تحميل رواية ليست خطيئتي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أليس لي الحق أن أحب وأتزوج من أحب بالحلال الطيب؟ أم تريدون أن أقع معها في الحرام مثلما فعل والدي؟ لأخرج لكم ثمرة أخرى مثلي، منبوذة من المجتمع. تكون الجانية دائمًا رغم أنها الضحية. مجتمع قاسٍ ما زال يتعامل بأفكار قديمة رغم التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة. ما زال يحب الشخص الذي له أصول ونسب وشرف، حتى إن كان الشخص نفسه إمعة. ولكن على العكس من رحمة الله عز وجل، أنه يعامل كل نفس بما قدمت وليس بالشرف والنسب. وأتذكر قول سيد الخلق أجمعين: "لو أنا فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، مع أنها ابنة سي...
رواية ليست خطيئتي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء سعيد
دوام الحال من المحال، ولله في خلقه شؤون.
والعتبة لمن صبر حتى يأتيه وعد الله (إن الله لا يخلف الميعاد).
بعد أن عانى أدهم الكثير من العناء في صغره خلال معيشته في دار الأيتام، ثم خروجه من تلك الدار للعمل في المصنع الذي كان بداية عنقود الخير له.
وفرح بمحبة الحاج ناجي له، وتقدمه في العمل حتى شغل منصبًا مهمًا في المصنع، وأصبح اليد الأولى للحاج ناجي، ويثق به ويأمنه على ماله وحاله.
لكن هذا للأسف لم يدم بسبب غيرة أيمن ابن الحاج ناجي من أدهم.
لأنه أصبح في يوم وليلة مركز اهتمام الحاج بأخلاقه ومهارته في العمل.
أما أيمن فبسبب فساده وكسله ينفر منه الحاج دائمًا، بل ويوبخه كثيرًا ويقارن بينه وبين أدهم.
وهذا لا يعني أنه لا يحب ابنه، بل بالعكس يحبه كثيرًا.
ولكنه يرغب في أن يكون مثل أدهم، لأن كل هذا المال سيعود له في يوم من الأيام.
لذا يخشى أن يضيع تعب السنين في لحظة واحدة بسبب طيشه.
وبسبب هذا أدمن أيمن العداء لأدهم، وفكر كثيرًا في كيفية التخلص منه.
وزرع الشك في قلب الحاج ناجي بعد أن غرس أدهم في قلبه الثقة.
وهذا حدث بالفعل، وساعده فيه صديقه، ذلك الشيطان فواز، الذي فكر في سرقة حقيبة المال المخصص لراتب الموظفين.
عندما انتظر السارق أدهم أمام البنك واستولى على الحقيبة وفر هاربًا.
وعندما بلغ أدهم الشرطة وعلم الحاج ناجي ذهب إليه، ولكن بقلب غير القلب، وبمعاملة غير المعاملة.
فحزن أدهم كثيرًا لذلك، وشعر أنه رجع لنفس النقطة من البداية، وعلى وشك خسران كل شيء.
وعلى عكس حال أدهم كان الشياطين الثلاث، أيمن وفواز والسارق في السيارة يتبادلون الضحكات بسخرية على أدهم.
فواز: وكده يا عم خلصت من البعبع أدهم.
أيمن بفرحة: ياريت والله. بس الحاج يدخل في دماغه أنه فعلاً سرق.
فواز: مهو لما يلاقي الشنطة في دولابه، مية في المية هيصدق طبعًا. وساعتها هتخلص منها نهائي.
ضحك أيمن قائلاً: يسمع من بوقك يا فواز.
السارق: طيب كده تمام يا باشا. أشوف وشك بخير، في عملية تانية قريبة يا باشا.
ثم غادر السارق وغادر فواز.
وعاد أيمن إلى الفيلا في ظل غياب الحاج ناجي وأدهم.
وسار بخطوات بطيئة، وأخذ يتلفت يمينًا ويسارًا، وعندما تأكد أن لا أحد يتبعه أو يراه.
ولج إلى حجرة أدهم في الجنينة، وفتح خزينة الملابس.
وأودع فيها حقيبة المال في مكان مختبئ بعض الشيء في خزينة الملابس.
ولكن يشاء الله أن يرى حارس البوابة عم عبده، أيمن من الشباك وهو يضع الحقيبة في خزينة ملابس أدهم.
ثم خرج أيمن سريعًا.
ولكن وجد أمامه الحارس ينظر له نظرات غريبة.
كأنه يقول له: ماذا كنت تفعل في حجرة أدهم.
وشعر أيمن بالارتباك وأن الحارس قد رآه.
فكسر عن أنيابه وقام بتهديده حتى لا يفشي سره لأحد.
فهدده أيمن بقوله:
عارف يا عبده. لو حد عرف إني دخلت أوضة أدهم. هيكون ده آخر يوم ليك معانا هنا عندنا. ومش كده بس أنا ممكن كمان أخلص عليك بإيدي دي. أنت فاهمني كويس!!
عم عبده: طأطأ رأسه وقال بخوف: فاهم يا بيه، فاهم.
ثم تركه أيمن وصعد إلى غرفته.
وأبدل ملابسه سريعًا، ثم ارتمى إلى الفراش.
لينام نومة هادئة، وكأنه لم يفعل شيئًا.
أو تسبب في حزن وانكسار إنسان، وكأنه لا يعلم أن الله مطلع عليه وسيجازيه على عمله.
ونام أيمن نومًا عميقًا، استعدادًا لسهراته الماجنة في النادي الليلي مع أصدقاء السوء.
وفتيات الليل والسكر والعربدة إلى النهار.
أما أدهم ومجدي، فقد خرجا من القسم.
واستقلا السيارة مع الحاج ناجي.
ولكن هذه المرة لم يتكلم فيهما أحد.
وفضلوا الصمت طوال الطريق.
ثم وصلا أخيرًا إلى الفيلا، في ذلك الجو القاتل الذي كاد يفتك بأدهم.
ثم نزل أدهم ومجدي وولجا إلى غرفتهما.
ولج أدهم مهمومًا حزينًا ولا يكاد ينطق بأي كلمة.
وحاول مجدي كثيرًا أن يهون عليه الأمر، لأنه يشعر بما يدور في داخله.
مجدي: إيه يا صاحبي، فكك بقى وقول يارب. أنت محسسني إن دي أول مرة نشوف حاجة صعبة، وربنا بيعديها. فدي برده هتعدي زيها زي أي حاجة عدت علينا. وبكرة تقول مجدي قال.
أدهم بحزن دفين: بس المرة دي صعبة أوي يا مجدي. أنت مشوفتش نظرات الحاج ليا كانت عاملة إزاي؟ نظراته كلها شك، وأنا مش قادر أبص له من الكسوف.
مجدي: معلش برده، هو غصب عنه، والمبلغ كبير. بس إن شاء الله ربنا يفرجها ويلاقوا السارق. وتستريح.
أدهم: يارب يارب.
مجدي: قوم صلي ركعتين لله حاجة، عشان ربنا يعجل بفرجك.
أدهم: أكيد.
فقام أدهم وتوضأ وصلى لله ركعتين تضرع فيهما بالدعاء بأن يفرج الله كربته ويظهر الحق.
دخل الحاج ناجي الفيلا وهو يحدث نفسه:
معقول اللي حصل ده؟ إزاي الشنطة تتسرق من أدهم بالسهولة دي؟ ياااه ممكن صح يكون زي ما بيقول أيمن. ولكنه استرجع سريعًا وقال: لا إن بعض الظن إثم. أنا مش عارف أدهم ولا إيه؟ ربنا يظهر الحق قريب.
ثم صعد إلى غرفة أيمن، ورآه على فراشه يحاول الاستيقاظ ويتثاءب كسلاً.
الحاج: أنت هنا نايم ومش حاسس باللي حصل.
أيمن بإستغراب مصطنع: إيه خير؟ فيه إيه حصل؟
الحاج ناجي: أدهم.. اتسرقت منه شنطة فلوس أجور العمال وهو طالع من البنك.
أيمن ضاحكًا بسخرية: وانت يعني متأكد يا بابا إنه اتسرق. مش ممكن تكون تمثيلية عملها عليك، ويكون هو اللي أخد الفلوس لنفسه.
الحاج ناجي: لا أدهم ما يعملش كده. أنا جربته كذا مرة وكان بيجبلي الفلوس أو يحط فلوس مينقص منها مليم واحد.
أيمن: يمكن كان بس استدراج عشان يخليك تثق فيه وأول ما تثق فيه يعمل عملته السوداء دي.
الحاج ناجي بتردد وكأن بدأ يصدق كلام أيمن: لا ما أظنش. إحنا لسه عاملين بلاغ في القسم وهنشوف هيقدروا يوصلوا للسارق.. ولا إيه؟
أيمن بخبث: أكيد. برده الشرطة ليها نظرتهم في الأمور دي وزي ما بيدوروا على الحرامي في طريق.. برده هيبقى ليهم طريق مع أدهم.
الحاج ناجي باستفهام: إزاي يعني ده؟
أيمن: عشان أي حد زي أدهم شغال ويتسرق منه فلوس بالطريقة دي بيبقى عندهم احتمالين منهم إنه يكون هو اللي سرق وبيدعي كده. فأكيد هييجوا يتحروا عنه ويفتشوا وراه.
الحاج ناجي: أنا احتترت. المهم ترجع الفلوس بأقصى سرعة عشان الناس اللي مستنية فلوسهم دي.
أيمن: إن شاء الله يا حاج ترجع. دي فلوس حلال ويستحيل تروح بالساهل كده.
الحاج ناجي باندهاش: يا سلام! ومن إمتى العقل ده يا عم أيمن؟!
أيمن: والله أنا مش وحش للدرجة. بس حضرتك مش عاطيني فرصة. أثبتلك إني كويس. على العموم خش أنت استريح وربنا يحلها من عنده. ويمكن البوليس بكرة ولا بعده يوصلوا للسارق، سواء فعلاً أدهم.. أو زي ما بتقول حرامي.
وانتظر أيمن بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تأتي بها الشرطة إلى الفيلا. ليجدوا الشنطة في دولاب أدهم. ليتخلص منه للأبد.
ولم تمر ثلاث ساعات، حتى وصلت الشرطة إلى الفيلا. وده كان برضه بسبب اتصال من أيمن بالليل ليهم إنه بيشك أن أدهم.. هو اللي أخد الفلوس.
وتجمع كل من في الفيلا، وأدهم ومجدي اتجمع في الجنينة مع قوة الشرطة.
الضابط: سئل مين فيكم أدهم؟
أدهم: أنا يا باشا.
الضابط: إحنا جايين نفتش مكان إقامتك. عشان نشوف.. إذا كنت مخبي الفلوس هنا. ولا شايلها في أي مكان تاني. لأننا شاكين إنك اللي أخدتهم مش حرامي زي ما ادعيت.
أدهم بنفي: أنا أسرح.. إزاي.. أنا ما أخدتش حاجة!!
وبص للحاج قائلاً: قولهم يا حاج إن من ساعة ما اشتغلت معاك عمري ما بصيت لمليم مش بتاعي.
لأنه دخل في قلبه الشك من كلام أيمن تجاه أدهم. فشعر أدهم بالانكسار الشديد.
أما أيمن.. كان على وشه السعادة إنه أخيرًا هيتخلص من أدهم للابد.
وبالفعل ولجت الشرطة للغرفة، وقاموا ببعثرة منتقاة. جميعها رأسًا على عقب.
ثم أخيرًا قاموا بتفتيش خزانة الملابس، وألقوا جميع ملابس أدهم في الأرض.
حتى لاحظوا وجود شيء في جانب أحد الأركان.
فولج العسكري بكل جسده داخل الخزينة، فأحضر تلك الحقيبة.
ثم أخرجها للخارج.
فاتسعت عين أدهم بإندهاش قائلاً: إيه اللي جاب الشنطة دي في الدولاب؟ جت إمتى وإزاي؟
فقال الضابط: لا ده أنت اللي تجاوب على السؤال ده.
ثم نظر أيمن إلى أدهم بشماتة.
ثم أشار إلى الحاج بقوله: شوفت يا حاج بعينيك. عشان تقول تاني إنه غير. يعني كنت متوقع إيه من تربية واحد ملاجئ زيه. أهو آخرة الثقة في الناس.
ثم تابع أيمن بقوله لأدهم: مش عيب عليك تخون أمانة الراجل اللي وثق فيك. وكنت عنده زي عيل من عياله بالظبط وأكتر. ليه عملت كده يا أدهم؟ ده جزاء الراجل اللي آواك في بيته، ووفر لك حاجات مكنتش تحلم بيها. وفي الآخر تعض الإيد اللي اتمدت ليك ده. حرام عليك يا أخي. عيب عليك وعلى أمثالك الكلام ده. بس نقول إيه أنت مش ممكن أبدًا تكون ابن حلال. أكيد أنت ابن حرام عشان كده عملت كده.
فانفجر أدهم قائلاً ببكاء: أقسم بالله العظيم ما حصل. والله أنا مظلوم يا حاج. مظلوم.
أيمن بتهكم: قالوا للحرامي احلف قالوا جالوا الفرج.
فاقترب أدهم من الحاج ناجي يستعطفه ويقبل يده قائلاً: والله يا حاج كدب كدب وأنا مظلوم. أنا مش ناكر الجميل أبدًا. وعمري ما أعض الإيد اللي اتمدتلي أبدًا. أنا عمري ما كنت خاين.
الحاج ناجي: للأسف يا أدهم. بعد اللي شوفته بعيني.. مينفعش ادافع عنك تاني.
ثم تابع بقوله: "ليه بس يا ابني عملت كده؟ هو أنا كنت حرمك من حاجة؟ ده أنت كنت عندي زي أيمن بالظبط. أنا صراحة مصدوم فيك يا أدهم."
فلم يجد أدهم ما يقوله بعد ذلك.
ونظر إلى مجدي بإنكسار، فوجده يبكي أيضًا.
لكنه الشخص الوحيد الذي يعلم جيدًا أن أدهم لم يفعل.
الضابط: أظن كفاية كلام كده، واتفضل معانا.
ثم أمر العسكري، أن يقيده بالكلابشات.
ثم قام بدفعه إلى سيارة الشرطة.
بين بكاء مجدي عليه.
الذي أسرع إلى الحاج ناجي وقبل يده قائلاً: والله أدهم مظلوم يا حاج. أدهم بيحبك وعمره ما يعمل كده. وأكيد الشنطة دي كيد من حد مش بيحب أدهم، عشان كده دبر الموضوع ده، وحطها في دولابه.
الحاج ناجي بحزن: أنا مش عارف أصدق غير اللي شوفته بعيني يا ابني. وللأسف أدهم خان العيش والملح. وخد جزاءه خلاص، ربنا يسامحه. بتصرفه ده، هيخليني ما أثقش في أي حد تاني خلاص.
مجدي: يا حاج اسمعني بس.
وهنا ثار أيمن قائلاً: إنت إيه التخاريف اللي بتقولها دي. وانت يعني هتقول إيه؟ لازم تقول كده، عشان صاحبك. وكمان زميلك في الملجأ. ومش بعيد كمان تكونوا مدبرينها سوا. ده أكيد كمان. وأكيد أدهم هيقر ويعترف عليك. ماهو مش معقول يشيل الشيلة لوحده. لازم ياخدك معاه عشان تسليك هناك.
ثم ضحك أيمن بسخرية.
فردد مجدي: حسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم إني مغلوب فانتصر.
أيمن بغلظة: ولغاية يا خفيف، ما يقبضوا عليك انت كمان، ورينا عرض كتافك. مفيش بيات هنا تاني ليك خلاص. قفلناها، ماهي مش تكية. وبابا أصلًا غلطان، إن سمح ليكم تعيشوا العيشة النضيفة دي من الأول. أنتم مكانكم الزريبة لا مؤاخذة.
ثم ضحك ضحكة شيطانية خبيثة.
وردد: عكرتم مزاجي النهاردة، هسيبك بقى يا حاج تتابع شغلك عشان معطلكش، وأنا هروح لأصحابي عشان اتأخرت عليهم.
الحاج ناجي: لا حول ولا قوة إلا بالله. إنت إيه يا ابني معندكش ذرة دم؟ إحنا في إيه ولا في إيه؟ مفروض أنا في كرب وحزن، فمفروض تقف جنبي. مش تسبني وتمشي عشان تلعب وتضحك وتسهر مع صحاب السوء بتوعك دول.
أيمن بغضب: وبعدين بقى. في الكلمتين اللي مالهمش لازمة دول. وكمان أنا صراحة مليش في الحزن. وأحب الفرفشة يا حاج. أقولك يا حاج، ما تيجي تفك نفسك شوية في النادي. وهتنسى الهم ده كله.
فانفعل الحاج ناجي عليه قائلاً: غور من وشي السعادي يا أيمن. مش عارف إنت طالع لمين صراحة. أمك الله يرحمها كانت آية من آيات الله. لكن أنت أعوذ بالله من غضب الله. ربنا يصلح حالك يا ابني.
أيمن بلا مبالاة: طيب ما عطلكش يا حاج.
ثم ذهب مسرعًا إلى أصدقائه. وكأنه لم يظلم أحدًا، ولا يعلم أن الظلم ظلمات يوم القيامة.
رواية ليست خطيئتي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
حينما يجتاح الظلم تسكن إرادة الإنسان وتسقط في بئر الأهوال وتستغيث وما من مغيث للأسف.
كما استغاث أدهم حين ألفقوا له السرقة ولكن ما من مجيب.
بل والأشد من ذلك بالنسبة له أكثر من شدة القبض عليه ظلمًا.
نظرات الحاج ناجي له وكأنه مصدق ما تم تلفيقه له من اتهام بالسرقة.
وعتابه له.. أنه لما فعل هذا بعد ما فعله معه.
أدهم.. والدموع في عينيه.. ويرفع بصره للسماء وكأنه يستغيث.
ويقول: يارب تكالبت عليّ الدنيا وأنت وحدك من تعلم حالي، فهل يا سيدي من فرج قريب.
كما طرد أيمن مجدي قائلًا: يا مجدي.. اتفضل من غير مطرود.. أنا مش عايز أشوف وشكم هنا تاني أبدًا.
بنظرة حزن وحسرة على حال أدهم ومجدي، نظر لهم عم عبده.
وود لو أنه صرخ وقال الحقيقة.. ولكن نظرات أيمن إليه التهديدية جعلته يلتزم الصمت حتى لا يخسر عمله.
حيث لا يوجد عائد مادي له يعينه على نوائب الدهر سوى هذا العمل.
وانطلقت سيارة الشرطة بأدهم إلى القسم للتحقيق معه فيما نُسب إليه.
أما مجدي.. للأسف مكنش ليه مكان يروح ليه.
فاتبهدل في الشوارع.. وكان ينام شوية في المسجد وشوية على الرصيف.. ووصل به الحال من شدة الجوع.
أنه يأكل من الزبالة.
لغاية ما يوم شافه راجل طيب عنده محل سوبر ماركت.. فقرب منه وطبطب عليه وقال له..
يا ابني.. شاب زيك إيه اللي يخليه ينام في الشارع ويأكل من الزبالة.
مش تشتغل أحسن ليه يا ابني وتصرف على نفسك وتاكل لقمة كويسة من عرق جبينك.
ليه سايب نفسك كده؟
فانفجر مجدي من البكاء على ما وصل إليه بعد أن كان يعمل عملًا حلالًا ويسكن في الفيلا.
فكيف انقلب به الحال إلى هذا الأمر مرة واحدة؟
الرجل الطيب وكان اسمه أحمد.. بس بس أنت شكلك حكايتك حكاية.
فأخذه لبيته.. وأدخله إلى الحمام وأحضر له ملابس نظيفة.
فاستحم مجدي بعد ليالٍ طويلة قضاها في الشارع بدون مأوى.
