همست "وفاء" بأعين دامعة وهي تنهض لتحتضن والدتها: "ماما؟ وانكبت على كتفها مجهشة بالبكاء وقالت: "أتيتي يا أمي، لقد كنت أخشي أن أفعل العملية وحيدة! ربتت على ظهرها بأعين تذرف الدمع قائلة: "لم أستطع أن أتركك وحدك ولهذا أتيت، أعذريني يا ابنتي؟ رفعت بصرها بصدمة لها: "أمي، وماذا ستفعلين مع أبي؟ هتفت بحدة: "لن أفعل شيئاً ولن أتركك يا ابنتي وليفعل ما يريده!
استداروا على مناداة الممرضة، لتدلف "وفاء" غرفة العمليات بخوف شديد. لحظات ولم ترَ سوى سواد، ولم تشعر بما يدور حولها. لحظات فدقائق فساعات، وجلست والدتها بقلق منتظرة خروجها، وبقلب يدعو أن تكون بخير ويحفظها لها. خرجت وفاء من غرفة العمليات وتمت العملية بنجاح. عادت للمنزل، ولم يرحم والدها تعبها وجعلها تفعل كل شيء بالمنزل وتذهب لتشتغل. تملكها الوهن والضعف والتعب أكثر.
وذات يوم، بجنح الليل، توجهت لتتوضأ لقيام الليل. وبعودتها، توقف قلبها لوهلة وهي تستمع إلى تلك الكلمات التي اخترقت فؤادها: "أعلم جيداً أن هذه ليست ابنتنا، ولكن لا تنسي أنها ابنة أختي ولن أفرط بها، ويجب أن تعاملها جيداً، ليس لديها ذنب بكل ما حصل." فصاح بها غاضباً بصوته الرجولي الحاد وهو يصفعها: "أصبحتِ تتحدثين كثيراً وأنا أكره ذلك، وهذه الفتاة لست ابنتي ولن تصبح بيوم، إنها فتاة لا تجلب سوى العار مثلها مثل أخواتها."
تنهد بضيق وعاد ليجلس على طرف الفراش قائلاً وهو يضع رأسه بكلتا يديه: "لقد ألقاها والدها غير آسف، فما ذنبي أنا أن أتحملها؟ بكت بنحيب وهي تقول بعجز: "عن ماذا تتحدث؟ متى صرفت عليها؟ إنها تعمل ليل نهار كي توفر لك لقمة عيش، فأنت حي بسببها اليوم! لا ريب أنهم يتشاجرون يومياً، ولكن تلك الليلة غير أي ليلة سابقة. فتلك الليلة كسرت قلبها. كانت تقف بصدمة خلف الباب ويدها على فمها فاتحة فاها.
تتردد بأذنها تلك الكلمة: "أعلم أنها ليست ابنتنا ولكن ابنة أختي". سالت دموعها بصمت. ألهبت في قلبها جمرة كانت خامدة. وضعت يدها على قلبها بألم وهي تتأوه كأن هناك أحد يغرس السكين بقلبها وينتشله ويفعل ذلك مراراً وتكراراً. عادت إلى غرفتها كالجثة، فقدت الحياة لتوها. ألا يكفي كل ما مرت به؟
ولجت لداخل الغرفة، نظرت قليلاً لجدتها التي تغط في نوم عميق. سارت ببطء ودموع لا تفارق وجنتيها حتى جثت على ركبتيها. قلب يصرخ لا أحد يسمعه، ولكن سمعه رب كريم قريب مجيب الرحمن الرحيم. ظلت مكانها بتوهان وحيرة، تشعر بأوجاع كثيرة وبذات الوقت فاقدة الشعور بكل شيء. لهثت بشدة وكأنها تركض، وأصبحت الرؤية ضباب أمامها. شعرت بأنها بحاجة لأحد! أحد تشكو له حالها! ولكن من؟
فحتى أخواتها "يعايروها" بعينيها. شعرت بالوحدة. سرعان ما تذكرت "قيام الليل" فهي قد توضأت لتوها، ولكن عند عودتها استمعت لكلماتهم التي أحرقت فؤادها. لم تستطع الوقوف لتصلي، فجلست انعقد لسانها فلم تستطع التفوه بحرف، إلا دموعها وسؤال يحيرها. هل حقاً والدها ألقاها دون اكتراث؟ هل لهذا السبب دائماً والدها يضربها لأجله!
