خرج من غرفتها ليبصر والديه يجلسان في كمد وحرقة. فاقترب من أمه وقبّل يدها. منخفضا بجذعه ليهمس في أذنها: "متزعليش.. مش هتحمل أشوفك إنتي وبابا بالشكل ده. للأسف اللي حصل حصل ومفيش في إيدينا حاجة نعملها. لكن الزعل غلط عليكي." تنهدت أمه في شجن ليعانقها بحرارة. "أشوف وشكم بخير.. هكون معاكم على اتصال ديما."
اتجه إلى والده وقبّل يده هو الآخر وطلب منه أن يعتني برهف. فماجد يعرف أن أبيه الوحيد الذي يرفق بحالة ابنته. فهي كانت في يوم من الأيام مدللته التي لا يوجد أغلى منها على قلبه. ***
في اليوم التالي علمت ملك أن ماجد قد عاد مساء أمس. فجاءت في الصباح على عجل لتراه. لكنها تفاجئت أنه غادر في نفس الليلة. ليخيب أملها في لقائه. فلعنت رهف لأنها هي السبب في ابتعاده. لذا قررت أن تُعيّرها أمام أصدقائها وتغتابها بإعلامهم بما فعلت. عن طريق كتابة منشور عبر جروب الجامعة الخاصة برهف. من خلال حساب مزيف حتى لا يعرف أحد أنها الفاعلة.
لتضحك في ارتياح لقلبها المريض الذي يتغذى على أذية الغير. وتفرح بالتعليقات التي تسب وتزم في رهف. وتلدغها بعبارات مسيئة ومحقرة من شأنها. *** في المساء وأثناء سير ماهر بتخبط في الشوارع بعيداً عن الحي. لا يعلم كيف يعود لفريقه وإلى متى سيتهرب من الجميع خوفاً من أن يكون حسن قد أفشى سر أخته لأعضاء النادي. والذين لن يدخروا جهداً للسخرية منه أو بالأحرى طرده من الفريق والنادي بأكمله.
وبينما هو يسير على غير هدى، قابل أحدهم والذي على ما يبدو أنه يتبعه، منتظراً اللحظة المناسبة كي يستطيع التحدث معه على انفراد. "كابتن ماهر، ممكن أتكلم معاك." التفت ماهر لصاحب الصوت. فهو ليس غريباً عنه. ليجده عامر الشاب الذي يسكن في الحي المجاور لحيهم. "اتفضل يا أستاذ عامر.. مفيش مشكلة." جلس الاثنان على إحدى مقاعد الاستراحة على الطريق. تردد عامر قبل أن يقول: "أنا كنت عايز أفاتحك في موضوع مهم." "سامعك يا أستاذ عامر."
هتف عامر بابتسامة: "أولاً بلاش كلمة أستاذ دي.. إحنا خلاص لو وافقت ممكن نبقى نسايب." حرّك ماهر رأسه بعدم فهم ما يقوله. "مش فاهم تقصد إيه." "أنا عايز أطلب إيد أختك رهف." طالع ماهر بذهول برهة ثم وقف محله استعداداً للمغادرة. فهو ظن أن عامر يسخر منها. ستوقفه عامر: "في إيه يا ماهر.. هو أنا قلت حاجة غلط؟ تحدث ماهر بحدة: "أستاذ عامر.. لو حضرتك جاي تهزر فأنا معنديش استعداد لده.. ومش هسكت على أي تصرف مهين أبداً."
وقف عامر قبالته ومسك ذراعه ليجلسه ثانية: "أنا بتكلم جد يا ماهر.. أنا فعلاً بطلب منك إيد أختك رهف... ومقصدتش أي إساءة من أي نوع." أخذ ماهر نفساً عميقاً ثم هتف بخزي: "حضرتك عارف أنها لسه في شهور العدة ومبقالهاش شهر متجوزة واتطلقت؟ "عارف.. أنا أعرف كل حاجة بخصوص رهف." أحس ماهر أنه في موقف محرج فتنحنح بخزيه. ليردف عامر: "وميهمنيش أي حاجة سمعتها...
ماهر زي ما أنت عارف أنا اتقدمت لرهف مرتين قبل كده وللأسف هيه رفضت متحججة أنها لسه بتدرس... ودلوقتي بتقدم ليها للمرة الثالثة.. قولت إيه؟ "انت بتتكلم جد يا عامر.. انت عايز تتجوز رهف؟ "لو وافقتوا هنعمل الفرح بعد شهور العدة علطول."
