الفصل 2 | من 21 فصل

رواية لتحيا نيران العشق الفصل الثاني 2 - بقلم هدى زايد

المشاهدات
18
كلمة
4,263
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

الصمت لا يعني الضعف، فالبركان صامت وعندما يتحدث يرتعد الجميع من حديثه. هبط الجد نعمان على سلالم الدرج بهدوء وهو يتحدث ببساطة شديدة وقال باسماً: -اهدأ يا ولدي وكل شيء له آخر. صبرنا كثيراً على اليوم ده، متجيش انت بغضبك ده تهدم الدنيا زي الطوفان. كانت كل كلمة يتحدث بها الجد بمثابة قنبلة موقوتة. هبط سلالم الدرج بهدوء شديد حتى توقف عند الدرجة الأخيرة منه. ضرب بعصاه على الأرض طرقات خفيفة وقال بعينين شرستين

تشعان وميض نيران الانتقام: -جالك جبل سابك، مسير الحج يرجع لأصحابه. خليك عاجل، وانت بترد حقك. بت عمك هترجع بس نسيب جدها يفرح بيها. وبكرة نفرح البلد كلها ويانا. تحرك سليم بعد أن أطلق تنهيدة قوية كادت أن تشق صدره. سار نحو الجد بخطوات واسعة، وقف مقابلته وقال على مضض: -حاضر يا جدي وياك لآخر نفس.

خارج مني. ابتسم ملء شدقيه وهو يربت على كتف حفيده. لم تختفِ هذه الابتسامة ما إن ولجت جميلة من باب البيت. ألقت التحية كعادتها بسرعة قبل أن تصعد إلى حجرتها. استوقفها جدها وهو يقول بنبرته الماكرة: -مش هتروحي تباركي للدكتور؟ قبضت مابين حاجبيها متسائلة بدهشة ممزوجة بفضول: -دكتور مين يا جدي؟ نظر الجد لسليم ثم عاد ببصره لها وقال ساخراً: -الدكتور عمران اتجوز بت عمته.

تسمرت مكانها كالتمثال، حيث رفض المخ ترجمة هذه الكلمات التي ذبحتها وقضت على آخر ومضة أمل بينها وبين عمران. بلعت غصتها بمرارة. أوزعت نظراتها بين جدها وابن عمها. كم تمنت أن لا تسقط أرضاً ويفتضح أمرها أكثر من ذلك. كم تمنت أن يتوقف جدها عن المزاح ويخبرها أنه ما زال ينتظرها كما تنتظره. كما يقولون دائماً: ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. سألته بمرارة وهي تضغط على حقيبتها الجلدية: -بت عمي رجعت ميتة يا جدي؟

ابتسم لذكائها الشديد وصمودها رغم انكسارها من الداخل. بسط كفه وقال بحنو: -تعالي يا حبة جلب جدك، تعالي في حضني. جرت قدماها جرّاً. أوشكت قوتها على النفاذ. كفى، لم تعد تتحمل تلك النظرات المشفقة عليها. ضمها جدها لثوانٍ ثم خرجت منه سريعاً. اعتذرت منهم وصعدت غرفتها بخطوات أشبه بالركض. أوصدت الباب خلفها. هوت على الأرض وأطلقت العنان لدموعها وصرخات قلبها. كادت أن تخرج معلنة للجميع بأنها فشل الحب في جمع حبيبان فرقهما القدر.

لم تيأس ولن تتركه بهذه البساطة. كفكفت دموعها وهي تبحث في حقيبتها لتخرج هاتفها المحمول. تراقصت أناملها برجفة شديدة إثر غضبها. ضغطت على زر الاتصال ولم تتردد في مهاتفته. رفعت الهاتف على أذنها في انتظار رده. طال انتظارها ولم يجب عليها، ربما لأنه يتراقص أمام جده بالعصا أو يرى رقمها الذي حذفه ولكنه يحفظه عن ظهر قلب.

