كادت أن تسقط على أثر اصطدامها بالمصفح البشري. رفعت عينيها لتجد شابًا وسيمًا للغاية، عيناه مائلة للون الرمادي بل للون الذهب، فربما لم تتمكن من تحديد لونهم. هبط سيف خلفها قائلًا بلهفة: "أنتِ كويسة؟ عادت لأرض الواقع، فأبعدت يدها بعيدًا عن صدره واستقامت بوقفتها. رفع سيف وجهه لمن يقف أمامه قائلًا بابتسامة هادئة: "بعتذر من حضرتك عن تصرف أختي الهبلة." ارتدى نظراته قائلًا بلا مبالاة: "ولا يهمك."
وتركه وأكمل طريقه للأعلى بالشقة التي استأجرها بنفس عمارة سيف. أما هي، فراقبته حتى اختفى من أمامها. لا تعلم ماذا حدث لها منذ أن تلاقت عيناها بعينيه الغامضة. جذبها سيف بحدة حينما لم تجبه بالرد: "روحتي فين؟! جذبت يدها قائلة بغضب: "بقا أنا هبلة يا سيف؟ ابتسم قائلًا بغلظة: "أيوا ومش بس كدا لسانك طويل كمان." "وضحيف كمان باردة ودمها وقف." قالها شريف وهو يتناول الشطائر جالسًا على الدرج، يتابع ما يحدث باهتمام.
رمقتهم شاهندة بنظرات مميتة، ثم توجهت للمصعد قائلة بتوعد: "ماشي هتشوفوا هعمل إيه." شريف بسخرية: "خالي بالك من السلمة المكسورة يا شابة." سيف باستغراب: "سلم إيه دي نازلة بالاسانسير؟ أجابه بغرور: "في سلالم جوا. اسمع مني أنا أعلم منك، أنت هتعرف إزاي وأنت بتجري على السلم ليل نهار." تطلعت له بنظرة جعلته يتناول ما تبقى من الشطائر، ثم هرول سريعًا للداخل. *** بالقصر.
ظل بسيارته لفترة طالت بالتفكير. لمساتها مازالت ترفرف، دقات القلب تجعله في سباق مريب. ذكريات الماضي تلاحقه كلما تذكر اسمها. فتح باب السيارة، ثم سار قدمًا بحديقة القصر الداخلي غير عابئ بطريقه. كل ما يراه أمامه ملامح تلك الفتاة وخفقان قلبه. حديث يزيد عن ظهورها بوقت حاجته لها.
خلع جاكيته، ثم ألقاه على الطاولة وتقدم من المياه الباردة وهو يحل قميصه الأبيض ليلقي بنفسه بالمياه، غير عابئ لقطرات الأمطار المتمردة على مياه المسبح، فبداخله نيران تحترق يريد التخلص منها. ظل تحت المياه أطول فترة ممكنة، فمالك بارع بالسباحة. أغمض عينيه ليرى ملامحها ترسم أمامه كأنه رآها لأعوام وليس ثوانٍ أو دقائق. لا يعلم بأنه بموجة العشق المخلد.
خرج من المياه سريعًا لحاجته للهواء، فتفاجأ برفيقه يجلس على المقعد بانتظاره، وعيناه تتلون بالتسلية لرؤيته هكذا. خرج من المياه ليخطف نظرات لمن يجلس تحت الحاجز بينه وبين مياه الأمطار قائلًا بثبات: "بتبص لي كدا ليه؟ ابتسم الآخر قائلًا بغموض: "بحاول أقلم نفسي على الشخص اللي قدامي." جذب المنشفة من الخادم قائلًا باستغراب: "تأقلم نفسك مع مين؟ تخلى عن مقعده ليقف أمام أعين رفيقه قائلًا بثبات مريب: "مع العاشق الولهان."
صاح بغضب شديد: "إيه الكلام الفاضي دا؟ تحلى بالصمت واستمع لحديثه بابتسامة تزين وجه الغول: "مالك أنا مش صاحبك وفاهمك، بس لا أنا النص التاني اللي مستحيل تقدر تكدب عليه أو حتى مايفهمكش." جلس على الأريكة بإهمال ويديه تشدد على خصلات شعره الطويل بغضب. جذب يزيد المقعد وجلس أمامه مباشرة قائلًا بهدوء: "أنا عارف إنك متلخبط، بس لازم تسمع كلامي. الإحساس اللي عندك دا هو كافٍ بأنك تنسى الماضي كله." رفع عينيه قائلًا باستسلام:
"مش هقدر يا يزيد." ابتسم قائلًا بتصميم: "هتقدر وهتشوف بنفسك." جذب جاكيته الموضوع على الطاولة، ثم توجه للدرج المؤدي لغرفته، فاستدار قائلًا بصوت غامض: "مش هاخد قرار في الموضوع دا، لأن من الأصل مفيش موضوع. اللي حصل مجرد صدفة مش أكتر ولا أقل." قال وهو يكمل طريقه للأعلى: "تصبح على خير." اعتدل يزيد بجلسته والابتسامة مازالت على وجهه، فهو يعلم بأن تلك الفتاة لم تترك ذهنه بعد. *** بغرفة أمل.
