اتسعت عيناه من هول المفاجأة، بينما كانت "نرجس" تتسأل بنبرة مرتعشة: -وأني عملت إيه يا جدي؟ رد "نعمان" بجدية: -ابجي اسألي أخوكي عمل إيه في جنه. تابع بحدة وهو ينظر لحفيده: -طلجها واكرشها برا الدار. وعهد ربنا ورسوله أعمل في إيه؟ أني حالفت جدام الكل إني هتسترها، أجوم أني بيدي أفضحها. أردف "سليم" عبارته وهو يقترب من جده، بينما وقف جدّه وقال باستجهان: -ابجى صوم وكفر عن ذنبك. رد "سليم" بصراخ: -وليه أعمله من الأساس؟
عملت لي إيه عشان أكسرها كده؟ قاطعه بذات النبرة: -أخوها كسر بت عمك وفضحها بعد شهر جواز. -أه يعني إنت هتردها في بتهم بس أنا مهعملش كده. استدار بجسده ما أن أنهى الأخير حديثه فقال بهدوء: -يبجى تخرُج برا الدار، وعشان إنت راجل جدع هسيبك لحد الفجر، يا تطلجها يا تخرُج برا الدار. ردت "جنه" لتعلن عن وجودها قائلة بغضب: -أقسم بجلال الله لو فكرت تعملها يا سليم لافضحك في كل مكان وهتكون فتحت على نفسك نار ملهاش آخر.
تركها "سليم" وصعد الدرج، بينما نظرت إليه "نرجس"، ملامحه لا تبشر بالخير. صفع الباب خلفه بعنف، جلس على حافة الفراش يستجمع شتات نفسه. تفاجأ بها تجثو على ركبتيها، كادت تنحني على قدماه لتقبلها وهي تتوسل إليه قائلة: -أحب على يدك يا سليم، استرني. أحب على تسترني. لم يرد، مقاطعًا بحدة وهو يرفعها عن الأرض وراح يقول بصوت مرتفع: -أسترك دي لما تكوني معيوبة، لكن إنتي أشرف من الشرف، وأني أشهد.
ثم ختم حديثه وهو يشير بيده نحو الفراش قائلاً: -والسرير ده يشهد، جهزي حالك هنمشي من اهني، ملناش مكان اهني. وبعد مرور ساعة تقريبًا، كان "سليم ونرجس" في بهو المنزل بحقائب سفرهم. حرك الجد رأسه وهو يقول بهدوء حد الاستفزاز: -اخترت بت الهوارية، ماشي يا دكتور، يبجى تسيب كل حاجة تملكها من بيت السيوفي. رد "سليم" بإشمئزاز: -وهي متلزمنيش في حاجة، أني خدت اللي يخصني. تنهدت "جنه" بارتياح وهي تنظر لهما وراحت تقول:
-راجل يا سليم وهتفضل طول عمرك راجل. رد جدها بصفعة قوية على وجهها جعلت الدماء تنزف من فمها. أشار بيده لحفيده وزوجته بالخروج من البيت، ثم نظر إلى حفيدته التي أفسدت عليه مخططاته وقال بغضب: -كله منكِ يا وش المصايب. كيف أبوكِ مدلوجة على اللي رماكِ ولا سأل فيكِ. بتجري على اللي ميساواش. ردت بصراخ قائلة:
-بس بقى حرام عليك، كفاية حرب وخطط. كفاية. أنا كرهتك وكرهت اليوم اللي جيت فيه هنا. أنا مش هقعد هنا، أنا هاسيب لك البلد وهمشي. رد بصفعة قوية أسقطتها أرضًا ثم قال بوعيد: -أني هعرفك كيف تكرهني صح. قبض على خصلات شعرها، كادت أن تقتلع في يده، بينما هو لا يبالي لصرخاتها. هدر بصوت للخدمات أمرًا بجرّها في الغرفة الخلفية للمنزل، كما منع عنها الطعام والماء نهائيًا.
كانت صفعته قوية تركت أثرًا على وجهها، كما سقوطها أدى إلى جرح في جبينها. جلس يفكر في خطة جديدة تعيد له حفيده. أما "جنه" كانت تجلس على الأرض الترابية وهي تتألم من جروحها تلك. وبعد مرور ساعتين، كانت تسير بخطوات هادئة وهي تنظر خلفها حتى وصلت إلى الغرفة المنشودة. فتحت المزلاج، ثم أضاءت مصباح الهاتف باحثة عنها، ووجدتها تجلس القرفصاء في إحدى الزوايا. هزتها برفق وقالت بخفوت: -جنه، جومي يا جنه. -جميلة مش خايفة من جدك.
