الفصل 4 | من 21 فصل

رواية لتحيا نيران العشق الفصل الرابع 4 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
22
كلمة
5,195
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

صدمة، حزن، شرود، وهدوء تام ساد المكان للحظات قبل أن ينفجر "ناجي" في أخيه ليخرج ما في جعبته دفعة واحدة.

أكثر من ثلاثة وعشرون عامًا مروا على هذه الجريمة. كانوا أصدقاء وتفرقوا بسبب انشغال كل منهما عن الآخر بحياته الخاصة. وعند أول خلاف حدث بينهما، قتله "ناجي". لم ينكر أنه تعجل بقتله، كان يمكنه المحاولة في طريق آخر، لكنه اختصر كل هذا ووقع الاختيار على أن يكون قاتل وصديق العمر ورفيق الدرب هو القتيل والاستيلاء على أمواله، ضاربًا بكل هذا عرض الحائط.

كان يسرد ما حدث لهما، لم ينكر شيئًا ولن ينكر الندم الذي لا يفارقه، كما لا يفارقه أيضًا صورته وهو يغدر به، يطعنه في ظهره، يراه وهو يسقط على ركبتيه حتى افترش الأرض بجسده وسيل من الدماء يخرج من فمه. اختلطت الدماء بالأرضية التي يفترشها. والد "جنه" سرقه وفر هاربًا غير مبالٍ لحالته تلك. عاد "ناجي" من ذكرياته وهو يطرح سؤاله لأخيه الذي نكس رأسه خجلًا وندمًا على امتناعه لمساعدة أخيه.

-كان صاحب صاحبه ولو كنت طلبت نور عيونه مكنش هيتأخر، بس يشاء القدر إننا نتحط في نفس الموقف أنا وهو في نفس الوقت. جت لك رفضت تساعدني. قاطعه قائلًا: -دي وصية أبوك. هدر بصوته كله وقال: -ملعون أبو دي وصية. ملعون أبو دي وصية تخلي الأخ يتخلى عن أخوه في أصعب الأوقات. بسببك وبسبب أبوك قتلت نفس بغير حق وعمر ربنا ما هيغفر لي أبدًا.

‏"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ." صدق الله العظيم. قالها "حذيفة" مقاطعًا عمه الذي نزع يد والده عن فخذه بعنف وراح يكمل بهدوء: -ارجع لربنا واستغفر وصلي. رد عمه مقاطعًا بحدة وصرامة: -اخرس يا واد إنت مش مستني واحد زيك يعلمني. نكس "حذيفة" رأسه أرضًا وقال بهدوء: -آسف يا عمي.

نظر والد "حذيفة" لابنة أخيه وقال بابتسامته الواهنة: -معقول خورشيد عنده قمر كدا؟ اسمك إيه؟ ردت مبتسمة بحزن: -بدور. راق له الاسم وقال بإعجاب: -اسم على مُسمى. تابع بفضول: -وعندك كام سنة بقى يا بدور؟ -25 يا عم. قاطعها والدها قائلًا بحدة: -أنتي ملكيش أعمام. واحنا هنمشي من هنا، يلا بينا. رد أخيه بعصبية وقال: -هو إنت على طول كدا زي القطر بتاخد في وشك وتمشي؟ اصبر عشان تعرف جايبك ليه. تنهد بضيق متسائلًا بحنق:

-عاوز مني إيه يا مسعد؟ رد ببساطة: -مش عاوز حاجة. عاوزك تستلم ورثك ونرجع أحباب من تاني. سأله بشك: -بسهولة كدا؟ وليه بعد كل السنين دي؟ رد "مسعد" بعد أن نفذ صبره وقال: -إنت عارف كويس إن مليش في فلوسك حاجة. أبوك الله يرحمه كان عارف إنك مجنون وبتجري يمين وشمال وكان حابب يحافظ على ثروته اللي جمعها. رد ساخرًا وهو يصحح له قائلًا: -قصدك يكبر ثروته بجوازي من بنت الشهاوي. تنحنح "مسعد" وهو ينظر لابنه وقال بتلعثم:

-حذيفة خد بنت عمك وفرجها على الفيلا. وأدي خبر لدادة راضية تحضر أوضة لعمك وبدور. رد بحزن استشفه والده من نبرة صوته ما إن سمع الأخير يتحدث عن أمه بعدم اكتراث لوجوده. أشار بيده للخارج وقال بهدوء: -اتفضلي يا بدور. ما إن خرجا من غرفة الصالون، عاد "مسعد" ببصره تجاه أخيه وقال من بين أسنانه: -يا أخي خلي عندك مخ وافتكر إن اللي بتكلم عنها دي مراتي أم ولادي. رد بدهشة قائلًا: -يخرب عقلك! إنت اتجوزتها إمتى وازاي!

دا أنا هربت يوم الفرح. رد بسخرية: -إنت هربت وأنا لبست. مكنش في حل تاني غير إني اتجوزها عشان نلم الموقف. سأله بفضول قائلًا: -وهي كان رأيها إيه؟ أجابه بغرور: -طلعت كانت بتحبني. تابع بجدية: -بس طبعًا معترفتش كدا بسهولة. أنا قلت لها لو عاوزة تنفصلي تصبر شهر ولا اتنين وبعدها كل واحد يروح لحاله. ربك بقى. قرب بنا، والمدة دي كانت تقدر تقول عليها فترة تعارف والحمد لله ربنا رزقنا بولادين زي الفل، حذيفة و خورشيد.

لاحت ابتسامة خفيفة على ثغره وراح يقول بحنو: -سميته على اسمي يا مسعد. بادله الابتسامة وقال: -كنت عاوز أنطق اسمك على طول. تابع بتذكر قائلًا: -صحيح، هو إنت مش معاك حد غير بدور؟ رد بأسى: -كان في غيرها ولد ومات تاني يوم الولادة. وبعدها أمها حملت فيها. ولما تعبت بعد الولادة، الدكتور منعها من الحمل بسبب قلبها. وأنا كمان منعتها. بس حملت من ورايا وماتت قبل ما تولد وسابت لي بدور. تنحنح "مسعد" وقال بجدية:

-أنا كلمت المحامي وجاي بكرة عشان نظبط كل حاجة ويرجع لك حقك. رد "ناجي" مقاطعًا بجدية: -أنا مش عاوز حاجة باسمي، عاوز كل حاجة باسم بنتي. تابع بحزن وقهر: -اياك بس تسامحني على اللي عملته. ربت على أخيه وقال: -أهدأ وكل شئ هيتحل بإذن الله. -يارب يا مسعد. على الجانب الآخر من نفس المكان وتحديدًا في حديقة المنزل، كانت تجلس بجسدها معه وعقلها مازال لا يستوعب ما حدث منذ قليل. وكأنه رفض عقلها ترجمة حديث والدها. أيعقل هذا؟

والدها قاتل ومن والد صديقتها! كيف ستواجهها؟ كيف ستتحدث معها؟ وأين ستأتي بالجرأة لهذا؟

أما "حذيفة" كانت عيناه تسترقان النظر إليها كلما سنحت له الفرصة بذلك. لا يعرف كيف يبرر فعلة عمه أو أبيه. كلاهما السبب في مقتل رجل لم يراه، لكن يشعر بألمها. تلك النظرة يعرفها جيدًا، نظرة الخذلان. تجرعها من قبل عندما علم بما فعله والده بعمه وغدره به. حاول أن يعود بذاكرته للواقع ويتركه من ذكريات والده والتففه حول والدته وثروتها ليجمع أكثر ما يمكن جمعه ليكون ثروة طائلة، وليس كما قال لأخيه أنه تزوج بدلًا منه لينقذ الموقف. فكل شيء مرتب وبدقة عالية.

