أخذت (جميلة) محارم تمسح دموعها وهي تقرأ آخر صفحات المذكرات التي تقص فيها الخادمة أسرارًا لا أحد يعلم بها.
"أنا مش عارفة الكلام هيوصل لمين وإزاي، بس أنا آسفة إني خبيت عليكي يا عبير، وآسفة لوفاء. أنا كان بيني وبين نبيل علاقة، وهو حكالي بكل حاجة قبل وفاته بأسبوع. وبعد كده أنا شفت وسمعت كل حاجة بنفسي. شفت الخناقة اللي حصلت بينه وبين مظهر، وكنت داخلة أفصل بينهم بس ملحقتش عشان هو وقع ومظهر هرب. وبعد كده اكتشفت إن سلوى كانت واقفة بتتفرج على كل حاجة وبتراقبهم من الأول. وعرفت إن سلوى بتهدد مظهر بالورق اللي هو نسيه يوم موت نبيل،
وخسرته كتير أوي من تحت التهديد وهو طبعًا ما يعرفش إن اللي بتهدده هي سلوى. حقك عليا إني لما جيتلك قبل كده قولتلك نص الحقيقة وكدبت عليكي. واعتذري لأدهم من الدنيا، محدش كان يستاهل اللي حصل. ارجعي لأدهم يا عبير عشان هو أكتر واحد اتظلم، وخالد أكتر واحد بيحبك في الدنيا."
أغلقت المذكرات وأخذت تبكي بحرقة بقهر، تتمنى أن يتجسد الماضي على هيئة إنسان حتى تقتله وتسترِيح من عذابه. تتمنى أن يرجع والدها لأمها ويجتمعون كعائلة سعيدة. ليس بيدها شيء، غير التفكير والضغوطات والأرق. مشاكل نفسية، كتمان الحقيقة وتحملها وحدها، تشوهات عقلية، وسواس قهري، متلازمة الحديث المفرط مع النفس. ضمت (جميلة)
رجليها إلى صدرها وهي جالسة على الأرض وقد اختلطت الدموع بالمُخاط والعرق، وشرعت تتذكر أول رحلتها في العلاج النفسي بعد معرفتها بالحقيقة وقرائتها لمذكرات الخادمة أول مرة. بعد قرائتها بدأت دائمًا تفكر وتبكي وتنْـعزل عن الناس. لم تذق طعم النوم، لم يرتاح لها بال. كانت تشعر دائمًا بالضياع والتوهان، والعصبية والانزعاج، دائمة البكاء. ومع الوقت بدأت الأفكار التشاؤمية تتدفق إلى عقلها. "ماذا لو حاول مظهر فعل شيء آخر في والدي؟
ماذا لو علم أحد بالقصة كاملة سيحدث مشكلة كبيرة؟ وماذا عن أبي؟ هل سيموت بجرعة زائدة من المخدرات؟ هل سيقتله مظهر في يوم ما؟ هذا هو كان حالها في ذلك الوقت، أفكار تشاؤمية غير منطقية، تفكير زائد يصل إلى ساعات وهي في انعزال تام عن جميع البشر وعن نفسها أيضًا. فكانت لا تشعر بالوقت وهي جالسة مع نفسها. كانت تذهب إلى سريرها في الواحدة صباحًا لكي تنام، وإذا فجأةً تسمع صوت المؤذن يرفع أذان الفجر.
حتى وصل معها الأمر إلى التفكير المفرط في أي شيء في حياتها. بدأ عقلها برسم سيناريوهات تشاؤمية غير منطقية بالمرة لأشياء من وهمها وليس لها صلة بالواقع. ومع كثرة السيناريوهات بدأت تُدير محادثة مع نفسها في داخلها، حوار داخلي متكرر لا ينتهي بسهولة، حتى بدأت تفرغ وقت لنفسها حتى تقضيه في عمل سيناريوهات داخلية، حتى وصل بها الحال إلى الحديث مع نفسها بصوت مسموع، ولم تستطيع السيطرة على أفكارها.
