي وضرورة ريها بعد يومين.
محمود قاعد في الحوش عيونه شارده ومنكمش على نفسه، مستني أوامر أميرة. شايفها أجمل نساء الأرض ومحدش فاصل عنها غير الوغد أخوه. عايز يعمل حاجات كتيرة لكن عقله واقف، كله واقف. أميرة قاعدة زي الملكة، جنبها زوج لا بيهش ولا بينش، ومحمود قاعد مستني أوامرها، وشعرت بالسيادة والسيطرة والتحكم. محمود يرمقها بشهوة مستعد ينفذ أي أمر ليه. لكن لسه، الدجال شوكة في ضهرها لازم تتخلص منه.
عارفة إن طلباته مش هتخلص وإنها مضطرة ترضيه لكن ساحر وأقوى منها. فكرت أميرة شوية: هخلي محمود يقتله، هقوله هو ده الشخص اللي كانت زهره بتخونه معاه. ومحمود نغل هينفذ بخنوع. لكن ريحة أميرة فاحت، مرآة عبد المعبود بتنشر في القرية إن زهره بريئة. وإنها شافت أميرة بتروح عند الدجال أكتر من مرة وإنها هي اللي سحرت زهره. أميرة قالت: لازم أتخلص من الحية دي الأول وبسرعة.
خدت محمود وواحد من عيالها عشان تمنع كلام الناس وراحت عند الدجال. أمرت محمود يستنى بره خارج البيت ودخلت على الدجال اللي مكنش مندهش لما شافها. وسألها: عمل تاني؟ طلعت أميرة رزمة فلوس ورمتها في حجره: مرة عبد المعبود عايزها تمرض. ما تقدرش تتحرك ولا أقل لك… وسكتت أميرة دقيقة. مرآة عبد المعبود حامل، من عشر سنين وهي منتظرة حملها. اسمع، عايزها تنزل طفلها. عايزاها تموت بحسرتها بعد عشر سنين انتظار.
الدجال رمى البخور وأطلق تعاويذه، حضر الخدم وعمل العمل وقال لاميرة: العمل جاهز. رشيه قدام عتبة بيتها ومحدش يعدي عليه قبلها، أربعة وعشرين ساعة وحملها هينزل. أميرة عدت من قدام بيت عبد المعبود، لكن الحقد جواها خلاها ما تستناش للصبح. قالت لابنها: روح لعمك عبد المعبود وقله إن أبوك عايزه عشان تزقوا الزرع. عبد المعبود بيملك الماتور الارتوازي الوحيد في القرية. وطلع عبد المعبود مشي ناحية بيتها.
أميرة بسرعة رشت العمل قدام عتبة البيت وخبطت على مرآة عبد المعبود. واستنت لحد ما خرجت. أميرة وقفت في نص الشارع وقالت: امسعي يا مرة أنا وصلني إنك عمالة تلقحي كلام عليا وعايزة نصفي اللي بينا دلوقتي. مرآة عبد المعبود من على عتبة البيت قالت: أنا لي بيت، عايزة تعاتبيني؟ ادخلي. أميرة حطت إيديها في وسطها وقالت: خايفة مني؟ مرآة عبد المعبود قالت: أخاف منك أنتِ. ومشت ناحيتها: عايزة إيه يا عقربة؟ عدت على العمل، ضحكت أميرة.
قالت لها: عايز إيه يا أميرة؟ أميرة: خلاص مش عايزة حاجة، خلص الكلام. في البيت اتفق محمود وعوض على ري الزرع، محمود هيشق القنايا ويرفع الحواويل. ليه نص الأرض والميه بتجري مناصفة بينهم. الشمس طلعت. أميرة قاعدة في الحوش بتقطع برسيم مستنية تسمع الخبر. كانت سعيدة لأنها مقتلتش الدجال، دوره لسه مخلصش وحتى لو كانت مطالبه كتيرة، إلا إنها لسه محتاجاه.
لكن صباعها تحت ضرسه: إيه اللي يضمن لها إنه ما يلاقيش عند غيرها اللي لاقاه معاها؟ وده نجس هيبيعها في ثانية. واشتغل عقلها الشرير بسرعة، غيرت هدومها وصرخت على ابنها: يا ولد أنا رايحة مشوار لو وصل أبوك قله أنا في مشوار مهم. ركبت عربية ميكروباص نقلتها للقرية اللي جنبيها ونزلت عند المقبرة. وهناك قعدت تبكي وتنوح للتربي وتبوس إيده وهي تصرخ: واحد عمل لي عمل دمر حياتي، مخلي أرضي بور، كل ما أحمل أسقط. صعبت على التربي
ودلها على مشعوذ خبير وقال: مش شايف حد غيره يقدر يساعد. كانت أميرة انتظرت دورها في بيت الدجال ودخلت عليه. رجل عجوز أصلع هدومه موسخة وطلته بشعة، أسنانه سودا من شرب الجوزة. كان شخص قذر يعيش في غرفة معفنة. سألها: حاجتك إيه يا ست؟ فك عمل. وبعدين ضحك: ولا عايزة تعملي عمل؟ أميرة وهي بتبص عليه: عايزة أحضر جان. الدجال ضحك: يا ست متضيعيش وقتي، قولي عايزة إيه واخلصي. قالت أميرة: أنا عايزة أحضر جان يخدمني!!