تنحنح وهو يربت بكلماته على قلبها علها تنسى ما حدث: -كل واحد فينا لما بيتحط في موقف صعب تصرفه بيكون غير متوقع. متزعليش. ردت مقاطعة بمرارة: -مزعلش؟ إزاي معلش عشان آخد بالي؟ آه خلاص فهمت. أنا هروح أقول لجنه. معلش يا جنه أصل بابا قتل باباكي عشان كان معذور في قرشين. قاطعها هذه المرة وقال: -لو كان باباها اتحط في نفس الموقف كان... ردت بصراخ قائلة: -إنت بتبرر إيه! ولمين؟

هو كان في نفس الموقف فعلاً بس اتصرف بعيد عنه. لكن توقفت عند نطق لفظ (بابا) واستبدلته بلفظ: عمك اختار الطريق الأسهل. رد بصوت هادئ وبنبرة تملؤها العتاب وقال: -عمي ميستاهلش منك كدا ولا يستحق القسوة دي. هو غلط واحنا منكرناش ده، لكن حسابه عند ربنا. -وجنه... أحط عيني في عينها إزاي؟ إزاي هقولها اللي طول عمرك بتقول له يا عمي هو اللي قتل أبوكي؟

-أنا يمكن ماشفتش جنه صاحبتك ولا أعرف طريقة تفكيرها، بس أكيد لو عرفت وفهمت اللي حصل وقتها هتعذره. اكتفت بالابتسامة ولم تعقب على حديثه. ربما اعتبرتها ثرثرة لهذا لا يجب الرد عليها. لم يختلف الأمر في الصعيد وتحديدًا في منزل الذي تُسجن فيه "جنه". كانت جالسة على طرف فراشها الوثير تنظر بعدم اكتراث لحجرتها الجديدة. أطلقت تنهيدة قوية متمتمة بخفوت: -يارب.

هبت وواقفة من مكانها، متجهة نحو الباب. وضعت يدها على المقبض الحديدي مترددة في فتحه. حسمت أمرها وهي تضع يدها لتخرج من الغرفة. هبطت الدرج وهي تبحث عن جدها الذي كان يجلس في ديوان العائلة. هتفت عدة مرات بصوتها حتى خرج وخلفه ابنه وحفيده. توقفت عند الدرجة الثالثة وقالت بصراخ: -أنا عاوزة أمشي من هنا. أنا مش هفضل هنا أكتر من كدا. رد "سليم" وقال بحدة وصرامة: -اخرسي يا بت وغوري على أوضتك دلوكه. وجهت سبابتها

نحوه وقالت بذات النبرة: -أنا موجّهتش لك كلام. أنا كلامي مع جدك. كاد أن يسير نحوها لكن منعه عكاز جده الذي توقف على صدره وقال جده بهدوء مريب والابتسامة تزين ثغره: -ملكش صالح إنت يا سليم. سيباها لي. تابع بحنو وحب: -تعالي لي يا جلب جدك من جوه. تسمرت مكانها ربما تعيد حساباتها أو تنتظر إشارة عقلها تترجم لها ما يحدث أمامها. حقًا لا تعرف شيئًا سوى أنه سحبها من يدها في هدوء وقادها نحو غرفته وطلب من "سليم" أن يتبعه.

وفي أقل من دقيقتين كانت تجلس جوار "سليم" وجلس هو مقابلتهما. وضع بعض الأوراق الخاصة بها وقال بهدوء: -جولي لي يا جنه هو صح أنتي اتجوزتي عمران؟ للحظة أخذت تفكر في حديث "عمران" لها وهو يأكد مرارًا وتكرارًا. انتشلها جدها من شرودها مكررًا سؤاله لترد هي بجدية: -أيوه أنا وهو متجوزين وحضرتك شفت القسيمة. رد بجدية محاولًا كظم غيظه قائلًا: -لأ ما عاوزش ورق. قصدي هو اتجوزك صح يعني بجيتي مرته؟ ردت بكذب وهي تنظر أرضًا:

-أيوه بقيت مراته. رد قاطعًا بغضب واضح في صوته قائلًا: -كيف ديه حصل؟ كيف مده ديه؟ ارتعدت من صوته وغضبه. رمشت بأهدابها عدة مرات متسائلة بخوف: -هو في إيه؟ نظر "سليم" لها ثم عاد ببصره لجده وهو يضمم أنامله ليقول بخفوت: -بالراحة مش كده يا جدي. تنهد الجد بعمق قبل أن يمسح بيده على ظهرها وراح يقول بلهجة المعتذر: -متزعليش يا جلب جدك. تابع بجدية: -اطلعي لزين وعاوزك توعي لحديدتي ديه زين. ردت بفضول: -كلام إيه؟