جميع من حولها لاحظوا تغييرها، وقرر أخوها عرضها على طبيب نفسي، لتخرج من حالتها وانهيارها. ومع الوقت أخذ يسأل عن طبيب نفسي مناسب لسنها ويكون متميز بأسلوب راقٍ. وقد بدأت صديقتها المقربة (روان) تسأل مع (رحيم) ، ومع مرور الوقت من البحث عن طبيب، رأت (روان) إعلانًا عن طبيبة نفسية وكاتبة قامت بنشر كتابها الثاني، فبحثت عنها ووجدت إنها من أمهر الأطباء في مصر رغم إنها ما زالت في بداية الثلاثينات.
ذهبت لها في المرة الأولى برفقة صديقتها وأخيها، للتعرف على الطبيبة. كانت العيادة في المعادي تقع في مبنى قديم، لكنها كانت مصممة بشكل عصري ومريح. الألوان البُنية الفاتحة المريحة والديكور البسيط مع بعض النباتات الخضراء، بالإضافة إلى الموسيقى الهادئة، خلقت جوًا من السلام الداخلي. كانت رائحة جوز الهند تفوح في المكان، مما يُعطي شعورًا بالاسترخاء.
استقبلتهم موظفة الاستقبال وسمحت لهم بالدخول إلى الطبيبة. توغل لهم الشعور بالدفء عندما دخلوا إلى مكتبها، الألوان البُنية المريحة ورائحة جوز الهند مع الأزهار التوليب البيضاء والزرع الأخضر يشعرهم بالدفء. وعلى مكتبها مجموعة من كتب علم النفس والفلسفة وبعض الصور العائلية. والحوائط بها لوحات هادئة ينبعث منها الراحة.
أما عن الطبيبة فكانت متوسطة الطول ممشوقة القوام شعرها بني مرفوع كذيل الحصان طويل بشرتها فاتحة ووجهها مستدير خالي من أي مستحضرات تجميلية، استقبلتهم بترحيب. "أهلاً وسهلاً، اتفضلوا." "أهلاً بحضرتك يا دكتورة، إحنا جايين هنا عشان جميلة أختي، هي مش كويسة خالص ودايمًا بـ... بترت الدكتورة حديثه بإشارة من يدها
ثم قالت بابتسامة هادئة: "معلش أنا آسفة، بس أنا بحب المريض هو اللي يحكي عن حالته. تقدر يا أستاذ تسبب جميلة أختك ومتخفش عليها." أومأ لها بتردد وخوف على أخته ثم خرج ومعه (روان) (جميلة) بالداخل مع الطبيبة. "إزيك يا جميلة، تعالي نقعد هناك جنب الزرع والورد بلاها قاعدة المكتب أو الشازلونج اتفضلي." جلسن ثم قالت الطبيبة: "تعالي نتعرف يا جميلة، أنا اسمي حياة، حياة المدبولي، عندي واحد وتلاتين سنة، وإنت؟ ترددت في البداية
أن تحكي لكنها قالت: "جميلة أدهم القماش، هكمل التمنتاشر بعد كام شهر." "أخوكي بيحبك وبيخاف عليكي أوي، ليه تخليه يقلق عليكي؟ احكيلي أنت مالك؟ الموضوع بدأ صعبًا عليها لا تعرف ماذا تحكي، حتى أدمعت عينيها وجف حلقها فقالت لها الطبيبة: "جميلة أنتِ هنا في أمان، اتكلمي يا حبيبتي عرفيني مالك." "أنا عايزة أغير حياتي، عايزة أخلي عيلتي جنبي وفي أمان، نفسي أحس بالأمان." "ده كلام كبير أوي، طيب احكيلي فيه إيه في حياتك عايزة تغيريه؟
بكت ثم قالت بمرارة: "نفسي أغير الماضي، الماضي صعب أوي، ولسه مأثر علينا كلنا، عايزة أصلح كل حاجة." "زي إيه؟ "نفسي أحذر بابا وخالد من مظهر، ونفسي أحذر جدي من سلوى، ونفسي أحذر ماما من جدي، كل الناس غدرت ببعض، وأنا في الآخر بشيل ذنبهم كلهم." "اتكلمي أكتر يا جميلة لو عايزة تحكي احكي واعرفي إن اللي بيحصل هنا مش بيخرج أبدًا."
