مر يوم على حادث أدهم ووافق الطبيب على خروجه من المستشفى بشرط الاهتمام بحالته الصحية. وبعد إقناع الجميع من جميلة ورحيم بمكوث أدهم معهم، وافقوا حتى تتحسن صحته. بعد ثلاث أيام، وقد استرجع أدهم صحته نوعًا ما، جمعتهم جميلة ومعها الأجندة بيدها وقالت بثبات: -أنا عارفة حاجات من الماضي مفيش حد فيكم يعرف عنها حاجة، جاهزين تسمعوها. ارتبك الجميع من أسلوبها في الحديث، لكنهم هزوا رؤوسهم موافقين ومشجعين لها على الحديث.
فقالت موجهة حديثها إلى أخيها أولًا: -رحيم، لما دادة فوزية ماتت واعترفت لنا بسر، السر ده مكنش كامل، ملحقتش تقوله كله. قالت إن مظهر قتل نبيل. عقد أدهم حاجبيه في صدمة ثم قال: -أيوه، هي قالت مظهر سبب موته. تنهدت بثقل وضحكت بسخرية مريرة متهكمة، ثم قالت بنبرة حاربت لكي تخرجها ثابتة: -أنا قلت أستعد، من غير ما حد يقاطعني. ثم أكملت حديثها مع أخيها وهي تعيد تلك الذكرى المريرة:
-وساعتها يا رحيم، هي ادتني أجندة، كانت بتكتب فيه كل حاجة حصلت زمان. صمتت لبرهة تترقب تعبيراتهم الذي كانت مزيجًا بين الحماس والقلق والخوف والصدمة، ثم أكملت وهي ترفع الأجندة في وجوههم جميعًا:
-هنا هنعرف إن خالد مكنش سبب أي حاجة حصلت، وهنعرف إنه اتحبس ظلم مرتين. هنعرف إن أدهم القماش الدنيا غدرت بيه. هنعرف إن فيه ناس من أقرب الأشخاص لينا غدرت بينا زي سلوى ونبيل ومظهر. هنعرف إن فيه ناس ماتت من غير ما حد يحس، أو اتقتلت من غير ما حد يحس زي... سمعت خفقان قلبها وغصة في حلقها، لمعت دموعها في مقلتها وبكت وهي تقول بتردد: -ناس اتقتلت زي جدي محمد القماش.
وقع حديثها عليهم كالسوط، انتفضوا جميعًا من أماكنهم وظلوا يتساءلون ويستفسرون، حتى قالت لهم: -أنا هقول كل حاجة من الأول، بس استحملوا اللي هقوله. قصت لهم كل ما حدث من بداية الحكاية، حيث اجتماع مظهر مع نبيل في المرة الأولى بعد العزاء، حتى النهاية. صُدموا في نبيل وسلوى. كيف لفتاة أن تقتل أباها؟ وكيف لشخص عاش عمره في خير رجل كريم، وفي النهاية ينتهي الأمر بقتله دون رحمة؟ كيف لشخص أن يعيش عمره كله يثق في تلميذ إبليس؟
لماذا تفعل معهن أختهن ما فعلته؟ لماذا تريد الذل لهن، لأنها كانت تغار منهم في الطفولة، هل هذا سبب كافٍ؟ تبًا للبشر جميعًا، لا أحد يصون العشرة، ولا أحد يقدر ما يفعله الآخرون له. الأخت غدرت، الصديق خان، والأب طمع وغدر وخان بقلب بارد. سالت الدموع المكتومة من أدهم وقال بتحشرج وانكسار وهو مطأطأ رأسه بانحناء: -أنا أبويا اتقتل، مظهر السبب في موت أبويا.
