جلست على المقعد بدموع. إلى أن استمعت لصوته. رفعت عينيها لتجده أمامها. فهرولت لأحضانه ببكاء مزق قلبه بضعف. أخرجها يزيد من أحضان مالك قائلاً بخوف: _أيه اللي حصل وشاهندة فين؟ تعالت شهقات بكائها قائلة بصوت مرتجف: _في أربع شباب كانوا بيلاحقونا. ولم تستطيع التحدث. فتعال صوت بكائها ليصل لهم مفهوم ما تريد قوله. تلونت عين مالك بغضب ليس له مثيل. حتى يزيد غضبه الساحق كفيل ببث الرعب في النفوس. خرج الطبيب من الغرفة.
فأسرع مالك إليه قائلاً بخوف: _طمني يا دكتور. رفع الطبيب يديه على كتفيه قائلاً بهدوء: _اطمن، هي كويسة. إصابات خفيفة بس في رجليها. وطبعاً من الواضح ليا أنها اتعرضت لمحاولة اغتصاب. ولازم أستدعي الشرطة. وتركه وغادر. ومالك بحالة من السكون المميت. اقترب يزيد من منار قائلاً بملامح متصلبة: _انتوا كويسين؟ أجابته ببكاء: _الحمد لله. في شاب هو اللي أنقذنا منهم وجابنا هنا. مالك باستغراب: _مين دا وهو فين؟ استدارت بوجهها
تبحث عنه فقالت بخفوت: _كان هنا دلوقتي. لمحت الممرضة فأسرعت إليها قائلة بتوتر: _لو سمحتي مشفتيش الشاب اللي كان معانا هنا؟ أجابتها بتأكيد: _خرج من شوية. اقترب مالك من منار وجذبها وتوجه للخارج ليلحق به. أما يزيد فدلف لغرفة شاهندة سريعاً. بالخارج. أشارت منار لمالك على الشاب الذي يجلس بسيارته قائلة بدموع لتذكر ما حدث: _هو دا يا مالك. اقترب مالك من السيارة وهي معه. ليراهم فراس.
فهبط ليقف أمام عين مالك المزهولة من رؤيته مجدداً. فشل فراس بكبت خوفه الشديد على شاهندة. فقال بثبات لم يخسره بعد: _أختك بقت كويسة؟ أشارت منار برأسها وعلى وجهها ابتسامة خفيفة. فأقرب منه مالك ورفع يديه قائلاً بجدية: _مش عارف أشكرك إزاي على اللي عملته مع البنات. ابتسم بهدوء: _متشكرنيش، أنا معملتش غير اللي حسيت إنه صح. ثم أكمل بابتسامة هادئة: _ولو تفتكر آخر مرة قولتلك هنتقابل تاني. ابتسم مالك بتذكر.
فرمقه بنظرة متفحصة قائلاً بسخرية: _صدقت لما أطلقت على نفسك مجنون. تطلع فراس لصدره العاري بابتسامة علت بصوته الجذاب: _لا، أنا محدش يتوقعني. شاركه مالك البسمة وبداخله استغراب لشعوره بأنه يعرفه لسنوات ماضت. صعد فراس لسيارته قائلاً بغمزة ساحرة: _هشوفك تاني. ابتسم مالك قائلاً بهدوء: _أكيد. وغادر فراس بسيارته وعين مالك تلاحقه بغموض. بغرفة شاهندة. رأتهم يقتربون منها وهي تحاول الهرب بلا محالة.
تعرق وجهها بقوة والخوف يفترس ملامحها. صرخت بقوة وهي تصيح. "لا". بكاء حارق جز قلبه. فحاول أفاقتها قائلاً بحزن شديد ووعيد أشد لمن فعلوا بشقيقته كذلك: _شاهندة فوقي. انهمرت دموعها بكثرة. فتحت عيناها على صوت يزيد لتجده بالغرفة. فنغمست بأحضانه وعيناها تتفحص الغرفة بخوف شديد. شدد من احتضانها قائلاً بهدوء: _بس خلاص، مفيش حد هيأذيكِ. دلف مالك سريعاً ليجدها تشدد من احتضان أخيها برعب. لأول مرة يراها به.
