الفصل 3 | من 21 فصل

رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثالث 3 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
21
كلمة
4,077
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

بدأ يطهر الجرح ويضمضه بتركيز عالٍ. انتهى من عمليته البسيطة ما يقارب الساعة تقريبًا. خرج من العمليات وجد جده بجوار صديق الدرب محاولًا اطمئنانه بطريقة غير مباشرة. ابتسم لهذا المشهد الذي لن يتكرر أبدًا بهذه البراعة والصدق في المشاعر. تنحنح وهو يجيب الحاج أيوب على سؤاله قائلًا: -خير يا ولدي، عمران عامل إيه دلوقت؟

-اطمن يا حاج، عمران بخير وخرجنا الرصاصة. هو بس هيفضل في الرعاية 24 ساعة تحت الملاحظة، وبعدها هيتنقل أوضة عادية. تنهدت جنه بارتياح شديد، وكأن الجبل الجاثم على قلبها سقط للتو. جلست بجوار جدها وقالت بهدوء: -الحمد لله يا جدي إنها عدت على خير. روح إنت ارتاح وأنا هفضل هنا. قاطعها سليم بحدة وصرامة، متبادلاً في جزء من الثانية وهو يقول: -هتجعدي فين يا بت البندر؟ فاهمة نفسك؟ في مصر إياك!

أنتِ هتروحي ويانا عشان في حديث كتير عاوزينك فيه. ردت مقاطعة بحدة لا تقل عن حدته، وهي تقف عن كرسيها لتقف مقابلته وترد على حديثه، مشيرة بسبابتها نحو غرفة العمليات قائلة: -اللي جوا دا جوزي، وأنا ضربته بالنار وهو بين الحياة والموت، فاهم أنا بقول إيه؟ أنا مش هتحرك من هنا، وأعلى ما في خيلك اركبه.

قبض على ذراعها بقوة جعلتها تتأوه وهي تتخبط في خطواتها المتعثرة إثر سحبه، مجروراً لها كالبهائم، غير مبالٍ نظرات كل من يعمل في المشفى خاصته. خرج بها وألقى بجسدها عنوة في سيارته، ثم استقل في مقعد القيادة، متجهًا إلى بيتها الجديد. ظلت تدفعه في كتفه تارة وتضرب ظهر مقعده تارة أخرى. -يا حاج نعمان، اللي ولد ولدك عمله ديه كبيرة جوي. كيف ياخدها كده وهو أني مش مالي عينه ولا إيه؟

أردف أيوب عبارته بصوته المرتفع وغضبه الشديد، بينما تحلى نعمان ببرودة الأعصاب وهو يقاطعه مصححًا: -ولد ولدي أخذ بت عمه لدارها. اهدأ كده واعرف إنت بتتحدث كيف. ولو كان حد يركبه الغلط، يبقى إنت الحد ده يا أيوب. -طول عمرك كيف لوح الثلج يا نعمان. يا بهيم افهم أني بريء من دم ولدك، متخليش الغجر تفرق بينا. وقف عن كرسيه وقال بصوت مختنق: -مين اللي قال إن ولدي هايجي لي في كفن وما هيفرحش ببته أصلًا؟ مش إنت؟

ومين اللي قال إن ولدي هيدفع الثمن مرتين؟ مرة على جوازه من بتك، والتانية على هروبه ببته بعيد عنيك؟ مش إنت إياك؟ رد بصراخ قائلاً: -أيوه قلت، بس منفذتش حديدتي. كانت ساعة شيطان وراحت. لما شفت بت بتي بين يدي. تابع بصوت مختنق وقال:

-غصب عني يا نعمان، بتي كسرتني وخرجت عن طوعي واتجوزت ولدك. جهرتني ومعرفتش أقيم راسي وسط الناس. دورت وراها في كل بلد شوي لحد ما عرفت إنه خد لها مطرح في إسكندرية. جن جناني يوم ما عرفت. رحت لها عشان أقتلها. ولما وصلت لجتها جثة وسايبة حتة لحمة حمرا، اسمها جنة، خدتها في باطي، أشم ريحة أمها فيها. بكيت كيف الحريم. خابر اللي بقوله دلوقت مافيش منه فايدة، بس ربنا يشهد إن دي هو الحج.