أذنت للطارق بالدخول، فولجت منار للداخل قائلة بابتسامة رقيقة: "لسه صاحية يا ماما؟ وضعت المصحف الشريف بجوارها قائلة بابتسامة لا تغادر وجهها: "أيوا يا حبيبتي تعالي." أغلقت باب الغرفة، ثم تقدمت لتجلس على الفراش بجوارها قائلة باضطراب: "مش جايلى نوم، قولت أجى وأقعد مع حضرتك شوية." أمل: "خلصتي مذكرتك؟ أجابتها بتأكيد: "أيوا طبعًا خلصت وروحت لشاهندة، بس لقيتها نايمة فقولت أجيلك بقا." ابتسمت قائلة بهدوء:
"شاهندة مش بتحب السهر." صاحت بغضب: "خالص، مفيش غير تقى، كنا بنتكلم للصبح." قالت بتذكر: "طمنيني عنها عاملة إيه دلوقتي؟ استندت بظهرها على الوسادة: "الحمد لله كويسة وشاهندة بتقول إنها خرجت من المستشفى." أجابتها براحة: "طب الحمد لله، أروح لها بكرة إن شاء الله أشوفها." ثم رفعت يدها على رأسها بألم. تلهفت منار من رؤيتها هكذا، فقالت بخوف: "مالك يا ماما؟ ابتسمت حتى لا تقلقها:
"متخافيش حبيبتي، دا صداع خفيف، هاخد الأدوية وهكون كويسة." منار: "طب هو فين وأنا هجيبه." أشارت لها أمل على الخزانة. فتوجهت منار إليها تبحث عن الدواء، ولكنها عثرت على صورة غريبة، حملتها بين يديها والذهول يقسم ملامح وجهها. فجذبت الدواء وقدمته لوالدتها، ومازالت الصورة بيدها تتفحصها باستغراب. وضعت أمل الكأس المعبأ بالمياه على الكومود، ثم تطلعت لابنتها المزهولة، فوضعتها على قدم والدتها قائلة بحيرة: "مين دول؟
تطلعت أمل للصورة أمامها بحزن شديد، فالصورة كانت لمالك وشقيقه التوأم حديثي الولادة. خرج صوتها بألم: "دا مالك ومروان." رددت بخفوت: "مروان مين؟ ابتسمت أمل قائلة بشيء من التحمل: "أنا كنت حامل بتوأم، بس لما اتولدوا مروان مات بعد الولادة بساعات." ثم رفعت الصورة بابتسامة: "الصورة دي أبوكي هو اللي صورها ليهم بعد ما خرجوا من أوضة العمليات، وأنا احتفظت بيها." أجابت بحماس كبله الحزن: "يعني أنا كان هيبقى عندي أخين توأم."
ابتسمت قائلة بصبر وتحمل: "بس إرادة ربنا قوية يا حبيبتي، أكيد له حكمة في اللي حصل دا." "ونعم بالله." قالتها منار بإيمان قوي نجحت أمل بزرعه بقلبها. *** بغرفة يزيد. كان يقف أمام النافذة المصنوع من الزجاج، مائلاً بجسده على الحائط، يتأمل قطرات المياه المتساقطة على أشجار الحديقة فتجعل جمالها خلاب.
كلمات تلك الفتاة تتردد بذهنه فتجعله يبتسم بتلقائية. تلونت عيناه بالغضب حينما رفع الهاتف ليجد اسم أخيه الذي يحاول الوصول إليه منذ أيام، فأغلق بوجهه حتى لا تحرقه عاصفة الغول. انحاز تفكيره لتلك الفتاة البريئة التي تزوج منها على الأوراق ولم يمنحها الدعم. واجبات الزوج تحتمه على ذلك، ولكنه مقيد بقيد مجهول بالنسبة له. *** سطعت شمس يوم جديد، ربما ستنير بكشف حقائق للبعض وجمع آخر خيط بالعشق الروحي. بشقة تقى.
طرق شريف الباب، ففتحت والدتها قائلة بابتسامة هادئة للغاية: "شريف." دلف للداخل قائلًا بابتسامة واسعة: "صبااااح الخيرات والجمال وريحة الفطار اللي تدخل القلب." تعالت ضحكاتها قائلة بصعوبة التحدث: "عملت حسابك معانا، متقلقش." أقترب من الطاولة يتأمل الطعام بابتسامة واسعة: "لا كدا بقا هنزل أجيب عيش سخن وأجي، متقفليش الباب." تعالت ضحكاتها: "حااضر."
وهبط شريف للأسفل. استندت على الحائط بتعب شديد إلى أن خرجت من غرفتها، فتأملت القاعة بأمل تخفى حينما وجدت والدتها تقف بمفردها. خرج صوتها بارتباك وهي تبحث بعينيها عنه: "هو سيف كان هنا؟ تأملت لهفتها بالبحث عنه وأمنيتها بوجوده، فتلون وجه سماح بغضب كبت لسنوات، فصاحت بعصبية: "مفيش فايدة فيكِ يا تقى، كل اللي في دماغك سيف وبس؟ مش ناوية تفوقي من اللي أنتِ فيه دا؟ جلست على المقعد بتعب شديد والدمع يلمع بعينيها. فقالت ببكاء:
"غصب عني يا ماما." بادلتها الحديث بلهجة قوية للغاية: "لا مفيش حاجة اسمها غصب عنك، وأنا مش هسيبك كدا كتير ومش همشي من هنا غير ورجلي على رجلك. أنا سبتك بمزاجي، لكن دلوقتي لا." تطلعت لها بصمت، قطعته بدموع وصوت منكسر: "زي ما غصبتي عليا أتجوز سامي." أقتربت منها سماح والدماء تتغلغل بعروقها: "أنا مغصبتش عليكي تتجوزي سامي، أنا فوقتك من الحلم اللي أنتِ عايشة فيه. سيف عمره ما فكر بيكي بالطريقة دي وأنتِ عارفه كدا كويس."
صرخت ببكاء هستيري: "بس أنا بحبه ومش هبعد من هنا، حتى لو اتجوز وعاش حياته، كفايا إنـي أشوفه قدام عيوني." قالت تلك الكلمات وقلبها ينشطر لآنين وأوجاع. قالتها بصعوبة وقلبها يكاد يتوقف عن الخفقان. قالتها بحزن شديد لمس قلبه والدتها، فبكت هي الأخرى. قالتها والأخر يقف أمام باب شقتها بصدمة كبيرة. نعم، استمع لحديثها. نعم، هو الوحيد الذي تمكنت من إيصال كمية الوجع بحديثها لقلبه، ربما لأنه كان بنفس المعاناة من قبل. أقتربت
سماح منها قائلة بدموع: "حرام عليكي يا تقى، والله حرام اللي بتعمليه فينا دا." وجذبت حقيبتها وتوجهت للخروج، فأسرع سيف لشـقته قبل أن تراه. جلس على المقعد بإهمال يتذكر نظراتها وكلماتها الغامضة، فربما الآن قد توصل لنهاية المطاف وهو العشق الذي بقلبها.
غادرت سماح ودموع الحسرة تكتسح وجهها على ابنتها الوحيدة، لا تعلم أنها بالداخل تبكي بألم ومعاناة أكبر. استندت على الطاولة تحتضن دموعها، فالأمر صار معتادًا عليها أن تلملم دموعها بمفردها. أقترب منها بخطى مضطربة، ولكن أنين قلبه لسماع دموعها هو من ولج به للداخل. رفع يديه على رأسها، فرفعت وجهها بتعجب حينما رأته يقف أمامها. حاولت الحديث ولكن لم تستطع. تزاورتها أسئلة وشكوك مريبة، ولكن بالنهاية بينهم رابط عن سبب وجوده.