انفرجت أسارير قلب ماهر وانشرح صدره بهذا الخبر. فمعنى أن هناك من يريد أن يتزوج أخته بهذا الوضع وهو يعلم ما حدث ومتمسك بها. يعني أن الألسن والأقاويل ستبدأ في الاختفاء ولو قليلاً. أي أنهم سيستطيعون أن يرفعوا رؤوسهم ولو قليلاً في وجوه الناس. يعني أنهم لن يكونوا بحاجة للشعور بالحرج أو الخزي بعد الآن. أمسك ماهر يد عامر بامتنان ولا يعرف كيف يعبر له عن مدى سعادته بالخبر. فهتف بحماس:
"هبلغهم في البيت وهرد عليك.. بس متقلقش طالما أنا موافق محدش هيعارضني." ابتسم له عامر: "أهم حاجة رأي رهف لأنها رفضتني قبل كدا." "متقلقش خير إن شاء الله." رمقه عامر ببسمة ثم انتصب في وقفته ليغادر. "منتظر رأيكم على أحر من الجمر.. أسيبك بقا علشان وريا مشوار مهم." ما أن رحل عامر حتى هب ماهر بسرعة منطلقاً إلى بيته ليخبر والديه بالخبر الذي أخيراً سيدخل السرور ولو قليلاً على قلبيهما ويزيح غشاوة للحزن عن أعينهما. ***
وصل ماهر إلى المنزل وتحديداً لغرفة والديه ليزف لهم الخبر السعيد. تلت أسارير الأم كثيراً فأخيراً ستستطيع غلق أفواه جاراتها اللعنات اللاتي لا يبرحن عن التحدث في سيرة رهف ليل نهار. بينما بقى الأب صامتاً ولم يبدِ أي ردة فعل. يفكر في ذلك الذي يريد ابنته رغم ما حدث. رغم الأقاويل الكثيرة المختلفة بعضها حقيقي وبعضها ملفق والتي تغزل بحقها. أهو يتلاعب بهم أم ماذا؟ أهو يريدها لهذه الدرجة؟ أوصله الحب أن يتجاوز عن ماضيها؟
أم أن الله أرسله ليكون نجاة لابنته ولهم من تلك المصيبة التي حلت فوق رؤوسهم. لاحظ ماهر صمت والده وعبوسه فهتف بتساؤل: "بابا مالك.. مش فرحان يعني؟ تنهد فهمي بحيرة: "مش عارف يا ماهر.. مش عارف خايف أفرح يكون بيشتغلنا.. مفيش واحد عاقل بيفكر في اللي بيطلبه ده." نهرته زوجته وهي تضع يدها على كتفه تحركه: "يا خويا افرح إننا لقينا حد يلم بنتك.. ويقطع ألسنة الناس اللي مبطلتش كلام من ساعة اللي حصل." "ماما معاها حق يا بابا." فهمي:
"اللي فيه الخير يقدمه ربنا.. متجيبش سيرة لرهف بأي حاجة خالص دلوقتي وأطلب من عامر يتقدم تاني بعد شهور العدة.. لأنه مينفعش التصريح بالخطبة أثناء فترة العدة... حرام. وأهو منها هنعرف إذا كان صادق ولا بيلعب بأعصابنا... ومن النهاردة محدش يجرح رهف بأي شكل من الأشكال." ثم نظر لماهر: "وخصوصاً انت يا ماهر.. خف ايدك على أختك...
كفاية اللي ماجد عمله فيها.. اللي حصل حصل.. ربنا يسامحها بقى.. وأهو في حد لسه عايزها وهيرحمنا من اللي احنا فيه." هتف ماجد بغضب من رهف: "منها لله مش قادر أعقلها أبداً.. حتة بتاعة ولا تسوى زي دي تخمنا كلنا وتطلع كدا." فهمي بحسم للأمر: "خلاص بقا يا ماهر.. ممنوش فايدة أي كلام... واعتقد اللي شافته يخليها تفكر ألف مرة أنها تكرره تاني." زم ماهر شفتيه:
"ماشي يا بابا اللي تشوفه.. أنا أصلاً مش طايق البيت وعايز أمشي.. بس خايف يكون حسن قال حاجة وحد شم خبر." فهمي: "لو حد عرف حاجة مكنتش هتلاقي الهدوء ده... وأنهم كل شوية يطلبوا منك تقطع أجازتك وترجع." حك ماهر ذقنه بتفكير: "معاك حق يا بابا... الظاهر أن حسن لسه فعلاً في تأثير الصدمة ومفوقش منها." ثم قليلاً ثم هتف بتوعد: "هرجع أشوف الجو هناك عامل إزاي... لكن وقسماً بالله لو اللي حصل ده سببلي مشاكل في مستقبلي... ما هرحمها...