ساد الصمت لحظات، وكلٌ منهما يسند برأسه على عكازه. رفع نعمان رأسه وقال بمرارة في حلقه: -ولدي مات كيف يا أيوب؟ وقال إيه قبل ما يموت؟ أتوسلك؟ ولا حب على يدك؟ ولا مات راجل؟ رد أيوب بنبرة صادقة وقال:

-والله العظيم أني بريء من دمه ومخابرش مين قتلته. منكرش إني كنت هعملها بعد دفنت بتي، بس عاودت إسكندرية لقيته طفش منها. بعد ما عرف إن جيت وخدت بتي أدفنها. بعدها بسنتين كده وصلت لمكانه، بس كان اتقتل. معرفش مين اللي قتلته. كان اللي عاوز أعرفه وقتها فين بت بتي عشان آخدها وأربيها. ولما عرفت كنت إنت بتدور عليها قريب. كانت الولية أم فتحي اللي بتخدم بتي وياها هربتهم بعيد. وكل شهر كنت ببعت لهم فلوس تعيشهم، وأعرف أخبارهم من واحد بيجي ياخد الفلوس. ولما أم فتحي ماتت، البت بعتت لي وعاوزة تعود بلدها.

سأله بحزن قائلاً: -وهي عرفت كيف إنك جدها؟ أجابه بهدوء: -أم فتحي قال لها المرض الخبيث بعيد عنيك. وكانت فاكرة إنها هتموت جامد. قالت لها وماتت بعدها بسنتين. ختم حديثه وهو يستدير بجسده نصف جلسة وقال برجاء: -نعمان تعال نوقف بحور الدم ديه ونرجعوا كيف أول. نقر بعكازه على الأرض مفكرًا في حديثه، ثم قال بهدوء مريب يعلمه جيدًا أيوب: -اطمن على ولد ولدك، وبعدها لينا جعدة يا أيوب. سأله بتوجس: -وجنة؟ رد سؤاله بسؤال آخر: -مالها؟

-هتجيبها ميتة؟ -بت ولدي هتفضل في داري ودار أبوها لحد ربنا ما يأذن لها بالخروج منه. قاطعه بعصبية واضحة على وجهه وقال بسبابه المعتاد عليه: -كيف ديه يا بهيم؟ جوزها مرمي هني بين الحياة والموت، وإنت عاوزها؟ ضرب بعكازه على الأرض وقال بحدة: -كفاياك تمثيل لحد كده يا أيوب. رد بذات النبرة وقال بغضب: -عليا الطلاق مرته ودخلتهم كانت امبارح. واسألها لو مش مصدقني.

وقف عن كرسيه وسار بخطواته الواسعة لرجل في عمره، كان يتحدث وهو يتابع سيره حتى وقف عند باب المصعد الذي انفتح ما إن ضغط على أحد الأزرار. -لو جنة طلعت متجوزة عمران صح، يبقى اِترحم عليه عشان سليم هيزعلك عليه جامد قوي. ولو طلع كلامك ده كذب، يبقى حضّر كُفنين، واحد لي والتاني ليك. ولج المصعد قبل أن يستمع إلى رد صديق عمره الذي نفذ صبره في إقناعه. مال برأسه على مقدمة العصا العاجي، وقال بخفوت: -ربنا يعدي الأيام ديه على خير.

على الجانب الآخر من نفس المدينة وتحديدًا في منزل الحاج نعمان، كانت تترجل من سيارته الفارهة، جرها خلفه كما فعل في المشفى. كانت تحاول فك قبضته الحديدية التي كادت تبتر كفها. صعدت ثلاث درجات ثم ولجت البهو الكبير. ترك معصمها ما إن صرخت به حتى يتركها وشأنها. رفعت يدها لتصفعه، تفادى هذه الصفعة وقام بمنعها. تقابلت الأعين في مواجهة شراسة نيران داخل مقلتيه، تتقابل بتحدٍ في حدقيتها. رفع سبابته في وجهها وقال بحدة وصرامة:

-من هنا ورايح خروجك من هنا هيكون على تربتك. رفعت سبابتها لتتحدث بذات النبرة: -لو فاهم إن عمران هيسكت على اللي بتعمله ده تبقى بتحلم. رد مبتسمًا بسخرية: -عمران ولا هيقرب من هنا خلاص يا بت البندر، محدش يقدر يقرب من عرين الأسد. ردت بثقة قائلة: -هتشوف يا سليم، هتشوف. زأر بصوته الجهوري حتى أتته الخادمة وجسدها ينتفض قائلة بذعر: -أيوه يا سيدي. -أخفيها عن وشي، وماتشوفش عتبة الدار ديه أصلًا. ولو حصل هتبقى روحك بعيدة عن جسمك.

