تحميل رواية ليست خطيئتي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أليس لي الحق أن أحب وأتزوج من أحب بالحلال الطيب؟ أم تريدون أن أقع معها في الحرام مثلما فعل والدي؟ لأخرج لكم ثمرة أخرى مثلي، منبوذة من المجتمع. تكون الجانية دائمًا رغم أنها الضحية. مجتمع قاسٍ ما زال يتعامل بأفكار قديمة رغم التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة. ما زال يحب الشخص الذي له أصول ونسب وشرف، حتى إن كان الشخص نفسه إمعة. ولكن على العكس من رحمة الله عز وجل، أنه يعامل كل نفس بما قدمت وليس بالشرف والنسب. وأتذكر قول سيد الخلق أجمعين: "لو أنا فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، مع أنها ابنة سي...
رواية ليست خطيئتي الفصل الأول 1 - بقلم شيماء سعيد
أليس لي الحق أن أحب وأتزوج من أحب بالحلال الطيب؟
أم تريدون أن أقع معها في الحرام مثلما فعل والدي؟
لأخرج لكم ثمرة أخرى مثلي، منبوذة من المجتمع.
تكون الجانية دائمًا رغم أنها الضحية.
مجتمع قاسٍ ما زال يتعامل بأفكار قديمة رغم التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة.
ما زال يحب الشخص الذي له أصول ونسب وشرف، حتى إن كان الشخص نفسه إمعة.
ولكن على العكس من رحمة الله عز وجل، أنه يعامل كل نفس بما قدمت وليس بالشرف والنسب.
وأتذكر قول سيد الخلق أجمعين: "لو أنا فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، مع أنها ابنة سيد المجتمع بأكمله.
ردد أدهم تلك الكلمات القاسية عندما قوبل طلبه بالزواج من حبيبة عمره (سارة) بالرفض.
وهذا ما دار بينه وبين والداها غليظ القلب.
والد سارة مستفهماً عن حاله ومتعجباً لما أتى بمفرده:
"تقدر تقولي أهلك مجوش معاك ليه؟ يعني بمعنى 'فين أبوك وأمك يا أستاذ أدهم؟'"
تعرق أدهم وقال بحرج:
"يا عمي، عشان أكون صريح معاك من أولها، عشان أنا مبحبش الكذب. وده جواز وأنا عارف يعني إيه معناه كويس، وأول شروطه إنه يتبنى على الصراحة عشان يستمر. أنا مليش أهل ولا أعرف مين أبويا وأمي، ولا أعرف جيت الدنيا إزاي؟ ومش عارف هما لسه عايشين ولا ميتين. وياريت أعرف بس للأسف معرفش عنهم حاجة أبدًا."
والد سارة بتجهم:
"يعني إيه ملكش أهل ولا تعرفهم؟ أمال اتربيت إزاي وفين حضرتك؟"
أدهم وقد نكس رأسه خوفًا من تأثير الكلمة على والداها:
"أنا اتربيت في دار رعاية أيتام، ملجأ يعني زي ما بتقولوا."
ثم تابع بقوله:
"بس مش مهم اتربيت إزاي؟ المهم أنا إيه دلوقتي ووصلت للّي فيه دلوقتي من فضل الله ثم مجهودي. فأنا عندي شركة للملابس ورصيد في البنك وسيارة أحدث موديل، يحلم بهم أي شاب تربى بين والديه."
والد سارة بحدة منفعلًا:
"سيبك من كل الكلام اللي قولته في الآخر. خلينا في المهم. حضرتك عايز تفهمني إنك لقيط وتربية ملاجئ وجاي تجوز بنتي أنا! بنت الأصول والحسب والنسب، تجوز واحد تربية ملاجئ؟"
فطأطأ أدهم رأسه بخزي وعار، لم يفعله هو، فهو ليس الجاني بل المجني عليه.
والد سارة بقسوة:
"آسف يا فندم. أنا مجوزش بنتي للقيط، لا أعرف أصله من فصله، ولو يملك الدنيا كلها."
فانهارت سارة من البكاء لرفض أبيها زواجها من أدهم.
ثم اندفعت سارة إلى أبيها تتوسل إليه قائلة:
"يا بابا، مش مهم أبوه مين ولا أمه مين، المهم هو مين وبيعمل إيه؟"
والد سارة:
"اسكتي انتي دلوقتي، أنا حسابي معاكي بعدين. عشان جايبالي واحد من الشارع تجوزيه يا هانم."
ثم وجه حديثه إلى أدهم:
"اتفضل حضرتك، معنديش بنات للجواز."
أخذ أدهم يقلب نظراته بين والد سارة وسارة التي تقف عاجزة عن فعل أي شيء يجعل أباها يوافق على الزواج منه.
ولم يجد أمامه سوى الاستجابة لأمره بالمغادرة.
سارة ببكاء محاولة اللحاق به:
"لا يا أدهم، ما تمشيش أرجوك."
فأمسكها والداها من معصمها بقوة ودفعها مردفًا بغضب:
"أنتِ مجرمة وأنا هحبسك في أوضتك ومش هتخرجي من البيت ده إلا بيت أول عريس يتقدم لكِ يا هانم. ويلا خشي على أوضتك."
ثم قال لأدهم:
"وانت اتفضل من غير مطرود."
وبالفعل خرج أدهم هائمًا على وجهه والحزن يملأ قلبه والدموع في عينيه.
ويكاد يختنق، فحاول فك رباط عنقه لكي يتنفس، ولكن دون فائدة وكأن الهواء نفذ من حوليه.
ويقول: "ما ذنبي إن لم يكن لدي أم ولا أب مثل باقي الناس؟ أنا كنت نتيجة لحظة عابرة بين أب وأم في الحرام، لحظة واحدة كانت كفيلة بضياعي ونبذي من مجتمع لا يرحم. فما ذنبي أن أمي لم ترحمني ولم ترق لي، وألقت بي في الشارع؟"
وانهمرت الدموع من أدهم وكانت كالسيل.
ثم أسرع إلى سيارته ليحتمي بها من أعين الناس، ولكن لم يستطع القيادة.
اتصل أدهم بمدير أعماله وصديقه من أيام الطفولة في ملجأ الأيتام:
"الو مجدي، أنا محتاجك ضروري دلوقتي، تعالى أنا في عربيتي على ناصية شارع سارة بس تعبان ومش قادر أسوق، فتعال أنا هستناك."
مجدى بفزع:
"سلامتك يا صاحبي، أنا جايلك حالا."
أسرع مجدي إلى أدهم عن طريق تاكسي.
وعندما وصل إلى مكانه، أشار له أدهم بيديه من السيارة، ليبتعد بعدها عن مقعد القيادة ويتيح المكان لمجدي.
وبالفعل جلس مجدي مكانه وطالعه بقلق شديد مردفًا بحزن:
"إيه حصل؟ فهمني، مالك؟"
أدهم بصوت ضعيف:
"لو سمحت يا مجدي، أنا مش قادر أتكلم دلوقتي. فممكن نأجل كلامنا لبعدين وأنا هبقى أحكيلك كل اللي حصل."
مجدى:
"ولو إني حاسس بيك وعارف، بس هسكت دلوقتي وهسيبك تستريح."
أوصله مجدي للبيت وأصر على الدخول معه للشقة للاطمئنان عليه.
وأسنده حتى وصل إلى فراشه، فأراح جسده ووضع الوسادة تحت رأسه.
طالعه مجدي بحزن مردفًا بحنو:
"تحتاج أي حاجة أجبهالك؟"
أدهم:
"لو سمحت نولني من الدرج برشام المهدئ بتاعي."
مجدى:
"انت لسه بتخده؟ حرام عليك صحتك، ده هيأثر عليك فيما بعد."
أدهم:
"لو مخدتهوش مش بقدر أنام، فمعلش نولهولي عايز أنام أرجوك وهاتلي كوباية ميه."
مجدى:
"حاضر."
ثم ناوله الحبوب مع كوب من الماء.
ابتلع أدهم حبة المهدئ واردف بقوله:
"اتفضل انت شوف مشاغلك ومعلش تعبتك معايا."
مجدى:
"انت بتقول إيه بس وتعب إيه؟ انت أخويا وصاحبي، بس انت صعبان عليا ومش عايز أسيبك."
أدهم:
"لا متقلقش، أنا هنام شوية ولما أصحى هكون كويس بأمر الله."
ثم رن هاتف أدهم، وطالعه مجدي:
"دي سارة، أرد؟"
أدهم:
"لا متردش واقفل الموبيل خالص، مش عايزة أسمعه يرن خالص."
مجدى:
"بس كده هتقلق عليك أكتر."
أدهم:
"لو سمحت اعمل اللي بقولك عليه ومعلش سابني أستريح."
مجدى:
"زي ما تحب."
وخرج مجدي وهو حزين على صاحبه، وحدث نفسه: "مهما اجتهدنا وحققنا ذاتنا في المجتمع وقدرنا نبني وسطهم قدر من الاحترام، ولكن يبقى ماضينا ونشأتنا وصمة عار تتعبنا في كل مكان."
ثم نام أدهم على أثر المهدئ.
وفى أحلامه تذكر طفولته في الدار وتذكر المربية التي حدثته عن كيفية مجيئه إلى الدار.
فقصتنا ستكون عبارة عن حلم مؤلم، صعب، وحياة مريرة لصاحبها أدهم.
ويا ليته يفوق من الحلم ليعلم أنه كان مجرد حلم.
ولكن للأسف، حلم يجسده واقع أليم.
أدهم أغمض عينيه فتصارعت الأحلام، وليت جفنه لم ينم، فيتذكر في كل حلم ما يريد أن ينساه.
تذكر: "امرأة تصارعها آلام المخاض، فتختبئ في بير سلم لتضع مولودها، وكما خرج المخاض منها، فقد خرج قبله الرحمة من قلبها. فقد نزعت من أحشائها طفلها، ثم قطعت الحبل السري بمقص كان معها. فأي قلب هذا الذي تملكين؟ إنه قلب ميت. نعم، قد ارتجفت من الألم والخوف والبرد، ولكنها ما هي إلا لحظات ومضت، ولكن مولودها سيعيش هذه اللحظات طوال عمره، وليس له ذنب."
بعد أن وضعت مولودها، قامت بلفه في قماشة خرقاء وخرجت به تتلفت حتى لا يراها أحد.
ثم مضت به إلى أول الطريق، وعلى بعد سنتيمترات من المسجد ووضعته على الأرض وفرت هاربة.
ولم تعير صرخاته من الجوع اهتمامها، وكأنه مات قلبها يوم تركتُه يصارع الجوع، وربما الموت من الجوع، أو يكون وجبة شهية للكلاب الضالة للأسف.
وتشاء الإرادة الإلهية أن ينقذه الشيخ حسن من الموت على يد الكلاب الضالة.
حيث كان في طريقه إلى المسجد قبل صلاة الفجر ليفتحه ويؤذن للصلاة.
فسمع نباح الكلاب، كما سمع صرخات رضيع.
ففزع وأخذ يقترب من الصوت، حتى كاد قلبه أن يسقط منه وهو يرى الكلاب مجتمعة على طفل رضيع ملقى في جانب الطريق.
فأسرع لقذفهم بالحجارة سريعًا حتى يبتعدوا عنه.
وبالفعل ابتعد الكلاب عن الرضيع، فأسرع إليه الشيخ.
وحمله وضمه لصدره ليهدئ من بكائه ويدفيه من البرد وهو يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله."
واستغفر الله العظيم: "مين اللي معندوش قلب ده يرمي قطعة من قلبه للكلاب ينهشوها؟ قاتلهم الله وعقابهم في الدنيا والآخرة."
ثم خلع الشيخ عباءته ولف بها الرضيع الذي يرتجف من البرد وذهب به إلى زوجته.
وكان الاثنين طاعنين في السن.
فدخل عليها بالرضيع وهو يصرخ من الجوع هاتفا: "يا حاجة خدي بسرعة الولد ده لقيته مرمي قدام الجامع، حسبنا الله ونعم الوكيل في اللي رماه، معندهمش رحمة في قلوبهم، شوفي أي حاجة تدفيه ولا تأكليه."
الحاجة: "لا حول ولا قوة إلا بالله، مين بس اللي يهون عليه يرمي ضناه كده! ده أكيد جاي من الحراااام."
الشيخ: "اسكتي يا حاجة، ربنا حليم ستار، وذنبه إيه بس العيل الصغير ده منهم لله."
الحاجة: "بس يا حاج ده لسه مولود، مينفعش ياكل، ده لسه بدمه كمان، استغفر الله العظيم. ده عايز لبن يا حاج."
الشيخ: "بس الصيدليات قافلة دلوقتي. اعمليله أي حاجة شوية ينسون كرواية عقبال بس ما النهار يطلع وأجبله لبن وبامبرز. ودلوقتي دفيه بأي حاجة عقبال ما أشتريله أي لبس."
الحاجة: "وبعدين يا حاج ده مسؤولية علينا، إحنا مش قدها. وأنا لو لسه صغيرة كنت ربيته والله، بس انت شايف كبرت وبتحرك بالعافية ومقدرش أتحمل مسؤولية عيل صغير."
الشيخ: "عارف، بس خليه يومين كده وبعدين نبلغ الشرطة وهما هينقلوه أكيد ملجأ الأيتام."
الحاجة: "لا حول ولا قوة إلا بالله. منها لله السبب اللي ترمي ضناها كده ويكون مسيره دار أيتام يتربى فيها بدل ما يتربى في حضنها. وهيعيش منبوذ من الناس وهي تعاير بإن ملهوش أب ولا أم ولا أهل. ربنا يتولاك يابني برحمته."
طالعت الحاجة الطفل الرضيع بحنو مردفة:
"شوف يا حاج قد إيه جميل وشبه الملائكة، والله ده خسارة فيهم. والله أنا حبيته خالص، ما تيجي نسميه يا حاج."
الشيخ: "نسميه؟ نسميه؟ نسميه إيه؟ رأيك في أدهم؟"
الحاجة: "اسم جميل، بس هنقول أدهم إيه بس؟ لا حول ولا قوة إلا بالله."
الشيخ: "كلنا عباد الله، فيكون اسمه أدهم عبد الله."
الحاجة: "ربنا يتولاك يا ابني برحمته."
وأخذته الحاجة في حضنها وقامت بتنظيفه من أثر الدم الذي على جسده.
ثم قامت بلفه بشال صوف وأحكمت غطاءه ببطانية.
وسمع الشيخ أذان الفجر فقال: "ياه، أنا اتأخرت على فتح المسجد. وزمان الناس مشيوا دلوقتي عشان المسجد مقفول."
الحاجة: "معلش يا حاج، مهو غصب عنك من اللي شوفته. ربنا هيسامحك وهيجبر بخاطرك عشان سترت الولد وحميته من البرد وكلاب الشوارع."
الشيخ: "الحمد لله، ده أنا لحقته في آخر لحظة، ده كان الكلب هينهشه."
الحاجة: "الحمد لله."
الشيخ: "خلاص روح بقى الحق الإقامة في أي مسجد قريب وخلاص."
الحاجة: "تمام يا حاج، وخلي بالك من أدهم وزي ما قلتلك اعمليله شوية ينسون ولا كرواية."
الشيخ: "حاضر يا حاج، أنا نضفته ولفيته وهعمله دلوقتي."
ونزل الشيخ يصلي الفجر ويدعو لأدهم بالخير وأنه يطلع إنسان كويس ويكون له مكانة تعوضه عن الحرمان من والديه.
رجع الشيخ للبيت وشاف أدهم نايم في حضن الحاجة، اللي هي كمان نامت وهي قاعدة وشايله في حضنها.
فأخذه بشويش منها وبص لملامحه وقال: "تبارك الله، ربنا يا ابني يحسن خلقك كما أحسن خلقك."
وحست الحاجة بيه وصحيت وقالت: "انت جيت يا حج."
الشيخ: "آه الحمد لله، عملتي إيه معاه؟ شرب اليانسون؟"
الحاجة: "آه يا ضنايا، كان واقع من الجوع ويدوبك شرب معلقتين ونام عليهم زي ما انت شايف."
الشيخ: "أهو مؤقتًا هيريح شوية لغاية ما النهار يطلع وأقوم أشتريله لبن وهدوم وبامبرز."
الحاجة: "إن شاء الله يا حج."
طلع النهار والشيخ حسن نزل يشتري لبن صناعي من الصيدلية وبامبرز وهدوم للرضيع أدهم.
ورجع الشيخ لزوجته ولما شافته داخل بالحاجة أدهم راحت معيطة.
الشيخ حسن: "ليه كده بس يا حاجة بتبكي؟ قد كده صعبان عليكِ. معلش ربنا أرحم بيه من أي حد."
الحاجة: "مش كده بس يا حج، انت عارف إن ربنا مكرمنناش بالخلفة. فلما شفتك وانت داخل بالحاجة رجعت بيه السنين اللي كنت بتخيلك وانت راجع من شغلك جايب حاجة ابننا اللي كنت بتتمناه من ربنا، بس الحمد لله ربنا يعوضنا بالولدان المخلدون في الجنة."
الشيخ حسن: "الحمد لله يا حاجة. وكل اللي كتبه ربنا حلو. وانتِ كل حاجة في حياتي. ربنا لا يحرمني منك. وإحنا هنراعي الولد وهناخد أجر إن شاء الله، ويمكن يطلع صالح ويدعيلنا، فمش شرط الولد الصالح يكون من الصلب يعني، فإن شاء الله يكون هو. أينعم مش هنقدر على تربيته عشان صحتنا وسننا، بس هوديه دار رعاية نضيفة وهصرف عليه وأزوره لغاية ما ربنا يديني العمر."
الحاجة: "ربنا يديك طول العمر والصحة يا حاج حسن."
الشيخ حسن: "يلا بقى حضري للولد رضعة ومكتوب على العلبة الطريقة."
الحاجة: "طيب يا حاج، جبتله ببرونة يشرب بيها؟"
الشيخ: "يوه نسيت ومعرفش، ما أنا مش واخد على كده. خلاص لبسيه الهدوم عقبال ما أنزل أشتري ببرونة."
وبالفعل نزل واشترى وعاد بالزجاجة.
وحضرت له الحاجة الرضعة فشرب حتى شبع ونام.
وبعد يومين من الآن سيكون له حياة جديدة في عالم أغرب، وهي الحياة في دار الأيتام.
يا ترى هتكون حياته شكله إيه فيها؟ وما سيعاني فيها والضرر الذي سيلحق به؟
ده اللي هنعرفه في الحلقات القادمة بإذن الله.
رواية ليست خطيئتي الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء سعيد
ذهب الشيخ حسن بالرضيع أدهم لدار الأيتام بعد أن ودعته زوجته بالبكاء على فراق الصغير قائلة:
"ياريت والله كان فيا صحة أربيك وأراعيِك ولا العمر كان لسه فيه يا ابني بس غصب عني والله. هتوحشني يا أدهم."
الحاج حسن: "خلاص يا حاجة، النصيب. وإن شاء الله في الدار هيتربى وهيطلع زي الفل."
الحاجة: "ياريت والله، ربنا يستر عليه وينبته نباتًا حسنًا."
ثم ذهب به الشيخ حسن إلى دار الأيتام.
وفي دار الأيتام، ولج الشيخ حسن لمكتب مديرة الدار الأستاذة هدى.
الأستاذة هدى: "أهلاً وسهلاً. اتفضل حضرتك، خير؟ قالوا إنك عايزني ضروري."
الشيخ حسن: "آه يا أستاذة. الولد ده أنا لقيته في الشارع للأسف. ولو كان عندي صحة أو لسه صغير كنت ربيته، ولكن زي ما حضرتك شايفة حالي. فجبته هنا عشان تساعدوني في تربيته وأنا هساعد بالفلوس على قد ما أقدر."
الأستاذة هدى: "لقيته يعني لقيط مش يتيم؟ متعرفش أبوه وأمه؟ يعني برضه ملوش سجل مدني أو شهادة ميلاد تثبت نسبه للأسف."
الشيخ حسن: "عندك حق. آه للأسف. وحسبنا الله في اللي كان السبب."
الأستاذة هدى بحزن: "فعلًا، لأن اليتيم أرحم بكتير من اللقيط. اليتيم بيبقى ليه أب وأم توفاهم الله معروفين بأسمائهم، ولما بيكبر مش بيبقى مكسوف أوي زي اللقيط. لأن اللقيط بيبقى عارف إنه أكيد جه عن طريق علاقة غير شرعية فيبقى منبوذ من المجتمع وبيسموه للأسف ابن حرام والكل بيعامله بطريقة سخيفة كأنه هو المسؤول عن اللي حصله."