هيه ولا تفرق معايا بنكلة لكن مستقبلي يتدمر بسببها فده اللي مش هسمح بيه أبداً." *** سافر ماهر قابضاً على قلبه من الخوف، لكنه عكس ما توقعه قوبل بالترحاب الشديد. ولا أحد تطرق إلى موضوع حسن وأخته. فعلم أن حسن لم يفصح عن شيء بعد. فخشي أن يسأل أين هو فين كشف أمره لذا فضّل الصمت حتى يظهر حسن من تلقاء نفسه. ***
انقضت أشهر العدة قضتها رهف وحدها، فلا أحد يتعامل معها مهما حاولت. فقط تقوم بأعمال المنزل ومن ثم تعود لكوخها في غرفتها وجليسها الوحيد هو المصحف التي باتت لا تتخلى عنه في الآونة الأخيرة. أعاد عامر طلبه كما أخبره ماهر واتفق مع فهمي على خطبة لمدة أسبوع واحد وبعدها يتم عقد القران. فشقته جاهزة يعيش فيها مع أمه. قام بالتعديلات البسيطة على غرفته لتناسب العروس.
في حقيقة الأمر، ما كان فهمي ليطلب أكثر من هذا. هو فقط يريد أن يستر ابنته ويمنع الكلام الذي يشاع في حقها كالبانة يمضغونها باستساغة غير مراعين لمشاعر الأهل. لا يعرفون أنه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. (فالإنسان قد ينجو من ثعبان لكنه لا ينجو من النميمة) *** أخبر ماهر أخته بشأن زواجها بعد أسبوع، لكنها رفضت رفضاً قاطعاً. لذا هتفت برفض تام للأمر: "لا يا ماهر...
أنا مش عايزة أتجوز.. أنا عايزة أفضل معاكم هنا في البيت." ليهتف هو بامتعاض: "واحنا مش عايزينك هنا من أصله.. أنا أول واحد عايز أرتاح منك." حاولت أن تبتلع بمرارة ما قاله والذي يقصد به إهانتها وتحاملت على نفسها وهتفت برجاء: "حاضر هفضل في الأوضة ومش هتشوف وشي نهائي بس أرجوك مش عايزة أتجوز.. أرجوك." أمسكها ماهر من خصلات شعرها بقوة حتى كان أن يقتلعها في يده: "مش عايزة تتجوزي.. بس عايزة تدوري على حل شعرك مش كدا؟ حاولت هي
تخليص شعرها وهي تصيح بألم: "أبدا والله ما هعمل حاجة غلط.. كل اللي أنا طالباه أفضل هنا معاكم وهعمل كل اللي تطلبوه مني بالحرف." ترك شعرها ليدفشها على فراشها وهو يقول متجهاً لخارج الغرفة: "أنا مش جاي آخد رأيك أنا جاي أبلغك... احمدي ربنا أن في حد وافق يلمك ويأخدك على قرفك ده." قالها وهو يرمقها بنظرة متحقرة لشأنها وغادر. بسطت جسدها على الفراش تبكي بقهر فلا حيلة لها بمجابهة أخيها.
حاولت أن تجد حلاً وفكرت أن تتحدث إلى والدها فهو الوحيد الحاني عليها في هذا المنزل. لذا انتظرت الفرصة المناسبة عندما كان يتوجه للحمام ليتوضأ. اقتربت منه وأمسكت يده برجاء: "بابا أرجوك أنا مبقتش عايزة أتجوز خلاص.. عايزة أعيش الباقي من عمري هنا معاكم." تنهد فهمي وأزاح يدها عن ذراعه ببطء وقال ناظراً لعينيها المدمعتان: "عامر شاريكي وطلبك من قبل ما عدتك تخلص كمان.. ده غير إنه اتقدملك مرتين قبل كده وانتي رفضتي...
ارضي بحالك واتجوزيه لأنه ده الحل الوحيد اللي هيخلصنا من الفضيحة اللي انتي حطتينا فيها دي." طأطأت رهف رأسها لأسفل وهمت لتقول شيئاً. فسبقها ماهر الذي استمع لحديثهم قائلاً: "ماجد جاي قبل كتب الكتاب بيوم وهيسألك عن رأيك وحذاري إنك تقولي مش موافقة.. أظن انتي فاهماني كويس.." قالها وهو ينظر لها بنظرة أخافتها جعلتها تفر من أمامه بسرعة. أخذ فهمي نفساً عميقاً وهو يتمتم: "يارب سلمتك أمري كله.. فألطف بينا يارب."
