دخل حمزة الغرفة ليجدها فارغة. رجف قلبه واستدار يستدعي الممرضة، لكنها أخبرته أنها لا تعلم عنهم شيئاً. ثار حمزة واستدعى الأمن وقلب المستشفى. ذهب إلى الكاميرات، وشعر بقلبه على وشك الخروج من أضلعه عندما رآها تتسلل وتأخذ عمر وتخرج من المستشفى. شعر بالذعر وهاج فيهم، ثم اندفع خارجاً مسرعاً. ذهب إلى أخيها الذي استقبله باستغراب. دخل حمزة وهجم على البيت وصرخ: "هيا فين ها؟ بهت محمد: "هيا مين؟ هو فيه إيه؟ هتف حمزة: "خديجة فين؟
مراتي فين؟ انطق." هتف محمد: "هو إيه اللي فين؟ ما أنا سايبك معاها في المستشفى، أنت مجنون." صرخ حمزة: "خديجة خدت عمر ومشيت من المستشفى." بهت أخوها: "انت بتقول إيه؟ وراحت فين؟ صرخ حمزة: "ماعرفش، ماعرفش، ومالهاش حد تروحله. قلبي هينخلع." هتف محمد: "أنا أختي طفشت. نظر إليه بقهر: "منكو لله، ضيعتو البت الغلبانة. منكو لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيكو. أروح فين أجيب أختي منين؟ مني لله. إيه ده؟ أختي طفشت مننا."
نظر إليه حمزة بوجع: "اسمع بقه، لو جت تقلي أنا مش متحمل." هتف محمد: "خديجة مش جاية. خديجة قالتلي هتخلع قلوبكم، وها هي خلعت قلوبنا كلنا. فوضت أمري لله." تركه حمزة كالمجنون، وظل هائماً في الشوارع يكلم من يستطيع أن يكون ذا قربى، لكنه لم يصل إلى حل. عاد مقهوراً إلى بيته. دخل على أمه. فهبت مسرعة: "إيه؟ ما جبتش عمر ليه؟ والنبي يا حمزة، مش قلتلك تجيبه. قلبي بيوجعني." نظر إليها والدموع تتلألأ في عيونه.
نظرت إليه: "فيه إيه يا حمزة؟ مالك؟ هتف: "مالي؟ مالي؟ وبيتـي ودنيتي اتخربوا يا أم حمزة. مالي؟ كلـو معايا بس قلبي راح. قلبي راح وروحي ماتت." ذهبت إليه: "فيه إيه يا واد؟ خديجة جرالها حاجة؟ هتف بسخرية: "خديجة؟ لا يا أمي، إحنا اللي جرالنا ألف حاجة." هتفت: "فيه إيه يا واد؟ ما توجعليش قلبي." قال: "فيه إن خديجة خدت عمر وطفشت يا أمي." لتُحس أميمة ببلاهة: "عمر مين اللي خدته وطفشت؟
هتف: "عمر ابن ابنك راح خلاص. نفسك اللي بتتنفسيه راح خلاص، وحبيبتي راحت خلاص. ربنا بيدينا زي ما عملنا، ربنا خد مننا الحب من دنيتنا. خديجة عرفت تنتقم صح. سنين ذل وإهانة ومرارة نفس، وآخرتها يتلعب بيها عشان شوية فلوس. آهي، دعكت الفلوس والدنيا برجـلها وخدت الواد ونجدت نفسها. آهي سابت لنا الفلوس اللي انصرنا عليها وراحت. ناكل بقه ونعيش ونحب فلوس ونفرح بالفلوس ونشبع. إنما حنية، لا حب، لا. خدته. خدت قلبي وخلعته عشان أنا زبالة وأستاهل. إيه ده؟
أنا اتعمل فيا الوسخ كله. اتعظ بقه. أخاف إنما أدور وأعمل فيها اللي اتعمل فيا. أخلع قلبها كده. محروق أبو الدنيا. يا خراب بيتك يا حمزة، يا روحك اللي راحت. مبسوطة يا أمي؟ مبسوطة؟ ذليتي البت؟ دستي عليها برجلك؟ حدفتيني عليها؟ أخلع قلبها؟ تقوم تدور وتكوني. عشان إيه؟ عشان عارفة إنها غلبانة، مالهاش حد، هتطاطي وتنذل. ماهي لا أب ولا أم يقف، وأخ يقرف. إنما مرات نادر تخافي عليها؟ تزعل أبوها؟
يجي ينهش قلبك. إحنا كده مرمطون للي يتجبر علينا. دي اسمها عوالة يا أمي، إنك تعاملي اللي قدامك وتذليه عشان ما فيش في إيده حاجة يعملها. يا ترى راحت فين دي وسابت دنيانا ماشية في الشوارع؟ لا سند ولا قرش. دا ما معهاش مليم. يا رب، البت راحت. ضيعناها. منـك لله يا حمزة. افرحي يا أمي بقه وعيشي؟ أجيبلك فلوس وأعبيهالك في شكارة؟ تحضني فيها وأنت نايمة مكان ابن ابنك اللي راح؟ خديجة وعمر راحو يا أمي."