-حاضر يا سيدي، اللي تؤمر بيه. صعدت جنه إلى غرفتها الجديدة بالبيت الجديد مع أناس جدد وشاب غريب الأطوار. أدخلتها الخادمة عنوة. الجميع يتعامل معها بعنف عكس ما تعامل معها عائلة والدتها. جلست على حافة السرير، دفنت وجهها بين راحتيها تبكي على حالتها تلك. رفعت رأسها وهي تتنهد بحرقة. ما الذي فعلته حتى يحدث كل هذا؟ حديث جدها ينفذ بالحرف، توقعته، كانت بمحلها. ماذا تفعل لتنقذ كل هذه الأرواح؟

لعنت حظها مرة وحالها مرتين. طرقات خفيفة، ثم ولجت الخادمة وبين راحتيها وجبة غداء خفيفة، وضعتها على سطح المنضدة الخشبية. نهضت جنه عن حافة الفراش متجه نحو الشرفة، وقالت بحدة: -خُدي الأكل، مش هاكل حاجة. وبلغيهم تحت إن عاوزة جدي أيوب هنا وحالًا. -بس يا ست هانم. ردت بصراخ قائلة: -قلت مش عاوزة أطفح. خُدي الأكل وانزلي. نفذت الخادمة الأمر على الفور. استوقفها سليم متسائلة بجدية: -الأكل نازل زي ما هو ليه يا بهية؟ ردت بتوجس:

-ماهو ما هو. قاطعها بعصبية قائلاً: -ردي يا ولية، الجط كل لسانك ولا إيه؟ ردت بقلة حيلة: -ماهي زعجت لي ياسيدي وطردتني من عندها، وقالت ما هتأكلش غير وجدها أيوب هنا. هز رأسه بتفهم وقال: -طب روحي أنتِ شوفي شغلك. هبطت جميلة على سلالم الدرج بتثاقل، وكأنها امرأة عجوز لا تستطيع الحركة. شحب وجهها بين ليلة وضحاها، دمرها الحب وما زال تكابر كي تصل لمبتغاها. توقفت أمامه وتسألت بتردد في بادئ الأمر قائلة: -هو... هو مين اللي جه هنا؟

رد سليم بجدية وهو يشدد على كلماته، متعمدًا إيقاظها من هذا الوهم الذي تعنته بالحب: -دي جنة، بت عمك، مرات الدكتور عمران الهواري، بت عمته. أبلعت غصة مؤلمة بحلقها ثم قالت بجمود مصطنع: -هو... هو اتجوز ميتًا؟ -امبارح كانت دخلته، والنهاردة دخلته في الرعاية. -إنت كداب، عمران ما يعملش كده. -لا، عمل كده. وأجل لك على التجيلة، عمران وقف قصادي لأجل عيونها وخدها في ضهره.

لم ينكر أنها تستحق الشفقة، بينما هي حاولت التحلي بملامحها الصارمة كما أمرت حدقتاها أن لا تفضحها أمامه. ابتلعت غصتها وعادت من حيث أتت، كي لا يتعمد قهرها بما لا تستطيع تحمله. البكاء أصبح رفيقها هذه الأيام، لا تعرف متى ستتخلص منه، لكنه من البديهي أنه سيطول مادامت تلك الحمقاء زوجته.

في مدينة القاهرة، الساعة الآن السادسة مساءً. خيم الغسق على تلك المنطقة العشوائية التي تقطن فيها بدور الأسيوطي، ابنة الرجل الذي لا يملك في هذه الحياة سواها بعد وفاة والدتها قبل أن تكمل عامين بأيام قليلة. رجل مريض قلب وسكر وارتفاع في ضغط الدم، أمراض كثيرة يعاني منها رغم صغر سنه، لكنه رجل كثير الحمد. كانت بدور ستتزوج لولا سوء حظها أم حسن لا يعرف، لكنه إذا علم سيحمد الله على سلامتها قبل أي شيء. انتهت من أعمالها اليومية وقبل أن تلتقط أنفاسها، قرع صوت الناقوس صدح بالشقة الصغيرة المكونة من غرفة واحدة وردهة صغيرة. ذهبت لتعرف من الطارق في هذا الوقت.