ومن ثم باشر هو في الوضوء لصلاة العصر. *** في اليوم التالي جاء عامر ليجلس مع رهف ولو لمرة واحدة قبل الزواج. استعدت للقاءه بناءً على رغبة أخيها الذي أجبرها على ذلك. فتحتملت على نفسها مر ما يحدث معها وجلست معه.
ما أن رأته عرفته على الفور. إنه كان طالباً في نفس كليتها ولكنه يكبرها بأعوام. كانت تشاهده يرتاد الجامعة أحياناً لتحضير رسالة الماجستير. تقدم لخطبتها لكنها ما كانت تشعر بالارتياح له قط لذا رفضته متعللة بأنها تريد إنهاء دراستها. ما أن رآها حتى ابتسم ابتسامة سمجة هي تراها كذلك وهتف قائلاً: "أهلاً يا رهف." جلست هي على أحد المقاعد بصمت تام ودون أن تنظر إليه. افتتح هو حديثه:
"طبعاً انتي مستغربة أنا ليه متمسك بيكي حتى بعد اللي حصل." كلماته التي تفوه بها جعلتها تنظر له تلقائياً. تترقب إجابته بتوتر. ليهتف بهمس: "أول ما شوفتك في الجامعة أعجبت بيكي جداً.. ودخلتي قلبي علطول... جيت واتقدمت ليكي لكن للأسف رفضتيني مرتين." شعرت رهف بالحرج لأجله فأخفضت رأسها ثانية. لتسمعه هو يردف كلامه: "لكن بعد اللي حصل.. جيت أتقدم لك بقلب جامد وأنا عارف أنكوا هتوافقوا علطول ما هو مفيش حد عاقل يوافق يتجوز ا...
قطع كلامه لينظر إليها ليرى تعابير وجهها بعد صمته تاركاً إياها تفهم إيحاءاته. ليرى تعابير وجهها تحتقن بشدة لتنهض من مكانها وتهتف غاضبة: "وأنت مش مغصوب على الجوازة دي.. وأنا بعفيك منها عن إذنك." وقف هو أمامها ليمنعها من المرور ويقول هامساً بفحيح أصابها بالضيق: "مش هتقدري تعملي حاجة.. أهلك ما صدقوا حد اتخبل في عقله وفكر يتجوز واحدة زيك يخلصهم من الفضيحة اللي انتي عملتيها.." ليهتف هي بصوت باكي: "إنت عايز مني إيه؟
ليقترب منها هامساً في أذنها: "عايز أتجوزك.. هكون عايز إيه؟ لتبتعد هي عنه كمن لدغه عقرب لتهتف محاولة استجماع شجاعتها: "وده مش هيحصل ولو أهلي وافقوا.. ماجد مش هيوافق لو عرف إني مش موافقة." ليقول بصوت رخيم: "ليه بس يا رهف.. ده أنا بحبك ورضيت بيكي رغم اللي عملتيه." "مش هيحصل... إنت عايز تشمت فيا مش أكتر." ليهتف هو بعند: "هيحصل وهتشوفي ويا أنا يا إنتي يا رهف." قالها وانحنى بجزعه نحوها حتى باتت أنفاسه تلفح فيها وجهها.
"لو عايز أشمت فيكي هتجوزك؟؟ إيه التفكير العقيم ده يا روحي.. سلام أسيبك ترتاحي الكم يوم دول علشان جوازنا.. باي يا روحي." ***
كانت كلمات عامر مثيرة للريبة والشك في قلب رهف. لا تدري أهو حقاً يحبها كما يزعم ومتمسك بها أم أنه يريد التسلية ليس أكثر. قضت الأيام الباقية لها قبل الزفاف في توتر وتفكير. هناك هاجس يخبرها أنه ثمة هناك شيء خاطئ بالأمر وأنها لابد أن تتراجع عن تلك الزيجة. لكن القرار ليس بيدها هي. كان آخر أمل لها هو ماجد أخيها. لكن كيف تخبره عدم قبولها وأخيها ماهر يقف لها بالمرصاد.
انتظرت عودة أخيها بفارغ الصبر إلى أن جاء في الموعد تماماً كما أخبرها ماهر. عندما علمت بقدومه لا تدري أهي فرحة لرؤيته أم أنها خائفة منه. فآخر لقاء لهما كان مخيفاً بالنسبة لها لكنه على كل حال سيظل أخيها الذي تحبه كثيراً. طرق باب غرفتها فطالعت الباب وهو ينفتح ويدلف منه ماجد وخلفه ماهر.