جذب المقعد وجلس بجانبها. عيناه تتحاشي النظر إليها، والصمت هو الإمبراطور بمملكة الأنين، حتى تمرد صوته فخرج بحزن: "أنا مش عارف أقولك إيه." "بس كل اللي أنا عايزك تعرفيه إنـي حاسس بيكي أوي، لأني مريت بنفس التجربة اللي أنتِ فيها وعارف بشاعة الوجع دا." تحاشت النظر له بعد افتضاح أمرها، فقالت بتوتر: "إيه الكلام دا يا سيف؟ ابتسم ومازالت عيناه تنظر للفراغ: "خلاص يا تقى، أنا عرفت كل حاجة."
وضعت عيناها أرضًا تبكي بقوة، فجاهدت للحديث بقوة حتى لو كانت مصطنعة، ولكنها فشلت بنهاية المطاف، فقالت بدموع: "اسمع يا سيف، أنا لما حبيتك مكنش قدامي قيود. بعترف إني لما اتجوزت أخوك كنت لسه بحبك، بس يشهد ربنا إني محاولتش أكون خاينة بأي شكل من الأشكال، حتى مجرد التفكير فيك." ثم أكملت ببكاء ونحيب قوي: "ماما صح، أنا لازم أمشي من هنا."
وتركته تقى وتوجهت لغرفتها تلملم ملابسها ومتعلقاتها الشخصية، ومازال يجلس هو بالخارج بحيرة من أمره، ولكنه اتخذ قراره بالرحيل، فربما سيجمعهم محطة أخرى ليرأف بها. *** بغرفة مالك. نهض عن الفراش بغضب شديد لمن تحاول إيقاظه منذ الصباح، فزفر قائلًا بغضب: "أيـييـيـيـه؟! جلست على المقعد المقابل له قائلة بابتسامة واسعة: "صباح الخير يا مالك." أعاد خصلات شعره المتمردة على عيناه قائلًا بضيق: "نعم!
داخلة في الوقت دا عشان تقوليلي صباح الخير؟! أعدلت من حجابها قائلة بغرور: "لا." رمقه بنظرة مستميتة، فهدوؤها يشكل خطرًا بالنسبة له، وما زاده دخول شاهندة للداخل قائلة بابتسامة واسعة: "صباح الخير يا أبه." تخلى عن الفراش مشيرًا بيديه: "هتقولوا في إيه ولا أطردكم وأخلص." جلست شاهندة بجوار منار قائلة بارتجاف: "أنتِ لسه مقولتيش." أجابتها بغرور: "من غيرك ميحصلش يا شاهي." ضيق عينيه بغموض، ثم جذبهم من أطراف ثيابهم قائلًا
بصوت مخيف: "أنا كنت عارف إنكم بتخططوا لكارثة، اجتماعكم انتوا الاتنين يعني كارثة على طول." خرج صوتها بخوف: "عيب كدا يا أبه، أنت تعرف عننا كدا؟ أسرعت منار هي الأخرى بالحديث: "إحنا ملاك ماشيين على الأرض." ":على بابا يابت." قالها مالك وهو يشدد من جذبها، فصرخت قائلة: "طب ياعم أحنا بالصلاة على النبي كدا عايزين نطلع رحلة." صاح كالرعد: "تطلعوا فين ياختي؟ ابتسمت شاهندة قائلة بصوت مرتفع: "رحلة يا أبه.. كملي يابت."
وبالفعل أكملت قائلة بابتسامة هادئة: "فكنا عايزنك تقنع الغول أقصد أبه يزيد يفك الحصار عننا." جذبهم بقوة قائلًا بسخرية: "دانا اللي هفك رقبتكم لو فتحتوا الموضوع دا تاني، فاااهمين؟ شاهندة: "أنا فهمت، شوف أختك." منار: "أنا فهمت من أول إمبارح." وهرولت الفتيات مسرعين من أمامه، فتطلع بغضب قائلًا بصوت مخيف: "قال رحلة قال، لا وأكلملهم يزيد دا اللي كان ناقص."
وأغلق الباب بقوة. أكملت الفتيات الركض لتصطدم بالمضلع البشري، أو ربما هو الغول كما يطلق عليه. تأملهم بنظرات ثابتة يتأمل بهم ارتباكهم الملحوظ، ثم أقترب منهم قائلًا باستغراب: "في إيه؟ جذبت منار شاهندة قائلة بابتسامة زائفة: "صباح الخير يا غ، أقصد يا أبه." شاهندة بنفس البسمة: "صباح العسل يا يزيد." رمقهم نظرات شك، ثم قال بنبرة لا تحتمل نقاش وعيناه على غرفة مالك: "هتقولوا في إيه ولا أطلع أعرف بنفسي؟ أسرعت منار قائلة بلهفة:
"كنا بنتحايل على مالك يودينا المول نجيب الحاجات اللي ناقصانا، ودا جهود من ثلاث أيام بنتحايل ومافيش نتيجة، وأنت عارف بنتحرج من الحرس ومش بنعرف نشتري حاجة." أشار برأسه بتفهم وأكمل طريقه لغرفة مالك قائلًا بنفس لهجة الثبات: "جهزوا نفسكم." ابتسموا بسعادة، فحاولوا من قبل أن يقنعوا مالك، ولكنهم حصدوا على موافقة من الغول نفسه، فكلمته كالسيف. ولج للغرفة فوجده يرتدي حذائه قائلًا باستغراب: "أنت لسه هنا يا يزيد؟
جلس على المقعد واضعًا قدمًا فوق الأخرى قائلًا بسخرية: "لا شبح." ابتسم مالك قائلًا بسخرية هو الآخر: "والمفروض إني أخاف وأجري؟ ابتسم يزيد: "لو هنتكلم على الافتراضات هنخسر بعض، صدقني." ألقى نظرة أخيرة على بدلته السوداء التي يرتديها مرات معدودة لاجتماعه العاجل. جذب يزيد المجلة الورقية يتطلع بها، ثم قال وعيناه عليها: "غير هدومك عشان هتروح المول." استدار قائلًا بنظراته الساحرة: "نعم ياخويا، مول إيه دا؟
":زي ما سمعت." قالها يزيد ومازالت عيناه على الجريدة. فابتسم مالك بخبث، فعقله من ألماس: "أوك يا يزيد، هروح معاهم المول، بس طبعًا سمعتنا قدام الناس اللي جايه من إيطاليا والاجتماع اللي بعد ربع ساعة دا لازم تحضره بدالي." أشار بلا مبالاة: "أوك." دلف سيف قائلًا بابتسامة مصطنعة: "صباح الخير يا شباب." مالك: "صباح النور يا سيفو، تعال اقعد." أجابه بعملية: "لا يالا عشان الاجتماع." مالك باستغراب: "مالك يابني؟ سيف بثبات:
"مفيش، بس بقول عشان مش نتأخر." مالك: "يزيد اللي هيحضر الاجتماع، أنا اتعافيت من المعاكسات النهارده." وهنا علم الغول ما يجول برأس رفيقه، فرمقه بنظرة مميتة، ولكن نظرة المكر مستحوذة على عين مالك. وقف ثم توجه للخروج قائلًا بصوت هادئ: "ماشي يا مالك، أرجعلك بس." ثم تطلع لسيف قائلًا بغموض: "يالا يا سيف." وبالفعل تبعه سيف للأسف، وهو بحالة من الفكر لا يرثى لها، لا يعلم بأن رفيقه يشعر به ويعلم بما يفكر.
