انقضت ثلاثة أشهر منصرمة على رهف تغيرت فيها هيئتها كثيراً، وبدت أكثر نحافة وأكبر سناً، وأكثر إرهاقاً وتعباً. فعامر يضيق الخناق عليها كثيراً، ولولا أم عامر كانت معها تخفف عنها ولو قليلاً لكانت أصيبت بالاكتئاب والجنون. استوحشت رهف أهلها كثيراً وافتقدتهم، فعامر لم يسمح لها بزيارة أهلها ولو لمرة واحدة. وهم يشعرون بالحرج من طلب ذلك بسبب ما فعلته رهف، ومنتظرون أن يسمح عامر بذلك، لكنه لم يفعل.
أحست رهف بالاختناق وأن الدنيا تضيق بقوائمها عليها، تريد أن تخرج للعالم الخارجي، يكفي إلى هذا الحد. لما لا يسمح لها عامر بالخروج؟ ولو أرادت الهرب لفعلت منذ مدة طويلة، لكن ما كان يقيدها هو أهلها، لا تريد أن يدخل الحزن إلى قلوبهم بسببها. كان عزاءها أنها تراهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي بدونها. ذات يوم استجمعت رهف شجاعتها وقررت أن تطلب من عامر أن يسمح لها بزيارة أهله.
لذا ذهبت إليه حيث يعمل على حاسوبه. وقفت أمامه وفركت أصابع يديها المتعرقة بتوتر. "ااا... أنا كنت عايزة أطلب من حضرتك طلب." قال لاوياً ثغره دون أن ينظر إليها حتى: "خيراً." ازدردت ريقها وهتفت بارتباك: "كنت بستأذنك أروح لأهلي أشوفهم، أصلهم وحشوني أوي." هتف بصوت رخيم بارد: "لا." أكلت هي غضباً وهتفت بحنق: "ليه بقا؟ هو انت هتحرمني من أهلي كمان زي ما حرمتني من كل حاجة؟ خلتني عايشة مجرد نفس بيطلع وبيخرج بس؟
كفاية بقا حرام عليك." أمسكها عامر من ذراعها، لاوياً يدها إلى ظهرها، وأردف بشر كأنه وحش يتحدث لا مشاعر له لا إنسان: "وممكن أحرمك كمان من النفس ده... فاتعدلي كده وصوتك ميعلاش تاني... وتصرفك الوقح ده أنا عارف إزاي هعاقبك عليه كويس." لتهتف هي ببكاء وتحاول تخليص نفسها من قبضته: "سيبني بقا حرام عليك، انت إيه مفيش أي أحساس خالص." ليهتف لها عامر محدقاً إياها بعينين مخيفتين:
"لا الاحساس اتمسح من عندي من يوم ما اتصدمت بحقيقتك القذرة." قالها وهو يقبض على وجهها بقوة. لتبعد يده بحدة: "ابعد بقا... أما مش فاهمة انت بتفكر إزاي... مش عاجباك مكنتش تتجوزني... انت بتعاقبني على حاجة مش من حقك على فكرة... أهلي بس المسؤولين أنهم يحاسبوني مش إنت، فياريت متسوقش فيها وتنسى نفسك... أنا لو كنت سمحتلك بده فلإني مكانش عندي حل تاني غير اني أستحمل...
فأنا بقولك أهو يا إما تعاملني بما يرضي الله لإما تخليني أمشي بهدوء." عقد عامر ساعديه أمام صدره: "وإيه تاني يا بنت فهمي العيسوي؟ ها.. أخيرا طلعلك لسان وبقيتي تتكلمي." لترمقه بغضب شديد، فهي فقدت القدرة على الاحتمال أكثر: "أيوه من النهاردة مش هسكتلك يا عامر... ومش هسمحلك تنقص مني أو تهيني أكتر من كدا." ترك حاسوبه وقام ليتعدل لينظر لها بأعين مخيفة جعلتها ترتد للخلف بعض خطوات تحسباً لأي لحظة غدر منه.