رفع يزيد عيناه الحمراء من غضبه المميت. فقرأ مالك ما يريده. ولأول مرة يتخلى عن عقله ويؤيد الغول. توجه للخارج. ثم رفع هاتفه ليتحدث بنبرة تهلع لها النفوس. = خدها واختفي من عندك قبل ما الشرطة توصل. _حاضر يا مالك بيه. وأغلق مالك الهاتف وعيناه تلمع بشرارة ستنهي إمبراطورية تلك الحمقاء. بالمشفى. استندت منار على المقعد المجاور ليزيد. فغطت بنوم عميق بعد مشقة يوم كاد أن يفتك بها. فأبعد يزيد شاهندة عن أحضانه.
ثم وضع رأسها على الوسادة بحرص شديد. حمل منار للفراش المجاور لها وداثرها جيداً. دلف سيف وشريف للداخل. فأقرب منه سيف قائلاً بقلق: _فيه إيه يا يزيد وأيه اللي حصل دا؟ شريف بخوف وهو يتفحص منار وشاهندة: _شاهندة ومنار مالهم؟ سكون الغول كان مريب للجميع. فدلف مالك ليستمع لأسئلتهم. فأقرب منهم قائلاً بثبات: _متقلقش يا سيف هما كويسين. صاح بسخرية: _مقلقش إزاي؟ وبعدين مين اللي مستغني عن عمره عشان يعمل كدا؟ خرج يزيد من الغرفة.
فعلم مالك إلى أين سيذهب. فألحق به سريعاً ليحاول إيقافه. أسرع سيف خلفهم بعد أن أخبر شريف بعدم ترك شاهندة ومنار لحين عودتهم. فتح يزيد باب سيارته. فجذبه مالك بغضب: _اللي بتعمله دا غلط يا يزيد. حقنا هيرجع بس بالعقل. رفع عيناه عليه قائلاً بسخرية وهو يهم بالجلوس بالسيارة: _خليلك العقل دا. وبالفعل أغلق باب السيارة وانطلق بسرعة كالرعد. زفر مالك بغضب شديد. فصعد بسيارة سيف على الفور ليلحق به. بالقصر. وبالأخص بغرفة طارق.
كان يبكي بقوة على سجادة الصلاة. يبكي بخشوع وهو يشكو لله وجع قلبه. يتحدث بصدق. فكيف له بالكذب على الملك المطلع على القلوب. بكى وهو يخبر ربه بأنه لم يتعمد أن يفعل ذلك. بكى كثيراً وهو يخبره بأنه كان يتمنى فرصة واحدة ليصحح بها أخطائه معها. نعم يعلم بأنها ستكرهه كثيراً. فكيف لفتاة أن تمنح فرصة لحب مغتصبها. ولكنه كان سيبذل قصارى جهده ليعلمها ببرائته وأنه لم يتعمد أن يفعل لها ذلك. ربما لا يعلم بأن فرصته على بعد أميال منه.
تبكي بحرقة هي الأخرى وهي بانتظار مصيرها المجهول. وقفت بعد معاناة وتوجهت لباب الغرفة المظلمة كالقبر تطرقه بقوة وضعف. ولكن هيهات لم يستمع لها أحد. جلست أرضاً تبكي بقوة وهي تحتضن جنينها بخوف بعدما علمت بخطتهم ببقائها على قيد الحياة حتى تنجب لهم وريث عائلة نعمان كما استمعت منهم. رفعت بسملة عيناها للسماء قائلة بدموع العجز: _يارب. تعالت شهقات بكائها وهي ترجو الله بأن يشعر بها أحد ويحررها من هنا.