وارتدى الملابس وأخيرًا لاحت ابتسامة على وجهه بعد البكاء ليالٍ طويلة.
حزنًا على أدهم أكثر من الحزن على النوم في الطريق.
ثم خرج ليجد الرجل الطيب أحمد.. قد أحضر له طعامًا شهيًا.
أحمد: اتفضل كل يا ابني. قال: أنت اسمك إيه صح؟
مجدي: أنا مجدي.
أحمد بلطف: عاشت الأسماء يا مجدي.
ثم قال: اتفضل متتكسفش كل لغاية ما تشبع.
فأكل مجدي بشراهة.. بقاله كتير جدًا مأكلش أكل نضيف.
ولما انتهى مجدي من طعامه.. لم يجد شيئًا يشكر به صنيع الرجل إلا أن انحنى ليقبل قدمه.
قائلًا: ربنا يبارك دنيا وآخرة.
ولكن بشهامة الرجل الطيب.. رفض ورفعه وأخذه في حضنه.. وقال له: أنت ابني يا مجدي.
ثم تابع بقوله:
اقعد بس واحكي لي.. احكي لي بقى حكايتك.
فحكاله مجدي حكايته من الولادة ودار الأيتام لغاية يومه هذا.. فتأثر الرجل جدًا.. لغاية ما نزلت الدموع من عينيه.
أحمد: لا حول ولا قوة إلا بالله. ده أنت شوفت وصاحبك أهوال كتيرة. وإيه الناس الظالمة دي مش حاسين إن فيه ربنا وفيه يوم قيامة. حسبي الله ونعم الوكيل.
بس متقلقش يا ابني أنا مش هسيبك للشارع تاني أبدًا.
أنا عندي سوبر ماركت.. هتشتغل فيه وهسمح لك تبات فيه وهجيب لك فرشة تنام عليها وبطانية.
مجدي بامتنان: أنا مش عارف أشكرك إزاي. ربنا يجازيك كل خير.
ثم شرد مجدي في أدهم وحدث نفسه قائلًا: ويا ترى هو عامل إيه دلوقتي؟ وحالته إيه بس؟
وياريت كنت أقدر أعمل له حاجة.. بس مش بإيدي.
أما عن عبده حارس الفيلا.. لم يستطع النوم ليالٍ طويلة.. وتكرر حلمه كثيرًا.
وهو حلم بأن أدهم بيغرق وبينادي عليه ينقذه من الغرق وحس عم عبده بتأنيب الضمير.
وحس أن الحلم ده إشارة له من ربنا.. أنه يتكلم وينقذ الإنسان البريء أدهم من الظلم الذي تعرض له.
أدهم.. اتعذب وانضرب كتير في القسم عشان كان مصمم إنه مسرقش وإن فيه حد هو اللي حطله الشنطة دي أكيد في دولابه.
لكن محدش صدقه واتعرض لأسوأ أنواع الإهانة.. والذل في الحبس.
الظابط: ها برده لسه مصمم يا أدهم إنك مش أنت اللي سرقت الشنطة.
أدهم بضعف من كثرة الضرب: أيوا يا باشا.
مش هقول حاجة معملتهاش.
الظابط: طيب يا خفيف.. أبقت قوات الكلام ده في النيابة.. ولا أقولك كمان في المحكمة.. وشوف مين يصدقك.
واتعرض أدهم على النيابة.. اللي أصر فيها على أقواله.
فحولت قضيته للمحكمة واتحددت جلسة وحضر فيها الحاج ناجي وأيمن.
وكيل النيابة بكل قسوة أمام القضاة: أطلب من سيادتكم توقيع أقصى عقوبة على المتهم.. لسرقته وانتهاك الأمانة.. لرجل وثق به وكان بالنسبة له ابنًا بعد ابنه.
القاضي لأدهم: هل لديك أقوال أخرى يا أدهم.
أدهم: أشهد الله إن عمري ما إيدي لمست حرام أبدًا.. وإني مسرقتش الفلوس.
وإن حد بيكرهني أكيد هو اللي حطلي الشنطة في الدولاب.
وكيل النيابة بغلظة: لا تسمعوا لهذا الهراء.
فإنه ضبطت عنده شنطة الفلوس اللي سرقها وخبأها في دولابه ومفيش دليل واحد يثبت براءته مما ادعى وأطالب بأقصى العقوبة على المتهم.
القاضي: حكمت المحكمة حضوريًا.. على المتهم أدهم بالسجن.. ولسه بيكمل.. فدخل فجأة عم عبده.. وقال بصوت عالٍ: استنى يا حضرة القاضي.. ارجوك.
اضطرب أيمن وخاف.
وبدأ ينظر لعم عبده نظرات توعد لعله يرجع في كلامه ولكن عم عبده اتكلم لم يعره اهتمام.
القاضي: عايز تقول إيه يا راجل أنت وإيه صلتك بالمتهم والقضية.
عم عبده: أنا حارس فيلا الحاج ناجي.
القاضي: طيب اقسم بالله أنك تقول الحقيقة.
عم عبده: أقسم بالله يا باشا.
القاضي: طيب اتفضل قول.
عم عبده: يوم الجريمة يا باشا..
وقبل ما ييجي الحاج ناجي وأدهم.
أنا شفت أيمن بيه.. وهو في أوضة أدهم وبيخبّي حاجة في دولابه.
ولما شفتني وعرفت إني شوفته.
هددني إنه يقطع لقمة عيشي فعشان كده سكت الفترة اللي فاتت.
بس مقدرتش أسكت أكتر من كده وأنا شايف شاب زي الورد مفيش في أخلاقه ولا إنسانيته زي أدهم بيضيع.
أدهم بريء يا باشا.
هنا اتقلبت المحكمة وعلت الأصوات.
ونظر الحاج ناجي لأيمن.. وقال له.. الكلام ده صحيح يا أيمن!!
أيمن بجلجلة واضطراب: ده كداب يا بابا اوعى تصدقه.
العم عبده: لا يا أيمن بيه.. أنت متعرفش إن في كل حتة في الفيلا والجنينة فيها كاميرا مراقبة وخليت الباش مهندس جوز بنتي ينزلها على الموبايل عشان عارف إنك هتنكر كلامي ده.. فعملت حسابي.
القاضي: لو سمحت هات الدليل اللي معاك.
عم عبده:
اتفضل وشوف بنفسك يا سيادة القاضي.
وفعلاً.. شاف القاضي الفيديو.
فتهلل وجه أدهم بالفرح.. وسجد شاكرًا لله لظهور الحق.
الحاج ناجي: صحيح الكلام ده يا أيمن!!
أيمن بندم: اعمل إيه غصب عني ما أنت فضلتُه عليّ ومسكته كل حاجة.
وحسيت إني مبقاليش مكان في قلبك وديما تقلل مني وتهيني فكنت عايز أبعده عن طريقي بأي طريقة.
الحاج ناجي: وملقتش حاجة غير بالظلم يا ابني.
متعرفش إن الظلم يا ابني ظلمات يوم القيامة.
القاضي: بعد ظهور الدليل في القضية حكمنا ببراءة المتهم أدهم مما نُسب إليه وحكمنا على المدعو أيمن ناجي بالسجن سنتين للاحتياط والادعاء الكاذب.
وبالفعل تم القبض على أيمن.
الذي استغاث بوالده.. لكن الحاج ناجي نظر له بحزن وحسرة.
وقال: يمكن السجن يا ابني يربيك وتتعلم منه اللي فشلت أنا فيه.
واتحبس أيمن.. عشان يجني اللي زرعه من ظلم تجاه أيمن.
وزي ما قالوا:
ولابد من يوم مكتوب.. تترد فيه المظالم.
أبيض على كل مظلوم.. وأسود على كل ظالم.
وأخيرًا.. خرج أدهم.. وقابله الحاج ناجي وحاول يرجعه لشغله والفيلا.
ولكن أدهم رفض.. وقال: مش هقدر أرجع بعد ما صورتي اتشوهت بين الناس.
الحاج ناجي: بس خلاص يا أدهم.. ثبتت براءتك يا ابني.
وأنا بعتذر لك عن كل اللي حصل ونبدأ صفحة جديدة.
أدهم بحزن: صعب يا حاج.
والله كان نفسي.
بس وضعي بقى محرج جدًا مع أيمن بيه ومش هينفع أستمر معاه.
الحاج ناجي: معلش سامحه ده عيل طايش من يومه.
أدهم: مسامحه عشان خاطر المعروف اللي عملته معايا.
بس خليك جنبه وقوم له محامي شاطر وأنا هتنازل عن حقي.
أيمن بيه مش وش سجون ولا هيستحمل العيشة جوه.. أنا جربت.. وربنا ما يكتبها على حد.
الحاج ناجي: أنت طيب وشهم قوي يا أدهم وياريت كان أيمن في ربع أخلاقك دي.
لكن للأسف أنا السبب، دلعته زيادة عن اللزوم عشان ابني الوحيد.
وكل طلباته كانت مجابة وسبته يعمل اللي هو عايزه، وده غلط مني.
كان لازم أعلمه الصح من الغلط وأعلمه الاعتماد على نفسه.
ومش كل طلباته تبقى مجابة، عشان كده اتعلم الأنانية للأسف.
أدهم: معلش، يمكن اللي حصل له دلوقتي يكون خير ويتعلم منه.
وحضرتك احتويه وحسسه بحبك وقربك منه، ومش كل شوية تعاتبه. وإن شاء الله يبقى أحسن إنسان في الدنيا.
الحاج ناجي: يا رب يا أدهم.
أدهم: هو فين مجدي يا حاج؟
ليه مجاش معاك؟
الحاج ناجي: (باحراج وخجل) مش عارف والله للأسف. أيمن ابني طرده يوم ما خدوك، ومعرفش راح فين.
أدهم: (اتصدم وكان هيقع من طوله، ومسكه الحاج وقعده) قال: قد إيه كنت بتحبه.
أدهم: (بإنكسار) مجدي ده مش مجرد صديق. ده كل حياتي وكل اللي طلعت بيهم من الدنيا ومعرفش غيره فيها.
يا ترى إنت فين دلوقتي يا مجدي؟
ثم تابع بقوله:
أدهم: بعد إذنك يا حاج أنا همشي.
الحاج ناجي: هتروح فين بس؟
وأنا عارف إن ملكش حد ولا مكان تروح فيه.
أدهم: أرض الله واسعة وربنا كريم.
الحاج ناجي: لا يا أدهم مش هسيبك.
ولو مش عايز المصنع والفيلا، أنا عندي بديل ليهم.
أدهم: (باندهاش) إيه هو البديل ده يا حاج؟
الحاج ناجي: أنا عندي محل بتاعي على قد كده.
بس كان وش الخير عليه.
وإن شاء الله برده يكون وش الخير عليك.
كان أول حاجة امتلكها وفي مكان حلو ومناسب، بس قفلته من فترة كبيرة لانشغالي بالمصنع.
بس مفرطتش فيه لأنه غالي عليا وكان وش الخير بالنسبالي زي ما قلتلك، وإن شاء الله يكون وش الخير ليك ويعوضك عن اللي شفته.
وأنا عليه هأموله بضاعة من المصنع.
أدهم: بس أنا مش معايا فلوس أشتري المحل ولا أدفع تمن البضاعة.
ولا هقبل آخد حاجة مش من حقي.
الحاج ناجي: أنا عارف إنك حاسس يا أدهم.
ومش هتقبل أقولك إنه هدية مني ليك بالبضاعة.
فالحل إنك تعتبره إيجار.
ومن الرزق اللي هيطلعلك منه.
تبقى تديني منه، ومش طالب إيجار كتير.
وحكاله مبلغ رمزي جداً.
أما السكن يا أدهم، فأنا الحمد لله عندي عمارة. هوصفلك العنوان.
وهكلم لك الحارس بتاعها، فهو معاه مفتاح للشقة اللي فاضية فيها.
وهتعجبك أوي إن شاء الله.
أدهم: (بإمتنان) بس يا حاج ده كتير عليا ومش هقدر أوفي جميلك عليا كده.
الحاج ناجي: جمايل إيه بس!
ده أنا اللي مديلك بحياتي مرة.
والله عمله فيك ابني أيمن مرة.
أدهم: لا يا حاج متقولش كده.
حضرتك غالي عليا جداً، وأيمن مهما عمل فهو زي أخويا.
الحاج ناجي: ربنا يبارك لك يا ابني.
ثم تابع بقوله:
الحاج ناجي: ودلوقتي هخلي السواق يوصلك للشقة.
انت الأول واطمن عليك وبعدين يروحني.
ووصل فعلاً أدهم للشقة وكانت مجهزة من كل شيء، أجهزة وفرش نضيف.
فدخل بقدمه اليمين، وسجد لله سجدة شكر طويلة، يحمده على استجابة دعاه، وستره ونجاته من كل محنة اتعرض لها في حياته.
وقضى أدهم الليلة يفكر في مجدي، وإزاي هيوصله عشان يشاركه حياته الجديدة.
زي ما هو متعود يكون معاه في كل حاجة على الحلوة والمرة.
وجه النهار، وراح أدهم يشوف المحل اللي وصفهوله الحاج وعطاله مفاتيحه.
واتفاجأ إنه في مكان جميل والحركة فيه حلوة، يعني هيشتغل بأمر الله.
وشوية وجت عربية محملة من كل أنواع الملابس حريمي وأطفال مختلفة للخروج.
فحمل أدهم الملابس، وساعده واحد من العمال اللي يعرفهم في المصنع في تنضيف المحل.
ورص البضاعة في الرفوف وفي الشمعات المعلقة.
وتلبيس الموديل اللي في الفترينة.
وكان على آخر النهار، كله تمام ومظبوط بفضل الله.
ولا يتبقى سوى الإعلان عن موعد الافتتاح للمحل.
بس أدهم كان متردد يقدم على الخطوة دي بدون صديق عمره مجدي.
أدهم: يا رب ألاقيك يا مجدي.
متعرفش أنا محتاج لك قد إيه يا صاحبي وأخويا وأبويا.
يا ترى هيلاقيه ولا هيحصل إيه تاني؟
رواية ليست خطيئتي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء سعيد
جميل ان يكون لك صاحب يشاركك كل صغير وكبير في حياتك ويدعمك وقت الحاجة فيكون نعم السند لك ويهديك النصيحة إذا اخطئت.
فالصديق الحق كالأخ لا تستطيع الانفصال عنه.
انتظر ادهم كثيرًا على افتتاح المحل لأنه لا يستطيع الإقدام على تلك الخطوة بدون مجدي.
فهو كان معه في كل اللحظات فكيف يفعل ذلك بدونه.
ولكن حدثه الحاج ناجي أن لا يضيع الوقت هباءً ويعمل الافتتاح حتى يبدأ العمل وعليه أن يدعو الله عز وجل أن يجمعه بصديقه مجدي.
وهو ولي ذلك والقادر عليه.
ادهم بحزن: حاضر يا حاج زي ما تحب.
الحاج ناجي: يا ابني أنا مقدر شعورك بس يعني الموضوع ملهوش دعوة بالافتتاح والشغل.
وأنا قلبي حاسس والله إنك هتلاقيه قريب.
ادهم: يارب يا حاج بسمع من بوقك ربنا.
وبالفعل تم الإعلان عن يوم الافتتاح.
ولكن ادهم كان شاردًا في مجدي يوم الافتتاح وحدّث نفسه: كنت أتمنى يجي اليوم وتكون معايا يا مجدي.
وفي صباح يوم الافتتاح، بعث الحاج ناجي إلى أدهم مجموعة من الزهور، وأيضًا كهربائي يعلق الأنوار وسماعات كبيرة لتبث آيات من الذكر الحكيم.
ورفض ادهم الأغاني حتى لا يبدأ عمله بمعصية الله فتزول البركة.
أدهم: يارب وفقني، واجعلها فاتحة خير يارب.
وأظن كده كل حاجة تمام، ربنا يبارك لك يا حج ناجي مسبتش حاجة محتاجها إلا وعملتها.
أدهم: آه بس لسه حاجة، فين كرم الضيافة؟ لازم أجيب جاتوه وحاجة ساقعة.
وفعلًا ذهب لشراء قطع الجاتوه.
ثم قال: فاضل الساقع.
فتوجه إلى أقرب سوبر ماركت كان في طريقه.
فوضع في الباسكت عدد ٣ صندوق من الكانز، ثم توجه نحو الكاشير ليدفع ثمن ما اشترى.
ليقف مصدومًا عندما رأى أن الكاشير هو صديق العمر وحبيب القلب مجدي.
حينها لم تنطق الكلمات بل نزلت العبرات.
وظل الاثنان ينظرون لبعضهما البعض دون تصديق.
ثم تلاقى الاثنان في حضن عميق كما تلاقت به القلوب قبل الأجسام من الشوق لرفيق الدرب.
أدهم بحب: أخيرًا يا مجدي لقيتك، سبحانك يا ربي.
ده أنا كنت محتاجك أوي جنبي خاصة النهارده.
مجدى: أدهم، حبيبي، حمد الله على السلامة.
أنا مش مصدق إني شايفك قدامي، وبخير.
متتصورش أنا تعبت إزاي من ساعة ما فرقونا عن بعض.
بس أنت احكيلي إزاي طلعت من السجن بعد فترة قصيرة كده.
فبدأ ادهم يقص عليه ما حدث أثناء المحكمة وشهادة عم عبده معه، ثم براءته وإدانة ايمن ودخوله السجن.
ثم رفض الرجوع إلى المصنع والفيلا.
ثم حكاية المحل والشقة الجديدة إلى أن رآه.
فتهلل وجه مجدي قائلًا: الله أكبر ولله الحمد.
ده ربنا كريم أوي وحنين أوي.
اللهم لك الحمد.
أخيرًا، هيكون ليك مكان تشتغل فيه ومفيش مرؤوس ليك يوديك ويجيبك وتبدأ حياتك بقى يا أدهومي من جديد.
أدهم بحب: مكان ولوحدي إيه؟
أنا ما صدقت لقيتك ومش هسيبك.
أنا محتاجك جنبي.
واحنا طول عمرنا على الحلوة والمرة مع بعض.
يلا بينا سيب السوبر ماركت.
وهتيجي تقف معايا ونشتغل مع بعض.
مجدى بخجل مع مزيج من الحب والفرحة.
احتضن أدهم تاني.
قائلًا: ربنا يخليك ليا يا أخويا وصاحبي وحاضر مش هسيبك أبدًا.
ولكنه استأذنه قبل أن يذهب معه.
أن يذهب إلى صاحب السوبر ماركت ليشكرها على صنيعه معه وأن عمره ما هينساه أبدًا.
بس هو مضطر يمشي عشان يقف مع صديق عمره أدهم ليبدأوا حياتهم الجديدة بتوفيق من رب العالمين.
تقبل الحاج أحمد الأمر لأنه عارف مدى قوة العلاقة بين الاثنين ودعا لهما بالتوفيق والبركة وسعة الرزق.
أدهم: يلا يا عم مجدي، نشوف شغلنا.
مجدى بسعادة: يلا يا أخويا.
وتم الافتتاح، الذي حضره الحاج ناجي وأخته مديرة الدار الأستاذة هدى.
وبعض من العمال المقربين من أدهم.
طالع الحاج ناجي مجدي بفرحة واقترب منه مردفًا بندم: الحمد لله يا ابني إنكم اتجمعوا تاني مع بعض، وعايزك تسامحني، دي كانت لحظة شيطان وعارف إن ابني السبب في اللي حصلك ده.
مجدى بحرج: كل ابتلاء ربنا حلو يا حاج، وأهو الحمد لله كرمه واسع عشان يكرمنا بخير أكبر وأحسن.
وإحنا اللي نشكرك يا حاج على كل حاجة عملتها عشانا.
الحاج ناجى: الشكر لله يا ابني، كله من فضل الله.