نظرت له بترقب وشوق وكادت أن تتقدم نحوه لتحيط عنقه بذراعيها كما كانت تفعل دائماً. لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة تتذكر ما فعله بها آخر مرة فرمقته بخوف وشوق معاً. مزيج من العبرات مصحوبة بمشاعر متناقضة تترقرق بين أهدابها. كم اشتاقت إليه وإلى تدليله لها. كم اشتاقت لمجالسته. إلى مشاجراته معها. إلى كل شيء بصحبته لكن أنى لها كل هذا الآن.
كان هو أيضاً يبادلها نظرات الاشتياق نفسها مختلطة بالحسرة والألم. ظلا على وضعيهما يمرقان بعضهما بالنظرات التي تشي بالكثير إلا أن قطعها ماجد مدعياً الصلابة والحزم. قائلاً بنبرة جادة وكأنه يخاطب شخصاً غريباً، مما أصابها بالحزن الشديد: "أنا جيت علشان آخد رأيك موافقة على العريس ولا لا؟ زاغت نظراتها نحو أخيها ماهر الذي يقف عاقداً ذراعيه إلى صدره ويرمقه بنظرات تحذيرية من ألا تجيب بنعم. انتبه ماجد لذلك لذا هتف به قائلاً:
"ماهر ممكن تسيبنا لوحدنا شوية؟ حدق ماهر لبرهة لرهف والتي تراجعت للخلف خوفاً من نظراته. ثم غادر بصمت. طفق ماجد حديثه عندما رآها تطوقه بعينيها بصمت: "مردتيش عليا.. انا طلبت من ماهر يمشي علشان أسمع قرارك من غير ما حد يغصب عليكي." غمرت العبرات وجه رهف دون أن تجيب.
كان يعلم تمام العلم أنها غير موافقة البتة على تلك الزيجة وهذا جلي جداً في عينيها. كيف لا يفهمها وهو من كان مقرباً لها أكثر من نفسه. لكنه صُدم بها بعدما حدث وما اقترفته. فلم يعد يراها كما كانت بالسابق. كيف يفعل بعد زلتها تلك. كبح غضبه مكوراً قبضته قائلاً بعقلانية:
"عارف انك مش موافقة.. لكن لازم تفكري في أهلك.. مجرد زواجك من عامر هيقطع السنة أي حد يتكلم في حقك تاني.. هيخليهم يرفعوا عيونهم في عيون الناس من تاني.. مش هيكون في قلبهم نظرة الانسكار والخيبة اللي مالية قلوبهم دي.. وطبعاً انتي السبب في كل اللي بيحصل ده صح ولا إيه؟ أطرقت برأسها للاسفل. ليردف ماجد: "علشان كده لازم تتحملي نتيجة غلطتك للاخر.. وكمان عامر باين عليه بيحبك دي رابع مرة يطلبك فيها.. لعله يكون خير ليكي... زفر
ليخرج ضجيج قلبه المتألم: "فكري في كلامي كويس.. القرار في الأول والآخر يرجعلك....... هسيبك طول اليوم تفكري.. ومنتظر ردك بالليل وصدقيني اللي انتي عايزاه هعمله." أنهى حديثه التي كانت تستمع له بصمت ثم غادر بهدوء. ليتركها هي في دوامة حيرتها تتخبط في أفكارها. هي لا تريد الزواج بهذا الشكل أو بالأحرى لم تعد تفكر في الزواج مطلقاً.
أخذت تطرق بقبضة يدها على كفة يدها الأخرى في هياج، وجهها محتدم للغاية قلبها يعتصر على غير سكينة. رأسها في ضجة واضطراب تخشى المجهول. لكنها تذكرت كلماته أجل هو محق لابد وأن تفكر في أهلها لابد وأن تتحمل من أجلهم. حدثت نفسها: "وهو كمان أكيد بيحبني.. ده مُصر يتجوزني.. مفيش تفسير لطلبه غير كدا. هوافق وربنا يستر.. بس علشان خاطر اهلي مش حاجة تانية." عزمت أمرها على أن تخبر أخيها بقرارها. في المساء.
ذهبت إلى أخيها حيث يجلس مع أسرته في الردهة. شبكت أصابعها ببعضها وفركتهم معا ثم قالت بتردد: "ماجد." رمقها الجميع باهتمام وأولهم ماهر. لتردف هي: "أنا موافقة." قالتها على عجل وكأنها في سباق وهمت على الفور للتوجه لغرفتها مرة أخرى. أحست أنها تسرعت فمنذ أن نطقت بموافقتها وهي تشعر بأنها أخطأت وتسرعت في الأمر، وأن قرارها ذاك خاطئ. ابتسم ماهر برضا ثم ناداها قبل أن تلج غرفتها: "حضري لينا العشا."