ليهتف بغضب وهو يشمر ساعديه ولا يحيد ببصره عنها: "مش هتسمحيلي مرة واحدة!! ها وهتعملي إيه بقا إن شاء الله." ازدردت ريقها وهتفت بصوت ملتاع: "عامر لو سمحت كفاية بقا." ليستمر هو في التقدم نحوها دون أن يلفظ بكلمة واحدة، لكن نظراته تشي بالكثير. وهي ترتد للخلف حتى اصطدمت بالباب المفتوح، فقررت أن تفر من أمه، فما أمامها سوى شخص لا يحمل في قلبه أيه عواطف ولا أدنى إحساس ولا شفقة.
لكنه فهم ما كانت تنوي فعله، فبسرعة خاطفة أغلق الباب بيده، فأصبحت محاصرة بين ذراعيه الممتدتين إلى الباب. ليهتف بفحيح في أذنها: "أنا سمحت لك تخرجي؟ حاولت التملص من حصاره، لكنه أحكم من اعتقالها بين ذراعيه. اختلج قلبها بخوف، وحركت جسدها بعشوائية حتى تتخلص من حصاره بأي وسيلة، لكن أنَّى لها القوة أمام جسده الصلب، وهي الهزيلة التي أصبحت مجرد فتتات هشة تحركها الريح كيفما تشاء وحسبما تريد.
ضحك ضحكته التي تثير استفزازها وتجعل الرعب يتمكن منها قائلاً: "متحاوليش مش هتفلتِ من إيدي غير بمزاجي... حظك النحس اللي وقعك تحت إيدي، ولازم تكوني عارفة إني مش هرحمك ولا هغفر لك اللي عملتيه ده أبداً." همَّ عامر أن ينقض عليها ليضربها، فأخفت وجهها بيدها وهي تصرخ لطلب النجدة من بطشه. ولكن قبل أن تطالها يده، طرقت أمه الباب: "عامر... عامر... تلفونك انت نسيته على السفرة ومبطلش رن من الصبح... عامر... أنت بتعمل إيه في رهف؟
أنا سامعة صوت صراخها حرام عليك يا ابني... عامر افتح الباب." زفر عامر بضيق، فهو كان يود تأديب تلك التي أصبح لها صوت وبدأت بالتذمر مؤخراً. لكن طرقات أمه على الباب ليفتحه جعلته يرضخ لأمرها، فدفع رهف عن طريقه لتسقط على الأرض فتجرح قدمها، فتكتم أنينها في قلبها وتضع يدها على قدمها المصابة تبكي دون صوت، فما فائدة الصراخ والعويل إن كان لا أحد سيخرجها مما هي به.
فتح عامر الباب لأمه، فأعطته هاتفه بغضب وهمت لتدخل لترى رهف وما حل بها على يده. لكن عامر منعها قائلاً بصرامة: "من فضلك يا ماما سيبيها... مش عارف ليه قلبك رق بالشكل ده... اللي زي دي مش بتحس وتستاهل الرجم مش الضرب." لتهتف أمه بتذمر على الوضع: "فوق يا عامر انت زودتها مع البنت أوي...
وان كان أهلها ساكتين فهما ساكتين علشان مطمنين على بنتهم معاك ومستأمنينك عليها، ولو عرفوا اللي بتعمله فيها مش هيترددوا ثانية واحدة أنهم يطلقوها منك... فارحمها شوية يرحمك ربنا يابني." ضحك عامر بتهكم: "يطلقوها كمان؟ لاا الطلاق ده أخر حاجة ممكن يفكروا فيها علشان الفضيحة...
أخرهم لو عرفوا بكلمتين أراضيهم ويرجعوهالي تاني زي الكلبة وساعتها هذل فيها زي ما أنا عايز بردو ومحدش له عندي حاجة، واحد وبيربي مراته اللي متربتش من الأساس."