لن تيأس، حتماً سيجيب عليها ويهدأ من غضبها بتوسله ورجائه. هكذا ظنت، لكنها ما زالت لا تعرفه جيداً، فهو الرجل الذي يقتلع قلبه بيده ولا يجعل امرأة تتحكم فيه. عودة إلى حفل الزفاف المقام حتى الآن. كانت جالسة بين النسوة بثوبها الأبيض، شاردة، لا تعرف ما الذي تخفيه الأيام لها. كانت ممثلة بالدرجة الأولى. أصبح الأمر يفوق قدرتها. اليوم من البداية كان عصيباً. تريد أن تجلس مع نفسها بعض الوقت. نظرت لجدتها وقالت بهدوء: -عايزة جدي.

التفت الجدة لها متسائلة بعدم فهم قائلة: -بتقولي إيه يا عروسة؟ مش سامعة من الدوشة. تنحنحت جنة بعد أن أدركت خطأها وراحت تقول بجدية: -عايزة الحاج. -بس الحاج مينفعش يدخلوا هنا في وسط الحريم. اصبري لما تطلعوا فوق، يبقى أنا اللي هروح له. ودلوقتي كمان.

أردفت جنة جملتها وهي تمسك بذيل فستانها الأبيض، ضاربة بحديث جدتها عرض الحائط. فرغ أفواه النسوة على فعلتها الجريئة تلك وانسحابها من جلستهن. تابعتها الأعين وسط دهشة وذهول شديدان. توقفت عند باب المنزل الداخلي. وجدت الجد يتابع مراسم الحفل التي لن تنتهي اليوم. ربت على كتفه بخفة. استدار لها وقال بدهشة: -وإزاي تيجي لحد هنا وحدك وإزاي تسيبي الحريم لحالهم؟ -جدي، أنا تعبانة والفرح مش بيخلص وأنا محتاجة أفهم. ومحتاجة...

قاطعها بحنو وحب قائلاً: -كل حاجة في وقتها حلوة يا بتي. اصبري وهتفهمي كل شيء. بس بالصبر. أنا دلوقتي هخلي عمران ياخدك وتطلعوا فوق. ردت مقاطعة بفزع: -فوق فين؟ انت ما اتفقتش معايا على كده. جدي خليك واضح معايا من الأول. أنا كده مبقتش فاهمة حاجة. هدأ من روعها وهو يقول بهدوء: -اهدي يا بنتي، مفيش حاجة هتحصل غصب عن عينك. عمران اتجوزك على سنة الله ورسوله والفرح اتعمل اهو. يبقى ناقص إيه؟

-ناقص إني أفهم الموضوع بدل ما أرجع مكان ما جيت. خير، مالكم واقفين كده ليه؟ قالها عمران وهو يضع عباءته السوداء على كتفه. نظر لجده ليعرف ما سر غضبها الواضح عليها. وقف الجد يفسر لهما حقيقة ما نوى فعله والآن يجب عليهما التنفيذ. -بيننا حد غريب بينقل أخبارنا وأسرارنا لجدك نعمان. عشان كده رايد أوصله إنك اتجوزت صح. -قصدك إيه يا جدي؟ -قصدي هتاخد مراتك دلوقتي وهتطلعوا فوق أوضتكم. وبكرة هيحلها المولى.

-بس ده مش اتفاقنا. أنا هدخل وهعرف الدنيا كلها الحقيقة وزي ما يحصل يحصل. بنظرة من الجد، نفذ عمران أمره. حملها عنوة، محاولاً تثبيت ذراعيها بقبضته. كانت ترفس بقدميها حتى تفلت من إحاطته لجسدها الضعيف مقارنة بجسده. ابتسم لها ابتسامة مزيفة وقال من بين أسنانه وهو يقتادها لحجرتهما: -بالراحة يا عروسة. هتفرجي الناس علينا. ردت بوعيد قائلة: -وربنا لو منزلتني يا اللي اسمك عمران، انت. لصوت وأفضح عليك الدنيا وأقولهم على الحقيقة.