لتقف أميمة مشلولة، لتحس بعصرة في صدرها. "مين؟ مين؟ إزاي؟ مين اللي اتاخد؟ عمر اتاخد؟ عمر ابن ابني اتاخد؟ اتاخد إزاي؟ عمر راح؟ يا حسرة قلبك يا أميمة. الواد اللي بتموتي عليه هيروح. ابن مازن راح. نفسي راحت. عمر؟ عمر؟ خدته مني ليه؟ ليه؟ طب إيه؟ كده خلاص؟ مفيش حفيدي؟ دا حتة من قلبي. أروح فين؟ مش قادرة أتنفس. هاتلي عمر يا حمزة. عمر ماينفعش؟ ما يترباش معايا؟ دا أبوه راح؟ يقوم هو كمان يروح؟
لتلطم على وجهها: "يا حبيب قلبي، رحت فين؟ خدتك مننا؟ خلعت قلوبنا. بتنتقم منا؟ آه، بتنتقم. أربع سنين بنذل فيها؟ لازم تنتقم." لتلطم: "يا نهارك أسود يا أميمة. الواد حفيدك اللي عايشة عشانه راح. عمر ابن ابني راح. يا سوادي، يا أنا. آه، قلبي. هموت. هاتلي عمر يا حمزة. هاتلي حفيدي. هاتلي روحي. نفسي مش قادرة." لتسقط مغشياً عليها. هب حمزة مسرعاً وحملها وذهب بها للمستشفى، وهو يحس أنه دخل دنيا السواد من جراء يديه.
عند خديجة، كانت قد انتهزت انصراف حمزة. أخذت ابنها وهربت به من المستشفى، بعد أن ترجت إحدى الممرضات التي أغدق عليها حمزة بالمال. أخذت منها بعض المال على أمل أن تعيدها لها. أخذت ابنها وهربت من المشفى. فركبت أحد المواصلات ونزلت عند محل الصاغة الذي كانت اشترت منه هيا وحمزة خاتمها ودبلتها. لتدخل بكل ثقة، ليرحب بها الرجل، فكان حمزة وعائلته معروفين لديه. لتخبره أنها تريد تغيير الخواتم واستبدالها بشيء آخر. لتظل تختار وتتصنع
أنها لم يعجبها شيئاً. أخبرها أن هناك جديداً سيأتي بعد يومين. فأخبرته أنها تريد شيئاً ثقيلاً. فسعد الرجل. لتخبره أنها ستأخذ مال الخاتم والدبلة، وأن يمر عليهم في البيت بعد يومين يأخذ فاتورة الخواتم ويحضر لها مجموعة من الخواتم الراقية. ليعطيها الرجل مبلغاً كبيراً، لتاخذه وترحل.
وذهبت إلى أحد السماسرة التابعين لأحد الأماكن الشعبية لتؤجر منهم شقة. كان الأمر صعباً، فهي لا تملك أوراقاً وليس معها أي شيء. انتهز السمسار ذلك وتغالي في المبلغ، لتاخذ شقة بسيطة وتدخل فيها هيا وابنها. ولأول مرة، يُغلق عليهم أخيراً باب البيت. بيت خديجة، دون أحد. كانت شقة خالية من أي شيء، ولكنها أربع حيطان تحميهم من الشوارع. لتبات ليلتها وتقوم تنتقي بعض العفش البسيط من أحد الأماكن المستعملة وتبدأ في تأثيث مسكنها. وابنها يساعدها ولا يسأل عن شيء.