بداخلها أنين مدعوس بلا رحمة. لم يبالي أحد بها كأنها خلقت للعذاب والجراح من الجميع. ربما لو استمعت لدعاء من فعل ذاك لعلمت بأن هناك أمل بحياتها المدعوسة. بمكتب القصر الخاص بنوال. صاحت بغضب: _يعني إيه اتقتلوا؟ أجابها الحارس الذي تفقد المكان: _زي ما بقول لحضرتك. والغريبة أن البنات كويسين مش حصلهم حاجة. اجتازت الصدمة أواصرها. فخرج صوتها بذهول: _يعني إيه؟ مالك ويزيد هينتصروا عليا؟
أتاها الرد الساحق حينما استمعت لصوت قوي للغاية. فخرجت للشرفة لتفزع بشدة حينما رأت يزيد يعبر الطريق بسيارته غير عابئ بالباب الخارجي الذي تحطم أمامه كأنه ورق هاش. هبط من سيارته وهو كالبركان. من يقف أمامه مصيره المدمر. يحفر بيد الغول. وقفت سيارة سيف بالخارج. فهبط مالك لينضم له سريعاً ليشكل حلف قوي. لكم مالك الحارس بقوة قائلاً لمن يقف جواره: _مفيش فايدة فيك. صد يزيد اللكمات قائلاً بسخرية دون النظر إليه:
_دا سؤال ولا إجابة؟ أطاح مالك بمن تعمد أن يؤذي رفيقه بسلاح حاد قائلاً بغضب وعيناه على المعركة كالصقر: _اعتبره الاتنين. لما أشوف آخرة عصبيتك دي إيه؟ انضم لهم سيف بأن توالى مهمة الحرس. فدلفوا للقصر الداخلي. ولجت نوال لغرفتها. فجذبت السلاح وبداخلها عزم لإنهاء حياتهم. فتحت باب الغرفة وتوجهت للهبوط. فتفاجئت بأحد ما يجذب السلاح منها. رفعه يزيد أمام عيناها. ثم قبض قبضته بقوة أفتكت بالسلاح لتحطمه كالزجاج المتهشم.
نعم انقبض قلبها. فهي تعلم قوة يزيد. على عكس مالك المتحكم باستخدام قواه إن أراد. تراجعت للخلف بخوف شديد وهو يقترب منها بملامح تشبه درجات الجحيم. جلس مالك على الأريكة واضعاً قدماً فوق الأخرى. واضعاً سماعات الهاتف بأذنيه يدندن مع الموسيقى حينما ينهي الغول مهمته. أقترب منها يزيد ليخرج صوته أخيراً قائلاً بصوت ليس له مثيل: _24 ساعة. لم تفهم ما يقوله إلا حينما أكمل حديثه بتحذير: _دي مدتك هنا في مصر.
ساعة زيادة وأوعدك أنك هتقضي اللي فاضل من عمرك في الحبس." ابتلعت ريقها بخوف شديد ونظراتها تتعبأ بالحقد الدفين لهم. رفع يزيد يديه أمام عيناها قائلاً بتوعد: _لو فاكرة إن اللي عملتيه النهاردة دا هيكون تهديد ليا أو لمالك تبقى متعرفيش مين يزيد نعمان. المدة اللي معاكي اعتبريها فرصة لنجاتك من الموت. الاختيار ليكي. وتركها ورحل. فانتبه له مالك ليخرج سمعته من أذنيه ويلحق به. فأستدار قائلاً لها بابتسامة لا تليق سوى به:
_أه نسيت، ياريت لما تغيري نوعية الحرس بتوعك خرعين أوي. ورفع يديه درامياً: _سلام يا عمتي. قالها بسخرية وغادر. لتعلم الآن بقوة عدوها. تلقى يزيد رسالة نصية من الحرس الخاص به بمعرفة مكان بسمة. فأبدل مسار سيارته للمكان المحدد بهاتفه. أما سيف ومالك فعادوا للمشفى مجدداً. أمام الموج الهائج كانت تجلس تلك الفتاة. تجلس بحزن ليس له مثيل. دموعها تنسدل بقوة وحرارة ملتهبة. تجلس منذ ساعات طالت بتفكير إلى أين الذهاب؟
لتجد أن جميع الإجابات بعيداً عن المنزل المخيف الذي قتل به أحلامها وعائلتها. انقضى الوقت ليتطرق تفكيرها به. لتشعر بدقات قلبها المنغمسة بدون تحكم منها بعشق الغول المخيف. أخفضت عيناها بقوة تبتلع غصات مريبة ودمعات قاسية. فتحتها بصدمة حينما استمعت لصوت من يجلس بجوارها وعيناه على المياه بتحدي مخيف قائلاً بهدوء لا يتناسب معه: _شايفه دا الحل؟ رسمت بسمة من وسط دمعاتها لتخالف ظنونها بالاستياء لوجوده.
لم يزيح عيناه من على أمواج البحر الهائج كمحاولة للتحكم بأعصابه. رددت بهمس قاتل له. "يزيد". أغمض عينيه ليتحكم بخفق القلب على نغمات اسمه المتردد من عسل شفتاها. أكمل حديثه بثبات: _سبتي القصر ليه؟ وضعت عيناها أرضاً بدموع. _لأنه مش مكاني ولا هقدر أكون فيه وأشوف اللي دمر أختي قدام عيوني. أزاحت دموعها قائلة ببسمة سخرية: _كنت فاكرة إني هانتقم من الكل. بس تفكيري كان غلط.
