تحميل رواية معشوقة المنتقم بقلم سما احمد pdf
بقلم سما احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ضحكات صاخبة تملأ هذا المنزل الكبير. ضحكات طفولية بالرغم من نضوج صحبتها التي تملك تسعة عشر عاماً من عمرها. تجري بساحة المنزل كطائر أخذ حريته وتطلق النكات الجميلة المضحكة. لم تشعر بتلك الكاميرا التي تلتقط لها صور كثيرة جداً. =وبحب الناس الرايقة اللي بتضحك على طول. أحبك يا بوب وأنت مفرفش كده. رباب (الجدة) =ههههههه مجنونة. أهدي جدك زمانه جاي يا بت. =ويعني لازم أبطل ضحك وأعبس. لا تعالي بقى هنا. ومسكت يد جدتها تدور كالأطفال. فنظر لها البواب وضرب كفاً على كف قائلاً بحنية: =ربنا يديم ضحكتك ويهديكي يا رب...
رواية معشوقة المنتقم الفصل الأول 1 - بقلم سما احمد
ضحكات صاخبة تملأ هذا المنزل الكبير. ضحكات طفولية بالرغم من نضوج صحبتها التي تملك تسعة عشر عاماً من عمرها. تجري بساحة المنزل كطائر أخذ حريته وتطلق النكات الجميلة المضحكة. لم تشعر بتلك الكاميرا التي تلتقط لها صور كثيرة جداً.
=وبحب الناس الرايقة اللي بتضحك على طول. أحبك يا بوب وأنت مفرفش كده.
رباب (الجدة)
=ههههههه مجنونة. أهدي جدك زمانه جاي يا بت.
=ويعني لازم أبطل ضحك وأعبس. لا تعالي بقى هنا.
ومسكت يد جدتها تدور كالأطفال.
فنظر لها البواب وضرب كفاً على كف قائلاً بحنية:
=ربنا يديم ضحكتك ويهديكي يا رب يا ست البنات.
سمعوا صوت سيارة ليعلموا أنها سيارة جدها. فدخلوا مسرعين. لحقهم الجد وجلسوا بصمت.
عثمان
=سلام عليكم.
رباب وجاكلين (بتوتر)
=وعليكم السلام.
عثمان (باستغراب)
=مالكم كده كأنكم عاملين مصيبة. على العموم حضروا الأكل وأنا طالع أغير.
وصعد وتركهم. تتبعه أعين جاكلين التي تشبه القطط ورباب تنظر لها وتضحك بكثرة.
جاكلين (وهي تنظر لرباب)
=عارفة يا بوب جدي بيفكرني بمين.
رباب (باستغراب)
=بمين.
جاكلين (وهي تقف وتمشي بطريقة مسرحية)
=مسلسل دموع في حضن الجبل. والجد بيقول لحفيدته مين أكتر واحد بيحبك. أهنه ترد تقوله أنت يا جادي. واخدة بالك. جادي مش جدي. ومين أكتر واحد بيهمه مصلحتك في الدار. أهنه أنت يا عااااا.
صرخت حين وقعت على الكرسي. فضحكت رباب على مرح حفيدتها. وأكملت جاكلين:
=خلاص يا جاكلين اتجوزي عم مصيلحي البواب. هاهاهاهاااااا. دا كله عشان أنت يا جادي بس. جاكلين مختلفة. جاكلين مش بتقول أيوه. دي بتقول لا والف لا. نعيد تاني. مين أكتر واحد بيحبك. أهنه مش أنت يا جادي. أيوه مش أنت يا عتم...... جدي. أحم. الأكل يا بوب. أصدي يا نانا.
قالت آخر كلامها حين رأت جدها ينزل. ورباب تحارب دموعها وهي تنظر لحفيدتها التي أخفت وجهها وجرت مسرعة لأعلى.
عثمان (بضيق)
=ربنا يهديكي ويكملك بعقلك يا جاكلين.
وجدها تنزل مرة أخرى. فنظر لها قائلاً بتأفف:
=لحقتي يا جزمة.
جاكلين (بعبوس)
=جعانة. والبوب عاملة فراخ مشوية حلوة أوي.
ضم شفتيه حتى لا يضحك على شكلها الطفولي وجلسوا يأكلون. فكانت تأكل بشراسة وهو يتأملها بحنية. ليمر اليوم ويأتي يوم جديد.
في مكان ما في إحدى الفلل الكبيرة والتي تتميز بالجمال التراثي القديم. تحدث هو بهيبته المعتادة:
=خلاص بقى بطلي الأسطوانة دي وسيبيني في حالي.
ياسمين (بعصبية)
=مش ههدي غير لما بنت السيوفي تيجي هنا.
وأكملت بكذب:
=أنت هتنسى ولا إيه. دي نفسها اللي أبوها قتل أبوك. أنت شوفته بيهدد أبوك بالقتل وأبوك مات بعدها.
=يا أمي وهو كمان مات هو ومراته. ليه انتقم من بنت ملهاش ذنب. حطي نورسين مكانها. هترضي يحصلها حاجة.
أردفت ياسمين بصراخ:
=أوعي تقارن بين بنتي وبنت قاتل أبوك. ولا أنت مش قادر تجيبها وكل القوة دي هتروح هدر قدام عيلتك.
تحدث بنفاذ صبر:
=انتقام. مش هنتقم من حد ولا هاخد حد بذنب حد.
تحدثت هي بخبث شديد:
=يعني ولا مرة زعلت على نورسين وهي بتعيط بالليل. عايزة باباك. ولا مرة زعلت على نفسك وأخوك وأنتم بتشالوا المسؤولية في شركة خسرانة مرة واحدة.
تنفس الصعداء قائلاً:
=مكناش صغار ولا اتظلمنا. كنا رجال. خمس وعشرين سنة. مكنتش عيل. كنت راجل فاهم.
ياسمين (بخبث)
=وبسبب مين كل ده يعني. لا أنت هامك أبوك ولا غيره. طيب قدامك يا أنا يا بنت السيوفي. يعني لو مجبتليش بنت السيوفي. لا أنت ابني ولا أعرفك.
فكر قليلاً. سيذهب وسيأتي بها. لكن مهلاً. سيكون بظهرها وسيُحميها. فهو كفيل بهذا. وأيضاً هو لا ينتقم لنفسه أو لأنه يريد هذا. بل لوالدته ومن ربته بعدما تخلت عنه تلك.
=حاضر يا أمي. في خلال تلت شهور هتكون عندك. سبيني بقى.
ياسمين (بخبث)
=هسيبك يا ابني. هسيبك.
وتركته وخرجت. في نفس وقت دخول أخته الصغيرة ذات التسعة عشر من عمرها.
نورسين (بابتسامة)
=مالك يا أبيه.
=مفيش يا نورسين. بس لازم أسافر.
نورسين (بحزن)
=تسافر. طيب فين المرة دي.
=شغل ضروري يا نورسين. خدي بالك من نفسك. ومؤيد هيجي كل يوم يشوفك.
نورسين (بعبوس)
=وهتتأخر.
=لا إن شاء الله.
احتضنته بقوة. ليسمعوا صوت محبب إلى القلب بالرغم من إزعاجه.
=الحضن دا من غيري.
يضحك الاثنان. وتركتهم نورسين فهي تعلم أن أخاها لا يتحدث إلا مع مؤيد.
مؤيد (بغمزة)
=إيه يا حليوة. أنت مالك.
بدأ يحكي له عن ذهابه مكملاً:
=أبوها هو اللي قتل أبويا. وأنا لازم انتقم منها فيهم.
مؤيد (بضيق)
=والله. وإيه ذنبها بقى. أبوها قتل أبويا وأبوها وأبويا مات. قول الله. لازم انتقم وخلاص.
=أنت محدش يخبي عليك حاجة أبداً.
مؤيد (بضحك)
=أيوه. وقول.
=ياسمين هانم اللي كل شوية عايزة بنت السيوفي هي اللي قتلت جوزي ومش عارف إيه. المهم أنا هروح أجيب البنت ليها وخلاص. بس بطريقتي ومن غير ما حد يحس.
مؤيد (بزهول)
=بتقول إيه. إزاي هتخطفها. بعدين أنت من إمتى بتسمع لحد غير نفسك.
=دي كرد جميل لـ ياسمين. بقالها عشرين سنة معانا يا مؤيد. ومعملتش اللي سيرين عملته.
تنهد مؤيد. فهو يعرف صديقه جيداً. ويعرف مدى جدعنته وأنه متقي لله. لكنه والى الآن يحمل جميل ياسمين. تلك المرأة التي لا يرتاح إليها أبداً.
وهنا نترك بيت المنتقم لنذهب لمنزل المهوس. في مكان آخر. كان يجلس وحوله صورها. ينظر لها بجنون ويتلمس وجهها قائلاً:
=أنتي بتاعتي أنا. هجيلك اهو. هحببك فيا. هخليكي تتنفسيني زي ما بتنفسك.
وأكمل بصراخ:
=أنتي بتاعتي أنا. مجنون بيها. بتاعتي أنا. جاااااكلين. بتاعتي.
وجد أحد الرجال يدخل. فقال:
=ماذا هناك.
الرجل (بخوف)
=كلما أرسلنا لها هدية يرميها الحرس لساعي البريد ويرفض أن يدخلها لها.
تحدث بخبث:
=اذهب أنت.
وذهب ليكمل مع نفسه:
=هانت. هاجي وهبقى قريب منك. وهخليكي تحبيني يا جاكلين. وهتبقي معايا على طول.
هو ينحني أمامها. أكبر رجال الأعمال في أمريكا. ويكاد يجن بسببها.
كانت نائمة على بطنها وشعرها ينسدل بطريقة لطيفة. وفجأة شعرت بيد توكزها.
سعدية (بهدوء)
=ست جاكلين قومي يلا بقى. الفطار محطوط.
جاكلين (بنوم)
=امشي يا عجوزة من هنا.
سعدية (بترويض لتلك الطفلة)
=عشان خاطري قومي يا ستي. البيه هيزعق.
أطلقت صرخة رافضة بضيق وهي تجلس.
=اسمي سيف سمير. عندي تلاتين سنة. السواق الجديد.
=اسمي تيم شاكر. عندي تلاتين سنة. رئيس الحراس الجديد.
عثمان (بجدية)
=تمام. اتفضل يا سيف. مفاتيح العربية. الصبح هتوصل حفيدتي الجامعة. متخليهاش تسوق مهما عملت. بعدين تاخدها. أما تخلص. وهي هتحدد المواعيد. وأنت يا تيم مش ضروري تروح أده. المهم معاها حراسة.
نظر له تيم بنظرة غريبة وأومأ برأسه قائلاً:
=تمام.
سيف (باحترام)
=تما......
قاطعه صوته. صرخة قوية. نظر لعثمان وجده يمسح على وجهه بنفاذ صبر. استغرب منه. أما تيم فابتسم بجانبيه.
عثمان (بصوت جوهري)
=رباااااب.
رباب (بتوتر)
=نعم يا حاجة.
عثمان (بعصبية)
=شوفي الها......
لتنزل بطلتنا بمنامتها الطفولية جداً قائلة:
=شوفي الهانم عملالنا إزعاج على الصبح ومفرجة علينا البيت كله. وربنا حفظك يا عتمان بقى من الأسطوانة الفكسانة دي.
وجلست على المنضدة على يمين عثمان والتقطت تفاحة تأكلها. بينما يتابعها سيف بابتسامة بسيطة وتيم بنظرة مفترسة.
عثمان (بصوت عالي)
=الصبر يا رب على الابتلاء.
ضحكت بصخب وهي تعيد رأسها للخلف لتلمح شخص شديد الوسامة. أنه سيف وليس تيم. أجل تيم وسيم لكن ليس بوسامة سيف.
جاكلين (بصراخ)
=أوباااا. بطل هربان من رواية. اسمك إيه. عندك كام سنة. عينك دي ولا لسه. شعرك حلو كده ولا مسشورة.
وضع عثمان وجهه بين يديه بتعب منها. تلك التي تملك عقل طفل. بينما رباب تضع يدها على فمها حتى لا تخرج ضحكتها. فقال عثمان بحدة:
=ممكن بقى تقعدي وبطلي هبل.
جاكلين (وهي تقضم التفاحة)
=اشطا.
عثمان (بجدية)
=دا سيف السواق الجديد. ودا تيم رئيس الحرس. هيبقي معاكي معظم المشاوير والجامعة.
وقفت ونظرت لكلاهما. ابتسمت بجانبيه ومدت يدها لسيف وسلمت عليه قائلة:
=أنا جاكلين.
سيف (بهدوء رزين)
=اسمي سيف.
حين قال اسمه نظرت له فابتسم. وهي ابتسمت. ثم سلمت على تيم الذي قال:
=تشرفت.
جاكلين (بجدية)
=الشرف ليا..... يا سعدييييه. يا داااادة. الأكل يلاحق.
عثمان رأسه بمعني لا فائدة وقال:
=اقعدوا يا ولاد كلوا معانا.
تيم (بسعادة)
=حا......
سيف (مقاطعاً)
=يا عتمان بيه. إحنا شغالين عند حضرتك.
عثمان (بابتسامة حانية)
=أنتم زي جاكلين. اقعدوا يا ولاد. وغير كده هنا مفيش شغال. هنا كلنا عيلة. يلا.
أومأ الاثنان وجلسوا. فجذب تيم الكرسي المجاور لجاكلين.
عثمان (وهو يشير على الكرسي الذي بيساره)
=تعالي يا سيف هنا. عايز أكلمك شوية.
سيف (بتفهم)
=مش ده كرسي المدام.
عثمان (بضحك)
=لا المدام على يميني. وشكل الهانم مش هتقوم. أدي آخرة الفطار معانا. تعالي تعالي. ورباب هتقعد جنبي.
اكتفى بالابتسام وذهب جلس بجانبه ليستمع منه بمرشح طويل عن تهور جاكلين. التي تنظر له بعبوس ومازالت تأكل كالطفلة. فنظر لها سيف وحرك فمه. رفعت حاجبيه بمعني ماذا. مسح شفاه السفلية. ضحكت وهي تمسح فمها. فأومأ. عادت تأكل. لكنها نظرت لفمه وتذكرت حين مسح على شفاه. لتحضر لها أفكار غريبة. نفضت رأسها بإنزعاج وأكملت طعام.
رباب (بجدية)
=قومي بقى جهزي عشان الجامعة.
جاكلين (وهي تحرك فمها)
=عشان الجامعة قال. أش حال تجارة. أومال لو كانت طب. بلا نيلة.
عثمان (بحدة)
=جاكلين.
وقفت بإنزعاج وصعدت لغرفتها. أخذت شاور وبدلت ملابسها لفستان صيفي كمه بعد الكوع وبعد الركبة بقليل لونه أحمر. وتركت لشعرها العنان ونزلت تحمل كتبها عابسة. فرمقها سيف وتيم بنظرات تختلف عن بعضها. لكن أحداهما مشتركة وهي هيام واضح.
جاكلين (بخفوت خجل)
=يلا هنتأخر.
وخرجت معهم للخارج. التي تيم يفتح لها الباب الخلفي. فتركته وذهبت للأمامي وجلست.
تيم (بضيق)
=دا مكاني يا آنسة. أنا حارسك.
جاكلين (وهي تعيد خصلة خلف أذنها)
=لا أنت رئيس الحرس. مكانك في العربية الثانية. وأنا مش هتعامل معاك على إنك حارس أو سيف على أنه سواق. أنتم زي إخواتي. وروح يلا العربية الثانية هتأخر.
ود لو يصفعها ويخبرها أنه ليس بحاجة لعملهم هذا. أنا مهوسك يا جاكلين. الذي يرسل لك الورود. الرسائل التي بالدماء. أنا من أكبر رجال الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية. أتيت لأعمل لديكم حارساً لأجلك. وأنت الآن تحرميني من النظرة لكِ طوال الطريق.
أغلق الباب وذهب للسيارة الأخرى. وبدأ سيف بالقيادة وهو صامت. فتأفف. وقالت:
=يا سيد أنا موجودة.
سيف (باستغراب)
=أفندم.
جاكلين (وهي تحرك يدها وتشرح ما تقول)
=يعني أنا متولدتِش ساكتة ولا بعيط. كنت بضحك وبعدين اتكلمت وأنا صغيرة. عارف دا معناه إيه. معناه إن لـ كاكة كتير. ولازم تكلمني كتير بردك. هههههه. بس يا سيدي الوقتي نبدأ. اسمي جاكلين. عندي تسعتاشر سنة. وظيفتي الكلام. باكل كتير. هههههه. هتجوز طباخ.
لم يسمع أي شيء مما قالت. كانت يتأمل طريقتها وضحكتها التي من أقل شيء تظهر. وكأنها لا تفعل شيئاً سوى الضحك.
جاكلين (بجدية)
=آه يا سيف. أوعى تقولي يا آنسة أو يا ست أو ما شابه. أنا اسمي جاكلين وبس. اسمي إيه. جا.....
سيف (مقاطعاً)
=طيب يا جاكي. بطلي كلام بقى.
جاكلين (باستغراب)
=جاكي.
سيف (بابتسامة)
=أيوه جاكي. حلو.
جاكلين (بابتسامة هادئة)
=مش عارفة. أنا بكره إن حد يقولي جاكي. بس عايزك تقولي كدة. يمكن مش مميز. بس أنا حاساه كده. منك.
نظر أمامه يكمل قيادة. لا يعرف لما أثر كلامه بها. تلك الطفلة كثيرة الكلام. فقالت بعبوس:
=ضايقتك في حاجة.
سيف (ببحة رجولية)
=أبداً. بس ممكن تلمي شعرك.
جاكلين (بحزن)
=وحش.
سيف (بهدوء)
=عشان مش وحش. لميه.
ابتسمت بل ضحكت. ضحكتها التي من الآن يعتبرها كالأغنية. وأخذت قلماً ولمته بعشوائية ووضعت القلم به. وهناك خصلات تتدلى حول وجهها جعلتها رائعة.
وصلوا للجامعة بعد وقت. ونزلت. أشارت له بيدها بطفولية وذهبت. وخلفها تيم وحارس آخر. أما سيف فعاد للمنزل. اتجه للغرفة التي خصصت له ودخل. جلس بهدوء يفكر:
=إيه يا سيف اللي حاسه ده. أوعى تنسي أنت جاي هنا ليه. وبعدين يعني ترضي مؤيد يبص لأختك.
عاد رأسه للخلف:
=بس فيها حاجة بتجذبني. معقول في حد يعجب بحد بالسرعة دي. ضحكتها. جنانها. طفولتها. كل حاجة فيها حلوة.
وأكمل بصوت مسموع:
=استغفر الله العظيم. دي حُرمة منزل يا سيف. بطل هبل. وقوم صلي. محاضرتها هتخلص الساعة واحدة.
في الجامعة. خرجت من المحاضرة وجلست بعبوس قائلة:
=عجبك كده. قعدوا يبصولي. مش كفاية محدش بيطقني.
تيم (بهدوء)
=وليه مش بيطقوكي.
جاكلين (وهي تشير بيدها)
=هشرحلك. أنا هنا من خمس سنين بعد أما أهلي ماتوا. ورفضت أتحجب زيهم. وبالنسبة للمحجبات. عندهم مسلمين. أنما اللي مش محجبات مسيحين. وإزاي إني مسلمة ومتحجبش. فبعدوا عني. وأنا مش من النوع المختلط بالشباب. بس عشان كده وحيدة.
تيم (بابتسامة)
=ومش بتتحجبي زيهم ليه.
قلبت شفاها وحركت أكتافها. فضحك على حركتها. لتردف:
=اقعد بقى. اعزمني على حاجة. لأنك عملت كده.
رغماً عنه ضحك وجلس أمامها. فقالت:
=بيبسي. هات لي بيبسي. وأحب بحبه قوي.
تيم (يتمتم)
=يا بخته.
وأكمل بصوت:
=لو سمحت اتنين بيبس.
فأحضره لها. وبدأت تشربه. ليقول:
=طب إزاي دخلنا المحاضرة عادي.
جاكلين (وهي تعيد خصلة خلف أذنها)
=بص يا سيدي. جدي هنا الكل في الكل. بالعربي. وأما قال للمدير. وافق. لأن أما بتحصل كارثة هنا. بيروحوا لجدي. شبه العمدة كده.
حرك رأسه موافقاً وشرب البيبسي. حتى أتى سيف. فجلست بجانبه وحررت خصلاتها:
=سلام.
وأومأ بخفة. فنظرت له وعبست متمتمة:
=جامد.
سيف (بابتسامة هادئة)
=سمعتك على فكرة.
جاكلين (باندفاع)
=مش كفاية عينيك حلوة ورمادي. لا وبتسمع إيه.
سيف (مقاطعاً بضحك)
=بتحسدي يعني.
جاكلين (بضحك)
=ههههههه. لا. بقر بس. ههههههه.
نظر لها وتنفس من تلك الضحكة التي ستفتك به. وتوالت الأيام وهم هكذا. على نفس الروتين. كان قلبها يخفق أياماً لسيف. تراه مميز. تجلس بجانبه وتفتح معه مواقف. تنظر لغرفته بالحديقة خلسة وتتأمله وهو يستيقظ صباحاً يفعل تمارين. أصبحت تستيقظ باكراً لأجله. حتى في يوم مرض سيف.
عثمان (بجدية)
=تيم هيوصلك. وهيقعد معاكي.
جاكلين (بقلق)
=ليه. فين سيف.
عثمان (بحزن)
=سيف تعب الظاهر. جاله حمى. وأنا جبتله الدكتور. وسعدية عنده بتعمله كمدات.
جاكلين (بخوف من رفضه)
=ممكن أروح أشوفه يا جدي.
عثمان (وهو يمسد على شعرها)
=روحي. بس متتأخريش عشان الكلية.
جاكلين (بكذب)
=لا مهو كنت راحة أقولك مش راحة النهاردة. عشان مفيش غير محاضرة ومش مهمة قوي.
عثمان (بحدة)
=متأكدة.
جاكلين (بعبوس)
=ويعني أنا هكذب عليك. وبعدين بقى معاك. سبني أروح لـ سيف بقى.
عثمان (بابتسامة)
=واقعدي معاه يا ستي. أنا عارف إنكم بقيتوا أصحاب. وقلقانة عليه.
جاكلين (بأعين متسعة)
=أنت فايق يا جدي.
عثمان (بضحك)
=الثقة مش فيكي. الثقة في سيف. امشي.
ضحكت بسعادة وقبلت وجنته وذهبت لغرفة سيف بالحديقة. ودخلت لتجد سعدية تفعل له كمدات.
جاكلين (بتوتر)
=روحي انتي يا سعدية. اعمليله أكل. وأنا هعمله الكمدات.
سعدية (بحنية)
=ربنا يسعدك يا ست جاكلين ويفرحك طول عمرك. قلبك أبيض.
وقفت وذهبت. فجلست جاكلين بجانبه. تحسست حرارته لتفزع. وبدأت تفعل له كمدات. وجدت جده يفتح عينه.
سيف (بابتسامة شاحبة)
=جاكي. أنتِ هنا.
مسكت يده وقبلت باطنها ووضعتها على وجنتها. وتمردت دموعها.
سيف (بحزن)
=بتعيطي ليه بس.
رفع إبهامه يمسح دموعها. فاردفت ببكاء:
=قوم يا سيف. مش متعودة تبقى كده.
ابتسم بحنية لها وأغمض عينه مرة أخرى بتعب. فأكملت بحب بريء:
=بحبك يا سيف. أنا بحبك.
زاد من إغماض عينه كأنه بحلم جميل. أما هي وضعت يدها على فمها مصدومة مما تفوهت. هل أحبته بتلك السرعة. هل خفق قلبها له. يعني حب.
في غرفة تيم. كان يتحدث في الهاتف بعصبية مهلكة قائلاً:
=تخلصني منه في خلال أسبوع. فاهم. بعد أسبوع هاخد إجازة بحجة إن أمي تعبت. أرجع ألاقي سيف ميت. فاهم. مش هسمح لحد ياخدها مني.
المتصل (بتأكيد)
=حاضر يا تيم بيه. بس لازم حضرتك تيجي في أسرع وقت. كل الأوراق واقفة على توقيعك.
تيم (ببرود)
=طيب هاجي آخر الأسبوع. بس الوقتي عايزك تفوق لموضوع سيف ده. فاهم. عايزه ميت خلال عشر أيام بالكتير أوي.
المتصل (باحترام)
=أمرك يا بيه.
أغلق تيم الخط ورمى الفون. وفتح قلادة برقبته تحمل صورتين لها هي فقط. وقال بجنون:
=هبعده يا جاكلين عننا. هقتله. ومش هخليه يقرب منك. أنتِ بتاعتي ليا لوحدي يا جاكلين. هتحبيني أنا. وهنتجوز ونبقى فرحانين. بعيد عنه. بعيد عن سيف. مجنون بيكي يا جاكلين. مهوس بيكي. بتنفسك. من غيرك أموت.
صار يقبل صورتها بهيستيرية كالطفل الذي يبغي فراق أمه. يتذكر أول مرة رآها. كانت تجري مع زملائها في رحلة للقاهرة وتضحك. وهو يعمل مهم بالقاهرة. من يومها أصبح مجنون بها. جنون غريب أتى من أول لحظة رآها.
رواية معشوقة المنتقم الفصل الثاني 2 - بقلم سما احمد
مرت الأيام وتحسن سيف وذهب تيم لخارج البلاد سرًا. أمامهم، أخذ إجازة لرؤية والدته، حتى إذا قُتل سيف لا يكون هناك أدنى شك به.
وفي يوم، كانت جاكلين تقف بكتبها بجانب السيارة، وتعيد خصلة شاردة من شعرها خلف أذنها. وتحرك رجلها اليمنى، وجدته يخرج ويلعب بمفتاح السيارة.
جاكلين بضيق:
ممكن أعرف اتأخرت ليه؟
سيف بهدوء:
مش انتي قولتيلي كلم جدك حصل.
جاكلين وهي تعيد نفس الخصلة:
أيوه حصل.
سيف بابتسامة:
طيب يا ستي وأنا روحت وجدك كان بيكلمني، بقي مش ذنبي.
جاكلين بفضول طفولي:
قالك إيه؟ قالك إيه؟
سيف بضحك:
مجنونة! قالي إن تيم مش هيجي، وإن أفضل معاكي أنا وحارس، وأسيبني من مشاوير البيت.
جاكلين بفرحة واندفاع:
بجد؟ يعني هتفضل معايا؟ طيب يا رب تيم ياخد إجازة على طول.
ضحك رغماً عنه وهو يدخل السيارة. فركبت بجانبه وقادها، وهي تحدثه من حين لآخر.
جاكلين بسعادة:
استني استني يا سيف، استني هنا.
وقف باستغراب، فأتت لتنزل. شدها قائلاً:
استني هنا، في إيه؟
جاكلين بطفولية:
آيس كريم عمو بيبيع، هنزل أجيب.
سيف بعصبية:
وإنتي يا هانم هتنزلي في نص الطريق؟ متهورة ومش هامك نفسك، وكأنك راكبة مع راجل. لو الحركة دي اتكررت يا جاكي هزعلك، فاهمة؟
قال آخر كلامه بحدة، فأجمعت الدموع بعينيها. ضرب المقود بعصبية، ثم نزل وأتى بعد وقت، ومد يده بالآيس كريم.
سيف بحنية:
خدي يا ستي، آسف، متزعليش.
كانت سترفض، لكن نبرته واعتذاره جعلها ترفع عينيها له، فأشار برأسه. أخذته بسعادة وبدأت تأكل.
جاكلين بشهية:
اممم روعة! إزاي عرفت إن نكهتي المفضلة الشوكولاتة؟ أوبس، نسيت معظم البنات بتحب الشوكولاتة.
وأكملت الآيس كريم وهو ينظر لها بصمت. ثم أشار لها، فقالت:
إيه؟
سيف مشيراً بيده:
فوق شفايفك.
مسحت بيدها، لكنها لم تمسحها. فأشار أن تقترب. اقتربت وأكملت طعام. فرفع إبهامه ومسح أعلى شفتيها، ففرقت شفتيها تأكل.
لم يبتعد، ظل ينظر لها. فرفعت نظرها له وأنزلت يدها التي تحمل الآيس كريم. تاهت بعينيه، أما هو فلم يشعر بشيء حوله. اقترب منها انش، فااقتربت منه انش، ليقترب. اقتربت، اقترب، وقبلها من شفتيها، وبدأ يعمق قبلته أكثر وأكثر. فهو خطأ بالنسبة له ليكمله. غرس يده بشعرها يقربها، فربما لن يتكرر. كانت أول فتاة يقترب منها. ظل ينهل من شهدها.
ابتعد حين كانت سيُغمى عليها بين يديه. عاد يقود، أما هي فنظرت من الشباك، تغمض عينيها بين حين وآخر وتعض على شفتيها. أما هو فكان ينظر أمامه ويرى صورتها وصورته. ما زال طعم شفتيها بفمه. كانوا يحكوا عن الشهد. الآن ذاقه، يتمنى أن يعيدها. لم يسبق له أن شعر هكذا. لكن... عاد له عقله لينفر نفسه. لديه أخت، هل سيفرح أن فعل أحدهم معها؟ أهذا نفسه سيف الذي يتقي ربه طوال عمره، الآن يرتكب المعاصي مع تلك المتهورة؟ فهي طفلة، أما أنت يا سيف، ناضج، أنت تكبرها أحد عشر عامًا.
