بعدما تركت أيسل أبناءها، ذهبت مباشرةً إلى بيت جدها. كانت شاردة وضائعة بين أفكارها. تعلم أن الطريق صعب وحتمًا ستواجهها بعض العقبات وقد تكسرها، ولكنها متأكدة من طيبة خالد، وأنه سيسامحها آجلاً أم عاجلاً. فخالد رغم دماغه الصعيدية، إلا أنه متحضر ومثقف، وهي تعلم أنه ليس بهذا الغباء، فحتمًا حينما ينظر لأيان بدقة سيعلم أنه نسخة مصغرة منه. لقد كان القدر رحيمًا بها، وسبحان الله أيان نسخة مصغرة من والده. كلما اشتاقت لخالد، أخذته بين أحضانها تستشعر فيه رائحة والده الحبيبة. تنهدت ونظرت لأعلى وقالت
بحرقة وقلب أتعبته الأيام: ااااااااه.
سرعان ما تذكرت مصيبتها الجديدة، فبدلاً من أن تواجه مصيبة، أصبحوا لا عدد لهم. فهي اكتشفت منذ شهر حملها مرة أخرى بعد الليلة العاصفة التي عاشوها معًا، والتي انتهت بطلاقها. لم تكن تتوقع ذلك أبدًا، وإلى الآن لم تخبر أحدًا. لم تنكر أنها خائفة وبشدة. أصبحت تشتهي أشياء غريبة، وللعجب، ستها الحبيبة تنظر لها دائمًا بريبة وشك من منظرها، وإلى عدد لا حصر له تلقبها بالجاموسة وهي تأكل. فستها ذكية جدًا، وسبحان الله لم تتكلم إلى الآن. فهي حكت لها كيف تم الطلاق، وأصرت ستها أن تحكي لها ما حدث، وأيسل اضطرت لإخبارها حتى تخلص من زن ستها. وعندما أخبرتها، لم تخلص أيضًا من تلميحاتها وضحكها عليهم، فأحيانًا تلقبها بالهبلة وتطلق على خالد "طور هايج"،
وتتبع كلامها قائلة: هو كان جاي يطلق ولا كان جاي مشتاق؟ إني مخبرش. وهكذا من ستها التي باتت لديها أمر واقع، وللعجب تضحكها بشدة. وأثناء شرودها أتى الجد من خلفها قائلًا: واااه جاعدة لوحديكي ليه يا عين جدك؟ وينهم حبايب جدو؟ نظرت له أيسل بخوف وقالت: هقولك يا جدو بس متتعصبش عليا. نظر لها الجد بقلق ممزوج بالحب قائلًا: جولي يا عين جدو أنتِ. جلس الجد بجانبها وحكت له أيسل ما حدث، وأنها تركت الأولاد برفقة والدهم.
أنصت لها الجد وسكت قليلًا وقال لها: طيب جومي يا بتي بينا. خافت أيسل وقالت له: على فين بس يا جدو؟ طبطب عليها جدها وقال لها: على بيت جدك عبد الرؤوف يا بتي، أظن أن الأوان تتعرفي عليه، وآن الأوان نحط النقط فوق الحروف عشان لازم ولابد أرجعلك حقك من عنيهم يا بتي. خافت أيسل وقالت: لا لا يا جدي بلاش أنا مش عايزة غيرك أنت بس، أنا مش هروح هناك وشوية وهبعت السايس يجيب الولاد. نظر لها الجد بحده وقال لها:
لا إيه اللي هتقوليه دا، أنتِ بنت المنياوي. أوعي يا أيسل ألمح في عينيكِ دي نظرة خوف أبدًا وأصل، فاهماني يا بتي. وجذبها من يدها قائلًا: يلا بينا. تنهدت أيسل بضعف وذهبت مع جدها لقصر عبد الرؤوف متمنية أن تمر الزيارة بسلااام.