وجدته شابًا يافع الطول، عريض المنكبين، يرتدي حلة سوداء أنيقة وحذاء من ذات اللون. كانت تتطلعه من رأسه حتى أخمص قدميه، متسائلة عن ذاك الشاب سليل العائلات المحترمات، كيف له بأن يأتي إلى صندوق أشبه بصندوق القمامة كما قالت جنة في إحدى ليالي... انتشلها من بئر خيالها متسائلاً بهدوء: -هو هنا بيت عمي ناجي الأسيوطي؟ ردت بدهشة قائلة: -هااا... أه، هو بيته. ابتسم لها وقال بعفوية: -يبقى أكيد أنتِ بنته.

ما زالت على حالتها تلك. طرقع بإصبعه لينتشلها من هذا البئر الذي وقعت فيه مرة أخرى وقال: -ركزي معايا لو سمحتي، أنا حذيفة ابن عمك. لو ينفع توصليني بعمي يبقى كتر خيرك.

حركت رأسها ببلاهة وهي تسمح له بالدخول. تجاوزها تحت ابتسامة خفيفة يشكرها فيها من خلالها. وقف خلف الباب حتى تسمح له بالجلوس. أشارت له ليجلس على أحد المقاعد بعد أن نظفتها للمرة الخمسين، ليليق به. جلس وطلب منها أن تأتي بوالدها. نفذت طلبه وهي ما زالت وسط دهشتها وذهولها من ذاك الشاب الذي لا ترى مثلًا إلا في شاشات التلفاز أو المجلات والجرائد.

أتى والدها ليتأكد من ثرثرة ابنته. وقف حذيفة عن المقعد المتهالك وسار تجاه عمه مد يده ليصافحه وهو يقول بابتسامته المعهودة: -أنا حذيفة مسعد الأسيوطي، ابن أخوك يا عمي. حالة من الصمت سادت المكان إلا من صوت خفقات قلبه التي كادت أن تفضحه. كانت عيناه على كفه الممدودة، فجاءه بعدم المصافحة وقال بنبرة حادة: -جاي ليه؟ أبوك عاوز مني إيه تاني؟ حاولت بدور أن تخفف من غضب أبيها لكنه قاطعها بحدة لم تعهدها منه

وهو يشير بيده للداخل وقال: -أنتِ اخرسي خالص، أنتِ مش عارفة أبوه عمل فيا إيه. أبوه هو السبب في اللي أنا فيه دلوقتي. ادخلي وملمحش طرفك برا الأوضة. تابع بذات النبرة وقال لابن أخيه: -وإنت اتفضل اطلع برا، وياريت ماشوفش وشك ده تاني. وقل لأبوك ينساني. قاطعه بصوت مختنق ونبرة تملؤها الحزن: -بابا بيموت وأمنيته قبل ما يموت إنه يشوفك. استدار بجسده كي لا يرى ضعفه وقال بجمود: -يبقى قل له يموت، لأني مش هشوفه. أتت بدور وقالت برجاء:

-بابا، دي أمنية أخوك، وإنت عمرك ما رفضت لحد طلب، مابالك لما يكون الحد ده أخوك. -قلت اخرسي. خرجت تلك الجملة من فم والد بدور وهو يصفعها للمرة الأولى التي يفعل معها هكذا. لم تتحمل هذه الصدمة منه، هرولت تجاه حجرتها. بينما هو أطبق على جفنيه ندمًا على فعلته تلك. أما حذيفة، كانت عيناه معلقتين على حجرتها، كان يريد الاعتذار منها، لكن عمه لم يسمح له بذلك، بل فعل الأكثر جرأة وهو يدفع بجسده للخارج قائلاً:

-اتفضل مع السلامة، وياريت ماشوفش وشك تاني. وقل لأبوك يموت بعيد عني. توقف حذيفة عند الباب الخارجي وقال برجاء: -يا عمي، ليه نفتح الماضي؟ خليه مقفول ونرجع زي الأول. ارجوك. تركه العم ناجي وقال بمرارة في حلقه وهو يستدير بجسده كله لداخل الشقة: -إنت متعرفش أبوك عمل إيه عشان يذلني. متعرفش أنا عشت إزاي. أبوك ضحك عليا وأخذ ورثي مني ورماني. خلاني أعمل حاجات مستحيل كنت أفكر أعملها. ولج حذيفة للداخل وقال بحزن:

-وأهو ربنا أخذ لك حقك منه. معاه ملايين والملايين دي فشلت إنها تعالجه من مرضه. وضع يده على كتف عمه وقال بتوسل: -أبوس إيدك يا عمي تحقق أمنية بابا دي، أمنيته الأخيرة. بابا بينه وبين الموت أيام، ويمكن تكون ساعات. ارجوك، أنا تعبت لحد ما وصلت لك هنا. أنا بقالي شهور بدور عليك. ازدرد لعابه قبل أن يوافق على مضضٍ قائلاً: -موافق، بس بشرط. رد بسعادة قائلاً: -كل شروطك موافق عليها من غير ما أعرفها. رد مقاطعًا بجدية:

-لأ، الشرط نور. أنا هروح معاك، بس مرة واحدة ومش هروح تاني. لو اتقلبت قرد. رد باسمًا: -لا، متخافش. هي مرة واحدة وخلاص. -اقعد هنا وأنا هخلي بدور تعمل لك حاجة تشربها على ما ألبس. هتف عدة مرات حتى أتته ابنته وهي تكفكف دموعها بظهر يدها وقالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء: -نعم يا بابا. رد بجدية مصطنعة قائلاً: -شوفي حذيفة يشرب إيه على ما ألبس عشان هروح معاه. أومأت برأسها علامة الإيجاب ثم قالت بصوت هادئ: -حضرتك تشرب؟

رد باعتذار قائلاً: -أنا آسف، أنا السبب في اللي حصل لك بجد، مكنش قصدي خالص. اغتاظ والدها منه وقال بغيظ مكتوم: -وهو اللي كنت أقصد يا واد إنت!! ماهو إنت السبب إنت وأبوك. قبل ما تطل علينا بطلتك البهية دي، كنت أنا وهي زي السمن على العسل. ردت مبتسمة وهي تحتضنه: -وهنفضل كده يا حبيبي طول العمر. ربنا يخليك ليا.

ضمها لصدره بحنو وحب، كان يشعر بشيء يقبض له قلبه، لا يعرف ما هو، لكنه يعلم أن قبضة القلب هذه لا تأتي من فراغ. حاول إخفاء هذا الشعور عنها حتى لا يزعجها. وبعد مرور عدة دقائق، كان حذيفة يرتشف قهوته التي صنعتها له بدور. انتهى منها سريعًا، شكرها في كلمات بسيطة، لكنها منمقة. اكتفت هي بالابتسامة الخفيفة. خرج والدها من حجرته وهو يغلق أزرار قميصه الأبيض، وقال بجدية: -بدور، أنا هروح مع حذيفة وراجع تاني.

قاطعه صوت الناقوس الذي صدح بإزعاج وطرقات شديدة لا تهدأ أبدًا. هرولت نحو الباب بخطواتها السريعة، فتحت الباب وجدت شقيقة خطيبها السابق ماثلة أمامها، والشر والغضب يتطاير من عينيها كأنها حمم بركانية. وقبل أن تتحدث، قبضت على خصلات شعرها، كادت أن تقتلعها. دوت صرخات بدور، بينما حاول والدها إنقاذ ابنته من تحت يدي تلك المتوحشة. لم يستطع نظرًا لسنه، فقام حذيفة بمساعدته ونجحا سوياً في إنقاذ ابنته. سألها بغضب قائلاً:

-أنتِ مين وعاوزة إيه؟ وإزاي تمدي إيدك عليها أصلًا؟ ردت بنبرة عالية قائلة بغيظ: -أنا يا حبيبي أبقى أخت المرحوم خطيبها، والهانم ضربت على دهبه وفلوسه اللي كان معاه. ولما مات قالت تدور على غيره. ردت بدور وهي تنظر لوالدها: -والله يا بابا ما أخذت حاجة، والكلام اللي بتقوله ده محصلش. تابعت وهي تنظر لها قائلة بقهر:

