الحبيب غادر الدار لكنه مكث في القلب، ثم غادر الحياة لكنه ما زال يسكن قلبها.. شعورها كان لا يوصف، حبيب غادر، وماذا بعد؟!
إنكار، بكاء، صراخ، ثم انهيار، ثم تكمل حياتها على ذكراه محطمة الأحلام والآمال، وتتذكر ما حدث مرة أخرى يوم الوفاة، ثم تتمنى أن يكون كابوسًا، تلوم نفسها على عدم إنقاذه، بكاء، انهيار، وتظل هكذا كأنها في دائرة صعب الخروج منها إلا في حالة وفاتها.. تفتح ألبوم صورهما وتبكي، ثم تغلقه، ثم تفتحه، تنظر إليه في صورهما وقت شبابه وتتغزل في صاحب أجمل ابتسامة، ثم تدقق في ملامحه وتفاصيله كأنها أول مرة تراه، تأخذ صورة أخرى وتكرر فعلتها الأولى. حتى وقعت بين يديها صورة لعائلتها كم كانت رائعة في ذلك الوقت، كانت الصورة بعد أيام من ولادتها لابنتها، كانت واقفة تحمل صغيرتها ويطوق عليها
(أدهم) بذراعه الايسر وأمامهم واقف الابن البكري يمسك يد أمه الثانية، وجميعهم يبتسمون بسعادة حقيقية نابعة من داخل قلوبهم، لكنها جذب نظرها شيء آخر في صورة، جمال أسنان (أدهم) البيضاء المتراصة وضحكته الصافية الحنونة الجذابة الواصلة إلى عينيه. ثم أمسكت بصورة أخرى وهي كانت يوم زفافها عندما التقطت لهما حماتها صورة. دخلت عليها (جميلة) تحمل لها الطعام حيث مر ثلاثة أيام على ما حدث وهي ترفض الطعام والكلام والحياة بأكملها. جلست
(جميلة) متورمة العينين شاحبة الملامح على طرف السرير لتطعم أمها: -عشان خاطري تاكلي انهاردة، أنا و رحيم مش نحمل خسارتك إنت كمان. ضحكت (عبير) بسخرية والدموع لامعة في عينيها وقالت: -إنت مصدقة إن أدهم مات، أدهم حبيبي أنا يموت، حبيبي وعدني إنه هيفضل معايا، وقالي هيعوضني عن كل حاجة صعبة عشتها مع أبويا، وقالي كمان إنه هيرجع يعيش معانا تاني يا جميلة مش إنت كنت قاعدة لما قال من كام يوم إنه هيرجع أدهم القماش حبيبي؟
. راحت في خاطرها الذكرى الأخيرة لها مع والدها في نفس يوم الوفاة حيث جمعهم حوله قال والندم ينهش بقلبه ويخفض عينيه إلى الأرض:
-أنا غلطت كتير، بس محتاج فرصة واحدة، أنا ضربتك وهينتك يا عبير وغلطت في حقك، بس كان غصب عني والله مكنتش أنا كانت المخدرات والخمرة، أنا حبيبك عمري ما أزعلك، حتى البيت لما ولع مكنش بسببي كان بسببها هي مش أنا، الفلوس إللي استلفتها مكنتش عشاني كانت عشانها هي، الخمرة. وضع يديه على وجهه وبكى بخجل، ثم رفع رأسه من يديه دون النظر في أعين أي منهما وأكمل بتحشرج:
-أنا مشربتش خمرة في حياتي غير لما كل حاجة باظت وضاعت من إيدي، بس أنا عايز أرجع أهم حاجة ضاعت مني، وهي إنت يا عبير، إنت ورحيم وجميلة أنا نفسي أكون أبوهم وجوزك وأنا واخد عهد على نفسي إني هبطل كل حاجة غلط بعملها. صمت منتظر رد أي منهم لكنهم لم يجيبوا، فرجع هو للاعتذار والبكاء مرة أخرى ورأسه منحني وعينيه منخفضة لأسفل، حتى تكلم (رحيم) بهدوء متقربًا منه بلطف:
-حصل خير يا بابا، إن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة، ممكن بلاش عياط عشان مش هقدر أشوفك كده. قالت (عبير) بثبات خارجي وإنهيار داخلي وهي تستعد للولوج إلى غرفتها: -أنا وإنت أنتهينا من زمان يا أدهم، إنت عندك عيالك، الأول كانوا صغيرين دلوقتي كبار وفاهمين الصح والغلط، إللي عايز منهم يفضل قريب منك ومعاك ده حقهم إنت بردو أبوهم، لكن أنا لأ. خرجت (جميلة)