مش فاضل غير حاجة واحدة بس عشان أبعد عنك وعن عيلتك للأبد. مازالت عيناه تتحاشي النظر إليه وتتفحص حركة المياه. ليخرج صوته بهدوء: _حاجة إيه؟ جاهدت لرسم اللامبالاة على وجهها قائلة بتصنع. _إنك تطلقني." أجابها ببرود قاتل: _لما ترجعي القصر معايا هحضر أوراق الطلاق. وتركها وصعد لسيارته تاركاً باب السيارة على مصراعيه بانتظارها. صعقت وظلت محلها تتأمله بعين تكاد تتسع من صدماتها. لم تجد يوماً ضعيفة كم هي اليوم.
أزاحت دموعها بكبرياء ولحقت به بخطى ثابت للسيارة. ما أن صعدت حتى انطلقت السيارة كسرعة البرق للقصر. بالمشفى. دَلفت تقى مع والدتها. فتخشبت محلها حينما رأت سيف يجلس جوار منار ويقدم لها المياه. عادت الغيرة لتخترق قلبها من جديد. حزنت منار من رؤية نظراتها. فهي تعلم السبيل بها. ما هي إلا ثواني معدودة حتى دلف محمود ومعه ليان ووالدته حينما علموا بما حدث. توقف قلبه عن النبض فشعر بها وبوجودها بالغرفة.
أستدار سريعاً ليجدها تقف أمامه بفستانها الوردي. لتخطف ما تبقى من ريعان القلب فيصبح مهوس بها. خجلت من نظراته فحاولت التهرب منه حينما جلست على أقرب أريكة. أقترب محمود من الفراش قائلاً بلهفة وخوف اتضح للجميع: _فيه إيه يا مالك أيه اللي حصل؟ ومنار كويسة؟ وضعت عيناها أرضاً بخجل. فأجاب سيف بابتسامة ساحرة: _زي ما انت شايف. هي بس بتدلع قبل الخطوبة. حقها يا عم. تطلعت تقى لهم بعدم فهم. فشاركهم مالك المرح:
_أيوا بالظبط كدا يا حودة. هي والبت شاهندة اتفقوا يعملوا المقلب دا. أعتدلت شاهندة بجلستها قائلة بتعب: _إيه دا هو أنت العريس! تعالت ضحكات الجميع. فأجابها محمود بسخرية: _والله على حسب. شريف: _على حسب إنك متزوج ولا مطلق؟ فهتشيل الليلة. تعالت الضحكات. فأقتربت ليان من منار قائلة بهدوء ورقة: _ألف سلامة عليكي يا منار. ابتسمت بسعادة وهي تحتضنها: _الله يسلمك يا ليو. سماح بعدم فهم: _هو في حد هيتجوز؟ تطلع مالك لليان ومحمود.
لمنار وسيف لتقى. فانفجر الجميع ضاحكين. أشار مالك على ليان قائلاً بهيام: _دي ليان. اعتبريها خطبتي لحد ما نعقد القران الأسبوع الجاي. سعدت سماح وأقتربت منها بفرحة: _ما شاء الله. إيه الجمال دا. رفع مالك يديه على كتف سماح قائلاً بهيام: _دا كان حالي أول ما شفتها. محمود بغضب مصطنع: _أرخوخ أنا صح؟ شريف بتأييد: _لسه واخد بالك. تعالت ضحكات فاتن وسماح. فأقترب سيف من تقى قائلاً بنظرة لم تتيقن من فهم شفراتها:
_أنا من رأيي نعمل الفرح على طول وفي يوم واحد. تطلع محمود لمنار بتأييد: _وأنا معاك. سيف بثبات: _طب والغول؟ تأفف محمود قائلاً بغضب: _افتكرلنا سيرة عدلة. تعالت ضحكات الجميع. فأخبرهم مالك بالعودة للقصر بعد الاطمئنان على شاهندة. بالقصر. دَلفت لغرفة مكتبه بقلب مرتجف. فجلس على مقعده يخرج من الخزانة عقداً. ثم قدمه على المكتب الخاص به بأنتظارها أن ترى ما به. جلست على المقعد أمام عينيه بارتباك وحيرة مما تريده ويريده ذاك القلب.
