بعد اليوم الدراسي، عادة "وفاء" لمنزلها سيرا. وجدت ضجة عالية، وعندما دلفت رأت أبناء عمتها وعمتها. بلهفة هرولت إليها بفرحة عارمة من أعماق فؤادها وهي تضمها بحب. فرأت عمتها لا تضمها ولا تجيبها، فقط تجلس بجسد كالجثة. أمسكت وجهها بكلتا يديها قائلة: -ما بكِ عمتي؟ هل أنتِ بخير؟ فصاح والدها بغضب: -اذهبي من أمامنا الآن. ألا يكفي أنكِ للآن لا تجدين عملاً؟ اذهبي لتجهزي لنا الطعام. بأعين دامعة وحرج، نظرت لأبناء
عمتها وهي تغض بصرها قائلة: -حاضر! فصاح بها قائلاً: -وعندما تنتهين، رتبي غرفة عمتكِ لأنها ستقيم معنا! أومأت برأسها وذهبت من أمامه بصمت. رأت جدتها نائمة، فأبدلت ملابسها وجلست تتأوه من ألم قدميها. فساندت نفسها وذهبت لتجهز لهم الطعام. فناداها والدها: -وفاء؟ فردت مسرعة بخوف من نبرته: -نعم أبي! وهرولت إليه. وقفت أمامه قائلة: -نعم يا أبي؟ فرد بقرف: -خذي عمتكِ لتستريح بالداخل. اقتربت منها، وأثناء ذلك استمعت لأبناءها يهمسون:
-حينما تعبت وهي لا تتحرك ولا تتكلم. وأنا لدي بيت وأطفال ولم أعد أتحمل أن أصرف عليها أو أن أظل جوارها. لقد تعبت منها! فرد ابنها الآخر: -وأنا أيضاً زوجتي لم تعد تتحملها أكثر من ذلك. إنها تحتاج لمن يأكلها ويقوم على خدمتها ويغسل ثيابها يومياً، وزوجتي قد قرفت من كل ذلك. سنعطي لك مرتباً شهرياً، وبالأخير هذا منزل والدها؟ أشار لهم قائلاً بهدوء: -لا تقلقوا عليها، وفاء ستقوم برعايتها.
رفعت "وفاء" بصرها بحزن، فوجدت عمتها تبكي بصمت. أزاحت لها دموعها وربتت على كتفيها، فأحست أنها تبتسم لها. ساندتها مع والدتها للداخل، وجاءت بطعام لتطعمها. وظلت تطعمها لفترة بسبب أنها تأكل ببطء، بسبب حركة فمها البطيئة. كانت تبكي لحالها، فكيف بعدما كبرت أبناءها وتعبت لأجلهم وسهرت لمرضهم، كيف ألقوها هكذا؟ يا له من زمن عجيب! لا غرو أننا في زمن كل شخص يحب نفسه فقط! لقد سرقوا أبناءها فرحتها. كيف لهم أن يقولوا هكذا؟
ألا يعلمون أن كلماتهم جارحة؟ تفطر القلب، واخترقت عميقاً بقلبها كما تفعل السكين. لقد هانوا عليهم ترك والدتهم عليلة بالمرض دون أن يرق قلبهم لها! وهي التي كانت إذا تألم أحد منهم دارت به إلى الأطباء بقلب ينزف وعين تبكي وروح تنتزع منها. كانت تصرخ بداخلها من وجع قدميها، والجوع ينهش بها. استمعت لنداء والدها لتترك ما بيدها وتسرع خطاها للخارج. فصاح بها قبل أن تتحدث: -اذهبي فوراً ورتبي غرفة عمتكِ. فهمست بعجز:
-حاضر، ولكن سأبدل ملابسي وآكل؟ فصاح ساخراً بها: -وهل سأنتظر جلالتكِ لتفعلي كل هذا؟ اذهبي الآن وافعلي ما طلبته! بأعين فاض بها الدمع وكسرة روح وخاطر، عادت أدراجها لتدلف إحدى الغرف المليئة بالتربة وهي ترتبها بأعين تذرف الدمع. لم أحد يشعر بألم جسدها ولا حتى فؤادها وروحها. ولج أخوها الصغير هاتفا: -أيتها العمياء، جهزي لي الطعام، أني جائع. امتلأ الدمع بعينها. فما ذنبها أن جاءت على الحياة بضعف بالنظر؟
لما يدعوها الجميع بالعمياء؟ ولكن لا بأس، فرب الأرباب لا ينسى أحد! والفرج سيأتي قريباً حتماً! مرت الأيام، ليل يطويه نهار ونهار يطويه ليل. وزاد عبء وفاء أكثر فأكثر، وهي تدير عمتها وجدتها وعملها والبيت. وأصبحت منبوذة من جميع أخواتها، تأكل وتجلس وتنام وحيدة لسبب أنهم يقرفون منها لأنها تراعي عمتها المشلولة في كل شيء. واليوم ظهرت نتيجتها، وقد نجحت بمجموع عالٍ، ألا وهو 92 بالمئة. كانت فرحتها لا توصف حقاً.