بدأت الدموع تنهمر منهم جميعًا، ولطموا على وجوههم، والحسرة في قلوبهم سكنت. لم يتجرأ أحد لكي يرد عليه، ماذا سيقولون له وهم أشد صدمة منه؟ لا شيء سيثلج قلوبهم سوى روح مظهر وسلوى. أول من تكلم من بينهم كان رحيم بنبرة تملؤها الإصرار والقسوة المريرة: -مظهر وسلوى نهايتهم على إيدي. نهض من مكانه بانفعال وكاد أن يخرج من الشقة، لكن استوقفته جميلة وهي تمسكه من مرفقه بقوة معترضة طريقه:
-رحيم بالله عليك متعملش حاجة وتضيع نفسك، أنا كنت مخبية عليك عشان خاطر متتعصبش وتعمل حاجة. إنت كنت لسه بتقول على أنس متهور وبراس كبش، بلاش تهور يا رحيم عشاني. رمقها بغضب ثم أهدر فيها بانفعال وتخلى عن طبعه الهادئ وهو يزيحها من طريقه بقوة: -أنا سكت لمظهر كتير، المرة دي مش هسكت، وسلوى هجبها واقتلها بإيدي.
قبل أن يخرج من باب الشقة، صرخ فيه أدهم أن يتوقف واقترب منه وهو يعرج على رجله من أثر الجروح التي تسبب فيها القاتل الخائن، ثم وقف أمامه وقال بحسرة: -أنا هستفاد إيه لما أخسرك؟
رحيم يا ابني، أنا خسرت نفسي قبل كده بسبب إني كنت عايز أنتقم من مظهر عشان نصب عليا، لغاية ما ناس جاتلي وأنا قاعد لوحدي بعيط على حظي في الشارع وكنت فاكر إنهم هيساعدوني، بس للأسف اكتشفنا أهو إنهم كانوا تبع مظهر. وزي ما مظهر علم خالد المخدرات والخمرة، أنا كمان روحت للطريق ده. سكت لحظة نزول دموعه على وجنته ثم أكمل بنبرة واهنة متحشرجة:
-كان غصب عني روحت للطريق ده، وبسببه كنت بضربك إنت وأمك وأختك، مع إن أنا قلت لأمك قبل كده متخافيش مني وهعوضها عن حنان الأب والأم، بس المخدرات والخمرة لحست دماغي، أنا مكنتش أنا، ده كان تأثير المخدرات. أهدر فيه رحيم بعنف وقسوة وصدره يعلو ويهبط وهو يشير بسبابته إليه باستحقار واستياء:
-إنت اتظلمت بس غلطت كتير. خالد اتظلم وظلمك يا أدهم، بس إنت ظلمت عيالك ومراتك ونفسك. الوحيد اللي ضيع أدهم القماش هو إنت، مش شوية فلوس ضاعت هما اللي يغيروك و...
-لأ، دول مش شوية فلوس، دي حياتي كلها ضاعت. أبويا وأمي وشغلي وشركتي اللي معرفتش أحافظ عليها، سمعتي اللي اتبهدلت واسمي واسم عيلتي بقى في الأرض. استغلال من جدك عشان اتنازل عن نص ما أملك ليه، وبعد كده اتهام في قضية قتل واترفض من كل الشركات والشغل كله، وبعد كده اتنصب عليا في بقية فلوسي من الشخص اللي كنت بنام على كتفه وأشكي من هموم الدنيا. متقولش شوية فلوس غيروك.