استمعت رهف لما يقوله عامر، فانفطر قلبها أكثر وعلمت أنها أوقعت نفسها بين براثن من لا يرحم. أيقنت أنها أخطأت خطأً فادحاً بموافقتها بالزواج ثانية في هذه الظروف التي تمر بها. علمت أنها ألقت بنفسها للهلاك بأيديها، ولا سبيل لها للخلاص. فعامر قد حكم عليها بالسجن المؤبد الذي لا مفر منه.
فرت دمعة حارة على وجنتها تري الحالة التي وصلت إليها من بؤس، وانهارت تماماً كما لو أصيبت بمس من جنون. بدأت تنتفض بقوة ويتشنج جسدها وتصدر أصواتاً غير مفهومة وهمهمات مصحوبة بصرير متألم، يعلن عن بداية دخولها في نوبة نفسية إن لم يتم التدخل وإنقاذها. ارتعش قلب أم عامر واختلج من مكانه خوفاً من أن يصيبها مكروه، فاقتربت منها تعانقها بحنو وتربت على ظهرها بعطف شديد.
استغرقت رهف مدة لكي تعود لحالتها الطبيعية، لكنها انخرطت في بكاء مرير حتى أخرجت كل ما بجوفها من مرارة وكمد، حتى بح صوتها ونفد رصيدها من الدموع، وشعرت بالتعب واستسلمت لأن تغفو بين يدي أم عامر. بعد فترة لا تعلم رهف كم الوقت قضته وهي نائمة. فتحت جفونها التي تورمت من كثرة البكاء، بتثاقل شديد لتجد نفسها في نفس الغرفة... غرفة أكثر شخص باتت تكرهه في حياتها حتى أكثر من حسن زوجها السابق حتى...
همت لتتحرك لكنها وجدت نفسها أعلى فراش مريح وليس الأرض الصلبة الجامدة التي اعتادت أن تنام عليها دائماً، ففطنت أنها نائمة على سريره، فانتفضت لتبعد عن الفراش بسرعة لتجد يد تمسكها تمنعها من أن تهبط للأسفل. فارتاعت أكثر، لكنها سرعان ما هدأت عاصفة خوفها عندما سمعت: "خليكي نايمة على السرير يا رهف إنتي لسه تعبانة." نظرت لها رهف بخوف ترتعش عيناها وهي تبصر باب الغرفة، ففهمت أم عامر ما تعنيه رهف بنظراتها الخائفة،
فقالت لتهدئتها: "متخافيش عامر نزل من بدري... خليكي مرتاحة." تنفست رهف الصعداء، وأغمضت عينيها بألم. لتحتضن أم عامر يدها بين كفيها باشفاق: "مصير كل ده يزول يا بنتي... ارجعي لربنا وتوبي من اللي عملتيه زمان وربنا هيرضى عليكي، ولو رضا صدقيني هتتفاجئي بجميل كرمه ورحمته." "ربي هداكِ." رددت رهف بصوت هامس: "أستغفر الله وأتوب إليه...
عارفة إن ربنا هيخرجني قريب من اللي أنا فيه لأنه نجاني مرتين من حاجات لو كانت حصلت كنت انتهيت فعلاً..... فلله الحمد." لم تفهم أم عامر ما قالته رهف، لكنها نهضت عن كرسيها تقول: "هسيبك ترتاحي براحتك يا رهف... وهنزل السوق أشتري شوية حاجات مش هتأخر عليكي." لكن رهف أمسكت يدها وشدت عليها، فقالت أم عامر: "متخافيش عامر قايلِ لي إنه هيرجع متأخر." هزت رهف رأسها يمنة ويسرة تعني أن هذا ليس قصدها. فحركت أم عامر كتفيها بعدم فهم:
"مش فاهمة عايزة إيه يا رهف." فتحت رهف فمها لتتحدث برجاء: "علشان خاطري خديني معاكي يا طنط.... أنا مخرجتش من زمان وحاسة إني هنفجر لو مخرجتش." هتفت أم عامر بزهول من طلبها وقالت خائفة من رد فعل عامر عندما يعلم بالأمر: "طب وعامر؟ هتفت رهف بتوسل: "هنرجع قبل ما يجي.. علشان خاطري خديني معاكي... مش هعمل أي حاجة إلا بإذنك والله."