بالأعلى، خلع مالك البدلة السوداء وارتدى سروالًا من الجينز الأسود وتيشيرت ضيق من اللون الأبيض، مرتديًا ساعته الفاخرة، وتاركًا رائحته عنوانًا لوسامته الساحرة. هبط للأسفل فوجدهم بانتظاره والابتسامة بادية بشدة على وجوههم. استند بجسده على الحائط قائلًا بمكر: "إحنا فينا من كدا؟ ابتسمت شاهندة قائلة بغرور: "كل شيء يجوز بالحرب." منار بتأييد: "أينعم، وأنا جيتلك واتكلمت معاك بما يرضي الله، والبت شاهي شاهدة." رفع ساعته قائلًا
بسخرية: "شاهدة على الخيرات ياختي.. انجزي بقا أنتِ وهي، مش عايزني أجي معاكم، ورحمة أبويا لأربيكم عشان تقولوا حقي برقبتي بعد كدا." هرولوا سريعًا لسيارته، فأرتدى نظارته الشمسية ولحق بهم. *** بمنزل محمود. تعالت ضحكات ليان قائلة بصوت متقطع: "خلاص يا محمود، والله هموت من الضحك." فاتن بسعادة: "والله أنا طول عمري بقول على الواد دا بارد جدًا ومستخف دمه، بس النهاردة حبيته لله في لله عشان رجعك لينا من جديد."
انكمشت ملامح وجهه بغضب: "بقا كدا يا أم محمود، ابنك بارد؟! فاتن بابتسامة واسعة: "أنت عارفني مش بحب الكذب." تعالت ضحكات ليان قائلة بغرور: "وأنا أتفق مع مامتي العسل فيما نُسب إليك." محمود بسخرية: "دلوقتي بقيتوا حلف، دانا كنت هاخدك معايا المول وأنا نازل أشتري لنفسي حاجات، قولت آخد البت أنقلها معايا كام فستان، بس غيرت رأيي." ليان بلهفة: "بجد يا محمود؟ يارب نفسي أخرج." قالت والدته بجدية:
"مينفعش يابني، دي لسه تعبانة، أنت شايف اللي حصلها في المستشفى آخر مرة." أسرعت ليان بالحديث: "أنا بقيت أحسن والله، طب تعالي معايا." محمود بتفكير: "والله فكرة." فاتن بخبث: "لو هتجيب لي فستان أنا كمان هجي." تعالت ضحكاتهم بسعادة، فحقق معتقدات ليان بأن بقاءها معهم سيجعلها تتحسن سريعًا، على عكس والدتها، فلم تهتم بها بعدما أفاقت من الجراحة، كل ما أعناها بأن ابنتها مازالت على قيد الحياة. *** بشركات نعمان.
وصل يزيد لمكتبه فوجدها تجلس على مقعدها بهدوء مريب، وتعب بدا على وجهها، حتى أنها حاولت الوقوف حينما رأته، ولكن لم تستطع. ود لو اقترب منها ليعلم ما بها، ولكن سيف يلاحقه كظله، فدلف لمكتبه يدرس الملف الذي قام مالك بدراسته من قبل. جلس على يمينه سيف، وهو بداومة من الفكر، فأخرجه منه يزيد قائلًا بثبات: "الـلي بتفكر فيه مش منطقي يا سيف." رفع رأسه قائلًا بصدمة: "وأنت عارف أنا بفكر في إيه؟ خرج صوت يزيد قائلًا بثبات وعيناه
مازالت تتفحص الملفات: "عارف تفكيرك كله أنها كانت زوجة أخوك، بس اللي مش قادر تستوعبه بأنه خلاص توفى." زفر بقوة كأنه يخرج همومه دفعة واحدة، ثم صاح قائلًا بحيرة: "مش عارف أفكر يا يزيد، هي مهما كانت بنت خالتي وأنا مش هعرف أشوفها بتتعذب كدا، لأني جربت نفس الإحساس دا قبل كدا." قال كلمته الأخيرة بحزن شديد، واسترسل كلماته: "بس مش قادر أنسى أنها كانت زوجة." قاطعه قائلًا بهدوء: "كانت." أعاد رأسه على المقعد قائلًا باستسلام:
"مش عارف أفكر خالص يا يزيد، بجد حاسس إني في دنيا تانية." وضع الملف بجواره قائلًا بثبات: "سيف، أنا الوحيد اللي عارف قد إيه تقى اتبهدلت وعانت، هي مش بتحبك من يوم ولا من شهر، من سنين، عشان كدا بقولك اديها فرصة، وعشان أنا ابن خالتكم انتوا الاتنين وفاهمكم كويس بقولك الكلام دا." أشار برأسه باقتناع. فدلف العامل ليخبرهما بأن المجموعة وصلت لقاعة الاجتماعات. أعطى يزيد الملف لسيف وأخبره بأنه قادم خلفه، فتوجه الآخر للقاعة.