كان هذا رده على ابنه بصراخ وجمود، وجميع من حولهم ينظرون إلى الموقف بقليل باكٍ مع محاولة تهدئة الأوضاع بينهم، ثم أضاف بصوت مبحوح متحشرج وهو يتكئ على الكرسي اللي بجوار الباب بضعف كأنه رجل في عقده التاسع: -أنا ضيعت نفسي يا رحيم خلاص، إنت خليك مع أمك وأختك. قال رحيم بعد ما استجمع هدوءه وثباته: -أنا آسف. اعتدل أدهم في وقفته وكاد أن يرحل، لكن استوقفه رحيم وصفق الباب بخفة وقال بنبرة متعبة:
-أنا مش هنزل يا أدهم، ولا أنت كمان خليك معانا. جلسوا جميعًا وكل منهم يواسي الآخر بقدر ما استطاع، وكان أكثرهم انفعالًا وعصبية أنس، الذي ظلت أمه ممسكة بيديه خشية من فعل أي شيء متهور. رن هاتف رحيم برقم غير مألوف له، فتجاهله ولم يجب، لكنه رن ثانيةً، فتجاهله ولم يجب، رنّ الثالثة فأجاب عليه بضيق: -أنا مردتش مرتين بتتصل التلاتة ليه، عايز مين؟ فجاء الرد من رجل صوته كفحيح الأفعى: -عايزك إنت يا رحيم. -مين معايا؟
-هبعتلك العنوان عشان تيجي تطمن على السنيورة. عقد حاجبيه باستغراب ثم قال باستنكار: -مين؟! لم يجب عليه لأنه قد أنهى المكالمة، فنظر رحيم للهاتف باستغراب وتجاهل المكالمة من الأساس. لكن أنس علق على المكالمة وقال له: -مين اتصل؟ رفع كتفيه وهز رأسه يشير لعدم المعرفة، فقالت جميلة التي كان سحب وجهها وازرقّت شفتاها وغاب عنها صوتها ليصبح متحشرجًا وواهنًا وغير واضح: -أيوه يعني اللي اتصل كان عايز إيه؟ زفر رحيم بضيق ثم قال:
-هتفضلوا تسألوا دايمًا على حاجات تافهة في مواقف غريبة ولازم تعرفوا كل حاجة. رد عليه أنس بفعال: -أيوه يعني مين اتصل، أخلص. قام رحيم من مكانه وقال وهو يتجه إلى الشرفة ضاربًا الأرض اعتراضًا: -واحد بيقولي هبعتلك عنوان عشان تطمن على السنيورة وقفل. انكمشت ملامح جميلة الواهنة ثم قالت: -يعني إيه ومين السنيورة؟ طيب بعتلك عنوان؟ -هشوف يا جميلة.
دخل الشرفة، جلس على الكرسي، أرجع رأسه للخلف وزفر بعنف، ثم نهض واقترب من الدرابزين ورفع رأسه ينظر إلى الأفق ثم أغمض عينيه، وهنا تذكر شيئًا. فتح عينيه على اتساعهما ثم أخذ الهاتف بسرعة يفتحه وهو ينظر إلى العنوان الذي بُعث له من رقم مجهول الهوية. ركض من الشرفة إلى الخارج حيث يجلسون يبكون ويندبون وقال بتلعثم للجميع: -السنيورة دي نور، أنا متأكد، أنا هروح للعنوان اللي اتبعتلي.
خرج رحيم من الشقة راكضًا ومعه أنس، ركبا السيارة واتصل أنس بنادر ليقول له أن يذهب إلى العائلة حتى نأتي، لكن أصر نادر على إرسال العنوان له حتى إذا حدث شيء يبلغ الشرطة، فلبى طلبه. وصلا إلى العنوان، كانت منطقة مهجورة بها بيوت قديمة مر عليها زمن والمكان معتم تمامًا إلا من مخزن صغير يضاء بمصباح باللون الأخضر. أخذ رحيم يلتفت حوله برهة وخلفه أنس الذي قال إلى رحيم: -متأكد إن العنوان صح؟
-أكيد يا أنس، تعالى ندخل المخزن ده، أكيد حد. اعترض أنس طريقه وقال بضيق: -لأ مش هندخل، هما أكيد عارفين إننا جينا، وأكيد الناس دي مسلحة. إحنا كنا اتصلنا بالشرطة. تقدم رحيم للأمام بحذر وخلفه أنس حتى وصلا أمام المخزن القديم مباشرةً، وقال بصوت واضح عالٍ: -أنا رحيم أدهم القماش، جيت على العنوان اللي اتبعتلي عشان أطمن على نور. فُتح الباب المتهالك الذي أخرج صوت مزعج مع آخر كلمة، والذي فتح الباب كان مظهر.