احتضن وجهها وقال بهدوء: -هتطلقك من عمران وبعدها هاكتب لك عشرة فدان. مش بس كده لأ هجوزك أحسن راجل في الدنيا كلها وهوزنك دهب. ردت بعدم فهم: -قصدك إيه؟ مش فاهمة، عاوزة توصل لإيه؟ أجابها بطريقة عملية: -الورث ده فيه كل شبر أبوكي الله يرحمه كان يملكه. مش بس كده لأ فوجيهم مليون جنيه مؤخرك من عمران ولسه مهرك من عريسك الجديد. قولي موافجه وشوفي جدك هيعمل إيه عشانك. فرصة لن تعوض حقًا. ماذا تفعل؟ ترفضها أم تقبل بها؟

والأهم من هذا كله ما مصير عائلة والدتها؟ ردت بسرعة قائلة: -أيوه بس عمران هتعمل معاه إيه؟ اعتبرها جدها أن هذه الجملة بمثابة موافقة مبدئية. نظر لحفيده وهما يتبادلان الابتسامة في آن واحد. وقف الجد عن مقعده وقال بجدية مصطنعة وهو يشيح بنظره نحو النافذة وقال: -ربك هيسويها. المهم إن المبدأ موجود. الباقي سهل. لم يفهم سؤالها لم تقصد هذا بالطبع. هي لا تريد الغدر به لأنها لم ترى منه إلا الخير. فكيف هي تفعل عكس ذلك؟

طلبت منه العودة إلى بيتها فرفض وبرر لها بأنه يتوق شوقًا لها. عادت إلى سجنها. أما في غرفة "عمران" بالمشفى، كان يتألم من آلام رأسه الذي عصف به. كان يجبر عيناه على فتحهما وهو يضع يده على جبهته. أوزع نظراته حوله ليجد نفسه بإحدى غرف المشفى وليس غرفته. كانت جالسة على المقعد الخشبي المجاور للسرير. أيقظها بصوته المتعب وهو يقول بخفوت: -جميلة جميلة. رفعت وجهها له تفحصته وقالت بلهفة: -عامل إيه دلوكه يا عمران؟

فين جنه وإيه اللي حصل؟ كان سؤاله سريعًا، سريعًا لدرجة لا تتوقعها. كيف بهذه السهولة يسأل عن غيرها؟ حاولت أن تشغله في أحاديث أخرى لكنه كرر سؤاله بحدة هذه المرة قائلًا: -بجل لك فين جنه؟ هي زينة ولا حصل حاجة؟ لم تتحمل كل هذا. كفى لن تتحمل أكثر من ذلك. ردت بصراخ قائلة: -جنه بخير متخافش عليها. كده هيحصل لها إيه يعني؟ للدرجة دي واكلة دماغك يا عمران؟ تابعت بمرارة قائلة: -أني يا عمران اللي لازم تفكر فيها كده. أني ومحدش تاني.

تحامل على نفسه ليعدل من جلسته وهو يقول لها بهدوء وعقلانية: -يا جميلة أني عمري ما وعدتك بحاجة ولا جلت لك إني هتجوزك. أني كنت صريح وياكي من أول لحظة لما جيت واتحددت وياكي في الجامعة. أرجوكي ابعدي عني وعيشي حياتك، أنتي ألف واحد يتمناكي. -مش عاوزة من الألف دول غيرك يا عمران. -يابت الناس عيشي مع واحد يحبك صح. واحد يشيلك جوه قلبه جبل عينه. أنا واحد متجوز وبجالي بيت ماينفعش أخربه. -دلوكه بتجول بجى ليك بيت!

وحديثك ليا في الجامعة كان إيه؟ رد مصححًا: -لأ خلي حديثك واضح يا جميلة. يوم ما جيت لك واتحددت وياكي كان مجرد حديث عادي. جلت خلينا أصدقاء في الجامعة. ولما سألتك عن نوايا جدك جلت عاوزة تجولي جولي. جلت هجول. ولما حسيت إن قربك ليا ده اترجم غلط، عنيدك جلت ابعد يا واد وملكش دعوة بيها.