الشيخ حسن بغصة مريرة: "استغفر الله العظيم. وطيب يعني هو ذنبه إيه في كده؟ حرام والله كلام الناس وتصرفاتهم اللي مترضيش ربنا دي. ده بيجمعوا عليه ابتلاءين: الأول، الحرمان من حنان الأم وأمان الأب. الثاني، وصمة عار تلازمه طول حياته عن شيء لم يفعله هو بنفسه بل كان نتيجة له. فأي ذنب هذا؟"
الأستاذة هدى: "للأسف مش قادرين نغير تفكير الناس في الموضوع ده لحد دلوقتي، ومأظنش هيتغير في يوم من الأيام لأن طبيعة المجتمع كده من قديم الأزل."
الشيخ حسن: "والعمل يعني كده؟ هيعيش من غير شهادة ميلاد ولا حاجة تثبت حقه في الدنيا وإنه يعيش زي أي حد عادي؟ أمال هيدخل مدارس ويتعلم إزاي بس يا ناس؟"
الأستاذة هدى: "لا طبعًا، هيتعمله شهادة بس الشهادة دي بتبقى معروفة ومخصصة للقطاء بس."
الشيخ حسن: "لاحول ولا قوة إلا بالله. ربنا يحفظه ويحميه من الدنيا وما بها. أنا بس كنت سميته أدهم ويا ريت تكتبوه بالاسم ده."
هدى: "تمام يا حاج، هيكون أدهم بإذن الله."
الشيخ حسن: "دلوقتي أنا عايز أعرف طريقة المعاملة في الدار كويسة عشان أقدر أسيبه وأنا مستريح."
هدى: "متقلقش يا حاج، كلنا هنا أمهات لكل الأطفال وبنعاملهم زي أولادنا بالظبط. بس حضرتك يعني لو عايز اهتمام أكتر، فأكيد هتراعينا يعني وتدفع تبرعات للدار."
الشيخ بنظرة حزن وخوف من الكلام والشعور أنه ممكن كلامها ميكونش صادق فتكلمت نفسه: "وهو عشان بيدفع هيتعامل كويس؟ طيب اللي ملوش حد يدفعله يا ترى حياته وطريقة معاملته هتبقى عاملة إزاي؟ رحمتك يا رب بإحبابك من الذين لا حول لهم ولا قوة."
الشيخ حسن: "حاضر، أنا هسيب لحضرتك مبلغ من المال دلوقتي وإن شاء الله كل ما أجي هدفع تاني وأجيب حاجات معايا للأطفال."
هدى: "ربنا يجازيك كل خير يا رب."
الشيخ حسن: "جزانا وإياكم."
ثم ناولها إلى الأستاذة هدى، لتحمله برفق قائلة: "ما شاء الله، وشّه جميل أوي، ربنا يحفظه."
الشيخ حسن: "يارب. وأنا همشي دلوقتي، وهسيبه في رعايتكم بعد رعاية ربنا طبعًا."
الأستاذة هدى: "آه طبعًا، ونعم بالله. اتفضل حضرتك ومتخافش عليه."
ثم التفت الشيخ حسن ليغادر ولكنه وجد نفسه يلتفت مرة أخرى والدموع في عينيه قائلاً:
"طيب ممكن آخده بس أحضنه وأبوسه قبل ما أمشي عشان صعبان عليا أوي وحاسس هيوحشني كأنه ابني والله."
الأستاذة هدى: "انت شكلك طيب وحنين أوي يا حاج. وأه طبعًا اتفضل."
وبالفعل ضمه الشيخ حسن لصدره وقبله وقال: "أستودعك الله يا أدهم يا ابني. وأنا أوعدك هجيلك كل فترة أطمن عليك."
وتركه الشيخ وذهب.
وأجهش أدهم بالبكاء كأنه يقول: "لما تركتني هنا وحدي فقد كنت أحتاجك. هنا عالم موحش أخاف منه ولا أريده، فأنا أريد الدفء والحنان معك."
كاد الشيخ حسن أن يرجع ليضم أدهم بعدما تركه وسمعه يبكي، ولكن تراجع فهو لا يريد أن يتعلق به أكثر من ذلك وأن الدار ستكون أفضل له في الرعاية والاهتمام أكثر منه. وخرج الشيخ بالفعل.
وعندما خرج الشيخ حسن، توجهت الأستاذة هدى للخارج وقامت بالنداء على المربية عواطف.
"يا عواطف، تعالي لو سمحتي."
فلبت عواطف النداء على الفور.
"أيوه يا أستاذة هدى، جايه أهو."
هدى: "خدي يا عواطف، ده ولد جديد ولسه مولود. فنبهي على الأم المقيمة في حجرة الرضع إنها تهتم بيه وتظبط مواعيد الرضعات ليه. وإنتي غيري له حفاضاته باستمرار وخلي بالك منه كويس."
عواطف: "حاضر يا أستاذة."
هدى: "هو اسمه إيه؟"
هدى: "أدهم وهو لقيط."
عواطف بضحكة خبيثة: "هو ابن استغفر الله العظيم يعني؟"
وزي ما تكون قالت في نفسها كمان: "وده اللي زيه عايز اهتمام؟ ده كان المفروض يندفن أحسن له ابن ستين في سبعين ده."
وشلته عواطف وطلعت بيه لحجرة الرضع. وقالت للأم المقيمة بغلظة:
"خدي المحروس ده، كنا ناقصين يعني، لقطة رضيع مية نار. يمكن يموت ونرتاح منه ومن اللي شبهه."
فقالت الأم وهي شابة صغيرة لم تتزوج بعد ولكنها تحب الأطفال واسمها ليلى:
"حرام عليكي يا عواطف، وإيه ذنبه هو! ده طفل بريء وإنتي قلبك قاسي أوي."
عواطف بسخرية: "وإنتي اللي قلبك رهيف أوي؟ جمدي قلبك مش كده. ده ياما وردنا اللي زيهم وهتشوفي في الآخر يطلعوا حرامية أو قتلة قتلة عشان ورثين الدم النجس من أهاليهم."
ليلى بخوف: "يا ساتر عليكي، فالله ولا فالك يا ستي. هاتِ الولد وامشي إنتي، ولما يعوز يغير هناديكي."
عواطف: "طيب يا أم قلب رهيف، اشبعي بيه."
خدته ليلى، وبصتله لقيته جميل أوي وحست براحة حلوة أوي لما ضمته لصدرها وحضرتله الرضعة بتاعته ونام برضه في حضنها.
ولما صحى كان عايز يغير، فنادت على عواطف.
"أيوه جايه."
فخدته عواطف، فأدهم صرخ زي ما يكون حاسس إن الست دي مش هتغيره هتعذبه. فلما صرخ بين يديها، فأشفقت عليه ليلى فقالت:
"خلاص هاتيه أنا هغيره."
عواطف: "بس إنتي مليكيش في الحاجات المؤرفة دي ولا تعرفي تلبسيه البامبرز."
ليلى: "هحاول، مليكيش دعوة."
عواطف: "اشمعنى ده يعني هتعملي معاه كده؟ ده حتى ابن...!"
ولسه هتكمل، لكن ليلى أوقفتها بقولها:
"أوعى تقولي كده تاني، إنتي فاهمة."
اتغاظت عواطف، وزاد كرهها لأدهم أكتر. نجحت فعلا ليلى أنها تغير لأدهم، وحست بحب غريب ناحيته وكل يوم كان بيكبر، كانت بتتعلق بيه أكتر.
الشيخ حسن أوفى بوعده، وكان كل فترة يجي يزور أدهم، وأحيانًا ياخده معاه البيت عشان الحاجة تشوفه ويبات معاهم يوم ويرجع الدار ومحمل معاه ألعاب ليه ولزميله في الدار.
أدهم بدأ يكبر حبة بحبة وبدأ يتكلم وبيقول ليلى "ماما". ولما يجي الشيخ حسن يزوره يقوله "بابا". وهنا الخوف، لأنه كل ما يكبر هيبدأ يفهم إنهم مش والداه الحقيقيين وسيصدم بالحقيقة المرة.
عواطف كانت لا تحب أدهم منذ الصغر وتختلق أشياء لا يقوم بها بالفعل لكي تعاقبه ظلمًا بالضرب. فكان أدهم يكرهها ويخاف منها كلما اقتربت منه ويذهب ليختبئ في حضن الأم المربية ليلى، والتي تقوم بدورها بتعنيف عواطف حتى لا تمد يدها إليه مرة ثانية. فتزداد عواطف كرهًا وغضبًا له وتتوعده.
أدهم وصل لسن المدرسة، وكان الشيخ حسن يدفع له المصاريف ويحضر له كل أدواته كأنه ابنه الذي لم ينجبه، وكان أدهم يحبه ويتعلق به ويغضب كلما يتأخر عليه بالزيارة، بل أحيانًا يلح عليه أن يعيش معه في بيته، فإنه لا يحب الدار.
أدهم للشيخ حسن: "بابا، أنا عايز أعيش معاك ومع ماما الحاجة ومش عايز الدار. عواطف بتضربني كل شوية وبتقول كلام مش فاهمه."
الشيخ حسن: "بتقول إيه يا ابني؟"
أدهم: "بتقول إني لقيط وابن ست وحشة. يعني إيه وحشة؟ شكلها مش حلو يعني؟ بس ليلى شكلها حلو، مش هي ماما؟"
انفطر قلب الشيخ وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله. كبرت يا أدهم، وبقيت تسأل وبكرة تفهم."
أدهم: "كمان العيال في المدرسة لما يجي باص الدار ياخدني يفضلوا يتريقوا عليّ وبيسموني اليتيم ويبعدوا عني ومحدش عايز يصاحبني. محدش بيصاحبني غير مجدي اللي معايا في دار الأيتام ومعايا في المدرسة وبرضه العيال بيتريقوا عليه وكمان ساعات بيضربوه بس أنا بدافع عنه وأضربهم. بس اشتكوا للمديرة، وزعقتلي وقالت: 'مفضلش غير انت يا ابن الملاجئ تضرب ولاد الناس'. فانا فضلت أعيط. فقلتلي: 'لو ضربت حد تاني أنا هطلعك من المدرسة'. فانا عايز أعيش معاك وعايز أروح مدرسة تانية."
هنا انهمرت الدموع من عين الشيخ حسن. فمسح بكفيه الصغيرين أدهم دموع الشيخ وقال:
"ليه يا بابا بتعيط؟ أنا بحبك أوي ومش عايزك تعيط أبدًا."
"بص يا أدهم، يبني، حان الوقت اللي أفهمك فيه الموضوع عشان تفهم اللي بيجرى حواليك ومتتصدمش لما تسمع من غيري."
انتبه أدهم لما سيقوله الشيخ له.
"بص يا أدهم، إنت اسمك إيه؟"
أدهم قال: "اسمي أدهم عبد الله محمد."
فقال الشيخ: "وأنا اسمي إيه؟"
قال أدهم: "حسن."
"يعني أنا أبوك هو عبد الله ومش أنا. أنا بعتبرك يا أدهم ابني اللي مخلفتهوش وبراعيك وبجيب لك كل اللي إنت عايزه وبحبك أوي."
هنا صرخ أدهم وقال بانفعال: "يعني إيه انت مش بابا؟ أمال فين بابا؟ هروح أسأل ماما ليلى."
الشيخ حسن: "ليلى يا بني مش أمك الحقيقية، دي مربيتك في الدار."
أدهم بغصة مريرة: "لا... مش معقول. أنا مش مصدقك. إنت بابا وهي ماما."
الشيخ حسن: "إنت كبرت يا أدهم وعايز أشوفك راجل متعيطش وتفهم. وده ميخيبكش يا ابني إن أبوك وأمك مش موجودين. ومعرفش هما فين. ممكن يكونوا ماتوا. فانت يا ابني متسمعش لكلام الناس حواليك، واهتم بنفسك واثبت نفسك بنفسك وأهم حاجة دراستك اللي هتخلي ليك مكانة وسط الناس. ومعلش متضربش العيال في المدرسة عشان متتحرمش منها والتعليم هيبقى سلاحك."
أدهم: "يعني أنا مليش أب وأم، وإنتوا مش أهلي؟ طيب ليه سابوني وتخلوا عني؟ أنا عملتلهم إيه؟"
وأخذ أدهم يبكي. وبكى على بكائه الشيخ حسن وأخذه في حضنه وقال:
"مش قولتلك تبقى راجل ومتعيطش. وأنا مش هسيبك وهفضل أجلك ديما لآخر يوم في عمري."
أدهم: "طيب لو بتحبني زي ما بتقول، خدني أعيش معاك في البيت."
الشيخ حسن: "مقدرش يا ابني على رعايتك والاهتمام بمذكرتك. لكن هنا بيعرفوا. وأنا هنزل للأستاذة هدى، أكلمها في موضوع عواطف دي اللي بتضايقك، عشان متضايقكش تاني."
أدهم: "ربنا ياخدها عواطف دي."
الشيخ حسن: "حرام تدعي على حد كده. وإنت أكيد بتتشاقى جامد يا أدهم، فخليك مؤدب عشان ميبقاش ليها حاجة إنها تضربك. ماشي؟ هتسمع الكلام."
أدهم بحزن: "آه يا بابا."
الشيخ حسن: "خلاص أنا هسيبك دلوقتي وهروح للمديرة أكلمها وبعدين أتوكل على الله وأمشي."
تعلق أدهم في رقبته وقال: "هتوحشني أوي يا بابا، متغبش عليا وتعال بكرة."
فدمعت عين حسن وحدث نفسه: "ربنا يتولاك يا حبيبي."
ثم قال: "إن شاء الله هجيلك في أقرب وقت."
ثم قبله وذهب إلى الأستاذة هدى.
الأستاذة هدى: "أهلاً يا حاج، نورت."
الشيخ حسن: "يا مرحب يا ست الأستاذة. بس أنا ليا عتاب عندك."
الأستاذة هدى: "خير يا حاج؟"
الشيخ حسن: "أدهم مالها وماله عواطف وعاملة نقرها بنقر عيل صغير وديما بتضايقه وبتمد إيدها عليه كمان."
الأستاذة هدى: "صراحة يا حاج، أدهم كل ما بيكبر بيتشاقى أوي، وعنيف كمان وبيضرب العيال تصور في المدرسة، وبيضايف عواطف وينرفزها لحد ما تضطر تضربه."
الشيخ حسن: "الولد غصبًا عنه يا ست هدى. عمال يسمع من هنا وهنا كلام إنه لقيط وابن ملاجئ، فنفسيته تعبانة، فياريت تعذروه."
الأستاذة هدى: "عندك حق، بس الناس كده. ربنا يهديهم. وعلى العموم، هنبه على عواطف برضه متجيش جمبه عشان متزعلش."
الشيخ حسن: "ياريت والله. وجزاك الله خيرًا."
مرت الأيام وأدهم بيكبر أكتر، لحد ما وصل إعدادي. وهنا هتتغير حياته خالص، عشان فيه أحداث جديدة هتجد هتغير مجرى الأحداث خالص. وعواطف هتكون ليها دور كبير فيها. فماذا ستفعل تلك القاسية معه؟ وهل سيستطيع الهرب قبل أن تقضي على حياته؟ ده اللي هنعرفه في الحلقة الجاية إن شاء الله.
رواية ليست خطيئتي الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد
دائما نحلم بحياة وردية، لكن للأسف الواقع يصدمنا بما لا نريده.
وحينها تبدأ سياسة التعايش مع الواقع لتمر الحياة بما فيها، مجرد عبور عابر يجعلنا لا نستمتع بها كما كنا نتمنى.
وهذا ما مر به أدهم، فهو كان يريد أن ينشأ حياة عادية كريمة بين أبوين في الحلال الطيب.
ولكن القدر جاء على عكس ما تمنى ووجد نفسه يترعرع في دار أيتام.
ذاق بها العذاب التي تخللها بعض الحنو من مربيته ليلى.
كبر أدهم ووصل للمرحلة الإعدادية، بس كان الحزن ديما مالي قلبه بسبب نظرة الأولاد له في المدرسة وسخريتهم منه لأنه تربية ملاجئ ومالوش أهل، فكان ديما منطوي على نفسه وبيحاول يتجنب المشاكل بقدر الإمكان، زي موعد الشيخ حسن.
الشيخ حسن... تقدم به العمر جداً ومرضت زوجته مرض شديد.
اضطر لملازمتها في البيت لكي يرعاها ويقوم على خدمتها.
الحاجة: تعبتك معايا يا شيخ حسن، بس غصب عني، ما انت عارف ماليش غيرك في الدنيا دي. ربي يخليك وميحرمنيش منك أبداً يا خويا.
أمسك الشيخ حسن يدها برفق وقال: متقوليش كده يا حاجة، تعبك راحة. ويلا شدي حيلك، عشان تعمليلي الكشري اللي بحبه من إيديك الحلوة.
فابتسمت زوجته على وهن قائلة: ياريت أقدر يا حاج. بس خلاص أنا حاسة بعمري. وصيتي ليك، إنك تتصدق بكل دهبي لله، عشان يقعدلي في آخرتي.
الشيخ حسن: لا ربنا يطول في عمرك يا حاجة، انتي هتخفي وهتبقي زي الفل.
ولكنه وجدها تطالعه بنظرة وداع، اتبعها شهقة عالية، ثم رفعت سبابتها وتشهدت، ثم فاضت روحها إلى الله.
فصرخ الشيخ حزناً عليها، ولكنه استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ربنا يرحمك يا حاجة ويجمعنا بيكي في الجنة.
حزن الشيخ حسن على زوجته حزناً شديداً، فهي رفيقة عمره وليس له غيرها في الحياة، ولم يطيق الدنيا بعدها وأحس بدنو أجله هو أيضاً.
فجمع كل ما يملك من مال كان له، وباع أيضاً المشغولات الذهبية التي كانت لدى زوجته رحمها الله.
فتصدق بجزء على روحها الكريمة وعمل لها صدقة جارية وهي كولدير ماء أمام أحد المساجد.
فنعم الزوج أنت الوفي يا شيخ حسن، فهو لا يريد أن ينقطع عملها بعد الموت ويريد أن يظل إلى يوم الدين.
وجمع باقي المال وكان مبلغ خمسين ألف جنيه، وكتبهم باسم أدهم، وضعه له وديعة في البنك وجعل الوصي عليه هو مربيته ليلى، لأنه يعلم قدر محبتها له.
وقرر أن يذهب لمقابلتها، ليوصيها على أدهم بعد رحيله من الدنيا.
وبالفعل ذهب الشيخ حسن لدار الأيتام وطلب مقابلة ليلى للضرورة.
ليلى بابتسامة صافية: أهلاً بالشيخ حسن.
الشيخ حسن: أهلاً يا بنتي. أنا كنت عايزك في موضوع مهم جداً.
ليلى بإنتباه وقلق: خير يا حاج.
الشيخ حسن: خير إن شاء الله يا بنتي. أنا عارف إنك بنت حلال، وطيبة وأمينة وبتحبي أدهم زي ابنك.
ليلى: طبعاً يا حاج، أدهم ابني أنا اللي ربيته. الأم هي اللي بتربي.
الشيخ حسن: أنا يا بنتي خلاص حسن الختام.
ليلى: متقولش كده يا حاج، ربنا يديك طول العمر والصحة.
الشيخ حسن: ربنا يخليكي يا بنتي، بس أنا خلاص حاسس إن أجلي قرب وقلقان على أدهم. ومفيش غيرك أأتمنه عليه.
ليلى: طبعاً يا حاج من غير كلام، ده في عينيه الاتنين.
الشيخ حسن: عارف يا بنتي والله. وعشان كده أنا عملت لأدهم حساب في البنك. وده وصل الحساب، وخلّيتك انتي الوصية عليه. هتصرفي عليه منهم لحد ما يكمل دراسته للجامعة إن شاء الله. أو لحد ما يوصل للسن القانوني وهو يتحكم فيهم براحته.
ليلى: شكراً يا حاج على ثقتك فيا. ربنا يبارك فيك يا حاج ويجعله في ميزان حسناتك. وسؤال يعني سامحني فيه، انت بتعمل كل ده لواحد غريب عنك ليه؟
الشيخ حسن: متقوليش كده يا بنتي. أدهم ده ابني اللي مخلفتهوش، ويا ريت كنت أقدر أعمل معاه أكتر من كده. ويا ريت لو كان بالفلوس أقدر أغير نظرة الناس له.
بس للأسف شكله هيفضل يتألم كده طول عمره. وهو صعبان عليّ، بس ما باليد حيلة وربنا يتولاه برحمته.
ولج أدهم عند ليلى وفرح لرؤية الشيخ حسن.