قدم لها الورقة. فسحبتها بإصبع مرتجفة وعين تلمع بالدمع وهي تتفحص ما بها. تحاشى النظر إليها. فقالت بسخرية مكبوتة بالبكاء: _كنت مجهز العقود. رفع عينيه عليها. فتعلق الصمت به إلى أن قطعه قائلاً بثبات: _حبيت أريحك من اللعبة اللي بترسميها. علمت الآن لما عاصفة عينيه الجامحة. جذبت الورقة ووقعتها سريعاً. ثم توجهت للخروج. ولكنها توقفت ولم تستدر قائلة بصوت منكسر: _مكنتش لعبة يا يزيد، أنا حبيتك بجد.
وقبل أن يستوعب كلماتها رحلت من أمام عينيه. تركت قلبها يعاني وتوجهت للخروج. ابتسم يزيد بفرحة ومزق الورقة لتصبح فتيل من الوريقات. بالخارج. رفعت يدها لتفتح الباب الداخلي للقصر. فربما لم يعد أمامها سوى أخر. لتجد يداً ممدودة على يدها. فأستدارت لتجد عينيه مقربة منها. ابتلعت ريقها بارتباك من قربه المهلك لها. تطلع لها بصمت تاركاً نظرات عينيه تفترس ملامحها. حملها بين ذراعيه وهي تتأمله بصدمة وهو يتوجه لغرفته.
حاولت الحديث ولكن تخلت عنها الكلمات. هبطت سريعاً وهي ترمقه بضيق: _لسه عايز إيه؟ ابتسم وهو يقترب منها هامساً جوار أذنيها بصوته الرجولي العميق: _عايزك أنتِ يا بسمة. تطلعت له بصمت قطع بدموعها: _بس خلاص، إحنا اتطلقنا وأنا وقعت العقد. رفع يديه يلامس وجهها. فأغمضت عيناها بقوة كأنها تقاوم طوفان العشق الذي يجذبها بقوة لعالم خيالي معبأ بعشقه. ليخرج صوته بثبات مريب: _بس أنا موقعتش.
مرر عينيه على قسمات وجهها ليلتمس عشقه المكنون بين جفون العينان. لم يحتمل رؤية دموعها حتى وإن كان سببها عاصفة الاشتياق. فقربها لصدره. لعلها تستمع لنبضات القلب المتمرد على عاصمة الغول. رفعت يدها وهي كالمغيبة تشدد من احتضانه بقوة. انتهت بعودتها للواقع. فتراجعت للخلف بخجل شديد. جذبها بقوة لتتقابل مع عينيه قائلاً بخبث: _كان أبسط حلمي نتخطب. نطلع متجوزين. تلون وجهها بلون يصبح وصفه. فقالت بارتباك: _يزيد.
أقترب منها أكثر فحاولت الهرب. ليحاصرها بين ذراعيه قائلاً بعشق وهو يهمس جوار أذنيها بصوت منخفض: _بعشق اسمي لما بتناديني بيه. أغمضت عيناها كمحاولة فاشلة لكبح خجلها. ولكنه تضاعف رويداً رويداً. ابتعد عنها بنظرات تحولت لغضب مفاجئ لها. ليجذبها من معصمها بقوة ألمتها قائلاً بصوت غاضب: _لو حاولتي تبعدي عني تاني تصرفي مش هيعجبك يا بسمة. أنتِ متعرفيش عملتي فيا إيه. انهمرت الدموع من عيناها قائلة بحزن:
_كان غصب عني يا يزيد مش قادرة أنسى اللي حصلها. رفع يديه يجفف دموعها قائلاً بتفهم: _مش هطلب منك تسامحيه أو هبررلك اللي عمله تاني. بس اللي أقدر أوعدك بيه إن حقك هيرجعلك وفي أقرب وقت يا بسمة. ومتنسيش إنك زوجة يزيد نعمان. جذبها لأحضانه مجدداً لتنعم بالأمان بين أنفاسه. فسكنت لتشعر بأن الراحة تسللت لقلبها. حملها يزيد للفراش وتمدد جوارها ليحتضنها بقوة وسعادة بأنها صارت زوجته. انغمس تفكيره بنوال ووعيده لها بالهلاك يتضاعف.