تسمرت مكانها تستمع لكلماته الذي نزلت عليها كالحمم تُشعل قلبها وتدمر نياطه دون رحمة. العجيب أنها تعلم هذا جيدًا، لكن قلبها يأبى الاعتراف بهذا ويريد تتويجه عاشقًا. أطبقت على جفنيها وهي تبتلع غصتها بمرارة. اليوم وضع نهاية عشق لم يكتمل سوى بعقلها فقط. فتحت عيناها المصبغة بالاحمرار، رفعت سبابتها في وجهه وقالت بصوت متحشرج إثر البكاء:

-خليك واعي لحاجة واحدة يا عمران وهي إنك لو في يوم هتبقى لحد هيكون الحد ديه هو أني وبس. غير كده جول على نفسك يا رحمن يا رحيم. خرجت من غرفته بالمشفى بخطواتها المتعثرة. وصلت إلى المصعد بصعوبة بالغة. لا تعلم كيف نجحت في أن تصل إلى سيارتها بهذا الجمود. أما هو زفر بقوة وهو يجلس على طرف سريره وكأنه جبل جاثم على صدره، واليوم فقط تم إزالته. ربما كان ينقصه هذه المواجهة وتم على خير من وجهة نظره.

بعد مرور يومان، جلست على الأريكة الخشبية محتضنة الوسادة الصغيرة بين ذراعيها، مضطربة عن الطعام يومان. بدأت تشعر بالتعب، رغم كل هذا لم تتراجع عن طلب العودة. جلس جوارها بعد أن أشار للخادمة بالرحيل بعد أن وضعت (صينية الطعام) على سطح المنضدة. شاحت بوجهها للجهة الأخرى كي لا تتحدث معه بعد هذا اليوم العصيب. بينما هو فاجأها بحديثه قائلًا: -لساتك زعلاني مني؟ معلش حجك برضه. بس لما تعرفي مين هو سليم السيوفي هتنسي زعلك مني.

ردت بنبرة تغلفها الحزن: -مش عاوزة منك حاجة ولا عاوزة أعرف عنك حاجة. كل اللي عاوزاه إني أرجع بيتي. -ماهو دي كمان بيتك!! -لأ مش بيتي وحاسة نفسي غريبة هنا. -طيب تعالي نتفاهم. أتفاهم كلي وكلك. كلتاه وأني أخليكِ تروحي بيت جدك بكرة. سألته بلهفة: -بتتكلم جد يا سليم؟ أجابها بنبرة صادقة: -والله بتكلم جد الجد كمان. سألته بتوجس: -طب وجدك؟ أجابها بثقة: -مش أني اللي جبتك يبقى أني اللي هوديكي وبعربيتي كمان. تابع مازحًا:

-اشربي النسكافيه ديه أني اللي عامله بإيدي. نهض عن الأريكة وقال بجدية: -عندي شغل كتير كلي وكلك ولما نرجع هنتفاهم كتير. ردت مقاطعة بخجل: -ممكن طلب ومش هأخرك والله. جلس مرة أخرى وقال باسمًا: -اتفضلي يا جنه جولي. -كنت عاوزة أعمل مكالمة من تليفونك لأن نسيت تليفوني هناك عند جدي. دس يده في جيب سترته الرمادية وقال بمرح: -اتفضلي ياستي التليفون أهو بس هاخد حق المكالمة. تناولت الهاتف من يده وقالت بامتنان: -متشكرة قوي يا سليم.

ضغطت على أحد أزراره ثم أعادته وقالت: -دا له باسورد خد اكتبه. رد بسرعة دون أن يأخذه: -اكتبي 11 11، ديه تاريخ ميلادي. ابتسمت له وهي تكتب بسرعة الرقم الذي تريد الاتصال به قائلة: -سبحان الله دا نفس تاريخ ميلادها. قطب مابين حاجبيها وقال بفضول: -مين دي؟ وضعت الهاتف على أذنها وقالت: -بدور صاحبتي. وقبل أن تكمل حديثها ردت بلهفة قائلة: -آلو، أيوا يا بدور أنا جنه. الو الو الو. نظرت إلى الهاتف بتعجب وهي تقول بدهشة وذهول:

-غريبة دي. -في إيه؟ -بدور ردت عليا ولما عرفت إن أنا قفلت. -يمكن بتحسب حد بيعاكسها ولا حاجة. -هي أصلاً مبتردش على أرقام غريبة. بتفتح وتسكت ولما تعرف إن صوت ست بترد. تابعت بجدية وهي تعاود الاتصال بها قائلة: -يمكن الخط فصل. أنا هكلمها تاني. أكيد هترد مش معقول تكون قاصدة. كررت الاتصال أكثر من ثلاث مرات حتى تمكن اليأس منها فأعطته هاتفه وقالت بيأس: -اتفضل تليفونك مافيش فايدة مش بترد. شكلها فهمت فعلاً إن رقم بيعاكس.

نهض عن الأريكة وقال بجدية: -خلاص لما اتكلمت هبقى أفهمها الموضوع. هاسيبك دلوكه وبكرة بإذن الله هرجع من النبطشية وهنروح لجدك. ردت بإحباط: -لسه بكرة. -هانت كلها ساعات. خلصي واكل وأني هرتب كل حاجة وتروحي عند جدك. سلام عليكم. تركها في ذات اللحظة التي ولجت فيها ابنة عمه. رمقتها بنظرات غيظ وحقد شديد. عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت بنبرة حادة: -أنتِ مرات عمران الهواري؟ أعادت الكوب مكانه وهي تمئ برأسها علامة الإيجاب.

متسائلة بفضول: -أيوا أومال أنتِ مين؟ ردت بجدية دون تردد: -أني اللي قاعدة في قلبه. أني اللي كان لازم تشيل اسمه. أني اللي كل نفس طالع ولا داخل من صدره بيقول بحبك يا جميلة. عرفتي أني مين يا شاطرة. ردت بهدوء ظاهري: -أنتِ الماضي اللي كلمني عنه. مبسوطة أني شفتك يا جميلة رغم إن بقالي يومين في البيت وأنتي متجنبة الكلام معايا. لكن دلوقتي فهمت ليه. تركتها تلعن حظها التعيس مرة وعمران مرتين. تزوج بها ولديه حبيبة كيف هذا؟

كانت تظن أنها ستبني بيتًا جديدًا بدلًا التنقل هنا وهناك. كانت تصعد درجات السلم درجة تلو الأخرى بخطوات متثاقلة وعقلها كاد أن ينفجر. كيف هذا يحدث؟ يومًا واحد ستبدأ في حل مشاكلها بهدوء وحذر. وأولى هذه الخلافات انفصالها من "عمران". ليه كدا يا بدور؟ ليه قفلتِ في وشها وأنتي متأكدة إنها هي؟

قائل هذه العبارة "حذيفة" الذي كان يعاتبها بكلماته. أما هي كانت شاردة في ذكرياتها معها، ضحكاتهن، أحزانهن، جنونهن، ومشكساتهن لبعضهن البعض. كل هذا تذكرته وكأنه شريط ذكريات يمر أمامها. كيف يمكنها أن تكتم ما حدث لوالدها؟ والأصعب كيف يمكنها أن تحكي لها أن القاتل هو أبوها وليس شخصًا آخر. انتشلها من بئر ذكرياتها بصوته الهادئ وهو يطرق بأنامله على سطح المنضدة الخشبية وقال: -بدور سرحتي في إيه؟ ردت بشرود: -ها لأ أبدًا.

تابعت باعتذار قائلة: -عن إذنك يا حذيفة هطلع أوضتي عشان تعبانة شوية. -مش هتتعشي معانا بقالك يومين مبتكلميش عمي والنهاردة كمان كدا مينفعش. -معلش حاليًا مش هقدر أتكلم معاه. عن إذنك.

بعد مرور ساعتين من التفكير الطويل قررت أن تتحدث معها وتسرد لها ما حدث. لن تتحمل هذا الجبل يجثو على قلبها أكثر من ذلك. التقطت هاتفها الموضوع على سطح الكومود ثم قامت بالاتصال على هاتفها. وجدته خارج التغطية. تنهدت بإحباط. سرعان ما وجدتها قامت بالاتصال الرقم المجهول الذي هاتفتها منه منذ قليل.