رحيم عندما رآه تملك أعصابه، لكن أنس اندفع يمسكه من تلابيبه بقوة، فجاءت ناس كثيرون من الداخل يصوبون أسلحتهم عليهم، فتركه أنس. ابتسم مظهر باستفزاز ثم قال لرحيم: -عرفت إزاي إنها نور؟ إنت واقع أوي كده وبتحبها؟ طيب ادخل خدها. أفسح له الطريق، فرآها تجلس على كرسي مقيدة اليدين والرجلين ولاصق على فمها، وفوهة المسدس على رأسها.
دخل رحيم وخلفه أنس واقترب الأول منها فلم يعترض أحد طريقه عندما حرر لها قيودها، وكانت رد فعلها على ما حدث فيها، صفعة قوية على وجهه بكل ما أوتيت من قوة ثم أهدرت فيه: -مين الناس دي؟ إنت عارف عصابات؟ أنا مالي أصلاً ليه بتخطف أنا؟ كان ما زال يستوعب إنها صفعته حقًا، فقال بغضب من تصرفاتها الغريبة وتفكيرها الأغضب: -أنا مش شغال مع عصابات أكيد، وأنا جيت أهو محصلكيش حاجة، حقك عليا. ضحك مظهر بهيستيرية مرعبة حتى أدمعت عيناه ثم
قال بسخرية من وسط ضحكاته: -إنت فاكر إنك أوبر؟ طلبته للسنيورة عشان توصلها لبيتها بأمان. قال أنس بثبات وصوت غليظ: -إحنا فعلًا هنوصلها البيت بأمان، هي ملهاش علاقة بحواراتنا. قهقه مرة أخرى بسخرية ثم قال بنبرة احتقار وتكبر: -ملهاش علاقة إزاي؟ مش حبيبة أخوك وابن خالتك وابنك؟ ولا كنت هتفرح لما أخطف البت بتاعتك إنت. قال رحيم باندفاع: -وإنت تخطف حد ليه أصلا؟ خليك في حالك يا مظهر، ومتنساش إني عارف إنك قتلت نبيل الحداد.
ضحك للمرة الثالثة، لكن هذه المرة كانت بجنون، ثم تغيرت تعابير وجهه من ضحك إلى غضب وأخذ يقترب منهم ببطء وقال بفحيح: -أنا اللي قتلته ولا سلوى؟ صُدم رحيم، فكيف يعرف أن سلوى هي القاتلة الحقيقية؟ وإذا كان يعرف إنها القاتلة، فلماذا كان يخاف منه ومن أخته. قال رحيم وتعبيرات الدهشة ما زالت على وجهه: -إنت عرفت إزاي؟
-أحكيلك أنا عرفت إزاي، لما هجمت عليا في البيت طلبتلك الشرطة عشان أقهر أمك عليك وتتخانق معاك، وبعد كده خرجتك وكنت عامل حساب إني هراقبك وهعرف تحركاتك عشان متعملش حاجة تضرني، لكن وانت راجع من القسم عملت حادثة مع السنيورة. قال كلمته الأخيرة وهو ينظر باحتقار وسخرية إلى نور ثم أكمل:
-وفضلت براقبك بردو، وعرفت إنك معجب بالأستاذة، ولما نزلت توصلها قبل كده أنا جيت. وقررت إني هحط في الصالة مسجل صوت من غير ما حد يلاحظ وكمان في الأوض كلها وعملت نفسي بفتش إذا كان فيه حد في الشقة ولا لأ، وقررت إني هعلم أدهم درس حلو كده عشان بقالي كتير معذبتهوش وعشان أقهر قلبك إنت وأمك عليه، وطبعًا سمعت أستاذة جميلة وهي بتتكلم مع نفسها في الأوضة عن الحكايات القديمة، وسمعتها لما حكت ليكم كل حاجة من شوية، مع أول الحكاية، قررت إني هخطف الحلوة دي عشان تيجي ليها زي البطل الشطور، بس أحلى حاجة في اللي أختك حكته هو إن الورق اللي بتهدد بيه مع خالتك سلوى.