نعود إلى حمزة وأمه التي خرجت من المستشفى مصابة بشلل، نتيجة عدم تحملها فقدان حفيدها. وحالتها من سيء لأسوأ. لا تكف عن النواح والبكاء. وحمزة قد انهار داخلياً واسودت دنياه. فهو لم يعِ مدى عشقه لها إلا بعد بعدها. وعلمه أنها رحلت بلا عودة، تاركة كل شيء. خصوصاً بعد أن أتى الجواهرجي وعلم أنها باعت الخواتم. فعلم أن خديجة رحلت بلا عودة. ليموت داخله تماماً ويحس أن دنياه انتهت وأن قلبه قد أُخذ منه بلا رجعة. يعيش جثة تتحرك. وأمه لم تعد تحس بالدنيا. تقفل على روحها، لا تريد أن ترى أحداً، ولا تريد أن تقابل أحداً. والصمت أصبح حليفها. واسودت تلك الدنيا. فما فعلته رد إليها، ولكن الغرزة كانت قوية. فخديجة خلعت قلوبهم عن حق.
جلس حمزة في حجرته يناجي حبيبته. وقد صنع لها لوحة بالحجم الطبيعي ليخصص لها ركناً في الحجرة ويجلس أمامها. همس: "هتسيبيني خلاص؟ اتوجعتي وسيبتي حمزة؟ اتكتب عليا اللي أحبه يسيبه؟ بس الأول أنا اتسابت غدر. دلوقتي أنا اتسابت عقاب. أنا اللي غدرت. اللي اتعمل فيا عملته فيكي يا قلب حمزة. يا ترى أنت فين وعاملة إيه؟ يا ترى بتكرهيني إزاي؟ يا ترى هيجي يوم وأخدك في حضني؟
" قام وفتح أحد الأدراج الخاصة، لتلمع عيناه بالدموع. وفتح إحدى العلب. كان القلم الذي أهدته خديجة لمازن يتوسد العلبة. كان قد أخذه ودون وعي من تصرفاته، حفر عليه أول حرف من اسمه. وطوال الأربع سنين لم يفارقه. ظل يتلمسه بعشق. وقام يتلمس اللوحة ويكتب عليها: "وحشتيني يا واخدة روحي. وحشتيني يا اللي عشقتك ولا أستحقكش. بس وعيت إني عشقتك بعد إيه. حبيبتي، أنتِ هعيش إزاي من غيرك؟
دموعي بتبكي وهتفضل تبكي لحد ما ترجعلي. عهد عليا لأستناكي عمري كله. عهد عليا لأكون ليكي. واستحالة حد يخش عيني غيرك. عارف إنك موجوعة. أنا آسف يا عمري." ابتعد وفتح دولابها: "حاجتك أهيه لسه زي ماهيا مستنياكي. مين هيلبس دول غيرك؟ " لتنزل دموعه. "كنت هتلبسيلي دول يا عمري؟
" ظل يتلمس أشياءها ودموعه تنهمر. "حبيبي كان هيفرحني بدول. كان هيبقى في حضني بدول. كنت هعيش في الجنة. بس أنا زبالة وغدار. بس والله ما كنت أأذيكي. نيتي كانت خير ليكي. وكنت هعرف إنك روحي. لأنك روحي." كان يتلمس أشياءها. رن هاتفه بكلمة خديجة. هب حمزة من مكانه: "روحي؟ خديجة حبيبتي؟ أنتِ فين؟ كده يا عمري؟ أسبوعين ما عرفتش عنك حاجة؟ أهون عليكي؟
قالت بقوة: "ولا عاد هتسمع عني يا حمزة. اسمع يابن الناس، يا ريت تطلقني من سكات. قصة وخلصت بقرفها. ومن هنا ورايح مفيش حاجة بينا. وأهو ابنكم خلاص هربيه بعرقـي وشقايـا. مش عايزة منكم حاجة. فلوسه اللي عندكم دي بقه أمانة، هتتحاسب عليها ليوم الدين، لحد ما يكبر وييجي ياخدها بنفسه." صرخ حمزة: "ياخد إيه ويسيب إيه؟
خديجة يا عمري، أنا آسف والله آسف. ما تخلعيش قلبي. ما تموتنيش. أمي اتشالت وبقت هلاك. والنبي يا خديجة، أنا عارف إني زبالة، بس ما تسيبنيش. بالله عليكي، أبوس إيدك، ما هتـحملش. خديجة، قلبي انخلع. بالله عليكي، أنا مش عايش."
