كانت جميلة ما زالت جالسة وسط ذكرياتها، بين ماضيها وحاضرها، وسط الفوضى التي أحدثتها في الغرفة بسبب الماضي، أو الماضي هو الذي أحدث فوضى داخلها. تتمنى تقص بكل ما تعرفه لأمها ولعائلتها لكنها خائفة من تهور أنس، وغضب رحيم، وصدمة وفاء وقهر عبير. لو كان بيديها دليل لأعطته للشرطة وتحاكمهم على ما فعلوه، لكن هل مذاكرات الخادمة تكفي لتكون دليل ضدهما وتأخذ بثأرها منهم؟
نامت من فرط التفكير والبكاء، وتركت سرها بجانبها على السرير والباب مقفول من الداخل. في صباح اليوم التالي. أشرقت الشمس بصباح يومٍ جديد وهناك الكثير من الأسئلة في رأس رحيم حتى أنه جلب الأوراق والأقلام لكي يتوصل إلى أي شيء لكنه فشل في النهاية. كان جالسًا في غرفة أنس على مكتبه ويفكر، وقطع تفكيره أنس:
-رحيم الموضوع واضح خلاص، مظهر قتل نبيل عشان عرف كل حاجة، والدليل على كده إنه قبل ما يموت بكام يوم أعترف لفوزية بكل حاجة، يعني خلاص كده الموضوع اتحل، محتاجين بس دليل. -أنا حاسس إن الموضوع أكبر من كده، تفتكر خالد ممكن يساعدنا. -أكيد لأ، وبعدين خالد هيساعدنا إزاي أصلا؟ قبل أن يُجيب عليه رنّ هاتفه برقم غريب فأشار إلى أنس بأنه سيجيب، وخرج من الغرفة متجهه إلى الشرفة. -ألو، سلام عليكم. جاء الرد من صوت رفيع رقيق لفتاة:
-ازيك رحيم. ابتسم حتى وصلت ابتسامته لعينيه عندما تعرف على الصوت: -انسة نور، عرفتي رقمي إزاي؟ -من نفس الطريقة إللي عرفت بيها عنوان بيتك، من المستشفى. -ده مش بيتي، بيت خالتي، المهم إيه سبب المكالمة. صمتت لبرهة ثم تنهدت وقالت بخجل: -أتصلت عشان اطمن عليك، امبارح سيبتني ومشيت بسرعة، فاتصلت اطمن بس. لمعت عيناه وتهللت أساريره وقال بتلعثم من فرط الحماس: -فرحان إنك اتصلتي، وإحنا كويسين متقلقيش، شكرًا لسؤالك يا انسة نور.
-سنيورة بقى، والعفو أنا مضطرة أقفل سلام. انتهت المكالمة ورفع رأسه ينظر إلى الأفق وعلى وجهه ابتسامة مريحة وقد قل التوتر عن قبل من المكالمة. التفت لكي يُغادر، لكنه تفاجأ بوجود خالته تنظر إليه وعلى وجهها مزيج من الدهشة والفضول والسعادة. اقتربت منه وأجلسته على الكرسي وجلست هي الأخرى مقابلة له ثم قالت وهي تضيق عينيها بفضول: -طبعا مش بنخبي حاجة عن خالتو، احكيلي بقى. شعر بالخجل والتوتر منها لكنه قال بابتسامة مضطربة:
-كنت بكلم نور إللي عملت الحادثة معانا، اتصلت تتطمن علينا عشان أمبارح كنت بوصلها ولما نادر اتصل، روحت سيبتها نزلت من العربية، بس كده، بس هو إزاي نادر عرف وهو مكنش موجود؟ -عشان نادر كان موجود معانا، طلع تاني لما أنت مشيت معاها، ومظهر قاله يتصل بيك ويمشي ونادر طبعا رفض أنه يمشي بس مظهر أجبره. أومأ لها بحزن وقهر ثم قال متعود لصديقه الخائن:
-يعني اتفاقي معاه أن ماما متعرفش أن فين ونمثل إني معاه يروح هو يطلع، ماشي يا نادر الكلب. فقالت هي بسخرية وهي تضحك عليه: -طب ما الموضوع عادي يعني، انت مكسوف تقولي كده ليه. تأفف بضيقٍ زائف ثم قال: -أنا مش مكسوف عادي، أنا اتخضيت لما لقيتك ورايا بس كده. ضمت يديها على صدرها ورفعت حاجبيها ثم قالت: -أنا قصدي على أنك روحت توصلها من غير ما حد يعرف، إنت معجب و لا إيه؟ زفر بضيق زائف ثم قال بتعلثم:
-معجب إيه، هو أنا أعرفها، بس بقى يا خالتو الله يباركلك، ومتجبيش سيرة الموضوع ده قدام أمي، عشان مش هخلص من التحقيق معاها سلام بقى. كان متجهِهًا إلى غرفة ابن خالته كما كان لكنه تذكر إنه لم يرى أخته اليوم، فطرق على باب غرفتها وجاء الرد من الداخل بالإذن للدخول. كانت تجلس قرفصاء في أبعد ركن في الغرفة والعتمة تحتل المكان، فتح رحيم نور الغرفة، ووجد عيناها متورمة من البكاء، ووجهها شاحب، فانتفض قلبه لأجلها
واقترب يجلس بجانبها وقال: -حصل إيه يا جميلة؟ قالت ودموعها تنزل باستمرار على وجنتيها دون توقف: -تعبانة أوي يا رحيم، كان نفسي تيجي من شوية وتقعد معايا، فرحت لما خبط على الباب عشان مفيش غيرك بيستأذن قبل ما يدخل. وضع يديه حول رأسها وضمه إليها برفق ثم قال: -أنا أسف حقك عليا، تعبانة عندك إيه، أوعي تكوني خايفة من مظهر الكلب ده، أنا أختي متخافش أبدًا، ده أنا بخاف من أمي أكتر من مظهر المعفن. ضحكت من وسط بكائها
ثم ابتعدت عنه وقالت: -إنت مزعل ماما أصلا. -والله مش قصدي أزعلها، كل الحكاية إن هي عايزاني اعرفها كل حاجة في حياتي واسمع كلام أنس وأنا رافض كده. -لأ يا رحيم هي مش عايزة تسمع كلام أنس، هي عايزة تفهمك إنك بتتصرف بهدوء وبعاطفة عشان كده بتسمع من أنس أكتر منك، وهي قالتلك كده في مرة، بلاش تعمل زي أدهم وتكون هادي ولما يحصل حاجة تنعزل، وهي عايزة تتكلم وتخرج وتفرح وتعرف كل حاجة عنك إنت مش بتعرفها حاجة.
-عشان مفيش حاجة أقولها، أنا حياتي أنزل الشغل وأقعد مع نادر شوية وأرجع البيت أنام هحكي إيه بقى، بعدين هي ضربتني يا جميلة. -عشان عملت حاجة هي متوقعتهاش منك، وهي إنك تتهجم على مظهر، إنت عارف ماما بتخاف علينا إزاي وربيتنا لوحدنا وهي صغيرة، رحيم الفرق بينك وبين ماما ستاشر سنة أو سبعتاشر سنة، واهتمت بينا في سنها الصغير لوحدها وشافت كتير أوي من الدنيا، وخايفة يحصل حاجة فينا. -حاضر يا جميلة، هعتذرلها وهكلمها.
رنّ هاتفه مرة أخرى وكان رقم غير مألوف بالنسبة له، لكن هذا الرقم ليس رقم نور، هذا رقم أخر. أجاب على الهاتف، وقد تغيرت تعابير وجهه إلى توتر وقلق وصدمة، فقال بتلعثم وهو ينهض بسرعة: -أبعتلي العنوان بسرعة. قالت جميلة باضطراب وهي تمشي خلفه: -حصل إيه؟ -أدهم في المستشفى، فيه ناس اتهجمت عليه في الشارع وهو خارج من كباريه. وضعت يديها على فمها بصدمة وقلق ثم نادت بصوت عالي على أمها، فاجتمع جميع من بالشقة وقالت أمها هي تأتي
من المطبخ بخطوات واسعة: -مالك يا جميلة، حصل إيه؟ -بابا في المستشفى. حالة توتر وتساؤل ملئت المكان، وكان أول من تحرك ونزل من الشقة هو رحيم وقال لأخته وهو يُدير مقبض الباب: -هبعتلك عنوان المستشفى يا جميلة.