خرج يزيد من مكتبه يتأملها باستغراب، ثم أقترب منها قائلًا بنبرة عملية مصطنعة: "رجعتي الملفات اللي أدتهالك امبارح؟ رفعت عيناها قائلة بنبرة ساكنة: "أيوا يا فندم." وجذبت الملفات وتقدمت منه وقدمتها له. تناولها منها قائلًا بصوت متلهف: "أنتِ كويسة؟ أشارت برأسها قائلة بعملية: "الحمد لله." لاحظ أنها ليست على ما يرام، فقال بشك: "متأكدة؟ اكتفت بإشارة من رأسها، فأكمل طريقه للقاعة. *** بالمول.
لم تكلفه شاهندة عناء الشراء على عكس شقيقته، فمن الصعب إرضاء ذوقها. زفر مالك بغضب: "كل دول ومفيش حاجة عجبه حضرتك." منار بغضب: "مفيش حاجة عجبتني، الله." ثم خرجت للمقابل له تنقي ما تريد. أخبرت شاهندة مالك أنها ستجلس بالأسفل حتى ينتهوا من جولة منار بالشراء. أقتربت من الفساتين المعلقة تختار منهم بملل. فوقف مالك يتأملها بغضب شديد. على الجانب الآخر.
كانت تنقي ليان ما تريد، فأبتعد عنها وعن والدته التي تعاونها على المشي. رفع يديه ليجذب إحداهما، فتفاجأ مع من تقف بجواره. تطلعت له منار بخجل شديد، على عكسه كان يتأملها بابتسامة جذابة، ثم قال: "حيرانه في الاختيار ليه؟ رفعت عيناها بخجل وهي تتأمل الفساتين قائلة بحزن: "لفيت المول كله ومافيش حاجة عجبتني لدرجة إن أخويا قرب يقتلني." تعالت ضحكاته التي أسرت قلبها، فأخفضت بصرها على ما بيده بإعجاب. لاحظه، فقال بجدية: "عجبك؟
أشارت له برقة، فناوله لها قائلًا بابتسامة هادئة: "هيليق عليكِ أكتر من ليان." قالت بتطرف: "مين ليان؟ ابتسم قائلًا بنظرات غامضة: "أختي." رفع عينيه على الفستان المقابل له وحمله قائلًا بتفحص: "طب إيه رأيك في دا؟ طارت نظراتها به، فقدمه لها قائلًا بابتسامة ساحرة: "إحنا في الخدمة." ابتسمت برقة، فغادر ليبحث ما يناسب شقيقته. لما تتركه نظراتها إلى أن اختفى من أمام عينيها.
وقفت ليان بمفردها بعدما دلفت فاتن الغرفة الخاصة بالملابس، تتطلع للفراغ بصمت، إلى أن شعرت بدفء مريب بمكانها، فأستدارت لتجده يقف أمام عينيها، بطالته المرسومة بحرفية. طافت عيناه المكان بملل، إلى أن تلاقت مع من تتأمله بصدمة، فتأملها بشيء لا يوصف من الصدمة والفرحة والاستغراب. أقترب منها وهو كالمغيب.
كلمات يزيد تتردد بذهنه: "ليست صدفة". تلك الكلمة أشعلت بداخله موجات يصعب وصفها. وقف أمام عينيها، فلم يعد يفصلها عنه الكثير. تذكرت أنها رأته من قبل، ليس بالمشفى، هو الظل الذي يراودها بأحلامها كثيرًا، هو من يقف أمام عينيها. لم تجد الكلمات مخرجها الصحيح، فما من شيء مناسب للقول. خرجت فاتن من الغرفة بعدما ارتدت الجلباب الفضفاض قائلة دون النظر لمن يقف: "حلوة عليا يا لين."
قطعت النظرات بينهم. أيقظتهم على حلم اليقظة. نعم، إنها ليست سلسلة أحلام. لا، هو واقع غامض بين الأرواح. أقتربت فاتن منه قائلة بتذكر: "أنت! انتبه لكلماتها، فتطلع لها ليتذكرها هي الأخرى، وليان بحالة استغراب من معرفتهم ببعضهم. رفعت يدها قائلة بفرحة: "أزيك يا حبيبي." أشار لها بعينيه وابتسامته التي تكاد ترسم لصدمته: "الحمد لله، أخبار بنت حضرتك؟ تطلعت له ليان بصدمة، فأكملت الأخرى وهي تطلع لليان بسعادة:
"الحمد لله يابني، بدعيلك والله." ثم تطلعت لليان قائلة بابتسامة واسعة: "دا الشاب اللي اتبرعلك بالدم يا حبيبتي." صدمة اجتازت أواصرها، ولكن لم تكن كصدمته. حديثها الآن أكد له أنها لم تكن صدفة. قلبه أشعل بالفكر، فلم يجد الإجابة سوى أن القدر يلعب به لعبة مريبة، أو أنه اختل عقليًا ليصدق ما يحدث. لم يستمع لكلمات فاتن، فاستأذنت من ليان ودلفت لتبدل ملابسها، ربما تركت لهم مساحة من الوقت. كانت بحالة من الارتباك، فخرج صوتها
قائلة بتوتر لما هي به: "مش عارفة أشكرك إزاي؟ نظراته ساكنة، فخرجت الكلمات بدون عقل: "تتجوزيني." قالت بصدمة: "نعم؟! ابتسم قائلًا بتأكيد: "زي ما سمعتيها بالظبط." تلربكت ملامح وجهها، فقالت بصوت منخفض: "أنت مجنون صح؟ أجابها بصدق: "ياريت أكون مجنون، أرحم من اللي أنا فيه." لم تقو على تحمل كلماته، والأقسى نظراته الجامحة التي توقعها ببئر عميق ليس به مخرج سوى الغرق بطياته.
أنهت فاتن تبديل ثيابها، ثم خرجت، فألتقطت ليان نفسها حينما ابتعدت عنه، على عكسه هو. توقف قلبه ببطء، فتعلقت العينان ببعضهما البعض حتى اختفت من أمامه. أقترب منهم محمود قائلًا باستغراب: "خلصتوا؟ أجابته والدته بابتسامة هادئة: "أيوا يا حبيبي." رفع يديه لليان قائلًا بغرور: "رايك بذوقي يا ليو." كانت بعالم آخر، لم تستمع لأحد منهم، خطفت النظرات لمن يقف متخفيًا، ولكنه ظاهر أمامها عن تعمد.
