تجلس عايدة في غرفتها ونيران الغيرة والحقد تنهش قلبها بضراوة. ودت أن تصعد وتفسد عليهم تلك الليلة بشتى الطرق، لكن ما يطمئن قلبها هو ما قامت بدسه في الفراش وما سار عليه معتصم. لم تنتبه إلى زوجها الذي دلف للتو يردد كلمات الأغاني التي سمعها في الحفل. وجدها جالسة في حالة سكون تضع ساقًا فوق الأخرى، فقال: -ربنا يستر، يا ترى قاعدة كده وبتفكري في مصيبة لمين؟ رفعت إحدى حاجبيها إليه وقالت:
-ليه شايفني إيه بالظبط عشان أفكر في مصايب لحد؟ ليه ما تقولش المصايب بتتحدف علينا لحد عندنا وأنتم نايمين في العسل. ضيق عينيه وعقد حاجبيه فسألها: -قصدك على مين؟ نهضت من فوق المقعد ووقفت عاقدة ساعديها أمام صدرها وأجابت: -هي فيه غيرها ست الحسن والجمال اللي أخوك بإذن الله هياخد فيها أكبر خازوق. انتبه لكلماتها جيدًا فسألها مرة أخرى: -قصدك إيه بالكلام ده. أقترب منها وأردف: -أنتي تعرفي حاجة ومخبياها ولا إيه؟ انطقي.
جلست على حافة الفراش وتصنعت وجه الحمل الوديع قائلة بتمثيل احترافي: -لأ يا سيدي، ما بحبش أتكلم على حد، دي أعراض، ربنا يستر على ولايانا. وبعدين أخاف أمك وأخوك يقلبوا عليا ولا يقولوا غيرانة وبتلفق لسلفتها مصايب عشان تتخلص منها. أمسكها من يدها وصاح بها بحنق: -ما تتنطقي يا بت أحسن ما أخليكي تنطقي بالعافية. تصنعت ملامح الحزن وقالت:
-أخص عليك يا سي جلال، ماشي هقولك بس ياريت ما تجبش سيرتي. أول إمبارح وأنا رايحة الحنة لسه كنت واقفة قبلهم بتلات بيوت، لاقيت الولا اللي اسمه عمار اللي ساكن فوق بيت شوقي بينط من شباك أوضتها اللي بيطل على الحارة وعمال يتلفت من حوليه زي الحرامية. تفتكر ده كان بيعمل إيه جوه عندهم ولا علاقته إيه بالبت ليلة؟ عقب زوجها على كلماتها:
-ما هو ممكن يكون كان بيسرق من بيتهم حاجة، إن بعد الظن إثم. بقولك إيه، أوعي تقولي كلمة هنا ولا هنا. أخويا ممكن يقلب الدنيا فوق دماغنا، غير أخوها حبشي ده مجنون وممكن الموضوع يوصل للدم. أشارت إلى فمها ببراءة قائلة: -وأنا مالي يا أخويا، مليش دعوة، هكتم بوقي أهو. ووضعت كفها على فمها كدلالة على عدم البوح. ــــــــــــــــــــــ
وبالأعلى كانت تجلس في الغرفة تحاول خلع الوشاح الأبيض. تلتقط الدبابيس منه وتوخزها بداخل قطعة من الأسفنج الملون. بينما هو يجلس بالخارج في الردهة، أزرار قميصه مفتوحة وينفث دخان سيجارته بشراهة. حيث ما ألقته عليه تلك الأفعى عايدة من كلمات مسمومة على زوجته ليس بالشئ الهين. هل بالفعل زوجته على علاقة برجل آخر؟
نهض وذهب ليتأكد من هذا. فتح الباب فوجدها تحاول خلع الثوب لكنه علق بجسدها. وهناك من خطف أنفاسه سلاسل خصلاتها المنسدلة على ظهرها كشلالات من الحرير وملامحها المختلفة عن الحجاب. فهي أجمل بكثير عن ما رآها من قبل. وجد نفسه يقترب منها دون إرادة ووقف خلفها. وضع يده على بداية السحاب وقال لها: -ممكن أساعدك؟
أومأت له عبر المرآه بالموافقة دون أن تتحدث. أخذ يفتح سحاب ثوبها ببطء وعينيه تتأمل ملامحها في صورتها المنعكسة. وعندما أنتهي من فتح السحاب كاملاً أزاح خصلاتها على إحدى كتفيها وأخذ يُقبل كتفها. تحركت بين يديه لتبتعد فوجدته يشد من قبضتيه: -معتصم لو سمحت، معتصم. ظلت تكررها ليبتعد عنها، وهو كان كالوحش الجائع الذي وقعت تحت يديه فريسة وعليه أن يلتهمها. كانت قبلاته على جيدها تتميز بالعنف فصرخت ليبتعد عنها: -أوعي، أبعد عني.