ترددت في الكلام وظلت تبكي لمدة ربع ساعة متواصلة، وطول المدة جالسة الطبيبة أمامها دون مقاطعتها، حتى سئمت البكاء وبدأت تتوقف، فقالت (حياة) : "لو عايزة تكملي عياط كملي، خرجي كل مشاعرك، ولو عايزة تقولي أنتِ حاسة بإيه قولي. لو حابة تحكي التفاصيل هسمعك."
"دكتورة أنا عايز اكي تشوفي لي حل مع دماغي، دماغي مش بتسكت أبدًا، دايمًا بتخيل حاجات ملهاش وجود ووحشة أوي، مبقتش عارفة أرجع جميلة القوية الشجاعة، دايما سرحانة و بفكر، ومش عايزة أقعد مع حد خالص." نهضت الطبيبة من مكانها ثم قالت: "كده يا جميلة هنحتاج ورقة وقلم عشان نكتب، ثانية واحدة." توجهت الطبيبة إلى مكتبها وأخذت دفتر التدوين الخاص بها، وجلبت أيضًا زجاجة من الماء البارد مع زجاجة
عصير وأعطتها لها ثم قالت: "احكيلي بقى بتحسي بإيه؟ "مش بعرف أنام من التفكير، دايمًا سرحانة ومش بحس بالوقت، دماغي بتفكر في حاجات غريبة أوي." دونت (حياة) بعض الأشياء ثم قالت: "ممكن أعرف بتفكري في إيه؟ بدأت الدموع تظهر مرة أخرى في مقلتيها فقالت (حياة) : "لو مش عايزة يا جميلة أو مش قادرة إحنا ممكن نقفل الجلسة على كده، والمرة الجاية نتكلم."
تجب عليها فقالت الطبيبة: "طيب خلاص انتهت الجلسة النهارده بس المرة الجاية هتحكي ولازم تعرفي إن مفيش كسوف أبدًا ولا حاجة بتخرج من هنا." انتهت الجلسة الأولى وجاء موعد الجلسة الثانية، والفرق بين الجلستين أنها استعدت نفسيًا وتقبلت نوعًا ما أنها تحتاج إلى العلاج. رحبت بها الطبيبة ثم أجلستها في المكان ذاته وبدأت الجلسة الفعلية. "جميلة أنا هسألك وأنتِ تجاوبي، اتفقنا؟ أومأت لها،
فبدأت بالسؤال الأول: "أنتِ قولتي المرة اللي فاتت بتسرحي كتير وبتفكري كتير، ممكن أعرف بتفكري في إيه، أو بلاها في إيه، عايزة أعرف عن إيه مثلاً؟ خوف من الدراسة؟ من الحياة؟ هل في حد في حياتك؟ التفكير ده بيكون في حاجات مختلفة؟ احكيلي بتفكري إزاي؟ "حصلت حاجات كتير في الماضي محدش يعرفها غيري، وأنا خايفة منها." "الحاجات دي عن مين؟ "عن أهلي." "وخايفة ليه يا جميلة؟ لو عايزة تحكي احكي." قصت لها (جميلة)
ما استطاعت دون التدخل في تفاصيل، وبالطبع هذا بعد تردد كثير، لكن أسلوب الطبيبة معها أعطى لها حرية أكثر حيث أنها أحست أنها تتسامر مع صديقتها. "طيب يا جميلة، وإنتِ بقى بتفضلي تفكري في الماضي، وإيه اللي ممكن يحصل؟ "أيوه بالظبط." "طيب أنتِ مش شايفة إن التفكير ده طبيعي بسبب الضغوطات اللي عندك؟ أنا بفضل أقول كده إني مش محتاجة دكتور بس صديقتي وأخويا هما اللي شايفين إني محتاجة دكتور."