شعرت بأن هناك ما يربط بينهم، ربما لو علمت بأنها تبرعت له من قبل بدماءها، علمت صدق حديثه. أما هو، فشعور مريب يطارده، ولكن ما يعلق بتفكيره أن لا يتركها من بين يديه. خرجت تبحث عنه، فقالت بصوت لفت انتباه الجميع: "أنت فين يا مالك؟ أنا خلصت." استدار محمود والجميع لها. لاحظت منار وجود محمود وأسرته بنفس الرواق، فأقتربت منهم قائلة بابتسامة رقيقة وهي تشير على ليان: "دي أخت حضرتك." ابتسم قائلًا بتأكيد:
"أيوا يا ستي، ودي والدتي." رفعت يدها تبادل السلامات بينهم، فأنغمست فاتن بالنظرات بتلك الفتاة التي تمتاز بخلق بادٍ من طريقة حجابها الفضفاض وأسلوبها الرقيق بالتعامل. شعرت ليان بالارتياح لها، فأبتسمت وهي تخبرها بأنها أنهت المرحلة التعليمية، وهي الآن تشعر بالارتياح لفراغها. فاتن: "وأنتِ يا حبيبتي جاية المول لوحدك؟ استدارت بتذكر: "لا." ثم أشارت لمالك الذي أقترب،
فقالت بابتسامتها المميزة: "دا مالك أخويا، ودا دكتور محمود دكتوري بالجامعة." تطلع مالك لمحمود بصدمة، وهو الآخر تعلو صدماته، ثم قال بصوت خافت: "مالك نعمان؟! ابتسم مالك قائلًا بغموض: "حققت أمنيتك وبقيت دكتور جامعة." أحتضنه محمود قائلًا بسعادة: "ياه على السنين، مش مصدق إني شوفتك بعد كل السنين دي." منار بصدمة: "أنتوا تعرفوا بعض؟ محمود بتأكيد:
"إحنا كنا بدسك واحد أنا وهو ويزيد، وكنا أكتر من الأخوات، اتفرقنا بالكليات، كل واحد دخل كلية شكل." مالك بغضب: "مفكرتش تسأل علينا ولا مرة؟ هتفضل زي ما أنت واطي." محمود بتأييد: "واطي فعلاً، سبك وقولي إيه الجديد؟ أنا كنت سامع إنك كتبت كتابك." لا تعلم لما توقف قلبها حينما سمعت حديث أخيها. نظرات مالك لها غامضة، كأنه يخبرها بأنها مازالت تشك بأن هناك رابط مريب بينهم. خرج صوت مالك أخيرًا: "فعلاً، بس الفرح مكملش." أجابه بلهفة:
"ليه؟ تلون الحزن وجه مالك، ولكنه قال بثبات: "عملت حادث من خمس سنين وهي كانت معايا بنفس العربية وتوفت." فاتن بدموع: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصبرك يا حبيبي." ثم استدارت بوجهها لمحمود: "سبحان الله، صاحبك اللي اتبرع لليان بالمستشفى." محمود بذهول: "بجد؟ ابتسم قائلًا بنظراته الفتاكة: "أهم حاجة إنها كويسة." ثم وجه حديثه لمحمود:
"تعال ننزل تحت في الكافيه، أهو نتكلم شوية، وبالمرة أجيب أختي، عفت نفسي من المهمة المميته دي." تعالت ضحكات الجميع، على عكس ليان التي تلتزم الصمت والذهول. شعورها بأنها بحلم، أو تعدت مرحلة الجنون، كيف تحلم بأحد لخمس سنوات وتراه أمام عينيها؟! هبط الجميع للأسفل، فأقتربت شاهندة منهم بغضب: "كل دا يا أبه؟ رفع يديه بطريقة درامية: "مش أنا يا قلب أبه، وأنتِ عارفه." ابتسمت قائلة بهدوء: "خلاص عفونا عنك."
تعالت ضحكات فاتن، فتطلعت لها شاهندة بتعجب. عرفتهم منار ببعضهم، ثم جلست ليان وفاتن على طاولة منار وشاهندة، وجلس محمود مع مالك على طاولة منعزلة. *** بالمقر. خرج يزيد من غرفة الاجتماعات، فزفر قائلًا وهو يتأمل حالة سيف: "يا بني مش هتاخد عليك كدا، يا تفرد وشك يا تغور من هنا." رمقه بنظرة محتقنة، ثم رفع الملفات من يده على صدر يزيد قائلًا بضيق: "أنت صح، أنا همشي من هنا عشان أرتاح من خلقتك العكرة، أنت وابن عمك."
وغادر سيف، ليبتسم يزيد قائلًا بمكر: "لو حد تاني مكنش هيمشي على رجليه." وناول الملفات للعامل وتوجه لمكتبه. وقف بخطاه وهو يرمق مكتبها بنظرة تمردت على ثباته، فلم يجدها، فأكمل طريقه للداخل. أغلق العامل باب المكتب، فتوجه لمقعده، ولكنه توقف عن الخطى حينما لمحها تفترش الأرض بإهمال. حملها بين ذراعيه بلهفة تحتل وجه يزيد نعمان لأول مرة، فصرخ للعامل الذي طلب الطبيب على الفور.