وخده الشيخ بالحضن.
الشيخ حسن: كبرت يا أدهم وبقيت راجل، ويعتمد عليك. تعال يا أدهم، اقعد جنبي. أنت عارف يا ابني انت عندي أكتر من ابني اللي مشفتهوش. وأنا بحبك أوي. وعايزك يا ابني ميأثرش فيك كلام الناس وتبني نفسك وتعملك مكانة، وده هيكون لما تاخد الشهادة الكبيرة إن شاء الله. فخلي بالك من نفسك على قد ما تقدر ومن مذاكرتك وعايزك راجل أفتخر بيه وتدعيلى لما أقابل وجه كريم. وأنا سبتلك مبلغ أسأل الله أن يبارك فيه ويكفيك لحد ما تتخرج.
أدهم بخوف: بابا، انت ليه بتكلم زي ما يكون مش هتيجي تاني وأشوفك. أنا مش عايز فلوس، بس عايزك انت متبعدش عني أرجوك.
بكى الشيخ حسن وقال: يا ابني الأعمار بيد الله. وأنا تعبان وحاسس بنفسي، وكان نفسي أعيش لحد ما أفرح بيك. بس الحمد لله إني اطمنت عليك وزي ما قلتلك عايزك راجل، انت فاهم.
بكى أدهم ببكاء الشيخ وقال: ..ربنا يخليك يا بابا ويطول في عمرك.
وحضنه الشيخ حسن وطبطب عليه. وقال: يلا بقى يا أدهم أنا هسيبك دلوقتي عشان ورايا مشاوير مهمة لازم أعملها.
أدهم بترجي: خليك معايا شوية.
الشيخ حسن: معلش عشان مشاويري وكمان حاسس إني تعبان.
وقام وقف الشيخ حسن بيسلم على أدهم. وفجأة.. لفت بيه الدنيا. ووقع.
صرخ أدهم وجت ليلى ومديرة الدار وطلبوا الإسعاف، ولكن عقبال ما جت كان قضاء الله نفذ ومات الشيخ.
وماتت معه أحلام أدهم، فهو بالنسبة له كان كل شيء، وهو السند والحضن الوحيد والمتكأ.
أدهم بعد وفاة الشيخ حسن تعب جداً وجاله دور سخونية وكان يلهث ويقوم مفزوع من نومه لفراق أبيه الشيخ حسن.
ووقفت جنبه مربيته ليلى، وكانت شديدة الحزن عليه.
عواطف بسخرية: انتي لسه قلبك حنين برده على الولد ده؟ متسبيه وإن شاء الله يحصل اللي مات ونستريح من الأشكال دي.
ليلى بانفعال: انتي بتقولي إيه؟ حرام عليكي، ليه بتكرهيه كده؟ مش كفاية اللي هو فيه.
عواطف: ده ابن نجاسة يا ليلى، وعمره ما هيكون حاجة كويسة وهيطلع لأهله اللي شبههم. فسيبيكي منه وشوفي حالك.
ثم تابعت بقولها: أنا سامعة إن جالك عريس، وانتي برده بترضي؟ وأنا فاهمة ليه؟ عشان مش عايزة حاجة تبعدك عن الدار.
وخصوصاً.. المنيل ده صح؟ فـحرام عليكي، انتي كده بتبني قصور في الأوهام. اتجوزي يا بنتي وخلفي من صلبك أحسن. متنسيش إنك بتكبري. وفرصك بتقل يوم عن يوم. فالحقي نفسك. لو قعدتي أكتر من كده، مش هتلاقي حد يبص في وشك. هتعنسي يعني. وساعتها هتندمي ندم عمرك. وياريت أنا يجيلى حد وأطير من هنا بلا أرف.
تغيرت ملامح ليلى بعد أن لعبت عواطف على وترها الحساس. وشعرت عواطف أنها بالفعل وصلت إلى مبتغاها، فتركتها وغادرت بعد أن شعرت أنها سوف تستجيب لما قالت.
ليلى: فكرت فعلاً في كلام عواطف وبصت لنفسها في المراية. وحست إنها بتكبر فعلاً والعمر بيجري. وبصت لأدهم. وقالت: بكرة يكبر وينساني وتبقى له حياته الخاصة. صحيح إنها بتحبه، بس أكيد مش هيبقى بدرجة اللي هتجيبه من بطنها.
ساعتها، اتصلت بـماما. وقالت: ماما، حددي ميعاد للعريس، وأنا موافقة.
ففرحت الأم وقالت: ... أخيراً يا بنتي هتطمنيني عليكي. أحمدك يارب.
ليلى: قفلت مع مامتها. وبصت لأدهم بحزن. وقالت: ياريت يسمحلي العريس إني أجي وأبص وأطمن عليك يا أدهومي.
أدهم بصلها بحزن وقال: انتي كمان هتسبيني؟ مش كفاية بابا حسن. أنا عملتلكم إيه عشان تعملوا فيا كل ده؟
ودخل في نوبة بكاء شديدة.
حاولت ليلى تهديه وتقرب منه، ولكن رفض وشاورها إنها تمشي.
أدهم: روحي شوفي نفسك. يعني مش هتبقي أحسن من أمي نفسها اللي رمتني للكلاب وأنا صغير. لسه بتكلم ليلى وهتوعده إنها هتيجي وهتطمن عليه وإنها بتحبه. لكن صدها أدهم: متوعديش بدل ما تضمنه تنفذي وعدك.
فقالت له: أنا الوصية على المبلغ اللي سبهولك الحاج حسن. ولازم أجي أكيد عشان أشوف اللي تحتاجه.
بكى أدهم: ياريتكم كنتوا فضلتوا جنبي. أنا مش محتاج فلوس على قد ما كنت محتاجكم جنبي.
سبته ليلى والدموع في عينيها عشان مش قادرة تسمع كلامه وصعبان عليها في نفس الوقت.
وجاله مجدي. وقعد معاه شوية يسّليه عشان ينسى.
دفن أدهم رأسه في حضن مجدي وبكى.
مجدى: إتجلد يا صاحبي، ده قدر ومكتوب علينا. ولينا رب كريم. أحن منهم. قول بس يارب.
أدهم: يارب.
مر وقت... انشغلت فيه ليلى عن الدار وعن أدهم بعد الخطوبة.
وبقت تيجي كل فترة تتابع أدهم وتدفع له مصاريف الدراسة وتجيب له اللي يحتاجه.
بس للأسف بمرور الوقت.. اتجوزت ليلى. وجوزها منعها إنها أصلاً تروح الدار.
وادهم حالته النفسية كانت بتسوء يوم عن يوم، خصوصاً إن عواطف استغلت الموقف وإن مبقاش حد يسأل عليه ولا يهتم بيه.
بقت بتضايقه في الريحة والجاية وتشتمه بأفظع الكلام. وتخليه ينضف الغرف. و قالت له: مش عاجبك أمشي. انت أصلاً مكانك الشارع مش هنا.
ومكنش في إيد أدهم غير الدموع وبس.
وكان مجدي بيجي ويصبره ويقول له: معلش نستحمل بس لحد ما ندخل الكلية. وبعدين نشتغل ونأخذ مكان أنا وانت إن شاء الله أوضة تلمنا ونخرج بقى من الذل والقرف اللي عشنا فيه طول عمرنا ده.
أدهم: ياريت يا مجدي ياريت.
مجدى: إن شاء الله هيحصل وهفكرك وتقول مجدي قال.
ليلى.. بتتحايل على جوزها تروح الدار عشان تدفع له مصاريف الدراسة. وتشوف طلباته. وإن ده حقه وفلوسه.
فضحك عليها بكلمتين حلوين. وقال: ده كبر ومبقاش عيل صغير وأنا بغير عليكي يا حبيبتي. فـانتِ اعملي توكيل. وأنا هبقى الوصي عليه وهتابعه وهجيب له اللي هو عايزه.
وللأسف هي صدقته. بس للأسف.. راح وسحب الفلوس وحطها لنفسه في بنك تاني باسمه.
وكل ما هي تسأله بتروح لأدهم وتجيب له اللي هو عايزه.
الزوج: آه طبعاً يا حبيبتي، هي دي حاجة تتنسي طبعاً.
وهو للأسف في الحقيقة بيخرج ويتفسح ويمشي مع ستات ويصرف عليهم من فلوس أدهم.
وللأسف ليلى متعرفش واتخدعت فيه ومكنتش بتسأل لأنها كانت واثقة فيه. وكمان حملت منه وكانت فرحانة بحملها وتناسيت مع الوقت أدهم.
وكده أدهم. خسر في الأول الحنية والقلب الطيب. وطبعاً خسر إنه يدخل ثانوي عام زي ما كان بيحلم عشان يدخل كلية كويسة ويبقى له مكانة في المجتمع. لأن آخرهم في الدار دبلوم ويمشوهم بعدها عشان ميصرفوش عليهم كتير.
وهنا قد تغير مسار أدهم مرة أخرى لحياة لا تشبه.
أما عواطف تلك الحية المتحركة. اتعرفت على راجل اسمه فتحي وأوهمها بالحب والجواز. هي كانت مطلقة عشان الخلفة وكبرت في السن ومصدقتش حد يبصلها. فوقعت في فتحي بسهولة.
اللي هيستدرجها معاه في مافيا بيع البشر. لاستغلالهم في تجارة الأعضاء البشرية.
فتحي: مسا مسا على قمر الزمان، عواطف.
عواطف بدلال: يوه يا واد يا فتحي، مش قولتلك، بلاش الكلام ده. إحنا كبرنا عليه يا خويا.
فتحي: كبرتي إيه يا طفطف، انتي شكلك مش بتبصي في المراية ولا إيه؟ انتي قمر ولي يشوفك ميديكيش أكتر من تلاتين سنة ويمكن أصغر كمان.
عواطف: ده بس عشان عيونك حلوة يا فتحي.
فتحي: الله الله على كلامك انتي الحلو يا ست الستات. بس قوليلى عاملة إيه في الشغلانة بتاعتك دي.
عواطف: أهي شغلانة مرار وقرف وعيال تستاهل الحرق. بس أهو الواحد. بيستحمل عشان لقمة العيش. أصلوا يعني هعمل إيه لو سبتها، هاكل منين وأشرب منين؟
فتحي: ده أنا أكلك شهد وعسل يا ست الستات. بس انتي شوري وأمريني أمر.
عواطف: قصدك إيه يا راجل.
فتحي: قصدي هتفهميه بعدين يا ست الستات. بس ناوليني من الحب جانب. ونفسي أدوق الحب معاكي، مش قادر على بعدك يا طفطف. ونفسي نتقابل وأقولك أنا بحبك قد إيه.
عواطف: قد كده بتحبني يا فتحي.
فتحي: ده أنا بموت في التراب اللي بتمشي عليه يا ست الستات.
عواطف: طيب إمتى هنتجوز.
فتحي: نتجوز على طول كده؟ لازم ناخد وندي مع بعض شوية ونعيش زي الوزوايز.
فضحكت عواطف: وماله نعيش يا ولا.
فتحي: بس هو عندك عيال كتير في الدار؟
عواطف: آه يا خويا، كتير وهم كبار.
اتسعت عين فتحي قائلاً: حلو أوي. كده الرزق هيوسع أوي بالصلاة على النبي.
عواطف: بتقولي إيه؟ مش فاهمة حاجة.
فتحي: بكرة هتفهمي كل حاجة يا جميل.
عواطف: إن شاء الله يخليك ليا.
فحدث نفسه فتحي: وليه عقربة بصحيح فاكرة نفسها نوغة. بس آهو الشيء لزوم الشيء. وأهو سد خانة وهستحملها زي بعضه عشان الرزق اللي هيكون من وراها.
يا ترى هيحصل إيه تاني مع أدهم وعواطف؟
عشان شكلها كده هتدخله في دايرة يعلم هيطلع منها ولا هيتأخد فيها؟
ده اللي هنعرفه في الحلقة الجاية إن شاء الله.
رواية ليست خطيئتي الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء سعيد
أسوأ شيء في تلك الحياة أن يعيش الإنسان كالبهائم لا يفكر سوى في غرائزه من طعام وشراب وشهوة.
ولا يعنيه من أين يشبع تلك الغرائز.
سواء كانت حلالاً أم حرام.
فتلك نفس دنية نسيت أن هناك خالقاً مطلعاً عليها وسيجازيها على هذا سواء في الدنيا أو في الآخرة.
وهذا ما فعله فتحي حين سولت له نفسه الدنية من أجل المال أن يخطف أطفالاً ليس لها ذنب في تلك الحياة إلا أن وجدوا أنفسهم بلا أهل، بلا أب وأم ونشأوا في دار رعاية الأيتام.
وهذا من أجل المتاجرة في أعضائهم التي تدر ربحاً كبيراً.
ومن أجل ذلك تعرف على عواطف وأوهمها بالحب والزواج لكي يستغلها معه في تلك الجريمة.
بل ولم تكن بداية الجرم الخطف فقط، بل تعدى عليها هي أيضاً لإشباع شهوته في سهرة حمراء بينه وبينها.
أمطر عليها فيها بكلماته المعسولة، حتى صدقته وذابت في حبه وسكنت بين يديه سريعاً.
فاستسلمت له بدون مقاومة.
وانقض فتحي عليها يلتهم الدم قبل اللحم وأشبعوا غرائزهم الدنية تلك الشهوة المحرمة التي كانت عواطف تحمل ذنبها لمن لا ذنب له بها.
فما كان أدهم سوى نتيجة لمثل ما فعلته هي وليس هو السبب وكانت تعايره طوال الوقت بها.
فها هي الآن تقع بهذا الذنب.. وصدق القول القائل: كما تدين تدان.
تحدثت عواطف بدلال إلى فتحي، بعد عدة لقاءات لهم في الحرام قائلة:
ما آن الأوان نبقى في النور ونتزوج أنا وأنت.
أحسن من ما نتقابل في الخفاء كده وكأننا عاملين عملة.
عشان كمان حاسة الناس أكلت وشي وبيبان عليا وكأنهم عارفين.. إننا بنعمل إيه.
سكت فتحي ولم يرد عليها واكتفى بتحريك وجهه بلا مبالاة مما قالت.
فغضبت عواطف وانفعلت بقولها: إيه مش بترد عليا!
ثم تابعت بقولها:
ما سمعتنيش ولا إيه يا راجل.
ولا شكلك مش بتحبني.. زي ما بتقول، وشكلي نزوة كده وخلاص بتقضيها معايا.
نفى فتحي ما قالته، حتى لا تغضب منه.
وترفض ما هو مقبل عليه معها من خطف الأطفال.
فابتسم وقال باصطناع: متقوليش كده يا بت.
أنا بحبك فعلاً أوي.
ونفسي فعلاً نتجوز ونتلم في بيت يضمنا أنا وأنت.
وتبقي مدام فتحي.
وأرجع من الشغل ألاقيكي عامله لي أكلة حلوة، ونقعد نتهامس مع بعض.
بدل ما أنا وحداني كده.
حركت عواطف شفتيها باستنكار قائلة: يا سلام!
ومدام هو كده الموضوع، إيه يعني اللي مانعك من الجواز مني يعني.
فتحى: هيكون إيه غير الفلوس.
قلة الرزق.
هجيب منين شقة؟
وفلوس تقدر تخليني أجوز وأصرف عليكي.
ولو كمان خلفنا حتة عيل هنربيه إزاي؟
عواطف لتهون عليه الأمر: مش لازم تمليك يعني.
نتجوز في إيجار جديد.
وان كان على الفلوس، أهو أنا بشتغل في دار الأيتام وبقبض كويس.
وانت أهو رزقي على باب الله واهي ماشية.
ونجوز ونلم نفسنا، عشان محدش يكلم عليا في الداخلة والطالعة يا فتحي.
فتحى بسخط: يعني هنعيش في فقر كده برضه.
أنا زهقت من الفقر وعيشته ونفسي أعيش على وش الدنيا وأعيشك معايا يا طفطف.
عواطف برضا: هنعمل إيه نصبنا كده، واهو عيشة والسلام يا فتحي، كله محصل بعضه.
المهم نتجوز ونتنهي أنا وأنت، وانت عندي بالدنيا.
ابتسم فتحي بمكر قائلاً: قد كده بتحبيني يا طفطف.
عواطف بخجل: آه طبعاً يا عيون عواطف.
فتحى: وأنا بموت فيكي يا بت.
بس عايز آخد رأيك في موضوع كده.
عواطف: قول يا عيون عواطف.
فتحى: بصي أنا عندي سبوبة حلوة أوي.
هطلع منها بقرشين حلوين يعني.
بس محتاج مساعدتك فيها يا طفطف.
عواطف: بس كده عينيا، بس قولي إيه هي؟
واقدر أساعدك إزاي؟
فتحى: هقولك.
ولو وافقتي تساعديني.
تبقى اتفتحت لنا ليلة القدر يا قمر.
وساعتها هجبلك أحلى شقة ونتجوز ونتنهي زي ما انتي عايزة بالظبط.
تهلل وجه عواطف فرحاً وقالت: اعتبريني موافقة بس قول إيه هي يلا، شغلتيني بجد.
وعايزة أعرف.
فتحى وهو يبتلع ريقه خوفاً من ردة فعلها أو رفضها: بصي أنا عندي صاحبي دكتور.
وبيكون عنده حالات بتكون محتاجة يعني عشان تعيش قلب، كلى، عين كده.
وبيبقى عايزين يدفعوا دم قلبهم بس يلاقوا متبرعين، عشان يقدروا يعيشوا زي الناس.
فالدكتور قصدي وقالي ينوبك ثواب.
لو تعرف تدلني على متبرعين بالأعضاء دي، عشان الناس المريضة دي.
وهديك أي مبلغ تطلبه.
عواطف: كويس أوي.
ياريت والله، بس لقيت متبرعين ولا لسه؟
فتحى: هو فيه أكيد ناس هتصدق فلوس وتتبرع.
بس أنا بصراحة طماع حبتين، ومش عايز حد يقسمني في الفلوس.
وأنا محتاج فلوس التبرع كلها لوحدي أوي عشان نقدر نتجوز يا قمر.
عواطف: طيب إزاي ده؟
فتحى: أنا هفهمك قصدي.
أنا عايز حد مقطوع من شجرة كده.
مالوش حد.
أخده ولا مين شاف ولا مين درى.
وناخد منه المطلوب.
ونلم إحنا على الفلوس ونعيش حياتنا ونطلع على وش الدنيا بقه.
عواطف: معقول برضه الكلام ده.
بس يعني أنا هساعدك إزاي في الموضوع ده؟
فتحى: هقولك.
إنتي مش شغالة في ملجأ الأيتام.
وعندكوا عيال مالهاش حد يسأل عليها.
عواطف: آه.
فتحى: خلاص.
هاتي لنا كده عيلين منهم ولا تلاتة.
وأهو ترتاحي من خدمتهم، ونسترزق عن طريقهم ونتنفع.
عواطف بذعر: بس لو حد عرف هنروح في ستين داهية كده.
فتحى مطمئناً لها: هيعرفوا إزاي؟
هو حد بيسأل عليهم.
هما ولا ليهم أهل ولا تيه.
ولا الحكومة بتدور على حد فيهم.
عواطف: آه عندك حق.
فتحى: خلاص بقت متخافيش من حاجة، طول ما انتي معايا.
عواطف: تعيش يا فتحي.
فتحى: ربنا يخليكي ليا.
ثم تابع بقوله:
عليكِ بس انتي يوم ما نتفق تجيبيهم.
هتعمللهم بليل عصير وتدوبي فيه منوم.
هيقوموا يناموا في سابع نومة.
وساعتها بقا تفتحي لي الباب الوراني هدخل أنا وراجل معايا.
ونشيلهم هيلة بيلة ولا من شاف ولا مين درى.
وبس كده، الأمر سهل أوي.
ولو حد سألِك عليهم بعد كده.
قولي هربوا وخلاص، انتي ملكيش فيه.
ها قولتي إيه؟
ولا نفضل نتقابل في السر كده على طول.
بس ساعتها متفضليش تقولي لي كلام الناس وابصر إيه.
ما انتي أهو مش عايزة نتلم في الحلال.
عواطف بإندهاش: إيه بتقول إيه مش عايزة!
لا عايزة وعايزة طبعاً.
فجال على خاطرها أدهم وصديقه مجدي.
فقالت بسعادة:
و أنا عندي طلبك اللي انت عايزه بالظبط.
ثم حدثت نفسها بغلظة:
يا ريت أخلص من الواد أدهم ده ابن ستين في سبعين.
وصاحبه كمان مجدي عشان ما يسألش عنه.
