بعد خمسة أشهر... تجلس بركن المشفى الذي نُقل إليه سامر ليلًا. تبكي وترتعش وتمسك بيديها أسفل بطنها بخوف وحماية. فقط تشعر بالخواء والتعب، تشعر أن روحها ستفارقها معه. تدعو وتتوسل منذ أن أتت حتى يحفظه الله لها.
هي منذ أشهر تشعر أن به خطبًا ما، ولكنه كما عهدته كتوم، يبتسم في وجهها كلما رآها، يضحك معها وينسيها العالم، ويرقد في حضنها ليلًا كطفل صغير خائف أن يخسر أمه. فمنذ رحيل والدته منذ أشهر، حينها قرر العودة إلى البلاد وإدارة الشركة بجانب والده الذي أصيب بجلطة إثر موت أمه حزنًا عليها. كان يعاملها كأمه، وكانت أكثر من مُرحبة بذلك. فهي اعترفت بأنها وقعت في عشقه وكفى. تحبه للنخاع، يسري بأوردتها. على استعداد أن تعطيه روحها إذا طلب، ولكن ليحفظه لها الله ويبقيه معها، لها ولابنها.
نظرت للأعلى قائلة: "يا رب... يا رب احفظه لي والنبي عشان خاطري وخاطر ابنه، أنا ماليش غيره." انتفضت على احتضان أخيها لها، فاندفعت تبكي بصوت حاد قطع قلب من كان يأتي مهرولًا خلف أخيها. فحينما حدثت مرام، خالد كان بالشركة فخرج مسرعًا، وحينما سمع آدم اسمها، انتفض قلبه رعبًا عليها وذهب مسرعًا خلفه وأخبر الجميع ليأتوا خلفه. كانت تبكي فقط بحضن أخيها، وبين بكائها تتحدث بصوت يقطر ألمًا: "أنا ما أقدرش أعيش من غيره يا خالد...
أنا عايزاه جنبي، نفسي يشوف ابنه لما يجي... في لسه حاجات ما عملناهاش وعدني بيها، أرجوك مش عايزاه يمشي." "قوله يا خالد أنا باحبه أوي... تحت صدمة من كان يقف بركن ما يستمع لكل كلمة، تقطع في نياط قلبه. هنا وفي هذا المكان وكلامها الذي يخرج بحرقة. علم وأيقن أن مرام محته من حياتها وللأبد، ورغم أن عشقها ما زال ملتهبًا في قلبه، إلا أنه رفع عينيه للأعلى يسمح لتلك الدمعة التي تحرق عينيه بالنزول والتحرر قائلًا:
"آه يا قلبي، يا ريتني أنا كنت مكانه ويفضل هو عشان ما أشوفكيش بتتوجعي كده... يا رب يا رب احفظه لها ونجيه... أنا مش عايز غير سعادتها... أنا اللي خسرتها بغبائي وهو كسبها بحبه وطيبة قلبه... يا رب احفظه لها ونجيه." انتفضوا جميعًا على صوت الطبيب يخرج من غرفة العناية المركزة يقول بعملية: "مرام! نطقت مرام بلهفة حبيبة مكلومة قائلة: "أنا أهو يا دكتور... أرجوك قول لي سامر ماله، من ساعة ما دخل ما خرجش." وشرعت ببكاء يقطع القلب.
نظر الطبيب لها بشفقة وقلب مكلوم ينزف ألمًا قائلًا: "بصراحة يا بنتي حالة القلب تعبانة أوي، وأنا نصحت سامر إنه يعمل العملية من بدري، بس كل مرة كان بيأجلها لأجل غير مسمى لحد ما وصل للمرحلة دي، إحنا لازم نعمل العملية حالًا." نظرت له وقالت بحرقة قائلة: "وما عملتوهاش ليه لدلوقت؟ طبطب عليها خالد قائلًا: "اهدي يا مرام خلينا نفهم في إيه." وانطلق محدثًا الطبيب قائلًا: "قول اللي عندك يا دكتور."