ابتعد ورمقها بغضب. وعندما نظر إليها وجدها تبكي وتمسك موضع قبلاته التي تركت علامات وردية داكنة. عاد إلى رشده بعد أن كان على وشك أن يستسلم لوساوس شيطانه ويتعامل معها بهذا الأسلوب العنيف. أقترب منها بحذر حتى لا يزيد خوفها منه وقال لها: -حقك عليا، مكنتش أقصد اللي عملته. رمقته بغضب والدموع حبيسة داخل عينيها: -أطلع برة. أشار لها بأن تتمهل قائلاً: -اسمعيني بس هقولك.
أخذت تدفعه في صدره نحو الباب بقوة لا يستهان بها من يديها الضعيفتين أو هكذا تبدو على غرار قوتها: -مش عايزة أسمع، أطلع برة. وصفقت الباب في وجهه تحت نظراته المتعجبة وعيناه المتسعة من الصدمة. ــــــــــــــــــــــ في صباح اليوم التالي... -قوم يا حبشي خلينا نروح نصبح على أختك ونشتري لها شوية حاجات، خلينا نرفع راسها قدام نسايبها بدل ما أنت ما صدقت جوزتها وما جبتلهاش خيط في إبره حتى. أستيقظ بغضب وبصوت أجش:
-يا فتاح يا عليم، على الصبح مش شيفاني نايم يا ولية، بتصحيني ليه؟ وبعدين فيه حد يروح لعرسان على الصبح؟ خلاص مفيش إحساس ولا دم! رمقته بإمتعاض وقالت: -يا راجل، بطل تهرب بقي من أي مشوار يبقى فيه فلوس وهايكلفك، فاكرني هبلة ومش هافهم! صاح بها بتهديد:
-طب غوري من وشي على الصبح، بدل وربنا وما أعبد لأقوم أديكي علقة، هخليها هي اللي تيجي تزورك وأطفي النور بدل ما أخليكي عايشة في الضلمة طول عمرك لما أديلك كشاف على عينيكي يعميكي وأرتاح. تأففت بضيق وغضب منه وذهبت تتمتم بصوت خافت: -عادتك ولا تشتريها، روح يا شيخ اللهي اللي بتحوشه من ورايا وحايشه عني أنا وأختك وعيالك يجي لك حرامي يقشهم كلهم ويحسرك عليهم. ــــــــــــــــــ
كان يتمدد على الأريكة ومازال بثيابه منذ الأمس ولم يبدلها بعد. أستيقظ على صوت الجرس حينما فتح عينيه وتذكر خلافهما البسيط في البارحة. نهض مسرعًا وطرق الباب عليها: -افتحي يا ليلة، جرس الباب بيرن، شكلها أمي ولا يكون أخوكي ومراته. افتحي، ما ينفعش يدخلوا يلاقوني لسه ببدلة الفرح! فتحت الباب وأتسعت عيناه عندما رآها ترتدي منامة حريرية باللون النبيذ ومشطت خصلاتها بعناية وشكل فني جذاب. فقالت له وكأنه لم يحدث شيء ليلة أمس:
-هتلاقيهم أخويا ومراته. أمسكها من يدها وسألها بحدة: -هو أنتي ناوية تطلعي لهم بالمنظر ده؟ ألقت نظرة على هيئتها فقالت: -ماله منظري، دي بجامة ستان بكُم و بنطلون طويل. وبعدين بقولك أخويا ومراته، يعني محدش غريب. دفعها إلى داخل الغرفة وأخبرها بأمر: -روحي البسي عباية أو الإسدال، ولو اتكررت الحركة دي تاني هتلاقي كل اللي في الدولاب ده مرمي في الشارع. رمقته بسخط وقالت بتذمر: -هو يعني عشان شاريهم لي بفلوسك هتذلني؟
مش عايزة منك حاجة، أنا هاكلم مرات أخويا تجيب لي هدومي القديمة. رمقها بنظرة نارية قاتلة: -ليلة، احذري غضبي واتقي شري وخشّي اسمعي الكلام بسرعة. أرتدت في النهاية كما أمرها على مضض وذهبت هي وقامت بفتح الباب ريثما يبدل ثيابه. -السلام عليكم، ازيكم يا عرايس. صاحت بها هدي بسعادة وتحمل علبة من الحلوى. عانقتها الأخرى: -أهلاً بحبايبي، وحشتوني. ثم انحنت إلى أولاد شقيقها وعانقتهما وربتت عليهما بحنان. نظرت خلف هدي وسألتها:
-أومال فين حبشي، مجاش معاكم ليه؟ أجابت الأخرى بابتسامة تخفي توترها والحرج الذي تشعر به: -أخوكي معلش مش هايقدر يجي لك النهارده، أصله يا عيني من ساعة الفرح إمبارح وهو مصدع وتعبان، ما قامش من النوم من وقت ما روحنا. شفتي، نسيت خدي، شيلي الحلويات دي في التلاجة ابقوا كلوها بعد الفطار.
