كانت تتمشى بين المزروعات وتقطف لأولادها ثمرة من هنا وهناك، فكل المكان حولها مزروع بجميع أنواع الفاكهة. هي كم تعشق السير هنا، كل يوم تخرج هي وأبناؤها سيف ومروان برفقة خالهم ليركبوا الأحصنة، أما هي فتذهب بأيرام وأيان بين الحقول، تحب مشاهدة الخضرة والنسيم العليل يداعب شعرها. يا الله كم أحبت هذا المكان وبشدة، كل شيء هنا يذكرها بحقول إيطاليا التي زارتها هي وخالد حينما كانوا معًا.
جلست تحت شجرة الموز بعدما جلبت منها لها ولأولادها. وجلس الأولاد يلعبون حولها، ومددت هي وارتاحت بظهرها على جذع الشجرة وسرحت في البعيد وكيف أتت هنا. Flash back: كانت تجلس أمام قبر والدها الحبيب الذي رباها، تبكي بحرقة وقلب موجوع وما سوف يكون أصعب من فراق خالد الذي عوضها عن كل شيء بحياتها. كانت تتوقع ردة فعله ولكن...
هي الصدمة فقط. ظنت أنه بعد لقائهم العنيف ستشرح له ويفهمها، أما خالد التي كانت معه أمس، تقسم أنه كان جسد بلا روح. فاقت من حديثها النفسي على يد تقترب منها وتضع شيئًا على فمها... ثوانٍ ولم تدرِ بشيء... حملها وذهب باتجاه السيارة... بعد عدة ساعات ليست بالقليل... فتحت عينيها وجدت نفسها على سرير فخم يشبه هذا الذي تراه في التلفاز في قصور الأعيان. ثوانٍ وتذكرت ما حدث، فانتفضت وقامت من رقدتها بحدة...
سرعان ما أتاها صوت حنون لم تسمعه بحياتها ولكنها لمست منه الحب والطيبة... "أخيرًا صحيتي يا بنت الغالي... اتوحشتك جوي يا نور عيني وكان نفسي أشوفك من زمااان." نظرت أيسل للمرأة التي اقتربت منها وتبكي بحرقة، هي من الأساس لم تنفر وتخف منها ولكنها شعرت بشيء غريب يسري بداخلها لم تستطع تحديده. ثوانٍ وقامت السيدة التي تمشي ببطء لكبر سنوات عمرها الذي عدى الستين قائلة: "هروح أنادي على جدك، ده هيفرح جوي."
ثوانٍ وأتى الجد راكضًا وخلفه... يا الله ما هذه المفاجأة... اطمأنت لوجوده وقالت في نفسها: "ربما أهله... فنظرت له باستنجاد قائلة: "رامي، أنا فين ومين دول؟ قرب رامي منها بحب شديد وقال لها: "اهدي يا أيسل أنا هحكيلك كل حاجة... أولًا أنا مين... أنا المقدم رامي المنياوي... وثانيًا يا ستي أنا أبقى ابن عمك وأخوكي كمان بالرضاعة... نظرت له بصدمة قائلة له: "رامي انعدل معايا كده إيه الخطرفة دي؟
قبل أن ينطق رامي بكلمة واحدة صدح صوت كبير العيلة جدها عبدالرحيم المنياوي قائلًا لهم: "فوتونا لوحدنا يالا." انصدمت أيسل ونظرت لهم برعب ولكن سرعان ما علا صوت الجد قائلًا بحدة: "يالا بسرعة عاد... ذهبوا وتركوهم بمفردهم، كان الجد يجلس على أريكة في الغرفة... وأيسل على السرير... شاور لها الجد وقال لها: "تعالي جاري أهنه يا بنت الغالي، تعالي جار جدك، انتي أهنه في أمان."
لم تستطع رفض طلبه وهو يتحدث بكل هذا الحب والأمان، ذهبت مغيبة وجلست بجواره... نظر لها الجد بحب وفرحة لم يستطع إخفائها وربت على كتفها بحنية وقال لها: "كيف القمر يا بنتي... دلوقتي أنا هحكيلك اللي حصل من 32 سنة."