بخفة وسرعة كان يصعد بها سلالم الدرج. رد ضاحكاً: -على أساس إن كده ماحدش اتفرج لسه. وقف الجد يوضح لهما ما حدث وأن هذه العروس هي زوجة حفيده وليست زوجته. دهشة وذهول أصابت الجميع. لم يخرجهم منها إلا صوته الجهوري وهو ينهي حديثه قائلاً: -انتوا خرستوا ليه؟ طبلوا وزغردوا يلا.

في غرفة عمران، كانت جنة جالسة على الفراش الوثير تزفر وتمتم بكلمات غير مفهومة عن هذه الزيجة التي لم تفهم لها بداية ولا نهاية. أما هو، فكان يقف أمام الخزانة ينتقي ملابسه وهو يطلق صفيرًا عالياً. استقر عينه على منامة قطنية جديدة، التقطها ثم استدار بجسده وقال بجدية: -خُدي البسي دي، والصبح أبقى آخدك ونشتري شوية خلجات جديدة. قبضت على منامته ثم ألقت بها في ظهره وقالت بغيظ: -يابن آدم يا بارد!

أنا هلبس هدوم رجالي وكمان هقعد معاك في نفس الأوضة. ده انت بارد بجد. استدار بجسده كله نحوها. سار بخطوات هادئة بسيطة. نظر لمنامته الملقاة أرضاً ثم عاد ببصره لها وقال بهدوء مريب: -أول حاجة هتتعلميها هنا هي صوت ما يعلاش عليّ. تاني حاجة، إني جوزك بمزاجك أو غصب عن عينك. تالت حاجة، غيري خلجاتك عشان تعرفي تنامي. رابع حاجة... قاطعته متسائلة بغيظ شديد: -هو لسه في رابع؟ -أيوه، ودي أهم حاجة. تنهدت بعمق قبل

أن تسأله بنفاذ صبر قائلة: -خير، اتفضل قول. تنحنح وقال بجدية: -لو حد قال لك مبروك، ردي وقولي أيوه. انعقد حاجباها وهي تسأله ببلاهة عن مغزى حديثه الغامض. نظرت له بترقب في انتظار تفسيراً لكلماته تلك. بينما هو ألقى تفسير جملته دفعة واحدة وقال: -قصدي إن الدخلة تمت ولا لأ. ما زالت لا تفهم تفسيره الذي أصبح تعقيداً عن كلماته، وكأنه يحل شفرة وليس مجرد كلمات مبهمة. سألته ببلاهة أكثر: -دخلة إيه؟

لا مفر، سيلقي بتفسيره الأكثر جرأة كي يتخلص من كثرة تساؤلاتها. رد وقال بسرعة دون توقف: -يعني إني اتجوزتك رسمي وبقيتي مرتي. رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد من أن ما يحدث حولها ليس أحلاماً تراها في منامها. لم تشعر بنفسها وهي تدوي الحجرة بصرخاتها، تاركة لأحبالها الصوتية الحرية كي تفرغ عن طاقة مكبوتة منذ ليلة أمس. وقف من مكانه مبتعداً عنها وقال بهدوء حد الاستفزاز:

-اصرخي، اهو كده ثبتي الحكاية أكتر. أدخل أنا بقى أستحمى وأجي أريح شوية.

تركها قبل أن يستمع لردها. كلاهما يريد أن يتخلى بنفسه ليعيد حساباته من جديد. ياله من ممثل بارع قام بدوره على أكمل وجه. حان الآن إسدال الستار عن هذا الفيلم السخيف الذي لا يتحمله منطق أو عقل طفل لم يتجاوز الخمس سنوات. ذهب إلى القاهرة أعزب وعاد إلى الصعيد متزوج. ليس هذا فحسب، بل الأكثر غرابة في هذا اليوم العجيب هو أن يتزوجها رسمياً. لم يكن مسلوب الإرادة، لكنه يريد حقن الدماء. قرر أن يدعس على قلبه حقناً للدماء، أن يتنازل عن حبيبته حقناً للدماء والزواج بأخرى حقناً للدماء. ترى إلى متى سيظل يتنازل حقناً للدماء.