أدركت ليلة كيف تقوم بتشتيتها عن الإجابة لتداري عن زوجها البخيل الذي يخشي أن يأتي إلى شقيقته ويبارك لها ويهنئها ويجب أن يعطي إليها مبلغًا من المال كنوع من أنواع المباركة. -ربنا يشفيه، ادخلوا اقعدوا عقبال ما أجيب حاجة للعيال. ذهبت لتحضر كؤوس من العصير وقطع حلوى وضعتها أمام الصغيرين. أقتربت هدي منها وسألتها بصوت خافت: -ها، طمنيني عملتي إيه؟ رمقتها الأخرى باستفهام: -في إيه؟ لكزتها بمزاح وخفة:
-ما أنتي عارفة يا بت قصدي إيه. أدركت ما تقصده فقالت بتردد وترجع خصلاتها خلف أذنها: -ما حصلش حاجة. غرّت الأخرى فاها وشهقت: -أنتي هبلة يا ليلة؟ ده أنا فاكرة أول ما دخلنا أنا وأخوكي من باب الشقة يا دوب عقبال ما وصلنا لأوضة النوم كان حصل اللي حصل، وأنتي تقولي لي ما حصلش حاجة! نهضت ليلة لتتهرب من نظرات الأخرى قائلة:
-هدي لو سمحت، دي حاجة خاصة بيا أنا. أنتي وأخويا كنتم عارفين بعض وبتحبوا بعض قبل ما تتجوزوا بخمس سنين، أنا يا دوب لسه عارفة جوزي من أسبوع، لازم أتعود عليه الأول. خرج معتصم من الغرفة يرتدي قميص وبنطال من القطن فأصبح شديد الوسامة. لأول مرة ليلة تحدق به هكذا، لم تصدق هذا الذي كان معها منذ أسبوع. -يا أهلاً وسهلاً، البيت نور. ردت هدي: -ده نوركم يا أستاذ معتصم، وألف مبروك عليك أنت وليلة وربنا يرزقكم بالذرية الصالحة.
رد بابتسامة متكلفة: -تسلمي، ربنا يحفظك. أومال فين حبشي؟ أجابت بتوتر يشوبه طيف ابتسامة: -تعبان من إمبارح وما قدرش يقوم من النوم، بعد الفطار هتلاقيه جاي لكم إن شاء الله. نهضت وأمسكت بطفليها وأردفت: -فوتكم بعافية بقي. فقالت ليلة بتعجب: -أنتي لحقتي تقعدي، رايحة فين؟ -أنا جيت أطمن عليكم والحمد لله أطمنت، هابقى أجي لكم وقت تاني بإذن الله. غادرت هدي، فقامت ليلة بحمل الصينية ودخلت إلى المطبخ. وجدته خلفها فسألته:
-تحب تاكل إيه على الفطار؟ أجاب ويبدو من نبرته لا يرغب في التحدث معها: -لما يجي وقت الفطار هاتصرف أنا. التفتت إليه وسألته مرة أخرى: -أنت زعلان مني عشان إمبارح؟ تأفف بضجر وأخبرها: -ليلة، واضح جداً أنك لسه ما تعرفيش يعني إيه جواز ولا أي حاجة. وشكلي هاخد وقت عقبال ما تتعودي عليا، بس ياريت بسرعة عشان أنا مش من النوع الصبور، خدي بالك. أبتلعت لعابها بتوجس ونظرت إليه بتوتر وقالت:
-وأنا مش ذنبي أنك اتجوزتني بعد أسبوع من معرفتنا لبعض، يعني ما لحقتش أعرفك. تلاقت حاجباه بضيق وقال: -ودي مش حجة أو مبرر كافي لمعاملتك الجافة ليا إمبارح. -والمطلوب مني؟ اقترب منها ليخبرها: -المطلوب منك تسيبي لي نفسك وأنا هعلمك كل حاجة على إيديا. رمقته بصمت قاطعه صوت مزعج للغاية: -صباحية مباركة يا عرسان. ألتفت كليهما إليها فسألها معتصم بغضب: -أنتي إزاي دخلتي هنا؟ لوت عايدة شفتيها جانباً ورفعت أمامه