وحكى لها الجد قصة والدها ووالدتها وكيف ضاعت من والدها أثناء الحادث وبحث أمها عليها في كل مكان حتى أتت لهم قبل موتها وطلبت منهم أن ماتت تدفن بجوار ماجد. من الأساس عبدالرحيم كان يعلم عن أيسل ولم ييأس أبدًا من البحث عنها وكان يساعد والدتها دائمًا ويبعث لها بمصروف شهري يعينها دائمًا على المعيشة. كان ماجد أثناء حياته لم يقطع صلته بوالده وأخيه ماهر أبو رامي، وفي بعض الأحيان كان يبعث بماهر وعائلته لهم، فرامي وأيسل من سن
بعضهم. حتى أن والدة أيسل أرضعت رامي حينما مرضت والدته وماتت، فبعثوا برامي لسمية التي ربته مع ابنتها أيسل لسنة ونصف في الخفاء، وحينما كبر قليلًا واشتد عوده فطموه وأرسلوه لجده ووالده. كان رامي يزور سمية باستمرار ووعدها بالبحث عن أخته، وحينما وجدها اخترع أزمته المالية ولكن لم يخترع أزمته النفسية فموت سمية والدته الثانية أثر به باستمرار، فأخذ إجازة طويلة من شغله بأمر الجد وذهب لأخته كي يبقى بجانبها فهو كان يعلم ما تمر
به...
وأصر عليه الجد أن يتركها بحريتها فليبقى بجانبها فقط ولا يخبرها من يكون حتى تقرر هي المواجهة وساعتها سيساندوها وبشدة. اقترب من أيسل ووقفوا بجانب بعضهم وتقرب منها ومن أبنائها وأحبهم وأحبوه بشدة... وحينما قررت العودة شجعها وبشدة فهي أخته الوحيدة وروحه الضائعة، وحينما علم أن خالد سيحضر الحفل وأن عبدالرؤوف خطط لجمعهم ذهب فورًا لهناك لأنه يعلم أن عبدالرؤوف لم يتوانَ في ضم ابن بنته هو الآخر لحضنه...
حينما وصل أخبره رامي بما حدث بالحفل وانتظر حتى ذهب خالد، وحينما هموا بالذهاب لها كانت تخرج مسرعة إلى اتجاه غير معلوم، تبعوها بصمت حتى ذهبت إلى قبر والدها، وحينها أمر الجد رامي باصطحابها، وأثناء عودتهم أمر الجد رامي بالذهاب هو ليأتي بالأولاد فأوان الحساب لم يأتِ بعد. أخذهم الجد جميعًا إلى بيته وارتاحت أيسل حينما علمت بالحقيقة ولكنها ما زالت غاضبة من رامي على عدم إخبارها، ولكن ناهيك عن ذلك هي وقعت في عشق هنا وبشدة، كم أحبت عائلتها الجديدة وكم أحبوها وأحبوا أبنائها...
وجدها الحبيب كم كان متفهمًا معها حينما اندست في حضنه وبكت سنوات شقائها وتعبها وكم كانت وحيدة وكيف عاملها أهلها التي كانت تعيش معهم وكم كان متفهمًا حينما حكت له قصتها مع خالد التي انتهت بالطلاق... كبر خالد في عين الجد وتفهم موقفه ولكن ما أوجعه تخليه عنها بسهولة هكذا وأقسم أن يعيد لها حقها من عيونهم جميعًا...
وأخيرًا لم الشمل وعمل الجد على استعادة أيسل اسمها واستلام ثروتها كاملة فأصبحت أيسل ماجد عبدالرحيم المنياوي وكم كانت تفخر باسمها بجانب اسم أبوها وجدها فجدها فخر للجميع... فهو رجل محب متفهم... وحنون يحب أولادها بشدة ويمنعهم جميعًا من الاقتراب منهم ومضايقتهم، كلامهم عنده أوامر واجبة النفاذ وخصوصًا حينما يتعرض لهم رامي فهي بعد شهرين من خصامه لم تستطع وارتمت في حضنه باكية قائلة له:
"كده بقى أنت أخويا يا غبي خليني أترمي في حضنك وأعيط، أنا كان نفسي أعملها من زمااان وكنت بستغرب إحساسي ده، أتاريني أخت غبي زيك." ضحك رامي عليها بشدة وأخذها بحضنه وبكوا سويًا... ولكن أفاقوا على صوت الجد عاليًا قائلًا لهم: "أنتو يا بقر يالا عشان ناكل وكفاياكو مرجعة عاد بوظتو أخلاق الولاد." وحينما أرادت أيسل الذهاب الجد أمرها أن تجلس حتى تنتهي شهور عدتها وتستعد للمواجهة. Back:
وها هي الآن يتبقى ثلاثة أيام على انتهاء عدتها، تنتظر حتى تعود لحياتها وعملها ولم تعِ ماذا سيحدث بعد قليل. أفاقت من شرودها على بكاء أيان، نظرت له وقالت مسرعة: "بتعيط ليه يا قلبي أنت؟ أشار بيده وسرعان ما استوعبت عدم وجود أيرام. قامت مسرعة تنادي عليها وأيان يركض خلفها... دق قلبها بعنف حينما لمحته، يا إلهي إنه هو وماذا يحمل؟ أيرام! لم تشعر بنفسها وهي تتحرك مسرعة ووو...