بعد مدة وصل عبد الرحيم لقصر المنياوي ودخل هو وأيسل، ولكن انصدموا مما رأوا وسمعوا، فخالد يبكي بحضن أولاده، والجد يبكي بصمت. لم تستطع أيسل الصمود وبكت بحرقة. كانت ستتقدم له تحتضنه بكل قوتها، ولكن يد بجانبها منعتها بحده قائلة لها: أنتِ نسيتي إنك دلوقتي طليقته ولا إيه؟ نظرت لجدها بحزن وسكتت. لمح خالد من بين دموعه وقوف أيسل وجدها بجانبها. وترك الأولاد وذهب مسرعًا إليها وسحبها من يدها ووقف في المنتصف وقال بصوت عالٍ
التفت له الجميع: فاضل 3 أيام والعدة تخلص، وأنا مطلقتكيش طلقة بائنة. وأنا أهو بعلن قدام الكل: أنا رديتك لعصمتي يا أيسل، ومن النهاردة هترجعي البيت معايا من جديد. هنا انطلق الجد عبد الرؤوف مسرعًا تحت صدمة الجميع مما يحدث، وعبد الرحيم ينظر بصمت أيضًا. أخذها من خالد بحده وحضنها بقوة قائلًا: بتي.. وحشتيني جوي يا روح جدك.
كل هذا وأيسل فقط مصدومة، لا رد فعل لا كلام. انتهى الجد عبد الرؤوف من احتضانها، وأفاق على خبطة الجد عبد الرحيم الأرض بالعصا التي يسند عليها. نظر الجد عبد الرحيم لأيسل قائلًا: أيسل تعالي جاري أهنه أنتِ والولاد. هنا أمسكها خالد من معصمها مسرعًا قائلًا بلهجة شرسة لجدها: هتروحي فين؟ أيسل مراتي ومكانها معايا أنا.
صاح الجد بأيسل بحده مرة أخرى جعلها تسحب يدها بحده من خالد وذهبت مسرعة تختبئ بجانب جدها عبد الرحيم. نظر لها خالد بحده قائلًا لها: أيسل تعالي هنا. هنا نطق الجد مرة أخرى قائلًا: كلامك يبقى معي إني يا ابن السعيد مش مع الحرمة. أيسل اللي هقول عليه هو اللي هتنفذيه، وكون إنك رديتها دا ما يديكش الحق تتحكم فيها، دي بنت المنياوي يعني حرة وهتفضل حرة. وبعدين إيه اللي اتغير يعني؟
ما أنت مصدقتش إنهم ولادك يا خالد بيه، وطلقتها حتى من غير ما تسمعها وتبررلك. هي دي الأصول اللي علمها لك جدك ولا إيه يا عبد الرؤوف؟ هنا نطق عبد الرؤوف: عندك حق يا عبد الرحيم، واللي أنت تأمر بيه هنفذه بس ترجع لي حفيدتي في حضني من تاني. نظر عبد الرحيم له وتنهد وقال:
بص يا عبد الرؤوف، نار الثأر ضيعتنا كلياتنا، وأنا شايف إن آن الأوان ننهيه، ومفيش أحسن من النسب بيناتنا، وأنا هجمع العيلتين وهعلن زواج أيسل من خالد، وبكذا ننهي الثأر بين العيلتين، ويصير بيناتنا نسب. بس دا هيكون في الظاهر بس عشان تهمد الثأر. نظر له خالد بصدمة قائلًا: ظاهر إزاي يعني؟ نظر له الجد بمكر فهمه عبد الرؤوف وقال:
يعني أيسل هتفضل معززة مكرمة في بيت جدها لحد ما تظهر براءتها وتتأكد إن جوز المصايب اللي وراك دول ولادك، غير أكده إني هطلقها منك وهرفع عليك قضية نسب، والبادي أظلم، ودا آخر كلام عندي. نظر له خالد بصدمة ولكن سرعان ما تفهم الموقف وقال: ماشي وأنا موافق. قال الجد له: عال عال، شرط أخير: أنا عاوز الموضوع يبقى في سرية تامة عشان اللي زور لك تحاليلك زمان قادر يزورها دلوقت، عشان أكده لازم نكتم على الموضوع.