حمل مالك شاهندة لسيارته. ثم أستدار بجسده ليراها تتوجه لسيارة محمود مع فاتن. خطف نظراته لها كأنه يودعها للقاء الغد القريب لتصبح ملكه هو. صعدت تقى بسيارة سيف. وسماح مع مالك ومنار لتذهب معهم للقصر. ألتزمت تقى الصمت طوال الطريق. حتى أن شريف أستدار بوجهه قائلاً بمزح: _وحدووه في إيه يا خونا طالعين ميتم؟ رمقه سيف بحدة وأكمل طريقه قبل أن يقتلع رقبته. فرسم الخوف قائلاً بسخرية: _عليك بوز ياساتر. مش عارف البت دي هتتجوزك إزاي؟
لم تتجادل معه كالمعتاد. الصمت مخيم عليها مما أثار قلق سيف. وصلت السيارة أمام العمارة بعد أن أخبرت والدتها بأنها ستظل الليلة هنا. صعدت للأعلى ومازال الصمت رفيقها. حتى أسرع خلفها سيف قائلاً بصوت متقطع من الركض: _تقى. أستدارت لتجده يقف أمامها. فتطلعت له باهتمام. ليكمل هو حديثه: _مالك؟ تهربت من نظرته لتخفي دموعها. فجذب مفاتيح شقتها وجذبها للداخل قائلاً بلهفة: _مالك يا تقى في إيه؟ لم تجيبه وتساقطت دموعها بغزارة.
فأسترسل حديثه بتفكير: _شريف زعلك في حاجة؟ أشارت برأسها بمعنى لا. فأكمل بلهفة: _طب قوليلي مالك! رفعت عيناها تتأمله بصمت كير من أنين كلماتها: _لسه بتحبي منار يا سيف؟ تخشبت نظراته عليها. فكيف تعلم بذاك الأمر. ظل الصمت هو السائد عليه. لتعلم الآن بأن قلبها ليست له السكينة. أقترب منها سيف ونظراته تتأملها. ليقطع حديثه بثقة: _لا يا تقى. رفعت رأسها بدهشة. ليكمل هو بهدوء: _منكرش أني كنت بحبها. بس دلوقتي مينفعش. _ليه؟
قالتها وهي تقترب منه. فأكمل بهدوء وتفهم لحالتها: _لأن مينفعش يا تقى. هي بتعتبرني أخوها وأنا لازم أشوفها كدا. ثم أكمل بضيق: _ويا ريت بلاش تتكلمي في الموضوع دا لأنه انتهى من زمان. وتركها وغادر لشقته. بالأسفل. صعد شريف وهو يحمل الحقائب الخاصة بسيف بضيق شديد متمتماً بغضب: _اركن العربية وهات الشنط يا شريف. شغال عند أبوكم أنا. ثم زفر بضيق: _منك لله يا سيف. حاطط إيه في الشنط دي حديد! دانا حتى مش شايف السلم.
جاهد شريف للصعود أولى الدرجات المؤدية للمصعد. فحمد الله حينما وصل بعد مشقة مزرية من وجهة نظره. فتح باب المصعد. ثم ألقى الحقائب والكرتون بشكل عشوائي كمن يحمل قنبلة موقوتة ويلقيها بعيداً عنه. ليستمع لصراخ يأتي من الداخل. ولج للداخل بصدمة وهو يزيح الكرتون والحقائب ليرى من تنظر له بغضب ليس له مثيل. صاحت بعصبية شديدة: _أنت أعمى ولا غبي؟ رفع يديه بتفكير: _وأيه الفرق بين الاتنين؟ في الأخير شتيمة صح؟ زفرت بغضب:
_لا شكلك مجنون. أغلق شريف باب المصعد قائلاً بابتسامة واسعة: _الله يحفظك. نظراتها كفيلة بنقل غضبها الشديد له. فوقف بالداخل يتأملها بصمت. لتصيح بسخرية: _هو هيطلع لوحده ولا منتظر شحنة بنزين؟ أجابها بعدم فهم: _هو مين؟ رفعت يدها على وجهها كمحاولة لكبت غضبها. ثم ألقت الحقائب والكرتون وتوجهت للائحة تحركه. فقال بابتسامة واسعة: _لا زكية والله. حمدت الله بأن المصعد وصل للطابق المطلوب. ثم حملت الحقيبة الخاطئة وتوجهت
للخروج قائلة بغضب شديد: _Stupid..... ( غبي) ابتسم شريف بسعادة: _الله يحفظك يارب. دي بين البت وقعت يالا انضمي لضحايا شريف النمس. وأغلق باب المصعد بابتسامة تسع ملايين الوجوه. أما هي فرفعت يدها تدق الجرس بجنون كالمعتاد لها. فتح الباب ليجدها تقف أمامه. فردد بصدمة: _جاسمين؟ أرتمت بأحضانه بصراخ: _فرااااس وحشتني أوي. أبعدها عنه قائلاً ببسمة هادئة لا تليق بسواه: _إيه المفاجأة دي؟ دلفت للداخل قائلة بغرور: _هات الشنط.