ثم تركه الحاج وجلس شاردًا في ماضيه وهو ينظر إلى أدهم.
وبيفتكر شبابه عندما كان في عمر أدهم.
كان بيحب الشغل جدًا، حتى فتح الله عليه من الرزق الوفير.
ومن محل صغير إلى أن أصبح الحاج ناجي صاحب المصنع والمخازن والعمارات.
الحاج: في نفسه، ياريت ايمن ابني كان زي ادهم بس للأسف.
قلت هيتعلم من تجربة السجن ولكن للأسف طلع ناقم أكتر وأشد انحرافًا، ربنا يهديك يا ابني.
الحاج ناجى إلى أدهم:
أنا همشي عشان حاسس إني تعبان شوية معلش وربنا يوفقك يا أدهم ثم أناقه بحب.
أدهم بقلق: سلامتك يا حاج، طيب أجي معاك عشان أطمن عليك ونشوف دكتور في سكتنا بالمرة.
الحاج أيمن: لا شوف شغلك أنت.
وشوف الناس اللي جايه عشان تبارك وتهني.
مينفعش تسيبها كده.
ثم تابع بقوله:
أنا بس مرهق شوية ومحتاج أستريح مش أكتر.
سلام دلوقتي.
أدهم: ألف سلامة عليك يا حاج.
ربنا يطمنا عليك.
ورجع أدهم للناس بس قلبه كان مشغول على الحاج أوي.
وفي اليوم التالي اتصل ادهم بالحاج.
وعرف أنه في البيت مخرجش للشغل.
فقال له: أنا هاجي أطمن عليك يا حاج.
الحاج: تنور يا ابني اتفضل بيتك.
وراح فعلًا أدهم الصبح الفيلا، واستقبله أيمن.
أيمن بكبر: إيه اللي جايبك هنا امش أنا مش عايز أشوف خلقتك تاني.
أدهم: أنا عايز أشوف الحاج بعد إذنك وأطمن عليه عشان تعبان.
أيمن: وأنا مش هسمحلك تطلعلُه.
وكفاية عليك اللي عمله معاك.
مش عارف إزاي يعمل كده مع الأشكال اللي زيك.
أدهم بإنكسار: كده طيب متشكرين يا أيمن بيه.
ووصل سلامي للحاج.
أيمن: مع السلامة يا أخويا.
ثم أغلق الباب في وجهه بكبر وغيرة.
مشى أدهم.
وهو بيقول في نفسه: مفيش فايدة فيك يا ابن الناس.
والله خسارة الحاج ناجي يكون له ابن في أخلاقك كده.
الحاج ناجى: لما دخل عليه السواق بتاعه عشان يطمن عليه قال:
الحاج: مش عارف أدهم اتأخر ليه كده ده قال هيجيلي على طول.
السواق: أنا لسه شايف أدهم وأنا طالعلك كان بيتكلم مع ايمن بيه وبعدين شوفته خارج من الفيلا.
الحاج ناجى بغضب: يبقى عملها ايمن وكرشه مفيش فايدة فيه.
مش عارف ليه بيكرهه كده، ربنا يهديك يا أيمن.
الحاج ناجى: اتصل بأدهم.
واعتذرله عن اللي عمله أيمن.
أدهم: ولا يهمك يا حاج أنا كنت بس نفسي أشوفك وأطمن عليك.
الحاج أيمن: وأنا كمان يا أدهم.
بحب أشوفك ديما وربنا يوفقك يا ابني.
وقفل معاه الحاج اللي بدوره نادى على أيمن وبخه على فعله.
أيمن بسخط: كل ده عشان عيل ميسواش!
الحاج ناجى: العيل ده هيبقى ليه مستقبل عظيم.
ياريت تصاحبه وتقرب منه.
هيفيدك ويقف جمبك.
أيمن بيكبر. أنا أصحاب الأشكال دي؟
لو سمحت يا بابا متجبليش سيرة الواد ده تاني.
الحاج ناجي، بتمتمة.
ربنا يصلح حالك يا أيمن يا ابني.
أدهم ومجدي في المحل. والحمد لله من أول يوم كان فيه زباين وناس داخلة وناس خارجة، وهما كانوا بيبيعوه بأسعار معقولة، فكان ده سبب لإقبال الناس عليه.
أدهم بص لمجدي وقاله: إيه رأيك نعمل زيارة للدار وناخد معانا كام طقم للأطفال ونشتريلهم شوية ألعاب نفرحهم؟ ونروح في يوم إجازة المحل.
مجدي: ياريت والله. أنا كنت عايزة أقولك كده بس ترددت، لأننا لسه في الأول.
ومحتاج تشتغل وتبيع أكتر.
أدهم: الرزق بتاع ربنا، وده مش هينقص منا حاجة.
إنت عارف يا صاحبي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة".
مجدي: صلى الله عليه وسلم.
خلاص أهو بكرة الأحد إن شاء الله، فنِتوكّل على الله ونروح.
وفعلاً راحوا للدار وقابلتهم الأستاذة هدى بكل ترحيب.
ودخلوا للولاد، وافتكروا نفسهم وهما صغيرين.
وحمدوا الله على الحال اللي وصلوا ليه.
وافتكر أدهم الحاج حسن وصنيعه معاه، ودعا له بالرحمة والمغفرة.
وافتكر مربيته ليلى. وبالرغم إنها تخلت عنه وليه عندها فلوس، بس دعا لها.
لأنها كانت في يوم بتعامله معاملة الأم لابنها، وشاف منها حنية كتير افتقدها.
وقال: يا رب تكون بخير دلوقتي.
فرح الأولاد بالملابس الجديدة والألعاب، وقضوا يوم جميل معاهم.
ورجع أدهم ومجدي بالليل لبيتهم وهما حاسين براحة نفسية ومبسوطين.
تاني يوم نزلوا المحل. وعلى العصر، وقفت قدام المحل عربية شيك جداً، ونزلت منها شابة جميلة جداً محجبة.
لكن ما ترتديه من ملابس ضيقة تبرز جسدها، لا تليق بامرأة محجبة. وتوجهت لداخل المحل، وأخذت تبحث هنا وهناك عما يناسبها من الملابس، وتقلب هنا وهنا.
إلى أن قالت:
سمر: إيه الذوق ده!!
كله حاجات واسعة وطويلة كده.
سمعها مجدي. وأدهم كان مشغول.
برص شغل جديد من ملابس الأطفال في الأرفف المخصصة له، ولم ينتبه لها.
مجدي: يا آنسة.
المحل مكتوب عليه "حجابي".
يعني إحنا بنبيع أزياء للمحجبات المحتشمات.
وده طبيعي للأخت المحجبة، فلازم تلبس الساتر الذي لا يصف ولا يكشف. وبصلها نظرة، فهمت منها كأنه بيقولها مش زي ما إنتي لابسة يعني.
هنا علت صوتها سارة: حضرتك يعني بتفهمني إيه اللي ينفع ألبسه وإيه لأ؟!!
ليه شايفاني مش محترمة؟
إيه قلة الذوق دي!
هنا انتبه أدهم لصوتها، ووجه يشوف إيه فيه.
ولسه بينطق: خير، في إيه يا آنسة؟
فتلاقت أعينهما في نظرة طويلة، وكأنهما يعرفان بعضهما البعض منذ وقت طويل.
وتسلل إلى قلبيهما شعور غريب، وكأنه غزو مفاجئ.
فشرد الاثنان، ثم استفاقوا على كلام مجدي.
مجدي: مفيش يا أدهم.
الآنسة عايزة ملابس معينة، وأنا قلت لها إحنا مش بنبيع النوع ده، وإحنا بنبيع ملابس للمحجبات.
فمش عجبها وبتقول لي إنت هتديني درس في الأخلاق.
أدهم بتروّي: حضرتك عايزة إيه بالظبط؟
سارة: أنااااااا. بتلعثم من خجل النظر إلى عينيه مرة أخرى. كنت عايزة بنطلون جينز اللي فيه فتحات.
أدهم: للأسف مش بنبيع النوعية دي من الملابس.
هو فيه بناطيل بس واسعة وفوقيها كاردى طويل، وأنا شايف إنه هيكون أحلى كتير عليكي.
فطأطأت رأسها بخجل: طيب أشوفه.
عشان خاطرك. إنت ذوق خالص عن صاحبك ده اللي دخل شمال على طول.
مجدي يحاول يمسك نفسه من الكلام.
وادهم يحس بيه، فيربت على كتفه.
ويقول:
أدهم: مجدي بس خايف عليكي. لأنك أختنا في الإسلام.
سارة: أوك. يلا خصل خير. ودخلت بصت على طقم.
مكنتش عارفة تختار إيه، فكله مش على ذوقها. بس حست إنها خجلانة خصوصاً من أدهم. فاشترت تونك طويل مقفول.
لدرجة إنها مقستهوش أصلاً، بس خدته وخلاص.
وطلعت عشان تحاسب على تمنه.
أدهم: خلي علينا المرادي يا آنسة.
سارة: لا لازم. أدفع.
وفعلاً دفعت ثمن التونك.
أدهم بنظرة حانية: اختيارك جميل وهيكون عليكي أجمل.
سارة: ميرسي. شكراً لذوق حضرتك.
وهمت بالخروج، وتبعها أدهم بنظراته. وفجأة وجدها تلتفت، لتلقي عليه ابتسامة ساحرة، ثم تعود لطريقها حتى ركبت سيارتها وتنطلق بعيداً.
أدهم شارد، ونظره معلق بطريق خروجها.
مجدي: إيه البنات دي؟ فين أهلها؟
فين أبوها؟ إزاي يسمحلها تخرج بالشكل ده؟
ولا إيه يا أدهم؟
أدهم: إيه؟ بتقول حاجة يا مجدي؟
يضحك مجدي: إيه يا عمنا اللي واكل عقلك؟
مالك؟ أنا بكلمك إنت ولا هنا؟
أدهم: لا مفيش. كنت بتقول إيه؟
مجدي: كنت بقول إزاي واحدة محجبة وتلبس كده.
أنا كنت عايز أقولها كلمتين في نفوخها.
أدهم: براحة يا مجدي.
ممكن توصل للي عايز تقوله، بس بأسلوب حلو يوصل للقلب قبل العقل.
دي اسمها يا مجدي فن الدعوة بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة.
مجدي يضحك ويقول: قصدك أنا مدب يعني؟
أدهم: مش قصدي يا صاحبي. بس فكر بعقلك قبل ما يتكلم لسانك.
مجدي: منك نتعلم يا صاحبي.
بس شكل البنت دخلت دماغك. صح؟ حسيت كده من بصتك ليها لغاية ما طلعت.
أدهم:
لا. لا. أنا قافل قلبي.
هو اللي زينا ينفع يحب ولا يتحب؟
ومين هيوافق عليه وهو بطوله كده.
مجدي: آه والله عندك حق. بس يعلم نصيبنا فينا.
........
يا ترى هتتقابل تاني العيون؟
أقصد سارة وأدهم.
ولا خلاص كده مش هترجع تاني المحل؟
رواية ليست خطيئتي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
شعر أدهم بفقدان الأمل أمام هذا الصرح الهائل الذى يسمى الحب.
فهو ليس باستطاعته التوجه نحوه لأنه يعلم حقيقته المرة التى لا يتقبلها أحد.
فمن سيزوجه ابنته وهو ليس له عائلة.
ولكن ماذا عن تلك الحبيبة سارة.
التى فجأتها صديقتها نجلاء بزيارة في بيتها.
وهي هكذا تفعل دوما لأنها صديقة مقربة إليها دوما فترحب بها سارة في أي وقت.
وفتحت لها الباب والدة سارة مرحبة.
"اهلا يا نجلا يا حبيبتي."
"اهلا بيكي يا طنط. عاملة ايه وازاي سارة؟"
"الحمد لله يا نجلا. انتي عاملة ايه وماما بخير؟"
"الحمد لله يا طنط. امال سارة فين وحشتني المضروبة فقلت اطب عليها فجأة واشوفها؟"
"اهي عندك جوا.. اشبعي بيها."
"حبيبتي يا طنط وانتي فاهماني. اديني داخلة اهو، اشوف بتهبب ايه؟"
فولجت إليها غرفتها لتتفاجأ بها أمام المرآة.
تستعرض نفسها بالتونك الذي ابتاعته من أدهم.
"اش اش يا سرسورة. ايه اللي لبساه ده؟ انتي طلعة عمرة يا حاجة. ولا نزلة تصلي يا بت انتي!"
"جيتي في وقتك يا نجلا وحشتيني أوي والله. تعالي تعالي.. وقوليلي ايه رأيك في التونك ده؟"
"قصدك الشوال ده. انتي أكيد بتهزري صح! وطبعاً مش هتنزلني بيه.. إلا يتريقوا عليكي صحابنا."
"تفتكري. ليه مش حلو عليا؟"
"لا طبعاً. هو مبين فيكي ايه ده أصلاً. لا غيريه بسرعة. لازم الوحدة كده تبقى موزة وتمشي كده في الشارع تقول يا أرض هدي معليكي قدي. سيبك سيبك من الشوال ده. ويلا واقلعي البتاع ده يلا بسرعة.. الا عاملة زي الحاجة بيه."
"الصاحب ساحب.. لذلك قال رب العزة. ياليتني لم أتخذ فلاناً خليلا. لقد أضلني عن الذكر لما جاءني. وكان الشيطان للإنسان خذولا."
"وقال حبيبك النبي صلى الله عليه.. لا تصاحب إلا تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي."
"وده يأكد لنا إننا لازم نختار الصديق الصالح أو الصديقة الصالحة.. اللي تعنا ولا تعن علينا الشيطان."
وفعلاً تأثرت سارة بنجلاء للأسف.
"عندك حق.. أنا مش عارفة اشتريته إزاي.. بس هو عشان خاطره بس."
"خاطر مين يا ست سارة. انتي وقعتي ولا إيه؟ واحكيلي. إزاي. ومين هو ده.. اللي كان عايز يلبسك الشوال ده... هو شيخ ولا إيه؟"
"لا ده شاب جميل أوي ورقيق وعليه كلام يدخل القلب على طول."
"يختي عليكي. انتي بتفوقي. سيبك من النوعية اللي تخنق دي. ويقولك البسي كذا ومتكلميش فلان وعلان. ويعزلك عن الخلق. لحد ما يموتك بالحيا. دول عقد.. يا أختي اسمعيني أنا."
"تفتكري! لا خلاص أنا هروح أرجعه. وأشوف محل تاني أشتري اللي يناسبني. هو اتجنن ولا إيه لما اشتريت البتاع ده!"
"أيوه كده ترجعي سارة اللي أعرفها. جامدة وميأثرش فيها حد. تحبي أجي معاكي عشان تكوني مطمنة وأنا معاكي."
"لا مش للدرجاتي يعني. هو أنا هكسف. أنا هرميهم وأخرج.. ومش عايزة فلوسهم حتى."
"أوك حبيبتي. أنا هسيبك دلوقتي. عشان اتأخرت يلا باي."
"اتأخرتي ليه. هو إحنا لحقنا نقعد مع بعض!"
"مهو أنا بصراحة مكنتش جايا لك مخصوص. أنا كنت لسه راجعة من الشغل. فقولت أطلع أسلم عليكي عشان وحشاني. وبعدين أروح عشان خلاص على الآخر وعايزة أستريح شوية. وابقي كلميني عملتي إيه في المشوار بتاعك."
"ماشي كلامك يا حبيبتي."
لكن سارة في تلك الليلة لم تنم من التفكير وكانت حاسة بحرج شديد لأنها ستقوم بإرجاع التونك.
وفكرت فعلاً بعدم الذهاب إلى المحل.
لكنها في النهاية فضلت الذهاب.
"هو أنا هخاف يعني منهم ولا إيه. هروح.. يعني هروح."
وبالفعل في اليوم التالي توجهت بسيارتها إلى المحل.
دخلت سارة إلى المحل.. وكانت عينيها تبحث في كل مكان عن أيمن وقلبها يدق بعنف.
وعندما لم تجده حزنت وقالت.
"امال هو راح فين؟"
وفاقت على صوت مجدي وهو يقول.
"تأمري بأي حاجة يا آنسة؟"
"آه كنت عايزة أرجع التونك ده."
"آه هو انتي افتكرتك. وليه عايزة ترجعيه حضرتك. مش مقاسك! تقدري تشوفي مقاس يناسبك غيره."
"أوف بقى. أنا مش عايزة غيره. ومفيش حاجة أصلاً بتعجبني في المكان ده خلاص."
"أيوه ما انتي مش وش حشمة أبداً."
"حضرتك بتقول حاجة. سمعني كده. قلت إيه؟"
"لا متشغليش بالك يا آنسة بس للأسف نظام المحل.. البضاعة لا ترد ولكن تستبدل."
"انت هترجعه غصب عنك. وأنا أصلاً مش عايزة منكم فلوس."
دخل أدهم على صوتها العالي.
"ايه. صوتكم مسمع لغاية برا فيه إيه؟"
وقع صوت أدهم على سارة كالماء البارد في اليوم شديد الحرارة.
فهدأت نفسها وسكنت روحها والتفت لترى وجهه وعندما رآها ونظر في عينيها الساحرتان.. ذاب شوقاً من سحرهما وخرجت الكلمات ثقيلة.
"أهلاً يا آنسة نورتي المحل تاني. تأمرينا بإيه؟"
تبص لمجدي وكأنها بتقوله شوف الكلام الذوق.
"مفيش كنت عايزة أرجع التونك والاستاذ ده وبيقولي مش مسموح.. مع إني مكنتش عايزة تمنه."
"ولا يهمك.. بس ليه عايزة ترجعيه. ده جميل جدا ومناسب."
"لا مش مناسب ولا استيلي في اللبس وشكله وحش عليا جدا."
"طيب ممكن تدخلي تقيسيه وتيجي. وأنا هقولك رأيي بصراحة عليكي حلو أو وحش وليكي حرية الاختيار بعدها لو هترجعيه مفيش أي مشكلة."
خجلت سارة ومكنتش عارفة تقول إيه. أدهم بصراحة أحرجها بأدبه وهي مش قادرة ترفض رأيه.
وفعلاً دخلت قاسته.
وعلى مضض خرجت بيه.
ولما شافها أدهم.. بالتونك. الذي زادها جمالاً على جمال.. وكأن سهم أصاب قلبه من شدة جمالها.
"بسم الله ما شاء الله. وكأنك حورية من الجنة. جميل جدا عليكي وكأنه مفصل عشانك."
احمرت وجنتيها من الخجل ومن نظرات أدهم ليها.
"بتكلم بجد.. يعني شكلي حلو فيه. بس أصله أنا مأخدتش على النوعية دي في اللبس. وكنت حاسة إني عملة زي الشوال فيه."
كتم أدهم ضحكته حتى لا ينفرها.
"لا بالعكس ده جميل جدا عليكي. حتى شوفي بنفسك في المراية كده."
فنظرت سارة للمرآة.. وكأنها ترى نفسها فيها لاول مرة. وأعجبها شكلها الجديد به.. بل قررت أن لا تبدله بما كانت ترتديه.. وتظل به.
"ها صدقتيني."
"أيوه. عندك حق."
"طيب ممكن تقبلي مني هدية."
"هدية إيه."
"دي طرحة جميلة شايفها مناسبة جداً على التونك، هتبقى أجمل فيها. وده كتاب جميل.. اسمه حجاب المرأة المسلمة. لما تلاقي نفسك فاضية.. ابقي اقرئي منه شوية."
"حاضر. وميرسي ليك أوي."
"طيب هستأذن أمشي دلوقتي."
ثم طالعت أدهم بنظرة طويلة.. لتشبع عينيها قبل أن تفارقه.
وكأنه يريد بقاءها معه فحدثها بقوله.
"خليكي شوية يا آنسة وخذي جولة في المحل يمكن تلاقي حاجة مناسبة ليكي تاني."