-أخوكي أصلًا يا عبير مجابش دهب. ده كان دهب صيني وأنا سكت عشان بابا ميوقفش الجوازة. والفلوس اللي بتتكلمي عليها دي كانت فلوسي، فلوس شغلي، وهو اللي أخذها مني وربنا يسامحه بقى. كادت عبير أن تجذبها مرة أخرى من شعرها المشعث وهي تقول: -ليه؟ وفلوس شغله كانت فين؟ قبض حذيفة على معصمها وقال بتحذير واضح: -لو فكرتي تقربي لها، مش هكسر لك إيد ولا رجل، لأ هكسر لك رقبتك. فلوسك هاخذها منك. ردت بدور بعصبية قائلة:

-بس هي ملهاش حاجة تاخدها منك ليه يعني؟ دس يده في جيب سترته ليخرج دفتر الشيكات خاصته، دون سريعًا بياناته، ثم قام بقطع الشيك ووجهه نصب عينيها وقال بتحذير: -جدعة، قربي منها ولا من البيت تاني، وصدقيني هنسى إنك ست. خرجت عبير من البيت بعد أن أخذت مبلغًا لم تحصل عليه في أحلامها حتى. نظر حذيفة إلى بدور وقال بهدوء: -أنا من رأيي تيجي معانا لأن هنا مبقاش أمان عليكي. رد والدها مؤيدًا لحديثه:

-وأنا كمان شايف كده. ادخلي البسي وتعالي معايا، إحنا كده كده مش هنتأخر هناك، ولما نرجع لينا كلام تاني. أومأت برأسها علامة الإيجاب ثم قالت: -حاضر يا بابا. وبعد مرور ساعة ونصف تقريبًا، كانت تقف جوار والدها تنظر لمنزل عمها الذي لم تراه قط، قطعة من الجنة على الأرض. تمتم والدها بخفوت قائلاً: -كان ينفع تعيشي في مكان زي ده لو عمك ما أخذش حقي مني. ردت بذات النبرة: -بابا، ابنه بيقول إنه بين الحياة والموت. سامحه وارضى بنصيبك.

أومأ برأسه وقال: -حاضر يا بنتي، أنا كمان محتاج إن ربنا يغفر لي اللي عملته. لم تفهم مغزى حديثه، لكنها تود أن تعرف ما الذي يقصده بحديثه دائمًا. ولجوا جميعًا الفيلا وجلسوا في غرفة الصالون لدقائق. ثم جاء حذيفة بوالده القعيد على كرسي متحرك. وقف ناجي وقال بحدة: -إنت بتضحك عليا وبتقول إن أبوك بيموت وهو زي القرد؟ رد مسعد وقال بقهر وحزن: -وهو في أكتر من كده إيه يا خورشيد؟ أنا مشلول ومريض كانسر. جالي سرطان في المعدة،

وكأن ربك أراد بيقول: ورث أخوك اللي أكلته في بطنك مش هخليك تنهي به. رد ناجي بصراخ قائلاً: -لأ، سرطان في حتة واحدة ماينفعش. إنت لازم تموت مليون مرة. إنت السبب في اللي أنا فيه، إنت اللي وصلتني للي وصلت له دلوقتي. قاطعه مسعد بقهر: -وربك بيخلص. صدقني ربنا مبيسبش حق حد أبدًا. هوى على المقعد وقال بانهيار: -ودا اللي خايف منه. خايف ربنا يخلص اللي عملته في بدور بنتي، خايف ياخدها مني بذنبى. تابع بحدة:

-إنت السبب، إنت السبب. لو كنت ادتني فلوس يوم ما جيت لك واترجيتك عشان أنقذ مراتي وبنتي، مكنش حصل اللي حصل. رد بعدم فهم: -إيه اللي حصل؟ يمكن نقدر نصلحه. رد بغضب: -تصلحه؟ تصلحه إزاي ها؟ قل لي تصلحه إزاي؟ هتروح تجيبه من قبره وترد روحه؟ سأله حذيفة قائلاً بعدم فهم: -هو مين؟ أجابه بصراخ: -رياض عمران السيوفي. أنا اللي قتلته وسرقت فلوسه عشان أنقذ مراتي وبنتي من إنهم يموتوا.

وقع الخبر على مسامعها كالصاعقة. كاد أن يصم الأذن من هول الصدمة. ما هذا؟ أبي قاتل؟ ومن والد أعز صديقاتي والوحيدة في هذه الدنيا!! كنت لا أحتمل أن أكون قاتلة، فأصبحتُ قاتلة ابنة قاتل...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...