ضحك بسخرية ثم أكمل بابتسامة عريضة وبفرحة انتصار: -عارف أنا اللي سرقت فلوس خالتك سلوى، هي حكت ليا وللناس كلها إنها دخلت مشروع خسر، بس أكيد ده محصلش، أنا اللي ضحكت عليها وبعتلها ناس تقنعها إنها تعمل مشروع بكل فلوسها، والمشاريع دي هتخليها تقبض بالدولار وخلتها تشتغل كام شهر كده عشان توافق تحط فلوسها كلها في المشروع، يعني عملت زي ما عملنا أنا وهي في أدهم. قالت نور بتلعثم وهي تقف خلف رحيم وتمسكه من كتفه:
-طيب يا أستاذ أنا مش عارفة مين سلوى والله، ومش عارفة حد فيكم، عايزة أمشي أنا، وإنتو إن شاء الله هتلاقوا حل للمشاكل العائلية دي. صرخ فيها وهو يقترب منها لكن اعترض رحيم طريقه بثبات قائلًا: -كلامك معايا يا مظهر، هي متعرفش حاجة عننا وعن حياتنا. تنهد مظهر ثم التقط مسدسه من على الطاولة الصغيرة التي تفصل بينهم وأخذ يحدق به ثم قال: -إنت عارف يا رحيم أنا جبتك هنا ليه؟
لم يعطه فرصة للرد، مد يديه لواحد من رجاله فاعطاه هاتفًا فقال وهو يضغط على تطبيق الكاميرا، ثم مد يديه مرة أخرى يعطيه له، وصوب المسدس ناحيته وقال: -عشان أقتلك وأحرق قلب أبوك وأمك عليك. فُتح الباب في تلك اللحظة وكانوا جميع العائلة ومعهم نادر، قال أدهم وهو يدخل بخطوات بطيئة بسبب حالته لكن نبرته صارمة حازمة: -ما إنت مش هتفضل طول عمرك تغدر بيا يا مظهر، الواحد بيتعلم بردو. صوب مظهر المسدس نحوه وقال باستخفاف به:
-أنا طول عمري بضحك عليك، بس تصدق إني لو قتلت ابنك ومراتك، قصدي طليقتك قدام عينك هيكون قهر ليك أكتر، حلو ده. في لحظة حاسمة، وقبل أن يضغط على الزناد، رفع رحيم رجله وضرب يديه التي كانت تمسك المسدس بعنف، فسقط المسدس من بين أصابعه. في حركة سريعة وخاطفة، التقطه أنس وصوبه مباشرة نحو مظهر ورجاله، الذين بادلوه بنفس الحركة، حيث صوبوا مسدساتهم نحوهم جميعًا. أهدر أنس بعنف: -قوللهم ينزلوا سلاحهم. لم يستجب له فقال بصراخ وهو يهدده:
-قوللهم ينزلوا سلاحهم، أنا ممكن أضرب نار عادي. قال رحيم بثبات ممسكًا بيد نور ويقترب من عائلته: -إحنا هنمشي من غير ما حد يتصاب، خلينا نمشي بس من غير مشاكل يا مظهر. ابتسم بسخرية ثم قال: -محدش هيطلع من المكان ده حي. وبمجرد انتهاء جملته، التقط بخفة مسدس آخر من جيب بنطاله وصوبه ناحية أنس، وضغط على الزناد مسببًا إصابة لأنس في كتفه، ليسقط من يديه المسدس.