"أوك هشوف.."
ولسه بتستدير.. لتتفحص موديلات تانية.
أحست بدوار ولم تشعر بنفسها إلا وهي تقع على الأرض مغمى عليها.
اتصدم أدهم.. ونادى على مجدي يلحقه.
ايه حصل؟
أدهم مش عارف.
كانت كويسة وفجأة وقعت من طولها.
اتصرف يا مجدي... اطلب الإسعاف بسرعة.
مجدى: اسعاف إيه.. هشوفي كده بس الأول إزازة برفان يمكن تفوق.
وسندها أدهم على كرسي.
واسند راسها على صدره.
ولم يشعر بدموع عينيه وهي تنزل على خد سارة.
التي بدأت تدريجياً في استعادة وعيها. وبصعوبة بدأت تفتح عينيها. فنظرت لأدهم الذي تملأ عينيه الدموع.
وشعرت بحرارة صدره وهي مسندة رأسها عليه.
ولأول مرة تشعر بالحنان وأن أحد يخاف عليها أو يحتويها بهذا الشكل. وإذا بها تمد يديها الناعمتين.
على خده فتسمح دموعه.
وتحاول النهوض ولكن خارت قواها. وقعدت تاني على الكرسي.
سارة: أنا متأسفة إني أزعجتك بالشكل ده.
أدهم: لا مفيش إزعاج ولا حاجة.
الحمد لله انتي كويسة.
حاسة بإيه دلوقتي؟
سارة: مفيش، هو بس يمكن عشان مش متعودة أفطر قبل ما أنزل.
مع ضغطي واطي شوية.
عشان كده حسيت بشوية الدوار دول.
فمتقلقش أنا كويسة.
أدهم: أنا فعلاً قلقت جداً عليكي.
سارة بفرحة: بجد!
أنا عمري ما جربت إن حد يقلق عليا أو يخاف عليا للدرجاتي.
حتى بابي ومامي كل واحد فيهم مشغول بحياته.
ومش بيفكروا فيا.
أكلت إيه، شربت إيه؟
نايمة، صاحية.
بكلم مين؟
مش فاضين ليا أصلاً للأسف.
أدهم: وكأنه عايز يقولها...
اعتبريني كل شيء في حياتك.. زي ما انتي هتكوني كل حاجة في حياتي.
بس مقدرش يكلم.
فهو عارف قدره وميقدرش يتخطاه.
أدهم: طيب.
أنا كمان مفطرتش.
تسمحيلي أعزمك على سندوتشات كده فول وطعمية وبطاطس وبتنجان.. بصي دول هيعمروا دماغك وهتقومي زي الحصان.
سارة: بجد.
متصورش أنا نفسي في الأكلة دي قد إيه.
بقالى زمن مأكلتهاش.
أدهم بفرح: يلا بينا.
مجدى: أدهم.. هتروح بس فين؟ متستنا أنا أروح أجيب لكم سندوتشات وأيجي.
أدهم: لا أنا عايز أغير جو.
هنروح إحنا المحل وهعمل حسابك وأنا جي في سندوتشين زي بعضه.
وغمزله أدهم. فضحك مجدي.
بس بعد ما مشيوا.
مجدى: والله أنا خايف عليك يا صاحبي.
إحنا اللي زينا مينفعش يحب بنات الناس دي. بس أقول إيه؟
ربنا يستر عليك ومتتصدمش في الآخر.
سارة: هنروح فين؟
ولا أقولك أنا عربيتي أهيه. تعال نركب وتقولي على الطريق اللي فيه المطعم ده.
أدهم: لا لا عربية إيه مش مستاهلة ده هو خطوتين.
سارة بسعادة: ماشي الكلام.
واحس أدهم بأن روحه تخرج منه لتستقر في جسد سارة.
وأحلام وردية رسمها بخياله.
وهما يسيران معا بجانب بعضهما البعض حتى وصلا إلى المطعم.
وطلب أدهم مجموعة من السندوتشات والمياه الغازية.
وانكبت سارة على الطعام بنهم.
كأنها لم تذق طعام قط. وأدهم ينظر إليها بحب وفرح أنها تأكل وسعيدة بالرغم من بساطة الأكل.
سارة: بصت لأدهم فلقيته عمال يبصلها.
فخجلت وقالت: معلش أكلت كتير أصلوا بحب السندوتشات دي جداً.
بس انت إيه مش هتاكل؟
وسيبني آكل لوحدي.
أدهم: وكأن السعادة أشبعت نفسه.
لا لا هاكل أهو.
وتبادلا النظرات والابتسامات وكأنهم في عالم تاني ولا يشعرون بمن حولهم.
سارة تنظر للساعة: ياه أنا اتأخرت أوي.
ولازم أروح الكلية دلوقتي عندي محاضرات مهمة وأنا آخر سنة وعايزة أنجح وأخلص بقى.
أدهم: انتي في كلية.
سارة: أيوه. أنا آخر سنة في كلية التجارة.
أدهم: بالتوفيق يارب. تحبي أوصلك؟
سارة: لا مش عايزة أعطلك أكتر من كده عن شغلك.
وميرسي جداً على الأكلة الحلوة دي.
أدهم: لا شكر على واجب.
ومفيش تعطيل ولا حاجة.
سارة: طيب أستأذن أنا يا أستاذ. وتضحك.
تصور كل ده ومعرفش اسمك.
أدهم: ولا أنا!
أنا أدهم. وأنا سارة. تشرفت بمعرفتك.
أدهم: طيب ممكن تشرفينا بالزيارة تاني لو حبيتي طقم تاني.
سارة: آه أكيد. طبعاً.
أدهم: ومتنسيش تقرئي الكتاب.
سارة: أكيد وهقولك رأيي على طول. بس ممكن رقم الموبيل؟
أدهم: هتلاقيه على كيس المحل أكيد.
سارة: أيوه. صح.
أدهم: خلاص هستنى منك مكالمة قريب حتى عشان أطمن عليكي.
سارة: أكيد إن شاء الله.
أدهم اتحرج يقولها عايز رقمك.
وهي حست بكده.
فطلعت ورقة وكتبته وعطتهاله.
وقالت: تقدر تطمن عليه في أي وقت.
ومشت سارة سعيدة وتتبعها نظرات أدهم حتى غابت.
ورجع أدهم للمحل. ومجدي كان بيبصله نظرات عتاب.
أدهم: إيه مالك؟
مجدى: مفيش.
أدهم: لا فيه. انت متقدرش تخبي حاجة عرفك.
مجدى: مش عايزك تتعلق بحبال دايبة وبعدين تقع.
أدهم بنظرة كاسرة وحزينة: طيب أعمل إيه؟
غصب عني. أنا عن نفسي مش عارف عملت كده إزاي.
مجدى: ألحق نفسك من أولها بدل ما تغرق وتندم.
أدهم: تفتكر!
وقرر أدهم أنه يمنع نفسه من الاتصال بيها والاطمئنان عليها.
رواية ليست خطيئتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء سعيد
الحلقة الخامسة عشرة
ليست خطيئتى
لا يوجد هناك قسوة أكثر من أن نسمع خبر وفاة من نحبهم، فيكون الخبر صدمة كبيرة لنا تؤثر في حياتنا ولا نستطيع أن نعود كما كنا من قبل. صحيح أن الموت حق على كل إنسان في الحياة، إلا أنه مفجع ويترك ألماً لا يمحى مع الزمن. ولا يبقى لدينا إلا ذكرياتنا معهم والدعاء لهم في قبورهم بالرحمة.
عانى الحاج ناجي من عدم رؤية أدهم لفترة، لأنه كان بمثابة الابن بالنسبة له.
حيث رأى به ما كان يتمناه في ابنه أيمن، لكن للأسف أيمن خاب ظنه كثيراً.
وكان يتمنى أن يرى به خيراً، لكن للأسف ترك أيمن والديه حتى في أصعب اللحظات التي يحتاج إليه فيها.
وهي لحظات المرض والاحتضار.
الحاج ناجي بحزن: "حتى وأنا تعبان وبموت يا أيمن، سايبني وبتسرمح مع صحابك. أقول إيه بس، ربنا يهديك يا ابني. مش عايز أدعي عليك."
وعندما زاد على الحاج ناجي المرض كثيراً، فطلب من سائق سيارته أن يستدعي أدهم على وجه السرعة.
لأنه يشعر بدنو أجله.
فاتصل السائق بأدهم، يبلغه بمرض الحاج ورغبته في رؤيته.
أدهم بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يطمني عليك يا حاج ناجي."
ثم تابع بقوله: "أنا جاي حالا، مسافة السكة هكون عندك."
ثم رفع يده بالدعاء: "يارب بارك في عمره، واشفيه عشان خاطري، أنا مقدرش أعيش من غير بركة دعائه."
فلبى أدهم بدوره النداء على الفور.
فتوجه أدهم إلى فيلا الحاج ناجي، وحمد الله أن أيمن لم يكن بداخل الفيلا.
حتى لا يمنعه من أن يذهب إلى الحاج ليطمئن عليه.
فاستقبله السائق قائلاً: "بسرعة يا أدهم، الحاج مستنيك."
أدهم: "هو تعبان أوي كده؟"
السائق: "آه خلاص يا ابني، بيودع."
فبكى أدهم. فقال السائق: "لا امسك نفسك شوية وأنت داخل عليه، وقوله كلمتين حلوين، يصبروه على وجعه وألمه وأجره عند الله."
أدهم بحزن: "حاضر."
ثم أسرع به إلى غرفة الحاج ناجي.
تهلل وجه الحاج ناجي عند رؤية أدهم.
قائلاً بصوت ضعيف: "أدهم ابني."
فأسرع إليه أدهم، مقبلاً يده قائلاً:
"ألف سلامة عليك يا حاج."
"إن شاء الله تقوم بالسلامة."
الحاج ناجي متألماً: "خلاص يا أدهم."
"أنا حاسس بنفسي عشان كده بعتلك ضروري."
"قبل ما أقابل وجه كريم."
أدهم: لم يتمالك نفسه من البكاء فقال: "بعد الشر عليك متقولش كده."
"هتقوم وهتبقى زي الفل."
الحاج ناجي: "أدهم أنت ابني اللي مخلفتهوش وربنا عوضني بيك."
"عن أيمن اللي ربنا يهديه."
"والله أنا خايف عليه من بعدي."
"وحاسس إنه هيضيع أكتر ماهو ضايع."
"وهيضيع كل اللي عملته وتعبت فيه."
"عشان كده بعتلك.. بس أوعدني إنك هتنفذ كل اللي هقوله."
أدهم: "أنا تحت أمرك يا حاج، في كل حاجة تطلبها."
الحاج ناجي: "الأمر لله يا ابني."
"وعارف إنك شايل من أيمن وزعلان منه وواخد على خاطرك منه."
"وإنك مش بتميل ليه غصب عنك من معاملته ليك."
"بس لو لسه شايفني كويس معاك وبتحبني، اسمع اللي هقولهولك يا أدهم عشان خاطري."
أدهم بإمتنان: "انت بتقول إيه يا حاج!!"
"انت خيرك مغرقني، ويستحيل أنسى معروفك معايا طول عمري."
"ولّي عملته معايا، هيفضل دين في رقبتي، ولا هقدر أسدده، لأنه كتير أوي والله يا حاج."
ثم تابع بقوله:
"وايمن لو عمل إيه هسامحه عشان خاطرك."
"وهعمل كل اللي هتأمرني بيه لو كان إيه."
الحاج ناجي بضعف: "ده عشمي فيك برضه يا أدهم."
"وأنا معملتش حاجة، كله رزق ربنا، وإحنا مجرد وسيلة."
"ونحمد ربنا إنه من علينا من فضله وكرمه."
أدهم: "اللهم لك الحمد."
ثم قال له الحاج ناجي:
"قرب كده واسمعني بسرعة مفيش وقت."
"قبل ما أقابل رب كريم."
فارتجف جسد أدهم.
وبالفعل اقترب منه أدهم، وسمعه يتكلم بصوت ضعيف أرهقه المرض وكأنه ينازع الروح.
الحاج ناجي: "امسك الورقة دي الأول يا أدهم."
أدهم باستفهام: "ورقة إيه دي يا حاج."
الحاج ناجي: "امسك بس الأول يا أدهم."
فمسكها أدهم.
فقال الحاج ناجي: "ده تنازل مني ليك بيع وشرا عن المحل اللي عطيتهولك."
"وكمان عن الشقة اللي قاعد فيها."
"وفيه كمان شقة تانية كتبتها لمجدى، تعويضاً له عن الأيام اللي نام فيها في الشارع بعد ما طرده أيمن."
أدهم بإمتنان: "بس يا حاج، ده كتير أوي."
"والحاجات دي مش من حقي."
"دي حق أيمن بيه، فسامحني مش هقدر أقبلهم."
الحاج ناجي: "انت وعدتني تنفذ كل اللي أقولك عليه."
"وده تعويض عن اللي عمله فيك أيمن."
"وكمان هقولك الحقيقة، أنا حاسس إن أيمن هيضيع كل اللي أنا عملته بتصرفاته الهمجية وعدم حسن التصرف وعقله الطايش."
"فأنا لما أديك دول، يبقى بحافظ عليهم من الضياع، وإنهم في يد أمينة."
"وكمان عايز أوصيك على أيمن، لو احتاجك إنك تقف جنبه. أرجوك."
"متبعدش وترفض، وخليك جنبه، وحاول تنصحه بقدر الإمكان لعل وعسى ربنا يهديه."
أدهم بحزن على حال الحاج: "حاضر عشان خاطرك يا حاج."
"ومتقلقش خالص عليه، صدقني هحطه في عينيه الاتنين لو طلب مساعدتي."
فنظر له الحاج ناجي بإمتنان.
ثم شخص بصره وقد سكنت جوارحه، وثقل لسانه، فشعر أدهم أنه خلاص بيموت فعلاً.
فحاول يلقنه الشهادة والدموع تجري كالأنهر من عينيه.
"أقول ورايا يا حاج... أشهد أن لا إله إلا الله."
"وأن محمد رسول الله."
الحاج واخر رمق وقد جحظت عيناه، وقال بصوت خافت مع رفع إصبع التشهد: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله."
وخرت يده بجانبه ولقى وجه كريم، رحمه الله وغفر له وجزاه كل خير على حسن صنيعه مع أدهم.
حزن طويلاً أدهم على فراق الحاج ناجي.
ودخل في مود اكتئاب طويل، وحاول معه مجدي بكل الطرق أن يخرجه من جو الحزن ولكن فشل جداً.
حتى أنه رفض ينزل للمحل، ومكث في الشقة حزيناً.
ولم يفق إلا على صوت هاتفه.
وإذا بالمتصل، حبيبة القلب سارة، تردد أدهم في أنه يرد عليها، فقد وعد نفسه أن لا يتعلق بحب مصيره الفشل.
فهو من ساعة لحظة فراقه معاها، حاول كل وقت الاتصال ويخرج اسمها ويضغط على زر الاتصال ليطمئن على حالها ويسمع صوتها.
ولكن في آخر وقت وقبل أن يرن ينهي المكالمة في الحال.
وفعلاً لم يستطع أدهم الرد، وكان ينظر إلى الهاتف وهو يرن بآسف وانكسار قائلاً: "سامحيني غصب عني."
"بس أنا فعلاً منفعكيش."
"ولا أنفع لحد أصلاً."
ثم انهمرت دموعه مرة أخرى، على حاله وعلى حزنه على فراق الحاج ناجي.
وبعد أن انقطع رنين الهاتف، نظر له بحزن، ثم قام بإغلاق الهاتف.
كي لا تعاود الاتصال به مرة أخرى، فيضعف إذا اتصلت مرة أخرى ويجيب على اتصالها.
سارة بقلق: "إيه ده مرة ميردش ومرة مغلق!"
"هو فيه إيه بالظبط؟"
"ده وعدني إنه يطمني عليه."
"معقول يكون نساني بالسرعة دي."
"بس هو وحشني أوي."
"ونفسي أشوفه وأسمع صوته."
فلم تجد سارة مفر سوى الذهاب للمحل والاطمئنان عليه بنفسها.
فارتدت التونك والطرحة التي أهداها إليها، وغادرت المنزل واستقلت سيارتها متجهة إلى أدهم.
وبالفعل وصلت للمحل ودخلت ثم نظرت هنا وهناك فلم تجده، فعبست وزاد قلقها وتوّترت.
سارة بتوتر إلى مجدي: "لو سمحت هو فين أدهم."
مجدى باستغراب واعجاب مما تحولت إليه سارة من لبس فاضح إلى ساتر وسبحان الله فقد زادها رقة وجمالاً.
مجدى بترحيب مصطنع: "أهلاً آنسة سارة."
سارة بترقب: "أهلاً بيك.. هو فين أدهم."
أحس مجدي فعلاً بلهفتها في السؤال والتغير السريع في نوع ارتداء الملابس.
إنها فعلاً تميل لأدهم.
وهو يعلم أيضاً أنه يبادلها نفس الشعور.
فرأف لحاله وحالها وقال:
"صراحة، أدهم فوق في الشقة مش راضي ينزل منها بقاله كام يوم حزين ومكتئب على موت الحج ناجي."
سارة بإندهاش: "إيه ده والده مات..!"
مجدى بحزن: "لا مش والده."
"بس في مقام والده وكان بيحبه أوي."
سارة: "وللدرجاتي حزين أوي كده ومش بيشوف شغله."
مجدى: "أيوه وأكتر."
"وأدهم كمان من النوع الحساس أوي وكمان بيقدر الجميل جداً، ومش بينساه."
ازداد إعجاب سارة بأدهم كثيراً ورأت فيه إنسان فيه كل المواصفات اللي بتتمناها كل بنت.
فهو راجل وذو مروءة وأخلاق عالية.
سارة بخجل: "طيب لو سمحت.. أنا عايزة أشوفه."
مجدى باستغراب: "بس هو رافض ينزل."
سارة بلهفة:
أنا ممكن أطلعله
طمن عليه بنفسي.. لو أمكن.
مجدى باستنكار: إزاي يعني تطلعي لواحدة قاعد لوحده! ميصحش يا آنسة.
سارة بإحراج: سوري مش قصدي.
أنا مكنتش هدخل، كنت هطمن بس عليه من على باب الشقة.
مجدى ندم إنه كلمها بالطريقة دي لأنه أحس من عينيها بصدق محبتها لأدهم.
فقال: طيب تعالي معايا.
وصعد بيها إلى أدهم.
أدهم يسمع طرق على الباب. فيقوم ليفتح الباب وكان مجدى يتصدر الباب ومن خلفه سارة.
أدهم بغضب: أنا قولتلك مش نازل يعني مش نازل يا مجدى.. فرجعت تاني ليه؟
فتنحنى مجدى وغمز بعينه لأدهم ثم ابتعد قليلا.. ليجد أدهم نفسه أمام سارة.
التي اخفضت طرفها من كثرة الخجل ونطقت بصوت مكتوم:
إزيك يا أدهم.. أنا قولت مبتسألش قولت أسأل أنا.
اتسعت عين أدهم من تلك المفاجأة.. فردد:
سااااارة!
سارة بحرج:
أنا آسفة إني جيت في معاد غير مناسب.. بس يعني!
فقاطعها أدهم: لا متقوليش كده.
متتصوريش أنا فرحان قد إيه إنك جيتي وشوفتك تاني.
فأحمرت وجنتا سارة وقالت: يعني انت مش زعلان إني جيت لحد هنا؟
أدهم بنظرة شوق: أبداً.. بس أكيد مش هقدر أقولك اتفضلي فمعلش بستأذنك.
انزلي مع مجدى المحل.. وأنا ثواني هغير هدومي وهكون عندك تحت.
تهلل وجه سارة بالفرح.. وقد تسلل إلى قلبها لأول مرة الإحساس بالسعادة.