وطأة قدمه في المغطس، قام بفتح الصنبور لتتدفق المياه الدافئة فوق رأسه بغزارة. رفع رأسه لتتساقط قطرات الماء على وجهه ذي البشرة السمراء ولحيته الخفيفة. حرك رأسه يميناً ويساراً ليمحي ذكريات هذه الليلة من رأسه. ليت لم تتزوج عمته بزوجها، ويدفع هو ثمن هذا كله. يدفع ضريبة الحب بنيران العشق والفراق.

كم كان الزمان قاسياً عليه حين أمره قلبه بأن يقتلع جميلة من قلبه. يعلم أنه ليس بالهين، لكن سيستطيع فعل ذلك مع مجهود صغير من عقله وتمرد من قلبه. وبين هذا وذاك، سينتهي كل شيء يا عمران، دائماً يخبر نفسه بهذا.

بعد مرور عشر دقائق كاملة، خرج من غرفة الاستحمام وجدها ما زالت بثوبها الأبيض. يتذكر هذا الثوب جيداً، هو الذي أشار بيده نحوه. لن ينسى هذا اليوم ما حيا. خرج مع جده إلى أحد المحال التجارية المخصصة لهذه الفساتين. طلب منه أن ينتقي منهم واحداً. كان يظن حين أنه رضخ لرغبته وسيزوجه من جميلة أو ابنة عمته. أخبره بأنه لا يريد الزواج بهذه الطريقة، وأن زوجته لن تكون جميلة أو تلك المجهولة التي لا يعرفها عنها شيئاً. فعترض الجد وأخبره بأن ينصاع لأمره حقناً للدماء، وأنه لن يسمح بالزواج بأخرى مادام حياً.

لاحت ابتسامة باهتة على شفتيه الغليظتين. انتبه لسؤالها وقال باعتذار: -بتقولي حاجة؟ ردت بجدية: -عايزة أفهم إيه اللي بيحصل ده وعايزة... قاطعها قائلاً بنبرة صادقة استشعرتها من حديثه حين قال: -صدقيني يا جنة، إني نفسي مفهمش حاجة واصل، بس هصبر لبكرة عشان أفهم جدي. ردت مقاطعة بحدة ونبرة صوتها ارتفعت قليلاً: -انت عايز تفهمني إنك متعرفش اللي بيحصل ده مش من تخطيطك انت وجدي؟ يبقى أحب أقول لك يا دكتور إنك عيل صغير بيمشي بأمر جده.

كرة قبضته متحكماً في غضبه الشديد منها. رغم عنه، تكاد تجزم أن وصل إلى مسامعها صوت صرير أسنانه. كانت تتوقع منه صفعة قوية على وجهها، أو اقتلاع خصلات شعرها من مكانها، أو القتل، فهذه أبسط التوقعات التي توقعتها ما إن احتقن وجهه بالدماء. اقترب خطوة، بينما هي تراجعت خطوة ثم خطوتين في محاولة منها لتفادي صفعته المنتظرة. تفاجأت بأنامله تعانق أناملها وتقتادها نحو الفراش بهدوء مريب. أجلسها على حافته. جلس بجوارها موضحاً بعض

الأمور الخاصة بهذا الوضع: -سبق وجلت صوتك ما يعلاش عليّ، بس انتِ كسرتي كلامي. مش عايز أنا يوم بينا يبدأ غلط. اسمعيني زين يا بت الناس، إني مجبور على الوضع ده وانتِ كمان مجبور. اتحمليني واتحمل الوضع لحد بكرة، ومن الفجر ماهتلمحيش طيفي. بس دلوقتي مجبور تتجملي الوضع وتنامي وياي هنا. قومي غيري الفستان ده وتعالي عشان تنامي لك شوية.