وجلست على الأريكة تزيح حذائها الضيق. فوجدته يستند بجسده العمالق على باب الشفة ويديه على صدره بعين جعلتها تهرول للخارج. فجذبت الحقائب للداخل. أغلق باب الشقة وجلس أمامها قائلاً باستغراب: _مقولتيش ليه أنك نازلة مصر؟ ابتسمت بسعادة: _قولت أعملهالك مفاجأة. بس الحيوان اللي قبلته دا شقلب المود خالص. ضيق عينيه الساحرة باستغراب: _حيوان مين؟ قالت بانفعال: _معرفش واحد غبي في نفسه كدا. ارتفع صوت ضحكاته قائلاً بسخرية:
_مينفعش يبقى ملكة المغرب هنا بنفسها. كان المفروض أظهر لها احترام أكبر. رمقته بنظرة مميتة. ارتدت حذائها قائلة بغضب: _تصدق إني غلطانة إني سبت أخويا وقلت فراس حنين عليا منه ومش هيأخدني تريقة زيه. لكن كنت غلط. أنت وهو واحد وهتفضلوا كدا لحد ما تتكلوا على الله ونرتاح منكم أنتوا الاتنين. جذبها من طرف فستانها بغضب: _مين دا اللي يتكل يا بت! قالت برعب: _مراد مش أنت. وبعدين مش عيب تمسك أختك الصغيرة المسكة دي؟ تطلع لها بتفكير.
ثم تركها قائلاً بتحذير: _طب بصي يا حبيبتي أنا هستحملك هنا لحد ما مراد ينزل مصر ويرجع يشغل شركاتة والفيلا من جديد. بس لو عقلك دا وزي شمال ولا لمين إنك تعملي كوارث زي ما كنتي بترتكبيها في المغرب هوريكي أيام مش شفتيها مع أخوكي نفسه. فهمتي؟ ابتلعت ريقها بخوف وهي تشير له بالتأكيد. فجذبها من طرف فستانها مجدداً: _ولا تقوليلي هتجوز ملك المغرب ولا رئيس مصر. فهمتي يا حلوة؟ أجابت بصوت خافت: _ورحمة أبوك وأبويا فهمت.
دانا حتى وأنا جايه مفكرتش أتكلم مغربي. بتكلم مصري وبقول بدل ما يتنصب عليا ولا حاجة. دانا حتى جايبالك معايا الأكل المغربي اللي بتحبه. وكمان جبتلك... رفع يديه على شعره ليتحكم بصداع رأسه. ليصيح بهدوء مخادع: _شايفة الأوضة اللي قدامك دي؟ ابتلعت باقي كلماتها: _أه شايفها مالها؟ صاح بصوت كالرعد: _تاخدي شنطك وأكلك. ومشفش خلقتك غير تاني يوم زي دلوقتي. ما أن أنهى كلماته حتى هرولت للداخل سريعاً وأغلقت الباب بسرعة أكبر. بالقصر.
وضعها بحرص شديد على الفراش. فجلست منار جوارها. أتى يزيد ليراها بعدما تركها غافلة على فراشه قائلاً بقلق: _ها يا شاهندة أخبارك دلوقتي؟ حركت قدماها ببعض التعب: _الحمد لله يا يزيد. مالك بابتسامة هادئة: _بقيت كويسة يا يزيد أطمن. وبعدين أنت كنت فين؟ جلس جوار شقيقته: _بعدين يا مالك. أشار برأسه بتفهم وهبط للأسفل تاركاً إياها مع شقيقته. بقصر نوال. صاحت بغضب وجنون: _ماشي يا يزيد فاكراني بتهدد. وأخرجت هاتفها برقم طارق وبسمة.