لم تجد أم عامر مفر من أن ترضخ لطلب رهف وهي ترى تضرعها ولهفتها تلك التي تلمع في عينيها كي تخرج. لذا قررت أن تأخذها معها لتريح أعصابها قليلاً وتمنت أن يمر الأمر على خير، فلا يعلم عامر بالأمر. "ماشي... بس المرة دي وبس وربنا يستر."
نهضت رهف سريعاً من الفراش وشكرت أم عامر على موافقتها وتوجهت إلى حقيبتها لتخرج شيئاً مناسباً ترتديه. التي جلبتها أم عامر عنوة من ابنها كي تستطيع رهف ارتداء ملابسها بدلاً من تلك التي لا تناسبها وتخص أم عامر. خرجت رهف من المنزل بسعادة غامرة، وودت لو خطت تلك الشوارع القليلة لتكون في بيت أهلها فلا تغادره أبداً... لكنها خشيت أن تتسبب في المشاكل لتلك السيدة الطيبة التي ترأف بها.
سارتا معاً إلى السوق، فطالعت رهف الناس والشوارع والأبنية باشتياق، فهي لم تخرج منذ مدة طويلة وأحست أنها كانت سجينة بالفعل. سارت رهف جوار أم عامر بصمت تشاهدها تمسك تلك وتنتقي ذاك وهي تراقب بسكون تام. أرادت أم عامر أن تبتاع بعض الدواجن، لذا هتفت في رهف: "رهف خليكي هنا هدخل جوة أختار الفراخ اللي هخلي الفراجي يدبحها وهرجع علطول... متتحركيش من مكانك." هتفت رهف وهي تجلس جوار بائعة الفجل باستكانة: "حاضر."
ابتسمت البائعة لرهف، فبادلتها رهف بابتسامة ضائعة لا تجد قلباً يؤويها ويزيح عنها همها التي اختارت أن تحمله وحدها. لتجد البائعة تقول وهي تدقق النظر في عيني رهف: "شايفة جواكِ هم كبير يا بنتي رغم صغر سنك.. ارمي حمولك على ربنا وهتفرج." وكأن البائعة ضغطت على زناد قلبها، فانبثقت دموع رهف بشدة وكأنها عين ماء تتدفق في وسط صحراء جرداء. لتربت البائعة على كتفها وهي تقول: "في عينيكي يابنتي براءة مخلوطة بحزن جسيم...
زي ما تكوني مظلومة ومحدش مصدقك... بس خليكي واثقة ان ربنا هيبعتلك اللي يشوف البراءة اللي في عنيكي دي ويقف جنبك.. وساعتها اتمسكي بيه يا بنتي واوعي تسيبه لأنه هيكون خلاصك من كل مشاكلك." "لأنّه جَبَّار أودعناهُ قلوبَنا."
ألقت البائعة تلك الكلمات على مسامع رهف، ثم لملمت أشياءها بسرعة وابتعدت. تعجبت رهف من معرفة تلك السيدة لتلك الحقائق من مجرد النظر في وجهها فقط، ولم تكتفِ بهذا بل بشرتها باقتراب الفرج، فطالعتها رهف بأعينها لتجدها اختفت وسط الزحام بسرعة.
نهضت رهف من مكانها تبحث عن تلك السيدة التي اختفت سريعاً وبدون مقدمات، فهي تود أن تخبرها المزيد مما يريح قلبها وتسألها كيف عرفت كل هذه الأمور. دارت رهف حول نفسها تبحث بعينيها عنها في كل مكان، لكن لا أثر، اختفت وكأنها لم تكن، فوقفت رهف في حيرة من أمرها، ومن ثم ابتسمت عندما تذكرت ما قالته، لكن ابتسامتها اختفت عندما شاهدت ذلك القادم نحوها.