كان يجلس داخل أرضه بسوهاج بعدما يأس من البحث عنها من جديد، فهو كلما يحتاج للراحة والسكينة والهدوء يأتي إلى هنا وسط الخضرة والزرع حيث الوجوه الحسنة والطيبة التي انعدموا فيما حوله هناك في بلد الزحام والتلوث كما يسميها. كل السبل إليها قد انقطعت هي وأبناؤها... ثلاثة شهور مروا عليه كانوا كالجحيم... وبعدما يأس من البحث عنها هنا وهنا...
فهي إن لم تكن زوجته يكفي أنها من دمه سيبحث عنها ويجدها عله يريح قلب جده المكلوم عليها كلما أتى إلى القصر وينظر في عين جده يشعر بخنجر مسموم قد طعن قلبه، يشعر بالخسة والدناءة أنه فرط في لحمه كما يقول له جده، كيف لم يشعر بأنها من دمه؟ ألم يقولوا دائمًا أن الدم يحن؟ إذا لماذا تركها؟ تعب وتعب الشوق معه... يا الله امتى هرتاح من العذاب ده... في قربك نار وبعدك جهنم... يا رب.
وأثناء شروده في حياته البائسة وهناك في البعيد وجد طفلة تبكي بحرقة... قام من مجلسه بسرعة البرق واقترب منها ودق قلبه بعنف حينما رآها... يا الله إنها هي نسخة مصغرة من جنيته الحبيبة، مهلًا مهلًا... لم يدق قلبي بعنف هكذا... اقترب منها وحملها على يديه وبيديه مسح دموعها التي تشبه اللآلئ الصغيرة وقال لها: "ششش... أنتي بتبكي ليه وهنا لوحدك إزاي؟
نظرت له الصغيرة بعينيها التي تشبه العشب تحت قدميه وقد هدأ بكاؤها فجائيًا وكأنها لم تكن تبكي منذ قليل ونطقت: "ماما... أنا عاوزة ماما." هنا صدح صوت حاد يعرفه تمام المعرفة وهل يخطئ يومًا في صوتها مالكة قلبه وروحه، وبين ذهوله وصدمته وركضها إليه مسرعة اختطفت أيرام من يديه بحدة... "سيب بنتي يا خالد... أوعى حسك عينك تقرب من ولادي تاني أبدًا أنت فاهم؟ ثوانٍ وأتى خلفها طفل آخر يبكي، مهلًا مهلًا يا الله إنه هو...
أتى الطفل راكضًا: "عمو خالد عمو خالد... أنت هنا؟ صرخت به أيسل قائلة: "أيان أنت تعرف البني آدم ده منين؟ خاف أيان من صوت أمه العالي الذي يراه لأول مرة وانكمش على نفسه... سرعان ما تذكر خالد كلام أخته عن مدى شبه الطفل به وانقبض قلبه فالطفل فعلًا يشبه... اقترب خالد من الولد وأمسك بيديه ولكن فاق على صوت محبوبته تنهره بشدة أن يبتعد عن أولادها... لا يعلم ماذا حدث له وكيف خرج صوته قائلًا لها: "حضن...
حضن واحد بس يا أيسل، واقترب من الطفل مختطفًا إياه بين أحضانه، ولدهشتها اندس الولد بين يديه كالقط المذعور. رقّ قلبها له، فهو مهما قسى عليها تحبه وبشدة، تعشقه وتعشق تفاصيله. أنزلت أيرام من على يديها وتركتهم له، وذهبت قائلة له: هبعت حد ياخدهم منك. مش ساكن في منزل جدك بردو؟ وانطلقت إلى البيت وهي تعلم أن خالد سيفديهم بروحه، وكيف لا وهو أحب من ليس من دمه من قبل. إذن فلتتركه مع أبنائه عله يتعرف عليهم من رائحتهم حتى.