الأنتقام مازالت تتسع. ربما لا تعلم بأن النهاية قريبة للغاية وعلى يد أقرب شخص لها. بغرفة طارق. صعق من الرسالة التي تلقاها. فهرول لسيارته بسرعة جنونية ليلقى مصير مجهول. ربما بداية بقلب مجرى حياته أو عاصفة ستدمره. بحديقة القصر. هبط يزيد وعيناه تبحث عن مالك. صعق حينما رأه يتمدد على المياه والأمطار الغزيرة تهبط بحرية على جسده العاري. الهاتف بيديه يستمع لصوتها بعشق. مالك بعين مغلقة: _سمعتك بتناديني. لم تشعر بنيران وجهها.
فكيف تخبره بأنها ترى ظله أمامها. ليخرج صوتها بارتباك: _هناديك إزاي؟ وفين؟ فتح عينيه ليرى القمر أمامه: _إحساسي يا ليان ومش ممكن يكون مش صح. منت الأرض تبتلعها. صوته يحجرها بعاصفة من نيران وعشقه موقودها. ابتسم قائلاً بصوت يكاد يكون مسموع: _نفسي أشوفك دلوقتي خجلك. وصلي حتى على الفون. مش لأن الروح واحدة والقلب واحد. لأن العشق مرتبط باسمك واسمي يا ليان. لم تعد تحتمل كلماته. حتى مشاعرها كشفتها أمامه. أغلقت الهاتف سريعاً.
فأحتضنه وأغلق عينيه. ليراها أمامه. أفاق على صوت يزيد الواقف على الدرج قائلاً بسخرية: _مجنون والله مجنون. مش حاسس بالبرد دا. وقف على الحاجز المعبأ بالمياه قائلاً بصوت مرتفع: _هحس إزاي؟ بس تصدق صح. الجنان حل برضوه. ضيق الغول الوسيم عينيه بعدم فهم. ليرى مالك يستسلم للهواء بأن ألقى نفسه من ارتفاع شاسع ليقع بأعماق المسبح. فصرخ به: _بتعمل إيه يا مجنووووون. حارب المياه وصعد على وجهها قائلاً ببسمة هادئة:
_بثبتلك إني اتجننت رسمي ولازم تتصرف وتجوزني بكرة قبل بعده. أقترب منه ليجلس على المقعد المجاور له قائلاً بتفكير: _والله بعد اللي شوفته دا هجوزك وأمري لله. بس بعد أما أخلص موضوع نوال دي. خرج من المياه مرتدياً المنشفة على خصره: _هو بعد اللي حضرتك عملته لسه موضوعها مخلصش؟ وضع قدماً فوق الأخرى مستنداً بظهره على المقعد: _بالعكس دا ابتدى. عمتك صعبة ومش هتسكت. والا كانت ناوية تعمله مع منار وشاهندة قرب نهايتها خلاص.
مفيش صبر عليها بعد كدا. تذكر مالك شيئاً هام. فصعد للأعلى مسرعاً ليثير شك يزيد: _رايح فين؟ أجابه بثبات زائف: _حسيت بالبرد هغير هدومي. صاح بسخرية: _هو أنت لابس عشان تغير؟ وتركه وصعد للاعلى هو الآخر ليجد حوريته تغط بنوم عميق. جلس جوارها يتأملها بعشق. ليقرر هو الآخر بأنه سيعمل على حفل زفاف ضخم ليعلن للجميع من هي زوجة يزيد نعمان. بمنزل فراس. تعجب فراس من دقات الباب. فالوقت صار متأخر للغاية.
أرتدى قميصه وخرج والنوم مسيطر على وجهه. ففتح الباب ليتخشب محله حينما رأى مالك أمامه ونظراته الغامضة تفترس وجهه. بغرفة مظلمة للغاية. كان مقيد وعيناه مغلقة بوشاح أسود اللون. هي أمامه مباشرة. نعم من فتك بها وتمنى أن يفعل المحال لينال العفو أمامه. من حطمها وكسر آمالها أمامه. تراه بعينيها فتختزل البكاء بآنين مكبوت ببكاء. فهي مقيدة ومكممة. فتركت لها نوال حق الرؤيا لترى من خرب حياتها أمامها.
أقتربت منه نوال وأزاحت الوشاح من على عينيه ليرأها أمامه. نعم هي من تمنى من الله أن تكون على قيد الحياة ولو دقائق معدودة يعتذر بها عما بدر منه ويوضح لها عن برائته وما حدث له. فربما الآن سيواجه الموت معها. وربما هناك لائحة أخرى مجهولة ليحميها من الموت لأجل نفس سطر له وتشكل قصص مستعمرة تحت قيد مجهول. لتبدأ من هنا الرواية بالتشكيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!