الدجال قال: إحنا هنهزر يا مرة؟ أمشي من هنا أنا مش عايز فلوس. أميرة قالت: بقلك عايزة أحضر جان. وأضافت بنبرة خبيثة: لفيت الدنيا كلها والناس دلتني عليكم، محدش بيقدر يحضر جان غيرك أنت وواحد تاني في القرية اللي جنبنا لكن سمعته وحشة. بيقولوا أنت تقدر تحضر جان في نص ساعة؟ الدجال ابتسم وركبه الغرور: نص ساعة؟ دول حاضرين هنا معايا في كل وقت، عايزة تشوفيهم؟ من ورا ظهره كيانين قذرين بوجهين بشعين وعيون مشتعلة وأرجل حيوانية.
أميرة ابتسمت: كنت عارفة إن محدش يقدر يساعدني غيرك، خلينا نتفق. دفعت أميرة فلوس كتيرة حطتها قدام الدجال. بص الدجال للفلوس وقال: أنتِ حرة. في الحيز لا يمكن لأحد أن ينقذك إلا الله، وفي صحيفتك سواد أنا مبتعد عنه، ستكونين بمفردك والجان لا يرحم. بلعت أميرة ريقها، مش عايزة تسأله كيف عرف إن صحيفتها سوداء وإنها بعيدة عن ربنا. ده كلام مش هيجيب غير مشاكل ومزيد من دفع الفلوس. وترددت أميرة دقيقة.
الدجال قال: بصي أقولك، متحضريش جني، احفظي طلسم يمكنك من جان ويجعلك سيدته. أميرة قالت: أنا مش عايزة جني واحد، أنت عايز قبيلة زيك؟ لا يتحكم بالجان إلا ساحر خبير، مش أبيض ولا أحمر، لكن ساحر أسود. ولازم تحضير ومتابعة وحضور جلسات وأنا مش عايزك تلميذة عندي. أميرة بنبرة مايعة: وأنا مش عايزة أستاذ، قول سعرك وأنا هدفع. الدجال: تقدري تقدمي إيه في المقابل؟ أميرة وقفت وهزت جسمها وقالت بكل قلة أدب: كل حاجة.
وانتهت المفاوضات، كل طرف عارف عايز إيه. الدجال: هدلك على أول الطريق ومليش شأن باللي هيحصل بعد كده. أقوى الطلاسم والتعاويذ تكتب بالأحمر. الأحمر دم، الأحمر شر، الأحمر نار. صفحة الكاتب على الفيس بوك باسم إسماعيل موسى. شموع تضاء، نجاسة يكتب بها كلام طاهر، دم طاهر، شعر ماعز، حيض، لبن، أرنب، غراب، ديك، غراب، بومة، خفاش. رجعت أميرة بيتها بورقة مطوية لا تتفتش إلا في وقتها. وكان عوض ومحمود خلصوا ري الحلف.
في بيت عبد المعبود أسقطت مراته طفلها الذي انتظرته سنين وأعوام. بتصرخ من الوجع وجوزها بيهونها عليها: إلى رزقنا بيه يرزقنا بغيره. كنت في الشهر الثامن يا عبد المعبود، ما فيش ست بتسقط في الشهر الثامن. أنتِ هتكفري يا مرأة. مرآة عبد المعبود: أنا مش بكفر، أنا بشتكي ليه، هو سامعني، هو أرحم بيا منّي. رفعت يديها نحو السماء وهي تصرخ: يارب انتظرت عشرة سنين وعوضتني وعوضك جميل، يارب كما انكسرت فرحتي عوضني.
كنت حاسة بحركاته مبارح يا عبد المعبود، كنت بتكلم معاه في غيابك. مين من بعده هتكلم معاه ونحكي سوى؟ امرأة عبد المعبود سكرانة من الألم. كل ما بصت لقماشة خيطتها عشان طفلها صدرها تمزق، قضمتها حية في قلبها. قلبها ميت وحي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!