"جميلة هسألك أسئلة تجاوبي بـ آه أو لأ، ومع انتهاء الأسئلة هتنتهي الجلسة." استعدت (جميلة) وقد أحست ببعض الراحة عندما حكت وتكلمت معها، فسألت الطبيبة: "هل بتنعزلي عن الناس دايمًا يا جميلة، بس معنى الانعزال هنا الانعزال بجد؟ فردت: "آه." "هل بتصنعي لنفسك سيناريوهات ملهاش وجود تشاؤمية؟ "آه." "هل بتفكري دايمًا بطريقة سلبية في كل حاجة؟ "آه." "هل دايمًا قلقانة من غير سبب واضح للقلق؟ "آه."
"هل دايمًا بتعملي تحليل المواقف بأفكار تشاؤمية وبطريقة بالغة؟ "آه، عشان بكون خايفة، فبفكر كتير أوي في كل حاجة." حدقت فيها الطبيبة بتمعن ثم قالت: "فكري في السؤال الجاي يا جميلة قبل ما تجاوبي، عشان السؤال ده هو اللي هيحدد مرضك." ظهر القلق على قسماتها لكنها أومأت لها، فقالت الطبيبة: "هل بتتكلمي مع نفسك في دماغك أو بصوت عالي مسموع، وبتحسي إن فيه حد في دماغك بيرد عليكي؟ "آه." أغمضت الطبيبة عينيها بأسف ثم قالت والابتسامة
مرسومة على وجهها المستدير: "الجلسة خلصت، نتقابل المرة الجاية، وهعرفك فيها عندك إيه، عايزة تقولي أي حاجة قبل ما نخلص؟ هزّت (جميلة) رأسها بالنفي، وقد انتهت الجلسة الثانية. في الجلسة الثالثة بدأتها الطبيبة بالترحيب كالعادة ثم
قالت بأسلوب رسمي لأول مرة: "جميلة، عايزين نبتدي بجد تشخيص المرض عشان نعرف نبدأ في علاجه، عشان كده هديكي ورقة فاضية تكتبي فيها مشاعرك بالظبط وبتحسي بإيه، وفاكرة الأسئلة بتاعت المرة اللي فاتت اكتبي عنها بتحسيها إزاي. أنا هديكي نص ساعة تكتبي فيها." أخذت (جميلة)
الورقة والقلم وبدأت في الكتابة، وبالطبع الأمر صعب عليها، حتى أحست باختناق وغصة في حلقها لكن الطبيبة شجعتها على الكتابة وبدأت تساعدها بأنها تسألها بعض الأسئلة، وإذا الإجابة كانت نعم تكتب، وإذا لا لا تكتب، حتى انتهت من الكتابة وبدأت (حياة) بالقراءة بعينيها.
"دايمًا بحس بقلق مفرط، تفكير زايد، ومنعزلة عن أكتر حاجات كنت بحبها زي مثلا الخروج والسهر مع صاحبتي، وأي مناسبة بتهرب منها مع إني بكون عايزة أحضرها. ودايمًا سرحانة ومتلخبطة، وأكتر حاجة مستفزة هي دماغي، دايمًا بتفكر في حاجات مش موجودة، الأول كانت عشان الأسرار اللي اكتشفتها، دلوقتي بقت عن أي حاجة في حياتي، لازم أفكر فيها لوقت طويل بسلبية، وبحس دايمًا دماغي بتتكلم وأنا برد عليها في دماغي، أو بصوت عالي."
انتهت من القراءة ووضعت الورقة جانبًا ثم تحدثت برسمية: "جميلة، أنتِ أول ما جيتي هنا افتكرت إنك عندك اكتئاب، بس اكتشفت إن الموضوع مش اكتئاب بس."