قالت بوجع: "جرّب يا حمزة إنك تحب وتتوجع. جرّب ألف مرة يعني إيه اللي عشقته سابك ومشي وطعنك في قلبك. جرّب وجعكم يا حمزة. من يوم ما دخلت بيتكم وأنا عشت قهر السنين. جرب حرمانك من حبيبك زي ما حرموني. جرب يا جاحد وأنت بتدور عالفلوس. محروقـها فلوسكم يا حمزة. أنا عمري ما طلبت لنفسي حاجة ولا خدت منكم مليم. خايف على فلوسكم؟
أشبع بيها يا حمزة بيه. أشبعوا فلوس. أنا طفشت بابني. وحد الله. ما بيني وبين فلوسكم. خططت وتعبت. روحك كان أولى تعرف إنـي مش بتاعتـه فلوس. بس أقول إيه. فوضت أمري لله. حسبي الله فيكم. خلعتو قلبي. كنت عايشة لا عايزة حاجة ولا بدوّر على حاجة. إنما إزاي؟
خططت أنت وأمك. انبسطو. انبسطو بقه وعيشو مع فلوسكم. أنا ما عايزاش مليم. هشتغل يا حمزة وهصرف على ابني. ولا هنذل ليكم يوم. هشتغل وأربي ابني في حتة نضيفة من غير خطط ولا مؤمرات. ابني هيتربي عالنضافة اللي ماشفتهاش في بيتكم. ما يشوفش أمه بتنذل. ما يشوفش أمه جعانة ومقهورة. أمه ماعادتش كلبة يا حمزة خلاص. أنا بعت الخواتم يا حمزة. هيا المفروض بتاعتي.
بس برضه بقولهالك: خدها من اللي عندك وخد الباقي. أشبع بيه واديه لمامتك يا حمزة تفرحـكو. أشبع فلوس ونامو وارتاحو." ليصرخ: "اسمعي، أنا والله عارف إنك موجوعة، بس أنا عشقتك يا قلبي. والله عشقتك. أنتِ قلبك دهب، إزاي ما يتعشقش؟ سامحيني. طب ارجعي واعملي ما بدالك. ارجعي واطلبي ما بدالك." قالت سارة: "أرجع؟ أرجع لإيه؟ لعيشة الذل والهوان؟ هتذلني يا حمزة؟
مانت بقيت جوزي. من مازن لحمزة يا قلبي لا تحزن. مازن راح بذل. جه مكانه حمزة بوجعه. حمزة قلب الحجر. غلب شريف يحذرني، بس أنا غبية وسلمتك قلبي عشان تنهش فيه. روح الله يسهلك. يا ريت تطلقني وأطمن. عمري ما هدخل راجل على ابنكم وهو أمانة عندي. أنا خلاص. انتو موتوني. ماعتش فيه مكان أعيشه لنفسي. مع السلامة يا حمزة."
فصرخ: "لا لا لا. والنبي يا قلبي. اعملي ما بدالك. بس وأنتِ في حياتي. أبصلك بس لو هعيش عمري أبصلك. بس تبقي في حياتي." بالله يا خديجة أنا هموت، أنا عارف إني أجرمت بس ماتعمليش كده فيا، أبوس إيدك. حبيبي أنا موجوع أهو، وخدت جزائي، ذل وحزن، وأمي اتشالت. خديجة شوفي ليه يرضيكي؟ هنفذه، شالله تموتينا بس ارجعي يا عمري. هتفت بقهر: ارجع.. لمين وليه.. ليك إنت.. هاتلي أمارة أرجعلك.