وكذلك أدهم.. الذي كان من فرط السعادة استبدل ملابسه في ثوانٍ معدودة.
ونزل ليقابل من امتلكت قلبه بوجهها المشرق وابتسامتها الساحرة.
وعندما رأته سارة متجه إليها.
بادارته بابتسامة جعلت قلبه يدق بعنف.
ويداه ترتجف.. ولم يشعر بنفسه.. إلا ويضم يديها ويجرى بها للخارج.
وطاروا كالعصافير.. يهمسان لبعضهما البعض إلى أن استقروا في كافيه.
أدهم بحنان: تشربي إيه؟
سارة: اللي تشرب منه أي حاجة.
أدهم للنادل: من فضلك.. اتنين نسكافيه.
ونظر لسارة كأنه يقول لها.. هل يعجبك ما طلبت.
سارة بتأكيد: تمام.. أنا كمان محتاجة.. أوي.
أدهم بحرج: سارة.. تعرفي إن دي أول مرة.. أخرج فيها مع بنت.
ومش عارف إزاي؟
بس عندي شعور غريب وإحساس بالارتياح وأنا معاكي.
سارة بابتسامة: عايز تفهمني إن عمرك معرفتش بنات قبل كده.. معقولة.
أدهم بنبرة صوت مخنوقة: أنا اللي زيي وفي ظروفي.
ملهمش أو بمعنى أصح بياخدوا الطريق من أوله وميبصوش أحسن ليقعوا.. في اللي ميقدروش عليه.. ولا يقدروا يكملوه.
سارة باستغراب: ليه انت كل بنت تتمناك.
من الشكل وسيم.. وأخلاق عالية.. وشغل برضه كويس.. يبقى ليه؟
مفيش حاجة ناقصاك!
أدهم والدموع في عينيه: ناقصني أهم حاجة!
وأهم حاجة في حياة كل إنسان.
ناقصني السند.. اللي بيعتمد عليه أي طفل أول ما يتولد.
سارة بترقب: أنا مش فاهمة حاجة خالص.
ممكن تحكيلي قصدك إيه؟
وللحكاية بقية.
رواية ليست خطيئتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء سعيد
لم يتصور أدهم أنه سيأتي عليه يوم ويقع في الحب مثل باقي البشر.
لأنه لا يرى نفسه مثلهم، بل أقل منهم.
وهذا بسبب نظرة المجتمع إليه الدونية، وهو لا ذنب له.
ولكن للحب سلطان لا يعترف بأي ظروف.
بل سلطانه القلب فقط، الذي ليس له سيد يحكمه.
تعجبت سارة مما قاله أدهم، أنه لا يصلح للحب.
وأصرت أن تعلم السبب، فآثر هو أن يقص لها حكايته.
حتى تعلم حقيقته، وبعدها لها أن تقرر بالاستمرار أو إنهاء العلاقة فورًا.
وسيعذرها إن قررت إنهاء العلاقة بينهم.
سارة: ممكن تحكيلي حكايتك يا أدهم؟
أدهم بنبرة حزينة: هحكيلك كل حاجة، وفي النهاية القرار ليكي، وأنا هتقبله مهما كان بصدر رحب.
لتطمئنه سارة بقولها: أحب أقولك يا أدهم، إن مهما قولت، مش هتخلى عنك أبدًا.
أدهم ابتسم على مضض، ثم تسارعت نبضات قلبه وارتجف جسده. وتلعثمت كلماته، فهو لا يحب الخوض في موضوع نشأته كثيرًا.
حتى أنه يود أن تنتزع روحه قبل أن تنتزع الكلمات من جوفه.
ياله من وجع لا يطيب أبدًا، ولكن لا مفر فلابد من البوح.
فهو كطبيعته إنسان واضح وصريح وقد تعود على الدخول في كل التجارب مهما كلفه الأمر.
أدهم بضيق وتردد: أنا يا سارة... لقيط.
سارة باندهاش: يعني إيه لقيط يا أدهم؟
أدهم بحزن: يعني مليش أب وأم معروفين.
اتولدت في الشارع ولقاني الشيخ حسن إمام المسجد وسلمني دار رعاية واتربيت فيها لحد ما وصلت لثانوي وشفت جميع أنواع الإهانة والذل وتخطيت عقبات كتير جدًا.
وبدأ يسترسل أدهم في الحديث.
عن كل حياته منذ الولادة، حتى قابلها. ومع كل موقف، تذرف عينه دمعًا.
فتربت سارة على يديه تارة، وتمسح تارة بيدها دموعه.
وهو لا يشعر أنها أيضًا تدمع من هول ما تعرض له أدهم في حياته.
فهو يتكلم، ولا ينظر إليها خجلًا من ماضيه، إلى أن انتهى، فنظر إليها فوجدها تبكي.
أدهم بحزن: ليه الدموع؟ انت دلوقتي عرفت كل حاجة عني.
ومن حقك، إنك متكمليش معايا.
وأنا متوقع ده وعامل له حساب. عشان كده، مكنتش قادر أتصل بيكي.
واتعلق بيكي أكتر من كده.
سارة بدموع ممزوجة بفرح: بجد يا أدهم، اتعلقت بيه؟
أدهم بنظرة حب: أنا مش اتعلقت بيكي بس.
ثم ذكر اسمها (سارة): أنا أنا أنا... بحبك.
بس خايف من الحب ده صدقيني.
وإنتي من حقك تبعدي.
لأني عارف ظروفي صعبة ومش أي حد يقدرها.
وحقك تخافي مني وتبعدي.
سارة: إنت بتقول إيه؟ أنا عمري ما هبعد عنك، عشان...
وخرجت الكلمة، مجزأة خجلًا: بحبكككككككك.
فتلاقت الأعين بحب وشوق وتلامست الأيدي، وسكنت العبرات، وسكنت الجوارح. وكأنهم ليسوا في عالمهم، ولكن ذهبوا بأرواحهم إلى عالم الحب الذي ليس به إلا مشاعر وإحساسيس جميلة.
أدهم بحرج: مش عايزك تسرعي يا سارة.
أنا هديكي فرصة للتفكير وتردي عليه، بدون خجل.
ومتخليش المشاعر بس تسيطر عليكي.
لازم تحكمي بعقلك كمان لأن الموضوع مش سهل.
سارة بتأكيد وهي تقبض على يديه أكثر: لو قدرت تنزع الروح من جسدي، تبقى قدرت تاخد حبك من قلبي، تقدر؟
فتهلل أدهم فرحًا، وأشبعها كلام في الحب واتفقا على عدم الافتراق أبدًا مهما واجهتهم المصاعب.
لتتابع سارة حديثها بعد أن تبدلت ملامح الفرحة باعتراف أدهم بحبه لها إلى ملامح حزينة.
فتعجب أدهم من ذلك قائلًا:
مالك يا سارة؟
سارة بحزن: يمكن إنت يا أدهم مكنش ليك ذنب في اللي حصلك.
ومتعرفش مين هما باباك ومامتك؟
لكن أنا، معروف هما مين وموجودين بس للأسف كل منهما في وادي.
ماما وسط صحباتها ديما يا أما في البيت أو النادي.
ومش بتحس بيه أبدًا، يعني عايزة إيه؟
تعبانة ولا كويسة.
أكلت ولا مأكلتش.
وكل كلامي يكون مع الدادة وبس، اللي طلعت لقيتها أحن عليا من أمي.
أدهم بشفقة: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ليه كده بس؟
سارة: آه والله.
وبابا كمان، أهم حاجة شغله ومشاريعه.
يعني ممكن مشوفوش بالأسبوع بالرغم إننا في بيت واحد.
ومع ذلك ولا بيسأل عليا ولا افتكر مرة خدني في حضنه. ولا طبطب عليا.
وهنا أجهشت بالبكاء سارة، وقالت: يعني إحنا تقريبًا زي بعض يا أدهم.
ملناش حد، فياريت ألاقي فيك حنية الأم اللي افتقدتها وأمان الأب برضه اللي محستوش.
وأنا أوعدك إني هكون ليك الحبيبة والأم والأخت وكل شيء.
أدهم شعر بالحزن والشفقة على سارة، وقال:
إزاي فيه أب وأم بالقسوة دي؟
بس افتكر حاله، فأمه تخلصت منه بسرعة، يعني لم تقسو فقط بل انتزعت الرحمة أصلًا من قلبها.
وألقته في الطريق كأنه شيء مهمل وليس طفل.
ربت بحنان أدهم بيديه على كتفها ووعدها أنه سيعوضها عن كل ما حرمت منه.
وسيكون لها الأب والأم والحبيب وكل شيء.
ثم حاول تلطيف الجو بكلام آخر ينسي همومهما.
فحدثها بقوله:
بقولك يا حبيبتي، أنا مبعرفش أسوق.
ما تعلميني السواقة!
عشان ناوي قريب أشتري عربية بإذن الله.
سارة بضحك:
أعلمك أنا!
يبقى جنيت على نفسك، بس إنت اللي اخترت، يلا بينا النهاردة أول حصة يا أستاذ.
أدهم بسخرية: ربنا يستر عليه منك.
وتعدي على خير، ياما شكلنا هنجوز في المستشفى.
وضحكا الاثنان بسعادة، ثم أخذته إلى مكان فاضي بعيد عن الناس والعربيات لكي يستطيع تعلم القيادة.
ثم وقفت للحظات لكى تملي عليه بعض المعلومات النظرية أولًا في القيادة.
فوجدته ينظر إليها بشوق، ويلمس يدها ويقرب منها، وينظر إلى شفتيها وتملكه الرغبة أن يقبلها وهي مستسلمة وأغمضت عينيها استعدادًا لقبلة حارة منه.
ولكن مرت لحظات، ولم يقبلها، ففتحت عينها فوجدته يبكي.
سارة باندهاش: مالك يا أدهم؟
إيه إحنا قولنا ننسى اللي حصلنا ونبدأ صفحة جديدة مع بعض؟
أدهم: مش كده، أنا حسيت إني كنت هتعدى حدودي معاكي.
وافتكرت نظر الله إليه فانكسفت من نفسي أوي.
خصوصًا إني كتير كنت بعيب على أي حد بيعمل كده.
وبتهمه إنه ميعرفش ربنا وحرام.
فا أقوم أنا أقع في نفس الإثم.
سارة باندهاش: إزاي ده وليه فهمني؟ أنا مش فاهمة حاجة؟
أدهم:
بصي يا سارة.
حبنا ده عشان يستمر، لازم نحافظ على حدود شوية مع بعضنا في الكلام.
ولازم نسيطر على رغبتنا في القرب من بعض.
ولازم تساعديني إنتي.
عشان أكيد إحنا نفوسنا ضعيفة.
ويحصل حاجة نندم عليها إحنا الاتنين.
واديكي شيفاني مثال قدامك، أنا برضه كنت لحظة ضعف بين اتنين كانوا برضه بيحبوا بعض.
ولدينا دفعت أنا لوحدي تمن حبهم ده.
سارة: أحست بالخجل من أدهم، وفي نفس الوقت بالفرح أنه يخاف عليها.
ولا يريد أن يتمادى فيما يغضب الله عز وجل.
حتى لا تخسر نفسها واحترامها لأهلها.
سارة: حاضر يا أدهم، هحاول.
بس متقوليش منتقبلش أو منتكلمش في الموبايل.
أدهم بحب: صراحة، مقدرش إني مسمعش صوتك.
أو أشوفك، بس نحاول نمسك نفسنا فترة من الوقت يستقر شغلي.
وإنتي تخلصي كليتك وأجي أتقدملك بإذن الله عشان نكون في النور أفضل.
تهللت أسارير سارة بالفرح وعد أدهم في الارتباط بها.
سارة: بجد يا أدهم!
إنت بتحبني لدرجة إنك شايفني هكون زوجة ليك.
أدهم: طبعًا يا حبيبتي.
وهتكوني أجمل وأرق زوجة في العالم.
سارة: وإنت أحن زوج وحبيب.
ويلا نبدأ أول درس في السواقة.
فقامت سارة بتعليمه في هذه المرة الأساسيات الأولى.
التي يحتاجها قائد السيارة.
وبسرعة بديهة أدهم، تعلم وحاول بالفعل معها أن يقوم هو بقيادة السيارة لعدة دقائق.
فضحكت سارة قائلة: ماشاء الله.
إنت من مرة واحدة عرفت تسوق.
أدهم: أحسديني بقى.
فضحكت سارة قائلة: لا أنا مش بحسدك، أنا بقر بس.
فضحك الاثنان.
ثم أوصلته سارة إلى محل إقامته.
وودعها أدهم بحرارة.
وذهب كل منهما بعد ذلك في طريقه، هائم سارح في الآخر ويحلمان بحياة وردية أساسها الحب وبنائها الرحمة والمودة.
ولكن ما زال الخوف من المستقبل، يسيطر على أدهم.
هل سيتقبله أهل سارة أم لا؟
وما سيفعل إن قاموا برفضه.
بعد موت الحاج ناجي، انكب أيمن على شهواته، وأغرقته أصحاب السوء في بحر المعاصي والأهوال.
طمعًا في أن يسلبوا منه كل ما يملك وهو لا يدري بمخططهم وسبحان الله، كما تدين تدان.
فأغرقوه في لعب القمار، حتى خسر كثيرًا من الأموال، بجانب سهراته النسائية.
التي استطاع منها الغاويات في نهب كل ما يملكه دومًا في جيبه بل وأكثر في دفع شيكات بدون تحديد مبلغ فكانوا يكتبون ما يحلو لهن من أموال.
فنفذ رصيده في البنك تمامًا من الأموال، بجانب المصنع الذي أهمله.
وكما يقولون المال السايب يعلم السرقة، ومفيش مراقب.
فنهب من نهب منه، إلا من رحم ربي. وكان منهم شاب تقي اسمه محمد، الذي أسرع بالذهاب إلى أدهم.
يبلغه بحال أيمن وتدهور المصنع الذي أوشك على الغلق.
لنقص البضاعة والمعدات التي تسرق بوضح النهار وهو على غفلة من أمره.
فحزن أدهم جداً لما آل له الحال.
وتذكر ما نصحه الحاج ناجي، أنه لا يترك أيمن.
ويذهب إليه لمساندته، وتقديم له يد العون والنصيحة.
فذهب إليه في الفيلا.
فقابله أيمن بغرور قائلاً:
أنت تاني!!
ايه اللي جابك؟
هو مش خلاص اللي كان بينا مات؟
ولا فاكر نفسك وصي عليه وجاي تنصحني؟
أدهم:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
انت ليه ديماً شايفني عدو ليك؟ وزي ما قلت الحاج ناجي مات رحمة الله عليه.
يعني أنا مش محتاج حاجة دلوقتي منه.
وجيت عشان وصيته ليا، إني أقف جنبك وأساعدك.
بدل ما تضيع كل اللي عمله هو.
فأرجوك يا أيمن، خليني أساعدك.
عشان حتى خاطر والدك وتعبُه عشانك.
ليه عايز تضيع كل ده؟ في حاجات فارغة.
استغفر الله العظيم، على ستات وعلى أصحاب فاسدين.
وأنا متأكد إن أول ما فلوسك تخلص.
مش هتلاقي حد فيهم جنبك.
لأنهم أصحاب مصلحة وبس.
أيمن بلا مبالاة:
وأنت فاكر إني هصدق كلامك ده.
على العموم، وفر نصيحتك لنفسك.
وأنا مش محتاجك جنبي، وأنا أعمل اللي أنا عايزه.
والفلوس كتير وأقدر أشتري بيهم عشرة زيك.
لكن أنت لأ.
عارف ليه؟
لأني بكرهك.
ويلا اتفضل أخرج من بيتي من غير مطرود.
وياريت ما أشوفش وشك تاني.
وشوف حد تاني تمشي عليه نصايحك دي.
والله عال، مبقاش غير تربية الملاجئ اللي ينصحني أنا أيمن ناجي على آخر الزمن.
فخرج أدهم حزيناً على حاله قائلاً:
لا حول ولا قوة إلا بالله.
خسارة والله تكون أنت ابن الحاج ناجي رحمة الله عليه.
بس أعمل إيه؟
أنا جيت وعملت بوصية الحاج وهو رفض.
مفيش في إيدي للأسف حاجة أعملها تاني.
وربنا يستر في اللي جاي.
ثم عاد أدهم حزيناً إلى المحل.
فقرأ مجدي تعابير وجهه فقال:
إيه برضه، هو هو أيمن متغيرش صح؟
أدهم:
لا للأسف.
مجدى:
منا قولتلك بلاش تروحه.
ده شيطان في صورة إنسان وعمره ما هيتغير.
أنا مش عارف هو إزاي ابن الحاج ناجي.
شتان بين الاتنين خالص.
أدهم بحزن:
كان لازم أروح عشان أعمل بوصية الحاج.
دي أمانة يا مجدي.
مجدى:
واديك روحت يا أدهم.
انساه بقى وخليك في حالك أنت ومستقبلك.
وهو خليه على الله، قادر يهديه.
أدهم:
يارب.
وللأسف، تنادى أيمن في طغيانه أكثر وأكثر.
مع رفقاء السوء وبنات الليل، وكل يوم يخسر الآلاف الجنيهات عبثاً.
في الوقت الذي كان يزداد أدهم نجاحاً.
ويكسب أضعاف ما يخسر أيمن.
وكان الله سبحانه وتعالى يعوضه عما عانى منذ صغره.
حيث فتح الله عليه وعمل حساب في البنك واشترى سيارة، كما أخبر سارة.
وازدادت سعادته يوم عن يوم، وحمد الله على ما أسبغ عليه من نعم.
وسبحانه كل يوم هو في شأن.
إلى أن حصل ما كان لم يخطر على بال أدهم يوماً.
يا ترى إيه هو اللي حصل؟
ده اللي هنعرفه في الحلقة الجاية إن شاء الله.
رواية ليست خطيئتي الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء سعيد
الدنيا وأحوالها كلها حلم كاذب. الحب والمال والصحة والسعادة والمجد والناس، لا يخلد شيء من ذلك ولا يبقى، فكلها زائلة يوماً ما.
وهذا انطبق على أبطال الرواية، أدهم وأيمن.
حيث في الوقت الذي كان يزداد به أدهم نجاحاً، وقد من الله عليه بالكثير من الخيرات. كان أيمن قد سخط الله عليه بسبب إصراره على المعصية. فخسر كل شيء.
وسبحان من له الدوام، القائل في كتابه العزيز: (يُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ ۖ بِيَدِهِ الْخَيْرُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
فبعد أن كان أدهم ذليلاً، أعزه الله.
وبعد أن كان أيمن عزيزاً، أذله الله بسوء عمله.
حيث تدهورت حالته المادية بسبب غفلته وانغماسه في كل ما يغضب الله. ومصاحبة شياطين الإنس والجن الذين قضوا على الأخضر واليابس في أملاكه. حتى تمادى الأمر أنه رهن الفيلا والمصنع لأحد أصحابه، مقابل أن يمده بمزيد من المال، على وعد بالسداد قريباً. وإن لم يستطع السداد في الوقت المحدد، فسوف يضطر لبيع المصنع والفيلا لسداد أموال صديقه.
وسبحان الله، فأي هوان هذا وصل إليه ذلك الضائع. وهذا ما توقعه والده الحاج ناجي، فهو يتحقق في الواقع على يد أيمن للأسف.
وسرعان ما تناقل الخبر إلى أدهم، فحزن حزناً شديداً. وردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله. ليه بس كده يا أيمن؟ ده تعب ومجهود الحاج ناجي سنين طويلة. حرام والله يضيع كده بالساهل على إيد ابنه أيمن."
لذا قرر أن يشتري المصنع والفيلا حتى لا يشتريهما شخص آخر غريب. فهو يريد أن يكمل مسيرة الحاج ناجي، فهو يعتبره أباه حقاً.
ولكن أدهم ليس معه المال الكافي للشراء. فاضطر إلى بيع المحل، ثم أخذ قرضاً من البنك ليستطيع شراء المصنع والفيلا.
وفعلاً لم يستطع أيمن سداد الدين، وتم عرض المصنع والفيلا للبيع. وحالف الحظ أيمن أن الثمن لم يكن مبالغاً فيه. وكان أيمن قد وكل محامياً ليدير عملية البيع. وأخفى عليه المحامي أن الذي سيشتري هو أدهم، لأنه يعلم جيداً أن الأمور بينهم ليست على ما يرام، ولكي لا يوقف البيع. وهو في شدة الحاجة للمال، كي لا يُسجن.
ولكنه بعد فترة من الوقت علم أنه هو. ولم يبالي، المهم أنه حصل على المال. فأعطى جزءاً لصاحبه، والآخر أيضاً قام بصرفه على ملذات الدنيا، حتى أنهكه بالكامل.
وهنا بعد عنه كل الأصدقاء وتخلى عنه الجميع. وأصبح وحيداً، ليس لديه حتى ما يكفي جوعه للأسف.
وبالفعل حصل أدهم على الفيلا والمصنع. فأي خير هذا ساقه الله إليه. فحمد وشكر الله كثيراً على نعمه عليه.
كما فرح العمال جداً أن أدهم هو من قام بشراء المصنع. لأنهم يحبونه من الأصل لطيبته وكرم أخلاقه، وتعاونوا معه على جعل المصنع أفضل مما كان.
وفعلاً، مع الوقت، زاد الإنتاج واشتهر صيت أدهم وسط المجتمع. وبفضل الله تم سداد القرض. وأصبح أدهم في فترة قصيرة من أشهر رجال الأعمال. وتمنى الجميع مصاحبته بعد أن كان غير مرغوب به.
وفي أحد الأيام، خرج أدهم من بيته وتوجه نحو سيارته ليبدأ طريقه نحو عمله الذي أثقل عليه في الآونة الأخيرة بعد أن فتح الله عليه من واسع كرمه. فسار بالسيارة حتى وقف عند إشارة المرور وأخذ يقضي هذه اللحظات بالاستغفار (استغفر الله، استغفر الله).
ليتفاجأ بمن يطرق زجاج السيارة. ففتح أدهم الزجاج فوجده سائلاً يطلب إحساناً ليأكل، بعد أن أضنى الجوع معدته. فرق قلب أدهم له، وأخرج من محفظته ورقة بفئة مئتين جنيه. ثم ناولها له.
لتلتقي عيناه به، فتجمدت أطراف أدهم عندما عرف من هو، ودمعت عيناه. وإذ به يفتح باب السيارة مترجلاً منها ليمسك بيده، بين اندهاش الآخر من صنيعه تلك ولماذا يفعل هذا به، رغم ما فعله هو معه.
هل تعلمون من هو؟
إنه أيمن بيه. يا لحال الدنيا. من رجل يتمتع بكل متاع الدنيا، لرجل يتسول من أجل لقمات يشبع بها جوعه.
ولكن ابن الكرم والجود أدهم، لم يشمت فيه أو نظر إليه نظرة احتقار أو سبه. ولكن نزل من سيارته. ومسح على رأسه بحنو.
فنظرت أيمن إليه وبكى بكاءً شديداً، وكأنه يقول له: "هذا ما جنيته، وما فعلته في حقك. فانتقم الله لك."
ثم أجلسه أدهم في السيارة. وسار به إلى شقته التي أهداه إليه الحاج ناجي. فهو ما زال فيها ولم ينتقل إلى الفيلا. حيث لم تستطع نفسه أن تعيش بها بعد أن كانت مقراً للحاج ناجي وابنه أيمن.
أدخل أدهم أيمن الحمام. فقد كان متسخاً جداً وذقنه طويلة. فيبدو أنه قضى أياماً طويلة في الشارع. وأحضر له أدهم ملابس جديدة، وحلق له ذقنه بيده. وأمره بالاغتسال بعدها.
وهذا كله الثاني ينفذ بدون أن ينطق أي كلمة. فهو يشعر أنه مدين له بالاعتذار. حتى أنه لا يقدر أن يرفع عينه في عينيه. وأدهم يشعر بذلك. فلكي يخفف عنه من وطأة الشعور بالخزي، يربت على كتفه ليشعره بالحنان.
اغتسل أيمن وارتدى ملابسه الجديدة وخرج. فانكب على يدي أدهم يقبلها. فسحب أدهم يده سريعاً وقال: "حاش لله."
أيمن بحزن: "انت ليه عملت معايا كده؟ وأنا عارف إني مستاهلش وياما آذيتك."
أدهم بابتسامة: "عشان دي وصية والدك الله يرحمه. وعشان أنا مريت بنفس ظروفك دي كتير أنا ومجدي. وحاسس بيك. فمقدرتش أشوفك كده. وكان لازم أساعدك."
أيمن باندهاش: "يعني انت مسامحني على كل اللي عملته فيك؟"
أدهم: "أيوه طبعاً." وقال: "ارحموا عزيز قوم ذل، والعزة لله."
أيمن أخيراً يبتسم ويقول: "الحمدلله. أنا عشت أيام صعبة. وفكرت كتير أجيلك عشان تسامحني بس خفت من رد فعلك. وأنا مستعد دلوقتي أكون خدام ليك.
فأرجوك شغلني عندك أي حاجة. وشوفلي أي مكان أبات فيه. أنا تعبت من النوم على الأرصفة. وأوعدك أكون إنسان كويس. أنا خلاص عرفت إن الله حق. وتوبت عن كل اللي عملته في حياتي."
ثم بكى أيمن طويلاً. ولم يتمالك أدهم نفسه أيضاً من البكاء، فرحاً بتوبة أيمن وشفقة عليه مما فعلت به الدنيا بسبب أفعاله.
فقام أدهم وأمسك بيديه قائلاً: "يلا يا أيمن بينا."
أيمن باستغراب: "على فين إن شاء الله؟"
أدهم: "على المكان اللي هتبات فيه عشان تستريح. ومن بكرة إن شاء الله هتيجي تشتغل معانا في المصنع."
تهلل أيمن من الفرح وقال: "أنا مش عارف أشكرك إزاي."
أدهم: "تشكرني بأننا نفتح صفحة جديدة مع بعض وننسى اللي فات كله وتبقى قد المسؤولية."
أيمن: "أكيد يا أدهم."
ثم ألقى بنفسه في حضن أدهم من فرط سعادته. وأحس أدهم بالسعادة لأنه أخيراً استطاع أن ينفذ وصية الحاج ناجي. الراجل الطيب اللي وقف جنبه لغاية ما بقى أدهم بيه.
ركب أدهم السيارة ومعه أيمن. وفي الطريق يسأله أيمن: "هنروح فين؟"
أدهم: "هنتعرف دلوقتي."
أيمن باندهاش: "بس ده طريق الفيلا!"
أدهم بابتسامة: "أيوه."
أيمن باستغراب ولكنه صمت ومنتظر ما سيحدث بعد ذلك.
وفعلاً وصلوا للفيلا. وهنا نظر أيمن لها وشرد في ذكرياته بها. وكيف كان عزيزاً، ذا شأن وسلطة وجاه ومال. أما الآن فهو وحيد وفقير ولا يملك شيئاً. فطأطأ رأسه خجلاً من المقارنة بين حاله الأسبق وما هو عليه الآن.
وظن أيمن أن أدهم سيسكنه تلك الغرفة التي كانت في الحديقة، الذي سكن فيها أدهم من قبل. وهم أن يدخلها وهو يشكر الله، لأنها أفضل من الشارع بكثير.
ولكن سرعان ما أمسك يده أدهم ونظر له في عينيه قائلاً بثقة: "حاش لله. اتفضل يا أيمن بيه. مكانك فوق زي ما كنت بالظبط." وأشار له أدهم على الفيلا.
لم يصدق أيمن نفسه، وأخذ ينظر إلى أدهم بعدم تصديق قائلاً: "معقولة هتخليني أرجع لمكاني تاني اللي عشت واتربيت فيه. وبعد كمان اللي حصل مني."
أدهم يبتسم ويقول: "ده حقك على فكرة. وكمان من جمايل وعمايل والدك معايا الله يرحمه. وهكتبها باسمك كمان. إيه رأيك."
تهلل وجه أيمن بالفرح. وأخذه بالحضن. وقال له وهو يبكي: "تسمح لي أكون أخوك. ومنتفرقش من بعض. وأكون زي مجدي بالنسبة لك. وأوعدك أكون عند حسن ظنك."
أدهم بفرحة: "أكيد. دي دعوة الحاج. والحمد لله استجابت. ألف حمد وشكر ليك يا رب."
أدهم: "يلا هسيبك تستريح دلوقتي." ووضع يده في جيبه وطلع فلوس وعطاله.
أدهم بحنية: "أكيد جعان. فاطلب دليفري. وإن شاء الله أشوفك على خير بكرة الصبح. وإحنا شغلنا بدري في المصنع. أوعى تتأخر."
أيمن بشغف: "إن شاء الله هتلاقيني أول واحد قدام المصنع."
وسابه أدهم. ووقف أيمن ينظر إلى جميع ركنات الفيلا ويستذكر طفولته وهو يلعب هنا وهناك. ثم يتذكر موت أمه فجأة وهو ما زال صغيراً يحتاجها. فبكى. وتذكر أن والده تركه للخدم يقومون برعايته وهو انشغل بالمصنع. وكان السبيل الوحيد للتعويض من جانب والده هو إغداقه بالكثير من المال وإرضاء جميع مطالبه. حتى تعود أنه ينال كل ما يريد بدون منازع. والدلال الزائد فسده، وأخرجه رجلاً لا يتحمل المسؤولية.
ثم دخل لغرفة والده .. الحاج ناجي.
وبكى وطلب له الرحمة.
ثم هتف قائلا: سامحني يا بابا.. وأنا خلاص اتغيرت وهكون زي ما كنت بتتمنى وهشتغل وهعتمد على نفسي وهكون راجل بجد زي ما كنت بتتمنى وأكتر.
ومن كتر البكاء.. نام أيمن نوم عميق.. حرم منه منذ فترة كبيرة.
عاد أدهم للبيت.
فوجد مجدي في انتظاره.
مجدى: بقلق.. اتأخرت ليه كده أنا قلقت عليك جداً.
أدهم: بابتسامة.. اقعد يا مجدي أنا هحكيلك حاجة مش هتصدقها.
وبدأ أدهم يحكي إيه اللي حصله مع أيمن.
ومجدي مش مصدق.. اللي وصل ليه أيمن.
للدرجاتي.
وشكر صنيع أدهم معاه.
ولكن...
أدهم: إيه مالك ما كنت كويس من شوية؟
وبتقول كويس وخير وكده.
مجدي: عارف.. بس خايف يا أدهم لما ترجعه المصنع.
يرجع لأساليب زمان تاني ويعمل حاجة ويخسرنا.
وإحنا مصدقنا نقف على رجلينا وبقى لينا صيت كويس بين رجال الأعمال.
أدهم: لا مظنش.. أنا حسيت فعلًا بندمه.
وأنه هيكون كويس معانا فعلًا وهيشتغل.
مجدي: بس يا أخويا.
المثل بيقول حرص ولا تخون برضه.
أدهم: أكيد هحطه تحت النظر وهنجرب وإن شاء الله يكون زي ما قال عند حسن ظني.
مجدي: يا ريت والله عشان حتى خاطر أبوه الحاج.. ألف رحمة ونور عليه.
مجدي: بمداعبة.. وأنت عامل إيه يا روميو.. مع ست الكل جولييت.
أدهم: بضحك.. بقيت كده يا مجدي بكرة أضحك عليك برضه لما تقع أنت كمان.
مجدي: لا يا عمنا.. أنا مليش في وجع القلب ده.
أنا هدخل في طريق مستقيم على طول.. حتى كنت هقولك على حاجة هتفرحك.
أدهم: قول يا عم بسرعة نفسي أفرح من قلبي بعد سنين الهم والحزن دي كلها.
مجدي: قول أنت الأول عامل إيه مع سارة وبعدين هحكيلك.
أدهم: بنظرة شاردة وهائمة.. سارة.. متتصورش أنا بحبها قد إيه يا مجدي.
وبرضه خايف من الحب ده بس للأسف مش بإيدي خلاص.. وقعت فيها ومش قادر أستغنى عنها أبدًا.
ولازم أكلمها كل يوم وأشوفها كل فترة.
مجدي: طيب وآخرة الحب إيه يا صاحبي.
مفكرتش في كده؟
أدهم: بتلقائية.. الجواز طبعًا.
هي خلصت حاليًا.. بتمتحن آخر ترم.
ووعدتها إني هروح أطلبها من باباها.
بعد ما تخلص بس قلقان جدًا من المقابلة.
وخايف من رد فعل والدها لما يعرف ظروفي ومش عارف ساعتها لو رفض هعمل إيه؟
مجدي: بقلق.. يا سيدي متسبقش الأحداث.
وخير إن شاء الله.. أنت دلوقتي بقيت بفضل الله أدهم بيه صاحب مصنع الملابس.
ورصيد في البنك.. فـ أي حد يتمناك.
أدهم: تفتكر يا مجدي!
بس ظروف نشأتنا حاسس إنها هتأثر برضه.
مجدي: إن شاء الله خير.. قول يا رب.
أدهم: يارب.
أدهم: بترقب.. وأنت يلا احكيلي وفرحني كنت عايز تقول لي إيه يا خلبوص أنت.
ما أنا عارف كويس.. تحت الساهي دواهي.
مجدي: بسعادة.. أنا قررت.
رواية ليست خطيئتي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء سعيد
مجدى بابتسامة مشرقة: ليك عندى مفاجأة هتفرحك اوى.
أدهم بترقب: يلا بقى يا مجدى شوقتنى. قول يا سيدى واشجينى.
مجدى بحرج: أنا خلاص قررت أدخل قفص الزوجية بإردتى وكامل قوايا العقلية.
أدهم بفرح: بجد والله ده أسعد خبر سمعته فى حياتى. ألف مبروك مقدما يا صاحبى. بجد فرحتك أوى ومين صاحبة السعادة دي. اللي هتاخد اعز صديق وأحن أخ مني. وعرفتها امتى يا واد. ده انت طلعت نمس هو وتقولي. مليش في الحاجات دي. وانت اتاريك داهية وغرقان كمان لشوشتك.
مجدى بضحك: أنا فعلاً مليش في المقدمات والهمسات واللمسات دي. أنا بحب أدخل على التطبيق على طول.
أدهم بضحك: يا جامد يا صاحبي انت. بس قولي عرفتها فين.
ثم تبدلت ملامحه للحزن وقال: وهي عارفة بظروفنا وأهلها موافقين.
مجدى: هو أنا لسه هدخل في تجربة وأستنى يوافقوا ولا ميوفقوش. لا يا صاحبي أنا مش رومانسي زيك. أنا جد وفاهم ظروفنا كويس ومش حاطط في قاموسي الاحتمالات دي. عشان كده أنا اخترت اللي تشبهنا في ظروفنا ونشأتنا. بدل ما أختار بنت ناس أدخل معاها في توهان. وأهلها يرفضوا أو يوافقوا.
طأطأ أدهم رأسه بانكسار وتبدلت ملامح وجهه المرتخية لقلق وحزن. وشعر مجدى أنه تمادى في الكلام وأحرج أدهم ولم يهتم لإحساسه. فظهر على وجه أدهم الحزن والقلق من عاقبة خطوة الإقدام على خطوبة سارة. فراجع مجدى بقوله نادماً:
مجدى: أنا آسف يا أدهم. مكنش قصدي والله. انت عارف أخوك مدب. وميعرفش يعبر كويس.
أدهم يربت على كتف مجدى: ولا يهمك. انت على حق وعارف إنك متقصدش.
وحاول يغير مجرى الكلام وقال: نفس ظروفنا إزاي. قصدك يعني... كانت متربية في دار أيتام زينا وعرفتها إزاي.
مجدى: آه. انت عارف إن دار البنات غير دار الأولاد. دار الأولاد بيخرجوهم لما يكبروا عشان يشتغلوا ويعتمدوا على نفسهم. أما البنات فلله الحمد مش بيخرجوهم إلا على بيوت أزواجهم وده نعمة وستر ليهم عشان ميتبهدلوش زينا.
فأنا رحت الدار وقابلت المديرة بتاعتهم وقلتلها عايز أتجوز من الدار. ففرحت قوي وراحت مفرجاني على صور مجموعة من البنات حتى لا يتعرضوا للإحراج لو شفتهم مباشرة. ومن الصور اخترت بنت حسيت إن ملامحها مش غريبة عليا كأني أعرفها من زمان وارتحت ليها وطلبت مقابلتها. ولما شفتها قلبي قال هي دي. والحمد لله حصل قبول بيني وبينها ومنتظرك تيجي معايا المرة الجاية. عشان أقدم لها شبكة وأتكلم مع المديرة في إجراءات خروجها من الدار لما نحدد معاد كتب الكتاب والزفاف.
أدهم بسعادة قام وحضن مجدى. وبركله مقدماً بالزواج والسعادة. وأنه هيجي معاه أكيد إن شاء الله. قائلاً له بحب وفرح:
أدهم: ده يوم المنى بالنسبالي يا أخويا وصاحبي.
وفي اليوم التالي، ذهب أدهم بنفسه واشترى شبكة قيمة لعروس مجدى عشان يعملها مفاجأة ليه لفرط سعادته لصديق عمره مجدى. وفعلاً اشترى الشبكة. وذهب معاه الزيارة وشاف البنت كانت على خلق ولبس محتشم وجميل واسمها هو كرمة. وبعد الاتفاق وقراءة الفاتحة مع مديرة الدار. أخرج أدهم الشبكة.
أدهم بفرح ظاهر في عينيه: يلا يا عريس لبس عروستك الشبكة.
مجدى بتفاجؤ: ياه ده كتير والله. ربنا ميحرمني منك يا أجمل أخ. وعقبال متلبس عروستك شبكتها.
هنا سرح أدهم في سارة وابتسم وقال: يارب.
ولبس مجدى كرمة الشبكة وسط زغاريد البنات والتبريكات والدعاء لهم بالسعادة. وتم الاتفاق على موعد كتب الكتاب والزفاف معا وإجراءات خروجها من الدار في موعد أقصاه شهر. لأن العروس لن تتكلف بأي شيء. ومجدى هو من سيقوم بتجهيز شقته من كل شيء. حتى ملابس العروسة. لأنه يعلم ويشعر بحالها ويريد أن يكرمها. وكانت البنت في سعادة لا توصف أن أكرمها الله برجل ذو خلق ودين مثل مجدى.
والشيء الذي لا يصدقه عقل. في المصنع كان أيمن يقف مع العمال يداً بيدهم وكانوا مستغربين منه في بادئ الأمر وعلى خيفة أن يكون يخادعهم. ولكن مع الوقت تأكدوا بصفاء نيته وتوبته حقاً ويشاركهم أبسط الطعام ويمازحهم. فدخل في قلوبهم جميعاً. وكان أدهم سعيداً بأيمن كثيراً. وعمل على التقرب منه يوماً بعد يوم بعد تجربته في مواقف كثيرة في العمل أثبت فيهم براعته وأمانته وسبحان الهادي. وأصبح أيمن ومجدى وأدهم ثلاثة إخوة لا يتفارقون أبداً. حتى أن مجدى عزمه على حفل زفافه البسيط في الدار. فوافق ورحب جداً. وكان على موعد هو كمان مع السعادة.
أما سارة قد أنهت امتحانها في الكلية. وفي آخر يوم تقابلت مع أدهم. فهما لم يتقابلا كثيراً حفاظاً وخوفاً عليها كما وعدها أدهم.
أدهم بشوق للقاء: كان ينتظرها أمام بوابة الكلية بسيارته وما أن لمحته حتى طارت إليه بقلبها المشتاق لمعانقة قلب أدهم.
فتهلل وجه أدهم رؤيتها وكأنها يراها في كل مرة كأنها أول مرة. نفس الإحساسيس مرهفة ونبضات القلب السريعة. وارتجاف الجسد وهمس العينين قبل همس الكلمات. ما أحلى الحب عندما تجد فعلاً نصفك الآخر الذي يشاركك حياتك كلها بحلوها ومرها ويعينك ويشجعك ولا ينقص من قدرك أبداً ويشمل هذا كله ويجمّله أن يعينك على طاعة الله ويأخذ بيدك إلى جنته فهذا نعم الزوج والزوجة.
جلست سارة بجانبه في السيارة. وتلاقت أعينهما بحب وشوق.
أدهم: وحششششششتيني اوووووي يا سارة.
سارة بدلع: لو كنت وحشتك بجد مكنتش اتأخرت عليه كل ده مشوفكش الفترة اللي عدت دي كلها. حتى الموبيل كان يدوبك كلمتين وخلاص كده كأنك بتأدي واجب.
أدهم: معلش غصب عني. لو عليا عايز أشوفك كل ثانية. وانتي حتى بتوحشيني وانتي معايا. بس كان لازم نعمل كده عشان نتحكم في مشاعرنا شوية. وانتي السبب يا جميل.
سارة بدهشة.
يعني إيه أنا السبب يعني.
أدهم بابتسامة: عشان إنتي زي القمر.
وردة اتفتحت في بستان حياتي.
وكل ما بشوف وردتي ببقى عايز أضمها وأشم ريحتها وألمسها.
فخوفت من نفسي عليكي.
فقللت خروجنا مع بعض.
سارة بخجل: أنا بحبك أوي يا أدهم وبعشق خوفك عليا ده.
وأخلاقك العليا وحاسة إن ربنا عوضني لما رزقني بيك.
أدهم: وبعدين كده هنسى أقولك حاجة مهمة.
سارة بترقب: إيه خير؟
أدهم: أنا عزماك على فرح مجدي وكرمة يوم الخميس في دار أيتام الفتيات.
هو حفل بسيط عشان يفرح زمايلها.
وبعدين هيخدها ويسافر شرم يقضوا شهر العسل.
هو مش شهر يعني هو أسبوع أنا مقدرش يبعد عني في الشغل أكتر من كده.
ثم تابع أدهم.
أدهم بنظرة حب: عقبالنا كده إن شاء الله يا قلب أدهم.
سارة بخجل: يارب يا أدهم. وأديني خلصت امتحانات. هتيجي امتى تكلم بابا؟
أدهم بقلق من رد فعل والداها: آه هاجي إن شاء الله بعد ما يجي مجدي من شرم.
وكأن عايز مجدي يكون موجود عشان لو حصل شيء يساند ويكون خير معين له كعادته.
سارة: هنتظر اليوم ده بفارغ الصبر يا حبيبي.
..............
ويأتي يوم الفرح وقد تجهزت العروس كرمة.
وسط فرحة زميلاتها ودعواتهم لهم أن يحصلوها قريبًا إن شاء الله.
وجاء العريس ومعه المأذون وحضر أدهم الذي كانت بصحبته سارة التي خطفت الأنظار برقتها وشياكتها وجمالها.
وحضر أيضًا أيمن الذي يظهر فعلاً على وجه الفرحة من أجل مجدي.
وكان أدهم وأيمن هما الشاهدين على العقد وتم العقد.
وسط زغاريد البنات وفرحتهم بزواج أخت منهم عزيزة وجميلة مثل كرمة.
فكانت ذات خلق ودين وكان من أقرب البنات لقلب كرمة زميلة لها اسمها منى.
التي كانت تنظر إليها بحب والدموع في عينيها لأنها ستفارقها إلى بيت زوجها.
وكانت كرمة تشعر بما تشعر به منى من ألم الفراق، فأخذتها في حضنها مع وعد بالزيارة دائمًا والدعاء لها بالزوج الصالح قريبًا.
من كان يشاهد هذا الموقف الجميل من أختين تحابا في الله. أيمن.
الذي حرم طويلًا من مشاعر الحب والصداقة الحقيقية.
فأعجبته كثيرًا منى ولم يخفض بصره عنها طوال الحفل البسيط حتى أنها أحست به.
فكلما كان ينظر إليها تحمر وجنتاها خجلًا.
وتخفض من رأسها وهذا جعل أيمن يعجب بها أكثر لححيائها فهو لم يتعود إلا على السافرات.
اللاتي لا يتمتعن بأي صفة من الأخلاق الطيبة والحياء.
وبدأ الحفل البسيط على أغاني بسيطة ليدخلوا البهجة على قلب مجدي وكرمة.
وعلى موسيقى هادئة رقص مجدي وكرمة وهو يضمها إلى قلبه ويهمس في أذنيها بكلمات تحمر وجنتيها خجلًا.
فنظرت أدهم إلى سارة بشوق ورغبة، فكم يتمنى أن يضمها ولا تفارق عينيه ولا قلبه لحظة.
أما سارة فلم تكن تنظر لأدهم. فقد أكلت الغيرة قلبها لأن أغلب البنات يأكلون أدهم بأعينهم.
حتى سمعت إحداهن تهمس لأخرى.
"إيه الشاب الموزز ده يا أخواتي.
ولا البدلة اللي لبسها هتاكل منه حتة.
آه لو ياخد باله مني بس وربنا يكرمني كده وأحصل كرمة."
هنا لم تستحمل سارة أكثر من ذلك بل وقامت وجذبت أدهم من يده بصوت تأكله الغيرة: "قوم نرقص بقولك".
وأدهم ينظر إليها بعين الحب تارة والخجل تارة أخرى.
وأوشك أن يقول لها: "مقدرش ميصحش"، لكن لم تعطيه فرصة للرفض.
وهي فعلت ذلك بدون وعي ولكن لتوصل فكرة للبنات أن أدهم بتاعي أنا وحبيبي أنا حتى شوفوا.
وفعلًا رقصا الاثنان ولكن حاول الابتعاد بجسده بأقصى ما يستطيع.
نعم الشوق والرغبة تملكه ولكن كعادته لا يستطيع أن يفعل شيئًا ليس من حقه.
وسارة كانت مش مركزة معاه ومرتحتش غير لما سمعت البنت وهي بتقول: "إيه ده شكله مرتبط. خسارة."
ولما البنت شعرت أن سارة بتبص لها، احمرت ومقدرتش تبص لأدهم تاني.
فابتسمت سارة ابتسامة الانتصار أخيرًا. وبدأت تنظر لأدهم فوجدته يصب عرقًا خجلًا.
سارة: مالك يا حبيبي؟
أدهم: مفيش بس يلا كفاية كده.
الوقت اتأخر عشان أوصلك.
وأرجع أروح مجدي وكرمة بيتهم.
وفعلًا انسحبوا من الحفل وشاور لمجدي أنه راجع تاني.
وصل أدهم سارة: تصبحي على خير يا أميرتي. أشوفك على خير يا عيوني.
سارة: وأنت من أهل الخير.
ولما توصل العرسان وتروح كلمني عشان أطمن عليك.
أدهم: من عيوني.
خلي بالك من نفسك.
سلام.
............
ورجع أدهم تاني للحفل عشان يوصل كرمة ومجدي.
فوجد أيمن في انتظاره.
ووجده يقول:
"ممكن يا أدهم طلب؟"
........
يا ترى أيمن عايز إيه من أدهم؟
وإيه هو الطلب ده؟
وليه لسه أدهم قلقان من مقابلة والد سارة؟
يا ترى قلبه هيطمن ولا إيه؟
وللحكاية بقية فكونوا بالقرب.
رواية ليست خطيئتي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء سعيد
عندما يريد الله شيئًا يقول له كن فيكون.
فسبحان الله الذي أبْدَل قلب أيمن القاسي العاصي إلى تائب حنون.
فقد كان يكره تمامًا من تربى في دار الأيتام ويعتبرهم أقل منه في الخلق.
ولكن المفاجأة التي طلب على إثرها أدهم قبل أن يغادر بالعروسين إلى عش الزوجية، هو طلبه من أدهم أن يتزوج بإحدى فتيات الدار.
حيث قال لأدهم: "ممكن طلب قبل ما تمشي يا أدهم."
أدهم: "أمرني يا أخويا، تحت أمرك طبعًا."
أيمن بدموع الامتنان له: "الأمر لله يا أحن وأجدع أخ في العالم."
ثم تابع بقوله:
أيمن بخجل: "إيه رأيك يا أدهم لو نخلي الفرحة فرحتين."
أدهم باستفهام: "إزاي فهمني؟"
أيمن: "أنا عايز أخطب صاحبة العروسة اللي جنبها دي على طول."
اندهش أدهم قائلاً: "أيمن أنت متأكد! عشان بس إحنا ناس حساسة أوي، ولو ارتبطت بيها وسبتها ممكن تموت من القهر."
أيمن: "لاااا أنا متأكد يا صاحبي، صدقني. أيمن بتاع زمان خلاص مات، واللي قدامك ده شخص تاني. مش شايف في عينيه إلا كل حاجة حلوة وخير."
ابتسم أدهم قائلاً: "اللهم لك الحمد."
أيمن: "الحمد لله."
ثم تابع بقوله:
"مش عارف والله يا أدهم أنا أول ما شفتها حسيت إني مرتحلها أوي، وشوفت في وشها براءة مشوفتهاش في أي واحدة عرفتها قبل كده."
أدهم: "عشان هنا صدقني بنات عفيفات اتربوا على الطهر."
أيمن: "عندك حق."
"فياريت يا أيمن تروح تكلم المسئولة قبل ما نمشي حتى عشان يكون فيه ربط كلام كده، عقبال ما أجهز نفسي، وتسألها برضه فربما معجبهاش."
أكد ثانيًا أدهم على أيمن قبل أن يتحدث مع مديرة الدار: "يعني فعلاً أكلمها متأكد يا أيمن بيه، إنك عايز تجوز واحدة اتربت في دار أيتام وملهاش أهل ولا أصل ولا فصل."
أيمن: "صدقني يا أدهم أنا اتغيرت فعلاً وشفت كل الأمور بنظرة تانية، وإني مش المال أو الجاه أو النسب هو اللي بيعمل للإنسان قيمة. ما أنت زي ما شايف وعارف أنا قدامك. كنت ابن أشهر رجال الأعمال وعندي فلوس متتعدش وكل متاع الدنيا كان عندي.. وحصل إيه في الآخر.. كله ضاع.. عشان كنت إنسان مش شايف إلا نفسي وبس، وكل الناس عندي كانوا في نظري أقل ولكن الحمد لله ربنا نور بصيرتي وبعتك ليا في الوقت المناسب.. وفعلاً حاسس إن البنت دي هتكون سبب سعادتي."
أدهم بابتسامة: "حاضر يا سيدي."
ثم قال مداعبًا:
"مش عارف كبرتوني انت ومجدي.. وعملتوني أبوكم.. بخطب لكم.. وأجوزكم.. بس تراعي ربنا في البنات.. مش عايز واحدة فيهم تيجي تشتكي.. وإلا وديني هملص ودانكم.. فاهمني."
أيمن بضحك: "حاضر.. يا أبييه. بس يلا قوم كلمها بسرعة."
أدهم: "مستعجل أوي يعني.. آهو قايم."
أدهم فعلاً كلم المسئولة، والتي بدورها كلمت منى. فطأطأت رأسها خجلاً بالموافقة. وسبحان الرزاق ستخرج من دار أيتام لتعيش في فيلا. كرم ربنا كبير وخزائنه واسعة بس نقول يارب.
وبقت الفرحة فرحتين في دار أيتام الفتيات.. زواج كرمة وخطوبة منى.
وأخذ أدهم يدعو الله أن يكلل فرحته هو أيضًا بموافقة والد سارة على زواجهم.
وصل أدهم العروسين عش الزوجية. وكانت كرمه تشعر بالحرج الشديد وبدأ جسدها يرتجف. وشعر مجدي بتوترها، فاطبق على يديها بحنو، ثم رفع يدها وقبلها قائلاً: "حبيبتي. عايزة أفهمك حاجة، إنك من أول ما دخلتي البيت ده معايا، فده معناه إننا أصبحنا روح واحدة في جسدين. يعني انتي بالنسبيالي هتكوني كل حياتي. أب وأم وأخت وزوجة وبنت. فهتلاقيني في حنان كل ده، وهعملك بما يرضي الله عز وجل. فمتخافيش ومتتوتريش، لأن بالحب هيكون كل شيء سهل وبسيط."
فابتسمت كرمه، فضمها مجدي وأخذها لعالم الأحلام.
وفي الصباح طاروا لشرم ليقضوا أسبوع عسل لم يحلم به من قبل. ولكنّه بفضل الله يهبه لمن يشاء. فقد صبر مجدي كثيرًا على الابتلاء وأكرمه الله في النهاية.
أما أدهم فتابع الشغل مع أيمن بجد وحرص. وأيمن بالفعل كان بمثابة الأخ والسند مثل مجدي. وربنا أكرم أدهم وكان كل يوم عن يوم يزيد الإنتاج واشتهر بسمعته الطيبة في سوق رجال الأعمال لأخلاقه الطيبة وابتسامته التي تجعل كل من يراه يحبه، بجانب أمانته وحب الخير للجميع.
مجدى قضى أسبوع كان الأجمل في حياته.
كرمه وهي تتعلق بعنق مجدي: "ياه مش مصدقة إن خلاص ده آخر يوم لينا في أسبوع العسل. كان نفسي نفضل وقت أطول. أنا عمري ما شوفت الجمال ده كله إلا معاك يا حبيبي."
فبادرها مجدي بقبلة على جبينها بحنو قائلاً: "وأنا كمان يا روحي والله. دي أول مرة أستمتع بحياتي فيها معاكي. بس غصب عني، مقدرش أسيب أدهم لوحده أكتر من كده."
كرمه: "للدرجاتي بتحب أدهم وبتخاف عليه."
مجدى: "فعلاً والله. ده كمان وحشني جدا."
فداعبته كرمه بقولها: "لا ده كده أنا أغير."
مجدى: "لا غيري من أي حاجة إلا أدهم. إحنا روح واحدة، زي ما تقولي كده توأم."
كرمه: "ربنا يخليكم لبعض، وطبعًا أنا أحترم العلاقة اللي بينكم. ده شيء جميل ونادر في الزمن ده."
مجدى: "وعشان الكلمتين الحلوين دول. أوعدك يا ستي كل فترة، أخطف أسبوع عسل تاني. عشان حياتنا هتكون بفضل الله كلها عسل في عسل، طول ما فيها كرمه."
فابتسمت كرمه قائلة: "متحرمش منك أبدًا."
وبالفعل عادوا مرة أخرى إلى القاهرة واستقبله أدهم بترحيب حار وعانقه بحب قائلاً: "وحشتني يا حبيب أخوك."
مجدى: "وانت كمان يا صاحبي. وقولي إيه أخبارك والمصنع تمام."
أدهم: "الحمد لله تمام. وقولي أخبار شهر العسل إيه؟ وكرمه؟"
فمكث مجدي يحكي له على الأيام الجميلة التي عاشها مع كرمه، وأنها فعلاً نعم الزوجة الصالحة. وتمنى له السعادة مع سارة قريبًا وسأله: "ها نويت إمتى إن شاء الله تروح تتقدم لسارة؟"
أدهم بقلق ظاهر عليه: "إن شاء الله بكرة بعد العشا."
مجدى: "ومالك كده.. باين على وشك القلق؟ أنت بقيت أدهم باشا ومحدش يقدر يقولك لأ."
أدهم: "ولما يسألني فين أهلك هقوله إيه؟"
مجدى: "هتقوله الحقيقة. وافق يبقى الحمد لله.. موفقش البنات ملية البلد يا عمنا متزعلش نفسك."
أدهم: "بس أنا قلبي اختار سارة ومش عايز غيرها."
مجدى: "يبقى تحارب عشان خاطرها ولو موفقش مرة.. تحاول تاني وتالت لغاية ربنا يكرمك."
أدهم: "الله المستعان."
وفي الميعاد كانت سارة مترقبة وصول أدهم وتعد الثواني قبل الدقائق لوصوله. حتى أن والداها في بادئ الأمر عنده شغف لمقابلة رجل الأعمال أدهم المشهور، لعله بزواجه من ابنته سارة يكون فاتحة خير للمشاركة معه في أعماله وصفقاته. فوالد سارة لا يشغل دماغه سوى العمل فوق كل شيء آخر. ووصل أدهم، واستقبله والد سارة بترحيب أشعر أدهم بالسعادة والتفاؤل.
في البداية، تحدث مع والد سارة في ظروف العمل والإنتاج. وأدهم يرد بكلمات ثقيلة فهو لم يأت للكلام في العمل. وانقذته سارة عندما دخلت عقب الخادمة بأكواب من العصير. ويظهر على وجهها الخجل. فسلمت عليه ورأته هو أيضًا يكسو وجهه الحمرة. فلم تستطع التحدث معه ولا هو استطاع أن ينظر إليها أو يكلمها فالأمر محرج حقًا ولم يخرجهما من الخجل إلا صوت الوالد وهو يقول: "شرفتنا يا أدهم.. يا ابني.. بس مش الواجب.. إنك كنت تجيب معاك والدك ووالدتك.. عشان نتعرف بيهم ويشوفوا عروسة ابنهم."
هنا اضطرب أدهم وتصبب عرقًا وغار قلبه في الأرض وتمنى أنه لم يولد حتى لا يسأل يومًا عن هذا السؤال. نظر أدهم إلى سارة التي طأطأت رأسها فهي لم تخبر والدها بحقيقة الأمر بعد، لعله عندما يشاهد أدهم يغنّيه شخصه عن عائلته.
أدهم بتوتر:
"يا عمي عشان أكون صريح معاك. أنا مليش أهل ولا أعرف مين أبويا وأمي ومش عارف هما لسه عايشين ولا ميتين وياريت أعرف بس للأسف معرفش عنهم حاجة."
والد سارة: "عني إيه ملكش أهل ولا تعرفهم، أمال اتربيت إزاي؟"
أدهم: "أنا اتربيت في دار رعاية أيتام."
والد سارة بتجهم: "دار أيتام.. ملجأ يعني!!"
أدهم بعزة: "أيوه. بس مش مهم اتربيت إزاي المهم أنا إيه دلوقتي. ووصلت لإيه دلوقتي من فضل الله ثم مجهودي. فأنا عندي شركة للملابس ورصيد في البنك وسيارة أحدث موديل يحلم بهم أي شاب تربى بين والديه. غير سمعتي اللي أكيد وصلت لحضرتك قبل ما أجي."
والد سارة بغضب: "يعني أنت لقيط.. يعني ابن حراااام وتربية ملاجئ وعايز أجوزك بنتي أنا إزاي.. أنت اتجننت أكيد. أنت لو عندك ملك الدنيا كله.. برده هتفضل في نظري.. مجرد لقيط.. ملكش أصل ولا فصل. وأظاهر إني ضيعت وقتي على الفاضي."
سارة...
يا بابا مش مهم أبوه مين ولا أمه مين، المهم هو مين وبيعمل إيه.
والد سارة: اسكتي انتي خالص، وحسابك معايا بعدين.
اتفضل حضرتك، معنديش بنات للجواز.
جريت سارة لأوضتها وهي تبكي ورمت نفسها على السرير.
خرج أدهم هائمًا من عندهم والحزن يملأ قلبه.
والعبرة في عينيه ويكاد يختنق، فيحاول فك رباط عنقه لكي يتنفس ولكن دون فائدة، وكأن الهواء نفذ من حوليه.
ويقول: ما ذنبي إن لم يكن لدي أم ولا أب مثل باقي الناس.
