كان يجلس في الفندق ينهي بعض الأعمال على اللابتوب الخاص به. أحس بالتعب، فأراح ظهره للخلف بحثاً عن الراحة ولو قليلاً. ثوانٍ وأمسك الهاتف يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به. وتفاجأ مما رأى. ليس بمفاجأة، بل صدمة. شعور مريب بالكسرة ووجع القلب. فقط وجع، وجع وألم رهيب يشعر به يسري بأنحاء جسده. قلبه ينزف ألمًا. حبيبته وعشق صباه ومراهقته تزوجت. "يالله."
لا يعلم ماذا حدث أو كيف، فقط يتطلع لصورها مرة بعد أخرى بصدمة وكسرة نفس جعلته كأنه يحرك الصور للأعلى والأسفل. "أيكذب عينيه؟ "لالالالا، إنها هي من عشقها في صمت. أدي لهذه النتيجة." كان يعلم. لم ينكر، كان يعلم بعشقها له من البداية. لقد سمعها تتحدث مع إحدى صديقاتها عنه بوله وحب. "إذا ماذا حدث كي تتركه وتبحث عن غيره؟ نظر للصور مرة أخرى، يحاول أن يرى بهم لمحة من حزن، لعله يريح قلبه المكلوم على ما حل به بين ليلة وضحاها.
رمى الهاتف من يده بعصبية على الأرض، وكسره لقطع صغيرة كقلبه الذي تحطم إلى أشلاء. "واااه واااه من ما يشعر به. نااار نااار نشبت في كامل جسده." حتى الدموع كالنار تحرق عينيه تهدد بالنزول. "واااه من قهر الرجال." حطم كل شيء، دمر وكسر وجلس. هدأت ثورته وأحس بطاقته قد سلبت. لم يتبق شيء.
زحف بقدميه في ركن الغرفة البعيد كما كان يفعل في صغره حينما كان يؤنبه والده. يريدهم الآن وبشدة. يريد والدته أن تضمه لصدرها ويبكي حتى يفرغ طاقته مثلما كان يفعل دائمًا وهو طفل صغير. يبكي بشدة، يبكي عمره أضاعه في ضعف حتى أضاعها من بين يديه. خذلها وهو يعلم، كان يرى في عينيها عشقًا له، ولكن في كل مرة كان يراها بها كان يضعف ويقرر الكلام، ولكن ما هي إلا عقدة نفسية من ماضي ذهب ولن يعد. "كااان مريضا نفسيا وهو يعلم."
يخاف عليها وبشدة. نعم، يخاف أن يأتي يوم ويقسو عليها ويمد يديه عليها كما كان يفعل والده مع والدته منذ زمن. رغم علم الجميع بعشقهما لبعض، ولكن كان دائمًا يرى شجار وخلافات. "فأين ذهب الحب؟ خاف أن يعيد الماضي. كان ينظر لها وبداخله يتمنى قربها، ولكن هو الخوف من الفشل الذي جعله يعيش كوابيس كل ليلة عن والده وهو يضرب والدته بعنف حتى نزفت وأغمي عليها. "نعم، والده قتل أمه وهو يعلم."
حب والده لوالدته كان حبًا مرضيًا. أدى إلى وفاة أمه بعد ضرب مبرح أدى إلى سكتة دماغية فماتت على الفور. لم يستطع الكلام، أو البوح بشيء. كان طفلاً صغيرًا لا يفقه شيئًا. لكن حينما كبر وفهم عرف كل شيء. رغم تخلي والده عنه، ومن قامت بتربيته هي جدته أم والدته.
تزوج والده وأنجب فتاة وما زاد والده إلا ظلمًا وقهرًا. كان يعامل والدتها بعنف، فاضطرت أن ترفع عليه قضية خلع وتهرب بجلدها منه. ووافق ببساطة، فهو طالما لن يغرم شيئًا، إذن فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم.
كبر على عقد حياته. كان قريبًا جدًا من أخته سيلا. أخته الجميلة، كان دائم السؤال عنها. هو يعلم أن لا ذنب لها فيما فعله والدهما. أخته الرقيقة سهلة الكسر. وحينما ماتت والدتها جاءت للعيش معه. فمنذ أن دخلت حياته وهو مكتفٍ بها. ذهب بها لطبيب نفسي وعالج جروحها وأصبحت أفضل، تعيش بحرية وانطلاق. وفي خضم ما حدث نسي معالجة جروحه هو. إلى أن خسر وفاق على صدمة عمره.
بعد يومين يومين من العزلة عاشها آدم حزينًا على فراق مرام وزواجها من آخر، ولكنه علم أن البكاء على اللبن المسكوب لا يفيد. إذن فليتمنى لها السعادة التي لن يحصل هو عليها أبدًا وهو يعلم.
قرر المضي قدمًا والالتفات لحياته وطرد هواجسه من رأسه. اتصل بخالد وطلب منه أن يبقى هنا لإدارة فرع الشركة هنا، وطلب من أخته أن تأتي للعيش معه. وقد كان. سيكون آدم جديدًا. فيكفي ما حدث له في حياته من مرار وفراق. وأول خطوة كانت الذهاب للطبيب النفسي. بعد 10 أيام في منزل خالد بالصعيد. يمشي خالد ذهابًا وإيابًا أمام جده قائلًا: "وبعدين بقي ياجدي في الموضوع اللي مش هنخلص منه دا؟
أنا هنا من 10 أيام ومش عارف أشوف مراتي والولاد وجدها عامل عليها حرس كأننا في جبهة حرب. أصرف بقي كل دا عشان يحدد ميعاد نتقدم فيه." نظر له الجد قائلًا: "باااه متتهد بجي ياولدي خيلتني." نظر له خالد بصدمة وقال لجده: "ياجدي أنا في إيه وانت في إيه." نظر له الجد وقال ببرود: "عمومًا الميعاد النهارده بعد صلاة العشا إن شاء الله." هب خالد من وقفته قائلًا: "بتقول الحق ياجدي. قوول والله."
هنا بعده الجد بحدة فهو كان ممسكًا بيديه قائلًا: "بعد يدك عني يازفت أنت وأنا هضحك عليك ياااك إني." قبله خالد في خده وذهب مسرعًا لأعلى كي يستعد. ضرب الجد كفًا على كف قائلًا: "الواد جن خلاص، عليه العوض." بعد مسافة في قصر الجد عبدالرحيم. تقف أيسل أمام المرآة تختار جلبابًا من ما أتت لها بهم الجدة. وقالت: "افف مفيش ولا واحدة مش مبينة بطني. اعمل إيه أنا. دانا بطلوع الروح على ما أقنعت ستي متقولش لحد على حملي."
وزفرت بزهق وجلست على السرير بغيظ ناظرة للساعة فموعد صلاة العشاء قد اقترب كثيرًا. دخلت عليها جدتها قائلة: "بووه جري إيه ياخبله أنتِ وإيه اللي انتي عملاه في الخلجان ده." نظرت لها أيسل بحدة قائلة: "بقولك إيه ياستي مش شورتك دي إني لازم ألبس عباية. اديني مش لاقية ولا واحدة تخبي الكرش دا." وبكت بطريقة مسرحية على حظها الهباب كما تلقبها جدتها.
ضحكت جدتها وقالت: "جولتلك بجيتي كيف الجاموسه مسامعنيش الكلام. وبعدين دلوك ولا بعدين لازمن يعرف الطور الهايج ده إنك حبله والا هداريه اياااك." نظرت لها أيسل بغيظ من كلامها قائلة: "ماشي ياستي ماشي. عمومًا شوفيلي حل بقي لاما هلبس أي حاجة بقي." قالت الجدة بسرعة: "باااه كيف ده عاوزه الناس تأكل وشينا ولا إيه. دي عوايد يابنتي. العريس والعروسة لازمن يلبسو جلاليب. في الاتفاق."
"طيب ياستي ماشي." ونظرت لجلباب واسع نسبيًا وذهبت لارتدائه وتجهيز نفسها وهبت واقفة بحدة. جعلت السرير يهتز معها. صاحت بها الجدة قائلة: "باااه مبراحه يابجرة أنتِ هتسجطي علينا الدوار." نظرت لها أيسل بغيظ وقالت: "لييه شيفاني فيل قدامك." نظرت لها الجدة وقالت: "اكتر من الفيل. مشيفاش كرشك بجي اديه ولا كانهم جوز. مصيبة لتعمليها تاني وتبلينا بجوز." خبطت أيسل قدميها
بالأرض كالاطفال قائلة: "ماشي ياستي والله مهنسالك ابدااا وهتشوفي." وأغلقت الباب بحدة. ولم تسمع جدتها وهي تدعي لها بصلاح الحال والسعادة. فهي ردت لهم روحهم من جديد منذ أن دخلت حياتهم هي وأولادها. بعد صلاة العشاء ذهب الجد وخالد لمنزل عبدالرحيم الذي قابلهم واصطحبهم للداخل بوقار وهيبة ورزانة أققلقت خالد مما يفكر به هذا الرجل الماكر. تمتم خالد في سره: "ربنا يستر مش مرتاحلك." لكزه الجد قائلاً
بتبرطم: "تقول إيه متهدي أكده لتفركش الجوازه الله." تكلم الجد وقال: "وينها حفيدتي اتوحشتها هيا والعفاريت الصغار." لم يكمل كلامه حتى اندفع الأولاد مقبلين عليهم مهللين في فرح: "جدووو جدووو. وحشتنا ياجدو." واقتربوا يسلموا عليه وعلى خالد الذي احتضنهم أربعتهم في مرح قائلًا: "وحشتوني ياقلب بابا من جوه." ومال على سيف قائلاً: "اومال أمك فين ياسيف." سيف بنفس الهمس قائلاً: "تدفع كاام وأنا أقولك."
نظر له بقرف قائلاً: "مادي حقير." قال سيف: "لا الحق. حق. كيشني أظبطك." نظر له بغيظ قائلاً: "هانت. وهربيك من أول وجديد عشان تعرف تقلب أبوك ياواطي." كاد سيف أن يتحدث ولكن أوقفه جده عبدالرحيم يسأله: "في حاجة ياسيف." لم يمهله خالد الكلام وقال: "ابدا ياجدي دا وحشني وبسلم عليه. مش ابني حبيبي وواجلس سيف على قدميه." الذي ينظر له برفعة حاجب قائلاً: "والله ودا من امتى." ولاعب حواجبه بمكر لخالد.
نظر له خالد وقال له: "اوعى تفتح بقك بكلمة أنا مصدقت خدت الميعاد دا انت فاهم." نظر له سيف وقال: "تدفع كاام." نظر له بعدم فهم قائلاً: "وادفع ليه هو انت عملتلي حاجة." نظر له بمكر وقال: "لا معملتش بس هقول إنك عملت وشوف بقي إيه اللي هيحصل." علم خالد مقصده وقال من بين درسه قائلاً: "طلباتك يا سيف باشا." نظر سيف له ببراءة قائلاً: "حاجات بسيطة والله." نفخ خالد وقال له: "اخلص." قال سيف: "موبايلك."
شهق خالد لفت انتباه الجميع الذين يتحدثون بمواضيع عدة. والتفت له قائلاً: "اه ياواطي. شوف غيره." وقتها كاد ينادي على الجد إلا أن يد خالد منعته وهو يعطيه الهاتف وانطلق الولد للأعلى بانتصار يتفحص الهاتف باهتمام. وتركه يتحسر على ما به وما حدث له. "ماشي يابن ال.... ولا بلاش أمك حبيبتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!