فتحى فرحاً: يعني خلاص موافقة يا طفطف.
عواطف: طبعاً وأنا أقدر أرفضلك طلب يا قلب عواطف.
ثم ضحكت عواطف.. ضحكة خبيثة.
فغمز لها فتحى: إحنا هنقضي الليلة كلام ولا إيه.
أنا جعان.
عواطف: بس كده هقوم أحضرلك أحلى أكل من إيديه الاتنين.
فتحى: تسلم إيديكي الحلوين مقدماً يا روح فتحي.
ثم أحضرت الطعام بالفعل.
وأكل فتحي وعواطف وملئوا بطونهم ثم أشبعوا شهواتهم الحيوانية.
وانتصر عليهم الشيطان واستسلموا له بكامل إرادتهم.
فأصبحوا كالدمية يحركهم كيف يشاء.
ونسوا أن الله عز وجل مطلع عليهم.
فقد ستر الله عليهم أمرهم، مرة واثنتين وثلاثة ولكن أبوا إلا الحرام والانغماس في الرذيلة بل وتمادوا في ما هو أشد منه وهو الاتجار بأعضاء البشر.
ولكن لكل طريق نهاية بالتأكيد ولكل ظالم يوم.
كان أدهم في الدار حزين جداً بعدما فقد الأمل في الالتحاق بالثانوي العام.
ثم بعدها يلتحق بالجامعة، كما وعد الحج حسن قبل مماته.
ولكن أجبرته إدارة الدار على الالتحاق بالثانوي الفني.
متعللة أنه ليس لديها القدرة على مصاريف التعليم العالي.
فانهدش أدهم من عدم قدرتهم وهو يعلم أن الشيخ حسن قد ترك له مبلغاً من المال يؤهله للدراسة في الثانوي العام.
لذا سألهم أدهم عن المال الذي تركه له الشيخ قبل وفاته.
فأجابت:
إدارة الدار: أن ليس هناك أي أموال تأتي لنا من ليلى كما كانت تفعل من قبل.
فبعد أن تزوجت بفترة انقطع عنا أخبارها ولا نعرف لها عنوان أو رقم تليفون لنسألها عن ما يخصك من أموال.
أدهم بحزن: يعني إيه؟
معقول تكون ليلى طمعت في الفلوس.
يا خسارة يا ليلى، كنت فاكرك أمي اللي ربنا عوضني بيكي.
فخرج أدهم لغرفته وهو يبكي.
أدهم بحزن: ليه يا ليلى مش كفاية سبتينى كمان أخدتي فلوسي وما سألتيش فيه.
لا كده حرام أنا مستاهلش كل ده منك يا دنيا.
يا ريتني متولدت وياريت أمي كانت قتلتني بدل ما تسبني للدنيا والناس الغدارة دي.
أنا تعبت ومش قادر أستحمل.
فحاول مجدى أن يهون عليه الأمر فقال:
ليه بس يا أدهم؟ حرام عليك نفسك كده.
قولتلك اجمد.
وليه أصلا تزعل من الأساس؟
كل ده عشان دخلونا تعليم فني، وإيه يعني يا عم!
ما هو خلينا نخلص ونتعلم صنعة تنفعنا ونشتغل بيها ونطلع من هنا بدري بدري كده ونشوف حياتنا بقى بره السور ده.
ده كأننا محبوسين يا عم. ولو عايز تكمل للجامعة ممكن تكمل لو اجتهدت في الثانوي وجبت مجموع كويس.
وساعتها هتشتغل وتقدر تصرف على نفسك.
فليه الزعل ده كله؟ مش مستاهلة وفوق لنفسك يا أدهم.
وزعلان على ليلى ليه؟
إذا كان أمهاتنا اللي جابونا الدنيا باعونا وسبونا للكلاب.
واهو عشنا والسلام.
فمنتظر إيه من ليلى؟ ويدوبك كانت مربية.
فزيها زي أي وحدة ست بتحب نفسها ويولع غيرها.
تصور، أنا بقيت بكره الصنف ده خالص ولو بإيدي أولع فيهم كلهم.
في اللحظة دي كانت عواطف بتصنت على أدهم وفرحانة فيه وسمعته وهو بيبكي ويكلم نفسه.
فقالت في نفسها وهي بتضحك: أنا هريحك خالص من الدنيا يا أدهم، بس كده متزعلش نفسك.
وهريحك كمان يا مجدي. بقى كده بتكرهنا يا زفت إنت.
وكان معاها المنوم اللي جبهولها فتحي.
فذهبت للمطبخ وأعدت كوبين اثنين من العصير ووضعت فيه المنوم وقلبته جيداً.
ثم ذهبت به إلى غرفة أدهم ومجدي.
وهي تقول: إيه يا شباب؟
عمالين إيه؟ بتذكروا ولا إيه؟
يلا شدوا حيلكم بقى عشان نفرح بنجاحكم.
وأنا عملتلكم كوبايتين عصير عشان تفرفشكم كده.
ويروق دمكم وتعرفوا تذكروا كويس.
يلا بالهنا والشفا.
بص أدهم لمجدي باستغراب، لأنه مش متعود على الحنية من عواطف أبداً كده.
وعايز يقوله: دي بتكرهنا أوي وعلى طول تشتمنا في الريحة والجاية.
تابعت عواطف حديثها قائلة: يلا اشربوا قدامي بالمرة.
عشان آخد الكوبيات أغسلها.
أدهم: متتعبيش نفسك، أنا هبقى أغسلها وروحي انتي.
عواطف بتردد: لا إزاي؟ مضيعوش وقت عشان تذاكروا.
اشربوا وأنا هغسلها.
أدهم في نفسه: من امتى الحنية دي يا عواطف.
وفعلاً شرب أدهم ومجدي العصير.
وأخذت الكوبيات عواطف بسرعة وطلعت تتصل بفتحي عشان ييجي بسرعة زي ما اتفقوا.
أدهم ومجدي بعد ما شربوا العصير حسوا بدوخة جامدة وبصوا لبعض بقلق وخوف.
أدهم بشك: أنا قلبي كان حاسس إن كان العصير ده فيه حاجة. ماهو مش معقولة أن عواطف قلبها هيحن علينا فجأة كده.
فتحي: أيوه. أنا راسي هتتفرتك ودايخ أوي وعايز أنام.
أدهم وهو يتثائب: آه وأنا...
وقبل ما يكمل حديثه.
كان الاثنين قد خلدوا إلى النوم من أثر المخدر المنوم.
وهنا كانت عواطف ذهبت لفتح الباب لفتحي وصديقه.
فدخل الاثنان إلى الدار على أطراف أصابعهم كي لا يشعر بهم أحد.
وكانت السيارة في الخارج في انتظارهم.
وبالفعل استطاع الاثنان أن يحملوا الولدين للسيارة.
وأسرعوا بهم إلى مكان ناءٍ في أطراف المدينة.
يستغلها أطباء ليس لهم ضمير رغم أنهم أقسموا اليمين.
في عمل عمليات نقل الأعضاء البشرية.
والمجازفة بحياة الأبرياء بدون ذنب.
مقابل المال.
فأي خزى هذا؟
رواية ليست خطيئتي الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء سعيد
عندما يجتمع الشيطان مع قرينه الشيطان تعلم أن الأمر جلل وأن هناك مصيبة سوف تحدث قريباً.
وهذا ما فعله الشيطان فتحي مع قرينته عواطف.
التي خانت نفسها أولاً، ثم خانت الأمانة التي عهدتها إليها صاحبة دار الأيتام في الحفاظ عليهم.
وسلمت عواطف أدهم ومجدي إلى فتحي بعد أن خدرتهم وانطلقوا بهم إلى تلك الشقة النائية.
وفي تلك الشقة تواجد فيها عدد من الأطفال الذين تم خطفهم من ذويهم وأطفال أخرى من أطفال الشوارع وانضم إليهم اثنان جدد من دار الأيتام وهما أدهم ومجدي.
الشقة بها عدد من الغرف، إحداها مجهزة بأعلى التقنيات الحديثة الخاصة بالعمليات الجراحية الدقيقة.
حيث يؤخذ فيها الطفل بعد التأكد من سلامته من الأمراض وصلاحية أعضائه لأخذها لشخص آخر مريض مقابل أموال طائلة لا حصر لها.
أي يضحون بحياة شخص صحيح من أجل مريض مقابل المال، فأي عقل هذا!
ومن يقوم بتلك العمليات ما هم إلا أطباء جراحون أو بمعنى أصح جزارون.
خانوا اليمين الذي حلفوه عند التخرج وخانوا ضمائرهم ولوثوها بدماء ضحاياهم من أجل المال الحرام.
وما دخل الحرام على الحلال إلا فبعثره.
إنهم مافيا تجارة الأعضاء، ينتشرون في جميع أنحاء العالم، ويسببون الذعر لكافة الناس.
فما أصبح هناك أمان الآن في أن يخرج أطفالنا بمفردهم إلى أي مكان.
وهم أيضاً يصطادون ضحاياهم دائماً ممن لا مأوى لهم، قاتلهم الله وكفانا شرهم.
ولج فتحي إلى الطبيب في الشقة مبتسماً بما أحضره له قائلاً بفخر: "للدكتور أيمن".
"جبت لك شابين إنما إيه ما شاء الله صحتهم بمب وملهمش حد يسأل عليهم كمان.
يعني إحنا كده في السليم ومفيش أي قلق بإذن الله."
ابتسم دكتور أيمن قائلاً: "تمام يا فتحي.
أنت كده فعلاً راجل يعتمد عليك فعلاً مش أي كلام.
وليك عندي مكافأة حلوة قوي كمان."
فرح فتحي بما قاله الطبيب فقال مصطنعاً الرضا: "أنا اللي يهمني رضاك يا دكتور أيمن.
فلوس إيه وبتاع إيه بس."
دكتور أيمن ضاحكاً: "بقى كده يعني مش عايز شيك بمبلغ ٢٠ ألف مقابل الاتنين دول."
فتحى بضحكة خبيثة:
"محدش يرفض الخير منك يا دكتور.
بس يا باشا دول اتنين في خبطة واحدة.
فبحبحها حبة كده مش كده؟ أنت عارف حال الدنيا ومصاريفها."
دكتور أيمن: "يعني عايز كام يا فتحي؟ قول من الآخر."
فتحى ببعض الحرج المصطنع:
"يعني يا دكتور كده قدهم تاني كمان.
عشان أسكت الست اللي جبتهم من عندها.
وده عشان كمان معشماها بالجواز.
ولو رجعت في كلامي أخاف تبرطم بكلمتين كده ولا كده، وانت فهمني يا دكتور بقا ولا أقول تاني؟"
دكتور أيمن بغيظ: "أيوه فهمك كويس.
وعشان عريس حاضر هديك أربعين ألف."
ثم كتب له شيك بـ ٤٠ ألف.
وأخذهم فتحي وطار وهو فرحان، لا عزاء للضمير الذي قد مات.
ثم وصل الشقة التي يتقابل فيها هو وعواطف.
فتحى بفرح وسعادة: "انتي فين يا طفطف يا وش الخير؟"
عواطف: "أنا هو يا حبيبي.
إيه شكلك مبسوط قوي؟ فرحني معاك."
فتحى: "أكيد مبسوط وأنا معاكي يا حبيبتي."
عواطف: "إيه الكلام الحلو ده بس يا راجل؟
أجيب لك حاجة تاكلها جعان."
فتحى: "أنا جعان إنتِ يا طفطف.
تعالي بس أقولك حاجة جوا."
عواطف بضحكة: "يوه وبعدين يا فتحي مش قولتلك كفاية ولما تكتب عليه أبقى أشبع منك براحتك."
فتحى: "وبعدهالك بقا مضيعيش ساعة الحظ.
وبعدين نبقى نتكلم في الكتاب والورقة وأي حاجة انتي عايزاها.
تعالي بس معايا يا عسل انتي."
ليقضوا ليلة بهيمية كعادتهم، فهم يعيشون في القذارة.
وبعد أن فرغ منها قالت:
عواطف: "بقولك دي آخر مرة ولو مكتبتش عليه مش هسكت وانت فهمني كويس أقصد إيه."
فتحى خوفاً: "كده يا عواطف؟ بتهددي فتحي حبيبك؟
ده إحنا حتى سكتنا واحدة."
عواطف: "حبيبي أه على عيني وراسي.
لكن تخلف وعدم معايا، يبقى أقلب عليها وطيها.
بس قولي صح بالحق.
عملت إيه في الولدين الزفت أدهم وصاحبه حمدي؟
خلاص نقول مبروك واتكلوا على الله.
وقبضت المعلوم ولا لسه يا فتحي."
فتحى بخوف: "وأنا أقدر برده أخلف وعدي معاكي يا طفطف.
ده انتي العين والنني يا بت."
فابتسمت عواطف قائلة: "إن شاء الله يخليك ليا."
فتحى: "ويخليكي يا طفطف.
أما العيال فمش على طول كده يتكلوا على الله.
أنا سبتهم بيفوقوا، وبعدين هيعملهم الدكتور تحاليل عشان يتأكد إنهم معندهمش أمراض وكويسين والأعضاء بتاعتهم تنفع لغيرهم.
وساعتها هيعمل بقا العملية ومع ألف سلامة."
عواطف: "يعني لسه مش هتاخد فلوسك إلا لما يتأكدوا إنهم كويسين."
فتحى: "لا يا ستي أخدت، بس مبلغ يعني، أهو على القد."
عواطف: "يعني كام يعني؟"
فتحى: "عشرة آلاف، حاجة ملاليم يعني."
ثم تابع بقوله:
"وعشان تعرفي أنا قد إيه بحبك.
خدي ألفين جنيه أهو شبرقي بيهم نفسك.
واشتري هدومين كده ملايين تزيديهم فيهم حلاوة أكتر يا ست الستات انتي."
ضحكت عواطف ثم قالت بدلال: "آه منك يا فتحي ومن كلامك الحلو.
طيب إمتى بس هنجوز ونستر في الحلال؟
بدل ما إحنا خايفين أي حد يطب علينا ونتمسك آداب."
فتحى: "لا بعد الشر يا ستي.
متفوليش في وشي كده.
اصبري بس عليه، عملتين تلاتة كمان من كام عيل كمان وربنا يسهل ونتجوز يا حياتي انتي."
عواطف: "ماشي هصبر لما أشوف آخرتها معاك إيه يا سي فتحي."
فتحى: "آخرتها فل وياسمين، بس متقطعيش فيها بس انتي ودلعيني يا طفطف فأنا محتاجك يا بت."
عواطف: "أكتر من كده." وضحك الاثنان.
وسط دموع أدهم ومجدي في الشقة.
لما فاقوا ولقوا نفسهم مربوط أيديهم ورجليهم.
وجمبهم أطفال تانية برده مربوطين.
أدهم بخوف وذعر: "إيه إحنا فين؟
وإيه اللي جابنا هنا؟"
مجدى: "مش عارف.
أنا خايف قوي يا أدهم."
أدهم: "هما ربطنا كده ليه وهيعملوا بينا إيه؟
دحنا غلابة ومعناش فلوس ولا لينا أهل يطلبوا منهم فدية."
مجدى: "امال فيه إيه بس ربنا يستر."
شوية ودخل واحد عليهم طويل وعريض ووشه إجرام.
ارتعش مجدي وأدهم من الخوف.
ودخل الراجل شد طفل من الأطفال والطفل بيصرخ بقوله: "سبوني بالله عليكم أنا مش عايز أعمل عملية أنا كويس."
فيضحك الراجل ويقول:
ما انت عشان كويس هتعمل العملية.
ثم أحكم قبضته عليه قائلا:
"يلا بقه متعطلناش وحياة امك."
ويخرج بيه للدكتور اللى هيجهزه فى اوضة العمليات.
ليتم تخديره، غير مشفقين على صرخاته.
فيستسلم الطفل وينطق الشهادتين:
"اشهد ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله."
ليغيب عن الوعي.
ليبدئوا فى تشريح هذا الطفل المسكين، ليقطتعوا منه القلب، مركز الحياة واهمها فى حياة كل انسان.
ليموت هو من أجل أن يعيش رجل آخر مريض.
ولكن الفرق الاول فقير معدوم، ليس من حقه العيش أو الحياة بكرامة.
والاخر يملك المال لذى هو أولى بالحياة على حساب غيره.
ولم يكتفوا فقط بالقلب.
"وكمان اخدوا كليته وقرنية عينه وتركوه ينزف حتى الموت."
فالمهم هو اعضاؤه التى أتى أشخاص مساعدين للدكتور واخذوها فى أجهزة مخصصة، للتنقل لمرضى اخرين فى مستشفيات مشهورة.
ودفعوا فيها ملايين الجنيهات.
...
"اى قلب هذا يملكون؟!"
"وقد نزعت الرحمة من قلوبهم."
"ام أن احل الشيطان مكانها؟!"
"لماذا يضيعون حياة طفل امامه سنوات طويلة من العيش امام رجل اجهز عليه الدهر وعلى مشارف الموت. من اجل المال؟"
"اشتروا دنياهم باخرتهم.. والاخرة خير وابقى."
أحد الرجال أمرا لرجل اخر:
"خد يا عم الولد ده."
"ولفه فى ملاية وحطه فى كيس زبالة."
"عشان نخلص منه ونشوف غيره."
وبالفعل حمله الرجل كما قال وخرج به من المكان.
ليحمله رجل آخر.
ثم تسائل:
"ا.والحتة دى هنوديها فين المرادى يا رجالة؟"
فأجابه رجل آخر:
"وديها اى مصرف ولا زبالة وخلصنا من غير ما حد يحس بيك بس."
وبالفعل نزل به، وركب توكتوك ورماه فى اخد المصارف وفر هاربا.
عم الذعر قلب أدهم ومجدى وكادوا أن يموتوا خوفا.
عندما رأوا ما فعل الرجل بالطفل الذى كان قبلهم.
ورأوا ضعفه وقلة حيلته.
ودموعه التى لم تتوقف، وغلظة الرجل فى التعامل معه.
وأخذه إلى مكان لا يعلموا ما يحدث به.
فخافوا أن يحدث لهم مثله، فبكوا.
ادهم بخوف:
"دول شكلهم بتوع خطف العيال عشان يسرقوا اعضائهم يا مجدى."
مجدى بخوف:
"يا لهوى.. يعنى هيموتونا يا ادهم."
ثم انهار من الخوف، وجاءته حالة هيسترية.
فأخذ يصرخ، حتى سمعه احد الرجال.
فغضب وقرر معاقبته، فولج إليه قائلا بعصبية شديدة:
"ايه فيه ايه صوتك عالى ليه وبتصرخ زى العيال الصغيرة؟"
"فاسكت احسنلك بدل ما اسكتك أنا بطريقتى."
فصرخ مجدى قائلا باستعطاف:
"ارجوك سبنا نمشى."
"حرام عليكم انتو معندكوش عيال.. ليه بتعملوا فينا كده.. حرام عليكم."
"ارجوك.. سبنا نمشى."
فضحك الرجل وقال بسخرية:
"تمشى تروح فين يا عمنا."
وضحك بصوت عالى وقال:
"هو دخول الحمام زى خروجه ولا ايه."
"يلا أهدى انت وهو وبطلوا عياط ده حتى انتم كبار مش عيال يعنى استرجلوا مش كده."
ادهم بخوف:
"انتم هتعملوا فينا ايه؟"
"هتموتونا؟!"
الراجل:
"لا يا حبيبى هنعملكوا شوية تحاليل كده ونطمن عليكم انكوا كويسين."
ادهم:
"وبعدين؟"
الراجل:
"سيب بعدين ديه دلوقتى.. مستعجل على عمرك."
وضحك ضحكة شياطنية، افزعتهم.
ثم أمسك بهم الاثنين، عنوة ولم يأبه لتوسلاتهم ودموعهم.
وادخلهم إلى غرفة للتحاليل الطبية، للتأكد من سلامتهم.
وبعد فراغهم من التحاليل.
ارجعهم إلى نفس الغرفة.
واحضر لهم طعام قائلا:
"يلا اتغذوا عشان يومين كده وتظهر نتيجة التحاليل وتعملوا العملية متبقوووش هفتانيين."
مجدى بذعر:
"عملييييييييييية. لا لا حرااااااام عليكم انا مش عايز امووت."
فضحك الرجل وخرج من الغرفة.
فبكى مجدى و ادهم وبكى كل الاطفال اللى معاهم فى الغرفة.
ادهم:
"بص يا مجدى، انا هقولك حاجة."
مجدى:
"ايه؟"
ادهم:
"كان معلمنى الشيخ حسن الله يرحمه."
"انى لما ازنق ومبقاش عارف اعمل ايه."