أنا مبسوطة إني سيباك موجوع يا حمزة، سعيدة ده اللي هيبرد قلبي. دوق يابن الناس ظلمك وجحودك.. اتكتب عليا ابتلاء عيلة البنهاوي. طب مازن كان عايزني وأنا قلت خلاص لقيت السند، بس أمه وشخصيته الضعيفة نهوا حياتنا. إنت بقى مبررك إيه؟ لا أنا كنت عايزك ولا إنت هاتلي مبرر لعمايلك. هات يا جاحد غير الغرور وحب السيطرة، عيلة مريضة، كلكم مش طبيعيين. فايتلك دنيتك، جايز هييجي يوم أكيد ونتقابل، وأكون اتخلصت من حبك.
حبك عار يا حمزة، إنتوا عيلة تقرف.. أموت، عارف أموت ولا إنك تقربلي أو أكون بتاعتك. على قد حبي ليك بكرهك، على قد عشقي ليك عايزة أوجعك. بدعي عليك تنام وتقوم قلبك محروق على حب ماكنتش تتخيله. حبيتك حب ملا قلبي، بس للأسف إنت رخيص قوي على حبي. إنت في نظري مش راجل يقربلي، عارف ليه؟ عشان أنا حبيت راجل كنت فاكراه سند أنام في حضنه، إنما إنت والغدر وطعنة الضهر واحد.
كنت هسعدك ومش عايزة غير الأمان، بس الزعنة نفذت يا بيه يا عالي، وأهو فايتالك، لأنك بالنسبالي أوطى من إني أفكر فيك. ولو فكرت هنزع قلبي، أنا جوايا غضب يكفي دنيا بحالها. فيا ريت ماتجورش عليا وماتطلعش قدامي، ساعتها هتبقى الإهانة عالية ليك ولشخصيتك المصونة. روح الله يسهلك دنيتك، فوضت أمري لله، وقفل الخط وانهارت. وقف يصرخ: لا لا ماتقفليش، لا حرام والله بحبك، حمزة قلب الحجر بيحبك. أعمل إيه؟ أروح فين؟ أجيبها منين؟
أطولك إزاي يا قلبي؟ يا رب منك لله يا حمزة، قتلت حبيبك، بس ربنا خلع قلبك. ربنا أدالك إنت وأمك على قد عمايلكم، عيش بقى ميت. ليه ليه كنت أعمى؟ مابتشوفش؟ مابفهمش؟ سنين بتنكوي عليها؟ إيه يا حلوف مابتحسش؟ يا خراب بيتك يا حمزة.. حبيبي راح. أيوه راحت، تجيبها منين يا رب؟ أهديها يا رب، رجعهالي. مرت الأيام، اختفى تماماً أثرها، وانقطعت عن دنيا تلك العائلة. مرت شهور وشهور، في سنة في أخرى.
كان متبقي معها مبلغ من المال زهيد، ولكنها أصبحت مسؤولة عن نفسها وعن ابنها. وهنا بدأت حياة جديدة لها، بعيداً عن من تجبروا عليها، وتركتهم يذوقوا مرار ما فعلوا. كانت تعيش أياماً قاسية، فقلبها ينهشها من حبها لحمزة، فكانت قد تملك منها العشق وأصابها القهر من بعده. كانت تنام وتأخذ ابنها ذو الثلاث سنوات، كان لا يعلم شيئاً، لا يحس بشيء. وكان يسأل عن جدته كثيراً، فهي كانت تعشقه، لتحاول أن تنسيه إياها رغم وجعها.