-جومي تعالي ورايا، اتحملي عليّ. ساعدتها في الهروب من البيت، أخذتها إلى المشفى لتضمض جرحها. طلبت منها أن ترحل من البلدة هذه الفترة. ردت بسخرية: -هروح فين يعني؟ ماهو هيعرف يوصل لي. أنا مش ههرب، أنا لازم أقف في وشه. جدك بقى زي الإعصار بياخد أي حد بيقف قصاده. -اديكي قولتيها، يبجى هتجفي كيف؟ -لو سبت البلد هبقى مش عارفة هو بيفكر إزاي ولا ناوي على إيه، وأنا لازم أعرف هو ناوي على إيه.
-يا بت الحلال انفدي بجلدك من اهني، وأني هبلغك بكل حاجة. ردت بنبرة متعجبة: -هو إنتي بتساعديني ليه؟ -بت عمي كيف سليم، واد عمي. تجاهلت "جنه" هذه النبرة قائلة بعدم اكتراث: -بصي يا جميلة، عاوزة تساعديني بجد، خليني في مكان محدش يعرفه بس يكون هنا، ويكون قريب من جدك. وضعت "جميله" أناملها في فمها مفكرة في مكان آمن كما طلبت "جنه". ردت بتذكر قائلة: -اسمعي، روحي لجدك أيوب. هو الوحيد اللي هيحميكي منه. ردت بعفوية
وهي تعدل يدها المضمضة: -إنتي هبلة يا بنتي؟ أروح أقولهم اتكسرت كده ليه؟ تنحنحت وراحت تقول باعتذار: -آسفة بس أصل واخدة أقول كده لأصحابي، متزعليش. -مش زعلانة. بصي، إنتي مسمعتيش للآخر. -طب قولي. -إنتي هتجولي إنك وقعتي من على السلم وإنتي نازلة عادي، وهتخليكي هناك وأني هنجل لك أخبار جدي. -وافرض جدك جه وعرفهم اللي حصل، هنعمل إيه ساعتها؟ -أيوه صح. خلاص بجى مافيش غير إنك تتدلي مصر، واني هبجى هعرفك كل حاجة. -طب وسليم؟
-متجلجيش، أني هروح له الصبح بيتكم القديم وهشوفوا محتاج إيه. المهم دلوقتِ قبل طلوع الشمس تكوني في القطر. -طب ساعديني بقى، الف طرحتي والبس جزمتي عشان مافيش عظمة فيا سليمة. جدك كسرني. آآه يا عضمي يا رضا. -معلش، هو لما بيتعصب بيبجى كيف الفولة في النار، اتحملي. -أنا من يوم ما جيت الصعيد وأنا مبقاش اسمي جنه، بقى اسمي جهنم. أتاري الفقر حلو يا جدع والواحد مش حاسس. ردت ضاحكة: -وليكي نفس تضحكي يا فجرية وإنتي مفشفشة كده؟
يلا خلينا نتحركوا. خرجتا من المشفى وهي تستند على يدها. ساعدتها في الجلوس، ثم جلست هي على مقعد القيادة. أقل من ساعة تقريبًا ووصلتا إلى محطة القطار. صعدت معها إلى العربة، تحدثت معها قليلًا ثم غادرت المحطة بعد أن غادر القطار. عادت "جنه" برأسها للخلف بتعب، أرخت جفنيها وهي تناجي ربها بأن لا يقتحم جدها أحلامها ويدمرها كما دمرها هي شخصيًا. -عارف يا حذيفة لو جنه قاطعتني بسببك هعمل فيك إيه.
أردفت "بدور" جُملتها بتحذير واضح وصريح ومباشر، وهي توجه سبابتها في وجهه، بينما هو احتضن إصبعها وقال برجاء: -لأ بالله عليكي يا بدور، بلاش عقابك أحسن، أنتي عقابك قاسي قوي. -ادعي من قلبك إنها تعدي اللي هببته ده على خير. -والله حاولت أمسك لساني مقدرتش، وهو التاني متخلف. أنا عمال أقول له بطريقة غير مباشرة ولما مافهمش، قمت رامي الكلام في وشه بدل ما تروح منه وهي مظلومة. -أنا غلطانة إني اتسحبت من لساني وقلت لك على الحقيقة.
رد بمشاكسة قائلاً: -خلاص بقى يا ديدو، هما هيرجعوا لبعض، واهو نبقى كسبنا ثواب، يا بخت من وفق راسين في الحلال. ابتسمت ملء شدقيها على مزاحه رغم صعوبة الموقف الذي وقعت فيه. تابعت بجدية مصطنعة وهي تضربه على ظهر يده وراحت تقول: -إيدك. كرر محاولته في احتضان يدها بين كفيه وهو يتوسل: -ديدو خلاص بقى عشان خاطري، أوعدك همسك لساني بعد كده. ردت بتحذير قائلة: -هاديك آخر فرصة، بعدها إنت حر. رفع كفيه وقال بجدية مصطنعة:
-خلاص يا باشا، والله همسك لساني وربنا يقدرني بقى. -والله العظيم يا نرجس ما حصل حاجة من اللي في بالك دي. أنا متفاجئ كيف ما إنتي اتفاجأت تمام.