"اقول يارب وهو قادر أن يغير الحال."
"فانا هدعى ربنا وانت تأمن على دعائى."
مجدى:
"ماشى يارب."
ادهم:
"يارب نجنا من اللى احنا فيه ده يارب.. استغيث بيك.. انا معملتش اى ذنب."
"ذنبى الوحيد انى جيت الدنيا الغدارة دى اللىة مشفتش منها يوم حلو.. يارب ارحمنا برحمتك ونجينا."
وهكذا قضوا الليلة بين البكاء والتضرع لله انهم ينجيهم.
وعندما أشرقت الشمس لتعلن يوم جديد.
كان هناك شاب يهوى صيد الاسماك على المصرف.
وعندما ألقى السنارة.. شبكت فى الحبل الملفوف فيه جثة الطفل.
فبيشد.. بيحسبها سمكة كبيرة.. فنادى على حد يشد معاه فبيشدوا.. طلع معاهم جثة الطفل الملفوف فى الملاية.
اتخض الشابين من المنظر واخدوا الملاية الملفوفة وفتحوها لقوا طفل ميت مفتوح بطنه ومتاخد منه اعضاؤه.
الشاب بذعر:
"لا حول ولا قوة الا بالله.. حسبنا الله ونعم الوكيل."
"مين بس اللى يقدر يعمل كده فى طفل برىء زى ده."
واتصلوا بالبوليس.
فجاءت قوة الشرطة سريعا ملبية النداء للتحقيق فى الواقعة.
وعاينوا الجثة.
ثم أخذوا اقوال الشهود.
وادلى الشابين بأقوالهم.
وجارى البحث عن الجانى.
...
ولحسن الحظ ان كانت هناك كاميرا مراقبة فى احد المحلات بجانب المصرف.
ففرغوها ورأوا.. ان توكتوك جه ونزل منه راجل كان شايل جثة الطفل ورماها فى المصرف.
وبقدر الله وشه كان واضح فيها وتعرف عليه احد الظباط لانه معروف ومسجل خطر ولسه طالع من السجن بقاله شهرين واسمه حمادة الشحات.
وجه امر بالقبض عليه على وجه السرعة عشان هو بداية الخيط للتعرف على اعضاء خلية الاتجار بالاعضاء البشرية.
بس.. يا ترى هيلحقوا يوصلوا لادهم ومجدى قبل ميدخلوا عمليات ولا ولا هيكون القدر نفذ؟
رواية ليست خطيئتي الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد
اتجهت قوات الأمن لمنزل المتهم حمادة الشحات وقامت بالقبض عليه بتهمة الاتجار بالأعضاء البشرية وقتل أنفس بدون ذنب.
أنكر حمادة الشحات أنه قام بتلك الجريمة، ولكن بعد مواجهته بالأدلة وعرض عليه فيديو كاميرا المراقبة، انهار واعترف بكل تفاصيل الجريمة.
حمادة بحزن: أنا بريء من قتله يا باشا، أنا بس رميت جثته مش أكتر من كده، صدقني.
أما اللي عمل كده فيه الدكتور محيي وأعوانه يا باشا.
وكيل النيابة: وفين الدكتور ده؟
حمادة: أنا هقولك يا بيه على كل حاجة، مهو خلاص كده كل شيء انكشف وبان.
ووصف حمادة بالتفصيل مكان تلك الشقة النائية. واتجهت بسرعة عربيات الشرطة لمكان الشقة المحددة.
في الوقت الذي كان الدكتور واخد أدهم وبيجهزه للعملية، وكان أدهم بيبكي ويتشهد على روحه، فسمع سرينة عربيات الشرطة.
ولما سمع الدكتور صوت سرينة الشرطة، ساب أدهم وحاول الهرب هو وأعوانه، ولكن كانت هاجمت الشرطة سريعا المكان وقبضوا عليهم.
وأخذت الشرطة كل الأطفال الموجودين، وكان بينهم أدهم ومجدي.
وهنا الشرطة رجعت من الأطفال اللي ليهم آباء وقد أبلغوا باختفائهم، ومنهم من كان أولاد شوارع وتم إيداعهم ملجأ الأيتام مرة أخرى.
أما أدهم ومجدي، فعرف منهم وكيل النيابة حكايتهم، وأنهم خايفين يرجعوا الملجأ تاني عشان عواطف. فطمنهم.
وكيل النيابة: ما تخافوش هنقبض عليها فورًا، ومش هتكون مصدر قلق تاني ليكم.
ففرح أدهم ومجدي وعادوا مرة أخرى إلى دار في سكينة، بعد أن وعدهم وكيل النيابة بالقبض على عواطف.
واتقبض على عواطف وفتحي، واتحكم عليهم بالشغل مع النفاذ 15 سنة، مع أنهم يستهلوا إعدام، لكن جزائهم عند ربنا لسه في الآخرة.
أما دكتور محيي، عشان كان هو المنفذ وأخل بشرف المهنة، فتحكم عليه بالإعدام شنقًا.
مع أني كان نفسي قبل الإعدام ياخدوا منه أعضاؤه كما فعل بأطفال أبرياء.
أدهم: حمد ربنا إنه استجاب لدعائه ونجاه من المحنة اللي كان فيها.
مجدي: الحمد لله إنها جت على قد كده. وعايزين ننتبه لدراستنا ونخرج بقى من الدار ونعيش حياتنا زي الناس.
أدهم: ولو إني نفس أعيش بره الدار يا مجدي، بس خايف أوي من مواجهة الناس والعيش وسطهم وأسئلتهم اللي مش هتنتهي عننا وإنا مين وولاد مين وفين أهلنا، ولما يعرفوا هيتجبونا أو يعيرونا زي ما اتعودنا منهم. يعني هنعاني من التنمر طول عمرنا.
مجدي ببعض من التفائل: وبعدهالك بقى، خلي أملك في ربنا كبير. وتفائل شوية وإن شاء الله ربنا هيكرمنا ونشتغل ونعيش وننسى اللي حصلنا هنا.
أدهم: تفتكر!
مجدي: أفتكر ونص، تحب أعملك عصير يهديك شوية.
أدهم بضحك: هههه عصير تاني، أنا كرهت كل عصير خلاص. وضحك مجدي.
وبمرور الأيام، أصبح مجدي وأدهم في الشهادة الفنية، واجتهد أدهم في الدراسة كثيرًا عن مجدي. ثم حان موعد الامتحانات. وبعد انتهاء اللجنة.
أدهم: إيه الأخبار يا عم مجدي؟ طمني حليت كويس؟
مجدي: الحمد لله، يعني اللي افتكرته، ما أنت عرفني زهايمر. فضحك أدهم.
مجدي: ربنا يفتح عليك.
أدهم: وانت طبعًا دحيح، فأكيد جاوبت كويس.
مجدي: يا عم قول ما شاء الله.
مجدي: لا متخافش أنا مش بحسد، أنا بقر بس.
فضحك أدهم: الحمد لله، المهم النتيجة ونشوف الحال.
وبالفعل، أدهم جاب مجموع كويس يأهله إنه يدخل معهد، ولو اجتهد في المعهد وجاب تقدير كويس هيبقى عنده فرصة يدخل كلية الهندسة.
أما مجدي، فمجموعه كان ضعيف شوية ويدوبك كان ناجح.
دلوقتي أدهم ومجدي خلصوا دراستهم، وإن الأوان يخرجوا بره الدار ويشوفوا الدنيا.
بص أدهم لمجدي وقال: هنعمل إيه دلوقتي؟ مين هيرضى يشغلنا عنده لو عرف ظروفنا. وهنبات فين؟ أنا خايف من مواجهة الناس بره الدار.
مجدي باطمئنان: يا عم أدهم، بطل بقى تقلق من كل حاجة، ربنا عالم بحالنا وهيدبر لنا الأمر إن شاء الله. وما علينا إلا نسعى وندور، وإن شاء الله هنلاقي شغل ومكان نبات فيه.
أدهم: يارب. ولسه بيكمل كلامه.
الأستاذة هدى، مديرة الدار، دخلت عليهم أوضتهم.
هدى: ألف مبروك يا مجدي وأدهم النجاح. وأنتم كنتم مثال مشرف للدار في التربية والأخلاق والتفوق. وهتوحشونا وهيِعز عليَّ فراقكم، أنتم بمثابة أولادي وبحبكم والله.
وعشان كده أنا كلمت أخويا عنده مصنع ملابس وقلت له عليكم، وهو مستعد من بكرة تروحوا تشتغلوا هناك وتبدأوا طريقكم.
أما بالنسبة للسكن، فهو عنده شقة مخصصها للجايين من محافظات تانية وبيشتغلوا عنده. فهو وافق تقعدوا معاهم.
مقابل خصم جزء بسيط من المرتب.
ها إيه رأيكم؟
أحسن ما كنتم اتبهدلتوا لما تخرجوا وتدوروا على شغل ومأوى.
مجدي بص لأدهم وزي ما قال له: "شفت مش قلت لك ربنا بيدبر الأمر ومش هيسيبنا."
وجرى أدهم ومجدي يبوسوا إيد الأستاذة هدى ويشكروها على صنيعها معاهم.
وهي رفضت يبوسوا إيديها وخدتهم في حضنها.
وقالت: "أنتم أولادي... ربنا يحفظكم ويحميكم، وعايزاكم تشرفوني بره الدار ويقولوا إني عرفت أربي رجالة.
وياريت لما ربنا يوسعها عليكم متنسونيش وتيجوا تزوروني هنا، ومتنسوش إخواتكم اللي هنا وتساعدوهم لحد ما يبقوا رجالة زيكم."
مجدي وأدهم: "ده طبعًا أكيد يا أبلة هدى."
"مش عارفين نقول لك إيه غير ربنا يجازيكِ كل خير يارب."
ونام أدهم ومجدي وهم يحلمون بالمستقبل ويتمنون التوفيق من الله عز وجل.
وفي اليوم التالي جاءت لحظة الوداع، وهي مغادرة أدهم ومجدي لدار الأيتام.
غير مصدقين أنهم أخيرًا سيرون عالمًا مختلفًا وراء هذا السور.
ولكن بقلب خائف من نظرات المجتمع لهم.
وسلم أدهم ومجدي على الأستاذة هدى وعلى باقي المربيات وعلى إخواتهم الموجودين في الدار.
وسلمتهم الأستاذة هدى أوراقهم الشخصية زي شهادة الميلاد وشهادات التعليم وكمان بطاقتهم الشخصية وصور ليهم عشان يقدموها للشغل.
وتوجهوا لمصنع الحور للملابس للحاج ناجي أبو أيمن.
قابلهم الحاج ناجي ورحب بيهم جدًا من حبه لأخته هدى، وكمان عشان شكرت في أخلاقهم وأمانتهم.
وعلى الرغم من معاملة الحاج ناجي الطيبة لهم، غير أن لديه ولدًا عاق غير محبوب.
سيكون شوكة في عنق أدهم.
حيث بدأ حديثه معهم كالتالي:
أيمن: "أهلًا بيكم."
"بس يعني أنتم طالعين من ملجأ الأيتام، يعني حالكم لا يسر عدو ولا حبيب."
"وأكيد يعني لا مؤاخذة اتعلمتوا هناك حاجات يعني مش كويسة أو بتمدوا إيديكم على حاجة."
"فحذارِ يعني تعملوا كده هنا، وإحنا هنراقبكم. هي مش تكية يعني، ده مصنع وشغل، فاهمني طبعًا."
فشعر مجدي وأدهم بالحرج ونكسوا رؤوسهم.
فغضب الحاج ناجي قائلًا:
"إيه بتقول إيه يا ولد؟"
"ميصحش كده."
"بالعكس، عمتك هدى شكرت في أخلاقهم جدًا وهما مش وش كده أبدًا."
"وإياك تقووو..." ولسه هيكمل كلمته.
قطعه أدهم بصوت مخنوق والدمعة في عينيه، بعد ما كانت فرحة تحولت لحزن.
أدهم: "خلاص يا حج ناجي، معلش هو معذور عشان لسه ما يعرفناش."
"ولكن لما يعرفنا ويقرب منا هيعرف إحنا قد إيه كويسين."
"وصحيح، آه إحنا تربية ملجأ."
"بس هو ما يعرفش قد إيه التربية هناك كانت صارمة وبيد من حديد."
أيمن بغيظ مكتوم: "آه، هنبقى نشوف إن شاء الله."
وخرج أيمن غاضبًا لمناصرة والده أدهم.
الحاج ناجي بحرج: "معلش يا ابني."
"ابني ده متهور شوية، بس هو على نياته وميقصدش."
أدهم: "ولا يهمك يا حج، المهم إنك ترضى عنا، وإن شاء الله نكون عند حسن ظنك."
الحاج: "كلك ذوق يا ابني."
"وتعالوا أعرفكم على طبيعة شغلنا وهعرفكم على الريس متولي، رئيس العمال."
"عشان آخر اليوم هيخدكم السكن بتاعكم."
"وهو شقة في بيته في حي الجمالية."
أدهم: "تمام يا حج."
وبالفعل تقابل أدهم ومجدي بالريس متولي.
وفي البداية رحب بهم وفهمهم طبيعة الشغل والآلات الموجودة.
وإنهم هيبتدوا وحدة وحدة من أول السلم، وبعدين مع الوقت هيكبروا ويتعلموا كل حاجة.
مجدي كان مركز مع الريس متولي.
أما أدهم فكان سرحان شوية بسبب قلقه من عالمه الجديد وخايف من العقبات اللي ممكن تواجهه وهو لسه ملهوش خبرة بالحياة.
وسابهم الريس متولي يبتدوا الشغل وراح يتابع هو أشغاله.
مجدي: "ها يا أدهم، أظن الحمد لله اطمنا على شغلنا، وإن شاء الله مع الوقت هنتقدم ونبقى أحسن وأحسن."
أدهم: "بتقول إيه يا مجدي؟"
"إيه كل ده ومسمعتنيش؟ سرحان في إيه؟"
"لا، أرجوك مش كده. ركز، مش من أولها ياخدوا فكرة عننا إننا لعيبة ومش بتوع شغل."
أدهم: "معلش، غصب عني قلقان شوية."
مجدي: "مفيش فايدة فيك يا عمنا."
"افرح شوية بقى وحط القلق ده على جنب شوية، مش كده."
أدهم: "يا ريت أقدر."
وبعد انتهاء اليوم.
جاء الريس متولي إليهم قائلًا: "يلا بينا بقى يا شباب."
"على السكن بتاعكم."
"وهو شقة في البيت اللي ساكن فيه."
ولسه هيخرجوا فلاحظوا الحاج ناجي يشير إليهم من بعيد، فذهبوا إليه مسرعين.
الحاج ناجي: "يارب يكون عجبكم طبيعة شغلنا."
أدهم: "آه الحمد لله، ربنا يزيدك من نعيمه يا حج."
الحاج ناجي: "تسلم لي يا ابني." وطلع من جيبه فلوس وطبقها وحطها في جيب أدهم.
أدهم: "إيه بس ده يا حج؟"
الحاج: "دي حاجة بسيطة ملهاش دعوة بالمرتب."
"لزوم يعني الأكل والشرب عقبال ما تقبضوا إن شاء الله."
أدهم: "كتر خيرك يا حج، والله مش عارفين نقول لك إيه."
الحاج: "متقولوش حاجة."
"ويلا مع ألف سلامة ونشوفكم بكرة على خير إن شاء الله."
واستأذن أدهم ومجدي وذهبوا مع الريس متولي.
حيث السكن في بيته في الجمالية.
وكان ساكن في حي شعبي ومتجوز من شوق، وكان أكبر منها بعشرين سنة.
شوق شابة جميلة تبلغ من العمر عشرين عامًا.
اتجوزت الريس متولي بالرغم إنه أكبر منها بكتير.
ولكنها وافقت على الزواج منه لأنها يتيمة، وليس لديها من يأويها.
وهو أيضًا ابن عمها (فكانت عايزة تستر نفسها بأي شكل من الأشكال).
ولج أدهم ومجدي إلى السكن.
وكان هناك معهم بعض الشباب.
قاموا بالتعرف عليهم.
وكان عددهم أربعة ورحبوا بهم.
استأذن منهم الريس متولي قائلًا: "هسيبكم بقى تتكلموا مع بعض وترتبوا مع بعض أموركم."
"عشان تعبان وعايز أطلع أستريح."
أدهم: "ألف سلامة عليك يا ريس، اتفضل في أمان الله."
وعندما غادر متولي، ضحك أحد زملائه في السكن ويدعى عزت وقال:
"ههههه مستعجل عشان جميلة الجميلات، شوق."
"واه من شوووق."
أدهم بتعجب: "مين شوووق؟"
عزت: "دي مراته، بس إيه صاروخ يا عم أدهم."
"حتة مهلبية على قشطة كده."
فقطب أدهم جبينه قائلًا: "بس كده مينفعش يا عزت."
"نتكلم على واحدة متجوزة بالشكل ده، ميصحش."
عزت: "اصلك مشوفتهاش لسه."
"لما تشوفها هتعذرني."
أدهم: "مش عايز أشوفها ومتهمنيش أصلًا."
"أنا هنا عشان أنام والصبح أشوف أشغالي."
عزت: "لا شكلك جد أو وملكش في الدلع."
"على العموم براحتك يا عمنا، أنت الخسران."
ثم أخذ عزت يتخيل شوق قائلًا بلوعة: "وحشتني المضروبة أوي."
"أنا مش عارف سي متولي ده إزاي يقدر ينام ويسيب العسل ده لوحده."
فهمس مجدي إلى أدهم: "الموضوع ده شكله فيه إن."
أدهم: "سيبك، مالناش فيه."
"خلينا إحنا في شغلنا وبس."
"ونقول يا رب."
مجدي: "ونعم بالله."
"ربنا يسترها معانا وطمعانين في كرمه."
أدهم: "اللهم آمين."
............
رواية ليست خطيئتي الفصل السابع 7 - بقلم شيماء سعيد
تعجب أدهم من جرأة عزت في الحديث عن شوق زوجة الريس المتولي.
ولم يراعِ أنها زوجة، لأن أدهم رغم تنشئته في دار الأيتام، إلا أنه تربى على الخلق والدين والصلاة.
أدهم بغضب: ميصحش كده يا عزت.
حرام تبصلها أو تكلم عنها بالشكل ده.
عزت بسخرية: حرام إيه يا جدع.
وهي دي وحدة أصلاً تعرف الحرام من الحلال.
ولو إحنا مبصناش هي هتبص.
وبكرة تشوف وتقولي.
وكمان يا أسطا دورك جاي جاي، ومش هتقدر تقاوم أو تغمض عينيك.
استغرب أدهم من كلامه ومكنش فاهم هو يقصد إيه.
بس مردش عليه.
وحس إنه عايز ينام من تعب النهار.
مجدي: يلا بينا يا أدهم ندخل ننام.
وكانت الشقة عبارة عن أوضة وصالة وحمام ومطبخ صغير.
الأوضة فيها أربع سراير.
كل اتنين بيناموا جنب بعض.
فنام أدهم ومجدي على سرير واحد.
***
وفي شقة الريس متولي...
عاتبت شوق زوجها بقولها:
إيه اللي آخرك كده يا راجل النهارده؟
الريس متولي: معلش يا حبيبتي.
كان بس فيه اتنين جداد موصيني عليهم الحاج ناجي اشتغلوا معانا في المصنع.
وجبتهم يسكنوا مع العيال اللي تحت.
واهو كله بثوابه والحاج بيدفع أجرتهم.
حدثت نفسها شوق بقولها: جداد!!
يا ترى شكلهم إيه دول ومنين بالظبط؟
أنا لازم أعرف بنفسي.
شوق بلا مبالاة: وماله يا متولي.. بس متتأخرش تاني عليا.
أنا ببقى قاعدة طول النهار لوحدي ومستنياك.
متولي: حاضر يا حبيبتي.
شوق: أحضر لك الأكل يا خوي.
متولي: يا ريت، ده أنا هموت من الجوع.
شوق: بس كده من عيني الاثنين.
متولي: تسلم عيونك الحلوين.
وبالفعل تناول طعامه بنهم، حتى اكتفى وجلس على الأريكة بارتياحية.
وظل يتثاءب كثيراً، ثم غفلت عيناه.
لتأتي شوق قائلة: إيه انت هتنام يا راجل!
زي كل يوم كده، ما تفوق وتقعد معايا شوية.
متولي: لا أنا فاييييق أهو بس اعمل لنا كوبايتين شاي وأنا هصهلل معاكي يا جميل.
شوق: بس على الله أرجع ألاقيك نايم.
متولي: لا متقلقيش.