أحست بتأنيب الضمير تجاه تلك السيدة، فهي مهما فعلت، فعمر حفيدها وهو حقهم. وعلمت بموضوع مرضها، لتقرر أن تصوره، وتبعث لهم صورة كل حين، وتسجل له فيديوهات. لتشتري خطاً، لتنوي ما إن تستقر، تبعث لهم صور وفيديوهات لابنهم، فهذا حقهم. في زمن آخر، أتى الصباح ببشائره الحزينة، التي تركت بصمتها على قلوب أنهكها الوجع. ليقوم حمزة يستعد لعمله. ذهب إلى أمه ليقبل رأسها، ليهتف: كيفك يا حبيبتي؟ انهارت. لتهتف: هيكون إيه؟
أهو بتنفس يا حبيبي وخلاص، الصحة في النازل. تنهد: يا أمي ارحمي نفسك وارحمي قلبك، وحاولي تهدي. قالت بسخرية: أما تكون إنت هديت، أبقى انسي يا حمزة. وأنا وإنت ميتين وروحنا اتسحبت. أنا ابن الغالي اللي راح، وإنت الست اللي عشقتها وراحت. لا أنا بنسى ولا إنت وجعك بيخف. تنهد وهتف: تاني بتفتحي في الوجع تاني؟ قالت: الوجع ماتقفلش يا حمزة، ومابتفكرش في صنف ست، وتقلي بفتح؟
إنت وجعك مالوش وصف يا قلب أمك، إنت بقيت راهب سنتين، قافل على روحك. فوق كل اللي بتعمله، بتشتغل وبس، لا بتتكلم ولا بتنطق. أقول إيه؟ ربنا يرد الغايب يا حبيبي، ساعتها أموت مرتاحة، بشوفته. تنهد وذهب لعمله، والهم متلبسه. دخل مكتبه وجلس، ليعود شريط الذكريات، بعد أن تركته. ومر الوقت، وتذكر مكالمتها، كيف سمعها تتركه، وكيف توسل لها. اسودت الدنيا، وانهارت دنيا حمزة البنهاوي تماماً. كانت تلك كذبح له، فحبيبته خلعت قلبه ورحلت.
ليعود إلى أيامه، ملابسها تتوسد أحضانه، لا تفارقها، ويهمس: وحشتيني أوي. سنتين وأنا موجوع، وأنا مابشوفش غيرك، وإنت روحي وقلبي. أعمل إيه؟ مفيش لحظة حبي ليكي خف. نفسي أشوفك وأملي عيني منك، نفسي آخدك في حضني. أنا جوايا بيتمزع، ومفيش يوم خف الوجع. مش عايز أنسى وأخف من وجعك، لأني أستحق. لتنزل دموعه بقهر: يا رب تعبت، وقلبي تعب. مرت الأيام، وخديجة قد بدأ المال ينفذ.
فهي كانت تعمل، وتتنقل في أعمال، ولكنها لم يوفقها عمل يصون لها كرامتها. كانت تبحث عن عمل، ولكنها لم تجد، وبدأت الأموال تتناقص، وخافت أن تذل. وتضطر إلى العودة إليهم مرة أخرى، فلم تجد أمامها إلا طريقاً واحداً. لترفع هاتفها، وتتصل بشريف. سمع صوتها، فهب من مكانه: خديجة، إنت فين؟ تنهدت: في مكان يا شريف، ومش هقدر أقولك. هتف: ليه يا ديدا؟ أنا عرفت اللي حصل، أنا آسف، غلبت أحذرك، بس إنت ماسمعتيش. قالت بوجع: تقوم تسيبني له كده؟
اللي بيحذر يقول صراحة، مش يسمع اتفاق ويلعب عليا يا شريف. إنت شاركته في جريمته. ليهتف: غلبت أبعدك، وإنت مصممة، وطلبتك للجواز، أعمل إيه؟ ديدا، أنا غلطت إني ماقلتلكيش، بس حمزة ماكنش سهل، وماكنتيش هتصدقي حاجة، وأنا قلتلك، وإنت ماصدقتييش. قالت: خلاص يا شريف، القصة خلصت. وإن كنت عايز فعلاً تساعدني، أنا محتاجة شغل. قال: شغل إيه يا ديدا؟ إنت ليكي فلوس عندهم؟ أجبهالك.
صرخت: ماتجبليش سيرتها، حد الله بيني وبينها، أنا عايزة أشتغل يا شريف، بعرقي وأعيش، أربي ابني. قال: أنا موجود، سداد، إنت تأمري. قالت: شريف اسمعني، أنا هقبل منك إنك تخش حياتي وتشغلني وتساعدني لو عندك استعداد. قال: عيوني والله. قالت: بس آخد وعد إنك تسيبني في حالي، واستحالة ترجع تتكلم في أي حاجة. أنا بس مستنية يبقى معايا فلوس، وأرفع قضية وأطلق، بس ساعتها هكون لابني وبس. لو ترضى تساعدني من غير غرض، أنا أكون شاكرة.