عادت أدراجها إلى المطبخ ثانية. تعد لهم طعام العشاء. وضعته على الطاولة ومن ثم همت للتوجه كعادتها إلى غرفتها التي لا تبرحها سوى لأعمال المنزل. هدل ماجد باستغراب: "رايحة فين تعالي اتعشى." جابت بأبصارها عيون والديها وأخيها وقبل أن تنطق هتف ماجد مرة أخرى: "اقعدي يا رهف... انتي بكرة هتتجوزي.. وعايزين كلنا ننسى اللي فات.. صحيح صعب لكننا هنحاول."
لم تجد رهف بد من الجلوس فاختارت تلقائياً جوار ماجد فهي مازالت ترى فيه الأمان. لم تهنأ بالطعام بقدر أنها تجلس وسط عائلتها مجتمعون من جديد. فتنهدت بارتياح واستبشرت خيراً عسى الأيام القادمة تمحي تلك الذكرى الأليمة في قلوبهم وتعود المياه إلى مجاريها من جديد. *** في مساء اليوم التالي. استعدت رهف للذهاب مع عامر إلى بيته. فلقد أنهى المأذون إجراءات عقد القران للتو. وحان الوقت لتوديعهم.
ودعتها أمها واضعة يدها على كتفها تحدثها لأول مرة منذ الحادثة قائلة بألم: "مع السلامة.. على الله المرة دي تصيب وينصلح حالك، مش عايزين غير كده." طوقت رهف والدتها _رغماً عنها _بذراعيها ببكاء: "يااه يا ماما اخيراً كلميني.. أنا آسفة اني كنت مصدر ألم ليكي في يوم من الأيام.. وأعدك اني مش هزعلك تاني أبداً." تنهدت سوسن باستسلام وربتت على ظهر ابنتها التي ترفض أن تخرج من أحضانها. "ربنا يسعدك يا بنتي."
خرجت من بين أحضان أمها بعد برهة لتقترب من أبيها تعانقه والذي بادلها العناق بدموع هو الآخر ويقول: "ربنا يكتب لك الخير يا بنتي ويهنيكي." لتهتف ببكاء: "هتوحشني أوي يا حبيبي.. سامحني لو كنت آذيتك أو زعلتك.. أنا آسفة أوي.. حقك على راسي يا حبيب قلبي." قالتها وهي تقبل رأسه بحب بالغ. آتي الدور على أخيها ماهر والذي كان يتابع الموقف بمشاعر باردة جداً يستند برأسه على يده جالساً على المقعد بلا مبالاة. لتقترب منه بارتباك
باسطة يدها نحوه لتودعه: "أشوف وشك على خير يا ماهر." أجابها ببرود متجاهلاً يدها الممتدة نحوه لتصافحه فما زال لا يستطيع أن يغفر لها زلتها: "مع السلامة." لكنها انحنت بجسدها نحوه تلتقط يده عنوة ولأول مرة تستجمع شجاعتها وتفعل هذا مع أخيها. أخذت يده بين كفيها ومن ثم قبلت يده: "هتوحشني اوي.. مش عايزآك تزعل مني.. مش كل حاجة بتحصل قدامنا حقيقة.. ساعات بيكون في حاجات خفية احنا مش شايفينها.. سلام يا ماهر."
حملق ماهر فيها بزهول من فعلتها ومن كلماتها المبهمة وطالعها وهي تقترب من أخيها ماجد. تقف أمامه دون حراك على عكس عادتها مما أثار تعجب ماجد. كان يتوقع أن ترتمي في أحضانه لكنها لم تفعل واكتفت بقولها: "مع السلامة يا ماجد." قالتها واستعدت لتتقدم نحو عامر ذلك الرجل الغريب عنها والذي فُرض عليها بسبب الظروف. كانت تريد أن ترى ردة فعل أخيها هل سيتقبل جفاءها في الحديث معه أم أن الأمر لا يعنيه.