سيف لنفسه:
استغفر الله العظيم، استغفرك يا رب وأتوب إليك. استغفر الله.
وصل للجامعة ووقف ولم يتحدث. فنزلت ودخلت وهو خلفها. وأخبر للحارس أن يظل مع باقي الحراس بالسيارة، وهو سيذهب معها. دخل للجامعة، فالتفت الكثير له، وبدأت الفتيات بالحديث عن وسامته. أما هو فوقف خلفها بصمت، وهي تنظر للفتيات بغيرة، تود لو تفتك بهم، فهو يخصها وحدها.
جاكلين بحدة:
اقعد لو سمحت، كده مينفعش وقفتك.
جلس أمامها وفتح تليفونه يلعب به، وهي تطالعه سرقة. وللحظة شردت. هل ندم؟ أم ظن بها إثم؟ هو أول من اقترب منه، وهو أول من شعرت ناحيته هكذا. نظرت للأرض بحزن، ثم وقفت.
سيف وهو يقف:
راحة فين يا آنسة؟
جاكلين بحزن أنه لم يناديها بجاكي:
راحة المحاضرة.
ذهب معها وانتظرها على الباب، لم يدخل كما يفعل تيم. دخلت هي. ليلمح الدكتور الذي كان تقريبًا أصغر منه. ودخل وبدأ يشرح. لمحه يتابع صغيرته بنظراته التي يفهمها، فهي نظرات عاشقة. كور يده بعصبية شديدة. وحين خرجت، شد يدها وأخذها للسيارة دون حديث.
جاكلين باستغراب:
في إيه؟ مالك يا سيف؟
سيف بحدة:
يلا، هنرجع. ما عادش في محاضرات النهاردة.
جاكلين بصدمة:
نعم؟ ليه؟ في إيه؟ لكل ده؟
سيف بضيق:
مش ملاحظة نظرات الدكتور حضرتك؟
جاكلين بلامبالاة:
اتعودت. وفي غيرة أصلًا ومش بس دا. دكاترة، وأنا مش هبطل جامعة عشان الأشكال دي.
سيف بحدة وهو يجز على أسنانه:
غيرة؟ طيب يلا يا هانم، يلا.
ابتسمت بخفوت، تشعر بغيرته، ولن تعاند أمامه. فدخلت السيارة بهدوء، لا تريد أن يحزن منها. لتأخذ جانبًا آخر من العشق، جانب سيقضي على شخصيتها.
في اليوم التالي، خرجت من الجامعة تشعر بجفائه معها، وهذا جعلها تحزن كثيرًا. وقالت:
ممكن نتمشى؟
سيف بجدية:
طيب تعالي. وفي حتة فاضية هننزل نتمشى عشان محدش يتكلم عليكي.
جاكلين بسعادة داخلية:
طيب، خلي الحراس يمشوا.
سيف بقلق:
ماشوا.
ذهب أخبرهم أن يسبقوه. وبالفعل ذهب بها لمكان عبارة عن طريق فارغ ونزلوا يتمشوا سويًا. فقالت:
هو أنا زعلتك في حاجة؟
سيف بلامبالاة:
أبدا.
جاكلين بحزن:
طيب ليه بتعاملني بجفاء كده؟
سيف متجاهل حديثها، مغيراً للموضوع:
آيس كريم هجبلك.
ذهب وتركها. يعبر الطريق، فوقعت مفاتيحه. لمحت سيارة تأتي مسرعة باتجاهه قاصدة إياه. فزعت وجرت. دفعته بقوة، فجذب يدها ليقع هو وهي على الأرض. كانت فوقه. أما السيارة فهربت. فنظر لأرقامها بتتمعن.
سيف بقلق:
جاكي!
شعر بجسمها يهتز بين يديه ليعلم أنها تبكي. ساندها لتقف ووقف. فتعلقت برقبته تبكي بكثرة وتضمه بقوة، دافنة وجهها بعنقه. فكانت تقف على أطرافها. أما هو، فلأن قلبه، ورفع يده يضمها.
سيف بحنية:
هششش، أهدي.
جاكلين ببكاء:
كنت هتروح مني يا سيف. مقدرش أعيش من غيرك، هموت لو سبتني. أنا بحبك أوي.
تَصَنَّم من اعترافها، وأحنى رأسه قليلاً ليدفنها بعنقه. ابتعدت بعد وقت. تكور وجهه بقلق وتتحسسه. فرفع يده ومسح دموعها وعاد يضمها ووضع رأسها على قلبه.
سيف بحنية:
أنا كويس، أهدي يا جاكي. دموعك غالية عليّا.
وبعد وقت هدأت. أخذها للسيارة وعادوا للمنزل. وذهبت للداخل، بينما هو عاد للكوخ الخاص به ومسك هاتفه ورن على رقم.
مؤيد بضحك:
أوبااا! الديناصور افتكرني أخيرًا.
سيف بجدية:
ممكن تبطل تفاهة وتسمعني يا زفت.
مؤيد بجدية:
أمرك يا ديناصور. كلي آذان صاغية.
سيف بحنية لنطق اسمها:
نورسين، عاملة إيه؟
مؤيد بابتسامة هائمة:
احم، كويسة.
سيف بجدية:
طيب خد رقم العربية دي و......
مؤيد بدهاء:
بعد نص ساعة هعرفك يا ديناصور.
سيف بحدة:
مؤيد.
مؤيد بجدية:
تربيتك يا باشا، ومتقلقش، ضهرهم ليك. أما بتبقى مع الصاروخ، بس المشكلة في عينين في راسهم من ورا.
سيف بغيرة غريبة:
اتلم يا مؤيد، أنت عارف لو اتكشفت بسببك هعمل فيك إيه؟
مؤيد بغرور:
ولا تقدر يا باشا. سلام بقي، عندي معاد.
سيف بجدية مزيفة:
ما أنت......
مؤيد بضحك:
عارف والله، ما أنت مكمل. سلام يا ديناصور.
وأغلق معه، فأبتسم سيف على رفيق دربه. قائلاً:
عارف، لولا ما أنت طالح كنت جوزتك أغلى ما عندي. ربنا يهديكو.
وذهب أخذ شاور بالحمام الملحق بغرفته، وبدل ملابسه لبنطلون أسود وقميص أسود. كان سيغلق أزراره لولا الخبط على الباب. فظن أنه أحد الحراس. ذهب ليفتح، ووجدها هي.
سيف ببرود:
نعم.
خجلت حين رأت صدره العاري وعضلاته، ووضعت وجهها بالأرض، قائلة:
يلا عشان الغدا.
سيف بعصبية:
طيب، وحضرتك معتيش تيجي هنا. ابقي ابعتي حد من الحرس أو سعدية، مفهوم؟
رفعت عينيها المغرورقة بالدموع وأومأت برأسها موافقة وذهبت جريًا. فَتَأَفَّفَ وأغلق الأزرار وذهب للمنزل من الداخل وجلس على يسار عتمان. استغرب عدم وجود جاكلين، وكور يده، وشرعوا بالطعام. وهو لا يعرف أين هي. رأى سعدية تنزل من غرفتها.
رباب بضيق:
قالت إيه يا سعدية؟
سعدية بحزن:
مش راضية تنزل وبتقولي مش جعانة. مش عارفة إيه اللي غيرها، يمكن شافت حاجة قرفتها.
عتمان بجدية:
خلاص، كلوا. وهي أما تجوع مش هتستنى حد يقولها كلي.
لم يقدر على بلع الطعام ويعلم أنها رفضته لأجله، فأستأذن وذهب. مرت ساعة وذلك الحقير لم يرن. سيفتك به. ظل ينظر لغرفتها، النور كما هو منطفئ، يوجد نور خافت فقط. الآن ساعتين ولم يرن، يبدو أن هناك كارثة. فرن هاتف.
سيف بحدة:
في إيه يا زفت؟ كل ده؟
مؤيد بجدية:
كنت هرن عليك. دي كارثة، وكانت محاولة قتل مش حادثة عادية. ومش بس كده، الموضوع أكبر مما تتصور يا سيف. الموضوع يخص جاكلين مش أنت.
سيف بخوف عليها:
يعني إيه؟ كان هيموت جاكي؟
مؤيد بتنهيدة عميقة لما سيقول:
جاكي قال... لا، هيقتلك أنت عشان بتقرب من جاكلين. الراجل اللي بعته مجنون بجاكلين. أنا تعبت أما وصلت للمعلومات دي يا سيف. دا واحد مهوس، دا وصلت بيه مسمي شركات على اسمها. وعرفت إن كل اللي عنده عارفين إن دي سارقة قلبه. لو حد بص لصورتها بيقتله. الراجل ده خطير وحالته خطيرة.
سيف بجمود:
اعرفهم.
مؤيد بقلق مما سيفعله صديقه:
اسمه تيم الكيلاني. رجل أعمال مصري، بس أملاكه في أمريكا. ليه فرع بسيط هنا. شافها مرة ومن يومها وهيموت عليها. مستعد يقتل أي حد عشانها. اشتغل معاكم لسبب وهو إنها تحبه وياخدها. وهو الوقتي في إجازة عشان شغله وحيد وملوش عيلة.
سيف وهو يجز على أسنانه:
طيب، اقفل الوقتي.
وأغلق الخط ورمى ما على المنضدة بعصبية، ثم جلس يتذكر نظراته التي تفترسها وكيف يجلس بجانبها الآن؟ فهم، لكن لن يسمح لأحد سواه بامتلاكها. اللعنة على الانتقام الذي يبعدها عن أحضانه.
خرج وذهب أسفل بلكونتها وبدأ يتسلق شجرة، ثم قفز بداخل بلكونتها وفتح الباب. ولحسن حظه كان مفتوح ودخل. وجدها تنام على بطنها وتحضن دبدوب وتحدثه. ابتسم رغماً عنه وتأمل غرفتها على النور الهادئ. كانت جميلة، طفولية جدًا، تدل أن صاحبتها طفلة. وأعاد النظر لها ثم للأرض. فكانت ترتدي هوت شورت قصير وخصرها النحيل عاري. بل ظهرها كله، فكان خط رفيع هو ما يغلق بلوزتها التي تكاد تكون معدومة.
سيف بحدة:
جاكي!
استدارت وشهقت، فأكمل وهو ما زال ينظر للأرض:
البسي حاجة، واقفي أكلمك.
جذبت بلوزة بكم واسعة جدًا وارتدتها، فكانت تصل لركبتها وهي شبه غارقة بها. نظر لها بضيق، فقالت بعصبية:
إيه؟ حضرتك جاي تكمل عليا ولا إيه؟ ومين اللي سمحلك تدخل أوضتي أصلًا؟ افرض كنت مش لابسة أو في الحمام؟
سيف بسخرية:
يعني إنتي كنتي لابسة أوي؟ دا إنتي كنتي عريانة يا آنسة.
وضعت يداها بخصرها ونفخت خصلاتها قائلة:
والله...
سيف بضيق:
مش موضوعنا. أنا جاي أسألك حضرتك مكلتيش ليه؟
تجمعت دموعها وهي تتذكر ما حدث ووضعت وجهها بالأرض. فرفع ذقنها.
سيف بحنية:
أنا آسف، بس منظرك إيه لو حد من الحراس شافك جاية أوضتي؟ مش عايز حد يتكلم عليكي. وإنتي بدورك افهمي يا جاكي.
جاكلين وتمردت دمعة:
بس إنت بتعاملني وحش، إنت بتكرهني يا سيف. لو قصدك على اللي حصل في العربية وإني ممكن كدة أبقى رخيصة قدامك، فوالله يا سيف إنت أول واحد تعمل كده. أنا مش وحشة، يمكن استسلمتلك بس وربي لأن حسيت جنبك بأحاسيس أول مرة أحسها مع حد. أما قولتلك بحبك، كنت بعني الكلمة. أنا يمكن سمعت عن الحب بس في حياتي ما حسيت به غير معاك. بس واضح إنه من طرف واحد. أنا مش هضايقك، تقدر تمشي وخلاص، بعد كده كلامي معاك هيبقي بحدود.
واتت تستدير، فجذب يدها ومسك أكتافها قائلاً بعصبية:
خلصتي يا هانم؟... تعرفي بقي إني غلطت أما بوستك، ودا حرام. تعرفي كمان إن وقفتي معاكي دلوقتي حرام، وإني بتقی ربنا فيكي. لو معاملتي الجافة وبحدود معاكي دي مش عاجباكي، يبقى كل واحد من طريق. وإنتي مش عارفة اللي جوايا عشان تحكمي. متقوليش اللي على مزاجك، وأنا غلطان إني جيت ليكي أصلًا عشان تدبشي كده.
واتى ليذهب، فجرت أمامه وحاوطت عنقه، تحضنه هامسة بأذنه بصوت عذب رائع:
أنا آسفة يا سيف، وربي بحبك.
سيف محاولاً التمالك أمام كتلة الجمال التي بين أحضانه:
ابعدي يا جاكي، واغزي الشيطان.
ابتعدت عنه وابتسمت. أتى ليذهب، مسكت يده. يريدها الآن أن تتخذ هي هذه الخطوة لتنجح خطته. مهلاً، خطة؟ افعليها يا جاكي، افعليها! فعلتها، أجل، قالت:
اتجوزني يا سيف.
بقي ينظر لها لوقت وقال:
إنتي فين وأنا فين يا جاكي؟ أنا سواق وإنتي...
جاكلين بعشق صافي:
أنا راضية أعيش معاك في الأوضة اللي تحت.
سيف وقد وعى لنفسه قليلاً ووضع أخته محلها:
لا يا جاكي، مش هينفع دلوقتي، وخصوصًا علني.
جاكلين وهي تكور وجهه:
مش شرط علني، ممكن نتجوز في السر، لما تستعد، ووقتها نبقى نعلن. واحنا مش هنتجوز عشان استقرار وعيلة وكده، إحنا هنتجوز عشان تبقي معايا مرتاح، مش تعاملني كده، تبقي على طبيعتك. فكر يا سيف، ولو مش عايز خلاص.
أنزل يدها من على وجهه وكور وجهها، وقبل جبينها قائلاً بابتسامة سعيد حقًا:
إزاي مش عايز يا جاكي؟ هجيب الورق بكرة، ووعد مني جوازنا مش هيتم إلا أما يبقي علني.
جاكلين بضحكتها المعتادة:
ووعد الحر دين، وأنا واثقة فيكي.
ثم قبل جبينها مرة أخرى، ثم تركها ومشي قليلاً، ثم عاد قائلاً بغيرة عمياء:
أقسم بربي لو نزلتِ كدة، قدام مش هقول تيم أو الحراس، جدك لهكسرلك رجلك، فاهمة؟
جاكلين بعبوس:
على فكرة مبنزلش غير ب بيجامات طويلة، وتيته والدادة هما اللي بيشوفوني كده، بس...
سيف بحدة:
أنا بحذر بس. سلام.
وتركها ونزل حيث أتى، واتجه لغرفته ورن بالفون على مؤيد، الذي قال:
عارف إني بوحشك، بس مش كده.
سيف بجدية:
مؤيد، حضرلي قسيمة جواز، همضي عليه أنا وجاكي وهبعته توثقه في المحكمة، بعدين تأخر تيم برة على الأقل أسبوعين، مش عايزة يجي دلوقتي.
مؤيد باستغراب:
ليه؟ في إيه؟ لو قلقان منه أنا ممكن...
سيف بحدة:
لا، أنا مش بآخد الطريق ده يا مؤيد. وخليني أكمل كلامي. بعمل كده أما أخطط له على المظبوط. ووقت أمه يرجع هخلص منه بطريقتي. مفكر يقدر ياخد جاكي مني؟ مستحيل، لا هو ولا غيره.
مؤيد بابتسامة:
إنت حبيتها يا سيف؟
مش سيف، وهو يستمع لما يرفض تصديقه، وقال بحدة شديدة تدل على كذبه:
حقا أصبح متناقضًا. لحظة يحبها، ولحظة لا. إنت اتجننت يا مؤيد؟ إنت نسيت أنا جاي هنا ليه؟ شكلك اتعفيت من كتر الستات في حياتك. اقفل، ومتنساش أنا قولتلك إيه.
وأغلق السكة بوجهه وتمدد، ويتردد بأذنه "إنت حبيتها يا سيف". مسح على وجهه بقوة.
سيف بعصبية لنفسه:
إيه اللي هببته ده؟ جواز إيه اللي خطة؟ إزاي يا سيف تقول خطة وأنت عايز كده؟
رن مرة أخرى على مؤيد، الذي قلق:
في إيه؟
سيف بحزن:
مش عارف، ومش لاقي غيرك أكلمه. أنا متلخبط يا مؤيد.
مؤيد بهدوء:
سيف، أنت حبتها، ومتكذبش.
سيف بصوت مخنوق:
مش عارف، بس مش عايز أتجوزها عشان خطة. أنا عايز أتجوزها عشان عايزها. وفي نفس الوقت أمي عايزاه.
مؤيد بابتسامة:
إنت متلخبط يا سيف. اتجوزها، وبكده هتقدر تحميها، حتى من ياسمين هانم.
سيف بضيق:
يوووه، منا ممكن أحميها من غير جواز. بس عايز أتجوزها.
ابتسم مؤيد بهدوء قائلاً:
خلاص، اتجوزها، وهنشوف موضوع "عايزها" دي آخرته إيه.
سيف بعصبية:
أبو شكلك عيل بارد. غور في داهية.
وأغلق السكة، فهو لم يفده بشيء سوى أنه متلخبط.
*****************
رواية معشوقة المنتقم الفصل الثالث 3 - بقلم سما احمد
اتي يوم جديد.
اخذها سيف بالسيارة للجامعة. لم يتحدث معها، إلا أن رد عليها صباحًا. وحين وصلا، مد يده بالورقة.
سيف بجدية: لو لسه عند كلامك، وقعي.
اخذت الورقة، قرأت العنوان، وبدون تفكير وقعت. فأكمل هو: في حارس هيكون معاكي، وأنا هاجي أما تخلصي.
جاكلين بحزن: ممكن متعاملنيش كده يا سيف، لو سمحت.
وفي لمح البصر، اقترب، قبل وجنتها، وابتعد قائلاً بجدية مزيفة: انزلي لو سمحتي بقي.
جاكلين بحزن مصطنع: حاضر، وبرضه بموت فيك.
ونزلت مسرعة. فابتسم، لكنها لم تره، فزجاج السيارة أسود. أما هو، فمشي بالسيارة، أرسل الورقة لمؤيد ليسجلها، ثم ذهب وفعل العديد من الأشياء لا أحد يعرف عنها شيئًا. ثم عاد للجامعة، وجدها تخرج، وجلست بجانبه.
جاكلين بمرحها المعتاد: بص، تكلمني متكلمنيش، مش مهم. أنا هتكلم. النهارده كان يوم ممل أوي، بس أنا فرحانة، فمش مهم. تصدق؟ النهارده اتمنيت تكون صديقي المقرب. كنت قعدت أبصلك طول الوقت ومش همل. طبعًا ولا يخلو بصاتي من بعض البوسات الصغيره كده. ههههههه. بس المشكلة، دقنك هتشوكني. مش مشكله، برضه هبوس.
فجأة، توقفت السيارة وجذبها يقبلها بكل غيظ من كثرة كلامها. تفاجأت هي من حركته. لقد أعاد نفس تلك القبلة وابتعد، ثم أعاد. دوار السيارة. كان أحد الحراس سينزل يسأله، لكن حين مشي، عادوا. القيد خلفه. أما هي، فمن الصدمة صمتت.
سيف بابتسامة جذابة: لو أعرف إنك هتسكتي كده، كنت جربتها من زمان. يلا، بعد كده هاخد واحدة الصبح عشان مضمنش تتكلمي مع حد، وواحدة أما تخلصي عشان متتكلميش كتير وتصدعيني.
لم تتحدث نهائيًا. فرفع يده، وملس على وجنتها بإبهامه، ناطقًا اسمها بعشق: جاكي، مالك يا قلبي؟
انفجرت وجنتاها خجلًا وهو يدعوها بقلبه. لم تجب. فتوقف حين وصلوا. نزلت مسرعة للداخل. أما هو، فضحك وهو يحرك رأسه، متجاهلًا الماضي. فهي الآن زوجته، وسيبدأ معها من الصفر، ويذهب إلى الهاوية كل شيء.
آتى المساء. رآها على الطعام، ولكن لم يحدثها. ثم عاد لغرفته. وحين كانت الساعة الحادية عشر والنصف مساءً، أرسل لها رسالة. فالآن الكل نائم، والحراسة خارج المنزل فقط.
"جاكي، تعالي أوضتي. وبحذرك حد يشوفك ومتتأخريش عشر دقايق، مفهوم."
يعلم أنها مستيقظة من ذلك النور الخافت، ورأى أنها رأت الرسالة. وبعد عشر دقائق، لمحها تأتي متسللة. فقبل أن تخبط، فتح الباب وجذبها للداخل، ووضع يده على فمها.
سيف وهو ينظر لعيناها: هش! هتفضحينا.
أومأت بتوهان وهي تنظر لعيناها. فابتسم، ورفع يده لعيناها، وشدها ليقف أمام المنضدة، ويخلعها ذلك الشال الذي يخفيها، ويخفي ملابسها التي تشبه ملابس البارحة، باختلاف اللون، فهذه رصاصي. ورفع يده على بطنها المسطحة. همست باسمه. فأنحني، وقبل أسفل وجنتها، قائلاً بعشق صافي: بعشقك يا جاكي.
عرفت الابتسامة محلها لشفتيها، وقالت: وأنا بموت فيك يا قلبي.
بعد يده عن عيناها، وهمس بأذنها: سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا جاكي، سنة حلوة يا جميل.
نفخت الشمعة، وعيناها ممتلئة بالدموع، تشعر بسعادة عارمة. أما هو، فلم يبعدها عن حضنه. كانت يده على خصرها، والأخرى محاوطة أكتافها، وهو ملتصق بظهرها. قطعت الكيك. فأدارها له، وحاوط خصرها. أتت تطعمه. فتح فمه ليأخذها. أكلتها هي. فجذبها وأخذها من فمها. ضربته على صدره.
جاكلين بخجل: قليل الأدب.
عرفت منين؟
سيف وهو يحك وجنته بوجنتها: أنا جوزك على فكرة.
مد يده، وشغل أغنية أجنبية هادئة. فكانت المفضلة لها. وحاوط خصرها، وبدأ يتمايل بهدوء. فتمايلت معه وهي تدندن مع الأغنية، وتنظر لعيناها. ثم داعبت أنفها بأنفه، وهي تهمس بكلمات الأغنية. فجأة، حضنها بقوة، ودفن وجهه بعنقها، يكاد يعصرها بين أحضانه.
مالك يا حبيبي؟
سيف بأنفاس مضطربة: لو فضلت قدامي كده، هاخلف بوعدي يا جاكي، وهحبسك أسبوع هنا. بس حتى أسبوع مش هيكفيني عشان أشبع منك.
جاكلين بضحك: ههههههههه. أحسن. تستاهل.
شعر بحرارة جسمه ترتفع جدًا. فبعد عنها، وخلع قميصه. ثم عاد حيث كان. شعرت به، واستغربت من حالته. فقال:
احضنيني يا جاكي، احضنيني.
أو، رفعت يدها وحاوطت أكتافه بقوة. وبدأت تلعب بخصلاته الغزيرة. شعرت به يهدأ بين أحضانها، ويتنفس رائحتها بعمق.
سيف لنفسه: إيه اللي بحسه ده؟ أنا في حياتي ما حسيت كده. أنا أي بنت أطلبها تبقى تحت رجلي، بس مفيش عندي رغبة في أي حد غير جاكي. جاكي وبس. شكلي فعلًا عشقتك.
جاكلين بهمس: هديت يا حبيبي؟
سيف بهدوء: في حفلة بكرة هنا، صح؟
جاكلين وهي تلعب بخصلاته: آه. في جدي بيعمل كل سنة.
سيف بغيرة: أشوفك لابسة حاجة ملفتة، هتصرف تصرف مش هيعجبك. فاهمه؟
جاكلين بغيظ: فاهمة. أبعد بقى. بعدين جدي هو اللي بيجيب لي الفستان. يلا أبعد.
سيف وهو يستنشق عنقها: مش هبعد. أنا نفسي أعيش طول عمري كده.
وقبل عنقها، أرسل قشعريرة بجسمها. ففكرت قليلًا أن تبعده. كيف؟ بدأت تمشي أناملها على ظهره العاري. شعرت بتقلصه. فضحكت بمرح.
ابتعد، وانقض على شفتيها يقبلها، وزاد من احتضانها بقوة، يكاد يدخلها بين أضلاعه من فرط عشقه الذي ينكره. وهي لأول مرة تعيش هذه الأحاسيس، ومع من؟ مع زوجها ومعشوقها سيف. ابتعد وهو يلهث، ثم أخذها للمرآة، ووقف خلفها أمام مرآة بغرفته. فخجلت وهي تنظر لشعرها المشعث، وملابسها القصيرة جدًا، بل وتشبه الملابس الداخلية، وهو عاري الصدر خلفها. فنظرت للأرض هامسة:
ممكن أمشي؟
سيف بخبث: ليه بس؟ مش شايفه شكلنا حلو إزاي؟
استدارت، تدفن رأسها بصدره العاري. فضحك بصخب، وهو يضمها أكثر له. ثم أدارها، وأخرج قلادة رقيقة عبارة عن شمس، وألبسها إياها بعنقها، قائلاً:
أنتي الشمس اللي نورت حياتي.
وقبل عنقها. ثم التقط يدها اليمنى، ووضعها على خصرها أسفل يده، وأدخل بإصبعها خاتم رقيق. ثم رفع يدها، وقبل باطنها. والتقط يدها اليسرى، ووضعهما الاثنان أمام بعض، وأخذ الخاتم من اليمنى لليسري. فنظرت له بسعادة.
سيف بابتسامة: دي عشان انتي حرم سيف سمير. أوعي تقلعيهم. مفهوم؟
جاكلين بفرحة: حاضر.
واستدارت تحضنه. فبادلها، لتكون هذه الليلة بداية سعادتهم. بداية ليالي نسي بها ما أتى لأجله. كل ما يتذكره أن قلبه يدق لتلك حياته بين يدي هذه الطفلة.
كانت تتألق بفستان أزرق ينساب على جسمها، ذو ظهر شيفون، وكتف سميك. وتمشي بارتياح وسط الضيوف، الذين معظمهم أصدقاء من الماضي، أي القاهرة.
عتمان وهو يحضنها: كل سنة ومجنونتنا طيبة.
جاكلين بمشاكسة: فين هديتي يا توت؟
وضحك بصوته كله، وقرص وجنتها، ثم أخرج هدية كبيرة مغلفة، وقال: هاخد رباب ونسيب البيت لحد ما حفلتك تخلص عشان تاخدي راحتك.
جاكلين بغمزة: بس متتشقاش كتير عشان صحتك، ماشي.
ضربها على وجنتها بخفة، وقبل جبينها. فابتسمت له بحنية، وهو أخذ زوجته وذهب. أما هي، فكانت تبحث عن سيف وسط أصدقائها، لكنه لم يأتِ. عبست، وأصحابها تهائين ببعض، والأصح مرتبطين. أحداهما مع حبيبها، والأخرى مع صديقها. ذهبت لتقف مع صديقاتها، فوجدت يدًا تشدها. تعرف صاحبها جيدًا. اتجه لغرفتها.
جاكلين وهي تتعلثم بالطريق: سيف، استنى. سيف، ضيوفي.
وصل لغرفتها، ودفعها أمامه، وأغلق الباب. ثم جذب ذراعها، ورفع يده، وبكل عصبية شق الفستان الذي ترتديه، وحررها منه نهائيًا. لم تستوعب. نظرت لنفسها، ثم له، واتسعت عيناها. أما هو، فعينه لا تبشر بالخير. قربها له، ويده على ظهرها.
جاكلين وقد تساقطت دموعها: سيف.
سيف وقد ألصق جبينه على جبينها، ويتنفس بعنف: هش! اخرسي يا جاكي.
جاكلين ببكاء: سيف، أنا عريانة يا سيف. ابعد.
وانفجرت باكية، ووجنتاها مشتعلة حرجًا. فأبتعد، والآن استوعب. هي بين يديه بملابسها الداخلية. ضحك رغما عنه، ولف يداه حولها، وحضنها. فبدأت تحرك رأسها بين ثنايا عنقه، قائلة:
ليه عملت كده؟ حرام عليك.
سيف وهو يمشي يدها على ظهره: إزاي تسيبي شعرك مفرود، وفوق كل ده، لابسة فستان مبين أكتافك وشايف ضهرك.
جاكلين بهمس: طيب، أعمل إيه الوقتي؟
بعد وجهها عن عنقه، وابتسم وهو يتأمل ملامحها التي يعشقها. ثم قبل كلتا عيناها وأنفها. أتى يقترب من شفتيها، فوضعت يدها، قائلة:
تؤ. الأول قول لي أعمل إيه.