تنهد وهتف: وأنا تحت أمرك يا ديدا، إنت ماتستاهليش اللي اتعمل فيكي. تعالي ونشوف. قالت: لا يا شريف، أنا مش عايزة حد يعرفني. قال: تعالي بس، وهنضبط كل حاجة. تنهدت ووافقت، وذهبت إلى شركة شريف. دخلت عليه، فابتهج أنها رجعت لحياته مرة أخرى، فقال: منورة الدنيا يا ديدا. قالت بحزم: خديجة يا شريف.
تنهد واقترب: أوعدك إني مش هضايقك، أنا سعيد إنك رجعتي حياتي، وربنا يعلم إن ماليش غرض وحش، وبشغلك لوجه الله، تكفير عن اللي اتعمل مننا فيكي. قالت: أنا ممنونالك يا شريف، وسعيدة إني فكرت فيك تساعدني. بس خايفة أتعرف وحد يشوفني. قال: طب إيه الحل؟ ظلت تفكر، يبقى مفيش إلا حل واحد، وده اللي قدامي. هلبس النقاب يا شريف، ماليش إلا كده، أو شوفلي شغلانة عند حد من معارفك. قال: معارفي هما معارف حمزة، وده دايماً بنتقابل في شغل.
رغم خلافنا، واللي حصل، إن شراكتنا زي ماهي، إحنا شركا يا خديجة. صحيح أنا كنت قاعد عنده في الشركة دايماً، بس لما حصل اللي حصل، طبعاً لا بقى طايقني ولا يشوف وشي. فنقلت فرع الشركة هنا، هو فرع أصغر، بس نادراً لما بيقعد. السوق ضيق، وبنتعامل مع بعض، وشركا مشتركين، مابيمشيش الشهر إلا أما أقابله. تنهدت: طب خلاص، أنا هلبس النقاب، وربنا يستر، إنت تساعدني وخلاص. ابتسم لها، وجلس يخطط معها كيف سيسير العمل.
مرت الأيام والشهور، وهي تعمل، لتحس براحة داخلية. تبدأ في الاعتماد على نفسها، ورغم أنها لم تنس حمزة يوماً، إلا أنها قررت أن تعيش لنفسها. أن تنزع أي فكرة من العودة إليهم، حتى لو مرت بأزمات. استقرت لها الحياة، وبدأت في العمل في الشركة، تحت مسمى مريم سعفان. امرأة شارفت على الأربعين، والكل يعرف ذلك، وألفها الكل. فأشاع شريف أنها معرفته أرملة تربي طفلاً، ليس لها أحد.
استقرت وكونت مجتمعات بسيطة لها، ولكنها أبداً لم تكشف وجهها لأحد. وكانت حياتها العمل، والعودة لتأخذ ابنها من إحدى الحضانات. ولم تكف عن بعث الفيديوهات لجدته، ولكنها كانت تذهب إلى إحدى أماكن الإنترنت، حتى تبعث لهم ذلك، حتى لا يستطيع أن يصل حمزة إليها. لتمر الأيام، وتستقر لها الحال، وزال غضب خديجة من حمزة. فالسنين مرت، وهدأ الغضب، وبدأ النسيان يلمس على القلوب.
كحال البشر، يبدأ الغضب عاتياً، لتمر الأيام تزيله، وتبقيه بعيداً. وتبقى الوجع والحسرة على حب ينهش قلبها، الذي لم ينس عشق حبيب غادر. في أحد الأيام، كانت خديجة متأخرة على العمل. فكان اليوم اجتماع مديرين، وهيا قد أعدت حسابات خاصة للمشروع. لتأخذ الملفات التي سهرت عليها، لتندفع لتجد باب الأسانسير. كان مديرها صعب، فخافت أن يوبخها، ولا تريد أن يعرف شريف، ويقف له، حتى لا تنفضح. فظلت تراقب الباب بخوف.
فتشجعت عندما وجدت الباب يغلق. قالت مسرعة: وقف من فضلك. اندفعت ودخلت، وتلتصق بالحائط برعب، وأغمضت عيونها. وكزت على أسنانها، وقبضت على يدها. أنفاسها تمزقها، والرجفة تغزو أوصالها. لتزداد حالتها رعباً، وتتجمد، ويهوي قلبها عندما...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!