كان خالد قد أخذ أيرام هي الأخرى ولم يعِ شيئًا، فقد احتضنهم بحب يشعر بالراحة بين أحضانهم وبشدة، كأنه ضيَّع شيئًا ووجده بين أحضانهم. حملهم على ذراعيه واتجه بصمت إلى القصر، غير مستوعب ما يحدث معه. بعد فترة قصيرة وصل القصر ووجد جده هناك في انتظاره. قام الجد مسندًا على عكازه وتوجه مسرعًا لخالد وقال له: مين دول يا ولدي؟
أنزلهم خالد واتجه ناحية مرآة في الصالة أمامه تحت نظرات الجد المتعجبة، ووقف أمام المرآة وأيان على يمينه وأيرام على يساره، ونظر بتمعن لثلاثتهم. قطع عليه شروده صوت آيان ضاحكًا: بص يا عموو خالد احنا شبه بعض أوووي! نظر الجد بصدمة هو الآخر وقال بارتجاف: يا بوووي يا ولدي دا شبهك الخالق الناطق. انصدم خالد أكثر، وكلام أخته مرام يعود مرة أخرى إلى ذاكرته. اقترب جده منه ببطء وقال له بفرحة: لقيتهم يا ولدي كيف؟ وينها حفيدتي؟
واقترب بلهفة أكثر ضامًا الأولاد بحب كبير ولهفة، غير واعٍ لصغر سنهم. اقترب يشتم رائحة حفيديه وابنته الحبيبة، بكى الجد بحرقة. هنا نظر له أيان قائلًا: إيه يا جدوو؟ أنت كمان هتبكي؟ شكل جدو عبد الرحيم هو كمان بكى أول ما شافنا، هو أنتو أخوات؟ انصدم الجد وقال لأيان: لهو أنتوا يا ولدي كنتوا طول الوقت دا عند عبد الرحيم؟ هز الطفل رأسه، ومسحت أيرام بيديها دموع الجد قائلة برقة تشبه رقة والدتها:
بس مش تعيط يا جدو. أيوا احنا عايشين في سرايت جدو، ورامي الحيوان مش بيرضى يركبني الحصان شكل سيف ومروان. انتبه خالد لاسم رامي واحتدت عيناه، وسرعان ما ذهبت أفكاره لبعيد جدًا. اقترب الجد من الأولاد وقال لهم: باااه، مين رامي دي اللي يجرؤ ما يركبكوش؟ قال أيان بحدة تعلمها من إخوته: دا بقى عملنا الرضي دا يا جدو، أخو ماما وكمان خالووو.
انصدم خالد من الرد ولم يعِ أي شيء. لم يعد يعلم أين الصواب والخطأ. فقط آه موجعة أطلقها، وجلس بتعب على الكرسي خلفه دافنًا وجهه بين يديه، مشتتًا ضائعًا. فاق من صدمته على ما سمعه من آيان، جعل قلبه ينخلع من مكانه وكأن ماس كهربائي أصابه. ينظر آيان إلى الهاتف في جيبه ويتمعن بالصورة التي أمامه، فسيف كان بالأمس يريه صورة والده وأخبره أن لا يقول لأحد حتى مروان وأيرام. فتارة ينظر للهاتف وتارة ينظر لخالد. نظر له الجد باستغراب:
مالك يا ولدي بتبص في إيه أكده؟ اقترب أيان من عبد الرؤوف وقال: بص يا جدو مش بابا دا هو دا؟ نظر وقتها خالد بصدمة لأيان، وسرعان ما نطق الولد بمرح: أنت أنت بابا خالد صح يا بابا؟ بص بص مش دي صورتك؟ انصدم خالد بشدة، وسرعان ما اقترب الولد منه واندس بين أحضانه مسرعًا قائلًا له: كنت فين يا بابا؟ أنت وحشتني أوي، كل يوم ماما تقولي بابا مسافر وهيرجع قريب. وحشتني أوي.
لم يعد يشعر بمن حوله، فقط إحساس كان في انتظاره طغى عليه، وسرعان ما احتضن أيان بشدة. اقتربت منهم أيرام قائلة برقة جعلت قلبه يبكي على يتم أطفاله ووحدتهم: بابا... يا عيون بابا، قالها بلهفة ووجع، وأسرع بالتقاطها بين حضنه يبكي بحرقة بين أحضانهم، جعلت الجد يبكي عليهم بوجع على تشتت عيلته وأحفاده.
كل ما فكر به خالد هو أنه حتى لو لم يكونوا من دمه، يقسم سيعيدها له ولأبنائه جميعًا. فهو لا يشعر بالأمان إلا في حضرتها وحضرة أبنائها وكفى، فهم لو لم يكونوا أبناءه سيجعلهم بالقوة أبناءه. كل هذا وهو غير واعٍ لمن أتى بصحبة حفيدته التي تبكي بصمت لإحضار أولادها وأحفاده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!