بعد يدها، وقبل شفتيها. وقع على السرير واعتلاها، وما زال يقبلها، وهي بعالم آخر بين يديه. رفعت يدها لخصلاته، تجذبه أكثر. فأبتعد مهمًا بعدم رضا. بعدت يدها عن شعره، وأغمضت عيناها تتنفس بإضطراب. فقبل ثغرها، هامسا بعشق:
افتحي عنيكي يا جاكي.
فتحت عيناها، وصدرها يعلو ويهبط بقوة. وما جعلها تنتفض، صوت الطرق على الباب. فوقفت، وشهقت، وهي ترى نفسها بملابسها الداخلية مع سيف فقط، الذي يجلس ويبتسم بتسلية.
جاكلين بخفوت: نهار أسود. هعمل إيه؟
جذبها من يدها لتجلس على فخذه، وهمس لها: حمحمي الأول عشان صوتك يتعدل، وقولي لها هتغيري الفستان وهتنزلي.
يلا.
فعلت ما قاله، وأخبرتها. فردت قائلة: طيب، افتحي الباب. قفلاه ليه؟
جاكلين بتوتر: لسه مخلصتش يا ليلي، هحصلك.
ليلي بتفهم: ماشي. هنزل والهيهم لحد ما تيجي.
شعرت جاكلين بخطواتها، فبكت، ودفنت رأسها بعنقه خجلًا أن تنظر لنفسها أو له، قائلة:
أعمل إيه الوقتي؟
أخذ شنطة من جانبه، وأخرج فستانًا، وبعد رأسها، وألبسها إياه. ثم أوقفها، وأعادها لفخذه مرة أخرى، ومسح دموعها بحنية. ومسك شعرها، وبدأ يجدله في هيئة ضفيرة. وجدها تنظر له، فقبل شفتيها بتمهل، وأنزل يده من شعرها لخصرها، وضمها أكثر. ثم ابتعد.
سيف وهو يتحسس وجهها: انزلي يا حبيبتي، يلا.
وقفت أمام المرآة، وشهقت. ثم أخذت أحمر شفاه بلون الشفايف، ووضعته لتصلح ما خرب. ثم نظرت له بغيظ، وأتت لتذهب. عادت له، قائلة بغيظ محبب:
أنت واحد قليل الأدب، وبوستك قليلة الأدب زيك.
سيف بوقاحة: أما تبقي مراتي، هعرفك قلة الأدب بجد، ومش هرحمك. وبعشقك.
قفز من البلكونة. نظرت خلفه، وابتسمت بسعادة. ونزلت لحفلتها بمرح، وبدأت تمزح مع صديقاتها، وتضحك بمرح. وهو يتابعها من بعيد، ويبتسم بهيام واضح. لمحته لترسل له قبلة، وتغمز بمشاكسة. فأرسل لها قبلة هو الآخر.
وجد فونه يرن برقم يحفظه عن ظهر قلب. فهذا رقم صغيرته الأولى. رد. فهو الآن عرف أنها علمت.
الونورسين بسعادة: بابي، وحشتني.
أويسيف بحنية: وأنتي كمان يا حبيبتي، عاملة إيه؟
نورسين بابتسامة: كويسة. بابي، مال صوتك؟
سيف باستغراب: ماله صوتي؟ عاد.
نورسين بسعادة لأنه يسمع نبرته: أنا خوفت أما عرفت إنك روحت ليه يا بابي، وزعلت أما عرفت إنك كذبت عليا. بس بعد ما سمعت نبرتك، أنا فرحانة. أيوه فرحانة. أنا حاسة إنك وقعت في الحب. أنت حبيت يا بابي.
تلقائيًا، رفع نظره لجاكلين، التي تضحك بمرح، وأصحابها يضعوا الكيك بفمها. ود لو يقضم تلك الكرزتان المحببتان لفمه. وقال بتوهان:
حبيت. أنا حبيتك.
نورسين بدموع: اسأل نفسك، وأوعي تخسر يا بابي. عشان انتقام ملوش لازمة. دي ملهاش ذنب، ولا ليها دعوة. فاهم؟ ارجع بيها، بس على أساس مراتك وحبيبتك، مش وعد أمك. سلام يا بابي.
وأغلقت معه. أما هو، فشعر بالغيرة فقط، كون صديقتها تقبل وجنتها بقوة، وأخرى تعضها لتتصوروا سويا.
ومرت حوالي ثلاثة ساعات. انتهت الحفلة، وعاد عتمان ورباب للمنزل. بدأت تحول الهدايا لغرفتها. وبعدما انتهت، قبلوا وجنة جاكلين، وصعدت.
في غرفة جاكلين، دخلت، وشهقت حين رأته ينام على ظهره بارتياح. ثم أغلقت الباب بالمفتاح، وذهبت أمامه. فجذبها لتعلوه، وقبل جبينها.
جاكلين وهي ترتفع ليصبح وجهها مقابل وجهه: وحشتني أوي الشوية دول. تعرف؟ بسأل نفسي ساعات إزاي كنت عايشة من غيرك.
سيف بهمس: وأنا بسأل نفسي إزاي عشت تلاتين سنة من غيرك. من غير متعة الحضن بين إيديكي. من غير رحيق شفايفك. بتنفسك يا جاكي. بقيت بتنفسك.
وملس على وجنتها بإبهامه، واقترب يقبلهم، بل يمتصهم، كأنه يزيل لمسات الكل عنهما. فهما ملكه فقط. شعر بسائل مالح على وجهه. فنظر لها بصدمة.
سيف بقلق: بتعيطي ليه يا حبيبتي؟ وجعتك؟ بس أعمل إيه؟ غيرتي مجنونة، وبحاول أخف شوية. لكن فكرة إن الكل يلمس حتة فيكي بتحرق قلبي.
جاكلين وهي تحرك رأسها رافضة: لا، مش عشان كده. بس بعشقك أوي. خايفة أكون في حلم جميل، وأصحى ألاقي نفسي في كابوس.
سيف بمرح: بلا حلم بلا كابوس. قومي غيري هدومك وتعالي. أنا عايز أشوف معاكي هدايا. وعارفة لو لقيت حاجة حمرا، هنفخك. أنتي. يلا، يلا.
ضحكت هي الأخرى. فمسح دموعها بإبهامه جيدًا. وقفت، وفتحت دولابها، وأخذت قميص منزلي، ودخلت الحمام. أما هو، يتذكر كلامها: "خايفة أكون في حلم جميل، وأصحى ألاقي نفسي في كابوس". ظلت تتردد بأذنه. فاق من شروده على خروجها من الحمام. فأبتسم بعشق، وهو يراها ترتدي قميص أحمر بكتف رفيع جدًا، يصل لمنتصف فخذها، وينساب من شعرها الماء.
جاكلين وهي ترفع حاجبيها بحركة طفولية: اتأخرت عليك.
حرك رأسه علامة الرفض، فهو كان شاردًا، ولم يشعر بالوقت. وقف أمامها، قائلاً:
أنا همشي. يمكن جدك يجي لي.
جاكلين باستغراب: ليه يا سيف؟ مالك؟
سيف بمزاج عكر: مفيش. أشوفك بكرة.
غرغرت عيناها بالدموع، ومسكت يده قبل أن يذهب، قائلة:
خليك معايا النهارده عشان خاطري. جدي زمانه نام، ومحدش هيجيلك الوقتي.
أغمض عينه لبرهة بضيق من نفسها. وملس على وجنتها اليسرى، مقبلًا اليمنى، وحضنها، قائلاً:
عشان خاطري يا جاكي، متعيطيش نهائي.
جاكلين وهي تغمض عيناها: وأنت متسبنيش خالص.
سيف بمرح: بس إيه الجمال ده؟ وأحمر كمان. حلاوتك.
جاكلين بخجل: سيييييف.
ضحك بمرح، وهو ينحني ويحملها بين ذراعيه. وعند السرير، وقف قائلاً:
أنتي كام كيلو؟ اممم، اتنين كيلو طماطم، مش كده؟ أو كيلو ونص.
جاكلين بضحكتها المعتادة: ههههههههه. كده هخليك تشتالني كتير. هههههههه.
جلس ووضعها بحضنه، وظهره مقابل صدره، وأمامهما الهدايا. فأغلق النور، وأشعل واحد خافت. وبدأت تفتح الهدايا. وجدت بلورة رائعة بها شاب وفتاة سويا. فنظرت له وهي تضحك بسعادة. ثم شغلت البلورة، وأخذت يده مع يدها يتأملوها سويا، يتخيلوا نفسهم بها. وضعتها جنبًا، وأكملت فتح الهدايا. هناك من أتى بإكسسوارات وساعات ثمينة وشنط، والكثير والكثير. حتى أتت لهدية، وفتحت الكارت: "من ليلي لأجمل باربي في الوجود". وضعت الهدية جنبًا. فقال سيف باستغراب:
مفتحتهاش ليه؟
جاكلين بتوتر: بلاش دي.
سيف بحدة: افتحي يا جاكي. الهدية دي بالذات. يلا.
نظرت له، فأشار على الهدية. أخذتها، لتعلو وجنتها اللون الأحمر القاني. وبعدت الغلاف عن البوكس، وفتحت، لتجد فل كثير. فوضعت يدها به، وأغمضت عيناها بقوة، وهي تخرج أول شيء، وكان قميص نوم يكاد لا يخفي شيئًا. أتت لتتركه. مسك يدها، وانفجر ضاحكًا. فوضعت يدها على فمه، قائلة:
هش! هنتفضح. هش!
سيف بضحك: طيب، طلعي الباقي.
جاكلين بخجل: مستحيل. متفكرش. حتى.
سيف بحدة: جاكي.
أففت، ووضعت يدها بالصندوق. أخرجت بيكيني. فشـهقت، وتركته. لقد كان.....
سيف بضحك صخب: أنا حبيت الهدية دي أوي.
خجلت أكثر، وصمتت. فوزع قبلاته على وجهها. فقالت:
البت دي قليلة الأدب. كل سنة من ده. أنا معتش هصاحبها تاني. بلا انتيمة بلا جزر.
وأخذت هدية ثانية. لم تجد. ظنت أن الكارت وقع. ففتحتها، لتشم رائحة تكرهها. ووجدت طقم من الزمرد، عبارة عن قلادة وأسورة وخاتم. ووجدت صور لها كثيرة في شيء يشبه النافورة بكل حالاتها. ووجدت مسجل. فتحته، لتجد صوت: "مجنون بيكي يا جاكلين. مهووس بيكي. هتكوني ملكي. همتلكك. أنت ملكي. أنت بتاعتي يا جاكلين".
رمت المسجل بفزع، واستدارت لسيف. حضنته بقوة، وترتعش بين يديه. أما هو، فعرف من أرسل الهدية. أجل.
سيف بحنان: اهدي يا حبيبتي. اهدي. مين ده؟
جاكلين بتوتر: واحد بيبعت لي هدايا من تلت سنين. كل يوم. الحارس حفظ، وبقى يرميها عشان ميضايقنيش. بكرة الريحة دي بتبقى على الهدايا.
سيف وهو يمسد على شعرها: مش كفايه فتح هدايا النهارده، وننام بقى؟
جاكلين بعبوس: لا. مش هنام. عايزني أنام وأقوم ملقكاش.
سيف بحنية: نامي، وأنا هفضل جنبك.
جاكلين بتفكير: أقولك على حل؟ نام أنت، وأنا هفضل صاحية أبصلك.
وقف، وأنزل الهدايا عن السرير. ثم تمدد بجانبها، وأخذها بحضنه. ظل ينظر لها، وهي تنظر له لوقت ليس قصير.
سيف بهمس: بعشقك يا جاكي.
جاكلين بنفس الهمس: وأنا بموت فيك.
تثائبت. فقبل ثغرها المفتوح، قائلاً بحنية:
نامي يا حبيبتي. مش هامشي قبل الساعة خمسة ونص.
جاكلين بإرهاق: طيب، صحيني بعد ساعتين. أقعد معاك قبل ما أمشي ساعتين.
سيف وهو يقبل جبينها: حاضر.
جاكلين بقلق: وعد؟
سيف وهو يدسها بحضنه: وعد.
أغمضت عيناها، وذهبت في ثبات عميق. وهو أيضًا غفى، وهي بين أحضانه.
رواية معشوقة المنتقم الفصل الرابع 4 - بقلم سما احمد
واستيقظ بعد حوالي ساعة ونصف وتأمل فاهها المفتوح. فكر أن ما يفعله بحقها خطأ، يجب أن ينهي تلك اللعبة، فهي ليس لها دخل، والدها توفي، ما ذنب تلك الطفلة التي لا تعلم بتلك الحياة وما بها من مر. وجد الساعة الثالثة والنصف.
سيف بهدوء: جاكي حبيبتي قومي يلا. جاكي يلا.
جاكلين بتأفف نائم: سبيني يا دادة أنام شوية كمان.
اقترب من أذنها وأدخل يده أسفل ثوبها يقربها منه ويتحسس ظهرها العاري هامساً: أنا سيف يا قلب سيف مش دادة سعدية.
همهمت بسعادة وهي تدفس نفسها بحضنه، فأكمل بخبث: ها قومي امشي.
فتحت عيناها بفزع، فضحك رغماً عنه وقبل جبينها مطولاً قائلاً: صباح الشهد.
رمشت عدة مرات وهمست له: صباح النور. هقوم أغسل وشي.
سيف وهو يتأملها بشغف: تؤ، أنسي تقومي من حضني.
جاكلين بعبوس: هقوم نايمة.
سيف بخبث: واللي يخليكي صاحية؟
جاكلين بإندفاع: أحبه أكتر وأديله بوسة.
شعرت بحركة يده على ظهرها، فشهقت وهو يحررها من القميص نهائي. وهمست باسمه. همهم بإعتراض وهو يأخذ شفتيها بقبلة خبيرة ويتحسس جسدها بتملك. ظل ساعة يقبل سائر جسدها وشفتيها، كان كمن يكتشف شيئاً بتمهل. وهي تستقبل بعشق، فهذا زوجها ويحل له كل شيء بها. همهم بإنزعاج وهو يبعد عنها، وابتسم حين وجدها تكاد تنفجر خجلاً، وضمها بتملك.
سيف بضيق: مش عايز أسيبك بس مضطر.
حمحمت ليخرج صوتها لكنه لم يخرج، فضحك.
سيف بتملك: شايف إن تأثيري مش بس على جسمك، لا على صوتك يا ملكة قلبي.
رفعت نظرها له حين لقبها بهذا وابتسمت بسعادة، فقال بخبث: فين بوستي؟ أنا منيمتكيش.
جاكلين بخفوت: ما أنت بوستني كتير.
سيف بزعل مصطنع: بقي كده يعني؟ بتضحكي عليا ومستخسرة فيا بوسة منك؟ ماشي يا جاكي.
شدت قميصها وارتدته بعصبية. استغرب منها، كاد يتحدث فوجدها تقبله مثلما يفعل. وظلت وقت.
انتهت وحضنت أكتافه. لم تفعل تأثير مثلما فعل بها، لكنها كانت شرسة كالقطط.
سيف بهمس: مستعد أجي كل ليلة لو هتعملي كده.
جاكلين بهمس: فرحان؟
سيف بعشق: فرحان لأن كل لحظة عشقي بيزيد ليكي يا جاكي. شكلك مش هتجبيها لبرة وهعمل حاجات هموت وأعملها.
جاكلين بعبوس: وأنت لسه هتعمل أكتر من كده؟
سيف بمشاكسة: هجيب أطفال.
جاكلين بإستغراب: مش فاهمة.
بقي قليلاً يستوعب، ثم حضنها بعشق. سيعلمها كل شيء بطريقته. وقال: همشي بقي الوقتي.
تمسكت به أكثر وحركت رأسها رافضة. فقبل جبينها وآتى ليبعد، لم تسمح له. فبعد يدها وجلس يهندم من ملابسه. فجلست خلفه وحضنته، لينتاب جسده قشعريرة أثر لمستها. وقال بتوتر: جاكي ابعدي، أنا ماسك نفسي بالعافية.
جاكلين بمشاكسة: وحد قالك امسك؟
جذبها لحضنه وأحكم مسكها حتى لا تقع، فأطلقت ضحكتها المعتادة. قال: عارفه لو مبطلتيش حركاتك دي هخليكي متقدريش تلبسي الهدوم الحلوة دي قدام الدادة، لأن كل جسمك هيبقي من ده. وأشار على علامة في كتفها. فخجلت ورفعت يداها حاوطت عنقه ودفنت رأسها به هامسة: بموت فيك ومش عايزة أبداً. نفسي أفضل طول عمري في حضنك كده.
سيف بهمس مثلها وهو يضمها أكثر: وأنا بموت فيكي. نامي وقومي انزلي هتلقيني تحت مش هاكل من غيرك.
جاكلين وهي تزيد من ضمه: نيميني بقي وامشي. أقولك احكيلي قصة.
عاد للخلف ليسند على السرير ومازال يحملها كالطفلة. أبعد رأسها لبرهة، فأبتسمت بروعة جعلته يشعر بقلبه يخفق بإسمها بقوة. وقال: رجعي رأسك، انتي بجمالك ده مش هتجبيها لبره.
جاكلين براءة وهي تشير لشفتيها: ممكن بوسة صغيرة من هنا.
اقترب وقبلها بسطحية. وابتعد، وجدها تضحك بمشاكسة، فأقترب وقبلها بتمهل. ابتعد نهائي وضغط على رأسها لتدفنها بعنقه. وقال: كان يا مكان، كان في بنت جميلة أوي وضحكتها جنان وعنيها تآسر.
ابتعدت عنه بغيرة عاقدة حاجبيها وقالت: متشكرش ولا تتغزل في غيري.
سيف بخبث: خلاص هسكت.
جاكلين وهي تعيد رأسها لعنقه: خلاص سكت اهو، كمل عشان خاطري.
سيف مكملاً وهو يمسد على شعرها: هغيرها، كان في مرة واحد شاب بيحب والدته أوي أوي. هي أيوه مش والدته الحقيقية، بس اللي ربته هو وأخوه وكان لازم يرد ليها جميلها. ف...
شعر بأنفاسها المنتظمة، فبعدها ليجدها غارقة بالنوم. وضعها على السرير وقبل فمها ثم جبينها، وتفرس ملامحها بنظراته. واقترب من أذنها قائلاً: بعشقك يا جاكي، وعارف إنك هتسامحيني لما تعرفي ده. واجبي، وعد هبعدك عن الكل، بس اصبري معايا للنهاية.
تركها وذهب. نزل من البلكون وتأمل المنزل صامتاً والشمس لم تشرق. فتح الباب ودخل. رن على مؤيد ليأتيه صوته وهو نائم.
مؤيد بنوم: امممم، اقفل ورن الصبح.
سيف بحدة: قوم يا حيوان.
مؤيد بضيق: هو أنت عايز إيه؟
سيف بغيظ: عايزت الكفن يا صايع. نورسين عرفت منين؟ وبعدين عملت إيه في موضوع تيم؟
مؤيد بعملية: علم يا ديناصور، وتيم مش هيرجع قبل أسبوعين، وجوازك اتسجل في المحكمة، والوقتي جاكلين السيوفي على اسمك. اقفل بقي عايز أنام.
سيف بعصبية: قوم يا حيوان، الساعة بقت ستة، الشركة.
أغلق مؤيد الخط، فنظر سيف للفون بضيق ورماه وتمدد على السرير وابتسم متذكراً تلك الصغيرة.
فتحت عيناها الزرقاوية واتجهت للحمام. أخذت شاور وخرجت. بدلت ملابسها لبنطلون جينز وبلوزة لا تغطي بطنها، كناري. وربطت شعرها. ثم نزلت وهي تدندن بأغنية أجنبية. لتجدهم يجلسون، فخمنت من نوع الطعام أنه الغداء.
جاكلين بإبتسامة: صباح الفل على أحلى تيته وجدو و... سيف ودادة سعدية.
الكل بإبتسامة إلا هو بغيرة: صباح النور.
جلست أمامه على الطعام وبدأت تأكل بشهية كالعادة. وجدته ينظر لها بتوعد. عقدت حاجبيها لكنها لم تعبأ وأكملت.
عتمان بجدية: جاكي، إحنا هنروح لعمتك أسبوع عشان تعبانة. أنا ورباب. تحبي تيجي معانا؟
جاكلين وهي تحرك فمها بضيق: عمتي وابنها الساذج الصايع ده؟ بلا نيلة. لا طبعاً مش جاية.
رباب بهدوء: يا بنتي بيحبك واتقدملك وفيه إيه يتعيب؟ دا محاسب أد الدنيا.
جاكلين بضحك: والله محاسب واد الدنيا؟ طيب اتجوزيه انتي يا بوب وروح مش راحة. ماشي، كلي عيش بقية.
عتمان بنفاذ صبر: قفلي خلاص. سيف يا ابني معلش، جاكلين في أمانتك انت وسعدية، وخد بالك منها. اعتبرها أخت.
أطلقت جاكلين ضحكة رنانة بلا سبب. فنظروا لها وضرب عتمان يده بأخرى بنفاذ صبر من تلك الطفلة. فقالت: الحمد لله. سلام يا عالم يا مجانين.
وخرجت جرياً. ثم عادت وقبلت جدها من وجنته بقوة قائلة: حياتي أنت يا أبو ضحكة جنان. متتأخرش عليا.
وذهبت لجدتها وفعلت المثل. ثم خرجت للحديقة. وبعد وقت سمعت صوت السيارة لتعلم أنهم ذهبوا. ابتسمت بحنية. حتماً ستشتاق لهما. وجذت يد تجذبها ثم دخلوا لغرفته وأغلقها سانداً إياها على الباب.
سيف وهو يجز على أسنانه: طالعة بره ببطنك دي ومستعرضاها قدام الناس؟ ممكن أفهم ليه مفيش راجل يحكمك؟
غمزت بمشاكسة ومشت يدها على بطنها المسطحة قائلة: فين بطني دي؟ معنديش بطن، وبتكون حلو في الهدوم دي، يبقى ليه ما ألبسهاش؟
رفع يده ومزق بلوزتها بغيظ وعصبية. لتشهق هي وتتمرد دموعها. فحضنها بابتسامة انتصار وتملك وعشق هامساً بعشق: أهدي يا حبيبتي كده خلاص عشان تبقي تحرمي.
جاكلين بخفوت سمع بصعوبة: كل مرة تحرجني كده وتقطع الهدوم من عليا. أنا زعلانة منك.
سيف مغيراً الموضوع: كنتي بتضحكي ليه؟
أطلقت ضحكة أخرى رنانة: أصل جدي بيقول زي أختك. فسألت نفسي في أخ يبوس أخته زي ما بتعمل؟ وبيعمل اللي بتعمله؟
سيف متذكراً: آه، فكرتيني. من ساعة ما قومتي ولسه ما دوقش شهد.
جاكلين بعبوس: ما أنت اللي كنت مركز مع بطني.
أبعد وجهها وكورة بين يديه قائلاً: ساعات ببقى عايز أقطع لسانك، بس المشكلة بيقول حاجات حلوة مع دبشك ده.
ابتسمت بروعة كالعادة. فقرب وجهها منه وتملك يقبلها بعشق. فرفعت يدها لجانبي وجهه وبادلته. ليترك هو وجهها ويضم جسدها له ومازال يقبلها ويحرك يده على ظهرها العاري. ابتعد حين شعر بأنفاسها شبه مقطوعة. فابتعد ورفعها لتصبح طوله، دافناً وجهه بعنقه يقبله بشغف: اعمل فيكي إيه؟ بقيت بتنفسك يا جاكي. نفسي أدخلك جوايا وتبقي ضلع فيا.
أبعدت وجهه عنها ونظرت له ومازالت أرجلها لا تلمس الأرض: أنا هفضل لازقة فيك العمر كله، مش هخليك. عايزني ضلع متقلقش.
ابتسم وهو ينظر لوجهها الرائع. فاقتربت وقبلت وجنته اليمنى ثم اليسرى ثم جبهته وأنفه وذقنه. وأشارت على شفتيه قائلة بمشاكسة: هنا عيب.
سيف بمشاكسة مثلها: العيب إنك في حضني عريانة من فوق بس ب...
وضعت يدها على فمه بشهقة قبل أن ينطق وبكت بطفولية قائلة: هطلع إزاي الوقتي؟ منظري إيه؟
أنزلها وأجلسها. ودخل أحضر من وسط ملابسه بلوزة بناتي. ومد يده بها. فنفضت يده وجذبت لياقته: بتاعت مين دي يا سيف؟
سيف بحدة: نزلي إيدك يا جاكي.
جاكلين وقد أعمتها الغيرة: مش نازلة، ومتقولش زفتة بتاعت مين. أنت بتخوني، لا ويمكن تكون بتجيلك هنا وأنا نايمة على وداني. رد بتاعت مين؟
سيف بعصبية وهو ينفض يداها: مش أنا الراجل اللي ست تسأله رايح جاي منين. ملكيش دعوة بتاعت مين. ابعدي.
جاكلين بزعيق: لا هتقول يا سيف. مش أنا بردك الست اللي تخونها؟
سيف وهو يجذب ذراعها: لو قولتلك كل شيء بينا هينتهي. الأحسن مقولش، لأن لو قولت مش هخليكي تفضلي على ذمتي.
جاكلين بقوة غير عابئة لما سيحدث: قول.
سيف وهو يترك ذراعها: أنتي اخترتي... مسألتيش نفسك منين الفستان اللي أنا جايبه؟ أقولك؟ بقي البلوزة دي جاية معاه ومعاه شوية هدوم لحضرتك. فهمتي؟ تصدقي أو متصدقيش، دا شيء يخصك. اطلعي برة بقي واعتبري جوازنا انتهي. برررررة.
شهقت ببكاء. فأعطاه ظهره. حضنته من الخلف. فبعد يدها. لم تستسلم. أتت أمامه وحضنته وبكت أكثر: آسفة يا سيف. متقولش كده بالله عليك. أنت عارف إني بحبك أوي. رد يا سيف.
سيف بهدوء: قولتلك برة.
ابتعدت قليلاً ومازالت تتعلق برقبته. وبدأت تقبل شفتيه ليحن، لكنه جامد. حتى مل من طريقتها. بل شعر أنه سيستسلم. وبعد يدها ودفعها لتقع على الأرض بقوة. فتأوهت بألم قوي اجتاز جسدها. نظر لها بحزن مما أدى بها بسبب عصبيته. أتت تقف زاد الألم لكنها تحاملت رغماً عنها ووقفت. أخذت البلوزة الملقاة وارتدتها وفتحت الباب وذهبت.
جلست بغرفتها ودموعها تنساب قائلة: غبية، أنت غبية. فين كرامتك يا جاكلين؟ آخرتها زقك كده؟ وأنت بتتلزقي فيه ليه؟ بتهيني نفسك ليه؟ أنت عمرك ما كنتي كده. فعلاً الحب أعمى. كويس إنها جات من الأول. الوقتي سيف هيبقى ماضي وهقفل صفحته.
ونامت على السرير تبكي بقوة أكثر. فحقا هي طول عمرها مغرورة ولا تسمح لأحد بأن يدوس على طرف لها. والآن وبسبب حبه تتخلى عن كرامتها وهو هانها.
مر يومان. قلبه يأكله عليها. لم يراها بعد منذ أن دفعها. يود أن يسأل سعدية لكنه يعود برأيه. حاول الذهاب لغرفتها من البلكون، وجد الباب مغلق وكأنها قاصدة هذا. فاض به الكيل. ألا تعلم تلك أنه لا يستطيع العيش بدونها؟ حتى الجامعة لا تذهب.
دخل المنزل وجد سعدية أمامه: كويس إنك جيت يا سيف. ابني تعب أوي ولازم أروح أشوفه عند أخته. معلش مضطرة أمشي أنا. حطيت الأكل في التلاجة، ما عليك إلا تسخن. وجاكلين هتتصرف لوحدها. أنا قولتلها ورنيت على البيه، قولتله خد بالك منها يا سيف.
سيف بحمحمة: طيب، متقلقيش يا دادة.
ذهبت تاركة إياه في وسط المنزل وأغلقت الباب خلفها. فصعد لغرفتها ودق الباب.
جاكلين بهدوء: ادخلي يا دادة، الباب مفتوح.
فتح الباب ودخل. تصنم محله. ستفتك بقلبه تلك الفتاة. حتماً كانت ترتدي قميص منزلي. لا، ليس منزلي. كان ذو حمالتين رفيعتين تمتد على طول ظهرها جنباً لأخر. تري ما تصميمه من الأمام يكشف كل ظهرها.
أغلق الباب واقترب منها. ومشى يده على طول ظهرها، فشهقت والتفتت. وياليتها لم تفعل، فكان ذو فتحة صدر كبيرة ويظهر خصرها وبالكاد يصل لمنتصف فخذها.
جاكلين بعصبية: بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي جابك؟ ومين سمحلك تدخل لحد هنا؟ اتفضل اطلع برة. أه، ولا جاي تقول لي إنك طلقتني؟
لم يستمع لشيء من كلامها. جذبها من خصرها وانقض على شفتيها يقبلهما. أتت تدفعه لم يبتعد. أكمل ما يفعل. ثم ابتعد ونزل لعنقها يقبله هامساً: بعشقك يا جاكي، أنتِ بتاعتي.