خفقات قلبها كانت تتزايد كلما طال الرد. انقطع الرد أول مرة وكأنه القدر لا يريد كشف المستور. كررت الاتصال علها تجيب هذه المرة. وقبل أن تغلق الهاتف أتاها الرد و"سليم" يتحدث بهدوء: -سلام عليكم، الو الو، في الحقيقة ديه مش تليفون جنه ديه تليفوني أني الدكتور سليم واد عمها. وحاليًا هي مش جنبي بس هي كانت حابة تطمن عليكي. حضرتك معايا ولا جفلتِ التليفون؟ طب كويس كنت بحسب بحدد حالي. خير اتفضلي. حاجة إيه؟

ماله والد حضرتك. الو الو الو. نظر "سليم" إلى هاتفه ليتأكد أنها أغلقت الهاتف في وجهه وليس ظنًا منه. تمتم بتعجب: -غريبة ديه! ياترى ماله أبوها وجصدها إيه إن الصاحب مبقاش صاحب. كاد أن يعاود الاتصال بها لكنه ترك الهاتف ما إن جاءته حالة طارئة. وبعد مرور ساعات طويلة عليه بين مرور المرضى وقضاء بعض العمليات الجراحية، مازال يومه طويل لا يعرف متى سينتهي. قرر أن يمر ليطمئن على صديقه مبررًا له بأنه داخل إطار عمله ليس إلا.

كان "عمران" يتابع بطرف عينه حال صديقه الذي يتابع بجدية تقارير حالته. ابتسم بطرف فمه وهو يقول بسخرية: -زي القطط بسبع أرواح يمكن تخرج بكرة ولا بعده. رد بذات النبرة بغرور: -هواري وولاد الهوارية مبيجوش ضعاف واصل. رد "سليم" مقاطعًا بسخرية: -بلاش وحياة أبوك الغرور اللي فيك ده. هو ربك بس رايدك تعيش عشان هتموت بطريقة تانية واصل. استطرد "عمران" بجدية مصطنعة:

-بجل لك عاوز أشرب سيجارة والممرضة خدت مني السجاير وجالت لي إنه أمرك. كلمها تجبها. استدار "سليم" بجسده له وقال، ثم وضع يده في خصره وهو يرقص حاجبيه الكثيفان باستفزاز: -لاه مافيش أصل صدرك تعبان وأني خايف عليك يا صاحبي. جلس على المقعد المجاور للنافذة وهو يشعل لفافة تبغ. نفث سحابة دخان كثيفة في سقف الغرفة ثم نظر لعمران وقال بجدية مصطنعة وهو يضع ساق فوق الأخرى:

-إنما لو هتتحايل عليّ شوية كده ساعتين مثلاً ولا حاجة مستعد أديك واحدة من معايا. رد "عمران" بغيظ شديد وقال: -بطلتها مش عاوز أشرب سجاير صدري تعباني. شاح بوجهه تجاه الباب وهو يلعنه بسبابه اللاذع. أما "سليم" وقف عن مقعده متجهًا نحوه. جلس على طرف سريره وقال وهو يمد له بلفافة تبغ: -خد متزعلش كيف العيال الصغير كده. رفض "عمران" على مضض. بينما أصر "سليم" على تناولها وقال بجدية: -خد بجى اتوحشت الحديث يا واض. رد بتحذير قائلًا:

-بس ماتجلش اتوحشت. ضحكا سويًا على حديثهما ثم ساد الصمت بينهما لتذكر كلًا منهما ذكرياتهما المشتركة بينهم. وفي آن واحد تبادلا العناق وربت كلًا منهما على ظهر الآخر. تمتم "سليم" بخفوت والابتسامة تزين ثغره: -حمد الله على سلامتك يا صاحبي. رد "عمران" بذات الابتسامة: -الله يسلمك يا صاحبي. اتوحشتك. -أني كمان يا عمران. اتوحشتك واتوحشت الجعدة وياك. خرج "سليم" من حضنه وهو يقول بنبرة حائرة: -وبعدين يا عمران؟