لتجده يسحب يدها يضمها إلى صدره يقبل رأسها مغمضاً عينيه يتألم من أجلها. فهو قسى عليها يعلم أنها ترفض تلك الزيجة لذا اضطر أن يجعلها توافق رغماً عنها بقوله (فكري في أهلك) كان يعلم أنها ستضعف إذا ما تعلق الأمر بوالديها. ومن ثم همس لها بأسف: "سامحيني يا رهف.. اللي عملته علشان خاطر ماما وبابا.. ارجعي لربنا واستغفريه لعله يتجاوز عن ذنبك... ويسعدك في مرحلتك الجاية." دفنت رأسها في صدره تتشبث به بيدها:
"ادعيلي يا ماجد.. ومتتخليش عني ارجوك انا مليش غيركم." "مش هنتخلى عنك يا رهف.. بس كلنا محتاجين وقت علشان نفوق.. الصدمة مكانتش سهلة علينا ولا عليا أنا بالذات.. أنا بموت بسبب اللي حصل يا رهف ومحدش حاسس بيا." "مش كل اللي شايفينه حقيقة يا ماجد.. هتوحشني يا حبيبتي." (فليس كل ما هو منظور حقيقة.. فلك الظاهر لكن لا تحكم بناء عليه)
انسلت هي من بين يديه حتى لا يفتضح أمرها أكثر من هذا واقتربت من عامر الذي مد يده ليستقبلها لتذهب معه وعينها على أهلها لا تبرحهم إلى أن اختفوا من أمامها لانطلاق عامر بالسير متجهاً إلى شقته في الحي المجاور. صدحت ملك تحدث نفسها بغيظ واستشاطة: "لسه بردو حظك نار يا غبية انتي.. ااه ياني.. أنا هتفرس.. بقى تبقي لسه مطلقة بقالك كم شهر وتتجوزي تاني يا جبروتك يا شيخة." ***
ما أن وصلت رهف مع عامر الذي كان يسير معها طوال الطريق صامتاً، حتى انتفض قلبها وانقبض فجأة كتلك القبضة التي أصابتها عند زفافها لزوجها السابق حسن. أدخلها البيت وأوصد الباب خلفه جيداً. كانت متوترة خائفة تنظر للمنزل بتيه واضح ومن ثم قررت الجلوس على إحدى مقاعد الركنة التي تتوسط الردهة، فمن فرط توترها لم تعد قدماها تحملانها.
لتجده يقف أمامها وقد تحولت تلك الابتسامة التي كانت على وجهه إلى وجوم ونظرات استحقار تشملها من رأسها حتى أخمص قدميها ويقول صادحاً بها: "مين سمحلك تقعدي!!! ارتبكت من حديثه الفظ وتغير لكنته المفاجئة. فلقد كان بمنزلها لا تفارق الابتسامة شفتيه. فهبت على الفور لتقف في حرج وهي لا تعرف ماذا يحدث. فهتف باستغراب: "في حاجة يا عامر!!! بتتكلم ليه كدا؟ ليتحدث عامر بحدة وباستهزاء:
"ممنوع تعملي حاجة أو تلمسي حاجة في البيت ده غير بإذني... البيت ده طاهر وهيفضل طول عمره طاهر... مش هتيجي واحدة زيك تندسه." حركت رأسها بعدم استيعاب ما يقول. لوي ثغره ساخراً: "إوعي تكوني فاكرة إني اتجوزت حباً فيكي... صحيح حبيتك أول ما شفتك... واتقدمت لك مرتين في الحلال و رفضتيني.. بس اتضح إنك حقيرة مش بتحبي غير الحرام وبس." عقدت ساعديها بغضب شديد وهدرت به: "طيب اتجوزت الحقيرة اللي بتقول عليها ليه.. ها؟
"اتجوزتك علشان أنتقم منك واوريكي النجوم في عز الضهر.. اتجوزتك علشان أذلك." لم تصدق رهف ما تسمع وما ترى فحملقت به يرمش جفناها عدة مرات. ليهتف هو بتهكم: "إيه كلامي مش عاجبك؟ "لا مش عاجبني طبعاً واتفضل طلقني حالا خليني أرجع لبيت أهلي." ليمسك عامر بشعر رهف وحجابها: "الكلمة دي مسمعهاش تاني...