جاكلين بشراسة: ابعد. أنا هطلق منك ومش عايزك.
ابتعد عنها ونظر لها بعصبية: تطلقي؟ والله؟ طيب عشان تعرفي تطلقي كويس، أنا هخلف وعدي وأعرفك تطلقي إزاي.
وحملها ورماها على السرير. تأوهت. فقالت بتوتر: يعني إيه؟
سيف بخبث: يعني عايز أجيب عيال منك.
كاتت لترفض، لم يعط لها فرصة. فابتلع كلاماتها بفمه وقبل شفتيها ويده متجهة لملابسها وبدأ ينزل كت القميص وشفتيه تقبل كل شيء يقابله بجسدها.
جاكلين ببكاء غاضب متذكرة ما حدث: بكرهك، ابعد عني، بكرهك، طلقني.
رفع رأسه لتري علامات الصدمة مرسومة بدقة على وجهه. وأغمض عينيه بألم. فوضعت يدها على فمها. غبية، ماذا قالت في لحظة غضب.
سيف وهو يلثم جبينها بقبلة: حاضر يا جاكي، هطلقك. متزعليش مني.
ونيّتي يبعد، فمسكت يده وجلست أمامه تحتضنه قائلة بأسف حقيقي: آسفة يا سيف، سامحني يا حبيبي. والله بموت فيك. بس أنت، أنت...
سيف بهمس: خلاص يا جاكي، ابعد.
رفعت رأسها وكورت وجهه وقبلته مثلما يفعل. ثم ابتعدت وفكت أزرار قميصه. مسك يدها وبعدها. فرفعتها لوجهه تقبله بتمهل وابتعدت هامسة: زعلان مني يا سيف؟ قولت آسفة.
سيف وهو يعيد كت قميصها: مش زعلان.
جاكلين بخبث: اثبت.
ضاقت عيني سيف وهو يقول بإستفسار: يعني إيه؟
جاكلين وهي تحرره من قميصه: يعني كمل اللي بدأته.
سيف بصدمة: أنتي عارفة أنتِ بتعملي إيه؟ وبعدين متنسيش وعدي ليكي.
جاكلين بخجل وهي تضع رأسها على صدره العاري: آه عارفه. سألت دادة سعدية وهي فهمتني.
وأكملت محاولة تجميع شتات نفسها: الوعد كان ليا وأنا بحررك منه يا سيف. كلي ملكك يا حبيبي.
وكأنه كان في انتظار تلك الكلمات. بعدها دفعها وهو يعتليها وبشراسة يقبلها وجردها من قميصها وهو يخدرها بقبلاته. لم تضع في خيالها أن صاحب العشق هذا منتقم، وأنه سيذيقها من العذاب ما لم تر. لكن الآن في جنته، في جنة سيف معشوقها، تري عالم جديد بين يديه.
ضمها جيداً لأحضانه وقبل جبينها: مبروك يا روح سيف وقلبه وعمره.
جاكلين بهمس تاعب: بحبك أوي يا سيف. بحب حبك ليا. أنا... أنا مش ندمانة ومش هندم. لو في يوم بعتني. حاسة، حاسة إني في حلم وهصحى على كابوس. يمكن قولتها وبقولها وهقولها، بس يا سيف، أوعى الخذلان يجي منك. هخسر نفسي وحالي قبل ما أخسر.
سيف وهو يرفع ذقنها: هششش، بتقولي إيه؟ أنتِ بتاعتي، ملكي. جدك هيرجع وهطلبك رسمي. لو وصلت هاخدك ونبعد، نبعد أوي بعيد عن الكل.
قبلت شفتيه بحب وأغمضت عيناها لتذهب في ثبات عميق.
استيقظت لتجد نفسها وحدها بالفراش. تذكرت ما حدث. ابتسمت. ووقفت. دخلت الحمام لتجده محضر ويتناثر به الورود. فذهب ونزلت بالبانيو. ظلت وقت. ثم خرجت غسلت جسدها وأخذت بنطلون أبيض وبلوزة بيضاء بثلاثة أرباع كم وجمعت شعرها. ثم نزلت لتجد المنضدة محضرة بالطعام وهو يرتبها. فحمنته من الخلف. استدار لها وحضنها.
سيف بعشق: كل ده نوم؟ كده تحرميني أشوفك كل ده.
جاكلين بعشق مماثل: آسفة يا حبيبي.
انحنى وقبل جبينها ويده تجذبها أكثر. ثم ابتعد: من هنا ورايح، آسفة، شكراً، صباح الخير، مساء الخير، وحشتني، بحبك. كل ده ببوسة وهعفيكي منها قدام الناس.
قبلته كلتا وجنتيه وابتعدت قائلة: الأولى بعشقك، والتانية أحلى مسا.
سيف وهو يعيد خصلة من شعرها: مش يلا تاكلي بقي ولا إيه؟
أومأت بتأكيد. فجلس وشدها لفخذه. شهقت فقبلها بطمأنينة وبدأ يطعمها ويقبل ثغرها. فتضحك وهي تشعر أنها ابنته وليست حبيبته. أما هو فيشعر أنها نصفه الآخر وقطعة من روحه، ملكة قلبه.
جاكلين وهي تضع يدها على فمها: وربنا شبعت خلاص.
سيف بعشق: طيب يا ستي، هشتال الأكل. بتعرفي تعملي قهوة؟
أومأت برأسها. فجذبها لتقف ووضع بيدها بعض الأطباق. مكملاً بجدية مصطنعة: قدامي يا مدام.
ضحكت وذهبت وهو خلفها بالباقي. وأمرها أن تفعل القهوة وهو يجلي الصحون. فنظرت له بهيام وذهبت. حضنته من الخلف. أكمل ما يفعل وابتسامة تغزو شفتيه. وحين انتهى خلع المريول والتفت. وفي لمح البصر كان يرفعها ويضعها على الرخامة ويقبلها بتمهل عاشق. فغرست يدها بشعره تقربها أكثر. يكاد عشقه لها يقتلها. ابتعد بصعوبة. فضمته على صدرها. وبدأت تمشي يدها على وجهه ولحيته. أما هو يحاوط خصرها بقوة. ابتعدت حين شعرت بالقهوة. وبدأوا يتناولونها سوياً. وحين انتهت قالت بحماس طفولي: تعالي نلعب يا سيف.
سيف رافعاً حاجبه: نلعب؟ ليه؟ شايفني عيل من سنك؟ امشي يا بت من هنا.
جاكلين بعبوس: عشان خاطري.
أومأ بإبتسامة. فجذبته للحديقة الخلفية وأحضرت رباط ووقفت على أطرافها تربطه على عينه. ثم قبلت فمه بسطحية قائلة: يلا يا حبيبي.
بدأ يلتفت حوله ليمسكها. فقالت: أنا أهو وراك... أنا قدامك أهو... أنا عاا...
كتم فمها بقبلته. ستفضحهم. فبادلته وهي ترفع يدها لتبعد الرباط عن عينه. ابتعدت عنه فعاد يقبلها مرة أخرى بعشق. وحين ابتعد زاد من ضمها أكثر. في نفس وقت دخول أحدهم. فقال: بعشقك يا جاكي.
جاكلين بعشق: وأنا بموت فيك يا سيف. معتش أقدر أعيش من غيرك.
سيف وهو يقبل جبينها: هانت يا قلب سيف. جدك يرجع وهقوله وآخدك ونبعد.
حاوطت عنقه فحاوط خصرها ورفعها عن الأرض مقبلاً عنقها. وفي لحظة لمح...
سيف بصدمة: دادة سعدية.
ابتعدت جاكلين بفزع عنه ونظرت لها بصدمة. فابتسمت سعدية بحنية قائلة: مفيش داعي لمبرر. سمعتك يا سيف. ربنا يسعدكم. وأنا بقول بنتي اتغيرت ليه من يوم ما جيت، أتاريها حبت. ويا زين ما حبت. حبت راجل.
دفنت جاكلين رأسها بظهر سيف بخجل. فابتسم: وأنا حبيت طفلة يا دادة. ادعي لي ربنا يصبرني.
ضربته على ظهره فضحك وكذلك الدادة التي ذهبت. فجذبها لحضنه.
رواية معشوقة المنتقم الفصل الخامس 5 - بقلم سما احمد
مرت الأيام ليعود الجد والجدة في نفس وقت عودة تيم. الذي لاحظ اقتراب سيف وجاكلين ففعل شيئًا بخصوص هذا.
سيف بصراخ: بقي يا زفت مش عارف تأخرت كمان أسبوع؟
مؤيد بعصبية: متزعقش، هو اللي غبي وفضلها على ملايين. عارف في مجيئه عشانها خسر قد إيه؟ قولتلك مهووس بيها.
سيف وقد أشبه على الجنون: بسببه أقنع الجد يديني إجازة تلت أيام. هسيبه مع جاكي تلت أيام. مش عارف هيعمل إيه. اديني بكرة هاجي وهتجنن عليها، خايف. خايف أرجع يكون عرف يعمل حاجة.
مؤيد بهدوء: اكذب وقول مش بتحبها.
سيف بصراخ أشد: أيوه مش بحبها، أنا بموت فيها، مجنون بيها، بعشقها، بتنفسها. جاكي كل حياتي. انتقام إيه وزفت إيه؟ مش هنتقم، يولع العالم كله قصاد ضافرها.
مؤيد محاولًا تهدئته: اهدي وأنا هخلي الحراس ذي ما هما مع جاكلين، وكمان هخلي ناس تفضل صاحية قدام أوضتها طول الليل. متقلقش. تعالي بكرة واقعد بعده وبعده وارجع. وأصلا إحنا محتاجينك في الشركة، ماشي.
أغلق بوجهه وجلس على السرير بعصبية مفرطة. فرن هاتفه برقمها، تجاهله حتى لا يجرحها. ونظر للساعة، لقد أوشكت على الثانية عشر. فتح الشباك الخلفي ليظهر غرفة تيم. يبدو أنه نام بارتياح بعدما بعده عنها. أغلق الشباك وضرب يده بالمرآة الصغيرة أعلى الحائط وصرخ بعصبية. وجد خبطات يحفظها جيدًا على الباب. ذهب وفتحه وجذبها للداخل، أغلقه وحضنها ليرفعها بين يديه ويدفن وجهه بعنقها.
سيف وهو يضغط على أسنانه: متتكلميش، انتي بالذات مش عايز أجرحك يا جاكي قبل ما أمشي.
جاكلين ببكاء: هتوحشني أوي يا سيف، متتأخرش عليا.
أنزلها وكور وجهها وقبلها بسطحية وابتعد. فهمست له: مراتك ما استحملتش عصبيتك وخفتها عنك. مين هيعمل كدة؟ أنا بين إيديك، عايز تضربني، تأذيني، تعمل أي حاجة. أنا كلي ملكك وهستحمل.
أنزلت رأسها لتفك قبضته، وجدتها تنزف. أغمضت عيناها وتنهدت من عصبيته وشدته. يجلس واحضرت الإسعافات وأتت تجلس بجانبه. شدها لفخذه، أخذت يده وبدأت تضمدها له. وجدته يضغط على رقبته. فاقتربت ليدفن رأسه بها ويقبل عنقها.
جاكلين بحنية: اهدي يا قلب جاكلين.
أنزل رأسه لمقدمة صدرها. ويده تحررها من بلوزتها، فشهقت. سرعان ما قبل شفتيها يهدئها.
سيف بهمس: هتوحشيني أوي يا جاكي.
وعاد لعنقها. ثم وضعها على الفراش يعلوها. وشعرت بيديه تتسلل خلف ظهرها ويحضنها بقوة لدرجة أنها شعرت بأضلاعها ستتهشم.
سيف بفحيح مخيف: مش هسمح لحد ياخدك مني يا جاكي.
وبدأ يضع ملكيته عليها وأخذها لعالم آخر يشبع منها قلبه. لا يطمئنه فيما سيحدث في اليومين القادمين. ضم جسدها لها وتنفسه عالي جدًا. ومشى إبهامه على وجنتها.
سيف بهمس: جاكي تعبانة.
جاكلين بنفي خافت: لا أنا كويسة... هقوم أمشي.
سيف بنفي وعصبية تعود: لا مش هخليكي تقومي الوقتي، استني معايا.
جاكلين بضيق: ممكن تهدي؟ أنا اللي بدأت أخاف.
سيف وهو يدفن رأسه بعنقها: هديت، اسكتي بقا.
مر اليوم واتى يوم جديد. كانت تقف في الشباك وتراه يذهب وتشعر بقلبها يقتلع معه. جلست بغرفتها، كل شيئ بها ينطق باسمه.
ما هو وصل لڤيلته بعد وقت ودخل ليجد من تندفع لحضنه. فضمها له.
نورسين بفرحة: وحشتني يا أبيه.
سيف بابتسامة: وإنتي كمان يا نورسين. فين ياسين؟
ياسين وهو ينزل: أنا أهو.
سلم عليه واتت والدته أو ما تدعي وحضنته.
سيف بضيق: عاملة إيه يا أمي.
ياسمين بضيق: مش كويسة يا سيف، أنا مش كويسة. فين البنت؟ قولت هتجيبها مجبتهاش. هو ده رد جميلك ليا يا سيف؟ يا خسارة تربيتي فيك. مش قادر على بت مفعوصة.
سيف بعصبية: أنا ماشي.
تركهم وذهب. فنظرت لها نورسين باشمئزاز وغيظ وذهبت لأعلى.
في الريف.
كانت جاكلين تجلس في الحديقة بحزن وشرود. شعرت بمن جلس بجانبها.
تيم بحزن لحزنها: ليه كل الحزن ده؟
جاكلين بعبوس: مفيش، زهقانة.
تيم وهو يقف ويمد يده: تعالي معايا وأنا هبعد عنك كل الزهق.
جاكلين باستغراب: فين؟
تيم وهو يجذب يدها: تعالي بس.
وأخذها لخارج المنزل ليذهبوا وسط الأراضي ويجري وهي معه تضحك بقوة على أفعاله المجنونة. ووصلوا إلى ما يسمي ببحر.
جاكلين بسعادة: ههههههه دا انت طلعت مسخرة يا تيم، عكس شكلك.
وقف على طرف البحر ومشى قائلاً: لا دا أنا مجنون واعجبك.
جاكلين بضحك: طب حاسب تقع.
تيم بلا مبالاة: متقلقيش، أنا جامد أو...
قطع كلامه حين انفلتت رجله ووقع. فانفجرت ضاحكة بقوة قائلة: ههههههه تيم ههههههه انت مسخرة ههههههه هموت بطني ههههههه أه.
ضحك على ضحكها ونظر لها بهيام واضح. وظل بالماء يتابعها.
في القاهرة.
رمى سيف الشوكة بعصبية: خلاص بقا، اقفلي. أنا مش شغال عندك، فاهمة؟ أنا بحترمك زي والدتي، ما تزودهاش. وانتقام مش هنتقم، أنا مش كدة. وجيت على نفسي عشان خاطر حضرتك بس، كفاية.
وقف.
فأردفت حالا زوجة ياسين: اهدي يا سيف واقعد كمل أكلك.
سيف وهو يلتقط جاكته: أنا ماشي.
وتركهم وذهب. فأردف ياسين بحدة: ياسمين هانم، سيف بالرغم إنه أخويا الصغير إلا إني بحترمه تمام. وحضرتك هنا تحترميه ذيك ذيي، فاهمة؟ انتي مش أحسن من حد.
وقف هو الآخر وذهب وخلفه حالا. فقالت موجهة لنورسين: ما تقومي انتي كمان.
نورسين بلا مبالاة: بس كدة، تؤمري. سفرة هه، دايمة.
وقفت.
التقطت الجيتار الخاص بها وخرجت. وجدته يدخل بسيارته. فأشارت لهم.
مؤيد بغمزة: وحشتيني، وحشتيني بجد مش أي كلام.
نورسين بسخرية: لا يا شيخ، طب سيف مش هنا؟ مشيمؤيد بضحك: عشان تعرفي إني جاي عشانك. يلا نقعد سوا شوية بعدين هروحله.
نورسين وهي تمسك ذراعه: اشطا.
وذهبوا جلسوا سويا في الحديقة على الأرض كالعادة. أمام بعض.
مؤيد بتفكير: اممم غني.
نورسين بعبوس: لا بلاش غنا، خلينا نتكلم أحسن. بحب الكلام معاك أصلاً.
مؤيد بابتسامة: نتكلم في إيه؟
نورسين بتفكير: عنك مثلاً. متعرفش أي حاجة عن أهلك؟
مؤيد بتنهيدة وهو يتمدد ورأسه على فخذها. رغم خجلها بدأت تداعب شعره: أعرف إن بابا اسمه آدم. وأعرف إن أمي ميتة أو أما ولدتني. وإنا من بلد في الريف وجينا هنا. فأنا اتخطفت واتحطيت في دار أيتام.
نورسين باندماج: وإنت قابلت سيف إزاي؟
ابتسم بخفة قائلاً: لما كان عندي واحد وعشرين سنة وهو كان تلاته وعشرين. كنا في نفس الجامعة وحصلت مشكلة بسبب بنت. وهو ضرب الشباب معايا.
اشتعلت عيناها بغيرة. أكانت طفلة وهو يتقابل مع الفتيات؟ قائلة: وليه بقى المشكلة دي؟
مؤيد بلا مبالاة: بنت حبتني وبصراحة حلوة، فروحنا نتقابل. أخواتها عرفوا واتاريهم عصابيين. جم يضربوني قدام الجامعة. فسيف ضربهم معايا.
نورسين بغيظ: طب يا أستاذ مؤيد يا حبيب البنات، قابلت بابي قبل كدة؟
مؤيد وهو يحك ذقنه: بابي؟ آه قابلت بابي مرتين بس والمقابلة متكملش عشر دقايق. بعدين أما مات والشركة كانت هتأفلس. كنت شبه مقيم هنا مع سيف. ووقفنا الشركة على حيلها بعدين. وقفت مع سيف أبني شركته الخاصة.
تحدثت بلا تفكير: هو انت عمرك حبيت؟
نظر لها بصدمة وتنفس بقوة أثر يدها التي مازالت تداعب شعره: أيوه، مرة واحدة. مش حبتها، عشقتها. ومازلت. وبدعي ربنا مع إن ده شبه مستحيل إنه يجمعنا. هتكون أول واحدة المسها وآخر واحدة...
لا تعلم لما لم تتضايق. فقط نظرت لعينيه بشرود تام. أما هو ظل ينظر لعيناها ود لو يقول لها: إنتي من أعنيها.
في اليوم التالي.
كانوا يجلسون سويا على الطعام. وجاكلين تنظر لمكانه حيث انتقل أمام تيم بحزن. وتعود تنظر للطعام. لم تتوقع يومًا أنها ستشتاق له هكذا. حقًا تشعر بأن كل شيء أسود.
وقفت واتجهت للسيارة وخلفها تيم. ثم جلست بجانبه في السيارة. فقال رغم معرفة السبب: يا بنتي أنا قتلتك. قتيل مبوزة طول ما انتي معايا ليه؟
جاكلين بعبوس: ما انت معندكش دم. شايفني مبوزة هاتلي آيس كريم.
نظر لها بذهول. سرعان ما انفجر ضاحكًا بشدة. فضحكت هي الأخرى. ونزل أحضر لها آيس كريم. بدأت تتناوله حتى وصلوا ونزلوا سويا. دخل معها المحاضرة وجلس بجانبه.
تيم بضيق: ملل أوي.
جاكلين بضيق: أي والنبي يا أخويا. مش عارفة إيه اللي خلانا نتعلم من الأول. البنت ملهاش غير بيتها وجوزها وعيالها.
بذهول نظر لها واعينه متسعة. فنظرت له وانفجروا ضاحكين بصخب. في نفس وقت دخول الدكتور الذي أصغر من تيم بقليل.
الدكتور بضيق: إنت وهي برة، بلاش مسخرة.
وقفوا بلا مبالاة وخرجوا. وحين كانوا سيخرجون استدار تيم له قائلاً: أحسن، أنا أصلاً مكنتش بفهم منك حاجة. دكتور فاشل. تك نيلة انت واللي عينك معيد.
وخرج تاركاً الدكتور يكاد يقتله. وحين خرجوا للمقهى انفجروا الاثنان ضاحكين بشدة. ولفتوا انتباه الكثير. وجاكلين تساقطت دموعها من كثرة الضحك. وهو يضرب كف بآخر كمراهقين في الثانوي مقربين جداً من بعض.
في القاهرة.
كان سيف يجلس في الصالون ويضع وجهه بين يديه. فجلست بجانبه ووضعت يدها على كتفه.
سيف بنفاذ صبر: نورسين، سبي...
حالا بابتسامة: أنا حالا مش نورسين.
تنفس بقوة فتحدثت: مضايق نفسك ليه؟ بص يا سيف، اللي يضايقك ارميه ورا ضهرك وامشي. ارجع مكان سعادتك اللي يشوفك أول أما جيت ميشوفكاش الوقتي. كنتي فرحان هناك، يبقي خليك هناك.
وأكملت بغمزة: وهات اللي كانت هناك كمان وخليها معاك.
ضرب رأسها بخفة وضحك. فضحكت قائلة: هااا؟ أقوم أجهز شنطة صغيرة بتاع أسبوع تخطفها وتيجي؟
سيف بضحك: مش للدرجة دي يعني.
ياسمين بعصبية: بتعملي إيه هنا؟ ولوحدكم؟ كما...
ياسين مقاطعًا بحدة: شايفة مكتوب على وشي غبي ولا مش راجل؟ حالا خط أحمر زيها زي نورسين.
وجذب يد حالا وصعد إلى غرفتهم. ودخل الحمام أخذ شاور وبدل ملابسه. ثم خرج ليرن هاتفه برقم. تكلم وتعصب ثم أغلق.
ياسين بعصبية: الله ياخدك يا خالد يا فيومي! ويريح العالم منك.
حالا بقلق: في إيه؟
ياسين بزعيق: خالد الفيومي. معتش ورايا غيره. دي تالت شركة نتعامل معاها ويدمرها. دا شيطان، لا بيهمه دول أساسهم إيه ولا بياكلوا من وراه ولا بيموتوا من الجوع. والوقتي متشارك مع سيف أخويا. متخيله؟
حالا بتنهيدة: متقولش ربنا ياخده، قول ربنا يهديه. جايز في يوم يبقى جوز اختك. وأتفرج عليك ساعتها.
ياسين بذهول: جوز اختي؟ نعععم! أنا أدي حد أعرفه لده! لا أختي ولا مراتي. اتجننتي إنتي؟
ضحكت حالا على منظره وهو يتحدث.
ومر هذا اليوم واتى يوم جديد. فيه قرر سيف العودة وعدم البقاء. مع كلمات ياسمين اللاذعة لو به لكان طردها نهائي من حياته. لكن لا، هذا ليس سيف. فهو لا ينكر الجميل.
في الريف.
اليوم لم تذهب للجامعة فليس لديها محاضرات مهمة. جلست على العشب. وفجأة مسك أكتافها أحدهم. فشهقت. لتجد تيم يضحك رغما عنها. ضحكت وجرت خلفه تضربه بقبضتها وهو يضحك بقوة. حتى وقفوا سويا.
تيم بضحك: مجنونة.
جاكلين بغيظ: اسكت، كنت هموت فيها بجد وبسببك.
تيم بتنهيدة: خلاص، حقك عليا... قوليلي يا جاكلين، عمرك حبيتي؟
جاكلين وهي تشير بإبهامها: سر. لو خرجته هقتلك.
تيم وهو ينزل إبهامها: خلاص، سرك في بير.
جاكلين بعشق صافي: أيوه، حبيت مرة. أولى وهتبقى الأخيرة. وهو سيف. بحبه أوي يا تيم. على أتم استعداد إني أعيش معاه في أوضة.
رغم توقعه الإجابة ومعرفته بها إلا أنه حزن وكثيراً. والغيرة المجنونة تنهش به. لكن مهلاً، سيف يقترب يا تيم ويجب أن تنجح خطتك وهي أن يذهب ولا يعد.
تيم بابتسامة مصطنعة: سيف إنسان كويس. ربنا يسعدكم ويجمعكم. ومتبقوش ذيي.
جاكلين باستغراب: ليه؟ مالك يا تيم؟
تنفس بقوة وفتح يده قائلاً: توعديني مش هتقولي لحد.
وضعت يدها بيده قائلة بصدق: أوعدك.
تيم بخبث: الوعد لو خلفتيه هتدخلي النار. لازم أحرمك منه، فاهمة؟
وأومأت بتأكيد. فأكمل: بعشق بنت أوي، بموت فيها وبتنفسها، مهوس بيها. بحط صورها في كل مكان أنا فيه. يا جاكلين مقدرش أعيش من غيرها. هي زي السم اللي انتشر في جسمي ومش هقدر أبعد عنها. قلبي بيدق لها من أول مرة شوفتها. أنا أنا... الكلمات مش هتعبر يا جاكلين. أنا مش قادر أعيش من غيرها. عايش ومش عايش. مش طبيعي أنا بدونها.
أشفق على حاله وتمردت دموعه بحزن. فأكمل بدموع هو الآخر: هي مش حاسة بيا. مش عارف ليه. يا ريت تحس بنص الحب اللي أنا حاسه. يا ريت على الأقل تبقى في حياتي وبلاش تحبني. حبي يكفيني ويكفيها. أنا بتقتل بسببها وهي مش حاسة بيا.
تنفس بقوة وضرب يده بشجرة بجانبهم. ورأى سيارة سيف. فاقترب واحتضن جاكلين بسرعة. التي وبشفقة بادلتة. ومسحت دموعه.
تيم بخبث: ادعيلي يا جاكلين. قلبي بيوجعني عشانها.
جاكلين بابتسامة هادئة مطمئنة: ربنا يجمعكم يا روحي.
عرف الابتسامة محلها لفمه. فهو يريد سيف أن يبتعد عنها وبأي طريقة. حتى لو يوهمه أنها تخونه معه. وأيضاً هو لم يبحث عن سيف مثلما فعل سيف. فهو لم يفكر بشيء.
رواية معشوقة المنتقم الفصل السادس 6 - بقلم سما احمد
كان سيف لا يطيق نفسه من كلمات تلك والدته اللاذعة، وقرر أن يعود ويتزوج جاكلين ويأخذها ويسافر بعيداً عن الكل، لربما الآن تحمل بأحشائها طفلاً منه. أجل، سيكون أسرة معها وحدهما.
وصل بسيارته ونزل منها ليتصنم محله وهو يرى تيم يحتضن جاكلين، وما جعل الأمر أسوأ أنها تبادله. من سيصارع الكل لأجلها؟
سيف لنفسه، محاولة الهدوء:
"اهدي يا سيف، أكيد لكل شيء سبب."
تيم بخبث:
"سيف، أنت وصلت."
ابتعدت جاكلين، وحين رأته لم تتوتر مثلما يجب، بل ابتسمت بسعادة. ليعلم أنها بريئة، لكن يجب أن يعلمها. فتخطاها وذهب لتعبس وتذهب خلفه حيث جدها.
تيم بسرعة:
"جاكلين."
جاكلين بإبتسامة وهي تستدير:
"نعم."
التفت سيف وجز على أسنانه متوعداً، وذهب.
تيم وهو ينظر لسيف الذي ذهب:
"بتمنى الكلام اللي بينا ميخرجش برة."
جاكلين بإبتسامة مطمئنة:
"آه أكيد."
تيم بخبث:
"وعد كمان مرة."
جاكلين ببرائه:
"أكيد وعد."
تركته وذهبت للداخل لتجد سيف يخرج ولم يتحدث معها.
جاكلين بلهفة:
"سيف."
سيف ببرود:
"أفندم."
جاكلين بحزن:
"حمدلله على السلامة."
اكتفى بالإيماء والذهاب. فعقدت حاجبيها بعدم فهم وانتظرت حتى حل الليل وذهبت له. فتحت الباب دون أن تخبط، والأجمل أنه فتح لوحده. ودخلت وجدته يجلس ويبدو عليه التفكير. فجلست على فخذه وحاوطت عنقه تحضنه. فلم يتحرك.
جاكلين بهمس:
"وحشتني أوي."
سيف بضيق:
"جاكي، كنتي حاضنة تيم ليه؟"
ابتعدت عنه وعقدت حاجبيها بتوتر واردفت:
"عادي."
سيف بهدوء مخيف:
"وهو الست المحترمة تحضن راجل عادي؟"
جاكلين بعصبية:
"سيف، لاحظ كلامك."
سيف وهو يجز على أسنانه:
"لآخر مرة بسألك، حضنتي تيم ليه؟"
تذكرت وعدها ولم تجب. وفجأة وجدت سيف يدفعها أرضاً ويجذب شعرها.
سيف بعصبية:
"ردي، حضنتيه ليه؟"
جاكلين بنفس العصبية:
"شيء يخصني، ملكش دعوة ومتدخلش في حياتي. أحضنه، أحضن غيره، شيء يخصني بردك."