من بين ذكرياتها المؤلمة وتأنيب نفسها إنها لم تأخذه في حضنها وقتها وتوعده إنها ستظل معه للأبد، على صوت نحيب أمها المنهارة وهي تقول:
-كان نفسي احضنه بس، هو الوحيد إللي حسيت معاه بالأمان، نفسي أحسسه أنا بحبه إزاي، ملحقتش أقوله إني بعدت عنه عشانك إنت وأخوكي، عشان خوفت في يوم يعمل فيكي إنت وأخوكي حاجة مش عشان كرهته أو خايفة على نفسي منه، كان نفسي أقف معاه وأساعده، بس أنا أنانية هو وقف معايا في كل حاجة وأنا تخليت عنه في أصعب وقت في حياته، لو حد مسؤول عن موته هيكون أنا. دخل (رحيم) على صوتها وقال بثبات:
-محدش مسؤول يا أمي عن حاجة غير مظهر، قسمًا بالله العظيم مظهر هيدفع تمن أفعاله كلها على إيدي. أطلق تنهيدة قوية وضمها إليه ولثم جبينها ثم قال بهدوء: -إنت مش سبب حاجة، أدهم حقه هيرجع. خرج (رحيم) بعد ما اطمأن عليهن، واستضافت (جميلة) أمها معها في الغرفة الخاصة بها في شقة خالتها، حتى تواسي أمها وتواسي نفسها. دارت (عبير) وجهها وهي تبكي بدون صوت حتى لا تفزع ابنتها، وعلى الناحية الأخرى كانت (جميلة)
تفعل نفس الشيء بالإضافة إلى ضجيج رأسها المزعج، فقررت ألا تترك نفسها إلى عقلها كما قالت لها طبيبتها، ففتحت الهاتف الخاص بها واشتغلت تطبيق "التيك توك" لتلهي نفسها وتغفى، لكن تطبيقها كان له رأي آخر حيث أول مقطع خرج لها من التطبيق كان مقطع من أغنية حزينة للفنان "محمد حماقي" الحقيقة إن الحياة ضحكت علينا، لا الفراق ولا اللقى كانوا بإيدنا، لما يومها حضنتني وبعدين مشينا، ليه مقولتش أن ده الحضن الأخير. كنت سيبني لحد آخر لحظة جنبك، سيبني أقولك أد إيه وإزاي بحبك، مهما طال بينا البعاد مش هنسى حبك وأشوفك يوم على خير. اخترقت الكلمات سمع
(عبير) وبدأت في النحيب بصوت عالي، وهي تتمنى أن يمنحها الله يوم واحد فقط لرؤية حبيبها وتقسم له أنه كان من أعز الخلق على قلبها، كانت تتمنى لحظة واحدة تعتذر فيها على تخليها عنه، تطلب حضن أخير من أحضانه الدافئة، تتمنى تغبير ما حدث، تلوم نفسها على تركه وحده، وأنها لم تظل بجانبه إلى آخر لحظة. وفي غرفة (أنس)
حيث العتمة، كان صاحب الغرفة في ثبات عميق، والضيف فيها كان في أشد لحظات حزنه، وضع سماعته ثم انتقى أغنية حزينة لكايروكي وأغمض عينيه اللامعة بالدموع. كنت فاكر لسه بدري وأتاري العمر بيجري الفراق بيجي من غير معاد يعلم جوانا، يكتب نهايات شايفك قدامي قدامي وما بينا فاصل بشكيلك وكلامي مش واصل كلامك بيجري في دمي و لآخر العمر هفضل مستنيا أشوفك تاني واقفة بعيد بتشاوري تقولي، ده ابني من لحمي ودمي نزع السماعات من أذنيه وهو يحاول كتم بكائه وكي لا يزعج النائم، ثم استعاذ بالله وقرر فتح القرآن الكريم على هاتفه وينام. بعد مرور أسبوعين من يوم الوفاة. كان
(رحيم) يخطط كيف سينتقم من كل من ظلمه وظلم عائلته. دخلت (جميلة) له الغرفة بثوبها الأسود الكئيب وعينيها المتورمتان الباكيتان وجلست بجانبه ثم قالت برجاء: -أنا خايفة أخسرك يا رحيم، أنا مش نحمل خسارتك ده أنا أموت بعدك، عشان خاطري تعالى نسافر إسكندرية مع أنس ونعيش هناك ومنرجعش القاهرة تاني، نعيش لوحدنا. لم يأتِها الرد منه فقالت مرة أخرى برجاء:
-طيب إعمل إللي يريحك بس عشان خاطري عرفني هتعمل إيه وريحيني. زفر بحنق ثم قال معارضًا لها: -جميلة أنا طول حياتي عايش في حالي مش بتعامل مع الناس عشان عارف إنهم كلهم مرضى نفسيين ومبيفهموش وغدارين، وقررت أعيش لوحدي من غير مأذي حد، إنما لغاية كده مش هسكت، أبويا اتقتل قدام عيني من واحد دمر حياة كل الناس، أكيد مش هسكت، وإنت عارفة أنا مش بخاف يا جميلة. مع انتهاء كلامه طُرق باب الغرفة بخفة فأذنت (جميلة) للطارق بالدخول. كانت
(وفاء) واقفة على باب الغرفة وخلفها ظهر وجهه (نور) قالت الأولى: -رحيم في ضيفة عايزة تعزيك وتتكلم معاك، تعالى أخرج. خرج (رحيم) مع خالته وأشار لـ (نور) بالدخول إلى الشرفة. جلست مقابلة له ثم قالت بهدوء وخجل في آن واحد: -البقاء لله، ربنا يرحمه ويصبر قلبك، هو أكيد ارتاح، خليك قوي عشان مامتك وأختك. -شكرًا إنك جيتي، وأسف على البهدلة إللي حصلتلك معايا. -أنا عايزة أسأل سؤال وأطلب طلب. -اتفضلي طبعًا.
-أنا عايزة أعرف الحكاية بالظبط حصل إيه زمان وخالتك إزاي قتلت أبوها ومين خالد؟ قال بصوت حازم: -ده السؤال ولا الطلب؟ ردت بتلعثم: -السؤال، الطلب هو ممكن أساعدك؟ قال بضيق: -لأ شكرًا متتعبيش نفسك. -أنا بتكلم جد، وممكن أقول لبابي يساعدك كمان هو عنده معارف كتيرة وصديقه ظابط كبير، ممكن يساعدك ويقبض على قاتل والدك. ابتسم بسخرية ثم نهض يفعل كما يفعل دائمًا يستند على الدرابزين ويرفع رأسه ينظر إلى الأفق وزفر بعنف،
ثم التفت لها وقال: -إنت فاكرة إني هرتاح لو اتسجن أو حتى مات، أنا هقتله بإيدي بس بعد ما أذله وأعذبه، وسلوى هرميها في الشارع زي الكلبة وهذل فيها لغاية ما تموت من الحسرة على نفسها، زي ما قهرت أبويا وأمي وخالتي. نهضت بعنف وأمسكته من ياقته وقالت:
-إنت مجنون عايز تخسر نفسك، طب وجميلة وطنط هيعيشوا إزاي من غيرك، بلاش غباء يا رحيم، حقك عند ربنا، متعملش زي باباك لما راح بهدل نفسه وشرب مخدرات وبعد عنكو، بلاش عبط مامتك محتاجاك. قال وهو يمسك يديها يبعدها عنه: -طب ما إنت عارفة الحكاية أهو أمال بتسألي ليه. -أيوه عارفة كل حاجة، خالتك اتصلت بيا وحكتلي كل حاجة، وقالتلي أجيلك يمكن تسمع مني، بس إنت عندي أوي. أهدر فيها بعنف بعدما اقترب منها أكثر:
-وتتصل بيكي ليه، طب مظهر كان فاكر إنك حبيبتي، إنما إنت تيجي بصفتك إيه وتتكلمي معايا ومستنياني أسمع كلامك، أنا أصلا معرفكيش. دخلوا جميعًا على صوته وقالت (وفاء) صارخة به: -إنت بتزعق ليه عيب كده اتكلم بـ..... -عشان إنت بتدخليها بينا، إحنا منعرفهاش يا خالتي، وقلت قبل كده أنا سكت كتير، مش هسكت تاني، هقتله وهذله قدام عيني قبل ما أقتله، ومش خايف من حد. تركهم وغادر من الشقة بأكملها ذاهبًا إلى صديقه، وقص له ما حدث فقال (نادر)
-إحنا خايفين عليك والله، بلاش يا رحيم الشرطة بتدور عليه وهتحاسبه وهيتحكم عليه بالإعدام كمان. -نادر أنا لو الشرطة لقيته ههربه عشان أقتله أنا، خلص الكلام. صرخ فيه (نادر) بعنف وعروقه قد برزت وعيناه جحظت من شدة انفعاله: -بلاش عناد أنا مش هخسرك يا رحيم، وهقف قصادك ومش هخليك تأذي نفسك وتطلع في الأخر غلطان زي أدهم. أنهى حديثه ثم تركه وذهب غرفته يضرب بابها بعنف. تنهد (رحيم)
لكنه لم يبال بفعل صديقه وذهب إلى الشرفة يخرج هاتفه واتصل برقم رد عليه على الفور: -ألو رحيم، إيه أخبارك. -عملتي إللي قلت عليه يا سلوى، عرفتي مكانه؟ -اه عرفت مكانه، قاعد في يخت بتاع واحد من معارفه في أسكندرية. -إنت فين أنا عايز أقابلك وش لوش يا سلوى. -أنا في البيت.