وأثناء قيامها بإعداد الشاي، سمعت شوق صوت التخـ ـر.
فقالت بانكسار: مفيش فايدة فيه الراجل ده.
طول النهار سيبني وحتى بالليل عمره ما حسسني إني ست ومحتاجة قربه.
وعايزاه زي أي واحدة ست متجوزة.
أعمل إيه هو اللي بيضطرني لكده.
لو كان بيكفيني مكنتش فكرت في غيره.
خلاص مفيش فايدة فيه.
وأنا نازلة الشقة تحت عشان أعرف مين كمان الصيد الجديد، يمكن يدخل مزاجي.
سمع عزت صوت طرق على الباب خفيف.
فتحدث أدهم: أنتم منتظرين حد في الوقت المتأخر ده؟
عزت بلهفة: آه مستنيين الصاروخ اللي بيونسنا كل ليلة.
أدهم: مش فاهم يعني إيه؟
عزت: هتعرف دلوقتي، متستعجلش على رزقك.
هتاخد دورك أكيد.
ثم تابع عزت:
قوم بس وافتح الباب وأنت هتشوف بعينك.
فقام أدهم وفتح الباب، ودخلت شوق.
فرمقته شوق بنظرة إعجاب، ولم تنطق، واكتفت بالنظر إلى ذلك الشاب الوسيم.
أدهم: مين انتي وعايزة إيه في الوقت ده؟
شوق بضحكة مثيرة: أنا الحب يا حلو انت يا حلو.
ثم اقتربت منه وحاولت لمسه، ولكن أدهم صدها.
حتى كادت أن تقع ولكن لحقها عزت بيديه.
فانفعلت شوق وحدثت نفسها بقولها: إيه ده!
أنا أول مرة حتى يصدني كده.
لا ده حكايته حكاية.
وديني ما أنا سايباه.
ويا أنا يا هو.
ثم قالت بانفعال شديد:
انت تعمل كده معايا!!
انت مفكر نفسك مين؟
بكرة تركع تحت رجلي وأنا ساعتها اللي هشوطك بيها.
عزت: معلش أصله خام ومش واخد عليكي.
بكرة.. يتودد لك.
ثم حدث أدهم بقوله: بقه كده يا أدهم دي الست شوق يعني الجمال والرقة والحب.
أدهم بغلظة: وأنا مالي بيها.
ومش عارف إزاي ست زيها مجوزة جاية في نص الليل لشباب قاعدين لوحدهم.
اتقي الله يا ست.
وروحي يلا مطرح ما جيتي.
شوق بغضب: انت هتعمل نفسك مستشيخ ولا إيه؟
لما نشوف يا عم الشيخ ومكنتش تجري ورايا مبقاش أنا شوق.
أنا طالعة سلام يا شيخنا.
عزت: ما تخليكي شوية تنسينا.
ولا أقولك اطلع معاكي أنا.
شوق بنفور: لا خلاص نفسي اتسدت وهطلع اتخمد.
عزت: متزعليش نفسك ده لسه عيل.
شوق: اوف خلاص بقلك سلام ورمت نظرة غاضبة على أدهم ووشها جاب ألوان وطلعت.
أدهم: مين الست هانم دي يا عزت وطلعة فين هي كمان جارتنا إيه الارف ده!
عزت: وطّي صوتك. تسمعك. مش كفاية اللي عملته فيها.
دي يا سيدي تبقى مرات ريسك متولي ولازم تهاودها إلا تخليه يغضب عليك وتنكرش من أول يوم فاهم.
فيا أخويا.. شوف مصلحتك وبلاش الدور اللي أنت عايشه ده.
محدش يرفض يمتع نفسه وأيه ببلاش.
متبقاش قافل ولما تشوفها راضيها بكلمتين عشان أكل عيشك.. اديني نصحتك وابقى افتكر كده.
وأنا داخل أنام تصبح على خير.
أدهم: استغفر الله العظيم.. يعني كمان متجوزة. ودمعت عين أدهم. ودخل لمجدي وهو حزين.
مجدي: مش قولتلك شكلهم زي بعض كلهم وأنا بكرههم كلهم.
هما السبب في اللي إحنا فيه ووصلنا ليه دلوقتي.
أدهم: والعمل يا صاحبي.
دحنا لسه بنقول يا هادي.
مجدي: أوعى ترخى وتذكر قوله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب).
أدهم: ونعم بالله. ربك يدبرها. يلا ننام دلوقتي.
***
تاني يوم نزل الريس مرسي وخبط على شقتهم.
فتح أدهم. وبصله بارتباك وخوف، خصوصاً لما لمح شوق بتبصله من فوق نظرة انتقام وتوعد، ووراها بداية عشق لأدهم.
الريس مرسي: إيه يا عم أدهم من أولها كده ملبستش لسه.
لا الحاج ناجي بيحب المواعيد المظبوطة في الشغل.
أدهم محدثاً نفسه: الحمد لله بيكلم عادي يعني مفيش حاجة عرفها.
أدهم: معلش ثواني أكون جاهز.
الريس مرسي: تمام يا شباب.
عقبال ما أسخن العربية تكون جهزتوا حالكم.
قدامكم خمس دقايق بالظبط.
فارتدوا جميعاً ملابسهم وأسرعوا بالالتحاق بالريس متولي.
ونزلوا واحد واحد وأدهم كان آخرهم.
فوجد من يصدر صوتاً خفيفاً وراءه.
لينظر ورائه فوجد شوق بتغمزله.
فدار عينه بسرعة وجرى يلحق يركب العربية مع زمايله.
شوق بغيظ: إيه هو الواد ده مش هقدر عليه.
ده أنا شوق هوريه وهيجيلي دايب وبكرة نشوف يا أدهم.
في المصنع.. بدأ أدهم في تعليم طريقة الشغل وكان مهمته في البداية تقفيل الملابس وتعبئتها في الأكياس المخصصة.
وكان أدهم إيده سريعة جداً، يعني يقفل عشرة في الوقت اللي زميله بيفيق في واحد لسه.
وده لاحظه الريس متولي وكان معجب بشغله وسرعته جداً.
وعدى الحاج ناجي على العمال عشان يشوف مستوى الشغل ويتابع.
وهو بيعدي وماخدش باله وكان الونش اللي بينزل البضاعة المطلوبة للمصنع المعبأة في كراتين فوق بعض بيستعد ينزل الكراتين للأرض.
والحاج معدي والراجل مش واخد باله فكانت هتقع على دماغه لولا أن أدهم بص في اللحظة دي.
وشاف إنها هتنزل على راس الحاج فجرى عليه ونده بصوت عالي.
خلي بالك يا حاج. ولسه الحاج مش مستوعب فيه إيه.
كان زقه أدهم وفداه ونزلت الكراتين على دماغ أدهم.
واتجمع العمال حواليه يشيلوا الكراتين.
ولقوا أدهم مغمى عليه ودماغه اتفتحت ورجله اتكسرت.
فطلبوا له الإسعاف بسرعة وخدوه للمستشفى بأقصى سرعة عشان ينقذوا حياته من الموت.
وصمم الحاج ناجي رغم اعتراض ابنه أيمن إنه يركب معاه عربية الإسعاف.
أيمن: معقولة يا بابا هتركب مع الولد ده!!
الحاج ناجي: ده أنقذ حياتي يا ابني وده أقل واجب.
أيمن: بس ميصحش سيب أي حد من العمال معاه.
ده ميستهلش وعادي يعني لو راح فيها.
ثم تابع:
هو انت هتعمله علينا بني آدم!!
ده ميتحسبش علينا.
الحاج ناجي: إيه اللي بتقوله ده دي بني آدم زينا زيه.
وأنت معندكش قلب وسيبني يلا عشان نلحقه وننقذه سلام.
وركب معاه الحاج والدموع في عينيه لأنه أنقذ حياته من موت محقق لأنه راجل كبير وماكنش هيستحمل أكيد لو هو اللي وقع عليه الكراتين دي.
ووصلوا المستشفى.. ودخلوه على طول عمليات. والحاج واقف مستني يطمن عليه بره.
وحصلهم الريس مرسي اللي دخل وشاف الحاج واقف بره غرفة العمليات وقال:
خير يا حاج إن شاء الله.
اقعد بس استريح. وإن شاء الله يخرج حد ويطمنا عليه.
الحاج ناجي...
يارب يا متولي.
ده أنقذ حياتي، وأنا اللي كنت غلطان ومش واخد بالي.
وخرج الدكتور، وجرى عليه الحاج وقال: طمنا يا دكتور.
الدكتور: الحمد لله أنقذناه، ولو كنتم اتأخرتوا خمس دقايق كمان كان مات.
الحاج: وهو عامل إيه دلوقتي وحالته إيه؟ طمني.
الدكتور: هو عنده ارتجاج في المخ من أثر اللي وقع عليه، مع جرح في الجبهة تم خياطته وتجميله.
وكمان في كسر في رجله مع جرح شديد شوية، فركبنا له شريحة ومسامير وقفلنا الجرح وعملنا له جبيرة.
الحاج ناجي: ياه، بس الحمد لله إنه لسه عايش، لو كان حصل له حاجة ما كنتش أسامح نفسي أبدًا.
طب يا دكتور، وهيقعد كتير في المستشفى؟
الدكتور: يعني ممكن يخرج بعد أسبوع.
بس لازم يستريح خالص لمدة تلت أسابيع وميحملش على رجله، وبعدها يجي نفك الجبس ونشوف الوضع بقى طبيعي فيها ولا هيحتاج فترة تانية.
الحج متولي: وماله يستريح.
المهم يخف ويرجع طبيعي، وأنا متكفل بكل مصاريفه بإذن الله.
طيب ممكن ندخل نطمن عليه يا دكتور؟
الدكتور: للأسف مينفعش النهاردة عشان هيتحط في العناية لمدة 24 ساعة تحت الملاحظة عشان نطمن وتستقر حالته، وتقدروا تروحوا دلوقتي، وبكرة إن شاء الله يكون خرج لغرفته وتقدروا تدخلوا له وتطمنوا عليه.
الحاج متولي: يارب يا دكتور.
واستأذن الدكتور ومشى.
الريس متولى: يلا بينا بقى يا حج نشوف شغلنا، بدل مش هنقدر ندخله يبقى منضيعش وقتنا ونمشي.
الحاج ناجي: ولو إني كنت عايز أشوفه وأطمن عليه بنفسي.
بس ما باليد حيلة، يلا بينا، بس وصلني للبيت، أنا أعصابي تعبت ومش هقدر أتابع الشغل.
وعندكم أيمن لو احتاجتم أي شيء.
الريس متولي: اللي تشوفه يا حاج، وجمد قلبك كده، والحمد لله إنها جت على قد كده، وقدر ولطف.
الحاج ناجي: الحمد لله.
ووصل الريس متولي الحاج ناجي لبيته، وهو راح المصنع وتجمع حوله العمال يسألوا على أدهم، اللي قدر في يومين يكسب حبهم بأخلاقه، وأخيرًا بشجاعته وفدى الحاج بنفسه.
ومجدي كان بيبكي، وأول ما شاف الريس متولي جرى وقال له: طمني يا ريس.
الريس متولي: خير يا مجدي، خير يا شباب، هو دلوقتي تحت الملاحظة، وبكرة إن شاء الله نطمن عليه، وتعملوا دورية في الزيارة، حد يروح وحد يجي.
العمال: إن شاء الله، ربنا يطمنا عليه.
وعاد متولي للبيت متأخرًا كعادته.
شوق بعتاب: مفيش فايدة، كل يوم تأخير يا متولي.
متولي: اسكتي يا شوق.
متعرفيش اللي حصل النهاردة انتي!
شوق: إيه يا راجل، خير؟
متولي: الواد أدهم الجديد ده اللي قولت لك عليه.
شوق بفزع: إيه، ماله، يخيبه، أوعى يكون سرق حاجة.
متولي: سرق إيه بس، ده في المستشفى بين الحياة والموت.
وهنا انتفضت شوق بذعر: إيه، ليه، حصله إيه؟
وهنا استغرب متولي من خوفها الزائد غير المتوقع ده عشان واحد لسه متعرفوش.
بس يعني مخدتش في باله، وقال يمكن قلبها رهيف حبتين.
شوق: ما تكلم يا متولي، حصله إيه؟
متولي: ده أنقذ الحاج ناجي من إنه يقع عليه كراتين البضاعة بنفسه، ووقعت عليه هو.
وودناه المستشفى ولحقناه في آخر لحظة، ده كان هيروح فيها، وووو.
ولسه بيكمل، راحت قايمة شوق.
متولي: إيه، ريحة فين، مش لسه بكلمك؟
شوق: آه، استنى بس لما أعلق على الأكل وجاية.
متولي: آه، عندك حق، ده أنا هموت من الجوع.
وجريت شوق للمطبخ، وهي بتخفي دموعها، وانهارت لدرجة إنها بقت تلطم على وشها من حزنها على أدهم.
ودعت ربنا: يارب، أنا عارفة إني وحشة وفيه اللي فيه.
بس انت كريم، نجيه يارب.
حتى إن مكنش ليه، يبقى ليه، ده كويس أوي.
وإنا بحبه.
وطلعت الكلمة من غير ما تحس بنفسها، وبعدين استغربت.
وقالت: إزاي اتعلقت بيه بسرعة كده؟
ده كل العيال اللي قبله كان مجرد إرضاء شهوة بس محرومة منها، مش حب كده.
ومفقتش لنفسها إلا على صوت متولي: إيه يا شوق، كل ده بتسخني الأكل؟
يلا أنا جعان أوي.
شوق: آه حاضر، أنا جايه أهو.
وغسلت وشها بسرعة عشان ميبانش عليها أي زعل، وحضرت الأكل وراحت، وعملت نفسها بتاكل بس مش قادرة تبلع اللقمة من قلقها على أدهم.
متولي: تسلم إيديك يا أحلى شوق.
معلش بكرة، لو اتأخرت تعرف إنها على آخر اليوم هروح أطمن على الواد أدهم، ويارب يكون اتحسن.
شوق بصوت ممزوج بالألم مكتوب: آه، إن شاء الله.
وغض متولي في سبات عميق، كعادته كل يوم بعد الأكل.
والغريب.
إن شوق منزلتش للشباب كعادتها كل يوم بعد أن ينام متولي، بل استمرت تفكر في حبيب القلب أدهم.
وكانت تفكر: كيف تستطيع أن تذهب إليه وتطمئن عليه؟
عزت لزملائه في السكن: إيه هي المزة منزلتش النهاردة يعني؟
زميله: ههههه، يمكن متولي طلع راجل من نفسه النهاردة.
ههههه، وضحك الاثنان حتى ناموا.
ولكن مجدي لم يستطع النوم كشوق من فرط القلق على صديق عمره وحبيبه أدهم.
وقام وصلى وبكى بين يدي الله عز وجل أن ينجيه ويشفيه.
طلع النهار، وبيلبس الريس متولي.
وحولت شوق تعرف منه في أي مستشفى أدهم، من غير ما يحس متولي ولا يفكر، إنها عايزة تزوره، وفعلا عرفت توقعه بالكلام، وعرفت مكان المستشفى.
بس ياترى هتروح إزاي؟
وممكن حد يشوفها هناك من العمال، فتكشف وتتفضح قصاد متولي.
ده اللي هنعرفه في الحلقة الجاية بإذن الله.
رواية ليست خطيئتي الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الثامنة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
الحب ليس بيد أحد، بل يقذفه الله في قلوبنا.
ولكن العاقل هو من عرف حقه، وعلم أن الله مطلع على أفعاله، وسيجازيه إن لم يتب إلى الله.
لأن ما في القلب لا يحاسبنا الله عليه، ولكن يحاسبنا على أفعالنا.
أعدت شوق الإفطار لزوجها الريس متولي، وانتظرت بفارغ الصبر أن ينتهي منه حتى يذهب إلى عمله.
ليتيح لها الفرصة بالذهاب إلى أدهم في المستشفى، لكي تطمئن عليه.
وبالفعل ما أن غادر حتى ارتدت ملابسها، واحكمت غطاء وجهها حتى لا يراها أحد فيعرفها في المستشفى.
من عمال المصنع.
وسبحان الله ارتدت زي العفاف وهي من العاهرات. وللأسف هذا حال الكثيرين الآن.
ممن يتخفون وراء النقاب، فتجد من أراد أن يسرق أو يفجر أو يعمل الفاحشة يرتدي النقاب.
ثم للأسف بعد ذلك يلقون اللوم على النقاب أنه السبب وراء تلك الجرائم.
وهل العيب في قطعة قماش أم من يختبئ وراءها؟ أم سنأخذ بذنب قلة منبوذة ملايين من العفيفات يرتدين النقاب.
شوق... وصلت للمستشفى وسألت في الاستعلامات عن أدهم. وعرفت أنه خرج من العناية وودوه غرفة لوحده. فمشت إليها وكان صوت دقات قلبها يعلو صوت خطواتها.
وكان باب الغرفة مقفول فخبطت بحيث لو حد جوه وجي يفتح الباب تعمل نفسها اتلخبطت في رقم الغرفة.
بس خبطت وملقتش استجابة، فعرفت أنه لوحده ففتحت ودخلت.
شافت أدهم... نايم زي الملايكة، بس رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض ووشه فيه علامات الحادث ورجله متعلقة ومجبسة. فحزنت لشـكله وتقدمت بشويش له والدموع تتساقط من عينيها لغاية ما بقت قدامه بالظبط وهو مش حاسس بيها.
ونظرت له نظرة شوق ولهفة. ومحستش بنفسها إلا وهي تلامس شفتيه بشفـايفها في قبلة طويلة منها وكأنها تروي نار تشتعل في قلبها.
تحرك على أثر القبلة أدهم وحاول بصعوبة فتح عينيه وشافها كأنها خيال لا يحدد ملامحها من أثر التعب.
شوق... بنبرة خافتة. وتلمس بيديها، إحداهما يده والأخرى تلاعب صدره وتقول: حمد لله على السلامة يا حبيبي. ألف بعد الشر عليك. إن شاء الله اللي يكرهك.
أدهم... بصوت ضعيف متعب: مين انتي؟
شوق: انت مش عارفني ولا إيه؟ أنا شوق.
أدهم بغضب: إيه اللي جابك هنا؟
امشي اطلعي بره. أنا تعبان وفيه اللي مكفيني.
حرام عليكي.
شوق بحرج: أدهم... معلش أنا غصب عني مستحملتش أسمع إنك تعبان ومجيتش أشوفك.
أدهم: بقولك امشي أرجوكي قبل ما حد يجي يشوفك.
وتجبلي مصيبة أكتر من اللي أنا فيها دلوقتي.
شوق: حاضر... يا حبيبي. ولسه بتوطي عليه تبوسه تاني.
راح قال: ابعدي عني حرام عليكي اللي بتعمليه ده.
أنا مش عايزة أشوفك تاني انتي فاهمة!
شوق: أنا بحبك... يا أدهم صدقني.
أدهم بإنفعال: بتحبني!
انتي وأمثالك ميعرفوش الحب. مبيعرفوش غير طريق الهوى والذل.
اللي بيكون نتيجته طفل يفضل طول عمره يتعذب بذنب هو ما عملوش والدنيا تخبط فيه ويذله الناس وميبقاش ليه سند ولا ضهر ووحيد زي حالاتي كده.
فمش ممكن أبداً أكرر نفس الغلطة وأجيب حد يتعذب زي ما اتعذبت أنا في حياتي.
ويفضل طول عمره شايل وصمة عار، ويتقال له إنه ابن حرام أو تربية ملاجيء.
ثم تابع بقوله:
اطلعي برا.
ومش عايز أشوفك تاني أبداً وانسيني خالص. وياريت تعرفي إن ربنا شايفك ولغاية دلوقتي سترك. فرجعي تاني لربنا قبل ما يكشف ستره عليكي وتنفضحي وتفضحى جوزك اللي سترك في بيته.
انفجر سيل من الدموع من شوق وبكلمات مضطربة:
أناااااااااا غصب عني.
انت متعرفش أنا عايشة إزاي. مع متولي.
وغصب عني قلبي مش بإيدي وحبيتك فمتصدقنيش.
ولسه بتكلم، سمعت صوت بره الغرفة. وإيد الباب بتتحرك فغطت وشها بسرعة.
وقفت ورا الباب، بحيث اللي هيدخل، هـيتجه بوشه لـأدهم على طول وفي لحظتها هي تخرج من غير ما ياخد باله.
وفعلاً اللي دخل كان... مجدي ومعاه عزت. وفي لحظة استغلت إن ضهرهم ليها كانت فص ملح وداب وخرجت من غير ما يشعروا بيها.