وبعدين في بحر الدم اللي مش راضي يتجفل ده؟ ردت النبرة وقال: -مخبرش والله ياسليم. كل ما بحاول أحله جدي وجدك يعقدوها أكتر وأكتر. -هو صح اتجوزت جنه؟ -أيوه وإنت شفت بعينك الجسيمة. -لاه قصدي... توقف عن تفسير حديثه، بينما استشف "عمران" علمه بخبرة رجل يعلم ببواطن الأمور ماذا يريده. فرغ فاه "سليم" ليكمل حديثه لكنه منعه من ذلك قائلًا بحدة واضحة في نبرته: -سليم أظن ديه حاجة خصوصية ومش من حقك تتدخل فيها.

-أنت فهمتني غلط يا عمران أنا كل قصدي... -جفل على الموضوع ده يا ابن الناس وبالنسبة للخلافات اللي بين جدك وجدي هتتحل. أني حاسس إن جدك هيوافق المرة دي. ابتسم بطرف فمه وقال بحزن: -تبجى بتحلم يا صاحبي. عشان كده رايد أعرفك حاجة مهمة. -حاجة إيه؟ وقف من على طرف السرير. وهو يقول بتوجس: -ربك يستر على اللي جاي يا صاحبي. تصبح على خير. حديث مبهم، صلح جاء بعد مرور سنوات، شرود من جديد، وتفكير طويل ليعرف ما الذي يقصده.

وفي عصر اليوم التالي، كانت تنتظره خارج المنزل بعد أن تجاهلت جدها الذي يدللها وينفذ لها كل رغباتها دون نقاش. يريد أن يكتسب ثقتها. يريد عندما يقع الاختيار يقع عليه هو. نظرت في ساعتها للمرة المئة بعد الألف وهي تزفر بحنق متمتمة بضيق: -كل ده تأخير يا سليم. ما إن أنهت جملتها تلك توقف بسيارته أمامها. ترجل منها متسائلًا بفزع: -واقفه كده ليه في حاجة حصلت؟ ردت وهي تستقل سيارته قائلة:

-لأ بس أنا نفذت وعدي وأكلت. أنت كمان نفذ وعدك ليا. رد ممازحًا: -وشربتي النسكافيه ولا لأ؟ أجابته بامتنان: -أيوا شربته وكان تحفة تسلم إيدك. تابعت بصوت مرتفع: -يلا بقى عاوزة أروح أشوف جدي. رد بنبرة متعجبة: -واه مش هتروحي تشوفي جوزك؟ -مش هو عند جدو؟ -لاه في المستشفى عنيدنا محجوز بقاله كام يوم. كان يقود سيارته وهو يستمع لها باهتمام: -طب بص هروح الأول أزور عمران. تابعت بمكر: -ماهو جوزي وزيارة الزوج واجب بردو.

ثم ختمت حديثها قائلة: -وبعدها هروح لجدي عشان واحشني. وبعد مرور نصف ساعة، خرج "سليم" من المصعد الكهربائي وخلفه "جنه". قادها إلى غرفة "عمران" الذي كان يشاهد أحد الأفلام العربية القديمة. طرقات خفيفة ثم ولج بعدها. ابتسمت لها ابتسامة مزيفة وهي تلوح بيدها له. تعجب من مجيئها إلى هنا وقبل أن يسألها عن شيء جلست وقالت بجدية مصطنعة: -ازيك يا عمران عامل إيه دلوقتي؟ -الحمد لله زين وأنتي كيفيك دلوكه؟ -أنا تمام.

تابعت بجدية وهي تنظر لـ سليم قائلة: -هو عمران هيقدر يخرج إمتى؟ -يومين كده. وقبل أن يكمل حديثه صدح رنين هاتفه معلنًا عن وصول رسالة نصية لرقم مجهول. قام بفتحها وقبل أن يخبرها أن صديقتها صمت ليكمل الرسالة: (أنا آسفة أني قفلت في وشك التليفون بس أرجوك بلاش تجيب سيرة لجنه إني كلمتها ولا تقول أي حاجة أرجوك تحتفظ بالموضوع ومتعرفهاش حاجة، أنا آسفة مرة تانية)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...