نزل مسرعًا وأوقف سيارة أجرة وهو يتمتم بالدعاء لوالده تارة ويأمر السائق أن يسرع تارة أخرى حتى وصل إلى المستشفى ونزل بسرعة دون دفع الأجرة، فنادى عليه السائق فالتفت له وهو يركض للداخل والسائق يقول له الأجرة، فأخرج رحيم ورقة من فئة المئتي جنيه وأعطاها له ولم ينتظر ليأخذ الباقي. -لو سمحت فين أدهم القماش، أنهي غرفة؟ -أستاذ أدهم في غرفة طوارق يا فندم، ومش هينفع تدخل غير لما ينقل غرفة عادية، بس شوية وهنطمن حضرتك على حالته.
سيطرت مشاعر الخوف والقلق عليه وهو يفكر في أسوأ الإحتمالات ويتخيل فقدان أبيه. أدمعت عيناه وارتعش جسده وهو يمسك رأسه بقوة يحاول طرد أفكاره السلبية لكن دون جدوى، حتى جاء له صديق والده الذي تعرف عليه ذات مرة من المقهى الليلي: -متخفش يا رحيم خير، انا أول ما شفته مرمي في الشارع جيت بيه على المستشفى. أبعد يده عن رأسه ثم قال مستفسرًا: -هو حصله إيه؟
-أنا مش عارف هو من يومين كده وهو مش مظبوط ومش طايق حد، والنهاردة جاتله مكالمة وهو معايا وقالى أنا رايح عند مراتي وعيالي بسرعة، وخرج، بعدها بشوية لقيت الناس بتصوت وبتجري والشارع مقلوب، خرجنا نشوف حصل إيه لقينا أدهم مرمي في الأرض ومضرب برصاص في كتفه، وناس بتضرب فيه، وطبعا محدش فينا قدر يعمل حاجة عشان معاهم مسدسات. احتقنت الدماء في وجهه ثم قال بحزم: -تعرف حد منهم؟
-أنا مش عارف، بس أكيد إللي كلمه في التليفون قبل ما يخرج هو إللي عمل كده. جاءت في تلك اللحظة عائلته، وقفت أمامه عبير وعيناها حمراوتان من كثرة البكاء على من كان أحن عليها من نفسها في يوم، على رجل غدرت به الحياة فأمسى شخص أخر، أمسكت رحيم من مرفقه ثم قالت: -فين أبوك يا رحيم؟ -في الطوارق، ومش هينفع ندخل دلوقتي. بعد مرور ساعة.
جاء إليهم نادر وأمه ومعه روان وأمها، ليطمئنوا عليهم، خرج الطبيب من الغرفة ومعه أدهم محمولًا على النقّالة لغرفة أخرى، وقال لهم الدكتور بأن حالته ستتحسن مع الوقت، وأن الجروح ستأخذ وقت حتى تتعافى. دخلت أسرته له الغرفة بعد ما عاد إلى وعيه وكان جسده مليئًا بالجروح والكدمات، وعيناه متورمتين بشدة، ويده مجبسة بسبب الرصاصة التي تلقاها ويديه الأخرى يلتف حولها ضماد. جلست بجانبه عبير وقالت والدموع تتسابق على وجنتها:
-ألف سلامة عليك، طمني بالله عليك وقولي إنك كويس. ابتسم ولم يعرف أحد إذا كانت هذه الأبتسامة شوق وحنين أم سخرية، ثم قال بصوتٍ واهن بالكاد يُسمع: -أنا كويس، جميلة ورحيم كويسين؟ أقتربت منه جميلة وأمسكت يده برفق وقالت بحنان: -ألف سلامة عليك، إحنا كويسين وإن شاء الله إنت كمان كويس. أقترب منه رحيم هو الأخر ومال بجسده عند موضع يديه وقبّلها برفق ثم قال: -متخافش يا بابا أنا مش هسيبك تاني، مش هخليك تبعد بعيد عني.