مجدي بحب: عامل إيه يا صاحبي؟
إيه اللي جرى لك ده بس؟
حاسس بإيه دلوقتي؟
أدهم باطمئنان: متقلقش يا مجدي أنا بخير الحمد لله.
مجدي: إزاي مقلقش؟
وانت كل حاجة في دنيتي أخويا وصاحبي وكل ما أملك.
أدهم بحب: يا حبيبي يا مجدي. ربنا يخليك ليا.
ومتقلقش أنا زي الفل أهو. حتى شوف. وحاول يقوم أدهم مقدرش.
عزت: معلش انت لازم تستريح شوية ومتجيش على نفسك.
ومتقلقش من المصاريف. أنا سمعت إن الحاج ناجي متكلف بكل فترة علاجك.
أدهم وهو ينظر إلى عزت: ربنا يبارك فيه.
وشكرا يا عزت انت كمان على زيارتك عشان تتطمن عليه.
عزت: لا شكر على واجب. انت انسان جميل وشجاع وعارف ربنا عشان كده نجاك.
أدهم: الحمد لله.
عزت: يلا يا مجدي عشان نرجع المصنع عشان غيرنا يجي يطمن عليه زي ما قال الريس متولي.
وسمع أدهم اسم متولي، وقلق وخاف عشان لو حس أو عرف باللي بتعمله مراته وتكون سبب إنه يسيب الشغل والسكن. وقال في نفسه: ربنا يستر.
وفعلاً مشي مجدي وعزت. وتوالت عليه زيارات العمال عليه طوال اليوم.
واتختمت بزيارة الحاج ناجي، والريس متولي.
الحاج ناجي بإمتنان: أنا مش عارف أشكرك إزاي يبني على اللي عملته.
انت أنقذت حياتي. بس وقعت فيها انت واتصبت بسببي وأنا حاسس بالذنب ومش عارف أعوضك بإيه؟
أدهم: متقولش كده.
وأي حد في مكاني وشافك كان هيعمل كده.
ده واجب علينا. وحضرتك اللي فاتح بيوت ناس ياما.
فربنا يخليك ويبارك في عمرك.
الحاج ناجي: راجل انت قوي يا أدهم، وشهم كمان.
ربنا يبارك فيك، ويسعدك.
ثم تابع بقوله:
أنا عايزك بس تستريح خالص ومتشلش هم حاجة ومرتبك هتاخده بالكامل الشهر ده.
ومصاريفك كلها عليه لغاية ما تطلع بالسلامة.
أدهم: ربنا يجازيك كل خير يا حاج ويزيدك من نعيم الله.
متولي: سلامتك يا أدهم.
شـد حيلك بقى كده بسرعة ومحتاجينك في الشغل يا أبو إيد تتلف في حرير.
أدهم: بخجل من متولي: ربنا يخليك يا ريس متولي.
متولي: مش يلا بقى يا حاج. الوقت اتأخر وعايزين نلحق نروح.
الحاج: أيوه ماشي.
ثم سأل أدهم: محتاج أي شيء يا أدهم؟
قول متكسفش. أنا زي أبوك بالظبط.
أدهم بحرج: سلامتك يا حاج.
ربنا يحفظك بحفظه.
الحاج ناجي:
طيب السلام عليكم.
وهنبقى نيجي نطمن عليك تاني إن شاء الله.
أدهم:
متتعبش نفسك يا حاج.
الحاج: متقولش كده. انت زي أيمن ابني بالظبط. وربنا عالم.
وبالفعل غادروا المستشفى.
ووصل الريس متولي الحاج في بادئ الأمر.
وبعدين هو عاد إلى منزله.
واستقبلته شوق بترقب وحاولت تعرف منه أخبار أدهم بطرق غير مباشرة عشان تطمن عليه. ولما اطمنت. حمدت الله في سرها.
وللتاني يوم متنزلش عند الشباب بعد ما ينام متولي.
استغرب عزت وقال: لا كده الموضوع فيه أن ولازم أعرف فيه إيه. مش عوايدها يعني.
دي كانت جامدة قوي. إيه حصلها؟
وأنا صراحة خلاص أدمنتها ومبقتش أقدر أعيش من غيرها.
وفي اليوم التالي.
تأخر في النوم قاصداً. حتى تفوته الفرصة في الذهاب مع العمال في سيارة الريس متولي.
وعندما تأكد. أنهم بالفعل غادروا.
عزم الأمر على الوصول إلى شوق.
وعندما صعد السلم. سمع مفتاح الباب وهي تغلقه استعداداً للخروج.
وشافها نازلة على السلم. فجرى دخل شقته عشان يشوف هيه رايحة فين بدري كده. وشافها من العين السحرية.
بس استغرب من لبسها وأنها حاطة نقاب بس مرفوع. وأول ما وصلت للشارع نزلته.
عزت بسخرية: إيه ده معقول شوق بقت ستي الحاجة مش مصدق نفسي.
مش معقول مرة واحدة كده يعني. ربنا هداها.
ونقاب كمان. لا كده كتير قوي.
فنزل وراها وشافها وقفت تاكسي. فوقف تاكسي.
وخلاه يتابعها. ولاحظ أن التاكسي بيمشي في طريق المستشفى.
ففهم عزت أنها رايحة لـأدهم.
وقال: من إمتى القلب الحنين ده يا شوق؟ ولا انتي وقعتي في حبه بجد.
وفعلاً. وصلت لشوق للمستشفى. وعزت وراها وهي مش واخدة بالها.
ودخلت على أدهم. وهي بتقول: حبيبي عامل إيه النهاردة؟
أنا شايفة ما شاء الله.
وشك حلو. يعني أكيد اتحسنت شوية. مش كده؟
أدهم بنفور: انتي تاني!
مش قولتلك مش عايز أشوف وشك تاني.
انتي معندكيش دم أوي كده ليه؟
ومش حاسة إنك مجوزة واللي بتعمليه ده غلط وحرام.
شوق بحب: أعمل إيه مش بإيدي.
أنا بحبك يا أدهم بجد صدقني.
أدهم.
بغلظة
انتي إيه جبلة؟ مبتحسيش؟
أنا عمري ما هفكر في واحدة زيك بتبيع نفسها لكل من هب ودب.
شوق بقهر وحزن
بس كفاية. ارجوك.
أعمل إيه يعني؟
بس انت معذور برده. مش عارف ظروف.
ادهم
إيه هي الظروف اللي تخليكي تبيعي نفسك كده؟
شوق
هقولك يا محترم.
أنا اسمي متجوزة على ورق بس.
هو يدوبك قعد فترة كويس وبعدين بقينا زي الأخوات.
ومبقاش حاسس بالنار اللي بتاكل فيه.
وييجي ياكل وينام.
وأنا لسه في عز شبابي ومحتاجة اللي يحتويني ويملى عيني.
ادهم بغلظة
بالحرام.
ما كنتي اتطلقتي منه وشوفتي حالك واتجوزتي أفضل بالحلال.
مش كده؟
شوق بسخرية
أطلق!
مش بقولك انت مش عارف حاجة ولا حاسس بيه.
لو اتطلقت هروح فين؟
أنا مليش حد ولا أهل ولا مكان أعيش فيه.
ادهم
مهما تقولي برده.
مفيش أي مبرر للحرام لأن آخره وحشة صدقيني.
وهو قدامك حلين يا بنت الناس.
يا تعيشي معاه على كده وتصونيه وترضي بحالك أو تتطلقي وتشتغلي لغاية ما يجيلك نصيبك.
بس انتي استسهلتي الحرام وخدتي عليه للأسف.
عشان كده بقولك امشي وإياكي تيجي هنا تاني. انتي فاهمة.
شوق والدموع في عينها
حاضر همشي يا ادهم.
بس مسيرك تحس بالنار اللي في قلبي.
ادهم
أنا ياما استحملت النار دي.
وكان قدامي برده طريق الحرام. بس أنا أموت على أن أعمل حاجة تغضب ربنا.
شوق
وأنا غصب عني.
وبرده غصب عن قلبي حبيتك.
وقبل ما تقول أمشي.
أنا أهو همشي بنفسي.
وفعلاً غادرت شوق.
وطلعت شوق ولكن وجدت من ينتظرها بالخارج.
وهو عزت.
فاتصدمت من هيئته.
وعملت نفسها مش واخده بالها. عشان هو مش هيعرفها بالنقاب.
بس لقيته بيقولها:
ايه حبيب القلب يا شوق عطاكي استمارة ستة ومش عايزك صح؟
ثم تابع بقوله:
ما انتي غلطانة برده. اخترتي سكة غلط.
ادهم بتاع ربنا. مش بتاع مزاج خالص.
شوق بغيظة
اسكت. أنا مش عايزة أسمع ولا كلمة.
كفاية اللي أنا فيه.
عزت
ليه بس يا بنت الناس تعلقي نفسك بحبال دايبة؟
ده عيل ملهوش في الطيب نصيب.
تعالي مع حبيبك عزت.
وأنا هروقك وهنسيكي ادهم واللي جابوه كمان.
شوق بنفور
بقولك إيه!
خلاص خلصنا يا واد. وانسى الموضوع ده وسبني أروح وانت شوف شغلك.
عزت بمكر وضحك
ايه يا ست تبتي إلى الله بسبب عيل.
مش عارف صراحة هو عجبك فيه إيه؟
شوق
ملكش دعوة. وسبني في حالي لو سمحت.
عزت بتهديد
بصي يا سكر.
لو معملتيش كل اللي أنا عايزه بهدوء كده.
فأنا سجلتلك كل كلامك معاه.
وبضغطة زرار أبعتها للريس متولي.
وهو بقا يتصرف معاكي. على حسب هواه يا قطة.
ها إيه رأيك؟ قولتي إيه؟
شوق بانفعال
آه يا واطي. يا دون انت بتهددني أنا!
عزت
اعتبريها زي ما تعتبريها بس يلا بينا عشان قلبي آيد نار يا شوق.
فخافت شوق من الفضيحة.
فما كان منها إلا وافقت خوفا من الفضيحة على الرغم منها.
وخدته عندها في البيت. عشان عرفت إنه متولي دلوقتي في الشغل.
ودخلوا أوضة النوم. وافضى إليها عزت بكل شوقه. لكي يشبع رغبته. في الحرام.
ولكن... حدث ما لم تتوقعه شوق في هذه المرة.
رواية ليست خطيئتي الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
يمهلنا الله كثيراً عندما نقع في المعصية حتى نتوب إليه، ويبعث لنا إشارات بذلك، ويسترنا عن عيون الخلق حتى نرجع إليه.
ولكن هناك نوع من البشر يصرون على المعصية، بل ويجاهرون بها أيضاً.
وعندما يحدث ذلك، يفضح بذنبه ليكون عبرة لمن هو على شاكلته.
وهذا ما حدث مع شوق وعزت.
عندما استجابت شوق له، بعد تهديدها بإبلاغ متولي عن حبها لأدهم، فطاوعته خوفاً من الفضيحة، وياليتها ما فعلت.
فعندما وصلا إلى الشقة، حدثها عزت بقوله:
"يا قلب عزت أنتِ، وربنا. متعرفيش أنا بحبك قد إيه يا بت؟"
شوق بنفور:
"والله بتحبني!! لو كنت بتحبني كنت سبتني في حالي، مش تهددني يا عزت."
عزت:
"مهو يا بت من غيرتي عليكي، عشان تسبيني أنا وتروحي لحتة عيل ميسواش. وياريت عايزك كمان، إلا سايق الشحنة وسملك في بدنك بالكلام."
فشردت شوق في أدهم وهمست:
"آه شوكته عالية عليه أووووي. بس القلب وما يريد، عمري ما قلبي دق إلا له هو وبس. صحيح أنا بقضي وقتي مع الشباب، بس مجرد رغبة وبس، لكن قلبي حب أدهم وبس."
اقترب منها عزت وقبلها بحب وهو يهمس في أذنها:
"الجميل سرحان في إيه؟ لا مش وقته سرحان ده، ركزي معايا يا حب. دي ساعة الحظ متتعوضش."
شوق:
"أنا معاك أهو."
فحملها عزت إلى غرفة النوم، ليقضي منها وِتْرَه فيما حرمه الله عز وجل.
وعندما كان شوق وعزت يتبادلان الهوى، وقع ما لم يكن في حسبان كلاهما، وهو رجوع الزوج الغافل لأنه تناسى أوراق مهمة خاصة بالمصنع، فعاد ليأخذها مرة أخرى.
فتح باب الشقة متولي وولج للداخل، فسمع أصواتاً غريبة وحركات غير طبيعية صادرة من غرفة النوم.
فتسحب ببطء ليرى ما في الأمر.
لتتسع عينه من الصدمة، حيث شاهد زوجته التي أحبها من قلبه، ولم يبخل عليها بشيء، شاهدها على الفراش مع عامل من عماله.
متولي مصدوم وبصوت ممزوج بالقهر:
"يا خاينة يا مجرمة.. ليه كده؟ وكمان مع عيل شغال عندي."
ارتبك عزت وفزع عندما رأى متولي أمامه، فقز سريعاً من الفراش خوفاً من بطش متولي به.
ولكنه لم يجد مهرباً منه سوى الشرفة، ففتحها سريعاً.
وقفز منها بدون تفكير، فشاء القدر أن يقع على رأسه، فيموت في الحال.
فمات عزت منتحراً، ومات مرتكب كبيرة من الكبائر.
فأي خاتمة هذه!! باع دنياه بآخرته، وسيبعث على حاله، وكما فضح في الدنيا سيفضح على سائر الخلائق يوم العرض الأكبر.
أسأل الله لي ولكم حسن الخاتمة.
أما شوق فقد توسلت إلى متولي مراراً وتكراراً قائلة:
"أرجوك يا متولي سامحني، غصب عني. صدقني يا متولي."
متولي بغضب:
"أسامحك على الخيانة يا مجرمة؟ إزاي أسامحك؟ إزاي؟ ليه عملتي كده ليه؟"
شوق ببكاء مرير:
"انت السبب في إهمالك وعجزك يا متولي. فسامحني وأوعدك مش هتتكرر تاني، بس استرني ربنا يسترِك."
فغلت الدماء في عروق متولي لاتهامها له بالعجز، فقال بصوت جهوري أفزعها:
"يا فاجرة! وهي فعلاً آخر مرة، لأن اليوم هيكون آخر يوم في حياتك."
فصرخت شوق واستنجدت بالناس، ولكن كتم صوتها، وبدون شعور حاوط يديه بعنقها، فخنقها رغم استغاثتها وتوسلاتها، ولكنه كان مغيباً عن الوعي.
بعد أن طعنته في شرفه، وأخذت تستغيث إلى أن خفض الصوت وفاضت الروح إلى بارئها.
وبعد أن سكنت في يديه، تركها متولي غير مصدق أنها بالفعل قد ماتت.
فبيحركها يمين شمال، متحركش.
فاذا به يصرخ بجنون:
"شوق.. شوق.. لا مش معقول موتي وسبتيني!! ليه عملتي كده وخلتيني أعمل كده؟ أنا كنت بموت في التراب اللي بتمشي عليه. ليه عملتي كده، ليه؟"
ثم صاح صوته بالصراخ:
"شوووووق!"
فتجمع الجيران تارة عنده، وتارة أخرى حول عزت الملقى شبه عارٍ في الشارع.
ومن غير ما يتكلم متولي، أدرك الناس ماذا حدث، من خيانة شوق لزوجها متولي مع ذلك الشاب عزت.
وتغامزوا قائلين بسخرية:
"شوفي الست طلعت.. استغفر الله العظيم يا رب."
وقال آخرون:
"مهو الغلط على متولي، إنه يجوز بنت صغيرة كده في السن، تشوف نفسها عليه بالشكل ده. ربنا يصبره بقى صراحة. ربنا يستر على بناتنا."
وقال رجل من الجيران لمتولي:
"برافو عليك يا متولي، غسلت شرفك بإيدك. أحسن راحت في داهية ست ناقصة. تستاهل اللي جرالها، ومتزعلش نفسك، شر وراح."
أما متولي فأصابه حالة من الهذيان، وظل يكلم كلام غير مفهوم ويخبط رأسه في الحيط حتى أدماها.
وحاول أحد من الجيران أن يهدئ من روعه، ولكن متولي قاومه، بل أخذ يضربه أيضاً.
فتركه الرجل خوفاً من بطشه.
فقال واحد تاني من الجيران:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. الراجل شكله اتجنن. مهو غصباً عنه، ماهو اللي شافه مش شوية. ربنا يبعد عنا فواجع الأقدار، ويكفينا شر المستخبي."
وبلغ الجيران الشرطة والإسعاف، التي جاءت سريعاً مع الإسعاف ونقلت جثة عزت وشوق، والشرطة أخذت متولي.
وهو قانوناً لن يكون عليه حكم لأنه قتلها دفاعاً عن الشرف، وظبطها متلبسة بالخيانة.
ولكن خدوه لاستكمال الإجراءات.
ولكن عند التحقيق معه، لاحظوا هذيانه وكلماته غير المفهومة، وأخذ يردد:
"شوق يا شوق.. يا حلوة يا شوق.. بس أنا هموتك تاني، عشان انتي كل يوم بتحلوي زيادة."
ولهذا كتب وكيل النيابة أنه فاقد الأهلية، ويجب أن يحول إلى مستشفى الأمراض العقلية.
وبالفعل حولوه إلى مستشفى الأمراض العقلية، لأنه مكنش واعي لنفسه واختلت كلماته، وحاول إيذاء نفسه بعدة طرق بهدف الانتحار أيضاً.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكعادة الناس في نقل الأخبار، كسرعة البرق، حيث وصل الخبر سريعاً للمصنع، أن متولي قد قتل شوق، وعزت مات منتحراً.
فتهمس العمال وخصوصاً الذين يعلمون حقيقة شوق.
أما مجدي، فتراقص فرحاً على موت شوق، وقال:
"أحسن راحت في داهية.. عقبال كل اللي زيها."
ولكنه حزن كثيراً عندما علم بحال متولي، لأنه رجل طيب ولا يستحق ذلك.
وقرر هو والحاج ناجي زيارته في المستشفى للاطمئنان عليه ودعوا له بالشفاء.
تعجب أدهم من عدم زيارة أحد له خلال يومين بكاملهم، فحدث نفسه:
"بقالي يومين محدش جه زارني ولا اطمن عليا. يا ترى فيه إيه؟"
ثم تابع بقوله:
"خير يا رب."
وبعد ذلك اليومين، أتى مجدي لزيارته، ضاحكاً بقوله:
"أخيراً يا أدهم."
أدهم:
"مجدي حبيب قلبي. إيه يا جدع، اللي آخرك عني كده؟ ده أنا كنت قلقان أوي. وبقول يا ترى حصل إيه؟"
مجدي:
"طيب اسمع بس هقولك إيه؟ وانت تعرف أنا اتأخرت عليك ليه."
أدهم:
"طيب قول حصل إيه؟"
مجدي:
"احمد ربنا الأول."
أدهم:
"الحمد لله."
مجدي:
"الحمد لله. ربنا خلصك من الست اللي كانت عايزة تدمرك."
أدهم باندهاش:
"قصدك شوق."
مجدي:
"آه، هي في غيرها."
أدهم بفزع:
"ليه حصلها إيه؟"
مجدي:
"أفشهم متولي، هي وعزت على السرير. فنط عزت من البلكونة نطة، مات فيها. وهي خنقها متولي، لحد ما طلعت الروح."
فغطى أدهم وجهه بيديه حزناً قائلاً:
"ربنا يرحمها. وبلاش نكلم وحش عنها، دي خلاص بقت في ذمة الله."
وحزن أدهم على الريس متولي عندما أبلغه مجدي أنه فقد عقله، وأنه الآن في مستشفى الأمراض النفسية.
أدهم بحزن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. بس يمكن اللي حصله ده رحمة من ربنا، عشان لو بعقله كان هيعيش زينا، محدش طيقه. والناس مش هتسيبه في حاله وهيفضلوا يكلموا عليه."
مجدي:
"سيبك بقى يا عمنا من كل ده دلوقتي. انسى خلاص."
ثم تابع بقوله:
"المهم.. أنت عامل إيه دلوقتي طمني عليك؟ وشد حيلك كده بقى وخف عشان نشوف مستقبلنا."
أدهم:
"الحمد لله.. هما كتبوا لي خروج. بس لازم راحة أسبوعين كده عقبال ما أفك الجبس."
مجدي:
"معلش الحمد لله يعدوا بسرعة، المهم تخرج بالسلامة من هنا."
أدهم:
"إن شاء الله."