وضعها على الأريكة ونظراته تمتلأ بالخوف، يتأمل تلك المشاكسة التي احتلت وجهها العبث. دلف الطبيب، فأسرع إليها، وبعد ما قام به من فحص أخبره بلطف: "واضح إنها بتمر بظروف صعبة مؤثرة على نفسيتها بالسلب." أجابه بصدمة حقيقية: "ظروف إيه؟ دي مش بتبطل ضحك ولا هزار." علق الطبيب حقيبته قائلًا بخوف: "أنا دكتور يا يزيد بيه، وقلت اللي شايفه." أشار له بثبات، فوضع الأدوية على الطاولة المجاورة لها قائلًا بهدوء:
"5 دقايق ومفعول الحقنة هيشتغل وهتفوق." أشار له برأسه، فتتبعه العامل للخارج. جذب يزيد المقعد وجلس على بعد ليس ببعيد منها يتأملها بصمت وزهول. كيف تبتسم إن كان بداخلها هم أو مشكل ما؟ بدأت بسمة باستعادة وعيها بضعف شديد، فوجدته أمامها. استقامت سريعًا بجلستها قائلة باستغراب: "هو إيه اللي حصل؟ لم يتخل عن ثباته، فخرجت نبرته المعتادة: "المفروض إن دا سؤالي أنا." رفعت يدها على وجهها قائلة بتعب:
"أنا كنت برتب الأوراق ومحستش بنفسي بعد كدا." رفع عينيه يتفحص وجهها، فقال: "خدي الأدوية اللي قدامك هتريحك." رفعت يدها، فجذبت الأقراص من أمامها، ثم ارتشفـت المياه قائلة بامتنان: "شكراً." ":مفيش داعي للشكر." قالها يزيد وعيناها تتفحصها. وقفت، ثم توجهت للخارج، ولكنها توقفت حينما استمعت لصوته: "لو حابة تحكيلي على اللي مضايقك، مستعد أسمعك." استدارت باستغراب: "مضايقني إزاي؟ تخلى عن مقعده واقترب منها قائلًا بابتسامة هادئة:
"الدكتور بيقول كدا." ابتسمت قائلة بحزن: "لا، مفيش عندي مشاكل، إلا عندي مستحيل حد على وجه الأرض يحله." ضيق عينيه باستغراب، فأكملت بدموع: "الأشخاص اللي بيسيبوك بمحطة الموت صعب حد يرجعهم لحياتك. شوفت إنه مفيش حل لمشاكلي." وتركته ورحلت، لينقبض قلبه بعدما رأى دمعاتها. *** غادر كل منهم وجهته بعدما اتفق محمود ومالك على زيارته لهم بالمقر قريبًا. صعدت ليان السيارة وتظراتها متعلقة به، لا تعلم لما يراودها هذا الشعور؟
كل ما تعلمه بأن هناك أمرًا ما. على عكس مالك، فكان متجهم التفكير، كيف ذلك؟ تذكر كلمات رفيقه: "أنها ليست صدفة". أن تأتي فتاة منذ خمس أعوام تنقذه من الموت، ويأتي هو ينقذها من الموت حينما كانت بحاجة إليه. يا له من قدر، أو ربما اجتماع أرواح، وربما هنالك قلوب ستصنع قصة عشق مخلد. *** بشقة سيف.
وقف أمام باب شقته ونظراته على الباب المقابل له. كلماتها تجعله كالعاجز الذي لا يقوى على الحركة. لأول مرة يشعر بأنه لم يتخذ القرار الصائب. دلف للداخل، فتمدد على الأريكة وكلماتها تصدح بأنحاء الغرفة، جعلته كالدمية الفاقدة للتنفس والحياة. دلف شريف للداخل قائلًا بغضب: "أنت راجع من غير الأكل ليه؟ أجابه الآخر بشرود وتماسك: "اطلب اللي أنت عايزه من الفون." قال بضيق:
"لا مش بيعجبني، انزل أنت هات من المطعم اللي بتجيب منه أكلهم جميل." زفر سيف بغضب: "أنت بتطلب مني ولا بتأمرني؟ انزل هات اللي يعجبك وحل عني أحسن لك." شريف بمرح: "أحل عنك إزاي يا سيفو؟ وأروح فين أنا واللي في بطني دا؟ يرضيك كدا تخني بعد العشرة يا خاين؟ انكمشت ملامحه الرجولية بقوة، فجذبه قائلًا بسعادة: "تصدق أنا كان نفسي أطلع خنقتي على حد، وكالعادة أنت ابن حلال." خرج صوته بصعوبة: "مين قالك كدا؟
أنت كنت سألت أمك قبل ما تموت إذا كنت ابن حلال ولا لا." لم يتمالك أعصابه، فهوى على وجهه بلكمة، وكالعادة تمدد غائبًا عن الوعي، ليرمقه سيف متمتمًا بغضب: "أنت ليه بتحسسني؟ أنا بديك بنج يالا، مش مهم، المهم أرتاح من برودك." *** عاد الجميع للقصر، فصعدت الفتيات للأعلى لترى أمل ماذا اشتروا. وضع مالك مفاتيحه على الطاولة وهو يبحث بعينيه عن رفيقه، إلى أن وجد نور المكتب مضيئًا، فعلم بوجوده.
ولج للداخل، فجلس على المقعد بإهمال، والصدمة مازالت متخفية بملامح وجهه. أعتدل يزيد بجلسته حينما رآه، فقال باهتمام: "في إيه؟ زفر بقوة، ثم قال بصوت ثابت: "مش عارف، أنا اللي اتجننت ولا الدنيا ولا في إيه؟ ابتسم بسمته الرجولية قائلًا بسخرية: "جايز انتوا الاتنين." رمقه بجدية، فأنصت له ليكمل مالك: "شوفتها." يزيد بصدمة: "تاني؟! أشار برأسه واسترسل حديثه: "هي نفسها البنت اللي أنا اتبرعت لها بالدم من كام يوم."