وأخذت تأتي في رأسه ذكرى أليمة وهي يوم طلاق والديه. منذ خمس سنوات. ساءت حالة أدهم أكثر من ذي قبل، وفي يوم رجع من الملهى الليلي في الساعة الخامسة صباحًا وكان رحيم يجلس مع نادر وجميلة مع روان. كان في ذلك اليوم شرب الكثير من الكحول، ودخل في غرفة زوجته وتهجم عليها عنوة عنها، وأخذت هي تصرخ وتكسر حتى سمعها الجيران ومن بينهم جميلة ورحيم نظرًا إلى قرب المسافة بينهم.
وقد قرر رحيم أن يبعد والده عنهم إلى الأبد ورفع دعوة طلاق من المحكمة وانفصلوا. رجع رحيم من ذكرى الماضي إلى الحاضر على صوت أدهم الواهن:
-نفسي أصلح كل إللي فات يا رحيم نفسي أرجع بالزمن، أنا مش وحش يا رحيم، أنا الدنيا قست قلبي وأنا عمري ما كنت قاسي، أنا غلطت كتير واستاهل إللي حصل، بس أنا والله كنت عايز أصلح علاقتي معاكم، بس كنت خايف، أنا كنت جاي ليكم عشان مظهر كلمني وقالي إنه هيقتلكم وبعتلي صورة لجميلة و على راسها المسدس. ابتعدت عنه عبير ورمقته بقسوة ثم قالت:
-خوفت عليهم، والله يا أدهم إنت تستاهل إللي حصل ليك فعلا، سايب عيالك السنين دي كلها و دلوقتي خايف علينا، بعدين علاقة إيه إللي تتصلح، إنت لسه مولع في شقتنا الحاجة الوحيدة إللي كانت فاضلة، ولسه عامل توكيل إنك تتصرف في فلوس رحيم وأخدت قرض من البنك وحبسنه، وجيت البيت شمتان في رحيم. قال رحيم بانفعال: -أمي مش وقت الكلام ده. صرخت فيه قائلة:
-لأ وقته، أنا مش صغيرة هيعرف يضحك عليا، أدهم استحالة يدخل بينا تاني يا رحيم، اطمن على أبوك إنت واختك عشان نمشي، خلي صحابه بتوع الكباريهات يراعوه في تعبه. خرجت من الغرفة وجلس رحيم بجانب والده يصفف له خصلاته بهدوء ثم قال: -متقلقش أنا معاك يا بابا مش هسيبك، إنت عارف ماما أكتر واحدة خايفة عليك في الدنيا، بتحبك أوي والله. قال أدهم بتعب بالغ:
-أنا عارف عبير، وفاهم إنها خايفه عليا أوي بس بتعاند، دي بنتي الكبيرة، والله يا رحيم أنا معملتش حاجة، الناس هي إللي لعبت في دماغي بالشرب والبنات والسهر وأنا كانت حالتي صعبة أوي ساعتها، أنا شفت كتير أوي، والبيت أنا مكنتش أقصد والله أنا أكتر واحد زعلت على البيت لأن هو ده الحاجة الوحيدة إللي كانت متبقية، ولما جيت البيت أنا كنت خايف عليك من مظهر بس نادر ضربني، رحيم متسبنيش أشرب تاني أنا كنت هموت على معصية أنا كنت خارج من كباريه، أنا عايز اتعالج، عايز أروح مصحة.
ظل أدهم يبكي ويشتكي حتى بترت كلامه جميلة وقالت بثبات وقد حسمت امرها: -إنت هتروح معانا بيت خالتو يا بابا، عشان عندي كلام كتير أوي عايزة أقوله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!