لو كانت تمثالاً لتحدثت من هول الصدمة التي لم تتوقعها. تحلى بالصبر الشديد وقابل غضبها الشديد وسبابها اللاذع برحب وسعة صدر لا مثيل لها. وقفت عن الفراش متجهة نحو غرفة الاستحمام وبيدها منامته القطنية. مر بعض الوقت حتى خرجت منه وهي ترتدي منامة أشبه بالجلباب في جسدها الضعيف. لم يمنع نفسه من الضحك على هذا المظهر. بينما هي اغتاظت منه ردت بغيظ شديد: -انت أكيد قاصد تعمل كده عشان تضحك عليا. رفع كفيه وقال مدافعاً عن نفسه قائلاً:

-والله أبداً، انتِ بس اللي جسمك ضعيف. تعالي عشان تتعشي. أزاح خصلتها المتمردة على وجهها لتضعها خلف أذنها. سارت بخطوات متعثرة نظراً للبنطال الطويل مما جعلها تسقط بجانب الطعام لتنجرح يدها بسبب الصحن الزجاجي. اقترب منها وقال بجدية: -حصل لك حاجة؟ ردت بتأوه: -إيدي انجرحت.

حاول نزع قطعة صغيرة من الزجاج دخلت في راحة يدها ثم نهض ليأتي بحقيبة الإسعافات الأولية. عاد سريعاً وجثا على ركبتيه، بدأ يطهر جرحها ثم ضمده وهو يتحدث معها عن حياته قائلاً: -هو انتِ ليه كنتي بترفضى تيجي هنا؟ -أنا كنت عايزة أجي بس جدي هو اللي رفض وقال لسه مجاش أوانه. -جدي ده عجيب وغامض. طب ما انت كمان غامض ومش مفهوم. قالتها جنة وهي تتحسس يدها المضمضة. تابعت حديثها قائلة بفضول:

-انت فيك كتير من جدي، بعيداً عن الشبه في الملامح والجدية في التعامل، بس انت غامض، ردود أفعالك غريبة، كلك مش مفهوم. رد باسمًا: -دكتورة نفسية ولا إيه وأنا مخبرش. بادلته ذات الابتسامة وقالت: -وضيف عليهم بتعرف تهرب من المواضيع بسهولة. -طب يلا تعالي ناكل عشان جعان جوي. -وأنا كمان جعانة جوي جوي.

فلتت منه ضحكة رنانة على تقليدها بالحديث بلكنة صعيدية لابأس بها. تناولوا طعامهم في صمت يمتزج بالخجل لكليهما. انتهت وجبة العشاء وهم يتجاذبون أطراف الحديث، وحان موعد النوم. وقف حائراً لا يعرف في أي مكان سيضع جسده المنهك عليه. قرر أن يجلس على المقعد المجاور لسريره. أما هي، فاستوقفته متسائلة بدهشة: -انت هتنام هناك على الكرسي ولا إيه؟ رد بنبرة عادية: -وفيها إيه دي؟ أجابته وهي تنهض من الفراش قائلة بجدية:

-فيها كتير. يعني تدهاني بيجامتك وأنام في أوضتك وكمان هتنام في مكان غير سريرك. لأ، كده كتير. روح انت نام في سريرك وأنا هنام هنا. -لأ، ماهينفعش. روحي نامي في السرير وأنا هنام هنا. أنا راجل هتحمل، لكن انتِ لأ. -انت شايف كده. طب تصبح على خير بقى. -وانتِ من أهل الجنة. جلس على المقعد، وقبل أن يرخي جفنيه، فاجأته بعودتها لتعطيه وسادة صغيرة ليضع عليها رأسه. شكرها وهو يبتسم لها. سرعان ما عادت له بشرشف وقالت بابتسامتها الخفيفة:

-الدنيا بتبقى برد بالليل، كده كتير عليّ والله. سلم يدك. -تسلم. عادت بخطواتها الهادئة تجاه الفراش، مدت جسدها الصغيرة عليه، وضعت كفها أسفل خدها، ثم أرخت جفنها. سرعان ما فتحته متسائلة بجدية: -عمران، عايزة النور. رد دون أن يفتح جفنيه قائلاً بصوت ناعس: -لأ، تصبحي على خير بقى. في صباح اليوم التالي، استيقظ عمران على صوت طرقات الخادمة لتوقظهما وهي تقول من خلف الباب: -سيدي عايزك انت والعروسة وبيقول تتدوا تفطروا وياه.

رد بعدم اكتراث: -قولي له نايمين يا أم السعد. مر أكثر من ثلاث ساعات أخرى عليهما وهما في نوم سبات عميق، حتى استيقظ هو بنفسه. كانت فقراته العنقية في حالة تشنج عجيب إثر نومته ليلة أمس. وقف عن المقعد وهو يتأوه. نظر تجاه الفراش نظرة عابرة، وجده خالياً. سأل نفسه بنبرة متعجبة قائلاً: -راحت فين دي دلوقتي؟ قبل أن يبحث عنها، وجدها تخرج من غرفة الاستحمام وغلى ثغرها ابتسامة خفيفة وقالت: -صباح الخير. -صباح النور. صاحية من بدري؟

-قصدك مانمتش. -ليه كده؟ مطت شفتيها وقالت: -لسه مستغربة الوضع وبصراحة مش متعودة أنام مع راجل غريب في مكان واحد. رد مصححاً: -بس أنا جوزك مش غريب. رفعت سبابتها في وجهه وقالت بجدية: -لسه مش جوزي والوضع ده مش هقبل بيه مهما حصل. والنهار ده تحط النقط على الحروف مع جدي. ولج غرفة الاستحمام وهو يقول: -ربك يسهل.

وفي أثناء دخوله، أتت الخادمة للمرة الثانية تخبره بضرورة حضورهما. قررت أن تسبقه لغرفة الصالون لتعرف ما الذي يريده جدها. تفاجأت بوجود رجلين لا تعرفهما بالطبع. لا تعرف أحداً هنا سوى عائلة أمها. قام أحدهما بتعريفها بطريقة رجل يعلم ببواطن الأمور. حركت رأسها علامة الإيجاب. جلست على المقعد بجوار جدها بعد أن صافحت الضيوف. بينما هو تبادل النظر بينه وبين صديق العمر الحاج أيوب. أومأ برأسه لحفيده. نهض حفيده ووضع الصندوق الخشبي فوق سطح المنضدة الرخامي.

تنحنح الحاج نعمان وقال: -مبروك يا عروسة، نورتي البلد. ردت بهدوء: -الله يبارك فيك. تابع وهو يشير بعكازه قائلاً: -الصندوق ده فيه دهباتك، تلبسي وتتهني بيهم. نظرت له متسائلة بنبرة متعجبة: -دهب إزاي؟ مش فاهمة. رد بابتسامته المعهودة قائلاً بمكر: -إيه يا حاج أيوب، مش تعرف العروسة مين؟ إحنا... ورد مقاطعاً بتلعثم: -اتفضل يا حاج نعمان، القهوة هتبرد.

-لأ، عايزين شربات حلاوة رجوع العروسة بالسلامة. وانتِ يا عروسة جهزي نفسك عشان هترجعي بيتك، بيت أبوكي، ابني رياض نعمان السيوفي. وقفت عن المقعد وقالت بغضب مصطنع: -انت بتقول إيه؟ أنا أول مرة أسمع الاسم ده. أنا مش هخرج من هنا وانتوا اللي هتطلعوا برا. دس سليم يده في جيب جلبابه ليخرج سلاحه الناري. شد أجزائه ثم صوب فوهته ناحية الحاج أيوب وقال بتهديد واضح: -كلمة واحدة زيادة وهتلاقي روحك خرجت من صدرك.