ومفيش خروج من هنا غير لما أأذن أنا بده.. وبعدين أهلك اللي انتي عايزة ترجعي ليهم دول ما صدقوا يخلصوا منك ومن فضايحك اللي بتلاحقهم يا عيني في كل مكان بسببك انت." حاولت تخليص نفسها من قبضته قائلة بغضب: "إوعى سيبني.. انت عايز مني إيه؟؟ ... أنا عملتلك إيه لكل ده.. ما أنا كنت قاعدة في حالي في بيت أهلي حد اشتكالك." أمسكها عامر ذراع رهف وقام بليه ليصطدم ظهرها بصدره متأوهة من الألم:
"قولي معملتيش إيه.. إنتي كنتي بتطيري النوم من عيني.. كنت بفكر فيكي كل ليلة.. قد إيه كانت صورتك في مخيلتي البنت الوديعة الرقيقة اللي مشفتش ولا هشوف في أدبها وجمالها.. لما فكرت أتقدم ليكي و رفضتيني.. اسودت الدنيا في عيني بس ميأستش واتقدمت تاني وبردو رفضتيني.. فحسيت إني بموت فضلت شهر مكتئب بسببك.. بس بعدها قررت أسافر اشتغل في أي شركة وأسيب الماجستير لفترة يمكن إنتي كنتي رافضة تتجوزيني علشان دخلي القليل مثلاً.. ما أنا
مكنتش عارف سبب رفضك.. سافرت وفضلت أشتغل ليل ونهار وبعافر هنا وهناك علشان أجمع مبلغ كويس ويكون ليا مكانة مرموقة تفخري بيا.. سبت أمي لوحدها بالشهور مسافر بعيد عنها.. كل ده في سبيل إنك لما ارجع توافقي عليا.. ولكن لما رجعت اتصدمت إنك اتخطبتي وخلاص هتتجوزي."
"مش عارف أوصلك نظرة الحزن اللي كانت في عين أمي وهيه شايفة ابنها بينهار قدامها.. الخبر مقدرتش أتحمله.. البنت اللي صبرت سنين علشان اتجوزها خلاص اتخطبت وفرحها بعد كم يوم!! "رقدت في السرير مش بتحرك.. لا باكل ولا بنام من الصدمة.. وأمي كانت بتتقطع علشاني عايزة تساعدني ومش عارفة تعمل إيه؟ "لحد ما ف يوم وصلها كلام من واحدة جارتكم في العمارة.. ولما أمي قالتلي.. هبيت من مكاني فجأة.. وقفت زي الأبلة.. اتشليت من الصدمة."
"البنت اللي بعافر علشانها تطلع كدا!!! "قربت أمي مني تملس على ظهري _احمد ربنا يابني أن ربنا نجاك منها.. شوفت حكمة ربنا.. مكانش ليك نصيب فيها لأنها مكانتش تنفعك.. إنت طيب وابن حلال يا ابني.. ومتستاهلش إلا بنت الحلال اللي زيك.. قوم افرح وعيش حياتك مش دي اللي تبكي عليها." "ساعدتها غامت عيني واسود قلبي وقررت إني لازم أنتقم منك وأعاقبك بنفسي على اللي عملتيه...
على كسرتك بقلبي.. ولصدمتي بجوازك لغيري.. وأخرهم على صدمتي فيكي وإني كنت بحب وهم وسراب.. قررت إني أتجوزك علشان أذلك وأعرفك أن الله حق وإني مش هعدي حقارتك دي بالساهل." مد يده الأخرى ليدير وجهها عنوة وهو ما زال لاوياً ذراعها ليهتف في أذنها بفحيح نيران تتأجج داخله لا تنوي لها على خير: "حظك العكر اللي وقعك في طريقي.. بعد تحول الحب اللي حبتهولك لكره لدرجة إني أحب العمى ولا إني أحب واحدة زيك."
قالها وهو يدفشها بقوة لتسقط على الأرض بقوة فتنجرح قدمها وتصدر تأوهاً مكتوماً يصاحبه الدمعات التي تواسيها فيما يحدث لها. أبصره يقترب منها وما زال وجهه محتدماً بنظرات غاضبة. فزحفت بإيديها تبتعد عنه خوفاً حتى اصطدمت بالجدار الذي يعلوه شاشة التلفاز. يرتجف قلبها بصدمة مما اكتشفته في ذلك الرجل أمامها. انحنى بجزعه نحوها فأخفت وجهها بيدها سريعاً لتجده يقبض على قدمها المصابة فتصرخ بشدة. ليهتف هو ويعتلي ثغره بسمة شامتة:
"وجعتك مش كدا... ولسه يا رهف.. دي البداية بس ومحدش هيرحمك مني.. صدقيني." صاحت به باكية برجاء: "ارجوك سيبني في حالي... أنا آسفة آسفة على كل حاجة... بس والله مكانش قصدي إني أعمل فيك كدا... أنا.. أنا رفضت زي ما كنت برفض أي عريس يتقدملي مش رفضتك انت شخصياً صدقني... ارجوك سيبني أمشي." ليمسكها هو فكها بحدة فتغمض عينيها بألم:
"حظك بقا إنك قصاد عامر بعد ما اتحول بصدمته فيكي لوحش مش هيقضي غير عليكي انتي.. فوفري على نفسك النواح ده لأنه مش هينفعك.. وقومي اتحركي على أوضتي يلا إخلصي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!