زفرت ثم قالت بهدوء: "الاكتئاب أعراضه هي الحزن والتعب والإرهاق بدون سبب، فقدان الاهتمام بأي حاجة بتحبيها هواية أو أشخاص أو حتى نفسك، تغيرات في الشهية والنوم ممكن الأكل والنوم يزيدوا بشكل غير طبيعي أو يقلوا لدرجة الإغماء، انعدام شغف وانعزال عن الحياة، ولو الحالة صعبة أوي ممكن يؤدي إلى أفكار انتحارية. ده الاكتئاب بيكون بسبب ضغوطات ومشاكل نفسية." صمتت لبرهة ثم وضعت يديها على فخذها وقالت والابتسامة
مرسومة على وجهها برفق: "أما متلازمة الحديث المفرط مع النفس، ما تُسمى متلازمة جوسكا، دي بتكون عبارة عن انعدام شغف في الحياة، انعزال عن الناس، قلق زائد، أفكار تشاؤمية، تحليل زائد للمواقف، تتكلمي مع نفسك بصوت عالي أو في دماغك، تسرحي كتير بالساعات، أفكار متكررة، أوهام، اضطرابات في النوم وفي الحياة الاجتماعية، رسم سيناريوهات وتحليلات في دماغك ملهاش معنى." عقدت (جميلة)
حاجبيها باستغراب ثم قالت: "بس يا دكتورة أنا أعرف إن متلازمة جوسكا دي حاجة حلوة وبتكون عند كل الناس تقريبًا، وهي إنك بترسمي لنفسك عالم خيالي في دماغك وبتكوني مبسوطة بكده." تخلت (حياة)
عن طابع الرسمية وقالت: "أيوه يا جميلة صح، زي مثلاً إن واحدة تكون عايزة تتجوز واحد فتعمل سيناريوهات حلوة بينهم، أو مثلاً واحدة بتقرأ روايات ورواية عجبتها خلصت فبتكملها هي في عقلها، أو مثلاً حاجة خيالية زي مثلاً إنك سمكة وعايشة في الماية ومبسوطة." "أيوه يا دكتورة بالظبط مش دي متلازمة جوسكا؟
"بصي يا جميلة، متلازمة جوسكا اسمها العلمي التحدث مع الذات، أو الحديث الداخلي ده أولاً. ثانيًا فيه حاجة اسمها التخيل الطبيعي هو جزء من الخيال البشري، ويمكن يكون ممتع ومفيد، زي تخيل سيناريوهات إيجابية أو أهداف مستقبلية، إنك مثلاً متجوزة أمير غني." سكتت تتفرس ملامحها غير المستوعبة بقدر كافٍ
ثم قالت توضح أكثر: "اللي أنتِ قولتي ده يا جميلة ده تخيل عادي مش متلازمة جوسكا. مصاب متلازمة جوسكا عمره ما بيفكر بالإيجابية، عمره ما السيناريو بتاعه هيكون عن أهداف مستقبلية لأنه دايمًا عنده نظرة تشاؤمية للحياة. رسم الخيالات الإيجابية السعيدة ده من ضمن الحاجات الأساسية اللي بتحصل لكل البشر، وللأسف الناس فاكرة إنها لما تتخيل أي حاجة كده اسمها مصابة بمتلازمة جوسكا، عشان الناس ماشية ورا أي حاجة من غير ما تعرف هي إيه، والمشكلة بتكون مبسوطة بأنها مثلاً مريضة."
"طيب يا دكتورة هي جاتلي بسبب إيه؟ "بصي هي ليها أسباب كتيرة أوي وبتختلف من شخص لآخر من حيث الأسباب، ممكن تكون أسباب وراثية مثلاً، بس في حالتك أنتِ بسبب الاكتئاب والضغوطات النفسية والمشاكل الحياتية." "مش حضرتك قولتي متلازمة جوسكا حاجة والاكتئاب حاجة تانية؟ "أيوه يا حبيبتي، بس أنتِ في حالتك دي جاتلك متلازمة جوسكا بسبب الاكتئاب وطبعًا ده مش سبب رئيسي للمتلازمة، هفهمك براحة." أطلقت تنهيدة ثم أكملت بنبرة هادئة تحت نظرات
(جميلة) المتوترة: "أولاً هو يعني إيه متلازمة؟ المتلازمة دي حاجة بتلازمك علطول كل يوم في جميع الأوقات. طيب إيه هو اسمها العلمي؟ اسمها الحديث السلبي مع النفس. اتسمت متلازمة جوسكا نسبةً للعالم الذي وصفها لأول مرة وهو سوساك أو جوسكا، عشان كده الناس بتقول عليها متلازمة سوساك، أو متلازمة جوسكا نسبةً ليه." توقفت الطبيبة عن الحديث لبرهة لتعطي لها
فرصة الاستيعاب ثم قالت: "متلازمة جوسكا من أعراضها تغيرات في الشخصية وفي التفكير، ورسم سيناريو في دماغك زي أحلام اليقظة كده بس بطريقة سلبية ومفرطة، وكمان الحديث الداخلي المفرط، وطبعًا بتسرحي، بتتعصبي على أتفه الأسباب وبتتجنبي أي حاجة كنتِ بتحبيها حتى المناسبات الخاصة ليكي أو لشخص أنتِ بتحبيه، وعمرك ما هتفكري بطريقة إيجابية، وبتكوني وأنتِ بتفكري كأنك مغيبة يعني مش بتحسي بالوقت ممكن تفضلي ساعات وأنتِ مش حاسة بنفسك، ولو حسيتي بنفسك مش هتقدري توقفي دماغك عن التفكير لأنك مش هتعرفي تتحكمي فيها أصلًا، وهرجع تاني أقول هي اسمها متلازمة يعني بتلازمك لوقت كبير، مش مثلاً شهر ولا أسبوع."
أخذت أنفاسها وارتشفت من زجاجتها الماء البارد ثم أكملت: "سبب المتلازمة الضغوط النفسية والصدمات العاطفية، الشعور بالعجز والضعف، العزلة الاجتماعية، احتياجات عاطفية غير ملباة في الطفولة، بالإضافة إلى عوامل وراثية واضطرابات نفسية مصاحبة، وفي حالتك أنتِ هي بسبب الضغوطات النفسية والصدمات والشعور بالعجز." ربتت على كتفها وأعطت لها منديلًا ورقيًا لتمسح دموعها المتساقطة، ثم أخذتها الطبيبة وأجلستها على الشازلونج
باسترخاء ثم أكملت: "أنا كده أكون فهمتك مرضك بس عايزة أوضح حاجة، الناس اللي بتسمي نفسها عندها متلازمة جوسكا لأنها بتتخيل كتير وبترسم سيناريوهات خيالية وبتتخيل أشخاص خيالية دي غلطانة، ده اسمه تفكير طبيعي عادي وغالبًا بيكون الشخص ده عايز يفكر أصلًا، إنما اللي عنده اضطراب تفكير والحديث السلبي مع النفس يا جميلة مش بيعرف يسيطر على أفكاره، لأنها بتكون غصب عنه ويسبب له مشاكل في حياته وممكن تؤدي إلى أمراض تانية كتير، زي الوسواس القهري والاكتئاب، ولو المريض في حالة خطيرة ممكن تؤدي إلى الفصام."
قالت (جميلة) بنبرة مرتجفة خائفة: "و أنا دلوقتي في أنهي مرحلة، هل أنا عندي الفصام؟
"أنتِ موصلتيش للمرحلة دي الحمد لله، المرحلة بتكون من كتر كلامك مع نفسك بصوت مسموع ومعرفتيش تسيطري بأي شكل على حالتك بتؤدي إلى تكوين شخصية تانية غير شخصيتك الحقيقة، وطبعًا الفصام ده خطير جدًا، ممكن تحاول شخصيتك التانية إقناعك بحاجات مش موجودة في الواقع، أو تقنعك بالانتحار أو حاجات تانية كتير، بس أنتِ متقلقيش، أنتِ بنت قوية وهتتعالجي بسرعة كمان." أخرجت (جميلة) أنفاسها بحرارة ثم قالت: "هنبدأ علاج امتى؟
"لما تتعرفي عن حالتك الأول، لازم تعرفي عن نفسك كل حاجة قبل ما تبدأي بالعلاج، عشان كده لو عندك سؤال اسألي، وأول ما تروحي البيت اعملي بحث عن المتلازمة واتعرفي عليها أكتر، وهنبدأ العلاج من الجلسة الجاية." "أيوه عندي سؤال يا دكتورة، ليه قولتيلي إن حالتي دي بسبب الاكتئاب من شوية؟
"لأن يا جميلة أنتِ بدأ معاكي الموضوع باكتئاب بعد كده اتحول إلى فرط تفكير وقلق، بعد كده حديث مع نفسك بشكل سلبي. ممكن يحصل مع حد غيرك العكس، زي ما قلت من شوية بردو إن الموضوع ممكن يكون من الطفولة أو عوامل وراثية، فممكن بسبب التفكير الزائد والقلق المفرط تدخلي في حالة اكتئاب لأنك مش عارفة توقفي دماغك عن التفكير والتحليل لكل حاجة، يعني الموضوع مع حد غيرك يجي بالعكس." سألت (جميلة)
سؤال كان يدور في خلدها: "طيب يا دكتورة أنا زمان، من الأول يعني قبل ما أعرف حاجة، كنت بكون بردو قلقانة أو بفكر كتير وكنت ببقى متوترة." "ده طبيعي يا جميلة مفيش حد مبيتوترش بس هوضحلك الموضوع من جميع الجوانب على شكل مثال وركزي كويس." هزّت رأسها بالموافقة فبدأت (حياة)
بالكلام: "اعتبري مثلاً إن عندك بكرة مقابلة شغل لأول مرة، إنترڤيو يعني. لو فكرتي مثلاً في هلبس إيه بكرة ويا ترى هتقبل في الشغل أو لأ، يا ترى هقدم كويس، ومعرفتيش تنامي من التوتر وطول اليوم بتفكري في بكرة يبقى ده شيء طبيعي وبيمر علينا كلنا. إنما لو فكرتي في لو روحت الانترڤيو مش هتقبل واللبس اللي عندي وحش وممكن وأنا رايحة أتأخر على الميعاد أو عربية تخبطني وقعدتي تتخيلي الانترڤيو بتاع بكرة بنظرة تشاؤمية ومش إنك بس
متتقبليش مثلاً لو الموضوع وسع منك، لدرجة إن ممكن تقولي الشركة دي مش موجودة أصلًا ودي ناس عشان تخطفني، أو عربية هتخبطني واتخيلتي السيناريو وأنتِ في المستشفى خلاص بتموتي، يبقى ده متلازمة جوسكا وأنتِ في خطر، لأن دايمًا هيكون فيه صوت بيقولك أيوه هيحصل كده في الانترڤيو، وأنتِ صح وهتحسي حد بيتكلم معاكي."
انتهت الجلسة الثالثة، وتقابلت الطبيبة مع (رحيم) لشرح حالة أخته وطريقة علاجها: "جميلة شجاعة وقوية أوي يا أستاذ رحيم، والحالة دي بسبب الضغوطات النفسية، وأنا محتاجاك جنبها في فترة العلاج." "أكيد طبعًا يا دكتورة هكون جنبها."
"أول حاجة يا أستاذ رحيم أنا هكتب لها أدوية، بس مش كتير ومش مضرة خالص، الأدوية دي زي مهدئات عشان تعرف تفكر باسترخاء وتنام، وهو دواء واحد بس اللي هتحتاجه، والدوا التاني هيكون لوقت الضرورة زي مثلاً عياط هستيري أو حالة صعبة زي مثلاً الكلام مع نفسها بصوت عالي، تعيط على حاجة مش موجودة." كتبت له الروشتة بأسماء الأدوية ثم أكملت
طريقة العلاج الثانية: "الحاجة الأهم هي الدعم الاجتماعي من أهلها والناس اللي حواليها، وأنا كل جلسة هقول لها على حاجات تعملها زي مثلاً إنها تخرج من البيت وتتمشى الصبح بدري، أو تدخل سينما، أو تاكل أكل بتحبه أو تخرج مع شخص بتحبه، وحاجات تانية كتير عايزة حضرتك تكون داعم أول ليها." وفي الجلسة الرابعة بدأت (جميلة) تسأل الطبيبة وتتعرف أكثر عن مرضها، وتشكو لها من رأسها ومخاوفها
فردت عليها الطبيبة: "عشان كده يا جميلة إحنا عايزين نبدأ في العلاج الفعلي، ومحتاجة منك واجبات كتير أوي، ولأنك قوية يا جميلة قررت إني همشي معاكي كذا خطوة لقدام، عشان أنتي خلاص هتدخلي الكلية وأكيد محتاجة تتعالجي قبل المرحلة دي." ردت (جميلة) بنبرة هادئة ثابتة: "وإيه هو العلاج الفعلي؟
"أولاً عايزاكي تنزلي تتمشي الصبح مع صاحبتك روان واتكلمي معها عن أي حاجة عشان التفكير في دماغك يقل شوية، ويا ريت لو تتمشي الساعة تمانية الصبح مثلاً في مكان هادي ده أول حاجة. ثاني حاجة بقى، فكرة يا جميلة الورقة اللي كتبتيها هنا قبل كده لما قلت لك عرفيني حاسة إيه دلوقتي؟ هزّت رأسها بالإيجاب،
فاكملت: "عايزاكي أول ما تحسي إن دماغك بدأت تفكر تمسكي ورقة وقلم وتكتبي أفكارك كلها كل حاجة بتتقال في دماغك اكتبيها وفي ورق مش على الموبايل، وعايزاكي تجيبي الورق دي معاكي المرة الجاية ومتخفيش أنا مش هقرأ منه حاجة، وعايزاكي يا جميلة دايمًا تشغلي قرآن جنبك وتقولي الأذكار، وتنامي جنب حد متنميش لوحدك، واقعدي وقت طويل مع أهلك، والكلام ده أخوكي رحيم هيعرفه عشان لو معملتيش حاجة منهم هو هيجبرك بقى أو يعاقبك أو براحته يسيبك، بس أنا واثقة إنك قوية وهتسمعي كلامي."
ابتسمت بهدوء ثم قالت: "أنا أكيد عايزة أخف وأرجع زي الأول عشان كده هعمل كل اللي حضرتك قلتي عليه." انتهت الجلسة، وبدأت الأخرى ومع بدايتها قالت الطبيبة بعد ما رحبت بها بوجه بشوش: "كتبتي الورق؟ "أيوه." "طيب يا جميلة براڤو، طلعي الورق واحرقييه." صدمت (جميلة) في البداية ثم سألت لماذا فقالت الطبيبة: "أكيد هتكوني مبسوطة وأنتِ بتحرقي أفكارك الرخمة، وأكيد وأنتِ بتكتبي الورق دي حسيتي بتشتيت ومفصلتيش سرحانة لوقت طويل." ابتسمت
(جميلة) بسعادة ثم ذهبت إلى سلة المهملات وأخذت القداحة من الطبيبة ثم بدأت بإشعال طرفها والسعادة تغمرها. وفي نهاية الجلسة قالت الطبيبة
المهام الجديدة وهي: "عايزاكي تروحي جنينة وتلعبي فيها كورة مثلاً أو تاكلي فيها، أو تروحي ملاهي وتلعبي وتتفسحي فيها، وطبعًا خليكي منتظمة على الدوا، وحاجة مهمة جدًا بقى كل يوم يا جميلة تخرجي من البيت، لأي سبب، ودايمًا اشغلي نفسك، عايزاكي تتعلمي الطبخ، دايمًا اقفي في المطبخ واعملي حاجة حلوة، مش طبيخ بس لأ اعملي حلويات، اشغلي نفسك، اتفرجي على مسلسلات، وأهم حاجة اصحي بدري يا جميلة ونامي بدري، ودايمًا اكتبي مشاعرك وتعالي هنا عشان تحرقيها."
استمرت الجلسات بهذه الطريقة حتى استعاد (جميلة) بعد وقت طويل نفسها، لكنها في الوقت الراهن ما زالت تتابع جلساتها، لأن الطبيبة نبهتها من إنهاء المتابعة في وقت مفاجئ لأنه من الممكن أن يعكس الأمر بطريقة سلبية، وهي ما زالت تأخذ المهدئات والأدوية وتنفذ تعاليم الطبيبة (حياة المدبولي) التي أصبحت صديقتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!