ثم فجأة ولج عليهم الحاج ناجي ببشاشة وجه قائلاً:
"يلا يا أدهم. الدكتور خلاص كتب لك خروج."
أدهم:
"الحمد لله، أخيراً. بصراحة قعدة المستشفى صعبة أوي. ربنا يشفي كل مريض."
مجدي:
"اللهم آمين."
ثم حدث الحاج ناجي مجدي قائلاً:
"وانت يا مجدي روح هات هدومكم وحاجاتكم من بيت الريس متولي، ربنا يشفيه ويعافيه."
أدهم متعجباً:
"ليه يا حاج؟ أمال هنروح فين؟"
الحاج ناجي:
"أنا عندي أوضتين في جنينة الفيلا بتاعتي. واحدة للحارس، والتانية هتبقى ليكم إن شاء الله. عشان خلاص بيت الريس متولي جه أخوه واستولى عليه، وزي ما يكون مصدق اللي حصله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. مش عارف الناس جرالها إيه؟"
أدهم بحرج:
"مش عارفين نشكرك إزاي يا حاج ناجي والله؟"
الحاج ناجي:
"لا شكر على واجب، أنتم زي ابني أيمن بالظبط."
ثم تابع بقوله:
"يلا يا مجدي ساعدني يلا نقومه على الكرسي المتحرك ده، ونطلع بيه عشان السواق منتظرنا بره."
مجدي والفرحة مش سايعاه عشان هعيش في مكان نضيف ومنطقة راقية:
"حاضر يا حاج من عينيه الاتنين."
ووصلوا للفيلا، وانبهر أدهم ومجدي من فخامة المكان وجمال الجنينة اللي فيها أجمل الأزهار.
وسند مجدي أدهم ودخلوا أوضتهم، وكانت مجهزة بسريرين وفرش نضيف جداً، وكمان تلفزيون، وفيها دولاب يحطوا فيه حاجاتهم.
نظر إليهم أيمن ابن الحاج ناجي بنظرة غل وحقد من شرفة الفيلا، قائلاً بغضب شديد:
"بقى الأوباش دول هيسكنوا مع أسيادهم؟ عشنا وشوفنا والله. أنا مش عارف طيبة بابا الزايدة دي هتودينا على فين؟ بس مش هسمح لهم يتعدوا حدودهم أكتر من كده معانا، وبكرة يشوفوا مني."
ثم مرت فترة الراحة بسلام، وفك أدهم الجبس.
وعاد بفضل الله المصنع لشغله، وسط ترحيب العمال به بحفاوة شديدة.
وزي ما قلنا، كانت إيديه سريعة جداً في الشغل.
غير أن الحاج، قصده في أنه يحدد قد إيه الإنتاج اللي أنجزوه خلال الشهر اللي فات في المخازن.
وما هي إلا ساعة واحدة ورجع أدهم، وقال للحاج عن العدد الموجود، وحسب له في ثواني الدخل اللي هيعود من البضاعة دي لما تتوزع على التجار.
فانبهر الحاج أيمن بقدرات أدهم الحسابية، وقال له:
"لا أنت تسيب المصنع تحت وتيجي في الحسابات أفضل. أنت ماشاء الله عليك يا ابني دماغك حلوة أوي، وأنا متوقع لك مستقبل حلو أوي، ولو كنت لسه عايش في الدنيا دي هفكرك."
فانحنى أدهم على يد الحاج ناجي يقبلها قائلاً:
"ربنا يبارك في عمرك يا حاج، وأنا صراحة خلاص معدتش قادر أرد جمايلك عليا."
الحاج ناجي:
"مفيش جمايل ولا حاجة، أنت تستاهل أكتر من كده كمان، لأنك شاب جميل وطموح، وهرم لك مستقبل بإذن الله. قول يارب بس."
أدهم:
"يارب."
ففرح جداً أدهم من تلك النقلة الكبيرة (من مجرد عامل لمحاسب) وحمد الله كثيراً أن أخيراً الدنيا هتبتسم له.
ولكنه لا يعلم ماذا يخبئ له القدر، وكأنه اختبار من الله عز وجل ليختبر إيمانه وصبره.
لكن الغيرة والحقد من أيمن جعلته يتمتم:
"أنا حاسس إن كل يوم والتاني أدهم بيقرب من الحاج أكتر وبيحبه جداً، ويمكن كمان بيستشيره أكتر مني شخصياً في كل كبيرة وصغيرة في المصنع. ده قرب يغطي عليا أنا ابنه، وده خطر كبير أوي، وكده اتعدى حدوده معايا، ولازم أحطه عند حدوده، عشان يعرف قدره كويس، ويعرف أنا مين وهو مين؟ تربية الملاجئ ده، لا يمكن يجي في يوم من الأيام ويتساوى بيا أبداً. وبكرة يشوف مين هو أيمن ناجي."
فماذا سيفعل أيمن مع أدهم؟ وهل سيكون عقبة في طريق أحلامه؟ وماذا سيكون رد فعل أدهم على ما سيفعله به أيمن؟ ومجدي ما سيكون دوره في هذا التخطيط؟ وأيضاً الحاج ناجي كيف سيدافع عن أدهم؟
هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله.
نختم بدعاء جميل.
اللهم رزقتني أولادي من غير حول ولا قوة، فاحفظهم بحولك وقوتك، وربهم على عينك، وارزقهم صحبة الأخيار، وارزقني برهم في حياتي وبعد مماتي.
شيماء سعيد
أم فاطمة
رواية ليست خطيئتي الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء سعيد
في فيلا الحاج ناجي.
قام الحاج ناجي بالنداء على سائقه.
السائق: نعم يا حاج، أمرني.
الحاج ناجي: حضّر العربية عقبال ما أجهز، عشان نتوكل على الله ونروح المصنع.
ثم تابع بقوله: ويا ريت تشوف أدهم جهّز نفسه ولا لسه، ولو لسه استعجله عشان محتاج هو يفوت على البنك الأول، وبعدين ترجع تاخدني للمصنع.
السائق: أمرك يا حاج.
سمع أيمن حديث الحاج ناجي والده إلى السائق. فتبدلت تعابير وجهه للغضب قائلاً بحدة:
أيمن: يا بابا مش كده.
الحاج ناجي: هو إيه اللي مش كده يا أيمن؟
أيمن بغيظ: صراحة أنت عطيت الولد ده أكبر من حجمه، وحضرتك نسيت هو اتربى فين؟ فإزاي تديله الثقة دي كلها وتأمنه على فلوسك؟ مش خايف يضحك عليك؟ ويُسرق فلوسنا!!
الحاج ناجي باطمئنان: بالعكس يا أيمن يا ابني. أدهم بالرغم إنه متربي في دار أيتام، لكن يمكن أحسن من اللي اتربى بين أبوه وأمه.
ثم نظر إلى أيمن نظرة حزن على حاله وأخلاقه. ثم تابع بقوله: أنا صراحة مشفتش زيه في أخلاقه ودينه وأمانته وتفانيه في خدمتنا. فلو سمحت، مش عايزك تتكلم عليه تاني بالأسلوب ده.
وروح أنت شوف شوية العيال اللي متلم عليهم وبتسهر معاهم للفجر وبتشرب وبتغضب ربنا. أنا صراحة خايف أموت، وأنت اللي تمسك الشغل، وحاسس إنك هتضيع كل اللي تعبت فيه وعملته كل السنين اللي فاتت دي، إنك تضيع ده كله في لحظة واحدة. فالعكس يا أيمن، الأفضل إنك تقرب من أدهم، لأن هو اللي هينفعك وهيحافظ على تعبنا وشقانا وهيقف جنبك لو حصلي حاجة.
أيمن في نفسه: بقى كل ده في حتة عيل لسه منعرفش ليه أصل ولا فصل؟ بكرة نشوف أنا ابن الأكابر ولا ابن الملاجئ ده؟
أيمن مدافعًا عن نفسه: يا بابا، حضرتك عارف إني شاب لسه وعايز أشوف الدنيا وأسهر وأتمتع بيها وأصرف، أمال لازمتها إيه الفلوس يعني لو ما كنتش أتمتع بيها؟
الحاج ناجي باستياء: يا ابني، هو ينفع تتمتع بالدنيا غير بالحرام بالسكر والمشي مع البنات؟ الدنيا فيها حاجات حلوة كتير لو زينتها بالحلال وقدرت النعمة اللي أنت فيها وحمدت ربنا عليها وزودتها بمجهودك، مش سايب ده كله وماشي ورا شوية عيال بينافقوك عشان تصرف عليهم.
أيمن بنفور: كفاية بقى يا بابا. أنت كل يوم تسمعني الكلمتين دول، أنا مبقتش صغير وعارف مصلحتي.
الحاج ناصحًا له: يا ريت يا ابني تعرف مصلحتك قبل ما يفوت الأوان.
أيمن بلا مبالاة: متشغلش بالك أنت يا حاج بس. أنا زي الفل، بس حضرتك بتحب الجد زيادة عن اللزوم.
الحاج ناجي: ربنا يهديك يا ابني.
وأثناء ذلك ذهب فعلاً السائق مع أدهم للبنك أولاً، كما أمره الحاج ناجي. وأنهى مهمته بنجاح. ثم عاد به السائق مرة أخرى إلى الفيلا، ليتقدم السائق من الحاج بعد وصوله قائلاً:
السائق: تمام يا حاج. وصلت أدهم للبنك وسحب الفلوس اللي هنشتري بيها الماكينات الجديدة للمصنع، وهو مستني في العربية عشان نروح نخلص ونستلم.
الحاج ناجي بابتسامة: تمام، عفارم عليك يا أدهم. بتسهل عليّ أمور كتير، ربنا يبارك لك يا ابني. وربنا يهديك يا أيمن وأشوفك راجل يعتمد عليك زي أدهم.
أيمن بغيظ شديد: هو مفيش غير أدهم والكلام على أدهم؟ أنا ماشي وسيبك أهو الفيلا والمصنع عشان ترتاح من وشي. وكفاية عليك يا سيدي أدهم، تشبع بيه.
الحاج ناجي: لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يهدي نفسك ليك يا ابني.
ثم غادر بالفعل أيمن وخرج يقابل شلته الضائعة في النادي، وهو على وشه تكشيرة.
فواز من شلة أيمن: إيه يا عمنا مالك مكشر كده ليه على الصبح كده من أولها؟
أيمن بغيظ: الولد ده اللي اسمه أدهم اللي بيشتغل عند بابا، هيجنني ومش عارف أعمل إيه؟
فواز: بقى حتة عيل ده يعكر مزاج أيمن بيه؟ معقول.
أيمن: ما أنت مش عارف بيعمل إيه؟ ولا الحاج بيعامله إزاي؟
فواز: إيه بيعمل إيه؟ لده كله؟
أيمن: الولد ده واكل عقل الحاج على الآخر، وبقى إيده في كل حتة في المصنع والحاج بقى يعتبره دراعه اليمين وأنا بقيت ابن القطة السودة. وكل شوية يقارن بيني وبينه ويسم بدني بالكلام ومش عارف هنفضل في الحال ده لغاية امتى؟
فواز: أنت مكبر الموضوع زيادة عن اللزوم. من السهل تخلص منه على فكرة.
أيمن: إيدي على كتفك، إزاي بس؟
فواز بحديث الشيطان: بالعربية. استقصده ماشيين ندوسه ويبقى قتل خطأ، والمحامي بقرشين يطلعنا زي الشعرة من العجين.
أيمن بنفي: لا دم، وقتل، لا. أنا مش وحش للدرجاتي.
فواز: ماشي يا أبو قلب حنين، نشوف حاجة تانية. إيه رأيك نحطله حتتين حشيش على كام برشامة في أوضته ونبلغ البوليس وهو يتسجن وترتاح منه.
أيمن: بس بابا مش هيصدق، لأنه أصلاً حتى السجاير مبيشربهاش.
فواز: غلبتني. امخمخ فكرة تانية. أه لقتها. أنت مش بتقول الواد ده بيروح ويجي على البنك وبيحمل فلوس؟
أيمن: أه.
فواز: خلاص، يبقى هي دي. نستقصده طالع مرة، ونشوف حد من تبعنا إيده خفيفة يخطف منه الشنطة. وهيقعد طبعًا غصب عني واتسرقت، بس إحنا هنخبّي الفلوس في دولابه. وكده هيسقط من نظر الحاج خالص لأنه طمع وسرق. إيه رأيك بقى؟
أيمن بضحك خبيث: أنت ابن شياطين صحيح.
فواز: تلميذك يا صاحبي.
ويضحكان الاثنين بمكر.
فواز: إمتى بقى هيروح تاني البنك عشان نظبط مع صاحبنا اللي هيلطشها منه؟
أيمن: يوم الخميس الجاي آخر الشهر، فلازم يروح يسحب مبلغ عشان يقبض العمال أول الشهر.
فواز: تمام، وكمان قبض العمال؟ ده كده كله هيدعي عليه يا عمنا.
أيمن: يا ريت. ده للأسف كله بيحبه وبيحترمه من الكبير للصغير في المصنع.
فواز: ابسط، بعد العملية دي صورته هتشوه وهينزل في نظرهم.
أيمن: يا ريت.
واتفق الشياطين على الملاك، أدهم، الذي لا ذنب له إلا أمانته واجتهاده وأخلاقه العطرة، ولكن لابد من الابتلاء الذي يمحص المؤمن من المنافق. فثبت يا أدهم على خطاك، فإن ربك لبالمرصاد.
توالت الأيام بالفعل، ويأتي اليوم الموعود.
الحاج ناجي لأدهم: أدهم عايزك تروح البنك تسحب مرتبات العمال. عايزين بالكتير بكرة نكون مقبضين كل العمال، مش عايزين نتأخر عليهم، دول غلابة يا أدهم.
أدهم بحب: آه يا حاج. وحاضر من عينيه الاتنين.
فستأذنه أدهم للذهاب إلى البنك، وبالفعل ذهب إليه ومعه حقيبته التي يضع فيها الأموال. وسحب المبلغ المطلوب، ووضعه في الحقيبة. وغادر البنك بأمان. ولكن ما لم يكن في الحسبان، هو خطة ذلك الفاسق فواز، حيث حضر ذلك الشيطان الثالث أمام البنك وانتظر أدهم حتى خرج من البنك بمفرده. فخطف الشنطة ثم لاذ بالفرار سريعًا لأنه كان ينتظره أيمن وفواز بالسيارة. وعندما سار أدهم عدة خطوات نحو السيارة، وجد من يقف أمامه بدراجة بخارية وقام بشد الشنطة منه سريعًا بقوة بالغة. حاول أدهم مقاومته، ولكن قوة الرجل كانت أكبر. فأخذها منه سريعًا ثم أسرع بالفرار بالدراجة البخارية.
وود أدهم بعد ما حدث ذلك أن تنشق الأرض وتذهب به. ومن صدمته لم يدري ما يفعل؟ فانفجر باكيًا مرددًا:
حسبي الله ونعم الوكيل. هقول إيه دلوقتي للحاج؟ وهيعمل إيه العمال الغلابة المنتظرين بفارغ الصبر أول الشهر عشان يقبضوا؟ آه يا أدهم، أنت ضعت خلاص كده. مفيش فايدة فيكي يا دنيا، كل ما ترفعينى تنزليني تاني لسابع أرض. يارب رحمتك بعبدك الضعيف أدهم.
ولم يجد أدهم أمامه سوى الاتصال بصديق عمره مجدي ليقص له ما حدث لكي يساعده.
أدهم: الوووو يا مجدي الحقني بسرعة.
مجدي بفزع: حصل إيه يا أدهم؟ قول بسرعة.
أدهم: انسرقت يا مجدي، انسرقت. الشنطة اللي فيها فلوس العمال طارت. أعمل إيه يا مجدي في المصيبة دي؟
مجدي بذعر: لا حول ولا قوة إلا بالله. وأنت فين دلوقتي؟ وإزاي اتسرقت؟
أدهم بغصة مريرة: اديني قاعد على الرصيف بعيط زي العيال ومش عارف أعمل إيه؟
مجدي: أنا جايلك حالا، خليك مكانك.
وبالفعل أسرع إليه مجدي، فوجده جالسًا على الرصيف ويضع يده على وجهه ويبكي.
مجدي بحزن على صديق عمره: أدهم، مش كده. أنت راجل، البكا للستات وبس.
أدهم: أعمل إيه؟ أبكتني الدنيا وحالي مش عايز يتعدل.
مجدي: معلش. بس إزاي اتسرقت منك الشنطة؟
أدهم: سرقها واحد راكب موتوسيكل. وقف قدامي فجأة وشدها من إيدي، حاولت أمسكها جامد، مقدرتش. فاخدها وجرى بالموتوسيكل. حاولت أجري وراه، لكن هو اختفى بسرعة. ياريته كان دسني ومات أفضل من كده.
مجدي: استغفر الله العظيم. ليه تقول كده؟ ده قضاء ربنا، وأنت غصب عنك اتسرقت. وهنروح دلوقتي نعمل محضر في القسم وربنا يكرم ونلاقي الحرامي اللي منه لله ده بسرعة.
أدهم: غصب عني، دي مصيبة كبيرة يا مجدي.
وتذكر قول ستنا مريم العذراء: ياليتني مت قبل ذلك وكنت نسيًا منسيًا.
مجدي: هدي بس نفسك شوية، وإن شاء الله يمسكوه البوليس قريب جدًا.
أدهم بنفاذ صبر: ولغاية ما يمسكوه، هقول إيه للحاج دلوقتي؟ يا ترى هيصدق إن اتسرقت فيعذرني ولا هيشك إني طمعت وأخدتهم لنفسي؟ يا ويلك يا أدهم من اللي جاي.
مجدي مطمئنًا له: الحاج بيحبك يا أدهم وبيثق فيك، وأكيد هيصدق. متقلقش.
أدهم: تفتكر؟
مجدي بثقة: أكيد. إن شاء الله. قول يارب بس أنت.
أدهم: ونعم بالله. يارب يارب. أنت العالم بحالي.
مجدي: طيب يلا بينا الآن نروح القسم ونعمل محضر باللي حصل.
وبالفعل ذهبوا إلى القسم. وحدث أدهم ظابطًا بالواقعة. وأخذ منه مواصفات السارق، ومعلومات عن كمية عدد المبلغ المسروق. ثم طلب أدهم من مجدي أن يتصل بالحاج ليعلم حقيقة الأمر.
وبالفعل اتصل مجدي بالحاج ناجي، الذي صدم بما حدث واسترجع الله بقوله: اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها.
الحاج ناجي: أنا جاي القسم حالا، لما أشوف المصيبة دي. ربنا يجيب العواقب سليمة. دي خسارة كبيرة فعلًا.
وبالفعل ذهب الحاج ناجي إلى القسم. ووقف أمامه أدهم بانكسار، ولا يستطيع رفع عينيه إلى عين الحاج.
الحاج غاضبًا: إزاي حصل ده يا أدهم؟ إزاي متخدش بالك؟ دي فلوس العمال!! هنعمل إيه معاهم دلوقتي؟
أدهم لم يستطع الرد من الخجل. فمجدي تكلم: إن شاء الله يا حج البوليس يوصل للعمل كده بسرعة وترجع الفلوس ويقبض العمال.
الحاج ناجي: يا مسهل. وعلى وشه الغضب لأول مرة من أدهم. فحزن أدهم حزنًا كبيرًا لأن هذه أول مرة يغضب منه الحاج ناجي بهذا الشكل، ويكلمه بتلك الطريقة.
في الوقت ده، كان فواز وأيمن والشيطان الثالث معاهم في العربية، يتبادلون الضحكات على ما حدث كأنه نكتة. ويشمت أيمن في أدهم قائلًا: يا ريتني كنت شفت وشه بعد ما قدرت تاخد الشنطة. ولا شكله هيكون إزاي قدام الحاج لما يسأله إزاي ده حصل؟ دي هتكون ليلة جامدة صراحة.
فواز: شوفت بأه دماغي الجامدة. أستاهل إيه بقى؟
أيمن: تستاهل سهرة أنما إيه خمس نجوم.
فواز وهو يسقف بيديه: يا حلاوة سهراتك يا عم أيمن.
أما السارق فقال: وفين نصيبي من العملية دي يا باشا؟
فأخرج له أيمن مبلغ خمسة آلاف جنيه، فتناولها السارق فرحًا، ثم غادر هم ليصرف تلك الأموال على المخدرات للأسف. ما جاء من حرام، صرف في حرام.
فما سيحدث بعد هذه الواقعة؟ وما سيكون رد فعل أدهم على اتهامه بالسرقة؟ وكيف سيتم تبرئته؟ وما سيفعل الحاج ناجي مع ابنه؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله.