بعد أن تناول الفطور مع أمه، نادى على رهف كي تعيد الأطباق إلى المطبخ وتنظفها. ناداها عدة مرات لكنها لم تجب. كانت رهف تجلس مكانها تبكي بألم، فالوضع فاق احتمالاتها. لا تعرف إلى من تشتكي، هي لا تريد أن تخبر والديها حتى لا تفجعهم أكثر، يكفي ما يعانون بسبب ما حدث. شعرت أنها وحدها، لا أحد بجوارها يساندها. كتب عليها أن تعاني وحدها ولا تقدر أن تبوح لأحد بسرها.
(فما أقسى الحياة عندما تعافر فيها وحدك، وما أصعب أن لا تجد لك رفيقاً تشاركه همك.) دخل الغرفة كالطَوْر الهائج يصيح بغضب: "أنا مش بنادي عليكي مبترديش ليه؟ في حقيقة الأمر، هي لم تسمعه لأنها كانت تبكي بحرقة وألم على حالها، التي ظنت أنه سيتحسن بالزواج منه، لكنه اتضح أنه أسوأ مما توقعت بكثير. لم تقو على أن تفتح فمها لتجيبه، فرمقته ببكاء. ليسحبها عامر من ذراعها عنوة ويدفشها تحت قدم أمه:
"إخلصي شوفي أمي هتطلب منك إيه تعمليه." أصدرت رهف تأوهات متألمة صامتة، دون أن تجرؤ على أن تخرج أي صوت. واستمعت لوالدة عامر تقول لها أن تحمل صينية الطعام وتلحق بها إلى المطبخ. لتستند على يدها لتقوم بتنفيذ ما طُلِب منها دون أن تنظر في وجوههم. تدعو الله أن يلهما الصبر وقوة التحمل على ما تعانيه من قهر، وأن يخلصها عاجلاً من هذا البيت الأشبه بالسجن المشدد. وضعت الطعام في الحوض وبدأت في تنظيف الأطباق بصمت تام إلى أن انتهت.
استمعت لأم عامر تقول: "السجاد شوفيه وقلبيه على ظهره علشان ينشف كويس." ذهبت رهف لتنفيذ ما تطلبه منها دون التفوه بحرف واحد. دخلت إلى النافذة ومدت يدها لتقلب السجاد على وجهه الآخر، لتجد عامر يقف أمامها بغضب. تحاشت النظر إليه وتابعت عملها. لكنها فوجئت بأصابع يده تلفح وجهها ويقول بقسوة: "لما أمي تكلمك تردي عليها مش تسيبيها وتمشي. وقاحة زي دي تتكرر تاني متولميش إلا نفسك."
هزت رهف رأسها عدة مرات، فمعنى أنها ستفعل، لتنجب بطشه مرة أخرى. رحل عامر وتركها تبكي دموع الحسرة على حياتها التي لا يبدو أنها سترى فيها يوماً واحداً هنيئاً. ذهبت إلى حيث أم عامر في المطبخ ووقفت أمامها لتقول بصوت متحشرج باكٍ، فهي تود الاعتذار منها: "أنا آسفة أوي يا طنط. والله أنا مش قصدي أي إساءة لحضرتك. حضرتك طلبتي مني أعمل السجاد ورحت علطول أعمله. أنا بعتذر لو كنت ضايقت حضرتك." أومأت لها أم عامر بأن
لا بأس ولتذهب لتعمل عملها: "ماشي روحي خلصي اللي قلتلك عليه." رهف بخفوت: "حاضر." توجهت أم عامر إلى ابنها الذي كان يدرس على حاسوبه، وذلك لتسأله هل تعرض بالضرب لرهف، فهي ترى آثار أصابع جلية على وجهها: "عامر هو انت ضربت رهف وطلبت منها تيجي تعتذرلي؟ ليرد عامر على أمه بلا اكتراث: "أيوه علشان تتعلم إزاي تكلمك بأدب. لكن مطلبتش منها تعتذر، هي اعتذرتلك؟
لتقول أمه، وقد بدأت تشعر بالاشفاق تجاه رهف، فهي لم تر منها منذ أن جاءت إلى منزلهم أي سلوك مسيء أو مشين: "أيوه يا بني البنت جت لي واعتذرت وقالت إنها مش قصدها متردش عليا، وكان شكلها معيطة ووشها باين فيه آثار ضربك ليها. ارحمها شوية يا عامر، البنت شكلها مكسورة والظاهر إن أهلها عاقبوها جامد على اللي حصل، فملوش لزوم اللي بتعمله فيها. لو مكنتش يابني عايزها، طلقها وسيبها ترجع لأهلها، بلاش تظلمها معاك أكتر من كده."
ليترك عامر حاسوبه وينظر لرهف بقسوة من خلال نافذة غرفته، والتي كانت في الشرفة تقلب السجاد: "أطلقها؟ ... دي لما تشوف حلمة ودنها حتى مفيش طلاق. هتفضل هنا تحت سلطتي لحد ما أشفي غليلي منها وأحس إني خلاص ناري بردت بعد اللي عملته. ومأظنش ناري هتبرد بسهولة." تنهدت أمه بأسف من أجل رهف، فأبنها لن يغير رأيه ولا ينوي أن يرحم تلك المسكينة. *** بعد أسبوع.
جاءت سناء مع ابنتها ملك لزيارة أختها، فهي لن تنتظر أكثر من هذا بشأن خطبة ماجد لابنتها ملك، لذا قررت أن تستخدم الأسلوب المباشر في طلب ذلك من أختها. لذا، وأثناء حديثها مع أختها قالت: "بقولك إيه يا سوسن يا أختي... مش خلاص اطمنتي ع البت وربنا هاديها مع جوزها؟ عايزين بقى نفرح بالولاد، هما الفرحة الحقيقية ونفرح بملك هي كمان."
ففهمت سوسن على الفور ما تقصده، فهي تعرف أن ملك تميل كثيراً لابنها ماجد، لكنه لا يفكر فيها مطلقاً. لذا حاولت رسم ابتسامة على محياها: "أكيد طبعاً، ده يوم المنى يوم ما أفرح بيهم." لتهتف سناء بتأكيد وبأعين ملتهفة، فالحيلة انطلت عليها: "أيوه يا أختي، خلي الفرح يدخل بيتنا من جديد، بل ما أكننا في عزا والفرح مش عايز يخش بابنا." تنهدت سوسن: "الولاد يرجعوا من الشغل هفاتحهم في الموضوع علطول." ثم التفتت إلى ملك تقول بابتسامة:
"هوا إحنا عندنا أعز من ملك؟ لتتسع ابتسامة ملك وتنفرج شفتيها بسعادة حالمة، فهي أخيراً سترتبط بماجد فتى أحلامها. *** بعد أسبوع. مر الأسبوع على رهف، أيامها كلها كانت شقاء في شقاء. تعامل أسوأ معاملة من عامر وأمه، فهم يرونها أنها مذنبة ولا تستحق سوى هذه المعاملة. بينما كانت رهف تقوم بأعمال التنظيف في المطبخ، جاءها عامر وقال بصوت صارم: "سيبي اللي في إيدك ده، وتعالي جهزيلي هدوم علشان خارج." هتفت أمه من خارج المطبخ:
"انت قررت تخرج أخيرا يا عامر." "أيوه يا ماما، عندي حاجات كتير متأخرة لازم أعملها." خطت رهف بقدميها من جواره كي تقوم بتنفيذ ما طلبه. ليقبض عامر على فكيها بقوة، لتتأوه بفزع، فهو فاجأها بفعلته. ليتكلم بصوت خالٍ من الرحمة وقلب يبدو كأنه بلا مشاعر، فكيف يدعي أنه كان يحبها يوماً: "أنا خارج وحسك عينك تهوبي ناحية الباب لإني ساعتها هجيبك يعني هجيبك وهتشوفي مني اللي عمرك متخيلتيه في كوابيسك حتى."
اتسعت عينا رهف برعب، وارتعدت أوصالها مما قد يفعله بها. فهزت رأسها بالنفي بمعنى أنها لن تفعل. ليتركها دافشاً إياها ليصطدم ظهرها بالحائط، فتغمض عينيها من الألم التي لم تعد تستطيع تحمله. لتسمعه يهتف بلهجة آمرة: "خمس دقائق وتكون هدومي جاهزة." فتحركت رهف من مكانها تفعل ما أمرها به. ذهبت إلى الغرفة وأخرجت ملابس مناسبة، بنطال كحلي وقميص لبني، ووضعتهم على طاولة الكي وبدأت في كيّهما.
ومع كل حركة من يدها تذرف دموعها دمعاً كأنه شلال ينهمر دون توقف، ولا أحد يعرف من أين ينبع ومتى ينتهي ماؤه. كان عزاءها الوحيد أن أهلها يظنون أنها تعيش حياة سعيدة الآن، وأنهم بات باستطاعتهم مباشرة حياتهم كالسابق، فالناس ستكف عن نسج الأقاويل بحقها يوم بعد يوم.
انتهت من كيها وأحضرت حذاءه الأسود وقامت بتلميعه وإيجاد الجوارب المناسبة له، ومن ثم وضعت متعلقاته مثل الساعة والمفاتيح الخاصة به والأقلام التي يستعملها أمامه عند المرآة حتى يأخذها معه. ارتدى ملابسه ووقف أمام المرآة يمشط شعره ويضع عطره المفضل، ينثره على ملابسه بكثرة مما جعل رهف تسعل بقوة، والتي أجبرها على الوقوف أمام عينيه، ربما يحتاج أن يطلب منها شيئاً تفعله.
طالعها بعينيه في المرآة ونظر لها باشمئزاز، ثم اقترب من الباب دافشاً إياها ليعبر خارج الغرفة، رغم أنها لم تكن في طريق عبوره. لتسقط على الفراش. ليلتف هو لها ثانية مقترباً منها قائلاً بغية الانتقاص منها: "السرير اللي لمسه جسمك القذر ده... يتنضف كويس. أرجع ملاقيش أي أثر لقذارتك عليه."
ابتلعت غصة كلامه الجارح لها بمرارة وقامت بغضب من فراشه، فهي نفسها لو كان الأمر أمرها ما لمست أي شيء يخصه، فهي باتت تكره هذا الرجل المسمى زوجها، والتي لا تعده سوى سجان براع في تعذيب سجينته ببراعة يشهد لها الجميع ويقر بأنه لا يمت للإنسانية بصلة، وإذا ما أمعن النظر في أمر هذا الرجل ربما سيجدونه مختل عقلياً أو رجل سادي من الدرجة الأولى يفرح عندما يجد ضحيته تعاني من الألم، سواء الألم النفسي بكلماته التي تشبه أطراف سكاكين حادة تنخر في قلبها، أو الألم الجسدي، بيده التي تطالها دائماً ببطشه.
ما أن اعتدلت في وقفتها حتى وجدته يقول: "أمي لو رجعت لقيتها اشتكت منك هيكون يومك أسود." لتفزع هي وتقول لنفسها وهي ترمقه بسخط شديد: "انت لسه ممشيتش... حسبي الله ونعم الوكيل فيك. إنت ظلمتني وأنا عمري ما هسامحك على اللي عملته فيا أبداً." وما أن استمعت لصوت الباب يُغلق حتى تنهدت براحة، فأخيراً ستجد أنفاسها هواءً نقياً لتتنفسه بعد أن كان يخنق أنفاسها ويحبس عنها الهواء حد الاختناق.
بركت على الأرض مكانها تستند بظهرها للحائط وسمحت لنفسها بالانطلاق لتخرج ما في جعبتها من بكاء وآهات وشهقات ليس لها أول من آخر. استمعت أم عامر لصوت بكاءها الذي اخترق قلبها، فزمت شفتيها بأسف تجاهها، فهي لا ترى لأفعال ابنها أي داعٍ، فرهف لم تخنه ولم تفعل به شيئاً، وإنما فعلت فعلتها وهي لا تمت له بصلة ولا تعرفه حتى، لينتقم منها إلى هذا الحد. وصلت إليها وانحنت بجزعها لتكون في مستواها، تربت على ظهرها بشفقة.
لتنتفض رهف إثر لمسها لجسدها. لتهتف أم عامر بصوت بدا حانياً: "قومي يا رهف متزعليش... قومي تعالي معايا." طالعتها رهف بأعين تغمرها الدموع حتى بات الرؤية مشوشة بالنسبة لها. أسندتها أم عامر وسارت بها نحو الحمام وقالت بهدوء: "أدخلي خدي دش على ما أجهزلك هدوم نظيفة من بتاعتي. ما هو مش هينفع تفضلي ببهدومك دي أكتر من كدا. ومش عارفة عامر أخفى شنطتك فين."
استمعت رهف لكلام أم عامر، فهي كانت في أشد الحاجة لأن تبدل تلك الملابس التي ترتديها الآن. طرقت أم عامر الباب وناولت رهف ملابس، رأت أم عامر مناسبة لها بعض الشيء. فارتدتهم رهف على الفور، فهي ليس لديها خيار آخر. كانت الملابس عبارة عن عباءة صيفية، بيتية طويلة، سوداء منقطة بالنقط باللون المستردة. بدت واسعة وطويلة لا تلائم جسد رهف الضئيل، فأهدت أم عامر لها حزاماً لتضعه في خصرها حتى تضيق به العباءة عليها.
شكرتها رهف بامتنان وأحست أن هناك بارقة أمل تلمع في الأفق قد يشرق منه فجر لأيامها البائسة حالكة السواد: "شكراً يا طنط.. أنا ممتنة لحضرتك جداً." تنهدت أمه عامر وضمت شفتيها تقول بجدية: "صحيح، أنا مكنتش حاباكي ولا حابة وجودك معانا في بيت واحد. وكنت مفكرة إني هلاقيكي بنت محدش عارف يلمها وعينيها يندب فيها رصاصة مش بتختشي. لكنك خيبتي توقعاتي...
ولا مرة رفعت عينك في عيني ولا مرة بصيتيلنا بصات بتاعة البنات الفلتانة. نظراتك كلها براءة وانكسار وحتى أسلوبك مهذب رقيق. وشك بيشع نور بطريقة غريبة مش عارفة ليه حسيت إني ميالة ليكي ومش عارفة أأذيكي. لدرجة إني جالي شعور إنك مظلومة." "معقولة تبتي بالشكل ده وعرفتي غلطتك؟ تهز رهف رأسها عدة مرات وتمسك يدها برجاء كي تظن هذا بها ولا تسوء معاملتها مرة أخرى:
"أيوه تبت والله العظيم ومش هعمل أي حاجة تغضبكم أبداً. أنا مش طالبة إني أعيش حياة كريمة." "يعني مش عايزة ترجعي لأهلك؟ أطأت رهف رأسها وقالت وسط شهقاتها: "ياريت أعرف أرجع. لكن لو رجعت دلوقتي ممكن يموتوا فيها. لتاني مرة هرجع لهم وأنا لسه مكملتش شهر جواز حتى. مش عايزة أكون مصدر تعاستهم. هتحمل اللي بيعمله عامر عشان خاطرهم بس يا طنط." أغمضت أم عامر عينيها بأسى لحالها. لتهتف رهف برجاء تود لو توافق أم عامر على طلبها:
"ممكن أطلب منك طلب.. بس بالله عليكي ما ترديني." نظرت لها أم عامر لتستمع لطلبها. فهتفت رهف بقلب مشتاق مضطرب: "ممكن أكلم أهلي. أسمع صوتهم من فضلك أرجوكي. والله مش هقول أي حاجة بتحصل هنا وحضرتك ممكن تقفي تسمعي بقول إيه." لتهتف أم عامر مضيقة عينيها: "يعني مش هتحكي على اللي بيعمله عامر معاكي؟ حركت رهف رأسها بالنفي:
"لا طبعاً يا طنط. أنا قلت لحضرتك إني مش عايزة أزعلهم. همثل عليهم إني كويسة عشان قلبي يرتاح إنهم مطمنين عليا. أنا لو كنت عايزة أقول لحد على اللي بيعمله عامر معايا كنت اتكلمت من بدري يا طنط. وزي ما قلتلك أنا حاطة أهلي في قائمة أولوياتي واحتياجاتي دلوقتي." "طيب هخليكي تكلميهم. بس إوعي عامر يشم خبر بالموضوع ده." هتفت رهف بفرحة لأنها ستحادث أهلها: "حاضر."
أخذت الهاتف وقلبها يعلو ويهبط من فرط حماستها وفرحتها. خطت بأصابعها على الرقم التي تحفظه عن ظهر قلب، فهي تحفظ أرقام أهلها كلهم. لكنها طلبت هاتف والدها، فلربما إخوتها مسافرون لعملهم. استمعت للجانب الآخر يجيب: "السلام عليكم." لتهتف رهف ببكاء فرحة: "بابا حبيبي وحشتني أوي يا نور عيني." استغرب فهمي ولكنه نظر لزوجته بفرحة لأنها سيطمئن على ابنته، فهو كان محرجاً من الاتصال بعامر. "رهف... عاملة إيه يا بنتي. وحشنا صوتك."
"أنا كويسة يا بابا بكلمك من تلفون طنط أم عامر." "سلامي ليها ولزوجك يا بنتي. وطمنيني عنك أخبارك إيه." نظرت رهف لأم عامر التي كانت تستمع للمحادثة وقالت بصوت متحمس حتى لا يظهر الهم في ثناياه: "الله يسلمك يا بابا. أنا كويسة متقلقش، اطمنوا كلكم عليا. المهم طمنوني عنكم كلكم، ماما وماجد وماهر عاملين إيه." "كويسين يابنتي. أخواتك في شغلهم وأمك كويسة." "ممكن أكلمها يا بابا ولا مش هتوافق؟
"لا طبعاً متوافقش ليه. خديها أهي معاكي." لتهتف رهف بفرحة: "ماما يا روح قلبي وحشتيني أوي." رغم أن سوسن تشتاق لابنتها ولتفقد أحوالها، إلا أنها ردت عليها بجمود: "أهلاً يا رهف ازيك." لم تهتم رهف لبرودها الجامد، فهي فرحة بأنها استمعت لصوتها: "كويسة طول ما حضرتك كويسة يا غالية. بحبك أوي يا ماما." "ماشي خدي بالك من نفسك. وفوقي جوزك ولبيتك، هما حياتك كلها دلوقتي."
"حاضر يا ماما هعمل كل اللي تقوليلي عليه المهم تكوني راضية عني." "ربنا يسعدك. سلامي لجوزك وحماتك مع السلامة." "مع السلامة يا روح قلبي. سلميلي على ماجد وماهر كتير من فضلك يا ماما." "ماشي يوصل. سلام." "سلام يا ماما." أغلقت سوسن الخط لتجد زوجها فهمي يرمقها بضيق. فنظرت له باستفهام: "في إيه يا راجل بتبصلي كدا ليه؟ ليهتف بغيظ:
"بقى يا شيخة مش عارفة في إيه. منتش عارفة تكلمي البت بأسلوب أحسن من كده بدل أسلوبك الناشف ده. البت اتجوزت والحمد لله ربنا سترها. لزمته إيه تعكنني عليها ومتديهاش ريق حلو. هتفضلي طول عمرك وحشة في حقها كدا؟ زمت سوسن شفتيها: "ياخويا خدنا إيه من الريق الحلو. أهي عملت عاملتها وجرستنا في البلد." ليزفر فهمي بغضب: "مش كنا فضينا السيرة دي. اللي هنعيده نزيده. أمال لو مكنتيش بتقولي لابنك سامح."
"أيوه ده أخوها يسامحها عشان نفسيته يا حبة عيني متتعبش. لكن أنا أمها ومش هقدر أنسا لها اللي عملته واتقبله بسهولة." "ربنا يهديكي يا سوسن. بس أنا بقولك أهو المرة الجاي لو كلمتنا تكلميها زي الناس." *** على الجانب الآخر. تناولت رهف الهاتف لأم عامر بامتنان: "متشكرة أوي يا طنط. حضرتك محتاجة إيه اعملهولك." ابتسمت لها أم عامر ابتسامة خفيفة: "روحي ريحي ليكي شوية قبل ما عامر يجي ويغرقك طلبات."
استجابت رهف لكلامها، فهي بأمس الحاجة للنوم، فهي لا تستطيع النوم مساءً في وجوده معها بغرفة واحدة، وإنما تغفو رغماً عنها من التعب. لم تشأ رهف أن تنام في غرفته وافترشت سجادة المطبخ لتنام عليها بعمق، فهي لم تنم قريرة العين منذ أن خطت قدمها هذا المنزل. *** مر شهر كامل على هذا الحال.
عامر يسيء معاملة رهف يوماً بعد يوم، وهي تتحمل من أجل أهلها. كما أنها لم تعد تشعر أنها وحدها، وخاصة بعد تحسن علاقتها مع أم عامر، التي بمرور الوقت توقنت أن رهف فتاة جيدة. فرهف تحسن معاملتها وتساعدها دوماً ولم تغضبها قط، حتى لو أزعجتها أم عامر بأي لفظ كان أو حملتها فوق طاقتها. فلا تجدها سوى فتاة مطيعة تريد العيش بسلام.
نزل ماجد إلى بلدته بعد غياب دام شهراً كاملاً. وكعادته، أول شيء فعله هو سؤاله عن أخته، التي لم تبرح باله أبداً. فطمأنه والده بأنها تهاتفهم مرة أسبوعياً تطمئنهم على أحوالها. فهدأت سريرة ماجد قليلاً، رغم أنه لا يشعر بالارتياح الكامل. ثم هتف متسائلاً عن أخيه ماهر، لم ينزل في إجازة هو الآخر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!