وفي لحظة استدار وجهها أثر صفعة قوية منه. شهقت ونظرت له بصدمة.
سيف وكأنه لم يفعل شيئاً:
"المرة الجاية دماغك هكسرها، فاهمة؟ وهعرفك إزاي تبقي على ذمتي وماشية تحضني في الرجالة زي أي عاهرة."
جاكلين ودموعها تتساقط:
"هعرفك شغل العاهرات على أصوله لما أمشي على حل شعري وكل يوم مع راجل. منا بقيت مستعملة بقي."
جذب فكها الذي كاد يهشم بين يديه ودفعها للسرير وصفعها مرة أخرى واعتلاها.
سيف بفحيح:
"الظاهر إن الضرب مبيجبش مع أمثالكم."
وأخذ شفتيها في قبلة قاسية لدرجة أنه شعر بالدماء. وابتعد وجدها مغمضة عيناها.
فأردف بزعيق:
"جاكي، جاكي ردي، جاكي."
سيطرت عليه القلق ورفعها بين يديه وسار يضرب وجنتيها بخفة، لكنها لم تستيقظ. فأتى ببرفان ووضعه على أنفها لتستعيد وعيها. فضمها بقوة وهي على فخذه. وهي ظلت هادئة، ولكن دموعها خانتها.
سيف بصوت مخنوق:
"آسف."
جاكلين بصوت مؤلم:
"يا ريتك ما رجعت."
وقفت وتركته وذهبت. فنظر خلفها بحزن. عصبية من الكل أفرغها بها الآن. يعلم أن تقدم لجدها سترفض. تمدد على السرير وأغمض عينيه.
في غرفة جاكلين:
انفجرت باكية على سريرها وهي تتذكر ضربه وإهانته. لن تسامحه على ما فعل. تحسست وجهها بقهر منه. هل هذا نفسه معشوقها الذي كان يعاملها كالزجاج؟ ما غيرته عليها زاد بكائها. فجأة ظهر أمامها خيال لها يحدثها.
"بتعيطي ليه؟"
جاكلين بشهقات:
"سيف ضربني وهاني بالكلام."
"بس بيغير عليكي. لو مش بيغير مكنش عمل كدة."
جاكلين ببكاء يتجدد:
"يضربني ويقول عليا عاهرة."
"وكان ممكن يغتصبك. أنتِ السبب، ليه مقولتلوش؟"
جاكلين ببداية هدوء:
"عشان وعدت تيم."
"يبقى تستحملي. وبعدين مش المفروض تكلميه بهدوء؟ ده الأيام دي المفروض أجمل أيام حياتكم وهو هيتقدملك وجوازكم هيكون قدام الكل."
جاكلين بتفكير:
"صح."
"بكرة تروحي وتعتذري منه على طريقتك وتقوليله إنك واعدة تيم مش أكتر. مفهوم؟"
جاكلين بإبتسامة:
"مفهوم."
مسحت دموعها وفكرت بطريقة إيجابية كالعادة.
في صباح يوم جديد:
استيقظت جاكلين وأخذت شاور ثم ارتدت فستاناً ينساب على جسدها وربطت شعرها ووضعت الهاند فري بأذنها ونزلت مقررة التوجه إليه. فوجدت تيم أمامها. فصلت الأغاني.
تيم بهيام:
"صباح الخير."
جاكلين بإبتسامة:
"صباح النور."
تيم بخبث:
"مبروك."
جاكلين بإستغراب:
"على إيه؟"
رفع يده وأعاد خصلة شاردة، فابتعدت بخجل ليردف:
"سمعت إن سيف اتقدملك من جدك وهيسألك دلوقتي."
جاكلين بسعادة:
"بجد؟ طب سلام."
وجرت للصالون. فضحك بوجه سيف الذي يقترب بعصبية. لم يسمع شيئاً لكن رأى.
تيم بخبث:
"مش هتباركلي؟"
سيف بغيظ:
"ليه؟"
تيم بتلاعب:
"اتقدمت للآنسة جاكلين وقولتلها فرحت وشكلها هتوافق. أصلها جرت على جدها."
اتجاهله سيف وذهب، بينما ضحك تيم بخبث شديد.
عند جاكلين:
دخلت على جدها وجلست أمامه. ظلت صامتة تنتظره أن يبدأ. حتى ملت وآتت لتذهب.
عتمان بنداء:
"جاكلين، استني."
جاكلين بلهفة:
"إيه؟"
عتمان بجدية:
"بصراحة جايلك عريس تعرفيه وقاعد معانا كمان وهو..."
جاكلين بسعادة:
"موافقة يا جدي."
عتمان بإستغراب:
"ده أنا حتى لسه مقولتش الاسم."
جاكلين بفرحة عارمة:
"مش مهم، المهم إحنا بنحب بعض يا جدي وأنا موافقة عليه ومعنديش أي اعتراض لو هنسكن فينا."
استمع سيف لهذا وكور يده بعصبية وذهب متوعداً لتيم.
عتمان بإستغراب:
"يعني انتي بتحبي تيم؟"
جاكلين بتأكيد نافي:
"آآآي... تيم لا، قصدي سيف."
عتمان بصدمة:
"سيف؟ بس اللي اتقدم. تيم؟"
جاكلين بدموع خائفة:
"لا يا جدي، مش تيم. سيف. أنا بحب سيف وهو بيحبني ومستنية يتقدم. تيم إيه اللي أحبه؟ لا بتهزر يا جدي. تيم قال سيف. أنا موافقة لو سيف اتقدم. مستعدة أعيش معاه في كوخ."
جلست على الأرض مسندة على فخذه:
"أنا عرفت الحب معاه يا جدي. مستعدة أتحدى أي حد عشانه حتى لو نفسي."
عتمان بحزن:
"بس سيف فقير مش هيقدر يعيشك زي الوقتي."
جاكلين وهي تنظر له:
"مش مهم. مش عايزة أعيش زي الوقتي. أنا عايزة سيف بس."
عتمان بتمعن:
"وإن رفض؟"
جاكلين ودموعها تتساقط:
"آسفة، بس معنديش أغلى من سيف."
وقفت وخرجت. فضرب كفاً بكف.
في الخارج:
كاد أن يجن والدم يفور بعقله. دخل غرفته ورفع الفون لأذنه.
مؤيد بمرح:
"إيه يا ابني لحقت أوحشك؟"
سيف بصراخ:
"نص ساعة يا مؤيد، يكون تيم معروف حقيقته وكل الأدلة تكون في إيد جاكي. مفهوم؟ نص ساعة."
مؤيد بقلق:
"طب اهدي، في إيه لكل ده؟"
سيف بصراخ أشبه للجنون:
"يلا يا زفت بسرعة."
وأغلق الخط وجلس وصدره يعلو ويهبط بعنف. فسمع طرقاً على الباب. فمثل النوم، يعرف خبطتها. دخلت حين لم يجب وجلست بجانبه.
جاكلين بصوت حانٍ:
"سيف، سيف."
لم يجب. فوقفت وذهبت. لم ترد إزعاجه. وهو استغرب نبرتها لكن تجاهل. فهي من الآن بدأت تخرج الشيطان الذي بداخله ويبعده عن الكل. يقسم أنه سيندمها. لكن مهلاً يا سيف، تابع حين يصل لها الظرف. ثم امتلكها وأراها. أومأ بتأكيد لنفسه.
بعد حوالي نصف ساعة:
كانت تجلس على الطعام وتتابع سيف الذي أتى وشرع بالطعام في صمت. وعتمان يرى نظرات الحب من تيم لها ونظرات الحب منها لسيف. أما سيف الذي ينظر لطعامه. ورباب تعقد حاجبيها من صمت جاكلين. فلاحظ سيف نظرة تيم لجاكلين وكور يده بعصبية واضحة. ونظر لها يرمقها بنظرة قاتلة، لكن هي لم تر.
سعدية بإحترام:
"عتمان بيه."
عتمان بإستغراب:
"في إيه؟"
سعدية وهي تقلب ما بيدها:
"طرد لجاكلين هانم."
جاكلين بعصبية:
"مش قولت يا دادة الطرد اللي ذي ده ترميه ليه؟ بقا تجيبيه ليا ودمي يفور."
عقد تيم حاجبيه، فطرد لم يأتي موعده بعد. أما سيف فكان ينظر للكل بمعالم خفية حتى لا يكتشف تيم الأمر ويتصرف.
سعدية محاولة تهدئتها:
"بس ده مكتوب عليه، فاعل خير."
أخذته وفتحتة وبدأت تقلب في الصور والجرايد التي بين يديها. وفزعت وابتعدت من محلها. ونظرت لهما وذهبت لسيف تخفي نفسها خلفه.
جاكلين بصراخ:
"اطردوه، ابعدوه عني، مشوه من هنا."
وأردفت وهي تقبض على ملابس سيف وتغمض عيناها:
"مشيه يا سيف من هنا، اطرد تيم. تيم هو اللي بيأذيني."
وبدأت تنتفض بين يديه. فأنحنى عتمان وأخذ الصور والجرايد بصدمة ورمى كل شيء بوجه تيم الذي نظر لهم بصدمة.
عتمان بصراخ مجلجل:
"يا حراسة."
تيم بتوتر:
"اسمعني يا جدي، اسمعيني يا جاكلين. أنا أنا مش وحش. وربي ما أنا وحش. أنا مجنون بيكي وعملت كدة عشان بحبك وعايزك. أنا شوفتك مرة كانت كفيلة تقلب حالي وتخليني كدة. جاكلين بصيلي."
لأت الحراس ومسكوه. فبدأ يقاومهم وتحدث بنبرة أشبه للبكاء:
"جاكلين تعالي معايا. أنا مجنون بيكي وهسعدك. مش هجرحك وعد. ولا هأذيكي. بس تعالي معايا. اتجوزيني. جاكلين ردي عليا. اتكلمي. متكرهنيش. فاكرة أنا قولتلك إيه عن البنت اللي بحبها؟"
أرخت قبضتها من ملابس سيف ونظرت لتيم وتمردت دموعها. فأردف تيم ببكاء:
"جاكلين، أنا بحبك. متبعدنيش عنك. والنبي أموت من غيرك. أنتِ كل حياتي. مستعد أعمل أي حاجة عشانك."
انفجرت جاكلين باكية وهي تستمع لكلماته وهو يخرج. وجلست على الأرض ووضعت وجهها بين يديها تتذكر كل الرسائل التي كانت ترسل لها وما يدل على مدى حب الشخص لها، بل جنونه. علت شهقاتها. حقاً، لما لم يجد من تعشقه؟
عتمان وهو يجلس بجانبها:
"جاكلين، اهدي. خلاص."
"مشيلت."
تحدثت ببكاء مرير وعفوية ما جعل سيف يتوعد لها ويهدم كل شيء بينهما.
"ليه محبتوش يا جدي زي ما حبوني؟"
نظر لها سيف نظرة أخيرة وخرج لغرفته. جلس:
"دي اللي كنت هتخسر أمك عشانها. هي دي نفسها اللي كنت مستعد تهرب بيها؟ اللي بينها وبين تيم شيء يخصهم وبتعيط عشانه؟ لا. وكانت عايزة تحبه زي ما حبها. ماشي يا جاكي. أنا هعرفك إزاي تحبيه. هخليكي ورقة محروقة في حياتي وهنفذ اللي جيت عشانه من الأول."
وأكمل بتوعد:
"وهنتقم. بس مش هيبقي اسمي منتقم عشان قتل أبويا. لا، هبقي منتقم لحبي ليكي يا جااااكي. هدمرك زي ما دمرتيني."
وكسر المرآة بزجاجة البرفان. غير مفكراً أن ربما هذه عفوية، لكن كل شيء أتى على بعضه. ففعل عقدة كبيرة وخلل.
وقف وذهب لجدها الذي كان يجلس بحزن على حفيدته.
عتمان بحزن:
"في حاجة يا سيف؟"
سيف بجدية:
"آيوه. أنا جاي أطلب إيد الآنسة جاكي ليا. عارف إن مش وقته بس هي دلوقتي بحاجة تبعد وأنا عايز أبعد بيها. أنا بحبها ومش عارف إن كانت بتحبني ولا لا. المهم إن بحبها."
عتمان متذكراً كلام جاكلين وحالتها السيئة، فربما هذا يسعدها:
"أنا موافق."
أنصدم سيف أولاً من سرعة موافقته. هل يمكن أن يكون علم بزواجهم وبأنها زوجته فعلاً؟ وليعرف، فهو الرجل وهو لن يتأذى.
سيف بجدية:
"طب أنا عايز الجواز يتم خلال أسبوع لأني عايز أسافر بيها لأخويا برة مصر."
عتمان بعدم تصديق:
"أسبوع؟ إزاي؟ مينفعش. أسافر ولما ترجع ابقى..."
جاكلين من أعلى السلم:
"موافقة يا جدي."
عتمان بعصبية:
"موافقة إزاي؟ ده أسبوع وهتسافري وجامعتك؟"
جاكلين بشحوب:
"هاجي على الامتحانات. أنا فعلاً بحاجة أبعد عن المكان ده."
تنفس عتمان بعنف وغضب، فأردفت جاكلين:
"جدي افتكر كلامي. أنا مستعدة أه..."
عتمان بغضب:
"وأنا واثق في سيف أكتر منك. وفاكر. وبكدة يا بنت شيرمين مش هتكسري دراعي."
جاكلين بتعب:
"وأنا قولت اللي عندي."
والتفتت لتذهب لغرفتها. شعرت بدوار، فمسكها سيف بين يديه قائلاً:
"أنتِ كويسة؟"
نظرت لكل وجهه وأومأت برأسها. حقاً تود أن تدفن نفسها بحضنه. كم هي بحاجة له الآن. أما عتمان فنظر لكلاهما. شعر أن ليست فقط جاكلين من بحاجة لسيف، بل وسيف بحاجة لها. فقال بتمعن:
"أنا موافق. بس الفرح وأهل سيف."
سيف بكذب:
"مليش غير أخ ومسافر. أنا وهو يتيمين."
جاكلين بقهر وصدمة مما حدث:
"وأنا مش عايزة فرح."
وتركتهم وصعدت لغرفتها وانفجرت باكية. لن تنسى شكل تيم وهو يخرج. تشعر بالقهر والحزن. لما، لما حدث هكذا بقلوبهم؟ تعشق سيف التي باتت تشعر بأن حبه مجرد حب. وتيم الذي جن بها.
آتي المساء:
تسللت لغرفة سيف ومشت على أطرافها حتى وصلت وفتحت الباب ودخلت. وجدته نائماً. فذهبت لحضنه وتمددت. لم تعرف أنه مستيقظ.
جاكلين بدموع تتساقط:
"سيف، أنا بحاجة كلام يشجعني. أنا خايفة من المستقبل. خايفة منك. الأمان اللي كنت بحسه في حضنك اختفى."
دفنت رأسها بثنايا عنقه مردفة:
"مش حساها ليه؟ ده بدأ يتعبني يا سيف وبدأ يندمني على جوازنا. حاسة إن في لحظة هروح لجدي وأقوله وأقوله يطلقني."
أخذ تفكيره لجانب آخر. لم يتوقع أن يندم هكذا يوماً. وبسببها، وهو تمثيل الحنية. جذب شعرها للخلف والتقط شفتيها في قبلة لا أعرف وصفها لأنها خالية من شغف العشق. شعر بها تبادله قبلته وتحضنه. فعرف أنها الآن هشة. وأي حنية منه ستجعلها ذليلة له. ابتسم بسخرية بداخله. ليششرع ببناء خندق بينهما. وما أسوأ بناء الخندق بين العاشقين.
ابتعد وهي تلهث. فبدأ يوزع قبلاته على عيناها ووجنتيها وجبينها وشفتيها. ونزل لعنقها يلثمه بعشق وعاد لشفتيها لينهل من رحيقهم. ويده بدأت تجردها من ملابسها ليأخذه لعالم تشعر فيه بالتوهان. فهو ليس العالم الذي اعتادت عليه. لينقبض قلبها منه أكثر.
مر أيام الأسبوع:
كان يحاول قدر الإمكان أن يطمئنها من ناحيته. وهي امتثلت لهذا واقنعت نفسها أنه عاد كما كان.
كانوا يكتبون كتب الكتاب. وهذه المرة ليست ورقة كما كانت تمضي منها. إنما الآن جدها وكيلها وبمأذون وشهود.
المأذون بإبتسامة:
"بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير بالرفاق والبنين."
سلم عتمان على سيف وذهب. سيف لجاكلين التي ابتسمت بسعادة حقيقية. وكور وجهها، قبل جبينها ووضع رأسها على قلبه يضمها هامساً:
"ألف مبروك يا حرم سيف سليم المنشاوي."
عقدت حاجبيها من الاسم. المنشاوي. سبق وسمعت هذا الاسم. أغمضت عيناها متذكرة شيئاً.
"شيرمين، اسمعي، وربي ده تخطيط من ياسمين. أنا شغال مع جوزها وهي كانت..."
"متكذبيش يا آدم. إيه اللي يخلي مرات سليم المنشاوي تتبلي عليك يا شيخ؟ أنت عندك بنت وبقت عروسة."
فتحت عيناها ونفضت رأسها. فشده جدها وحضنها وقبل جبينها. وكذلك جدتها والدادة. ولم تجد نفسها إلا بسيارة هي وسيف بجانب بعض. وهي تائهة مع عالم به أهلها المتوفين.
سيف وهو يلمس وجنتها:
"جاكي."
شدت يده ووضعت رأسها على صدره تضمه. فأعتقد هو أنها تفكر بتيم ليشعر بنار تأكل قلبه.
سيف بحدة:
"بسرعة."
نظرت له جاكلين وللسائق لتنتبه أخيراً. سيارة من هذه؟ لم يخبرها أنه سيأتي بسيارة تأخذهم.
سائق وهو يلتفت ويرفع القبعة وينزلها:
"أمرك يا ديناصور."
ابتعدت عن حضنه مردفة:
"مين دا يا سيف؟ وإحنا رايحين على فين؟"
سيف ببرود:
"القاهرة يا جاكي. ودا إيدي اليمين مؤيد."
جاكلين بصدمة:
"إيدك إيه؟ أنت مين؟"
سيف وهو يجذبها ويطوقها بيداه:
"اهدي بس على نفسك وهتعرفي كل حاجة. كمان كم ساعة. واعرفي إن هتتعبي نفسك على الفاضي وأنا مش هرد."
امتثلت لأمره. فليس لها قدرة على المشاكل. وبدأ الماضي يداهمها.
"بابي، الدادة بتضربني."
"روحي قولي لمامي، أنا مشغول."
"يا مامي، الدادة بتضربني أوي."
"أكيد قليتي أدبك يا جاكلين."
"لا والله ما عملت حاجة من غير سبب."
"جاكلين، أنا مش فاضي لتفاهات."
حركت رأسها بحضنه. لما الآن يداهمها ماضي أهلها المهملين؟ هل سيعود شيء منهم يدمرها؟
أغمضت عيناها مجبرة نفسها على الذهاب من هذا العالم ليحتلها فيما تعرف بالموتى الصغار.
مؤيد وهو ينظر لسيف بالمرآة:
"بطل غباء. البنت شكلها بريئة وملهاش ذنب."
سيف بشرود:
"مش هعاقبها على اللي أهلها عملوه في أمي. هعاقبها على حاجات أسوأ."
مؤيد بتمعن:
"متخسرش نفسك يا سيف بخسارتك ليها."
سيف بحدة:
"مؤيد، أنت أخويا، بس خليك في حالك عشان منخسرش بعض."
مؤيد بضيق:
"أنت حر. إن شاء الله تولع. بس أما تندم متجيش عليا أنا وتتكلم."
ومر الوقت ووصلوا لشقة. لم يوقظها بل حملها وصعد بها للأعلى. وضعها على فراش وبدأ يحررها من ملابسها وساعدها في ارتداء ملابس مريحة. لتتململ. فمسد على شعرها حتى عادت تنام. وخرج فعل قهوته وجلس يشربها. فرن فونة برقم صغيرته.
سيف بحنية:
"آلو، إزيك يا حبيبتي؟"
لم يرى تلك التي خرجت، ولكنها توقفت عند كلامه ووقفت تستمع. من هذه التي يقول لها حبيبتي؟
نورسين بسعادة:
"حبيبي يا أبيه، عامل إيه؟"
سيف وهو يضع مج القهوة:
"تمام الحمد لله. أنتِ عاملة إيه؟"
أردفت بصوتها العذب:
"كويسة الحمد لله. وحشتني أوي. هتيجي امتى؟"
سيف بضحك:
"يا مجنونة، أنا جاي امتى؟ ده أنا لسه مكملتش أسبوعين. لحقت أوحشك يا بكاشة."
سمع صوت ضحكتها ثم أكملت بجدية:
"أبيه."
سيف ببرود:
"يبقى مؤيد قالك. أيوه يا نورسين، أنا هنا. أنا وجاكي. وفي شقتي. ومش مسموح تيجي. وإلا تصرفك هيكون مع مؤيد."
نورسين بضيق:
"جاكلين ملهاش ذنب في أي حاجة. مؤيد قالي البنت باين عليها طيبة. ليه تاخدها بذنب أبوها وأمها؟ وأنت أصلاً شكلك حبتها."
سيف بعصبية متذكراً ما حدث معها وتيم:
"لا أحب مين؟ جاكي دي واحدة زبالة زي أمها وأبوها. وأنا هندمها. هي مفكراني بحبها؟ ده أنا هعرفها الحب بطريقة سيف المنشاوي. وجاكي كذب. أنا محبتهاش ولا بحبها ولا هحبها. الأشكال اللي زي دي خسارة فيها الحب."
وأكمل بحقد:
"فعلاً اللي زيها يستاهل حد زي تيم."
اندفعت بعصبية دون العبء لأي خوف، قائلاً:
"وتيم ده أحسن منك ومن عشرة زيك."
صدمة ألجمته من كل الجهات. هل سمعت؟ وفوق كل هذا ردت بقوة ولم تنكسر.
نورسين وقد انصدمت من الصوت الذي سمعته:
"أبيه."
سيف بهدوء ما يسبق العاصفة:
"سلام يا نورسين."
أغلق الخط ثم رمى الفون ووقف قائلاً ببرود:
"قولتي إيه؟"
جاكلين بقوة وعصبية:
"وأنا لسه قولت حاجة؟ عايز تعرف طيب؟ تيم أحسن منك وأنا للحظة قرفت منك ومن معرفتك ومن حبي ليك. وطلقني يا سيف لأني عرفت إنك من أسوأ وأذل عيلة وهي عيلة المنشاوي. وأكيد هتطلع حقير وزبالة زي أبوك وأمك. ولأن الزبالة مش بيجيب غير الزبالة."
غلى الدم بعروقه ورفع يده وأنزلها على وجنتها. فبقوتها المعهودة دفعته بيدها. جذب شعرها ونزل عليها بصفعات من يده ورماها على الأرض وسار يضربها برجله. وكلماتها تتردد بأذنه وإهانتها.
سيف بعصبية:
"أنا هعرفك مين الزبالة على أصوله. وربي يا بنت آدم السيوفي لاخليكي تندمي على قوتك دي. واكرهك في نفسك."
تحدثت رغماً عن تلك الآلام التي تعصف بها وبصوت متقطع:
"أعلى ما في خيلك اركبه يا حقير."
شد شعرها لتقف أمامه وصفعها. ثم مسك فكها وقربه منه قائلاً بفحيح لتري إنسان آخر بسيف حبيبها:
"حقير. ماشي. هعرفك الحقير بيعمل إيه."
وركلها ببطنها لتقع على الأرض. وتركها وذهب حتى لا يقتلها. فتكورت بنفسها. الألم يعصف بها.
رواية معشوقة المنتقم الفصل السابع 7 - بقلم سما احمد
دخل شقته ليجدها تجلس ببرود تام بالرغم من علامات الضرب الظاهرة على وجهها ويتساقط من شعرها الماء، فيبدو أنها أخذت شاور للتو.
سيف ببرود: شايف إنك معندكيش دم.
جاكلين بنفس البرود: طلقني.
سيف بضحكة هستيرية: إيه هههه نجوم السما أقرب لك.
جاكلين بعصبية: لا مش أقرب لي وهمشي وأسيبك ذي الكلب هندمك يا ابن المنشاوي.
جذب فكها ورفع رأسها ليقابل وجهها وجهه: مفكرة نفسك إيه انتي ولا حاجة، أنا هنا الراجل.
جاكلين وهي تنفض يده: راجل على نفسك مش عليا.
سيف وهو يجذب شعرها لتقف: لا عليكي يا روح أمك، أوعي تنسي نفسك، انتي اللي عرضتي نفسك عليا ذيك ذي أي عاهرة، الوقتي لو رجعتي هيعيبوا فيكي انتي، ومتنسيش بردك إن أنا متجوز واحدة مش شريفة.
رفعت يدها وصفعته هي هذه المرة صارخة: أنا أشرف منك ومن اللي خلفوك.
انقض عليها بصفعاته المتتالية وجذبها لغرفة النوم ودفعها للسرير وانقض عليها يمزق ملابسها قائلاً: أما أشوف مش أنا متجوزك امبارح، أما أشوف الشريفة دي، المفروض دي دخلتنا.
جاكلين بصراخ مزق أحبالها: واحد مريض، انت واحد مريض يا سيف، يا ريتني ما اتجوزتك ولا شوفتك، أنا صح تيم أحسن من عشرة لا مليون واحد زيك.
وحين ذكرت اسم تيم جن جنونه، فاندفع يضربها بقوة، ثم شرع بإغتصابها بطريقة بشعة غير عابئ لصراخها ولا لحبهما كما ادعى، أصبح شيطان، كادت أن تموت بين يديه ولم يكف منها، وأي حب هذا، إنه ليس حب هذا جنون، لن تسامحه يوما مهما فعل، أصبح ذلك الخندق الذي حفره كبير جداً، حتى وإن ظل عمراً يدفن به لن يقدر.
في اليوم التالي، رمى بوجهها دلو ماء مثلج، فشهقت واستيقظت فزعة، فجلس ببرود تام قائلاً: قومي يلا، كل ده نوم.
نظرت له بنظرة تحمل الكثير من الإشمئزاز، ولكن مهلاً، لا يوجد كراهية، واتت لتجلس لم تقدر، ولم تتحدث، بل حاولت مراراً وتكراراً لتجلس وتجذب الشرشف على جسمها.
سيف بوقاحة باردة: منا شوفت كل حاجة، بتخبي ليه.
جاكلين بجمود: مش بخبي منك، أنا بخبي من نفسي، جسمي اللي بكرهه عشانك وبشمئز منه بسببك، لأنك لمسته.
سيف بخبث: مش دي نفس اللمسة اللي كنتي متلهفة عليها.
جاكلين ببرود: انت قلت كنت، قبل ما أكتشف إن اللي حبيته عمره ما حبني، ولا كان حتى راجل عشان يح...
أطبق يديه على رقبتها يتكأ صارخاً: هقتلك، هطلع روحك في إيدي.
تحول وجهها للأزرق، فصفعها وتركها، ليشرع بتعذيبها بطريقة أخرى.
مر شهر كامل، كان يذيقها العذاب ما لم يتوقع أنه يوماً سيصبح هكذا، استفزازها وغلطها المستمر بأباه المتوفي وأمه وسيرة تيم التي كانت تجن جنونه، نسي نسي من تلك جاكلين، ليخرج شيطان من داخله، شيطان أسوأ مما تتوقع.
هيدخل مخزن خاص به وخلفه بعض الرجال، وجلس على كرسي أمام ذلك الشاب.
سيف ببرود: أتمنى استضافتنا تكون عجبتك.
تيم بتعب: هقتلك يا سيف، وجاكلين هتبقى ليا.
وقف سيف ولكمه بعصبية، فهي زوجته له، ملكه.
تيم بصراخ: اضرب يا سيف، اضرب أكتر، بردك هتبقى ليا، أنا مجنون بيها وربنا، مزرعش في قلبي الحب دا كله ليها إلا وهينولها.
لياسيف بسخرية: ربنا، وانت تعرف ربنا؟
تيم بقوة: كفاية، انت عارفه، وأنا بقي هعرفك لما آخدها، وانت روحك فيها.
سيف بإستفزاز: الزبالة للزبالة، جاكي الوقتي مراتي ومش هسيبها، إلا وهي بتكره صنفنا كله، ومستحيل روحي تبقى فيها، عارف ليه؟ لأني بكرهها ومش بطيقها.
تيم بحزن: مراتك، انت اتجوزتها.
سيف ببرود: من شهر، وأنا متجوزها، عارف بعمل فيها إيه؟ بعذبها، بقتلها في اليوم ألف مرة، بسببك وبسبب أهله.
رأى الدموع تملأ عيني تيم، الذي قال: هقتلك يا سيف، هدمرك بحق عذابك ليها.
تركه سيف وخرج ببرود، تحول لنار بمجرد التفكير أنه يعشقها أكثر منه، فلحقه مؤيد الصامت.
سيف ببرود: مش هتقول حاجة.
مؤيد بصدق: ربنا يجمع تيم بـ جاكلين.
