اليوم التالي في بيت أيسل. تجلس أيسل وأبناؤها حولها على السرير. أيسل، مشددة رأسها بإيشارب كالستات المصرية الأصيلة، واضعة يدها على رأسها تهتز يمينًا ويسارًا كالندابات، قائلة: اه ياني يا نفوخي.. يا نفوخي اللي هينفجر مني ياني أشوف فيك يوم يا اللي في بالي. ينظر سيف لأخيه مروان برفع حاجب كعلامة على عدم الفهم، فيرفع له مروان كتفيه كعلامة "أنا أيضًا لم أفهم".
فنظرت لهم أيسل برفع حاجب، وفي اللحظة الثانية كانت ممسكة بسيف من ملابسه من الخلف كالمجرمين، وقالت من تحت أضراسها جاذة على أنيابها كالأسد: أنت يلا أنا مش مرتحالك.. من امبارح قلبي موغوشني كده وحاسة إني في مصيبة من وراك جيالي.
فنظر لها سيف رامشًا بعينيه بضعة مرات ببراءة في نظرة تعرفها جيدًا، وتعرف من درّبه عليها، فهو المخفي عادل كما تلقبه، أساس فشل أولادها وضياع مستقبلهم كما تظن، فربما عليها جديًا أن ترضى بالأمر الواقع وتتزوج من خالد لعله يصلح قليلًا مما أفسده الوقح عادل بأولادها. نفضت تلك الأفكار السخيفة من رأسها وأفلتت سيف قائلة بتوعد لهم: هنشوف...
هنا انسحب سيف من جنبها وقام بسحب أخيه مروان خارج الغرفة تاركين أمهم على نفس الحال تميل يمينًا ويسارًا. فتحدث سيف لمروان قائلًا: هنعمل إيه في النصيبة دي؟ دي أمك هتخربها وهتطّفش العريس المز. نظر له مروان بتفكير قائلًا: مفيش غير حل واحد. قال له سيف مسرعًا ليمني عليه: يا معلم بسرعة. هو مفيش غيره عادل أبو قلب جامد. فنظر له سيف بخوف قائلًا: يخربيتك! ملقتش إلا عادل ده اهبل وهيبوظ الجوازة، وأصلًا خالد ما بيطّقوش.
رد عليه مروان ببراءة قائلًا: يا أهبل ما إحنا هنجيب حد يقدر يسيطر على أفكاره ويوجهه للطريق المستقيم. هنا صفق سيف بيده: أيوه يا أبو التفانين مفيش غيرها إيمي. وانطلق الأولاد للكلام مع عادل وإيمي، وقاموا بالاتفاق معهم على أنهم سيحضرون جميعًا على الموعد.
مر الوقت سريعًا، وأتت الساعة الثامنة، وإيمي ما زالت على نفس حالتها، لم تذهب إلى الشركة وقضت النهار كله في السرير مع أبنائها ومشاكساتهم التي تهوّن عليها مشاكلها، وبين النوم واكتفوا بطلب الطعام من الخارج. بينما يعم المنزل الفوضى والألعاب في كل مكان على الأرض. فأيسل اعتزلت اليوم جميع المهام وقررت أن تبرّد مشاعرها، ولكن ألم يكن عليكي أن تبرديها يومًا آخر؟
هكذا ما تحدث به سيف بينه وبين مروان الذي يجلسان بجانب بعضهما ينظران بتوتر إلى أمهما والتي كانت تنظر لهما في نفس الوقت بريبة فهم كل دقيقة يسألونها كم الوقت إلى أن شكت بأمرهم. نظرت لهم قائلة: مش مرتاحالكو مش عارفه ليه. هنا انطلق جرس المنزل بالرنين عاليًا، فاندفع الولدان ناحية باب الشقة يفتحون. فحدثت أيسل نفسها: هو في إيه؟ واندست تحت البطانية مرة أخرى بلا مبالاة فأولادها سيقومون بالواجب كما تعلم.
فتح سيف ومروان الباب وكانت الشلة جميعًا، فعادل اتصل بخالد واتفق معه أن يأتوا جميعًا معه كمجموعة حتى توافق أيسل ولا يكون هناك مجالًا للاعتراض. رغم أن خالد لم يقتنع بكلام عادل وغيظه منه إلا أنه وافق، وذلك لوجود الشيمي معه وزوجته فهو رجل جدير بالاحترام ويحترمه كثيرًا. هنا قال سيف: أهلًا أهلًا نورتونا اتفضلوا.
دخل الجميع وانصدموا من منظر الشقة وما بها، ثوانٍ وتعثر خالد بقطار لعبة وكاد أن يقع لولا استناده على عادل الذي داس هو الآخر على دبوس ضغط جعله يصرخ عاليًا، فالأولاد كانوا يلعبون به وتركوا المنزل في حالة فوضى عارمة. عندما استمعت أيسل لصرخة عادل قامت مسرعة قائلة: يا لهوووي! العيال قتلوه ولا إيه؟ أحسن يستاهل. وقامت راكضة. وصلت أيسل إلى مكان الصراخ وهنا حلت عليها الصدمة حينما قالت: إيه في إيه اللي حصل؟
وجدت الجميع ينظر لها بصدمة واذهلال. وواحدهم ينظر لها بعين كالجحيم، التقت عين أيسل بخالد التي كانت تنظر لها بحدة من منظرها، فهي كانت ترتدي هوت شورت قصير وبادي حمالات، كانت مهملة ومثيرة وتعصب رأسها بإيشارب من أيام الفراعنة كالخادمات. نظرة خالد لها وترتها وأربكتها، فنظرت لنفسها ووعت لما ترتديه، هنا صدح صوت خالد عاليًا: أيسل خشي جوااااا! هنا فاقت أيسل وانطلقت مسرعة وجرت وراءها إيمي. هنا نظر له سيف:
بقولك إيه يا هندسة ما براحة على البونية. هنا صرخ بهم سيف قائلًا: ثانية واحدة وألاقي المهزلة اللي على الأرض دي متشالة. نظر سيف ومروان لبعضهما بدهشة، ولكن أفاقهم من تواصلهم صرخة خالد قائلًا: بسرعة. فانطلقا مسرعين لتنفيذ أمره. دقائق قليلة كانت الأرض تبرق من النظافة، وهنا خرجت أيسل بعدما ارتدت ثيابها ونظرت للأرض باستغراب قائلة: هو في عفاريت في الشقة ولا إيه؟ بسم الله الرحمن الرحيم.
هنا انفجر عادل بالضحك ولم يمسك نفسه وتكلم على طريقة محمد هنيدي قائلًا: آه. هنا لم يستطع الباقون الانتظار فضحكوا جميعًا بحس واحد، وهنا نظر خالد لعادل بضيق وبنظرة يعرفها عادل جيدًا جعلت عادل يبتلع ريقه وقال: خلاص خلاص. فجلست أيسل بجانب ليلى وتكلمت بصوت هامس: طنط يا طنط. قالت لها ليلى: إيه يا أيسل؟ سألتها أيسل: هو في إيه بالظبط؟ هنا نظر لها خالد وقام بوضع رجله على الأخرى في عنجهية قائلًا لها:
جايين نحدد ميعاد كتب الكتاب. هنا اندفعت أيسل متوسطة يدها في وسطها قائلة: نعم يا عمر؟ جواز إيه وكتب كتاب إيه اللي بتقول عليه؟ هنا هب خالد من مكانه وقام كي يمسك بها بتهور مجنون إلا أن صوتًا حادًا جعلهم يتخشبوا كل في مكانه ولم يكن غير محسن. محسن بحدة: إيه؟ مش عاملينلي اعتبار ولا إيه؟ في إيه؟ اقعد يا خالد اقعدي يا أيسل واسمعوني كويس. الكلام اللي هقوله مهم. هنا انتبه الجميع له. وانتقل بنظره لأيسل قائلًا:
أيسل أنتي عارفة إني بحبك ولا لأ؟ وأنتي عارفة كمان إني روحي في الولاد ومقدرش أبعد عنهم، أنتو عوضتوني عن غربتي ورجعتولي روح العروبة اللي نسيتها من زمان. نظرت له أيسل قائلة بود: طبعًا عارفة، بس ده إيه علاقة بجوازي من خالد أفندي؟ همّ خالد بالرد عليها إلا أن نظرة محسن أخرسته. هنا تكلم محسن وقال: يا أيسل معاد جلسة المحكمة بعد أيام واحتمال كبير تحكم لمراد بالولاد. هنا تحولت ملامحها للذعر فهي تعلم ذلك جيدًا وخائفة بشدة.
فاستكمل محسن كلامه حينما لم يجد منها كلامًا. وقال: طبعًا عارفة القانون هنا من وجهة نظره إن لازم يكون في أب وأم للولاد عشان تحكم لواحد فيكو، والشروط دي طبعًا تنطبق على مراد فطبعًا المحكمة هتحكم له، وعشان المحكمة تعيد النظر بيناتكم لازم تتجوزي من خالد. هنا همّت أيسل بالكلام إلا أن خالد استوقفها حينما قال: أنت كده شرحت اللي عندك يا عمي، ممكن أنا بقى أخد أيسل على جنب وأشرح لها بطريقتي؟
ولم يمهلهم وقت حيث أخذها واتجه ناحية الغرفة التي ظهرت منها أيسل منذ قليل ودخل وأغلق الباب خلفه.
وهنا نظر لأيسل فوجدها تنظر للأرض بصمت لم يعهده منها، فاقترب منها ورفع رأسها في مواجهته وانصدم حينما رأى الدموع بعينها لأول مرة، فهو كلما يراها تكون بحالة هرج ومرج غير معتاد منها على ذلك، وهنا أحس خالد بنغزة بصدره غريبة ووجع كأنه هو من يتألم، اقترب بحنية وأحاط بيده اليسرى خصرها وقربها له وبيده اليمنى يمسح دموعها بصمت وهمّ بالكلام إلى أن كلماتها نبهته حينما قالت:
أنت مش مضطر تساعدني يا خالد، اللي مكتوب لي هشوفه، أنا مش عايزة شفقة من حد أنا. هنا وضع يده على فمها وقال بتيه وهو ينظر إلى عينيها: مش شفقة أبدًا. قالت أيسل: لا أنا... هنا قال خالد: من أول ما شفتك وأنا حاسس إن في حاجة بتشدني ليكي، إحساس كده مش عارف أوصفه ولا قادر أوقفه، أنا عمري ما كنت مندفع في مشاعري بس معاكي أنتي كل حاجة بتطلع لوحدها... قالت أيسل له: مشاعر وهتروح بسرعة وهتكرهني مع أول مقلب ولادي هيعملوه فيك.
نظر لها خالد: حبيتهم واتعلقت بيهم ومتسألنيش ليه وإزاي، بس أنا ببقى مبسوط وأنا معاكو، أنا عشت محروم من أبويا وأمي حتى لما اتجوزت ربنا ما أمرش إن يكون ليا أولاد، حاسس إني ربنا عوضني بيكو، بحس بالحياة اللي عشت محروم منها سنين. أيسل نظرت له بتساؤل فقال لها: تقبلي إني أكون جوزك وأبو ولادك؟ نظرت له وقالت: خايفة يا خالد. تحسس بيديه بشرتها وقال: طول ما أنا جنبك متخافيش يا قلب خالد. هنا لاحظ توترها فسيطر على نفسه وقال لها:
قولي يا أيسل عايزة تقولي إيه؟ أنا عايزة أقولك يعني... ها قولي. أنا عايزة جوازنا يكون مؤقت ويبقى جواز على ورق بس لحد ما أكسب حضانة الولاد وبعدها هنزل مصر واستقر وننفصل بهدوء. لم يتركها تكمل ما قالت حيث قام باعتصارها بين يديه واحتضنها بقوة. وقال هامسًا في أذنها: هتبقي مراتي ولآخر نفس فيا، وهاخد حقوقي منك كاملة، وكلمة كمان وهخلي شفايفك الجميلة دي تندم إنها نطقت بالكلام السم ده. وجزّ على أسنانه فأزاحته قليلًا
وضربت على صدره قائلة: سافل أنت سافل! أوعى كده! فغمز لها وقال: أنتي لسه شوفتي سفالة! هتموتي يا سوسو. صرخت به وقالت: برا اطلع برا! وحدفت عليه المخدة. فانطلق مسرعًا وأغلق الباب وعاد مسرعًا وأطل برأسه بجنون لم يعهده في سنواته الاثنين وثلاثين وقال: أنا بحب اللون الأحمر أوي أبقى كتري منه. وغمز لها وقذفها بقبلة سريعًا وفر هاربًا... نظرت له أيسل وقالت: سافل بس مز، كتك القرف في حلاوتك. عاد لها مجددًا وقال: سمعتك على فكرة.
وقال لها: هقطعك يا سوسو. وأغلق الباب سريعًا وذهب تاركًا إياها تسبه بأبشع السباب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!