صرخ رحيم وركض تجاه أنس المصاب، فصوب مظهر المسدس تجاه رحيم، وكاد أن يفعلها لكن جاءت رصاصة من جهة أخرى استقرت برجل مظهر، وقال صاحب التصويب بثقة: -أكيد مش هتقتل ابني قدام عيني يا مظهر، كفاية إنك قتلت أبويا. تكلم واحد من رجاله قائلًا بنبرة جمهورية بعنف: -أنا عايز إشارة يا ريس إني أضرب نار، وهخلص عليهم كلهم، قولي إشارة و.... رفع يديه بإشارة عن التوقف، وقال بإستفزاز:
-بس أنا يا أدهم مخلتهوش يتوجع، أنا حطيت سم مفعوله بيخليه يموت من غير ألم، وهو أصلا كان تعبان وبيموت أنا كده خففت عنه الألم. بصق أدهم تجاهه وهو يظهر له باشمئزاز: -إنت مجرد واحد شحات يا مظهر، عملنا ليك قيمة، أبويا رباك معايا، مكنش يعرف إنه بيربي إبليس، واحد غدار وشايف نفسه ناقص، إنت نكرة يا مظهر.
بصق ثانيةً ثم أشار لهم جميعًا بالرحيل، وبين الخوف والتوتر والقلق استداروا جميعًا لكي يرحلوا ممسكين ببعضهم البعض يشدون من أزر بعضهما يبكون خوفًا على المصاب بينهم ويتمنون أن يذهبوا من هنا بسلام لا مصاب آخر ولا فقيد بينهم، لكن ضُربت أمانيهم بعرض الحائط عندما جاءت رصاصة من مسدس مظهر استقرت بجسد واحدًا بينهم. سقط أدهم الذي كان يتكئ على طليقته وابنته بسبب الإصابات السابقة.
الجميع في حالة إنكار، في حالة صدمة، خفقان في القلب، شلل في حركة اللسان والأجساد، تجمدت أطرافهم. تحرك رجال مظهر يحملون رئيسهم ويفروا هاربين من الباب الآخر. وبعد ثوانٍ مرت كالسنوات عليهم، صرخت عبير بقوة وجثّت على ركبتيها أمام أدهم. -أدهم أقوم هنروح المستشفى وهتكون كويس، متسبنيش لوحدي يا أدهم، إنت لسه معوضتنيش عن حنان الأب والأم، أنا محتاجاك معايا.
التفتوا جميعهم حوله، واقترب منه رحيم والدموع مكتومة في مقلته لم تصدق أنها ستنزل على جثة والده، تكلم أدهم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: -عبير، سامحيني، بحبك. ربت بيديه الدامية المرتعشة على وجهها وأكمل والدموع سبقت حديثه: -أنا كان نفسي أرجع أعيش معاكي إنت ورحيم وجميلة. ثم نظر لابنه وقال: -أنا آسف يا رحيم، أنا غلطت لما... شهق بعنف ودماء تخرج من فمه وعينيه تُقفل: -غلطان إني مشيت وسيبتك لوحدك. رد رحيم ببكاء وإنكار هيستيري
وهو يضرب على الأرض بعنف: -لأ يا بابا إنت مش غلطان، أقوم نروح سوا، وهنكون كويسين مع بعض. نظر إلى ابنته الواقفة بصدمة كأنها لا حياة باتت فيها وأن روحها خرجت قبل روحه: -حقك عليا يا جميلة، سامحيني، إنت أكتر واحدة عارفة إن اللي حصل غصب عني. قالت عبير وهي تصرخ وتبكي بقهر وتقبض عليه أكثر بقوة: -هتكون كويس والله، أنا آسفة، حد يتصل بالإسعاف.
نظر مرة أخرى في عينيها العسليتين الباكيتين لآخر مرة ثم قال من بين الشهقات وتقيؤ الدماء بنبرة معافرة مجاهدة: -ادعيلي عشان عملت ذنوب كتير، وخايف أقابل ربنا، خايف أوي، كنت عايز أكفر عن ذنوبي، متنسنيش يا عبير واعرفي إني حبيتك بجد، حافظي على رحيم وجميلة. نطق الشهادتين بوهن ثم سقطت يديه من بين أصابعها وأغمض عينيه للأبد لينتهي أدهم القماش صاحب الابتسامة الجذابة والقلب الحنون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!