وافقه الجميع وبدأوا بالإجراءات. بعد يومين، اجتمع العائلتين وأعلنوا انتهاء الثأر بين العيلتين بالنسب بيناتهم، وأعلنوا زواج خالد وأيسل، وعم السلام بالبلد مرة أخرى. التقى خالد بالأولاد الذي ارتموا بحضنه مسرعين أول ما رأوه. بعدها أمره الجد بغلظة قائلًا: بعد عنيهم يا خالد ولا أنت نسيت اتفاقنا. نظر خالد له بحنق وغضب قائلًا: مانسيتش يا حاج، حاضر. قال له الجد بحده:
آه بحسب، وعلى فكرة حتى لو أثبتوا إنه ولادك برضه مش هتاخدهم مني، دول روحي. روح الجد. نظر له خالد بحده قائلًا: نعم. رد عليه الجد بعظمة قائلًا: والله دا اللي عندي زي ما سمعت، أصلًا أنتم متنفعوش تربوا عيال، لا أنت ولا البقرة اللي جوه دي. هنا أتى رامي مسرعًا، يحتضن أيسل. وقال: أيوه أيوه يا جدي، أول كلمة حق تقولها، البقرة دي مينفعش تربي عيال أصلًا، هي عاوزة تتربى. ضربته أيسل بحده في بطنه، جعلته يتأوه بشده.
غافلة عن من عينيه مثل النار من قرب رامي منها، وما هي إلا ثواني وقد هب من مجلسه مختطفًا إياها بحده من بين يدي رامي قائلًا لها: تعالي هنا، أنتِ بتاعتي أنا بس، هوريكي إزاي تمسكيه كدا. صاح بهم الجد قائلًا: بعد يدك عنها يا خالد، ولا نسيت اللي اتفقنا عليه يا ابن السعيد. تركها خالد مسرعًا خائفًا من صوت الجد وقال: أهي أهي. صاح الجد به قائلًا: يلا برا، ولما تنفذ اللي قولته لك تبقى تيجي وأشوف هديهالك ولا لا. غور من هنه يلا.
ذهب خالد على مضض، وعبثت أيسل قائلة: حرام عليك يا جدو. قام الجد من مجلسه قائلًا لها: إيه بتقولي إيه يا بقرة أنتِ؟ ذهبت أيسل مسرعة تقول: مبقولش مبقولش.. الله. بعد يومين آخرين، تجلس أيسل على الأريكة وعلى قدميها يوجد طبق فسيخ مقطع لشرائح صغيرة، غير مهتمة لما يصدر منها أو ما يظهر منها، فقط تستمتع بطعم الفسيخ التي تأكله كل فترة باستمرار.
تجلس بمقابلها على الأريكة الأخرى جدتها تحدق فيها بذهول وصمت تدعي في داخلها أن ما تفكر به ليس حقيقة. صمتت لبرهة وأخذت القرار للكلام مع حفيدتها المجنونة كما تلقبها. بت يا أيسل، أنتِ يا بت. ردت أيسل بـ: امممم، عايزة إيه يا ستي. ولم تنظر لها حتى، فهي مندمجة بأكل الفسيخ غير واعية لشيء. لوت الجدة فمها يمينًا ويسارًا قائلة من بين أسنانها: يا مرك يا توحيدة لو اللي في بالي حقيقة.
ونظرت لها وقامت وجلست بجانبها ونتشت الطبق من يديها ووضعته بجانبها. نظرت لها أيسل بصدمة قائلة: ليه كدا بس يا ستو.. الله.. هاتي الطبق دا. كتمت غيظها منها ونظرت لها وقالت: بصيلي هنه. عقدت يديها أيسل ونظرت لها وقالت: ها يا ستو قولي. تنهدت توحيدة وقالت: أنتِ بطنك كبرانة ليه يا أيسل، وبتاكلي كيف الجاموسة؟ نظرت لها أيسل بصدمة وقالت بارتباك: إيه اللي بتقوليه دا يا ستي بس، أنا قايمة من وشك خالص. أمسكتها الجدة من يديها
وأجلستها مرة أخرى وقالت: يا ماري يبقى اللي في بالي صوح.. أوعي تكوني حبلة يا مخبلة ومدريانيش أو خابرة ومقلتيش. انصدمت أيسل من ذكاء جدتها وقالت لها بصدمة: وأنتِ عرفتي منين يا ستي؟ لطمت الجدة خديها وقالت: يا مرارك يا توحيدة، قولي يا زفتة في إيه. نظرت لها أيسل بخوف وصدمة من معرفتها بسهولة وقالت: هقولك وماتتعصبيش، أنا عارفاكي لما بتتعصبي. نظرت لها الجدة وقالت بحده: اخلصي يا بقرة أنتِ. قالت أيسل:
بصي يا ستي، أنتِ فاكرة الليلة اللي طلقني خالد فيها. نظرت لها الجدة بمعنى كملي، قالت أيسل: أظاهر كدا يا ستي إني شبكت يوميها. هنا ضربتها الجدة على كتفها ومسكتها من شعرها بطريقة مسرحية وقالت لها: كيف يا مخبلة ما قولتيليش؟ وكيف راح يصدق الطور الهايج اللي متجوزاه دا، دا لسّاته ما صدقش إن التوأم ولاده يا خايبة الرجا، ما عملتيش احتياطاتك ليه يا مايلة؟ قالت أيسل بزهق: أف بقي يا ستي، وأنا أعمل إيه؟
كل حاجة جت فجأة، وأنا كنت أعرف منين إن كل دا هيحصل ليلتها يعني، ما أنتِ فاهمة بقي. وأعمل إيه أنا إن كان مش مصدق إنه مبروك وسره باتع الله. نظرت لها الجدة بصدمة من ما يحدث وقالت: إذا كان أكده ومبيخلفش، أومال لو بيخلف كان عمل إيه. ولوت شفتيها. نظرت لها أيسل بدهشة وقالت لها: إيه يا ستي أنتِ بتقري عليه ولا إيه؟ نظرت لها الجدة بدهشة مما تقوله حفيدتها وأمسكتها مرة أخرى من شعرها قائلة:
آه يا خيبتي فيكي ياااااني، أنا في إيه وأنتِ في إيه يا خايبة يا نايبة. ورفعت يديها للأعلى قائلة: عوض عليا عوض الصابرين يا رب من المغفلة دي. نظرت لها أيسل بذهول تسألها: يعني إيه مغفلة دي يا ستو؟ نظرت لها الجدة وقالت وهي تدفعها بيدها بزهق: جومي يا بتي جومي الله يرضي عليكي، ما تعصبنيش على ما ييجي جدك يشوف حل في المصيبة دي. قامت أيسل قائلة لها: بس يا ستو متزقيش بس لا البيبي يقع.. الله.
وأخذت طبق الفسيخ مرة أخرى وكادت تذهب إلا أن شبشب طاير من الخلف تعرف مصدره جيدًا لبس بظهرها. وصوت حاد يقول: غوري من خلقتي يا بت، زهقتيني ورفعتي ضغطي. ذهبت قائلة بتمتمة: ماشي يا ستي ماشي، دلوقتي انتي اللي تحتاجيني يا قطة! ذهبت أيسل إلى غرفتها تتمتم بزهق، وهمّت أن تمسك التليفون لكي تحدث إيمي، ولكن وجدت شيئًا يتحرك خلفها. خافت أيسل كثيرًا وقامت مسرعة وكادت تصرخ، ولكن يد منعتها مكممة فاها وأخرى تحاوط خصرها، قائلة:
متخافيش يا وزتي، ده أنا. اطمأنت كثيرًا حينما سمعت صوته وعلمت أنه هو، ولكن يديه كانت تتجول بحرية على بطنها وفمه يقبلها قبلات رقيقة على رقبتها. ولكن أفاقها صوته يقول: تصدقي جدك كان عنده حق لما قال عليكي بقرة. انتي تخنتي ولا إيه يا وزتي؟ هنا فاقت وافتكرت كلام جدتها بصدمة، وبعدته بحدة قائلة: إيه ده إيه اللي جابك هنا؟ مش جدي منعك تيجي ودخلت إزاي أصلًا؟ قال لها: اسكتي ما تفكرينيش بدخلت إزاي!
ده ابنك عمل معايا الجلاشة بره وقلبني بـ 2000 جنيه مرة واحدة عشان يدخلني. نظرت له بحدة قائلة: وجاي ليه إن شاء الله؟ عاوز مني إيه؟ زفر خالد بتعب وقال لها: وحشتيني ومقدرتش نبقى في مكان واحد وما أشوفكيش. نظرت له بتهكم قائلة: والله هو أنا مش خاينة وأنت ما بتخلفش إيه اللي جد؟ احتدت عين خالد ونظر لها وتذكر كيف وصله دليل خيانتها قبل أن يذهب لها المنزل هذه الليلة بلحظات، فقد كان في قمة سعادته ولكن...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!