تحولت ابتسامتها لزعر حقيقي عندما شاهدت ذلك القادم نحوها، وعلى ما يبدو أنه غير منتبه لها، فأغمضت عينيها بسرعة وتجبست قدماها بالأرض ولم تستطع الحراك من هول الصدمة. لكن سائق الدراجة النارية انتبه لها في اللحظة الأخيرة وخفف من سرعته، لكنه لم يستطع التحكم في الدراجة فاصطدم برهف وسقطوا ثلاثتهم على الأرض. رهف وسائق الدراجة الذي لم يكن سوى طفل في الرابعة عشر من عمره والدراجة.
خرجت أم عامر بعد أن ابتاعت ما تريده لتشاهد ما حدث، فتساقطت الأشياء من يدها من صدمة ما رأت وجرت نحو رهف الفاقدة للوعي. تجمهر الناس للاطمئنان على المصابين، ولينظروا ما حدث. ساعدوا الفتى على النهوض ليجدوه لم يصب بأذى. لكن الفتاة (رهف) كانت فاقدة للوعي وترقد بلا حراك.
تطوع أحد الرجال وحمل رهف بمساعدة أم عامر إلى سيارته لينقلوها للمشفى للاطمئنان على صحتها. بينما لم يسلم الفتى من توبيخ الناس وتأنيبهم لأنه لم ينتبه أثناء القيادة وكاد أن يزهق روحاً بطيشه.
لسوء حظ رهف أو ربما لحسن حظها، لم نعلم بعد، نقلها الرجل بسيارته إلى المشفى الذي يعمل بها وليس المشفى الموجودة بالمنطقة التي لو كانت نقلت لها لكانت تعرفت عليها إحدى جاراتها اللاتي يعملن ممرضات بالمستشفى ولأخبرن أهل رهف بالحادث. لكن تم نقلها لمستشفى آخر ليس بها أحد يعرفها. في المشفى، تم نقل رهف إلى غرفة الكشف ليفحصها الطبيب المسؤول بمساعدة الممرضات. وانتظرت أم عامر والرجل بالخارج حالما ينتهي الطبيب من الفحص ويطمئنهم.
جلست أم عامر على إحدى المقاعد الموجودة بالرواق تندب بندم أنها لو لم تحضرها معها لما حدث ما حدث. ماذا ستقول لابنها الآن؟ وما مصير تلك النائمة بالداخل؟ بعد برهة خرج الطبيب وأخبرهم أنها لن تفيق سوى في اليوم التالي، وأنه سيتم عمل الفحوصات والأشعة اللازمة لتحديد سبب الإغماء، ولابد من دفع تكاليف المشفى قبل عمل الأشعة.