وجه له لكمة في منتصف وجهه، يلحقها أخرى صارخاً: جاكي بتاعتي، متدعيش تبقى لغيري، فاهم، هي بتاعتي أنا وبس، ومحدش هيقرب ليها.
مؤيد بعصبية: انت شيطان، متستاهلش، مسيرها هتبعد من بين إيديك.
سيف بصراخ جنوني: مش هتقدر، مش هسمح ليها، جاكي بتاعتي لوحدي، أنا اللي بمتلكها، أنا اللي أعشقها وأدللها، وأنا اللي أضربها وأهينها وأعمل اللي عايزة فيها، هتفضل بتاعتي.
مؤيد وهو يدفعه: واحد مريض، انت واحد مريض، فاهم، روح اتعالج وابعدها عن نارك اللي كرهتها فيك، أحسن ما تصبح متلاقيش حد جنبك، لا هي ولا غيرها.
وتركه وذهب، مقرراً الذهاب عنه نهائي، أما سيف فجلس يفكر في كلام مؤيد، هل حقاً سيأتي ذلك اليوم؟ يجب أن يبتعد ليستعيد سيف الرزين المتقي لربه الذي لا يترك فرضاً إلا وتأديته، والآن أصبح لا يركعها، ليقرر أنه سيتركها لأهله، لكن لن يسمح لها أن تعود لأهلها، إذا عادت لن ترجع له نهائي، وإن فعل المستحيل، آه، أنت محق ياسمين، هي من ربتك أنت وإخواتك، وهي تمتاز بالخير الذي يملأ قلبها، ولن تؤذيها، ربما تقول هذا كحزن لا أكثر.
في مكان آخر، رن هاتفه برقم من دق قلبه مراراً وتكراراً لها، لكن إذا تجاوز حدوده، ستكون خيانة لرفيقه المقرب، سيف، مهلاً يا مؤيد، ألا تتذكر آخر لقاء بينكم.
مؤيد بضيق: الو، إزيك يا نورسين.
نورسين بإستغراب: مالك يا مؤيد، في إيه، صوتك متغير ليه، حاجة حصلت.
مؤيد بعصبية: نورسين، اخلصي، عايزة إيه.
نورسين بحزن: ولا حاجة، سلام.
وأغلقت الهاتف، ففتح شباك السيارة ورمى هاتفه منه بعصبية، متأكداً أنه غرق بوسط النيل.
مؤيد بصراخ: غبي، غبي، وهتخسر ذي سيف.
وأكمل بدموع وهو يكمل ما يفعل: هتخسرها، بس المرة دي مش ذي جاكلين، دي نورسين.
مر اليوم، وأتى يوم جديد.
كانت تنظر من الشباك، أصبحت تحكم تفكيرها بحيث لا تفكر بشيء، وتاهت بالشوارع التي لم تراها منذ شهر، وللطرق تمنت لو يأخذها لجدها وجدتها، ترى أين هما، هل لم يحاولوا الوصول إليها، أو أنهم قالوا هذا أفضل أن تخلصوا منها، وصلوا لفيلا كبيرة جداً أقرب للقصر، ودخلوا بالسيارة، خمنت أنها له.
سيف ببرود: انزلي.
امتثلت لكلمته ونزلت، فنزل ومسك أعلى ذراعها يجرها خلفه، وطرق جرس، ففتحت له الخادمة قائلة بإحترام: اتفضل يا سيف بيه.
دخل وهي معه، وفجأة وجدت أربع أشخاص، فتاتان في مقتبل عمرهم، وشاب وسيدة كبيرة، تمعنت النظر بها، تعرف هذا الوجه.
"انت بتاعي يا آدم مش بتاع شيرمين."
"شيرمين حبيبتي وبس."
"انت اللي اخترت."
أطلقت طلقة، لتأتي بجسمه، شهقت جاكلين بفزع وهي تراها نفسها التي قتلت أباها.
جاكلين بخوف: سيف، سيف، دي، دي، ابعدني عنه.
لم يعبأ لكلامها، وأتى أمام أمه، أو ما سميت به، ودفعها لها.
سيف ببرود: أنا كده عملت اللي عليا وجبتها لك، تنتقمي منها بنفسي، انفردي بيها براحتك، وأنا مسافر فترة، محدش يحاول يرن عليا أو يوصلي.
قال هذه الكلمات كتهديد لجاكلين لا أكثر، متوقعاً أن تلك السيدة التي ربته هو وأخواته غير قادرة على أذية نملة، لا يعرف ما ستفعله بتلك الصغيرة التي نظرت له بعدم استيعاب ومسكت يده قائلة:
"انت رايح فين يا سيف."
نفض يدها وذهب، فأتت تذهب خلفه، لم تتركها والدته، مسكت ذراعه بقوة، أدي إلى فزع جاكلين منها، هي قاتلة، ستفعل بها البدع، فهي رأتها تقتل أباها، يليه أمها ببرود.
جاكلين برعب: سيف رايح فين، سيف، رد عليا، متسبنيش، أنا خايفة، سيف، متكرهنيش فيك، انت بتحبني صح، متسبنيش بقا، سيف، رد عليا، متروحش، والنبي، هموت لو سبتني، سيف، مليش غيرك، متتخلاش عني ذي أهلي، والنبي، سيف، دي هتقتلني، دي بني آدمة وحشة، والنبي ابعدها عني، سيف، بصلي، أنا جاكي حبيبتك، سيف، متسبنيش ليها، هي بتكرهني، هتقتلني، سيييف.
على صوتها وهي تراه يخرج نهائي ولم يستجب، وفجأة وجدت قبضة على شعرها، فتأوهت بصوت عالي.
ياسمين بحقد: بينا يلا يا حلوة.
جاكلين وهي تحاول إبعاد يدها: سبيني يا قاتلة.
ياسمين بغل وهي تذهب بها لأعلى: أنا مش قاتلة، أنا قدرك الأسود.
نورسين ببكاء: ابعديها يا ياسين عن بنتي.
ياسين بحزن: أمك وعارفها يا نورسين، مش هتسمع لينا.
سمعوا صوت صراخ جاكلين يملأ القصر، فاندفعت حالاً لحضن زوجها تبكي بفزع، أما جاكلين فلا حول لها ولا قوة، كانت تجلدها بغل وحقد وتصفع وجهها الذي يشبه أمها، حتى أنها اقتربت على تشويهه، وجاكلين كلما حاولت تجري منها تجذبها، فهي أكبر حجماً منها، حتى أنها أتت بعصا وضربت أقدامها حتى لا تقدر على السير مرة أخرى.
جاكلين بصراخ يكاد يتلف أحبالها الصوتية: سييييفي.
ياسمين وهي ترفع الصوت: هعرفك إزاي تنادي على ابني، فعلاً ذي أمه، قدر يخدعك بحبه ويجيبك ليا، أعزب.
نزلت به على جسدها لتصرخ مرة أخرى، وحين انتهت، كبلت يداها وأرجلها بالفراش، وكل يومين تعطي لها رغيف عيش وقطعة جبنة لتأكلهما حتى لا تموت.
في مكان آخر، حرر سيف تيم، الذي بدأ بالمشي بعيداً عن ذلك المخزن.
تيم بجنون: هاخدك يا جاكلين، هاخدك بعيد عنهم، هبعدك عنهم كلهم.
وفجأة هجم عليه رجال آخرون وخطفوه لمخزن آخر، كان يصرخ ليتركوه، وانتهى الأمر به مقيداً على كرسي أمام رجلين وسيدة، وجوههم شبه مشوهة من الضرب.
تيم بصراخ هيستيري: سبووووني، جاااااكليييين، سبوووووني، هاجيلك يا جاكلين، هاجيلك يا حبيبتي، جاااااكلييييين، اااااااه، هاخدك بعيد عنهم، استنيني، جاااااكليييين.
مر شهر على هذا الحال، حتى أصبحت جاكلين نحيفة بطريقة مخيفة، وتيم لا أحد يعرف عنه شيء، كان مخطوفاً من قبل ناس مجهولة، كما لم يعرف جد وجدة جاكلين عنها شيئاً، كادوا يجنون عليها، وسيف بدل أن يصبح جيداً، أصبح هشاً، يفعل المعاصي، والتي بهي شرب المشروب، ومؤيد سافر ولم يفكر بالعودة، أصبح يكره مصر بسبب سيف.
كانت تجلس نورسين مع أخاها وزوجته على الطعام وهي تكاد تموت قهراً على تلك المسكينة.
نورسين ببكاء: يعني موصلتش ليه يا ياسين.
ياسين بحزن: لا يا نورسين، وحاولت أتكلم مع أمك بس، نعمل إيه.
حالا ببكاء كـ نورسين: البنت بتموت يا ياسين، حرام وربنا، دي مفكتهاش من شهرين، البنت لسه بهدومها وبتدخلها الحمام متربطة، وأما حاولت أهربها، كانت هتموت لولا نورسين، ووشها عضم أوي ورجلها تقريباً متكسرة، بتمشي شبه المعوقين، البنت خلاص هتموت وذنبها في رقبتنا.
نظر لها ياسين وأدمعت عيناه، لم يتوقع أن تصل لكل هذا، ووقف ذاهباً وكله إصرار أن يصل لأخاه.
بعد يومان متواصلان من البحث، وصل لرقم تليفونه الجديد ورن عليه.
سيف دون التدقيق بالرقم: الو.
ياسين بضيق: أيوه يا سيف، أنا ياسين.
سيف بلامبالاة: أيوه يا ياسين، إزيك.
ياسين بعصبية: ميشرفنيش أقولك أصلاً، لأن أمثالك ميستحقوش الكلام معاهم في الأساس، أنا رنيت عليك عشان أقولك كلمتين، للحظة، حط نورسين مكان مراتك وشوف تتحمل حماتها تعمل معاها كده.
سيف بخوف: ليه، مالها جاكلين.
ياسين بعصبية شديدة جداً: مالها يا كذاب، أوي، مفكرني هصدقك ولا إيه، متعرفش اللي أمك عملته، بس لعبتكم كبرت أوي، والبنت خلاص بتموت، مش بعيد وأنا بكلمك دلوقتي تكون ماتت، فالحق لو فيها نفس، وارحموها بقا.
وقع الفون من يد سيف، غير مصدق جملة واحدة تتردد "مش بعيد وأنا بكلمك دلوقتي تكون ماتت"، جري وهو يخبرهم بضرورة تحضير طائرته في أسرع وقت.
أما هناك، فكانت تنام لا حول لها ولا قوة، أسنانها تصك من البرد، جسدها أزرق وشفتاها ليس فقط من الضرب، بل والبرودة الشديدة، لا تستطيع كرهه، لكنها وحين تركها هنا، تأكدت أنه لا يكن لها ذرة حب، يكرهها جداً، لو كان يحبها لما تركها.
ظنت أنه حين عذبها بعض أوقات كره وستنتهي، لكن في الأساس يعشقها، وكان تتأكد حين تأتي له بسيرة تيم، لكن الآن تأكدت أنه يكرهها، وهل يوجد شخص يحب ويفعل هذا؟ لربما يعتقد البعض أن هذا شيء بسيط، لكن لا يعرفون معنى هذه المأساة، أغمضت عينيها بقهر، يزداد حين تعلم أنه على علم بكل هذا، ذهبت في سبات مظلم.
منزل سيف، من سيارته يجري للداخل ودفع الباب بقوة، وبسبب جسده الرياضي انفتح، دخل ليجد نظرات متوجهة من أخته وزوجة أخاه، ليست اشتياق كالعادة أو محبة، بل إشمئزاز وقهر.
سيف بلهفة: هي فين.
نورسين بغيظ ممزوج بدموع: عايز تكمل اللي أمك بدأته.
ياسمين وهي تنزل بغرور: بنت، عيب، أنا مامتك بردك.
سيف وهو يصعد لها: فين مراتي.
ياسمين بحقد: مش مراتك، ولا في يوم هتحصل.
سيف بعصبية ونفاذ صبر: فين جاكي، ردي.
انتفضت بخوف وأشارت له على غرفتها، فصعد مسرعاً ودفع الباب يبحث عنها، وجدها على سرير، تصنم محله من منظرها، بنفس الملابس التي تركها بها منذ أكثر من شهر، وجهها نحف كثيراً كجسدها وشحب مائل للزراق، اقترب أكثر وتصنم مقيدة كالقتيلة.
بحث عن المفتاح حولها، وجده على منضدة بعيدة، أحضره وفك قيدها، شعر بها ستفتح عيناها، فذهب وتخبأ خلف جدار.
فتحت عيناها وشعرت بتحرر يديها وأرجلها، فقالت: لازم تهربي قبل ما ترجع، قومي يا جاكلين بسرعة.
جلست ونظرت أمامها، انصدمت بـ نورسين وحالا، أما ياسمين فلم تجرؤ على الصعود، وسيف أعلى.
جاكلين ببكاء خائف: سيبوني أمشي، بالله عليكم.
تألم قلبه وهو يرى شكلها، لا يتخيل ما حدث معها.
نورسين بدموع تتجدد: قومي يا جاكلين واهربي منهم، مترجعيش تاني، دول شياطين، قومي.
حالا بدموع تتساقط: أيوه، إحنا معاكي، قومي.
ابتسمت بسعادة وأتت لتقف، فوقعت وصرخت، نظر الفتاتان لبعض ثم لها، حاولت الوقوف مرة أخرى فصرخت وهي تقع.
جاكلين بصراخ: لا يا رب، رجلي، لا، لازم تهربي يا جاكلين، أو اقفي.
ووقفت رغماً عنها، تجري للخارج ثم تقع، فخرج خلفها ينظر لها بقهر وصدمة، وهو يراها تحاول الهروب، فذهب وشدها له لتصرخ بقوة.
جاكلين بصراخ مرير: لااااا، سبيييييني، سبييييييني، لااااا.
سيف بحزن طغي: اهدي يا جاكي.
نظرت له بصدمة تحولت لنظرات لم يعهدها يوماً بها، وعادت للخلف بعيداً عنه، أتى ليمسكها فصرخت:
"متلمسنيش، متقربش مني، ابعد عني، ابعد."
انخبطت في أحدهم، نظرت لتجدها ياسمين، فصرخت بفزع وذهبت خلف نورسين وحالا، الذين بكوا على شكلها، ومسكت ملابسهم.
جاكلين بجنون قلق: ابعدوني عنهم، خدوني برة، هيأذوني، مش هيموتوني، بس هيأذوني أوي، خدوني بعيد يلا بسرعة، يلاااا، شياطين دول، ابعدوني عنهم.
أتى سيف يقترب، فصرخت أشد: متقربش، انت شيطان، متقربش مني، ابعد، ابعد يا شيطان.
اقترب أكثر، فصرخت بطريقة هيستيرية: أبعد، متقربش، ابعدوه عني، ابعد.
وقعت أسيرة لذلك التعب والظلام على الأرض، فصرخ باسمها وهو يجري عليها.
ياسمين بسخرية وهي تحرك فمها: استني، هي كدة دايماً، شوية مياه وهيصحوها، أو سيبها وهي هتقوم لوحدها.
سيف بعصبية وهو يحمل جاكلين: حسابك معايا يا ياسمين هانم على اللي حصل في مراتي.
ياسمين بغيظ: متحسسنيش إني خدتها منك، مش انت اللي رميتها.
سيف بصراخ: رميتها لشيطانة، هعرفكم كلكم عشان سكتوا على المهزلة دي.
ياسين ببرود: عرف نفسك يا سيف، لولا ما كلمتك مكنتش جيت، وكان ممكن مات.
سيف بعصبية متجاهلاً كلامه: هاتيلي هدوم من بتاعتك جناحي بسرعة، ورنوا على دكتورة.
نورسين وهي تمسح دموعها: حاضر.
صعد بها لجناحه ووضعها على الفراش وذهب للحمام، ظل وقت وعاد ليسمع طرق على الباب، فتحه وأخذ ملابس من أخته وأغلقه، وعاد حملها بين يديه واتجه للحمام، جلس على حافة البانيو وبدأ يخلع عنها ملابسها كلها وهي بين يديه نائمة أو مغمي عليها، لا تفرق.
ثم وضعها بالماء الدافئ، رأى جبينها ينقبض ودموعها تتجدد رغم إغمائها، بدأ يحممها هو ويدلك جسمها برقة حتى لا يؤلمها رغم إغمائها، واستغرب عدم إفاقتها.
سيف لنفسه بتفهم: أكيد عشان الميه دافية، أحسن كدة، خليها ترتاح.
وبعد وقت كثير حملها من الماء ولف جيدها بمنشفة كبيرة وبدأ يساعدها بإرتداء ملابسها ووضعها بالسرير وغطاها، ثم رن عليهم ليرسلوا الطبيبة التي أتت مع نورسين.
سيف بجدية: افحصيها وشوفي إيه اللي منيمها لحد دلوقتي.
الطبيبة بإحترام: حاضر يا سيف بيه.
وبدأت تفحصها مراراً وتكراراً حتى انتهت وبدأ تكتب أدوية بالروشتة، ويبدو عليها الأساس.
سيف بقلق: فيه إيه يا دكتورة.
الطبيبة وهي تعدل من وضع نظارتها: إزاي حضرتك تتعرض لكل العنف ده، أنا في حياتي ما شفت كدة، سبحان الله فعلاً ربنا كبير، بعد كل ده ولسه عايشة.
سيف بعدم فهم: مين اللي عايشة.
الطبيبة بإستغراب: حضرتك متعرفش إن المدام حامل في الأسبوع الحداشر دلوقتي، والجنين مهدد بالنزول من زمان، بس سبحان الله، الظاهر ليه رغبة قوية إنه يجي، وربنا ساعده ومازال موجود.
وأردفت وهي تقدم الروشتة: دي بعض المراهم عشان الكدمات وحقن مثبتة، لازم تاخدهم قبل ما التالت يخلص، المفروض كانوا يتاخدوا بدري، وممنوع أي علاقة الأيام دي نهائي، وأنا ادتها علاج هيخليها نايمة للصبح، ويا ريت تهتموا بتغذيتها شوية لأن باين عليها ضعيفة أوي، دا غير إن نبض الجنين ضعيف أوي وبيتغذى منها وهي مفهاش حاجة أصلاً، ولازم تهتموا بنفسيتها وبلاش تزعلوها نهائي.
سيف بسعادة: حاضر، حاجة تانية.
الطبيبة بإبتسامة: أه، فيه شوية فحوصات وتحاليل تعملها وأشعة على الرحم، وأنا هتابعها بنفسي لحد أما وضع الجنين يستقر، وإن حصل حاجة كلموني، عن إذنكم.
نورسين بإبتسامة وهي تأخذ الروشتة من أخيها: اتفضلي يا دكتورة، وأنا هقول للحارس يجيب العلاج.
سيف بجدية: محدش يعرف يا نورسين إنها حامل دلوقتي، مفهوم.
نورسين بتفهم: حاضر يا ابيه.
وتركوه وذهبوا، بينما هو أغلق الباب وذهب للسرير وجذبها وحملها ليضعها على فخذه وهي نائمة، ويتأمل وجهها الشاحب، ويتذكر كلماته التي وصلت لقلبه: "حضرتك متعرفش إن المدام حامل في الأسبوع الحداشر دلوقتي".
وضع يده على بطنها وقبل جبينها وعينيها قائلاً: بتمنى تسامحيني يا جاكي، مع إني عارف إن مستحيل، ياااا رب.
رواية معشوقة المنتقم الفصل الثامن 8 - بقلم سما احمد
كانت الطبيبة تقلب التحاليل والفحوصات والأشعة التي أمامها وترفعهم لأعلى بينما جاكلين تجلس ممسكة بيد نورسين. فهي لا تخشاها كالباقي، تشعر بالرعب حين يحملها وتتحمل الآلام التي تعصف بها وتدفعه لتمشي.
سيف بقلق وهو ينظر لجاكلين: "إيه يا دكتورة؟"
الطبيبة لجاكلين: "أنتِ مش بتحسي في جسمك بوجع؟"
جاكلين وهي تخفي وجهها بنورسين: "في رجلي شوية، مش أوي. ودراعي الشمال من الكوع."
الطبيبة بنفاذ صبر: "أنتِ إيه حديد؟ يعني مش حاسة بوجع أوي إزاي؟ رجلك مردودة ودراعك مكسور إزاي ماشية بيهم ومش بتشتكي؟"
نظرت للطبيبة وابتعدت عن نورسين وعيناها مغرورقة بالدموع، فكيف لها أن تخبرها أنها رأت ما هو أصعب من تلك الآلام حتى أصبحت هذه طبيعية.
الطبيبة مكملة بحزن: "إحنا الوقتي هنجبس دراعك، أما رجلك هعمل فيها حركة صغيرة هتوجعك شوية وهتبقي حلوة."
جاكلين بخفوت: "ماشي."
سيف بجدية: "والحقنة يا دكتورة، اديها ليها."
اتسعت عينا جاكلين فمنع ضحكته ووقف، وفي لحظة كانت بحضنه. أتت لتدفعه، حاوطها بذراعيه هامساً بأذنها: "اهدي، إحنا قدام الدكتورة."
امتثلت لأمره بصمت وهي تشعر بالاختناق من رائحته التي كانت تعشقها. لو ظلت تلك الفتاة لكانت الآن سعيدة بحملها، لكن تشعر بالجمود فقط. عبأت الطبيبة الحقنة وأعطتها لها، شعر بتقلص جسمها فقبل شعرها. ابتعدت حين شعرت بخروجها وهي تؤلمها بقوة، فكانت حقنة زيتية مثبتة.
الطبيبة وهي ترمي الحقنة بالسلة: "هروح الوقتي نجهز للجبس وجاية بعد شوية."
وتركتهم وذهبت. فتحدث سيف لأخته: "نورسين روحي هاتي أكل ليكم عشان الهانم ما أكلتش."
نورسين بضحك: "واخدة بالي إنك بتوزعني، على العموم تشكر."
وتركتهم وخرجت. في نفس وقت شدة لجاكلين حتى لا تذهب، وحضنها مطوقاً إياها بذراعيه، وبدأ يدلك محل الحقنة ليري عيناها المتسعة وهي تحاول دفعه بيدها السليمة.
جاكلين بخوف: "أبعد عني."
سيف بهدوء: "اهدي، خلينا نتكلم الوقتي في حاجة أقوى مني ومنك تربطنا، وهي الجنين. لازم نعيش سوا، متفهمين؟ عشانه أكيد انتي مش حابة يعيش مع أهل منفصلين."
جاكلين بخفوت: "بشرط."
سيف بحنية: "انتي تأمري."
جاكلين بجمود: "اديني فرصة أبعد، عايزة أرجع لستي وجدي ووعد، هرجع قبل الولادة بس متسألش امته."
شعر بغصة بقلبه، سيتركها لكن مهلاً، أنت تركتها مسبقاً. اضطر على الموافقة، أما هي فكانت تريد هذه الفترة ليس فقط للتفكير بمستقبلها معه، بل للبعد. كم مؤلم أن تعيش مع شخص لديك يقين أنه يكرهك. ابتعدت عنه وجلست على الأريكة تتذكر كل لحظة معه، لن تنسى شيئاً. شعرت كم هي ساذجة.
عادت الطبيبة ومعها طبيبة عظام، ونورسين، وبدأت تفعل لها الجبس وردوا رجلها. الغريب أنه لم تصرخ كما يجب. وحين انتهوا، نزلوا ثلاثتهم للسيارة.
جاكلين ببرود: "ممكن توديني عند جدي الوقتي؟"
سيف بحزن: "ماشي."
وانطلق بها إلى الريف وهي تنظر من الشباك بشرود تام. أما نورسين فكانت معهم وتفكيرها بمكان آخر، عند ذلك الذي لا تعرف عنه شئ. حاولت الرن عليه عندما لم يفعل، وجدت فونها مغلق. هل يمكن أن يكون لا يشعر نحوها بشيء؟ هي تعشقه، لكن هو الآن أصبحت تعلم، يعاملها كأخته. لو كان يحبها لما تركها.
نورسين بدون وعي: "سيف، فين مؤيد؟"
نظر لها عبر المرآة وأردف: "معرفش، يمكن سافر."
لم تستمع جاكلين لأي من حديثهم، فهي في مكان آخر مع نفسها. ووصلوا بعد وقت. نزلت ولم تعزم عليهم أن يدخلوا، كأنها تقول لهم أن يذهبوا بلا عودة. ودخلت، استقبلها جدها وجدتها بحفاوة وقلق.
أخبرتهم أن سيف غني وخدعها، وأنها لن تسامحه. لكن لم تخبرهم أنه فعل بها كل هذا، بل قالت حادثة. وأخبرتهم أنها حامل منه، ليقرر جدها أنها ستعود له. وحتماً بما أنه لم يؤذيها، لكن تركها هذه الفترة لترتاح.
في إحدى الدول الأوروبية.
كان متجهًا إلى أحد المطاعم المشهورة من أجل عمل، فهو بدأ بتكوين نفسه وحده. فخبط في أحدهم.
مؤيد بأسف: "أعتذر سيدتي."
السيدة بابتسامة: "لا عليك صغيري."
مؤيد بضحك: "صغيرك ماذا سيدتي؟ يبدو أنه من سنك."
السيدة بضحك: "لا تبدو في سن ابني."
مؤيد بمراوضة: "وما هو عمرك سيدتي؟"
السيدة بابتسامة: "أربعون سنة."
مؤيد وهو يقدم يده: "تشرفت أولاً. ثانياً، أنا بالثامنة والعشرون، يعني قريب من سنك جداً. وأدعى مؤيد."
السيدة وهي تمد يدها: "تشرفت صغيري. أدعى سيرين."
مؤيد بضحك: "صغيرك. حسناً، هل تسمحي لصغيرك بدعوتك لتناول القهوة، وليذهب العمل للجحيم؟"
سيرين بضحك: "أوه، كم أنت لطيف. هل أنت فرنسي؟"
مؤيد وهو يشير أن يذهبوا: "لا، مصري. وأنت فرنسية، فيبدو أنك كذلك."
سيرين وهي تتعلق بذراعه بالمصري: "إيه الصدفة الجميلة دي؟ أنا كمان مصرية."
أردف مؤيد بسعادة اتجاه تلك السيدة: "بما أننا مصريين، هعزمك على أحلى فنجان قهوة في أحلى مطعم في باريس."
سيرين بضحك: "وشغلكم؟"
مؤيد وهو يضرب جبهته: "صحيح. يلا كدة كدة رايحين على نفس المطعم. وبعدين مش قولتلك سيبك."
أه، ضحكت على طريقته البلهاء، فابتسم.
في أحد المخازن.
دخلت ياسمين ببرود معتاد وجلست على كرسي أمام أربعتهم، وهم مقيدون بكراسيهم التي يحررونها حين تذهب.
الرجل بحقد: "هقتلك يا ياسمين، هقتلك."
ياسمين بإستفزاز: "تؤ تؤ، اهدي يا... سمير. مينفعش كدة. دا حتى ولادك روحهم في إيدي، وكمان بنتك يا آدم."
آدم بصراخ: "هقتلك وربي، لندمك وأقتلك."
ياسمين ببرود: "تيم، عارف مين بنته؟ جاكلين حبيبتك ومرات ابنك يا سمير. أوبس، هو أنا مقلتش إن سيف اتجوز جاكلين من تلت شهور؟"
تيم بصراخ جنوني: "وربي لأقتلك انتي وابنك الملعون، وهندمه على اللي عمله في حبيبتي."
شيرمين ببرود: "أختي هترجع يا ياسمين، أنا واثقة."
ياسمين ببرود: "خمس سنين بتقولي الإسطوانة دي، وسيرين مبترجعش. وإن سيرين مبترجعش، إزاي جاكلين هتعرف إن أخوها لسه عايش؟"
آدم بحقد: "خطفِتِ ابني من حضني وهو لسه عنده سبع سنين، ورجعتي خسرتيني شغلي، وحاولتي تقتلي مراتي التانية وبنتي، وبسببك بعدت عن بنتي، والوقتي يتأذى. جاكلين، هندمك يا ياسمين على كل ده."
ياسمين بصراخ: "كله بسببك، كله منك. أنا عشقتك انت مش سمير، كنت عايزك انت بس. انت عملت إيه؟ اتجوزت الأول أقرب واحدة ليا، وأما ماتت قولت خلاص هتبصلي، لكن لا. خدت أبلة شيرمين، وحتى سمير ما اتجوزنيش إلا بعد ما فهمته إن حصل بينا حاجة. وكرهت ست الحسن فيه، لولا كدة كان فضل مع سيرين ومبصليش. بس خلاص، قفلنا. أنا مستنية عليكي يا شيرمين، بسببهم، لولا كدة كنت قتلتك من زمان. بسبب آدم هيجي اليوم اللي هخلص فيه منكم، بس بعد أما الباشا يرضى يمضيلي على الأملاك."
سمير بعصبية: "نجوم السما أقربلك. دي أملاك ولادي ياسين وسيف ونورسين."
ياسمين وهي تقف: "يانا يا أنتم."
هنا تبدل اللعبة، بدل أن تهددهم ياسمين بحياتهم، سمير يهددها بالأملاك.
وتركتهم وخرجت. فدخل بعض الحراس وفكوهم، وحين فكروا بالهروب، كان نصيبهم الضرب. ثم خرجوا وقفلوا عليهم الغرفة الكبيرة التي بالمخزن، فاندفعت شيرمين لحضنه باكية.