عينيه مفتاح الشقة قائلة: -دخلت بمفتاح خالتي نفيسة، وهي اللي قالت لي اطلعي لهم يمكن محتاجين حاجة وأقولكم تحبوا تاكلوا إيه على الفطار. طلعت افتكرتكم نايمين، بس واضح شكلكم صايحين من بدري. غريبة، أول مرة أشوف عرسان يبقوا صاحيين من صباحية ربنا، الظاهر كانت ليلة مش ظريفة. رمقها الآخر بنظرة جعلتها تتراجع إلى الخلف. وحتى لا يثير شكوك ليلة حاول أن يهدأ من روعه وهو يخبر زوجة أخيه: -أعمل إيه؟
أصل ليلة حبيبتي وحشاني ومش طايق النوم يبعدها عني، صح يا ليلة؟ ابتسمت الأخرى وقالت: -صح يا حبيبي. عقبت عايدة بتهكم وحقد جلي: -ما براحة على نفسكم يا عرايس، ده احنا حتى في نهار رمضان، ولا تكونو فاطرين! لاحظت ليلة نظرة الغيرة والحقد القاتلة في عيني الأخري وقد فسرت هذا غيرة سلاف ليس إلا، لا تعلم ما خفايا كان أعظم! ـــــــــــــــــــــ
وبعد تناول الإفطار كان يجلس أمام التلفاز يشاهد مباراة كرة القدم ما بين فريقين كلاهما يتميز بالشهرة. يصب كامل تركيزه على اللعب، بينما هي كانت تتصفح الإنترنت على هاتفها. وإذ فجأة يصدح رنين الهاتف الذي أجفلها. شهقت عندما علمت بهوية المتصل، فسرعان جعلت الهاتف على وضع الصامت. وبعدما انتهى الاتصال تلقت رسالة كان فحواها كالتالي: (ردي عليا أحسن لك بدل ما أقابل المحروس جوزك وأحكي له على اللي بينا أو أسمعه تسجيلات مكالمتنا)
أتسعت عيناها والخوف ضرب قلبها. نهضت لتذهب وترى ماذا يفعل معتصم بالخارج. ومن بعيد رأته يصيح تارة ويهلل تارة ويشجع فريقه. عادت إلى الغرفة وقررت أن ترد على الاتصال خوفًا من أن ينفذ ذلك الأحمق تهديده ويهطل عليها المصائب. -ألو، عايز مني إيه يا عمار؟ -عايز تنفذي اتفاقنا. ردت بحنق من بين أسنانها: -اتفاق إيه يا أبو اتفاق؟ أنت إيه ما عندكش دم ولا كرامة؟ ولا ما حرمتش من آخر مرة لما أديتك على دماغك؟ قهقه بصوت أخافها وقال:
-لأ مانسيتش، بس كل اللي أعرفه إننا متفقين مهما حصل هانكون لبعض. شهقت وأجابت بغضب: -ده في أحلامك! أنا دلوقتي خلاص ست متجوزة وباحترم جوزي، حتى لو مش باحبه. على الأقل دخل البيت من بابه، مش بيدخل من الشبابيك زي الحرامية. وبص بقي لو ما بعدتش عني ولميت نفسك هخلي جوزي وأخويا يقطعوك حتت. أنهت المكالمة على الفور وقلبها يخفق بقوة من الخوف. وإذا بصياح أفزعها من الخارج: -جول، جبنا جول، أيوه بقي!