ثم تابع حديثه وهو يوجه سلاحه نحوها قائلاً: -وانتِ يا بت البندر، اطلعي من هنا بالذوق بدل ما تطلعي على ضهرك. هدر صوت الحاج أيوب قائلاً بغضب: -هي حصلت يا دكتور سليم ترفع سلاحك في وش مرتي وتهددها بالقتل؟ رد مقاطعاً بغضب: -الدكتور سليم اللي تعرفه راح خلاص. والبت دي مش مراتك، دي بت عمي. قدامي يا بت البندر وإلا أقول على روحك يا رحمن يا رحيم. ولج عمران وهو يوجه سلاحه الناري في وجه سليم وراح يقول بغضب وغيظ شديدان:

-اللي يرفع سلاحه في وش مرات عمران الهواري يبقى حكم على نفسه بالموت. وقف الشبان وكل واحد منهم يوجه فوهة سلاحه تجاه الآخر. هدر صوت الحاج أيوب وهو يتحدث مع صديق العمر قائلاً: -خلي سليم ينزل سلاحه يا نعمان، عيب كده. رد نعمان بهدوء حد الاستفزاز قائلاً: -بت ولدي تخرج وياي. سليم ينزل سلاحه يا كده يا نفتح بحور دم ملهاش آخر. حفيتك بقت في عصمة راجل وكلمته هي اللي تمشي.

يا نعمان، وقف بحور الدم دي وكفاية لحد كده. قالها أيوب بعصبية واضحة في نبرة صوته المرتجفة إثر الضغط العصبي الذي وقع فيه. رد عمران بوعيد وهو يضغط على سلاحه الناري قائلاً: -محدش هياخد جنة واللي هيفكر يعمل كده يعدي على جثتي الأول. هدر عمران بصوته الجهوري قائلاً بحدة: -جنة، تعالي هنا. أمرها أن تقف خلف ظهره لتحتمي به. فوقفت في المنتصف بينهما قائلة:

-عشت طول عمري بعيدة عن أهلي. واليوم اللي عرفت فيه إن ليا أهل، لقيتهم هيقتلوا بعض. لو في حد لازم حياته تنتهي يبقى أنا الحد ده عشان أروح لبابا وماما. رد سليم ساخراً: -حلو حديث التلفزيون ده، بس مش هياكل وياي. اطلعي من الموضوع ده عشان متزعليش على عمرك. سحبها عمران خلفه وقال بجدية: -ولو في حد هيزعل على عمره، يبقى انت الحد ده. مش هي يا ولد السيوفي.

استغلت جنة انشغال عمران في الضغط على ابن عمها، وقامت بسرقة سلاحه الناري. ثم وضعت السلاح أسفل ذقنها وراحت تقول بتهديد مباشر للجميع: -رصاصة واحدة هتريح الكل. هددها سليم بأنه سينفذ تهديده، فقالت: -وأنا كمان هنفذ تهديدي. في نفس اللحظة اللي هتخرج فيها رصاصتك، هتخرج فيها رصاصتي وأريح الدنيا مني ونخلص بقى من الحوارات دي.

وقبل أن تكمل حديثها، حاول عمران نزع سلاحه من يدها فسقطت أرضاً إثر دفعته لها. وخرجت رصاصتان، واحدة من سلاح سليم والأخرى من السلاح الذي سرقته في غفلة من عمران. دوت الصرخات في أنحاء الغرفة واختلطت الدماء بينها وبين زوجها. ولا يعرف من الذي أطلق رصاصته أولاً، لكن الشيء الوحيد الذي تعرفه هو أن دمها اختلط بدمه في ذات اللحظة. يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...