"انت كويس؟"
آدم وهو يقبل جبينها: "طول ما انتي كويسة، أنا كويس."
اندست بحضنه أكثر وهم يجلسوا على الأرض سوياً. أما تيم، فدقق بملامحها، حقاً تلك السيدة الأربعينية تشبه التي جن بها. وفكرت شيرمين بـ كيف التقت بـ آدم، ولم تعبأ أنه أرمل ولديه ابن متوفي. وكما نقول أن الحب أعمى، وتزوجته بالرغم أنه يكبرها بـ خمسة عشر عاماً، وأنجبت فتاة أسمتها جاكلين. فكانت تتفق هي وأختها دايماً أن أنجبوا فتيات، سيرين ستسمي نورسين كما تحب شيرمين، وشيرمين ستسمي جاكلين كما تحب سيرين.
مرت الأيام وتحولت الأيام لسنوات، ليجدوا نفسهم يخسرون صفقات كثيرة، فاضطر آدم إلى الشراكة مع سمير لأنه قوي، ليري صدمته وهي ياسمين يعرفها. كم عرضت نفسها عليه وهم بالجامعة، وأخبرته بعشقها، وما منه إلا الرفض القاطع.
بدأت تجعل العلاقة بينه وبين شيرمين سيئة جداً، وتزرع الكره بينهم والحقد على تلك الصغيرة ذات الثلاثة عشر عاماً، ثمرة عشقهم. وعن طريق الصدفة عرفت ابنتها لتكره شيرمين. سمير أنه كسر أختها وخانها، وفوق كل هذا، اسمي ابنته كما تحب هي. وحدث ما حدث حين عرفوا الحقيقة وأخبروا سمير بها.
جلس سمير يضم رجله لصدره، شارد بتلك الحورية التي سلبت قلبه وضحكتها الطفولية. متذكر سيرين وهي تضع يدها على وجنته: "أيوة يا سمير، أنا حامل، جوايا حتة منك."
سمير بفرحة: "بتتكلمي جد يا سيرين؟"
سيرين بضحكة جذابة: "اه، وجد الجد كمان."
حضنها ورفعها يدور بها بسعادة، وحين أنزل قبل جبينها ليسمع صوت مشاكس من ابنه: "الله يسهلوا يا عم."
سمير بحدة مصطنعة: "عمي الدب، يا حيوان، غوري."
ياسين بغمزة: "ليه بس كدة يا والدي؟ وأنا عملت حاجة؟"
سيف وهو يجري لهما: "ههههههه، مبروك يا سيري. سمعت إنك حمولة."
سيرين وهي تضمه: "هههههه، حمولة أه يا حبيبي، بس مين قالك؟"
سيف وهو يبادلها: "الدادة طبعاً. هي بتحبي عني حاجة؟"
سيرين وهي تقبل وجنتاه: "حبيبي القوي مش بيتخبي عنه حاجة."
سمير بغيرة وهو يشدها: "حبك برص. انت وهي، أنا بس اللي حبيبي."
ياسين وهو يجري بعيداً عنه: "غيور أوي يا سيسو."
أطلقت ضحكة رنانة تلك الفتاة التي بالعشرين من عمرها، وتزوجت من رجل في منتصف الثلاثين، بسبب الحب الأعمى الذي لم يريها أنه أرمل ولديه طفلين، أحدهم بالحادي عشر والآخر بالعاشرة من عمره، وحملت في أحشائها جنيناً منه، رمز حب لا يعرف شيئاً سوى أنه حب.
تمردت دمعة منه، متذكر كيف أنها رأته بالفراش بجانب ياسمين، وكيف بكت كثيراً، وكانت تدفعه عنها بعصبية واشمئزاز. واضطرت أن تكمل معه بسبب واحد، وهو حملها. وأمرته أن يتزوج ياسمين حين عرفت بحملها، لحين أنجبت هي وياسمين. وللأسف مات الطفل، لتجد أن كل الأسباب محت أن تبقي معه، وتركته وسافرت سراً حين رفض أن يطلقها، تاركة إياه مع ياسمين وابنتها التي أنجبتها من خيانة. أربعة عشر عاماً يعيش مع ياسمين وأولاده، إلى حين أن كشف كل الأسرار.
رمى يمين الطلاق على ياسمين التي خدرته وخطفته، ونشرت خبر وفاته بحادثة وجثة أخرى، وضربت آدم وشيرمين بالنار أمام وحيدتهم جاكلين، وحين ذهابهم بالمستشفى، دفعت مال ليتم إشهار موتهم وتقديم جثث أخرى بأسمائهم. تسعة عشر عاماً كانت كفيلة بجعل سيف يكره سيرين، ويكون ممتناً لها، وهي تعرف مدى طيبته.
آدم بقلق لـ شيرمين: "روحتي فين يا حبيبتي؟"
شيرمين وهي تمسح دموعها التي تساقطت: "جاكلين وحشتني أوي يا آدم، أكيد زعلانة مني. أنا ياما قصرت في حقها."
شعر بغصة بقلبه وهو يتذكر كيف كانت تبكي وتشتكي من الخدم وهم لم يعبأوا، كان يرميها لأمها التي لا تهتم.
في صباح يوم جديد في الريف.
كانت جاكلين تجلس على التراس متكورة ودموعها تتساقط في صمت. البارحة رفضت أن تمكث بغرفتها، فهي تذكرها به وقضت الليل تبكي. نظرت للشمس التي أوشكت على الشروق. لم تتوقع يوماً أن تراها، فهي كسولة جداً. الأن أصبحت تخشى أن تنام لتستيقظ على دلو ثلج كالعادة المعذبة.
في الأسفل.
رباب بقهر: "منك لله يا سيف، ربنا ينتقم منك. يا ريتني ما سبتها ليك، كلب متسواش. ربنا ياخدك، تترمل أحسن من كسرتها دي."
سعدية بحزن: "استغفري يا ست رباب، هو معملش حاجة لكل ده."
رباب بعصبية صارخة: "معملش، ما هو ده اللي قاهرني. عمل إيه يخليها كدة؟ فين جاكلين اللي ضحكتها كانت بترن في البيت كله؟ البت من الفجر ع السطح بتعيط."
سعدية بحزن على تلك الصغيرة: "كل أما الدنيا تضحك ليها ترجع تاني. أنا فاكرة أما أهلها ماتوا وجت هنا، كانت عادي، وبسبب أهلها، بسبب إهمالهم، محستش بموتهم. كان شكلها شبه اليتيمة، ولقيت أهل أخيراً، عملت حس للبيت. وفي لحظة رجع البيت ميتر."
رباب بدموع تتساقط: "منك لله يا آدم يا ابني، ربنا يسامحك. معش يجوز عليك انت ومراتك إلا الرحمة."
وأكملت بغيظ وعصبية: "وانت ربنا ياخدك يا سيف."
في القاهرة.
كيف لقلب أن يعشق ويجرح؟
كيف لقلب أن يعشق ويترك؟
كيف لقلب أن يعشق ولا يهتم؟
في الجرح يثبت التملك.
أم في الترك يثبت العشق في قلب الآخر؟
أم في قلة الإهتمام يثبت العشق في قلبه؟
كانت هذه كلمات نورسين، تلك الفتاة التي يوماً ما ستصبح مؤلفة روائية مشهورة.
تأملت السماء في صمت رهيب. حقاً لا تعرف كيف أحبت شخص هكذا، لكن القلب لعين لا يفكر. تذكرت كيف كانوا يجلسوا سوياً أسفل الشجرة، وآخر مرة انجرفت مشاعره.
نورسين بعصبية: "أخويا ده بني آدم غبي، إن كان هو ولا ياسين. يا ربي، ليه ترزقني بأخوات أغبياء كدة؟ أوووف."
مؤيد بضحك: "انتي مجنونة يا بت."
نورسين بعصبية: "بتهزأ أما أبتك يا مؤيد، مسميش بت. بتضحك بكل صوته وهو يستمتع بعصبيتها اللطيفة قائلاً: "طب يا ولد اسكتي، وانتي شبه واحد صاحبي أعرفه."
جذب لياقته بعصبية قائلة وهي ترفع أحد حاجبيها: "صاحبك؟ قولتلي والله يا سي مؤيد."
مؤيد بضحكة جذابة: "والله يا ست نورسين."
نورسين بعصبية وأعينها تتسع: "متضحكش يا مؤيد."
مؤيد بضحك أكثر: "ههههههه، حاضر يا أحمد."
دفعته بغضب ووقفت لتذهب، فشدها لتجلس مرة أخرى. أتت لتذهب، فجذبها بين ذراعيه قائلاً وأنفه يلامس أنفها: "ممكن تهدى؟"
نورسين بعصبية: "ابعد يا بارد، بعيد عني. أنا شبه واحد صاحبك والله، يعني مش زي البنات الزبالة اللي في الشركة بحط أحمر وأخضر. أبقى شبه واحد صاحبك. انتم اللي رجالة معدومين النظر، وأنا مش محتاجة كل ده. أنا حلوة لوحدي أصلاً. ابعد يا معدوم النظر."
كان بعالم آخر يتابع كرزتيها وهما يتحركان، وفي لحظة نسي عهده أنها أخت صديقه المقرب، وانحنى ليصل لهما ويقبلهما بجوع. استمر لسنوات، انصدمت أولاً وشفتيه تحتل شفتيها، وحين وجدته يجذبها ويقبلها بعمق أكثر، رفعت يداها لرأسه تضمه وبادلته. لينسوا كل شيء حولهما. كلما ابتعدوا يعودوا مرة أخرى، كمن يقول هو خطأ، وبنفس العقاب، فليكن مستحقاً. ابتعد عنها ليغمض عينيه مثلها ويتنفس أنفاسها، فقال بصوت مبحوح: "بتحبيني يا نورسين؟"
نورسين بهمس: "مش بحبك، أنا بعشقك يا مؤيد."
ابتسم وأعاد شفتيها يلامس شفتيها. فوقف وجرت تاركة إياه ينظر خلفها، لكنها لم ترَ. بما لتكن هذه آخر مقابلة بين كلاهما، يليها الاتصال الذي حدثها به هكذا.
نورسين بدموع تتساقط: "يا ترى فكرني رخيصة زي البنات اللي مش كويسة، عشان كدة حب يخلع؟ يلا، الحمد لله إنها جات من الأول. من هنا ورايح..."
أكملت بقوة: "مؤيد مات يا نورسين."
ومسحت دموعها متحدثة بثقة أنها ستنساه هو وحبه.
كانت حالا تقود سيارتها كالعادة في تهور، متجهة للشركة بعد مشكلة حدثت بينها وبين زوجها كالعادة، لتصبح هذه طبيعة حياتهم. تتذكر ظروف زواجهم التي كانت عبارة عن مفروض لا أكثر، فهو لم يمسها ولا يوم منذ زواجهم. تزوجها ليبعدها عن بطش زوجة عمها وابن عمها المجنون بها. وتقع بهذا الذي ذهبت تعمل معه الآن. تركت له رسالة أنها ستذهب لبعض الوقت لخارج البلد لترتاح، وتعلم أنه لن يهتم.
حالا بعصبية: "الله ياخدك يا ياسين انت وكل الرجالة."
لم تعرف أين تذهب بسيارتها، حتى أنها اتجهت لطرق زراعية لتعلم أنها أبعدت عن القاهرة. فالتفتت حولها بصدمة لا تعرف أين هي، قائلة: "يا نهار أسود، أنا فين الوقتي؟"
وفجأة وجدت شاحنة أمامها، لتصرخ بقوة وهي تترك المقود وتتكأ على الفرامل.
رواية معشوقة المنتقم الفصل التاسع 9 - بقلم سما احمد
في احد المنازل الكبيرة جدا في الريف المصري كان يجلس رجل بمنتصف عقدة الثامن بكبرياء وهاله من الإحترام حوله.
عتمان بحدة: قولتلك روحي وقوليلها جدك اللي قولته.
رباب محاولة تهدئته: سيبها ترتاح يا حاج كمان كم يوم.
عتمان بزعيق: ترتاح إيه انتي كمان بقولك قوليلها اللي قولته، يلا يا ولية اطلعي.
رباب وهي تجلس بجانبه: يا حاج يعني ترضي جاكلين تزعل منك ومني وتقول إننا مش طايقنها؟ ليه تجبرها ترجعله؟ هي خاطرها مكسور منه واحنا كمان نزيد الطين بله.
عتمان بتنهيد وهو يمسك يدها: يا حاجة رباب، جاكلين بتحبه ولو فضلت طول عمرها بعيد مش هترجع، لازم نجبرها ترجع عشان ترجع قلبها. أنا لولا إني متأكد إنه بيحبها مكنتش قولت ترجعله وكنت طلقتها. الواد بيجي يبص عليها من بعيد ويمشي مش بيرضي يروح لها عشان متزعلش. تلت شهور قاعدة هنا بطنها ظهر عليها الحمل أوي يعني ينفع تولد هنا وسط كلام الناس.
رباب بحزن: بس يا حاج عتمان، لسة قلبها مرتحش ولسة مصفتش، إحنا يمكن كدة بنزودها عليها.
عتمان محاولة اقناعها: لا البعد بيزود الجفاء، القرب هيرجع القلوب وسيف مش عيل وهيقدر يرضيها.
رباب وهي تمسد علي يده التي علي يدها: اللي تشوفه بس اعرف قلبي مش مطمن.
عتمان وهو يقف ويهندم من جلبابه: اتفائلي بالخير هتلقيه يا حاجة. وقومي كلمي البت وأنا هكلم جوزها يجي ياخدها.
رباب وهي تقف الأخري: حاضر يا حاج، بس احضر لقمة الأول ليها أصلها يا حبة عيني أكلها قليل أوي واللي في بطنها بياخد منها.
ووقفت اتجهت للمطبخ، بينما اتجه عتمان لغرفتة.
***
في القاهرة، نزل من جناحه مرتدي حلي رسمية سوداء ويرفع شعره بأناقه ويضع برفانة الذي يأثر. جلس بكبرياء معهود علي الطعام.
سيف ببرود معتاد: صباح الخير.
الكل بهدوء (اخاه وزوجته واخته وزوجة والده): صباح النور.
بدأ يأكل طعامه وكذلك الكل، انتهي وكان سيذهب فأوقفته والدته أو ما تسمي به قائلة بحدة: مراتك هترجع إمتى؟ سيف إيه وكالة من غير بواب ولا مفكرة نفسها متجوزة رجل كرسي.
سيف بحدة وهو ينظر لها بأعين مخيفه: مراتي حرة ومحدش ليه دعوة بيها، أما تحب ترجع الباب ده مفتوح ليها العمر كله ومحدش يقدر يتكلم ولا يحاسبها، مفهوم.
نورسين اخته بتوتر محاولة تهدئته: ماما مش قصدها يا أبية، إنت عارف إنه عايزة سعادتك.
سيف وهو ينظر لها: لو عايزة سعادتي مكنتش عاملت مراتي وحش، بس الغلط مش عليكم.
ياسمين بسخرية: وانت اللي كنت ملاك في حقها أوي.
وتركهم وذهب متجه لسيارته ليقودها وحولة أربع سيارات حراسة لترن ضحكتها بأذنه.
جاكلين وهي تشد يده: ههههههه ارقص معايا يلا يا سيف بطل غرور ورزانه مملة. عارف يا سيف انت حنين أوي وأنا بحب حنيتك أوي أوي.
سيف: انتي أحلى حاجة حصلت في حياتي، أنا بموت فيك يا سيف.
ضرب المقود بقوة يلعن غروره ورغبته في الإنتقام الذي أدت به إلى ذلك، فسمع رنين فونه التقطة وأجاب.
عتمان بود: ازيك يا والدي.
سيف بقلق علي جاكلين: بخير يا حاج، خير. جاكي كويسة وابني.
ابتسم عتمان رغما عنه قائلا: بخير، مستنينك تيجي تاخدها النهاردة بإذن الله.
سيف بفرحة عارمة: حاضر يا حاج هاجي ومش هتأخر.
عتمان بجدية: متكسرش بخاطرها كمان المرة دي يا سيف يا ابني، وخدها على قد عقلها دي هبلة وطيبة والله وبتحب.
سيف بجدية: مش هيحصل يا حاج، وجاكي في قلبي قبل عيني.
عتمان بإبتسامه: وهو دا العشم بردك يا ابني.
وأغلق معه، بينما توجه سيف للريف بدل من الشركة والحراسة تلحقه دون سؤال وبإحترام.
في منزل السيوف، استيقظت بطلتنا من النوم شاحبة كالعادة، عابسة لا يخرج من أفكارها أبدا ولا يتركها.
جاكلين بدموع تتجدد: يا ريت كنت حبتني يا سيف نص الحب اللي أنا حبيته ليك، ليه كدة ليه تعلقني بيك وتسرق قلبي وحياتي وبكل سهولة تقول بحبك؟ لو بتحبني فعلاً مكنتش اتجوزتني من الأول، كله كذب، وعودك كذب، كلامك كذب، إنت أكبر كذاب.
سمعت صوت طرق على الباب فعلمت أنها جدتها، سمحت لها بالدخول فدخلت لها بالطعام.
جاكلين بتأفف: يوووه يا ناناه، قولت مش عايزة أكل.
رباب بحزن: كدة يا جاكلين تكسري قلبي، أهون عليكي؟ دا أنا عاملة الأكل بإيدي، فين أيام زمان لما تقعدي جنبي وتقولي اعمليلي الأكل بإيدك ياستي؟ الظاهر معتيش بتحبيني ولا بتحبي أكلي.
جاكلين وهو تذهب وتحضنها: اه منك يا رباب، وإنتي بتيجي عند نقطة ضعفي وتضغطي أوي. اقعدي ناكل سوا وعدي الجمايل.
رباب وهي تقبل كتفها: قلبك كبير أوي يا جاكلين، ربنا يصلح حالك ويسترك قادر يا كريم. يلا ناكل سوا.
تناولت جاكلين القليل جدا مقارنة بطعامها سابقاً مع جدتها وهي تشعر أن الطعام لا يبتلع، تتذكر كيف كانوا يسرقوا النظرات لبعض خلسة، كيف كانت تنظر له كثيراً وهو عصبي.
تمردت دموعها وهي لا تدري بما حولها، وفجأة وجدت يد تمسح دموعها، فنظرت لجدتها وتنفست الصعداء.
رباب بحزن على حزنها: إنتي كويسة يا جاكلين.
جاكلين بصوت مبحوح: آه يا ناناه.
رباب وهي تمسد على فخذها: طب اسمعيني يا جاكلين.
جاكلين بإستغراب: خير ياستير.
رباب بتنهيد حزين: جدك قرر ترجعي لجوزك يا جاكلين، ورن عليه هيجي ياخدك النهاردة، ومتقطعنيش يا جاكلين لو سمحتي، إنتي اتجوزتي سيف بإرادتك وجدك مكنش عايزة، لا هو ولا تيم، بس إنتي قولتي بتحبيه وهتهربي معاه وهددتينا، فاتحملي نتيجة غلطك. ولو مش عشانك عشان اللي في بطنك ابنه وابنك يا جاكلين، إنتي أقل من تلت شهور وهتولدي، يبقى الأحسن متعمليش في ابنك اللي اتعمل فيكي وعيشيه كويس وسط أب وأم، اهتمي بيه وعوضيه عن اللي اتعمل فيكي، على الأقل لما تموتي إنتي وأبوه ميحسش باللي حسيتي بيه.
نظرت لها جاكلين ثم وقفت واتجهت للشباك تنظر للخارج وتبكي بشدة، تبكي على حبيب خادع وأهل غادروا وجد قاسي، لتصبح الدنيا سوداء بوجهها.
أما رباب تنظر لها بحزن على كتلة المرح الضاحكة التي كانت بالمنزل، لتتحول لكتلة حزن وبؤس. وقفت ووضعت يدها على كتف جاكلين.
رباب بحزن: خلاص يا بنتي بطلي بكي، قدامي كدة.
جاكلين وهي تمسح دموعها: موافقة يا ناناه، قولي لجدي موافقة. هههه، بس موافقة على إيه؟ هو أنا ليا رأي أصلاً؟ آه دا بعتك تقوليلي.
رباب على شعرها بحزن قائلة: إنتي أقوى من كدة يا جاكلين، قومي وجهزي نفسك، جوزك جاي ياخدك. قابليه بإبتسامة، متبوزيش في وشه، قومي ربنا يصلحلك الحال.
جاكلين وهي تقف: حاضر.
واتجهت جهزت شنطة ملابسها بهدوء مميت، فنظرت لها جدتها بإستغراب وصدمة من مسالمتها الغير معتادة، أما جاكلين كانت تفكر كيف ستعيش معه، كانت تؤجل تلك اللحظة لكن الآن حسم الأمر ويجب أن تذهب، تذهب لتعيش مع قلب لم يكن لها ربع الحب الذي أحبتها له، قلباً هشّمها لفتات.
وصل سيف لمنزلهم ونزل وخلفه حراسة الذين ظلوا بجانب سياراتهم، فأتجه لمنزلهم برزانه واستقبله عتمان بحفاوة، بينما هو متلهف على رؤية جاكلين.
عتمان وهو يجلس: منور يا ابني، اتفضل اقعد.
سيف بحمحمة: فين جاكي.
عتمان بإبتسامه: في أوضتها في الدور الثاني، أول أوضة على إيدك الشمال، اطلعلها.
في الأول استغرب كيف تغيرت غرفتها، سرعان ما ابتسم سيف وصعد يعد الخطوات حتى وصل غرفتها، طرق الباب لم يجب أحد، ففتح الباب ودخل ليستنشق عطرها الذي عم المكان، فذهب للمرآة وبدأ يعبث بأغراضها، شعر بباب الحمام يفتح، فنظر خلفه وجدها تخرج تنشف شعرها مرتدية بنطلون جينز وبلوزة بكم واسعة تخفي بطنها البارزة بسبب الحمل، نظر لبطنها بحنية، لكن نظر لوجهها بحزن شاحبة وضعيفة ولا توجد نظرة السعادة المعتادة، ولكن اعتاد على هذا منذ أن حدث ما حدث.
سيف بابتسامة جانبية: جاكي.
رفعت نظرها له وأوقعت الفوطة وتمردت دموعها، فذهب مسرع لها وكور وجهها بين يديه.
سيف بخوف: بتعيطي ليه يا قلب سيف.
لم تجب بل زاد بكائها، فجذبها لحضنه لترفع يدها وتحاوط خصره تتمسح به كالقطة وتستنشق عطره، فلف يده حولها ظناً أن كل شيء سيسير على ما يرام، وبعد وقت بعد وجهها حين صمتت فوجدها ما زالت تتساقط دموعها.
سيف بحزن: كفاية يا قلب سيف وسامحيني بقى.
جاكلين بشهقات: ممكن أطلب منك طلب.
سيف بإبتسامة هادئة: عينيا ليكي.
جاكلين وهي تبعد يده: مش عايزة أرجع فيلتك، عند أهلك خدني لأي مكان تاني، حتى لو أوضة، المهم مرجعش الڤيلا دي تاني والنبي.
سيف بإستغراب حزين: ليه يا جاكي.
جاكلين بإندفاع: عشان أنا بكره الڤيلا دي وبكره كل اللي فيها ومش عايزة أرجعله. شوفت فيه أسود أيام ومستحيل أنسى، مش عايزة أرجع ڤيلا مليانة سواد، عيشت فيها قهر وظلم وعذاب.
سيف بحدة: لمي لسانك يا جاكي، لولا ما حبيتك كنت وريتك القهر والظلم والعذاب اللي بجد.
جاكلين بقهر ودموع تتساقط: وريتني ليه؟ كان فيه أكتر من اللي وريتهولي يا سيف؟ وحب إيه؟ إنت إزاي مقتنع إنك بتحبني أصلاً؟ رد عليا، لو بتحبني مكنتش اتجوزتني ووهمتني بحبك، مكنتش عذبتني ولا سافرت وسبتني لأمك اللي كانت تنيمني باليومين من غير أكل.
ذهب لها بنفاذ صبر، مسك فرشاة وبدأ يمشط شعرها وهو أمامها محاوطها بيداه ينظر لوجهها وهي تتساقط دموعها بصمت، فانتهى وسحبها خلفه، لكنه وقف ومسح دموعها ثم نزل ومعه حقيبتها وأخذها في صمت، لم يسمح لأحد بتوديعها.
سيف بجدية: اركبي.
ركبت السيارة فأغلق الباب خلفها وجلس بجانبها، وجدها تسند على الشباك في صمت رهيب، بدأ يقود في صمت. وبعد وقت كثير كان يمشي في طريق الڤيلا فبكت.
جاكلين ببكاء مرير: بلاش الڤيلا يا سيف بالله عليك.
ومن كثرة بكائها والشهقات المتتالية لم تقدر على التنفس، فأوقف السيارة بفزع وجذبها بخوف لحضنه.
سيف بقلق: جاكي، اهدي يا حبيبتي عشان خاطري.
جاكلين بأنفاس شبه محسوسة: مش عايزة أروح.
سيف وهو يجذبها أكثر لحضنه: حاضر، بس اهدي، مش هنروح الڤيلا يا حبيبتي، بس اهدي عشان خاطري.
أومأت برأسها وهي تحاول التنفس، وأنفاسها تلفح عنقه.
سيف بخبث محبب لقلبها سابقاً: مش هنمشي ولا ناوية تفضلي كدة في حضني؟ أنا كسيف معنديش مانع، بس الناس أكيد عندها.
أبعدها عن عنقه ليرى وجنتيها الحمراء، فابتسم واقترب ليقبلها وهي مستسلمة، ليس حباً بل واجباً له، وفي لحظة كان سيقبلها وجد خبط على الشباك، فأبتعد بضيق وفتح الزجاج المظلم.
الحارس بإحترام: في حاجة يا سيف بيه.
سيف بحمحمة وضيق: لا مفيش، هنغير اتجاهنا للبرج.
الحارس وهو يحني رأسه: أمرك يا سيف بيه.
وتركه وذهب، فنظر لجاكلين وجدها تنظر للشباك في صمت رهيب، فقاد سيارته متجهاً للبرج.
سيف لنفسه بحزن: شكلي خسرت كتير يا جاكي، لو الزمن يرجع مكنتش سبتك وبعدت ولا عذبتك واغتصب... يا رب أنا ندمان، رجعلي اللي خسرته ومش هكرره.
لمح محل آيس كريم فأوقف السيارة ونزل متجهاً للمحل، أحضر واحد بنكهتها المفضلة الشيكولاتة ورأى غزل بنات فأحضر أيضاً وذهب للسيارة وجلس بجانبها.
سيف بحنية: جاكي، جاكي.
جاكلين وهي تنظر له: نعم.
سيف بابتسامه: جبتلك آيس كريم وغزل بنات، مش بتحبيهم، خد.
أخذتهم منه وبدأت تأكل الآيس كريم في صمت، فأستغرب، لا انصدم، لم تفرح كالعادة، ولم تقبله، لم تضمه، ولم تعلو ضحكاتها للشيء الذي بالنسبة لها أغلى وأفضل من الذهب والماس والياقوت، بل وجد دموعها تتساقط وهي تأكل غزل البنات خلف الآيس كريم.
سيف بقلق: جاكي مالك بتعيطي ليه؟ أنا عملت حاجة الوقتي زعلتك.
حركت رأسها علامة الرفض.
سيف وهو يدير ذقنها: اومال في إيه؟ الآيس كريم طعمه وحش؟ طب الغزل بنات؟
جاكلين ودموعها تتساقط أكثر: لا، بس مش بحبهم.
سيف بصدمة: نعم! إنتي كنتي... طب ليه أكلتيهم؟
جاكلين وهي تنظر لعيناه: عشان دا المفروض.
نظر لها لوقت ثم عاد يقود، أما هي سندت على الشباك لتذهب في ثبات عميق طويل.
فتحت عيناها ونظرت حولها، وجدت نفسها على السرير بمنزل غير ذلك القديم اللعين، فتذكرت أنها نامت بالسيارة. جلست ونزلت من على السرير، تمشت بالمنزل الكبير جداً، وسمعت صوت في المطبخ فذهبت له ودخلت.
جاكلين بإستغراب: بتعمل إيه؟
سيف بابتسامه: مساء الخير الأول.
جاكلين بإبتسامه: مساء النور.
اقترب وانحنى قبل وجنتها مطولاً ثم ابتعد غامزاً لها بعينه قائلاً: بعمل أكل جاكي المفضل، تعرفيها.
جاكلين بشرود: آه أعرفها، قبل ما تموت.
نظر لها بصدمة، فنظرت له وابتسمت، أما هو ابتدي بوضع الطعام قائلاً: يلا اقعدي كلي، متأكد هتحبي الأكل.
بدأت تقلب في الطعام بلا رغبة به، واتت لتأكل فقال: جاكي في إيه.
جاكلين وهي تنظر له: مش عايزة أكل من ده.
سيف بإستغراب: ليه؟ إنتي بتحبيه أوي.
جاكلين وهي تترك الملعقة: كنت...