أنا كنت نتيجة لحظة عابرة بين أب وأم في الحرام.
لحظة واحدة كانت كفيلة بضياعي والنبذ من مجتمع لا يرحم.
فما ذنبي أن أمي لم ترحمني ولم ترق لي وكنت قطعة حمراء وألقت بي في الشارع.
وانهمرت الدموع من أدهم وكانت كالسيل.
وجرى إلى سيارته ليحتمي بها من أعين الناس، ولكن لم يستطع القيادة.
اتصل أدهم بمدير أعماله وصديقه من أيام الطفولة في ملجأ الأيتام.
"الو مجدي، أنا محتاجك ضروري دلوقتي، تعالى. أنا في عربيتي على ناصية شارع سارة بس تعبان ومش قادر أسوق، فتعالى أنا هستناك."
"سلامتك يا صاحبي، أنا جايلك حالا."
وركب مجدي التاكسي ووصل عند أدهم الذي شاور له من العربية ليأتيه ويركب مكانه.
وفعلاً ركب مجدي.
"ايه اللي حصل؟"
"أدهم لو سمحت يا مجدي، أنا مش قادر أتكلم دلوقتي.
فممكن نأجل كلامنا لبعدين وأنا هبقى أحكيلك كل اللي حصل."
"قال: ولو إني حاسس بيك وعارف، بس هسكت دلوقتي وهسيبك تستريح."
ووصله مجدي للبيت وطلعه بنفسه للشقة ودخله ونيمه على السرير.
"مجدى: تحتاج أي حاجة أجبهالك؟"
"أدهم: لو سمحت ناولني من الدرج برشام المهدئ."
"مجدى: انت لسه بتاخده؟ حرام عليك صحتك، ده هيأثر عليك فيما بعد."
"أدهم: لو مخدتهوش مش بقدر أنام، فمعلش ناوليهولي، عايز أنام أرجوك وهاتلي كوباية ميه."
"مجدى: حاضر."
وعطاله المهدئ مع الميه.
واخدهم أدهم وقله: "اتفضل انت شوف أشغالك ومعلش تعبتك معايا."
"مجدى: انت بتقول إيه بس؟ وتعب إيه؟ انت أخويا وصاحبي، بس انت صعبان عليا ومش عايز أسيبك."
"أدهم: لا متقلقش، أنا هنام شوية ولما أصحى هكون كويس بأمر الله."
الموبيل بيرن.
"مجدى: دي سارة، أرد؟"
"أدهم: لا متردش واقفل الموبيل خالص، مش عايز أسمعه يرن خالص."
"بس كده هتقلق عليك أكتر."
"أدهم: لو سمحت اعمل اللي بقولك عليه، ومعلش سيبني أستريح."
"مجدى: زي ما تحب."
وخرج مجدي وهو حزين على صاحبه وقال:
"مهما اجتهدنا وحققنا ذاتنا في المجتمع وقدرنا نبني وسطهم قدر من الاحترام، ولكن يبقى ماضينا ونشأتنا وصمة عار تتعبنا في كل مكان."
نام أدهم على أثر المهدئ.
وهاجمته الأحلام منذ أن كان طفلاً صغيراً في دار الأيتام.
رواية ليست خطيئتي الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء سعيد
يبدو أن ما توارثناه عليه من عادات وتقاليد من الصعب تغييرها بسهولة للأسف.
حتى لو كانت خاطئة. فلماذا لا نربي أبناءنا على مسمى الحلال والحرام أفضل من العادات والتقاليد وأن ده يصح وده ميصحش. فالأولى لفظ ده حلال وده حرام. فإن فعلنا هذا أنشأنا جيلاً يخاف الله في كل كبيرة وصغيرة. فما كان حلال ووافق تقاليدنا فمرحبا به. أما ما كان حرام ووافق تقاليدنا فليذهب إلى الجحيم. فلا طاعة لمخلوق في معصية الله. يكفي ما تعذب به أدهم من ذنب لم يفعله طيلة حياته.
إنه رجل وسيم وخلوق ونحت في الصخر وتخطى كل العقبات ليصل إلى ما هو إليه الآن. وعندما لمس قلبه الحب وأراد أن يكلله بالحلال الطيب للأسف قيدته التقاليد والعادات عليه التي تتبع دائماً في الزواج. انت ابن مين؟ ومن سيكون أعمام أحفادي؟ وأنت لقيط ابن حرام إذاً لن أزوجك ابنتي. أي ألم هذا تعرض له هذا المسكين منذ نشأته ولا يريد أن يتركه أبداً. فهل من قلب رحيم أم نزعت الرحمة من القلوب. ألا يكفي أنه على خلق ودين كما قال الحبيب المصطفى.
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.
أظن أنه يكفي جداً. فالمرأة لا تحتاج إلى نسب شريف أو حتى رجل غني ولكن أخلاقه ودينه ليست على ما يرام فستكره نفسها حينها وتقول يا ليتني عشت في غرفة واحدة مع رجل يقاسمني الحب والضحكة ويحترمني ولا يبكيني ويشعرني أني ملكة متوجة ويعني على طاعة الله خير من قصر مع رجل يبكيني كل ليلة ولا يعنني على طاعة الله ولا يذكرني بالله قط.
يئست سارة من كل محاولات الاتصال فأدهم لا يرد.
سارة بصوت مبحوح من البكاء: برضه مش عايز ترد يا أدهم. صدقني أنا بتعذب زيك وأكتر كمان. بس حرام كده. رد حتى طمني عليك يا حبيبي.
ثم حاولت مرة أخرى لتجده قد أغلق هاتفه. فصرخت: لا يا أدهم أرجوك متستسلمش.
ثم حدثت نفسها: وأنا هقعد كده أبكي على حالي وحاله. أنا لازم أعمل حاجة. فقررت أن تترك البيت لتتزوج أدهم رغم أنف أبيها. وجمعت ملابسها في حقيبة وتسللت في الصباح الباكر بدون أن يشعر بها أحد. فهي الآن لا ترى إلا حبها لأدهم الذي يعميها عن كل شيء. ثم توجهت نحو بيت أدهم.
استيقظ أدهم على صوت طرقات على الباب. فإذا به يفتح ليجد سارة أمامه ممسكة بشنطة ملابسها. فينظ ر إليها بدون أن ينطق.
سارة بخجل: مش هتقولي اتفضلي ولا هفضل واقفة على الباب كده.
أدهم بحيرة ويعجز لسانه عن قول أمشي؟ فقال: اتفضلي.
سارة دخلت وقفتلت الباب وارتمت في حضن أدهم وبكت.
سارة: أنا مش هرجع عند بابا تاني واحنا هنجوز يعني هنجوز. أنا بحبك ومقدرش أبعد عنك أبداً.
أدهم وهو يبعدها عنه: أنتي بتقولي إيه. عايزانا نتجوز من غير ما أبوكي يوافق من غير ولي يعني وكمان جاية هربانة بشنطة هدومك.
أدهم بحزن يملأ قلبه وعينيه: أنا لو إنسان وحش كنت صدقت وقولت لك ماشي. لكن أنا إنسان عارف حدودي وديني وعارف إن ده ميصحش أبداً أتجوزك بدون رضا أهلك.
سارة ببكاء مرير: يعني إيه. أنت مش عايز تجوزني يا أدهم. مبقتش تحبني.
أدهم: لا طبعاً عايز أتجوزك وبحبك لدرجة إني مستعد أفدي روحي بدالك. لكن لو وفقتك انتي كده هتجيب لهم العار ويغضبوا عليكي وأبوكي مش هيقدر يرفع راسه تاني وسط الناس. وأنا جربت ده كتير وعشت ياما مكروه وسط الناس. فمش عايزة يحس بنفس شعور الخزي والهوان ده.
سارة بألم: يعني إيه الكلام ده. أنا مش فاهمة غير إنك مش عايز تجوزني.
ثم أجهشت سارة بالبكاء مرة أخرى.
أدهم تملأ عينيه العبرات: سارة كفاية أنا مش مستحمل. وأنتي عارفة كويس إنك نور عيني اللي بشوف بها وكل دنيتي وبتألم لما بشوف دموعك دي. بس مينفعش نتجوز كده. عشان بحبك ومش عايزك تندمي أبداً لو حصل لوالدك حاجة وتقولي أنا السبب. فلازم باباك يرضى ويكون جوازنا في النور.
سارة: مهو مش راضي. نعمل إيه. أنا عمري ما تخيلت نفسي مع غيرك. ومش هجوز حد غيرك. وأنت لو رفضتني دلوقتي أنا عمري ما هجوز أبداً.
أدهم: افهميني وحسي بيه يا سارة. صدقيني مقدرش أعمل كده لمصلحتك وعشان خاطر راجل أنجب وسهر وتعب عشان يوفر لك حياة كريمة. فمينفعش ده يبقى جزاته في الآخر. أنا هغير هدومي وهاجي أرجعك البيت لغاية ما ربنا يأذن بالفرج.
سارة بإنكسار: لا أنت غريب بجد يا أدهم. وأنا مش مقتنعة باللي أنت قلته ده. أنا مش شايفة غير إنك رافض تجوزني. وكمان عايز ترجعني. أنت فاهم ده معناه إيه. يعني ممكن يجوزوني حد تاني غيرك. ترضى ده! ترضى أكون مع راجل تاني.
فكر يده أدهم بغضب قائلاً: لأ طبعاً. وممكن أموت فيها. أحلف لك بإيه إن بحبك يا سارة. أرجوكي صدقيني. بس برضه جواز من غير إذن أبوكي مش هينفع. وأرجوكي انتظري.
أغير هدومي عشان ترجعي لبيت والدك. وبالفعل ولج أدهم للداخل يستبدل هدومه. ولكن سارة لم تتمالك نفسها من البكاء ورفض أدهم لها. فأسرعت للمغادرة فوراً بعد أن حملت حقيبتها مرة أخرى. ثم توجهت نحو منزلها باكية بمرارة لرفض أدهم لها.
سارة ببكاء: آه يا وجع قلبي. ممكن يكون كلامك صح يا أدهم. بس كان قاسي قوي. إزاي تخليني أرجع كده.
ووصلت بالفعل سارة إلى بيت أبيها. ولكنها عندما قامت بفتح الباب ووجدت والداها أمامها والشر في عينيه ووجهه محتقن بالحمرة من شدة الغضب وخصوصاً عندما شاهد في يديها حقيبة ملابسها. فمقدرش يقول حاجة إلا رفع يديه وصفعها على إحدى وجنتيها بيده. فصرخت سارة متأوهة بألم.
سارة: آآآآآآآآآآه.
والدة سارة: لا كده كتير. مش أسلوب تعاملها بيه ده. كلمها باحترام.
والد سارة: اسكتي انتي يا هانم. ما هو انتي لو عرفتي تربي مكنتش عملت كده.
ولكن والدها لم يأبه لصراخها وانفعل بقوله: كنتي فين. وعايزة تجيب لنا العار يا قليلة الأدب عشان واحد ملوش أصل ولا فصل وابن حرام. ده إنسان تبصي له وتحبيه وعايزة تهربي معاه كمان عشان تجيبي عيال شبهه.
سارة بصراخ: الإنسان اللي حضرتك بتقول عليه ده أنا رحتله برجلي وقلت له جوزني. مرضيش. وقالي مقدرش أجوز واحدة من غير رضا أهلها. وأهو أنا قدامك هو. وكان عايز كمان يوصلني ليك بس أنا سبقته وجيت. أدهم مفيش زيه. ولو حضرتك مصمم إني مجوزش أدهم مش هجوز أبداً.
وجرت سارة على أوضتها وهي تبكي بكاء شديد يسمعه والدها من خارج الغرفة.
والد سارة محدثاً والدتها: معقولة واحد زي ده مفروض مصدق البنت ترحله لغاية عنده يرفضها ويمشيها. معقولة.
الأم: ما تسبها تجوز الولد اللي بتحبه. وأديك شفت بنفسك إنه أخلاق ومرضيش يشوه صورتك بالرغم اللي عملته فيه.
الأب: مش قادر صراحة. هقول بس للناس إيه. مجوز بنتي لمين. هو مفيش غيره. بكرة تنساه وتجوز أحسن منه.
وتمر الأيام. وأدهم في عزلة واكتئاب شديد ويحاول معه مجدي أن يخرج من عزلته ليأتي مرة أخرى لمباشرة الشغل في المصنع ولكنه يرفض دوماً.
وفي يوم حاول حد من العمال سرقة جزء من الإنتاج لغياب أدهم وانشغال مجدي في مكان آخر. وكان يظن أن أيمن أنه لن يكترث فهو لم يعد مصنع والداه. ولم يعلم أن أيمن قد تغير وتاب إلى الله وأنه له بالمرصاد. فوقف له أيمن. وحاول الآخر أن يستميته ببعض المال ليصمت ولكنه رفض. وأمسك به وتوجه به إلى مجدي. واكتفى مجدي بفصله عن العمل بدل تقديمه للعدالة حتى يتوب إلى الله ولا يرجع لمثل هذا العمل مرة أخرى.
وفي نفس الوقت شكر صنيع أيمن وتأكد تماماً أنه مخلص للعمل وقلبه على المصنع مثلهم. ثم توجه مجدي إلى أدهم.
مجدى: يا أدهم. أنت لازم ترجع الشغل. مينفعش كده. غيابك أثر على العمال. لدرجة أن واحد منهم مد إيده. ويعلم بيحصل إيه تاني من ورانا.
ثم قص عليه ما فعله أيمن. فابتسم أدهم وحمد الله أنه فعلاً عرف يأثر في أيمن وتغير للأحسن كتير.
أدهم بحزن: خلاص أمري لله هرجع من بكرة إن شاء الله. ولو إني مش قادر يا مجدي. صدقني.
مجدى: معلش يا حبيبي. مع الأيام والشغل هتنساها وربنا يرزقك أحسن منها.
أدهم: مظنش خلاص بعد سارة حد يدخل قلبي تاني.
سارة كانت زعلانة من أدهم ومكنتش بتتصل بيه ولا حاولت تشوفه لفترة كبيرة. وزي ما هو حاول يلهي في شغله فهي كمان نزلت تشتغل مع باباها في شركته ومسكت حسابات الشركة. وأثبتت بعد فترة صغيرة من الشغل مهاراتها فأوكل إليها والداها الإدارة.
وكان هناك صديق لوالد سارة اسمه جابر. عرض عليه أن يدخل معه شريك في صفقة جديدة. فوافق والد سارة طمعاً في مزيد من الربح. اعترضت سارة في بادئ الأمر فهي لا ترتاح لهذا الرجل وتسمع عنه أنه له طرق ملتوية كثيرة ولكنها لم تجد دليل ضده يؤكد شكوكها أو يقنع والديها بعدم الاستمرار معه في الشغل.
وفعلاً تمت الشراكة. وأخذ صديقه مبلغ كبير جداً على أساس شراء معدات من دولة أوروبية وهذه المعدات سيقومون بيبيعها في مصر بأضعاف ثمنها من أوروبا وهنا يكون المكسب ويتضاعف ما دفعه أضعاف كثيرة جداً. وهذا ما طمع فيه والد سارة. الربح الكثير السريع. ولكن الطمع يقل ما جمع. وصدقت شكوك سارة. فالرجل أخذ المال وهرب لأوروبا ولم يرجع بالمعدات التي اتفقا عليها ونصب عليه.
أصيب والد سارة بجلطة في رجله أقعدته في المنزل نتيجة الصدمة مما فعله فيه صديقه لأنه خسر فيها نصف ما يملك من أموال. والنصف الآخر لا يكفي لمعاودة النشاط مرة أخرى في السوق. أجمع الآن على سارة حزنين. حزن على فراق الحبيب أدهم. والحزن على والديها مما حدث له وأقعده في المنزل حزيناً ومريضاً. وحاولت هي النهوض بالشركة مرة أخرى ولكن نقص الأموال لم يساعدها كثيراً.
وقد تناقل الخبر في الصحف عن خسارة رجل الأعمال شريف وهبي وهو والد سارة و عن مرضه. ووصل الخبر إلى أدهم الذي أصابه بالحزن الشديد على حبيبة قلبه سارة وقال يا ترى هي عاملة إيه دلوقتي.
وطرئت عليه فكرة أن يدخل شريك لها ولوالدها في الشركة كنوع من المساعدة والنهوض بالشركة مرة أخرى لتستعيد نشاطها واسمها في السوق. ولكن خجل أن يدخل باسمه حتى لا يظن والد سارة. فبعث أدهم رجل من رجاله يكون هو الشريك الوهمي ليتعامل معهم بدلاً منه. ولكن هو الممول الحقيقي لهم. وهذا بسبب أن لا يظن والد سارة أنه فعلاً هذا مقابل الزواج من ابنته رغماً عنه. لذا اختار هذا الشريك الوهمي بالاسم فقط وهو من ورائه وليس في الصورة أمامهم.
سارة بفرح شديد: بابا بابا مش هتصدق. النهاردة جالي رجل أعمال عرف باللي حصلنا وعرض علينا الشركة في الشركة مقابل مبلغ كبير جداً. والمبلغ ده هيساعدنا بإذن الله إننا نرجع أحسن من الأول في السوق وترجع لينا كرامتنا قدام الناس.
والد سارة: يا ريت يا بنتي عشان ربنا يعوضنا اللي خسرناه بسبب اللي منه لله ده. ربنا ينتقم منه زي ما عمل فينا.
سارة: يا رب يا بابا. عشان ربنا عارف إننا تعبنا وعمرنا ما فكرنا نعمل حرام. عشان كده ربنا بعتلنا الراجل ده كنوع من جبر الخاطر.
وفعلاً قابل الشريك الوهمي سارة واتفق معها على كل المشروعات الجديدة المقدمة التي من شأنها أن ترفع بقدر الشركة مرة أخرى. ولكن الغريب هو حديث سارة لنفسها قائلة: أنا مش عارفة الراجل ده طيب زيادة عن اللزوم ولا إيه. عشان كل ما أقول له على شروط أو مقدار معين لتمويل المشروعات بيوافق على طول بدون مناقشة.
ثم قالت مرة أخرى: وأنا مالي. المهم فعلاً الشركة ترجع زي الأول وأحسن.
وفعلاً شيئاً فشيئاً بدأت شركة شريف وهبي والد سارة اسمها ومركزها يرجع زي الأول وأحسن كمان. وبفضل الله والدها شفي من الجلطة ورجع شغله أقوى من الأول. وكانت سارة فرحانة جداً بشفاء والديها.
سارة مرحلة بوالدها: نورت الشركة تاني يا حبيبي.
والد سارة بإمتنان: ده انتي النور كله يا حبيبتي. أنا مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا بنتي. وكنت بقول الأول كنت أتمنى أن يكون لي ولد عشان يشوف شغلي من بعدي. لكن بعد اللي شوفته منك انتي طلعتي بمية راجل.
فضحكت سارة مرددة: بس راجل حلو وشيك صح.
والد سارة: طبعاً يا روح قلب بابا. انتي جميلة الجميلات وربنا يكرمك بزوج يعرف قدرك.
فنكست سارة رأسها بحزن لأنها ما زالت تحب أدهم ولم تتوقف عن التفكير به ولم يتركها لثانية واحدة. وتدعو الله عز وجل أن يجمعها به مرة أخرى لأنها أقسمت ألا تكون لرجل آخر ولو مكثت حياتها كلها هكذا بدون زواج.
وفي يوم دخل والد سارة الشركة وتوجه لمكتب الشريك السوري له فوجده يتحدث في الموبيل بصوت مسموع بكلام. اتصدم حين سمعه شريف وهبي والد سارة. يا ترى كان بيكلم مع مين وليه اتصدم؟ ويا ترى الحب بين أدهم وسارة هيفضل في قلوبهم ولا كده القصة انتهت برفض والد سارة له.