خرجت وجدته في حاله حماس. ذهبت وأحضرت طبق من الحلويات الشرقية ووضعتها أمامه على الطاولة. ثم جلست على كرسي آخر ونظرت إلى التلفاز وسألته: -هما مين اللي بيلعبوا؟ أجاب وعيناه نحو الشاشة: -الأهلي والزمالك. فسألته مرة أخرى: -وأنت بتشجع إيه؟ أجاب باقتضاب وكامل تركيزه نحو المباراة: -الأهلي طبعاً، وأنتي؟ ابتسمت بمكر ثم أخبرته بزهو وفخر: -الزمالك طبعاً. أمسك بجهاز التحكم وضغط على كتم الصوت وانتبه إليها ويشير نحو أذنه:
-قولتي بتحبي إيه؟ ترددت في الإجابة بعدما رأت في عينيه نظرة أرعبتها. قالت بصوت خافت: -قولت بحب الزمالك، فيها إيه يعني. نهض واقترب منها مما جعلها تلتصق بظهر الكرسي من الخوف. أستند بيديه على مساند الكرسي الجانبية وأخبرها: -بما إننا بنتعرف على بعض، أحب أفهمك تلاته ما بسمحش فيهم وممكن تطير فيها رقاب. أبتلعت ريقها بصعوبة وتركته يردف: -الخيانة والكدب، وتالتهم الزمالك. غرّت فاها فأكمل حديثه:
-أيوه زي ما سمعتي كده، أنا أهلاوي وتقدر تقولي أهلاوي متعصب كمان، وبكره الزمالك جداً. فلو مش عايزة مشاكل، ياريت ما تجيبيش الاسم ده على لسانك أحسن ليكي ولمصلحتك. كادت تضحك رغمًا عنها، لكن نظرته الجادة جعلتها تتوقف عن الضحك فجأة وابتلعت ريقها. أنقذها من هذا الموقف رنين جرس المنزل المتواصل فأخبرها: -ادخلي جوه وألبسي حاجة عشان شكلهم أمي وأخويا. نهضت وأسرعت إلى الداخل لتبدل ثيابها. بينما بالخارج دلفت
نفيسة إلى الداخل وتقول: -اللهم صل على النبي، اللهم بارك. ألف مبروك يا حبيب أمك، أومال فين عروستك؟ أشار إليها لكي تجلس وأجاب: -اتفضلي يا أمي، هي بتلبس حاجة وجاية. صافحه شقيقه قائلاً: -مبروك يا عريس. رد الأخر مبتسمًا: -الله يبارك فيك. أقترب منه وألتصق به ليهمس إليه: -ها، عملت إيه يا بطل، رفعت راسنا ولا إيه؟ صمت الأخر ولم يعلم ماذا سيخبره فقال:
-يابني حرام عليك، ما كان على يدك بقالي يومين ما نمتش وأنا كذلك، فمش معقول يعني كله ورا بعضه، إحنا مش هانطير من بعض. تذكر جلال حديث زوجته وما أخبرته به، لوى شفتيه جانباً وربت على كتف شقيقه قائلاً: -شد حيلك بقي. أكتفى بابتسامة ثم نظر إلى ليلة التي خرجت للتو، ترتدي عباءة بيضاء مزخرفة بالخيوط الفضية بأشكال من الطبيعة كما ترتدي وشاحًا باللون الخيوط. وكالعادة جمالها يطفو على أي شيء، خاصة بشرتها الملساء الوردية.
-أزيك يا طنط. قالتها وتمد يدها إلى والدة زوجها فقالت: -طنط إيه يا سنيورة، اسمها ماما يا عينيا، ولا أخوكي ومراته ما علموكيش إن أم جوزك يتقالها يا ماما! نظرت ليلة إلى معتصم لعله يتخذ موقف لكنه اكتفى بالمشاهدة فأخبرتها: -أخويا علمني إن كلمة ماما ما تتقالش غير لأمي اللي ولدتني وسهرت عليا الليالي، يعني مش أي حد يتقاله يا ماما. رأى جلال الأمر أصبح صعبًا ويخشى أن والدته تفعل ما لا يحمد عقباه فقال:
-أنا عايدة مراتي بتقولها يا خالتي، قولي لها يا خالتي. ردت وقالت: -لو كان كده ماشي، أزيك يا خالتي. نهضت الأخرى وأجابت بازدراء وتهكم: -ماشي يا روح خالتك، تعالي معايا عشان عايز اكي في حاجة. نظرت ليلة إلى معتصم الذي أومأ لها بأن تذهب ففعلت هذا وذهبت معها ودخلت كلتيهما إلى الغرفة، فقالت نفيسة لها بقوة وحزم:
-أنا طبعاً مش هوصيكي على ابني وأقولك خدي بالك منه، لأن لو حصل عكس كده مش هقولك أنا ممكن أعمل فيكي إيه، أنا ولادي اللي يزعلهم أكلة بسناني خصوصاً معتصم، من صغره وهو شقيان يا قلب أمه وسافر واتغرب عشان يساعد أخوه في الجواز وبني البيت ده وعشان يعرف يتجوز ويعيشك في الخير اللي أنتي فيه ده كله. لاحظت الأخرى لهجة والدة زوجها الحادة والعداء الجلي في نظراتها لها، فسألتها:
-أنا ممكن أفهم ليه حاسة إنك كرهاني ومش طيقاني كأني خطفت منك ابنك! أجابت الأخرى بحدية: -أنا ولا بحبك ولا بكرهك، أنا بحذرك بس. بالخارج كان يتحدث جلال مع شقيقه الذي يخشي على ليلة من حديث والدته الحاد وخصوصًا عندما أخذتها إلى الداخل، تأكد أن هناك خطب ما يحدث. نهض وترك شقيقه بمفرده وذهب ليرى الذي يحدث وقبل أن يفتح الباب سمع قولها:
-طب اسمعيني بقي زي ما سمعتك، لو حضرتك فاكرة طريقتك دي ها تخوفني وجو الحموات وماري منيب ده ها يعمل معايا حاجة، أحب أقولك وفري مجهودك لأنه مش ها ياكل معايا، كل اللي ليكي عندي كل احترام وأدب غير كده يبقي معلش، ابنك وحاجته وخيره عندك، أصلاً أنا ما كنتش موافقة على الجوازة من الأول يا طنط. فتح معتصم الباب وتوقف ينظر لكلتيهما قائلاً: -إيه مالكم صوتكم جايب للحارة. وسرعان وجد والدته تبكي بحرقة قائلة:
-تعال يابني شوف مراتك اللي لسه بقولها تاخد بالها منك وبنصحها زي أي أم تاخد بالها من بيتها وجوزها راحت مزعقة فيا كأني قتلت لها قتيل. رمق ليلة بغضب فأقترب من والدته وعانقها وربت عليها: -معلش يا أمي، أكيد ليلة ما تقصدش حاجة، صح يا ليلة؟ كانت الأخرى تقف في حالة صدمة من تمثيل والدته المتقن وعلمت إنها قد وقعت في براثن عقربة، إذا لم تأمن غدرها فستلدغها لا محالة.
-أنا ما عملت لهاش حاجة، هي اللي عمالة تهددني وتتكلم معايا بأسلوب مش كويس. صاح بأمر وعيناه تنضح شرر: -ليلة، اعتذري لأمي. نظرت إليه والغضب ينبلج في عينيها، أجابت برفض تام: -مش هعتذر. قالت له والدته: -خلاص يا بني، هي زي بنتي برضو اللي ما خلفتهاش. هدر بصوت أجفل كلتيهما ولأول مرة تراه ليلة في تلك الحالة: -هاتعتذر غصب عنها. -خلاص يا بني، أقصر الشر. وقف أمام الأخري وأجاب على والدته:
-اسكتي أنتي يا أمي، أنا عارف أنا بعمل إيه. كادت ليلة تذهب من أمامه قائلة: -وأنا ما عملتش حاجة عشان أعتذر، أبقى أتأسفلها أنت عن أذنك. أمسك يدها وأوقفها. تسحبت والدته قبل نشوب أي مشكلة وغادرت الغرفة بل والشقة بعدما أشارت إلى ابنها الآخر وقالت له: -يلا بينا يا ولاه. سألها بقلق: -هو في إيه! جذبته من يده إلى الخارج: -هابقى أقولك تحت. وبالعودة إلى معتصم وليلة التي تقف أمامه تتظاهر بالقوة لكن بداخلها عكس ذلك.
-ممكن أفهم إيه الأسلوب الزبالة اللي سمعتك بتتكلمي بيه أمي قبل ما أدخل! صاحت بغضب: -احترم نفسك وأنت بتتكلم معايا... قطع جملتها وهو يركل الكرسي من أمامه بقوة بدلاً من أن يصفعها أو يقترف بها شئ يندم عليه لاحقاً. ولم يكتف بهذا فقط بل زجر كالوحش أمرًا إياها: -اطلعي بره. هرولت من أمامه قبل أن يدركها غضبه، ذهبت إلى الغرفة الأخرى وتبكي رغماً عنها. حسبت إنها تخلصت من ظلم وقسوة شقيقها لتجد نفسها وقعت في مصير أكثر قسوة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!