سيف بصدمة: كنتي؟ طب بتاكلي ليه؟
جاكلين وهي تنظر لعيناه: عشان ده المفروض.
سيف وقلبه يؤلمه متجاهلاً ما قالت: طيب بتحبي تاكلي إيه؟
وقفت وفتحت الثلاجة وأخذت قطعة جبنة ثم أخذت رغيف عيش وجلست تأكل وهو يتابعها بزهول وصدمة، يعلم مدى حبها للطعام والآن كيف هذا يجعلها تعيش هي والجنين. انتهت من نصف الرغيف ووقفت اتجهت له وقبلت وجنته بتمهل ثم ابتعدت.
جاكلين بإبتسامه: شكراً إنك تعبت نفسك وعملت أكل.
تركها ووقف، ذهب للخارج، فعادت لغرفتها بعدما ضبطت الطعام وغيرت ملابسها وتمددت على السرير في صمت وملل. كان سيلحقها ليجبرها على تناول الطعام، لكن مهلاً، ستظن أنه لأجل الطفل فتمتثل لأمره. تركها كما تشاء.
ذهب بسيارته مسرعاً كالبرق واتجه للڤيلا، نزل بعصبية مفرطة واتجه لأمه التي تجلس على الطعام مع أخاه وزوجته واخته وضرب المنضدة أمامها.
سيف صارخاً: عملتي إيه في مراتي؟
ياسمين بفزع: مالك يا سيف؟ في إيه؟
سيف بصراخ أقوى: بقولك عملتي إيه في مراتي؟ وصلها لكدة؟ ردي وإلا وربي هنسى إنك أمي وهنتقم من الكل، كلكم لأنكم كنتم ساكتين.
نورسين بعصبية وهي تقف، فهي من تستطيع الوقوف أمام وجهه: إنت هتحط الحق علينا؟ متبص لنفسك الأول، إنت ناسي يومها قعدت تترجاك إزاي؟ قعدت تقولك رد عليا متسبنيش، أنا خايفة، متكرهنيش فيك، إنت بتحبني صح؟ متسبنيش بقى رد عليا، متروحش والنبي هموت لو سبتني، سيف مليش غيرك، متتخلاش عني زي أهلي، والنبي! شوفت أنا حافظة كلامها بالنص إزاي؟ وكلنا كدة، بس يا ترى إنت حافظة؟ فاكرة لو قعدت شوية كنت هتسمع صوت صراخها وأمك من غير رحمة تجلدها وضربتها بعصاية على رجليها عشان متمشيش؟ عارف يا سيف أنا لحد الآن بحقد عليك وعلى أمي بسببها، حذرتك حذرتك كتير وإنت إيه اللي عملته؟
سيف بزعيق: ليه كل ده؟ عملتي كل ده ليه؟ ردي عليا. حرام عليكي، بتعذبي وأنا بشوفها مبتضحكش، بتعذب وأنا بشوفها بتتعذب، بتعذب وأنا بلقيها بتكره كل الأكل اللي في الدنيا. أنا همشي ومعتش راجع، خلي الانتقام ينفعك.
ياسمين بعصبية: هي هتاخدك مني.
سيف بعصبية: زي ما إنتي خدتيها مني.
وتركهم وذهب، وكلام أخته يتكرر بأذنه، وأيضاً ترجيها بأن لا يتركها، قاد سيارته لشركته، ظل يعمل حتى وقت متأخر حتى لا يفكر بها.
عاد للمنزل في الليل، فتح الباب ودخل يبحث عنها بالشقة الكبيرة هذه، فهي قمة البرج، حتى وجدها تنام مستيقظة شاردة بالسقف ويدها على بطنها البارزة، فذهب وجلس بجانبها، لم تشعر به، فتمدد بجانبها ونفخ بأذنها فشهقت.
سيف وهو يقبل جبينها: منمتيش.
جاكلين وهي تنظر له: كله.
سيف بلامبالاة وهو يتمدد على ظهره: في الشركة.
جاكلين بإبتسامه: كدة.
سيف بإستغراب: كدة إزاي؟
ردفت وهي تشير لملابسه: ببنطلون جينز وتيشيرت.
سيف بلامبالاة: آه عادي.
وأردف بصراخ حين فهم مقصدها: إيه! أنا رحت كدة إزاي؟
رغماً عنها ضحكت ضحكتها المعتادة التي تطرب أذانه، فابتسم بسعادة، لتعود لنفسها وتصمت، فاختفت ابتسامته وهو يتذكر حديث أخته، ليتردد سؤال بأذنه وهو كيف لها أن تعيش معه بعدما حدث هذا منه ومن عائلة، يقسم أن كانت فتاة غيرها لكانت أذاقته من العذاب ما لم يره.
عادت شاردة كالمرضى تنظر للشيء، أما هو فأعاد خصلات شعرها وقبل عنقها وجذب خصرها ليلتصق ظهرها بصدره.
سيف بحنية: سامحيني يا جاكي، وارجعيلي.
جاكلين وهي تمسد على يده: أنا معاك أهو.
سيف بحزن وخنقة: لا مش معايا.
جاكلين بقهر: بالعكس، أنا معاك بس مش مع نفسي، أنا ضعت من نفسي.
لم يجد الكلمات، فزاد من ضمها له ولم يتحدث.
رواية معشوقة المنتقم الفصل العاشر 10 - بقلم سما احمد
كانت تجلس وتضم أرجلها لصدرها بصمت، شاردة في ملكوت آخر خاص بتلك الثلاثة أشهر الذين مروا وفيهما حدثت الحادثة.
شعرت بالباب يفتح ودخل هو وجلس بجانبها.
"حالا، مالك؟" سأل ياسين بهدوء وهو يضع يده على كتفها.
سندت رأسها على كتفه بصمت، فاستغرب من حالها، فلم تعد كما كانت تفعل المشاكل.
"طيب قوليلي، عملتي إيه في التلت شهور؟" قال ياسين بحنية وهو يلمس وجنتها.
تمردت دمعة منها، فبلت يده. ليضغط على كتفها كأنه يدعمها، قائلاً: "قوليلي، مش أنا صاحبك بالرغم من مشاكلنا؟"
"مخنوقة أوي يا ياسين،" قالت حالا بصوت مخنوق.
"دا كله عشان سبتك تلت شهور، أومال لو كانوا سنة كنتي متّي!" قال ياسين بمرح.
ابتسمت بخفة، فضحك مكملاً: "قومي يلا كدة نروح الشغل سوا."
"يلا يا قلبي،" قالت حالا بابتسامة.
"قلبي؟ لا كدة كتير على قلبي!" قال ياسين بمرح.
ضحكت رغماً عنها بكل صوتها، ووقفت. دخلت غرفتها وبدلت ملابسها. لبست بنطلون أبيض ضيق وبلوزة نبيتي وجاكت جلد أبيض، ترفع كمه لمنتصف ذراعها وتربط شعرها عالياً.
خرجت، فوجدته يقف ببدلة رسمية سوداء. نزلوا سوياً لأسفل ليجدوا ياسمين تجلس وحدها، وأعينها تشتعل بعصبية.
"رجعت يعني، رجعها وخدها للبرج ومجبهاش هنا. ماشي يانا يا انتي يا بنت شيرمين، هجيبك وهعرفك. وهيجي اليوم اللي أقتلك انتي وحبيب القلب وأهلكم،" تمتمت ياسمين لنفسها بحقد.
"ياسمين هانم، إحنا ماشيين،" قال ياسين ببرود.
"على فين العزم؟" قالت ياسمين بغيظ من هذا أيضاً.
"على الشركة،" قال ياسين وهو يشبك أصابعه بأصابعها.
وشد حالا وخرجوا سوياً للسيارة. قاد هو وهي بجانبه تنظر للخارج بشرود.
نزل شاب من الشاحنة بعدما تفاداها، وجرى للسيارة يتمتم بشتائم. إن أوقع تلك في طريقه، وجدها مغمى عليها ورأسها ينزف. فحملها بين يديه وذهب لمنزله القريب جداً. وضعها بالفراش ورن على الطبيبة لتأتي وتضمد جرحها.
حتى استيقظت ولم تجد أحد معها.
"آه، أنا فين؟" قالت حالا وهي تمسك رأسها.
ونظرت حولها لتتذكر كيف أنها خبطت بالرمال وليس بالشاحنة. فوقفت ومشت حافية للخارج، وجدت شاباً ذا عضلات قوية يمسك فيما يسمّى بالفأس، ويحفر الأرض الزراعية بتلك المزرعة الجميلة. نظرت حولها بسعادة حقيقية وشيء مختلف. شعرت وأن أحدهم رماها في قطعة من الجنة. لتفكر: ماذا يحدث إن عاشت هنا للأبد؟ حقاً مكان رائع.
قاطعها صوت رجولي قوي يجعل القلب يخفق: "عامله إيه دلوقتي؟"
شهقت بخضة ونظرت له قائلة بتوتر حقيقي: "انت مين؟"
"مش مهم، انتي اللي مين؟" قال الشاب بضيق.
"أنا... أنا مش عارفة أنا مين،" قالت حالا بتوتر وتفكير.
"نعم؟ مش عارفة؟ إزاي؟" قال الشاب رافعاً حاجبه.
"مش عارفة يعني مش عارفة أنا مين،" قالت وهي تعض على شفاها ونظرت للأرض.
"ولا حتى اسمك؟"
"ولا حتى اسمي،" قالت حالا بخبث.
تأفف الشاب، فيبدو أنه عصبي جداً. وبرزت عروقه بطريقة أخافتها هي شخصياً. وبدأ يقص لها الحادث. فقالت بحزن مصطنع: "طب أنا مين دلوقتي؟"
"بصي، إحنا نسميكي أي اسم لحد أما نشوف هنعمل إيه في بلوتك دي،" قال الشاب بتفكير.
"تقصد إنّي بلوة؟ ما انت اللي كنت هت...!" قالت حالا بعصبية.
"خلاص، اقفلي!" قال الشاب بنفاذ صبر.
صمتت وهي تلعب بقلادة برقبتها. قفال. وهو يتمعن بالقلادة: "هالا. اسمك هالا."
"نعم؟ إشمعنا؟" قالت حالا عاقدة حاجبيها.
"مكتوب بالإنجليزي،" قال الشاب وهو يشير للقلادة.
نظرت للقلادة بضيق. "آه، هناك من تسمّى بـ 'حالا'. حسناً، لا يهم."
مر أسبوعان وهي تمثل هذا. كانت تعيش مع بعض العمال بالمزرعة بمنزله. وجدت منه الاحترام. وعرفت اسمه أخيراً: خالد. وهو بدأ في الخلود بالقلب حقاً. لأول مرة يطرق قلبها لأحد.
استيقظت في يوم وخرجت، وجدته يعمل بالأرض الزراعية دون قميص، فكان عاري الصدر ويتصبب منه العرق. ذهبت خلفه.
"ربنا يعينك،" قالت حالا بابتسامة.
"شكراً. إيه اللي مقومك بدري؟" قال خالد ببرود معتاد.
"عادي يعني، مش عشان حاجة،" قالت حالا بتعلثم، فهي استيقظت لتراه.
"وهتفضلي كتير تمثلي إنك فاقدة الذاكرة؟" قال خالد بهدوء.
شهقت وهي تضع يدها على فمها. كيف عرف؟
استيقظت من ذاكرتها على صوت السيارة. فنظرت لياسين وسندت على كتفه. استغرب حالها الجديد، لكن لم يهتم.
في فرنسا.
وضعت كأس العصير من يدها ونظرت للبحر بشرود تام، قائلة: "بس يا سيدي، ودي هي حكايتي."
وضع يده على يدها ورفعها لفمه وقبلها، قائلاً: "مش عايز أشوفك زعلانة يا سيرين."
"مش زعلانة، بس أنا حبيته بج...!" قالت سيرين وهي تمسح دمعة تمردت.
"وأنا حبيتك يا سيرين،" قال مؤيد بحب.
"وأنا حبيتك يا سيرين،" سحبت يدها من يده كمن لدغتها عقرب من جملته، فأكمل: "أيوه يا سيرين، بحبك وعايزك. مستعد أحققلك كل اللي تتمنيه، بس اطلبي. انتي ومش هاممني فرق السن، أنا عايزك انتي."
"مؤيد، انت سخن؟ بتتكلم كأن اللي بينا سنة أو اتنين، مش اتناشر سنة. عبيط انت؟" قالت سيرين بزهول.
"مش عبيط يا سيرين، وأنا واعي كويس أوي. هساعدك تنتقمي. وبما إن جوزك مات، هنتجوز. ووعد، مش هتجوزك إلا وأنا متأكد إن حقك رجعلك من ضرتك."
"قوم يا مؤيد وبطل هبل. الظاهر إن تفكيري إنك هتبقى سند وأخ صغير كان غلط،" قالت سيرين بحدة.
"بقولك بحبك يا سيرين، افهميني،" قال مؤيد وهو يقبل كلتا يداها.
نظرت لعيونه وتمردت دموعها. تري عيون ذلك الرجل الثلاثيني بهما. وقفت وجرت، تاركة خلفها شاب زرع الحب اتجاهها، ناسياً حب تلك الفتاة التي كان يتنفسها، أو لم ينسها، بل وجدها بأحدهم. وحتى لا يضيعها مرة أخرى، تعلق بهامش.
في القاهرة.
تحديد البرج.
لم تتحرك أنش ولا تفكر بشيء، فقط تتذكر الماضي المؤلم منه. فقط كيف تغلبت على موت أهلها ولم تختفي ضحكتها. وأيضاً، لا تهتم بما فعلته بها ياسمين، ولا حتى هو. كل ما يؤلمها هو عدم حبه لها. هي تعشقه، وهو لا. أسوأ ما فعله أنه تخلى عنها. لا تصدق حين يقول لها أحبك، ولن تفعل. إذا أحبها، لم يكن ليتركها وحدها، ولم يكن لينتقم منها على سبب تجهله حتى الآن.
رأت وجهه أمام وجهها، فأبتسمت له. أما هو، بعد خصلة شاردة من شعرها، وانحنى قبلها من شفتيها بعشق، فبادلته وهي تضع يدها بشعره.
"آه سيف،" قالت جاكلين بهمس قاتل.
كان قد ابتعد حين سمع اسمه. عاد يقبلها بنهم، ويده تتجول على جسدها. أما هي، فبين يديه في عالم آخر. ابتعدت هي، فهمهم بإنزعاج. ابتسمت.
"حاطة عليهم إيه؟" قال سيف بهيام.
"سيف،" قالت جاكلين بخجل.
"لا والله، طعمهم مش طبيعي. تعالي كدة أتأكد تاني."
"سيف،" قالت جاكلين ووجنتاها تكاد تنفجر.
"بس،" انحني وحملها بين يديه واتجه للأريكة. جلس ووضعها بحضنه، وغرز يده بشعرها، وأنهل على شفتيها يتذوقهم بتمهل. وحين وجد تنفسها يهدأ، ابتعد يبتسم.
"أنت قليل الأدب،" قالت جاكلين وهي تدفن وجهها بين ثنايا عنقه.
"بس،" قال سيف بسعادة أنه يمكن أن يعود.
"ههههههه، عارف."
لم تتحدث لوقت. ظلت صامتة، ثم قالت: "ممكن أطلب منك طلبين؟"
"اطلبي،" قال سيف وهو يقبل جانب جبهتها.
"ممكن أروح الجامعة تاني؟ مش عارفة إزاي، بس مش عايزة أقعد. وعايزة أتدرب في شركة زي ما انت عارف، أنا في تجارة وبحاجة لتدريب."
"الجامعة، ماشي. هنقلها بمعرفتي. التدريب، استني عليه شوية،" قال سيف.
"ماشي،" قالت جاكلين بلامبالاة.
وضع أنفه بجانب أنفها وسار يحركه يميناً ويساراً، وكذلك أنفها، قائلاً: "اتغيرتي ليه يا جاكي؟ فين جاكي العنادية المجنونة؟"
"قولتلك ماتت. انت مصدقتش،" قالت جاكلين ببرود.
"إزاي وهي في حضني؟ إزاي؟ قوليلها ترجع. قوليلها بحبها."
"كذاب! بتكذب! أنا حبيتك وبحبك، بس انت في حياتك ما هتحبني. وبدعي ربنا يبعتلك اللي توجع قلبك زي ما وجعت قلبي. مفكر عذاب أمك اللي وجعني؟ لا، كسرتك لقلبي هي اللي وجعتني يا سيف. ومستحيل أنسى، حتى لو نسيت، ده هيفكرني."
وقطعت ملابسها من عليها، صارخة بقوة وهي تضرب وجهها بقوة: "ده هيفكرني! هيفكرني بندائي عليك وأنت مردتش! هيفكرني برجلي اللي اتكسرت! هيفكرني بصوتي اللي راح! هيفكرني!"
كان مصدوماً من شكلها وهي تضرب وجهها. سرعان ما اقترب وكبلها وهي تحاول الوصول لوجهها مرة أخرى.
"سبني يا سيف! سبني أريح نفسي! قولك اقتلني يا سيف! ريح قلبي! أو سبني أولع باللي في بطني! أنا كرهته وكرهت نفسي!" قالت جاكلين بصراخ.
توقفت عن الصراخ وبدأت وتيرة بكاء مريرة، وهو يحضنها، يود إدخالها بأضلاعه، يود أن ينهي عذابها.
في الشركة.
وصل ياسين ومعه حالا ودخلوا، وهو يحاوط خصرها. وهمس بأذنها: "شايفة العيون عليكي كتيرة. نقي بس."
ضحكت رغماً عنها، فابتسم غير عابئ لتلك العيون التي تشعر بالغيرة تجاهه. فوقع نظره عليها، لترى عصبيته منها. مشكلة بسيطة مما أنَّها تحدثت مع زميلها. أشاح بنظره عنها.
"ماهي مين الجديدة؟" قالت حالا بهمس.
"هبعتلها أما ندخل،" قال ياسين بهمس.
نظرت له وابتسمت، فهو حين عادت أخبرها بحبه لتلك الفتاة التي تعمل معهم، وأنه تزوجها سراً، لكن لم يأتي بها الفيلا. وهي قبلت الأمر، فهو كصديقها بالرغم من مشاكلهم الكثيرة. جلست معه بنفس المكتب، وهو يعيد شرح لها العمل، فهي أخبرته أنه نسى كثيراً.
"بس يا ستي، حاجة تانية؟" قال ياسين بتنهيدة.
"لا، مفيش. ابعتلها بقي تيجي،" قالت حالا نافية.
"بس بشرط،" قال ياسين بتمعن.
"شرط إيه؟" قالت حالا باستغراب.
"إيه اللي حصلك في التلت شهور؟" قال ياسين وهو يذهب ويشدها لتقف أمامه.
تمردت دموعها وسندت على كتفه، وبدأت تقص له ما حدث معها تحت ذهوله، صدمته، استغرابه.
"نعم؟ يعني...؟" قالت حالا بصدمة وتوتر وهي تعض على شفاها السفلية.
"اتكلمي! عملتي كدة ليه؟ مخوفتيش مني إن أؤذيكي مثلاً أو أعمل فيكي حاجة غبية؟ انتي أي حد كدة ولا انتي أصلاً واحدة مش...!" قاطعها خالد بحدة.
"متكملش لو سمحت. الظاهر كنت غلطانة لما صدقت تيته الله يرحمها وهي بتقولي إن عمال الريف طيبين وأصحاب واجب. أنا فضلت هنا لأني وثقت فيك، راجل شهم، وأكيد مش هتؤذيني. ولو وحشة مكنتش هفضل مع واحد مزرعته مليانة عمال، فاهم؟" قالت حالا بدموع تتساقط.
"يعني محدش مسلطك عليا؟" قال خالد بتمعن.
"حد؟ حد مين؟" قالت حالا بعدم فهم.
"طيب إيه اللي جابك هنا؟" فهم حين لم يفهم أنها بريئة.
"عادي، تغير مش أكتر. حبيت المكان وقولت لو طلبت أقعد مش هترضي، عشان كدة كذبت،" قالت حالا وهي تنظر للأرض.
"طيب يا هالا، اقعدي هنا زي ما انتي عايزة وامسحي دموعك دي. كم بدت رائعة حين ضحكت ومسحت دموعها،" قال خالد بابتسامة لأول مرة يراها. كم زادت وسامته وسامة.
"اسمي حالا مش هالا،" قالت حالا.
"حاضر يا حالا، أصلاً أحلى،" قال خالد بابتسامة.
"طب بتعمل إيه؟" قالت حالا مغيره الموضوع.
"بزرع،" قال خالد وهو يرفع الفأس.
"ينفع تعلمني؟" قالت حالا بفضول.
"بس كدة، تعالي،" قال خالد وهو يجذب يدها.
وجعلها تمسك الفأس وهو يعلمها. فكانت تخطئ، ليحاوطها بذراعيه ويشرح لها. فكانت مبتسمة سعيدة. فنظرت لعينه وأومأت. وفي لحظة، تاه بعينيها. ورفع يده يعيد خصلاتها، قائلاً: "يلا تساعديني؟"
"يلا،" قالت حالا بابتسامة.
وبدأوا يعملون سوياً ويضحكون. والعمال في حالة ذهول من أن رئيسهم يضحك مع تلك الدخيلة الجديدة. فهو يعرف بحدتهم.
مرت الأيام وراء بعضها لتتحول لشهر. كانت تفعل له سندوتشات أثناء العمل وتجلبها له. وعرفت مدى حبه للقهوة السادة، فكانت تفعلها له وتضع بعض السكر من خلفه. واليوم كان يعمل وحده، فالعمال اليوم اجازتهم ليعودوا لأهلهم. لا يوجد إلا بعض الخدم. ذهبت بالقهوة والسندوتشات.
"الله يعينك،" قالت حالا بابتسامة.
ترك ما بيده ووقف مبتسم بسعادة حين رآها.
"صباح الخير،" قال خالد.
"صباح النور. يلا تاكل،" قالت حالا وهي تضع ما بيدها وتذهب له.
"ماشي، بس خمس دقايق،" قال خالد بابتسامة.
وجدها تشد يداه بين يديها وتفتحهم بيدها الصغيرة البيضاء. وكانت يده بيضاء وبها علامات الشقي. اقتربت ووقفت أمامه. فقال: "ابعدي إيدك، هتتعكنن."
نظرت له بنظرة غريبة، يرى بهما حب بل عشق. تمنى لو تبادله، فهو يعشقها منذ أن رآها. ورفعتها لفمها، قبلتها، ثم وضعتها على وجنتها. كاد يسحبها خوفاً أن تؤلمها، لكن لا يعرف أنها تري بها حنية.
"سيبي يا حالا، هتعكن وشك وهتوجعك،" قال خالد بقلق.
"والله إنك ما بتفهم. بالعكس، أنا حبيت إيدك جدًا،" قالت حالا بعبوس.
نظر لوجهها الذي بين يديه. وفي لحظة جذبها لحضنه مطوقاً إياها بذراعيه، فكانت تصل لكتفه وصغيرة بين أحضانه. تمتعّت بدفء غريب، ورفعت يدها لظهره تحضنه.
"بحبك يا حالا،" قال خالد بعشق صافي.
صدمة ألجمتها حين قال كلماته. نست من هي، نست أنه ورغم هذا فإنها تخون زوجها. رفعت وجهها له هامسة: "وأنا كمان بحبك."
حملها ودار بها بسعادة، فضحكت كالطفلة بين أحضان والدها. وأنزلها. شدها وذهبوا أسفل شجرة يأكل ويطعمها من نفس السندوتش. وقال رافعاً حاجبه: "القهوة دي بتعمليها إزاي؟"
"عادي، زي أي قهوة،" قالت حالا بتعلثم.
"طب كلي،" قال خالد وهو يلف يده حولها.
أكلت بسعادة وهي تنغمس بأحضانه، قائلة حين انتهى: "تعالى نرجع نرتاح شوية."
"لا بلاش، ورايا شغل،" قال خالد بنفي.
"طب هودي الكوباية وأجي أقعد معاك،" قالت حالا بتفكير.
"حاضر،" قال خالد وهو يقف ويشدها لتصطدم بصدره العضلي.
وقبل جانب جبهتها، فذهبت.
لتمر الأيام ويمر حوالي شهر وهم هكذا. كانوا لا يتجاوزون حدودهم. أما هي، كلما فكرت بياسين، تنفض أفكارها. لكن مهلاً، حين مر كل هذا، تذكرت أنها تأخرت. وجميل ياسين عليها لا يجب أن تفعل هذا. يجب أن تترك خالد وتعود. حسمت أمرها بعد شهر تفكير أن تخبره أنها متزوجة وتعود حيث أتت.
نزلت من غرفتها لتجده في يوم يتحدث مع أحدهم، وكان رجل بنهاية العقد الخامس.
"عرفت يا بابا قيمة الأرض ومش ههدها نهائي، خليها كدة الناس تعيش منها أحسن ما أقطع عيش كل دول،" قال خالد بابتسامة.
"اتغيرت وبان عليك الطيبة والحب يا خالد،" قال معتز بابتسامة.
"اه اتغيرت، وقريب هفرحك يا والدي وهظهر للكل مرات خالد الفيومي،" قال خالد متذكراً معشوقته.
أغمضت عينيها بصدمة. هذا خالد الفيومي؟ تعرفه، أكبر عدو لياسين في شركته. كم حدثها عنه؟ هل هل كذب عليها وفهمها أنه مزارع بسيط؟ فهي تختلف عن الكل. مهلاً، وهي كاذبة، كاذب وكاذبة، ههه. ضحكت بسخرية بداخلها. ستؤنبه على شيء هي أيضاً فعلته. والآن، لربما هذا حدث لتفيق.
ذهبت لغرفتها. مسكت ورقة وكتبت: "كل شيء انتهى بيننا. كذاب وكذابة مينفعوش." وتركتها وأخذت مفتاح السيارة التي لم يتعب نفسه يوماً في معرفة من صاحبها، وعادت حيث أتت.
"طب هو مين؟" قال ياسين وهو يمسح دموعها.
لم ترد أن تخبره حتى لا يتحول الموضوع لبيزنس. وصمتت، محركة رأسها علامة الرفض. فتفهم أنه ليس الوقت المناسب للضغط عليها. اكتفى باحتوائها بذراعيه.
في نفس وقت دخول ماهي، التي شهقت ونظرت للأرض.
"آسفة يا ياسين بيه،" قالت ماهي بغيرة ودموع.
"دخلتي كدة ليه؟ مش فيه سكرتيرة وبابا؟ تخبطي عليه؟" قال ياسين بحدة، فهو مازال عصبي اتجاهها.
تمردت دموعها. فهو أخبر السكرتيرة أنها تدخل وقت أرادت. وهي ظنت أنه وحده. كانت آتية لتصالحه وتخبره مدى غيرتها من زوجته وأنها لن تعمل. لكن الآن عرفت، هو يحب زوجته. وهي كانت البديل حين ذهابها. لا تعرف أنه عاشق لتلك البسيطة.
سمعت حالا تقول بصوت مبحوح: "إيه اللي، يا ياسين؟ مش كدة؟ الله!"
"حالا، اسكتي! يعني مش هعرف أحكم موظفيني؟ أبقى منفعتش مديرهم؟" قال ياسين بعصبية.
تحولت دموع تلك إلى شهقات مكبوتة وهي تكتم فمها. فحزنت لأجلها حالا كثيراً. هي فتاة وتعلم ما يسببه بني آدم من جرح قوي. فقالت بعصبية: "ياسين، كفاية بقى. مفيش حاجة مستاهلة."
تنهد بصوت مسموع، حقاً غيرته عمياء. وقال بضيق: "عايزة إيه يا ماهي؟"
مسحت دموعها بقوة ونظرت له: "كنت جاية آخد إجازة مفتوحة، بس غيرت رأيي."
ابتسم، فهو كان سيرفض. لترمي ما جعله يجن: "هكتب استقالتي. أنا مش ملتزمة بعقد."
تركته وذهبت. فضحكت حالا وهي تراه يكاد يجن. فقد انقلب السحر على الساحر، قائلة: "تستاهل. روح صالحها بقى. البنت بصراحة صاروخ."
"افورة!" قال ياسين بوجه عابس.
"افورة دا انت هببت الدنيا. امشي يا ياسين."
ذهب مسرعاً لمكتبها، لم يجدها، بل وجدت ورقة بظرف. ففتح ليجد استقالتها أولاً، ثم ورقة بها: "الظاهر إن البديل ملوش لازمة لما الأصل يرجع. مبروك رجوع مراتك يا ياسين بيه."
أغمض عينه يستوعب ماذا ظنت تلك. عاد المكتب والصدمة نصيبه. وجلس أمام تلك التي عادت شاردة. فنظرت له. ليمد يده بالظرف. رآته وضحكت ودموعها تتساقط.
"الظاهر إننا سوا هنسبب التعاسة لبعض. قوم لمراتك، أنا معتش أمل، بس أكيد انت لسه. قوم روح ليها يا ياسين، وطلقني."
ظل جالس بحزن ينظر لتلك التي لم تفرح يوماً كالبشر. بحزن يقسم أنه لن يتخلى عنها إلا وقت أن يسلمها لحبيبها الذي يصونها. وسينسى ما قالته أخيراً: "طلقني."