أردف "سليم" عبارته وهو يقترب من زوجته، لكنها رفضت هذا القرب، بل واتخذت إحدى الغرف غرفتها، ظناً منها أنه شارك جده في هذه الكذبة. هوت على أحد المقاعد المتهالكة وهي تدفن وجهها بين كفيها. ليلة العمر التي باتت تحلم بها انتهت بكابوس مفزع. كم تمنت لو تلقي بنفسها في حضن أمها، تشكي همها لأخيها ويربت على رأسها جدها، ويمحي دمعها أبوها، عائلتها التي كانت العون والسند طيلة الخمس والعشرين عام الماضية، علمت قيمتهما في هذه الليلة.
انتفضت على إثر ولوج "سليم". كانت تتراجع أمام كل خطوة يخطوها هو. أصبحت تخشاه. اقترب منها احتضن وجهها بين كفيه وقال بحنو: -طلي في عيني، خايفة مني؟ مش واثقة فيّ؟ أني لو رايد الغدر خرّجت ليه من الدار. -أنا مش خايفة منك، أنا خايفة تضربني، خايفة حدّك جدك يجصر فيك. ووضع سبابته على شفتيها وقال بعتاب بحزنٍ عميق وهو يستند بجبهته على جبينها:
-شششش. معاوزش أسمع حديدك الماسخ ده. أنتي مرتي حبيبتي ويشهد عليّ ربنا ما هاجرحك بكلمة طول ما فيّ نفس. ارتمت في حضنه وخارت كل قواها في البكاء. مسح على ظهرها بحنو وحب: -بس يا حبيبتي، حقك عليّ. والله ما كنت أعرف إن في نيته كده واصل. أخرجها من حضنه وقال بنبرة صادقة: -ويمين الله لأخلي جدي يجول حقك عليّ يا ست البنات. كفكف دموعها وراح يقول بمزاح:
-يدي في يدك ننضفوا الدار عشان ننعسوا هبابة. أموت وأعرف مين اللي حاطط عينه في جوازتي منكِ. ابتسمت من بين دموعها ثم قالت بنبرة محشرجة: -عمران عاوز ما يجوزنيش لك واصل. -أخوكي ده ثقيل ثقيل بشكل ملوش ملامح. -هزعل منك، ده أخوي الكبير. -وه، وأني أبجى إيه؟ -إنت سند وضهري، ربنا يخليك ليا. رد بصوت هادئ ونبرة تملؤها الرغبة: -بجول إيه، بلاها ترويج دلوقتِ وتعالي ننعسوا هبابة. ابتعدت عنه وقالت بخجل:
-لاه، مش هعرف أنعس كده. روح الدار لأول. -أمري لله. في عصر اليوم التالي، كانت "جنه" تجلس على حافة الفراش مقابل "بدور" وراحت تقول بتعب واضح عليها: -بهدلوني يا بت يا بدور. كلمة كسر عضمي دي قليلة. آآآه براحة يا بدور. -معلش ياحبيبتي. ربنا ينتقم منه. أنتي إزاي مترحتيش تحكي لجدك أيوب وعمران يهدوا الدنيا على دماغه؟ -أقول لهم إيه بس؟ أنا لو رحت هناك الدنيا هتولع زيادة. آآآه براحة يا بدور. -معلش معلش.
-أنا من كتر الضرب حاسة إني طلع لي عين تالتة. أنا كنت رايحة، كان رجعت جهنم الحمرا في عيني يا بت يا بدور. ضربتها على فخذها قائلة بغيظٍ: -وليكي نفس تهزري وإنتي زي البلياتشوا كده؟ نامي يا أختي نامي وارتاحي على ما أعمل لك لقمة تأكليها. مددت جسدها وهي تقول بتأوه: -آآآه يا عضمي يا رضا، كسروني ولاد اللذين. أنا جنه يتعمل فيها كل ده. إما أوريك يا جدي. آآه يا رجلي ويا إيدي. آآآه يا كلي.
أرخت جفنيها لتغط في نومٍ عميق، بينما كانت تقف "بدور" في غرفة الطعام، تُعد حساء الخضروات. صدح رنين هاتفها، نظرت تجاهه ووجدته "حذيفة". قامت بالرد عليه، معتذرة عن غيابها عنه منذ الصباح الباكر بسبب وصول صديقتها. سردت له ما حدث، وما إن انتهت قالت بتحذير: -حذيفة امسك لسانك أحسن. المرة دي لو عمران عرف هيبهدل الدنيا. أنا قلت لك عشان إنت مصمم نتجوز آخر الأسبوع، وبالشكل ده مش هينفع أبدًا. -اتجوزي يا أختي اتجوزي، متعملنيش حجتك.