سجدت وحين سجدت سكبت كل ما بقلبها من أوجاع لربها ليبدلها بسعادة لا متناهية. أجل، سوف يأتي عوض الله مهما طال. إنكبت مجهشة بالبكاء وقلبها يحادث مولاه. وها هي بعد لحظات تهدأ، فقد طبطب الرحمن عليها. احتضنت نفسها فنامت على سجدتها وعيناها تذرف الدمع. فاحتضنتها السجادة بقلب رحب كأنها "أم" لها. لم يغفُ لها جفن، حتى أشرقت الشمس لتضيء وتتلالأ، ولكن لماذا لم تضيء حياتها؟
اندفعت مسرعة لتبدل ملابسها المدرسية. وجهزت جل ما يحتاجه والدها. جذبتها جدتها من معصمها قائلة بوجع: "ما بالك يا وفاء؟ لماذا عيناكِ منتفخة؟ هل كنتِ تبكين؟ أبعدت يدها برفق وهمت لتغادر وهي تهمس: "كلا، لا أبكي، سأذهب لتوي للمدرسة! هتفت جدتها بصوت عال نسبياً: "لم تأخذي مصروفكِ ابنتي؟ فكيف ستذهبين؟ فردت بوجع وهي تكمل سيرها بعدما جذبت حقيبتها: "مثل كل يوم، سيراً!
ظلت تسير بالطرقات كالتائهة دون ملجأ يأويها. تورمت قدماها من السير وتتوجع، ولكن لم تشعر بكل ذلك، فوجع فؤادها هذه المرة كان يطغى على ألمها الجسدي. كانت تلهث ونفسها يضيق لطول الطريق. وها هي قد اقتربت. رأت فتيات يسيرون، فنظرت لهم بحب وهتفت: "السلام عليكم؟ ردت واحدة السلام، فغمزتها إحداهما وهي تهمس بكلمات استمعت إليها لتخترق قلبها وتحرقه حرقاً: "لماذا تجيبين عليها؟ ألا تعرفين أنها فتاة سيئة؟
لقد هربت أختها مع ابن عمها وأكيد هي كذلك أو أسوأ، فابتعدي عنها! هتفت الفتاة بذهول: "ماذا حقاً؟ ومن أين لكِ بذلك؟ فهتفت بوضوح: "أني أسكن قريباً منهم والقرية ليس لهم سوى سيرة بذلك! توقفت وفاء مكانها بصدمة وقد فطر قلبها واخترقت كلام تلك الفتيات قلبها، واستقرت عميقاً بالقلب كالسكين وما شابه.
أكملت سيرها بقدمين عاجزتين وهي تغض بصرها، تتمنى أن يأخذ الله روحها من تلك النظرات والهمسات. استدمعت عيناها، فهوى الدمع كالشلال، فكفكفت دمعها وظلت روحها تبكي بداخلها. تذكرت جل ما مرت به، فوسوس الشيطان لها: "لماذا لا تنهين حياتك وتستريحين من كل ذلك؟ لماذا تريدين ذاك العذاب وأن تتعايشي معه وبإمكانك أن تنهي كل ذلك؟
نظرت حولها إلى السيارات التي تسير من حولها، ولوهلة أرادت إنهاء حياتها. اقتربت تجاه السيارة القادمة لتقف أمامها، وبآخر لحظة توقفت السيارة وصاح بها السائق وهو يخرج رأسه من النافذة: "هل جننتِ أم ماذا؟ هل تريدين أن تموتي؟ أشار لها بيده قائلاً: "تنحي جانباً من أمامي! كالمتغيبة رجعت للخلف لتقف مكانها بصدمة. أدركت خطأها، هل حقاً كانت ستكفر بربها؟ هل بعد صبرها على كل تلك السنين تنهي بحياتها لنار جهنم؟ لماذا؟
وهي تدرك أن بعد صبرها هذا سيكفيها الله. أكملت طريقها وهي تستغفر ربها بذاتها وبقدمين تتألمان وهي تسير مسرعة حتى تلحق دروسها. وها هي تقف أخيراً أمام باب المدرسة، تلقت أنفاسها الهاربة وولجت للداخل. تجلس بمقعدها بشرود والدمع يهوي بصمت تام، تغض بصرها، فأصبحت تخشى الجميع. لم تكن تتحدث وليس لديها أصدقاء سوى اثنتين، واحدة معها منذ الطفولة "ياسمين"، والأخرى عرفتها منذ سنة "نورهان".