نظر له الطبيب وتنهد بشفقة على حال تلك التي تقف تمسك بطنها بخوف، يعلم أن روح من يقطن بالداخل معلقة بها وقال: "ما أخبيش عليك يا خالد، الحالة صعبة ونسبة نجاح العملية 50%." وضعت يدها على فمها واستندت على الحائط وزحفت عليه لكي تجلس على الأرض بصدمة، إلا أن يد انتشلتها بحب ودموع وجع وحرقة من حب أضاعه بغبائه وأنانيته قائلًا: "قومي يا مرام ما تستسلميش عشان خاطر اللي في بطنك." هزت رأسها يمينًا ويسارًا قائلة بضياع:
"أنا باحبه أوي... حبيته والله أوي يا آدم... لا لا لا أنا باعشقه ما أقدرش من غيره." اقترب منها خالد مسرعًا يلتقطها بين أحضانه بحب أخوي قائلًا لها: "مرام بصي لي، ولو واحد بس في المية فاضل هنتمسك بيه... سامر هيرجع لك تاني صدقيني، بس أنتِ ادعي له وتماسكي عشان تعرفي تحافظي على أمانته اللي سايبها بين إيديكِ دي... فهماني؟ هزت رأسها بضياع قائلة: "أيوه عندك حق... وبكت بحرقة قائلة: "يا رب...
ذهب الطبيب للتحضير للعملية واصطحبوا سامر لغرفة العمليات. أوقفتهم مرام صائحة في الطبيب: "أرجوك استنى." الذي أمر الممرضين أن يتركوهم بحرية. واقتربت من السرير وجلست القرفصاء بجانبه تمسك يديه بحب ودموع بللت يديه قائلة: "أرجوك يا سامر ما تسيبنيش... أنت وعدتني هنعيش سوا ونموت سوا." نادت عليه: "سامر... سامر." فتح عينيه ببطء ونظر لعينيها قائلًا بصوت يكاد يظهر من شدة الضعف: "أنا باحبك أوي يا عيون سامر...
خلي بالك من نفسك ومن ابننا أنا... لم تدعه يكمل ووضعت طرف إصبعها المرتعش على شفتيه التي تشققت بفعل المرض قائلة: "أنت هتقوم لي تاني... مش هاسمح لك تسيبني لوحدي، أنت وعدتني... لسه في حاجات كتير ما عملتهاش معايا... "أنا عايزة ألبس فستان فرح زي ما وعدتني تلبسه لي لما بطني تنفجر... عايزة أصحى الصبح ألاقيك جنبي، وأول ما ابننا يجي الدنيا يكون على إيدك... أنا باعشقك... مش بس باحبك...
أرجوك اتمسك بيا زي ما أنا هافضل طول عمري لو مش ليك مش هاكون لغيرك أبدًا." وتركت يديه وهي تقول: "أستودعك الله الذي لا تضيع عنده الودائع." في غرفة العمليات... "يا دكتور يا دكتور قلب المريض وقف... المريض بيروح مننا... انتفض الطبيب قائلًا: "لا لا مش لازم يموت، ادي له حقنة أدرينالين بسرعة." وفعلت. نظرت بيأس له قائلة: "ما فيش فايدة يا دكتور." أزاحها الطبيب بحدة وأمر مساعده بتولي ما كان يفعله وأخذ جهاز الصدمات قائلًا:
"يالا يا سامر مش هاسمح لك تروح." وصدمة... عاد الطبيب مجددًا يقول بحرقة: "يالا يالا يا بطل... مرام مستنياك بره... "ابنك مستنيك بره...
جعل الجميع من بالعمليات يبكون بصمت على طبيبهم الذي يبكي بشدة على مريضهم. فهم أول مرة لهم يجدون طبيبهم بهذه الحالة. فالطبيب أنور ووالد سامر كانا أصدقاء العمر كما يقولون، فأنور لم ينجب بحياته وكان يعتبر سامر ابنًا له. وحينما علم بمرضه كان يحثه دائمًا على الإسراع بإجراء العملية ولكنه كان يؤجلها دائمًا لأجل غير مسمى. عاد الكرة مرة واثنين حتى انتعش قلب المريض مرة أخرى، جعلته يتنفس الصعداء وبكى بشدة قائلًا:
"كنت عارف إنك بطل يا حبيب عمك." فصفق ببطء من كانوا معه بالغرفة ومسح دموعه بحدة واقترب ينهي ما بدأه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!