قالتها "جنه" وهي تشير بيدها أسفل ذقنها ثم همست بوعيد: -إما أوريكِ ما إنتي مسحوبة اللسان، ماشي. ردت "بدور" وهي تغلق الهاتف قائلة برجاء: -والله يا جنه أنا قلت عشان. اقتربت منها وقالت بجدية مصطنعة وهي تحدقها بعينيها: -بقى أنا أحكي لك عشان تروحي تحكي لحذيفة يقوم يحكي لعمران؟ مدت يدها لتلتقط السكين وراحت بجدية: -حافظة الشهادتين ولا أقولهم لك؟
-استني بس يامجنونة، والله ما كنت هاقول له. أنا قلت له عشان كان عاوزك تتجوزي خورشيد. -خورشيد مين؟ الواد الملازق بتاع البنات ده. ردت "بدور" قائلة باعتراض: -لأاا، مش هاسمح لك تقولي على ابن عمي كده. ترضيها على ابن عمك؟ -ابن راجل جدع، إنما ابن عمك واد ملازق. ردت "بدور" بجدية: -يا عبيطة، كنت عاوزاكي تبقي صاحبتي وسلفتي ونبقى مع بعض على طول. تركت "جنه" السكين وقالت بجدية:
-لأ يا بدور، أنا خلاص مش هتجوز تاني. وبصراحة بقى مافيش راجل زي عمران ملى عيني. غمزت لها بطرف عينها وقالت بنبرة ماكرة: -عينك بس، مافيش حاجة تاني ملاها. -حتى لو في، خلاص مبقاش ينفع. -ليه بس كده يا جنه؟ هو عرف اللي حصل ليه مترجعوش لبعض؟ ردت "جنه" بشرود وصوت مختنق: -أنا بحبه وعشان بحبه لازم أحافظ عليه، وعمران طول ما هو بعيد عني هو بخير. -يا خسارة يا جنه، كان نفسي ترجعوا لبعض.
-محدش بياخد أكتر من نصيبه، وأنا مليش نصيب، ربنا يعوضه بالأحسن مني. مر يوم ثم يومان ثم ثلاثة أيام حتى مر أسبوع كامل على الجميع. لم يتغير الكثير عند البعض وتبدل حال البعض الآخر. هاتفت "نرجس" عائلتها قبل أن يأتون لزيارتها، لتخبرهم بأنها مسافرة إلى مدينة الإسكندرية. وبالفعل في مساء اليوم كانت تسير مع زوجها على الشاطئ جنبًا إلى جنب.
كما علم الجد "نعمان" أن "جميلة" هي من ساعدت "جنه" في الهروب من المنزل. حالة من الغضب والغيظ انتابته. تعمد جرحها بعد مساعدتها لابنة عمها. أما هي تحاملت على نفسها وخرجت لعملها لتغمر حالها فيه. جلس على المقعد وأعاد حساباته من جديد. تفرقت العائلة لأول مرة. حفيدته التي كانت بعيدة عنه كل هذه السنوات، صفعها بدلًا من احتضانها واحتوائها. وماذا عن حفيده الذي كان كظله في كل خطوة يخطوها؟
عُد إلى رشدك يا نعمان واجمع عائلتك من جديد. لن تجتمع العائلة بدون "جنه". عودة إلى القاهرة. اليوم مميز، تتمنى أن ينتهي على خير كما بدأ. صديقتها أصبحت عروس، يالها من حسناء. ضمتها لحضنها وقالت بصوت مبحوح: -مبروك يا قلبي، ربنا يكمل فرحتك على خير. -يارب يا جنه، يارب. خايفة قوي. عقدت حاجبيها وقالت بدهشة: -ليه بقى يافقرية؟ -معرفش، خايفة وخلاص. -يا أختي افرحي بقى وبطلي نكد شوية. -على رأيك.
جاء "حذيفة" وتسلم عروسته بعد الوصايا العشر التي ألقتهم على عاتقه "جنه". ابتسم لها وقال بامتنان: -ربنا يبارك فيكي ويسعدك زي ما أسعدتيها النهاردة. تابع بخبث: -هاسيبك وآخد عروستي عشان الفرح ناقصه عريس وعروسة. تابع هامسًا وهو يتجه نحو المصعد الكهربائي: -يلا بسرعة من هنا. -عملت إيه تاني يا آخرة صبري؟ -جبت لها عمران.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!