وحينئذ ناداها والدها لتجيب على صديقتها "نورهان". بلهفة جذبت الهاتف وهرولت بعيداً وهي تهتف بفرحة عارمة: -كيف حالكِ نوري؟ لقد نجحت وسأدخل الكلية. ابتسمت ضاحكة لقولها وهمست: -سنكمل سوياً ولن نفترق. ظلا يتحدثان سوياً عن مستقبلهما. أنهت وفاء المكالمة، وبفرحة توجهت لوالدها وهي تقفز كالطفل الصغير. دنت منه وهي تعطيه الهاتف، وبابتسامة وفرحة بصوتها هتفت: -هذا هاتفك أبي، تفضل. انتشله من يدها بتقزز، وأردف قائلاً: -ما بكِ؟
لماذا هذه الفرحة؟ فردت ببراءة وبهجة: -لقد نجحت أبي وسأدخل الكلية. قطع حديثها وهو يقول بلهجة ساخرة: -ومن كل عقلكِ رتبتي لتعليمكِ؟ ومن سيجعلكِ تذهبين؟ احمدي الله أنكِ أكملتي مدرستكِ واذهبي من أمامي، لا أريد تعكير يومي. تلاشت فرحتها وهي ترمقه بحزن شديد ينبع من فؤادها. بخطاه ثقيلة وقلب محطم، عادت أدراجها لغرفتها منكسرة. كيف بلحظة كانت تحلق من الفرحة وها هي أكثر شخص حزين؟ يا له من قدر عجيب!
هل سيذهب حلمها الذي قد بنته لتوها؟ هل سيتبخر؟ لن تكمل تعليمها؟ لا، لن تقبل هذه المرة بالصمت، ستتحدث ولن تصمت. اندفعت عائدة إليه، فبغضب يكمن من فؤادها هتفت بدموع حارقة: -لماذا؟ لماذا لا يمكنني أن أكمل تعليمي؟ أغمضت عينيها، فانسالت دمعاتها. فكفكفتهم سريعاً لتردف بوجع: -هذا حلمي الوحيد. ألا يكفي أنك لم تقبل دخولي الثانوي؟ لماذا تفعل بي هكذا؟ أعلم أني لست ابنتك، ولكن لماذا تعاملني بكل هذا الكره؟ ماذا فعلت لك؟
أنا أفعل كل ما يرضيك لترضي، ولكنك ترد ما أفعله بالشر، لماذا؟ سأكمل تعليمي ولن يستطيع أحد منعي. صفعة مزلزلة تلقتها، لتقع من فورها. ارتجف جسدها وهي ترى النار تشع من عينيه. انحنى ممسكاً بثغرها بحدة وهتف بلهجة مخيفة: -لقد علمتِ أنكِ لست ابنتي، هذا جيد! وصاح بصوت عالٍ: -لا أريد أن أسمع أي كلمة أخرى، وعليكي أن تنسي الدراسة فلن أجعلكِ تكملين! وستذهبين عما قريب لعمكِ حتى تعملي هناك.
ابتسم بمكر ودفعها بعيداً، وهرول خارج المنزل. هرولت والدتها جذابة إياها بأحضانها باكية وهي تقول: -سامحيني ابنتي، لم أستطع أن أواجه. تشبثت بها باكية وهي تهمس بصوت سجي: -أمي، هل لن أكمل دراستي؟ إنه حلمي الوحيد! هل سأغادر لأعمل بالقاهرة؟ أني أكره المكان هناك ولن أنسى ذاك اليوم وأنا أعمل بإحدى الشقق وتهجم علي شاباً، لن أنسى يا أمي! رفعت بصرها نحوها وهتفت بوجع: -لن أرى نوراً مرة أخرى إن لم أكمل تعليمي؟ هوى
الدمع بغزارة وأنشأت تقول: -لن أراها، هي الوحيدة من تشعر بي؟ كيف سنفترق هكذا؟ ربتت والدتها على ظهرها بحنان، همت بالحديث، فقطعت كلماتها اندفاع وفاء لغرفتها. لتضع سجادتها وتنكب باكية بسجودها تشكو وتناجي رب العالمين. ومن ثم جلست تدعو للجميع، حتى والدها دعت له بالهداية. لم تنسَ أحد. عن أبي الدرداء قال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان "ولك بالمثل"، أفلا أرغب أن تدعوا لي الملائكة.
وها هي تناجي ربها تسأل مولاها أن يهدي والدها. ذاك الوالد الذي دائم ضربها وكرهه، لقد سامح فؤادها وتدعو دائماً له. لعلها تعلم أنها دنيا فانية، وأن هذه دار اختبار وبلاء، ويا حظ من اختبره الله في الدنيا لينال الآخرة. إن بعد الصبر فرج، وها هي تصبر وتحتسب أمرها بيقين أن صبرها وبلائها سيدخلها جنة الرحمن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!