لم تجد أم عامر بداً من أن تخبر ابنها وتبرر له بأنها من طلبت اصطحاب رهف معها كي تساعدها في حمل الحاجيات، وأثناء التبضع اصطدم فتى يسوق دراجة نارية برهف وتم نقلها إلى المشفى. وذلك حتى تتجنب عقاب عامر لرهف، يكفي ما تعانيه الآن. جاء عامر إلى المشفى التي أخبرته أمه عليها ليطمئن عليها، لا على رهف الذي لم يبالِ بأمرها. أمسك يدها ونظر لها بلهفة: "ماما انتي كويسة؟ "أنا كويسة يابني... ربنا يسترها على الغلبان اللي جوا." قبّل
عامر يد أمه وهتف بصرامة: "تستاهل اللي يجرالها يا ماما... أهم حاجة إنك كويسة... ألف سلامة عليكي يا حبيبتي." رمقته أمه باستغراب، لكن لا وقت للعتاب واللوم الآن. "طيب يلا روح ادفع تكاليف للمستشفى علشان يعملوا لها الأشعة بسرعة." بدا عامر متكاسلاً، لا يريد أن يذهب الآن، إلا أن أمه أصرت عليه: "قوم يا عامر خليهم يطمنوا على البت اللي راقدة جوا دي." زفر عامر بحنق، ومن ثم توجه على مضض لدفع تكاليف المشفى وعاد إلى أمه، قائلاً
بصوت رخيم: "عملت اللي طلبتيه مش يلا بينا إحنا؟ قاطعته أمه باستغراب: "يلا فين يا عامر.. مش لما نطمن على رهف الأول؟ ليزفر عامر بضجر: "انتي مش بتقولي أن الدكتور بيقول أنها مش هتفوق إلا بكرة؟ يبقى نستنى هنا نعمل إيه خلينا نمشي ونيجيلها بكرة نطمن عليها." استغربت أمه الشخص الذي أمامها، فابنها لم يكن من قبل كائناً بارداً خالياً من المشاعر إلى هذا الحد. لتهتف به بغضب: "في إيه يا عامر.. انت اتغيرت كده ليه؟
أنا عمري ما شوفتك كدا." زفر عامر بضجر: "مالي بس يا أمي ما أنا قدامك أهو زي ما أنا... كل ده علشان بقولك نمشي ونيجي لها بكرة فيها إيه ده." لتهتف هادرة به: "فيها كتير انت عايزانا نمشي ونسيب مراتك راقدة في المستشفى لوحدها، مش حاسة بالدنيا." "أهو إنتي قلتيها يا ماما مش حاسة بالدنيا يبقى هنفضل هنا لازمتنا إيه قوليلي... بعدين هيه هنا معاها الدكاترة والممرضات هيعملوا لها اللازم." لم تقتنع أمه بما يقوله، وظهر على وجهها
الاستياء من كلام ابنها: "لا أنا مش همشي غير لما أطمن على رهف... البنت أمانة عندنا... ولو مكنتش انت هتهتم بالأمانة دي... يبقى هتصل بأهلها يأخدوا أمانتهم ويا دار ما دخلت شر." أمسك عامر بيد أمه يمنعها من الاتصال بأهل رهف، فهو لم ينتهِ منها بعد حتى يعيدها لأهلها. "استني بس يا ماما.. انتي بتقولي إيه... ماشي يا ستي أدينا هنستنى لحد ما نشوف أخرتها." هبت أم عامر من مكانها: "هروح أشوف حد أسأله أدخل أطمن على رهف."
سارت في الرواق تبحث عن إحدى الممرضات، فاستوقفت إحداهن: "لو سمحتي يا حبيبتي.. أوضة ١٣ .. عايزة أدخل أطمن عليها." الممرضة: "هروح أستأذن الدكتور وأرد عليكي... استريحي حضرتك." جلست أم عامر جوار ابنها تنتظر عودة الممرضة، التي عادت بعد عدة دقائق: "للأسف ممنوع عن المريضة أي زيارة دلوقتي وكمان هيه هتدخل الأشعة وهتعمل فحوصات... ممكن حضراتكم تتفضلوا تروحوا وتيجوا بكرة تكون فاقت والدكتور يكون سمح بالزيارة."
هتف عامر بفرحة ناظراً لأمه: "أهي قالتلك أهي جبتش حاجة من عندي.. يلا بينا نرجع البيت." لتهتف أمه لتطمئن على الوضع متجاهلة حديث ابنها: "طب طمنيني البنت كويسة... يعني هتبقى كويسة؟ هزت الممرضة رأسها لطمئنتها: "إن شاء الله... هترجع كويسة.. دعواتك ليها بس." هتفت أم عامر بالدعاء لها، فهي بالفعل يهمها أمرها بعكس عديم الإحساس ذاك الذي لم يحرك ما حدث لرهف في قلبه ساكناً: "ربنا يقومك بالسلامة يا رهف يارب...