نظرات يزيد لم تكن أقل من نظرات مالك منذ قليل، فترك مقعده وجلس مقابل له قائلًا بذهول: "أنا مش مصدق اللي بسمعه. سبحان الله قادر على كل شيء، تظهر لك في وقت كنت بتواجه فيه الموت وتقدم لك حياة، وتيجي هي بعد خمس سنين تواجه نفس المصير وتكون أنت اللي تخرجها منه!!!! مالك بهدوء مريب: "معتش عارف أفكر، لما شوفتها لقيت نفسي بطلبها للجواز، قالت إني مجنون." ابتسم يزيد قائلًا بجدية:
"أكيد في واحد يشوف بنت مرتين ومايعرفوش عن بعض حاجة ويطلبها للجواز. أكيد يعني هي متعرفش الكلام اللي انت جمعته دا." لمعت عيناه بشرارة غريبة: "لازم تعرف." يزيد بتفهم: "ناوي على إيه؟ ابتسم قائلًا بأريحية: "أخوها هو نفسه محمود زميلنا." يزيد باستغراب: "محمود مين؟ ثم صاح بتذكر: "بجد محمود، هو فين؟ ابتسم قائلًا بسخرية: "بقا دكتور جامعة زي ما كان حابب، بس أنا أقنعته يجي لنا الشركة عشان نفسه يشوفك." أجابه بتأكيد:
"وأنا كمان والله نفسي أشوفه." صمت قليلاً، ثم قال بابتسامة مكر: "متقولش بقا إن دي كمان صدف؟ تعالت ضحكات مالك قائلًا بصعوبة من وسط سيل الضحكات: "أنا مش مصدق اللي بيحصل لحد دلوقتي." اكتفى بابتسامة صغيرة قائلًا بثبات: "مش عارف مالي، بس شاكك إني هحصلك بالجنون عن قريب." اعتدل مالك بجلسته قائلًا بصدمة: "الغول وقع؟!!!! صاح بغضب: "بقول شاكك، لسه متأكدتش من مشاعري." مالك باهتمام: "مين؟ وفين؟ وأمتى؟؟؟
كاد أن يجيبه ولكنه تصنم محله، لتحتل علامات الغضب عيناه حينما وجده يقف أمامه. تطلع مالك لما أغضبه هكذا، فحل الغضب قسمات وجهه. أقترب طارق من أخيه قائلًا بحزن: "يزيد اسمعني، والله أنا... قاطعه حينما صرخ به بقوة زلزلت القصر: "اخرج من هنا فورًا قبل ما أفقد أعصابي وأقتلك بإيدي." أقترب منه مالك قائلًا بتحذير: "اهدأ يا يزيد، الله." ثم استدار لطارق قائلًا بغضب: "وأنت ليك عين تدخل هنا؟ وضع عيناه أرضًا قائلًا بحزن:
"أنا عايزكم تسمعوني بس." ":اللي عملته لا يغفر لك ولا يشفع لك. اخرج من هنا قبل ما، ورحمة أبويا، أنسى إنك أخويا وأقتلك بإيدي." قالها يزيد بعدما ترك مقعده ليقف أمام عينيه. جذبه مالك بقوة، فمازال قوته الجسمانية تجتاز للتداخل: "قولتلك ميت ألف مرة، اتحكم في أعصابك." استمع له وجلس على مقعده مجددًا ونظراته تكاد تخترقه، فقال طارق بدمع يلمع بعينيه:
"يا يزيد، أنا وحش وعارف دا، بس عمري ما أوصل للحقارة دي. صدقني، أنا كنت مغيب خالص، مش عارف كان مالي في اليوم دا. أنا عارف إن الشلة اللي أنا معاهم مش كويسة، بيشربوا وبيعملوا أكتر من كدا، بس والله كنت بروح أسهر معاهم من غير ما أشرب حاجة. أنا فاكر اليوم دا كويس، مش عارف إيه اللي جرالي خلاني مش عارف أتحكم في نفسي خالص، ولما صحيت تاني يوم الصداع كان هيفرتك دماغي، والبنت كانت مرمية جنبي بالمنظر اللي أنا مقدرتش أستحمله، هربت وأنا مش عارف حصل إمتى وإزاي، ولا أعرف مين دي، حتى؟
تطلع مالك ليزيد بنظرة جعلته ينقل ما يفكر به له، فخرج صوته الصارم المصطنع: "دا مش تبرير. عمومًا، اطلع أوضتك وسيبني أتكلم أنا وأخوك شوية." تطلع له طارق بصدمة من حديثه وهدوء يزيد، ولكن أمام نظرات عين مالك الجامحة انصاع له وصعد لغرفته. نقل نظراته لمالك قائلًا بغضب: "إيه اللي عملته دا؟ أوعى تقول لي إنك صدقته؟! جلس مالك على المقعد وعيناه تزوغ بالفراغ قائلًا بثبات: "طارق عمره ما كان كداب يا يزيد، هو كدا أكد لي شكوكي."
":اللي هي؟! " قالها يزيد بسخرية، فرمقه بنظرة غضب قائلًا بثبات: "هتعرف لما أجيب الكلاب دول، وساعتها لو طلع اللي في دماغي صح، ورحمة أبويا، لتكون نهايتها على إيدي، بس لحد ما دا يحصل، طارق يبقى هنا." وقف والغضب ينهش وجهه: "ماشي يا مالك، هصبر، بس والله لو طلع إنه له دخل من قريب أو من بعيد، أنت عارف تصرفي هيكون إزاي؟ قال بثبات: "طارق فعلاً عمل كدا." صاح بعصبية: "أنت هتجنني!! أقترب منه مالك بعينيه الغامضة:
"يزيد لازم تهدأ وتسمعني. في فرق بين إنه عمل كدا برغبته وبين إنه كان غصب عنه، ودا اللي أنا هعرفه، وخليك عارف نقطة مهمة، إن نوال لو ليها دخل بالموضوع دا، أكيد هتكون عرفت الفايدة." شعلل فكره، فتطلع ليزيد بصمت، فمازال تفكيره عميق للغاية، ولكن ماذا لو أن هناك رابط خفي ومجهول؟ *** سطور من عشق ستسطر بالتاريخ بتجمع #معشوق _الروح... ليان*مالك...
معركة ستخوضها ضد مجهول لتأسر من متعجرف، وربما ستخسر شيئًا ما سيجعلها مأسورة الغول تحت مسمى #معركة _العشق _والغرور. انضم لقائمة الأبطال ليحصد رقمًا قياسيًا بكنـيته المجهولة، فربما سبب ما سيجعلها من حلف الانتقام ليقلب السحر على الساحر ويكون الضربة القاضية لنوال نعمان. #فراس... عشق سيتغلف على قلبه ليصنع عالمه الخاص الذي سيدمره عاصفة رملية فتجعله كالبركان الناري. #سيف _تقى... مجهولات... وعشق...
علاقات ستحفر عالم العشق. #محمود _منار......... #شريف... فتاة ما... ربما مجرم نزع قلبه من الرحمة، وربما ضحية للثائر من يزيد نعمان. #طارق... انتظروا أحداثًا من نوع آخر ستدمر القلوب قريبًا ب#معشوق _الروح (#معركة _العشق _والغرور) #بقلمي _ملكة _الإبداع #آية _محمد _رفعت *** أشكر كل اللي تفهم الظروف اللي بمر بيها، وأنا قدرت دا بأني أول ما برجع البيت بسهر بقالي كام يوم عشان أعرف أكتب الفصل. الرواية الورقية #تمائم _عشق _لم
_يكتمل بمعرض إسكندرية بأرض الكوته #جناح _39 _دار إبداع للنشر. أتمنى الرواية تعجبكم ومتنسونيش بالدعاء #آية _محمد _رفعت ***
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!