تطلعت بها "نورهان" ورأت دموعها التي تهبط بشرود تام. لترفع يدها على كتفها قائلة بقلق: "مالك يا بنتي، في إيه؟ كفكفت دموعها وابتسمت قائلة: "لا شيء، فقط عيني تؤلمني! علمت "نورهان" أنها تكذب، ولكن صمتت حتى تتكلم هي عن ما يوجعها. وفجأة لفظت "وفاء" وهي شارده: "آه يا نورهان." نظرت لها فرأت دموعها تهوي بغزارة توجع قلبها، لذلك رآتها شارده فأكملت وفاء:
"أبي ليس بأبي وأمي ليست أمي. أنا ابنة أختها التي توفت عندما جاءت بي لهذه الحياة القاسية وتركتني، يا ليتها أخذتني معها. وأبي لقد تركني دون أن يرق قلبه لي." نظرت لها بأعين تذرف الدمع وبصوت موجوع هتفت نورهان: "ماذا حقاً؟ كفكفت دموعها وهي تقول باسمة: "أجل! فهمست نورهان بتذكر: "لماذا دائماً أنتِ حزينة وشارده وتوجد دموع متحجرة بعينيكِ وتبكين بصمت أحياناً؟
ويا ليتها لم تلفظ نورهان بسؤالها هكذا، تمنت عندما رآتها تقول وهي تحبس دمعة من عينيها، جاهدت كثيراً كي لا تنحدر على وجنتيها، وغصة بحلقها جاهدت ألا تخرج بصوتها: "أخاف أني أخبرك فتبعدي عني وتتركيني، وليس لي أصدقاء سواكِ! بأعين دامعة وزهول هتفت "نورهان": "ماذا؟ ماذا تقولين؟ هل حقاً تظنين أني ممكن أن أتركك؟ أنتِ تعلمين أنكِ ليست صديقتي فقط بل أختي أيضاً." ربتت على يدها بحنان:
"تكلمي حبيبتي وأخرجي ما يوجع قلبك، تحدثي لعلكِ تستريحين قليلاً." نظرت لعيناها وهي تذرف الدمع وهتفت بهمس وصوت مؤلم: "يوجد خلاف بين عمي وأبي، ولكن ابن عمي أحب أختي وهي أيضاً، ورفض والدي زواجهم، فهربوا سوياً." شهقت بصوت عال وبنحيب أكملت: "لا أحد يشعر بي. أبي من وقتها وهو يعايرني بها كأنها ليست ابنته أيضاً. ما ذنبي أنا؟ حتى الناس تتحدث عني وتوجع قلبي. ماذا فعلت أنا وما خطئي؟
الكل ينظر إلي بنظرات تقتلني، وعلي أن أتحمل. يضربني والدي ويجبرني على الذهاب لأشتغل خادمة، ورغم ذلك يعاملني بقسوة. لماذا لا يأخذني الله؟ ماذا فعلت؟ لا تتركيني يا نور، فأنا ليس لدي غيرك، أشعر أنكِ والدتي وكل عائلتي، ليس لدي ذنب بكل شيء، فلا تتركيني أرجوكِ." يهوي الدمع من عيني صديقتها بصمت وجذبتها لتضمها، وانكبوا الاثنتين على كتفي بعضهما مجهشين بالبكاء. فتابعت "وفاء" من بين دموعها: "لا تتركيني، أريد أن أموت."
أطلقت تنهيدة موجوعة وأكملت ببكاء: "يا ليتني أفقد بصري، أنا أرى بعين واحدة، أريد أن أفقد الأخرى حتى لا أرى معاملتهم لي وملامحهم التي يغلفها الكره والقسوة. لقد ذهبت الرحمة من قلوبهم، أنهم ليسوا ببشر بل ذئاب بشرية." ضمتها نورهان وظلوا يبكون هم الاثنين بمرارة من ظلم البشر. كلما سألهم أحد لماذا تبكون ألزموا الصمت وهم يقولون: "لا شيء". ماذا؟ هل احتجتيني يا صديقتي؟ هل ناديتني؟
أردتِ أن أمسك يدكِ لأعبر بكِ الطريق لأحتويكِ وأخبئكِ من أعين العالم ومن ظلم البشر؟ أعذريني، فلم يعدوا بشر! أشعر بالعجز، فما أصعب أن يناديكِ شخص عزيز ولا تلبي النداء! أن يحتاج لظلكِ ولن تستطيعي أن تظليه! أن نبرة صوته تخبركِ وبشدة أني أريدكِ جواري ولا تستطيعين! لقد كنتِ مبتسمة دائماً يا صديقتي، ودودة، محبوبة بابتسامتكِ المشرقة، لم يكن شيء يوحي إلي أنكِ تعانين هكذا. كيف نجحتِ بإخفاء جل ما بقلبكِ؟
وما أصعب أن تقولي أنني بخير وبداخلكِ قلب محطم يصرخ بالآلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!