عيني عليكي غلطتي وبعدها الدنيا جت عليكي.. يمكن ده تكفير ذنوب.. لعله خير." زفر عامر بنفاذ صبر: "يلا بقى يا ماما.. هنروح نص الليل ولا إيه.. عندي شغل مش فاضي." نهدت أمه بغيظ: "ماشي يلا وأمري لله." عاد ماهر من عمله في نفس اليوم الذي عاد فيه أخيه ماجد، فأخبرته أمه بشأن ذهابهم في الغد لطلب يد ملك رسمياً وتعجيل أمر الخطبة لأنه سيعاود السفر خلال أيام ولا يعود إلا بعد فترة قد تصل إلى شهرين.
هتف ماهر بلا مبالاة فالأمر برمته لا يهمه، فهو غير مهتم بتلك الشكليات، وإنما وافق فقط رخوصاً لإلحاح أمه طوال الوقت: "ماشي يا ماما.. أنا معاك.. بس ياريت ننجز مبحبش الكلام الكتير... يعني نطلبها ولو وافقت أخدها وأنزل نجيب الشبكة أنا وهي بلا خطوبة بلا كلام فارغ مش عايز وجع دماغ كفاية اللي حصل." حملقت به أمه بدهشة مما تسمع: "أوام كدا يابنيليهتف بضجر." "ونضيع وقت ليه.. ملك أنا عارفها وهي عارفاني...
يبقى ننزل ننقي دبلتين ع السكت كدا والموضوع انتهى." "طب افرض بنت خالتك عايزة خطوبة وهليلة." ليرمقها ماهر بصرامة: "أنا اللي أحدد إيه اللي يتعمل وإيه اللي ميتعملش.. أنا الراجل وكلامي هو اللي يمشي." توجست سوسن خيفة من ذلك الأمر، لكنها على كل حال اتصلت باختها وأخبرتها بأمر مجيئهم في اليوم التالي لخطبة ملك. وما أن سمع ماجد بالأمر حتى دخل في نوبة ضحك مطولة، فرحاً في ملك: "والله ووقعتي يا ملك...
أهو أخويا ماهر هيمشيكي على عجين متلخبطيهوش." ثم تنهد براحة: "أووف.. أخيراً هخلص منها دي بنت لازقة ولا تطاق." دخل أخوه غرفته فسمعه يتحدث فقال بدهشة: "انت بتكلم نفسك يا ماجد؟ ليهتف ماجد بفرحة: "أهلا يا عريس." "انت عرفت؟ "أمك يا بني.. مبطلتش حكي في الموضوع ده." "أيوة بس أنا كنت ملاحظ أنك عينك من ملك! رفع ماجد كفيه بمحاذاة كتفه ليهتف للدفاع عن نفسه ويقول بصوت مازح كعادته: "لا وربنا ما حصل ولا عمري فكرت فيها."
هتف ماهر باستغراب: "طب وهيه؟ مكانش عينها منك؟ ليهتف ماجد بجدية: "أعتقد لو كانت زي ما بتقول مكانتش هتوافق على خطوبتها منك." فكر ماهر قليلاً ومن ثم اقتنع بكلام أخيه: "ممم عندك.. على خيرة الله." هتف ماجد بشوق: "طيب مش هنكلم رهف نقولها... وحشتني أوي الصراحة." لتتغير ملامح ماهر للعبوس: "بقولك إيه أنا ما صدقت أرتحت هاتلنا سيرة عدلة الله يكرمك."
شعر ماجد بالاختناق من حديث أخيه عن أخته فدخل الشرفة ينظر للسماء ومن ثم أدار رأسه تجاه الحي التي تقطن به ويشرئب بعنقه يعرف أنه لم يرها لكنه يمني نفسه بذلك. ثم أغمض عينيه وهو يهمس: "نفسي يا رهف أغمض عيني وأفتحها ألاقي أن اللي حصل ده كله كابوس وهفوق منه." ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!