-طيب سلام. خرج من شقة صديقه متجهًا إلى بيت خالته الخائنة دون علم صديقه. وصل إليها ورحبت به وأدخلته بيتها الذي كان عبارة عن غرفة صغيرة بالطابق الأرضي متهالك الأثاث أضواؤه خافتة. جلس على الأريكة المتهالكة وأخذ يحدق إليها بشر، حتى انتفضت هي من مكانها وقالت بتوتر: -أعملك حاجة تشربها. -اقعدي. جلست والتوتر ينهش قلبها، تكلم (رحيم) محاولًا التحكم في نظراته ونبرة صوته: -إنت هتيجي معايا عند مظهر في المكان إللي قولتي عليه.
-ليه أنا ست كبيرة وعجوزة يا رحيم مش هقدر أروح معاك. -الاتفاق اتفاق جهزي نفسك هنتحرك دلوقتي. رفعت حاجبيها وجحظت عينيها بذهول ثم قالت بتلعثم: -دلوقتي؟! قال بقسوة وعنف وعينيه لم ترحمها من التحديق فيها بشر: -مش بكرر كلامي مرتين، جهزي نفسك بسرعة. انتفضت تلملم أغراضها بسرعة، وهو أسند ظهره يسترجع ما حدث في بعد انتهاء ثلاث أيام العزاء. كانوا جميعهم في أسوء حالاتهم، لكن (رحيم)
لم ينتظر حتى يستوعب ما حدث، ونزل في كل الشوارع والطرقات يبحث عن (سلوى) ، وظل هكذا لمدة يومين حتى عرف طريقها. طرق على الباب وفتحت له دون العلم بأنه الطارق، استغربت في البداية لكنها رحبت به ظنًا منها إنه سيأخذها تمكث معهم أو شيء في هذا القبيل. قال بثبات ونبرة جامدة صارمة قبل أن يجلس: -مظهر قتل أبويا، أدهم اتقتل بسبب واحد كلب نكرة. -لا إله إلا الله، محدش عرفني ليه عشان أعزيكم، شد حيلك يا حبيبي.
-مظهر قبل ما يقتل أدهم قال حاجة غريبة عنك. نظرت بدهشة وقد بدأ عليها علامات التوتر والانفعال فحاولت إخفاء توترها وقالت: -قال إيه؟ قال بثبات واضعًا يديه في جيبيه: -قال إنك زي ما ساعدتيه ينصب على أبويا، هو نصب عليكي وخسرك فلوسك وإنت متعرفيش إنه هو إللي عمل كده. ظهرت حبات العرق على جبينها وتلعثمت: -أنا أعمل كده، أنا أنصب على أختي وجوزها، مش لو كنت نصبت زي ما بتقول كنت خدت نسبة من الفلوس، فين الدليل. أجابها
بابتسامة تهكمية واثقة: -أنا مش مصدق طبعًا يا خالتي، بس هو نصب عليكي فعلاً، وبعتلك ناس عشان تفتحي المشروع وسلّمك أول كام شهر الفلوس عشان توافقي تحطي فلوسك كلها فيه، هو اللي حكالي كده، افتكري اللي حصل براحة كده، هتلاقي إن مظهر نصب عليكي فعلاً. تنهّد بعمق وأرْدَف: -نصب عليكي وقَتَل أبويا، يبقى هنتفق نخلّص منه، صح ولا إيه يا سلوى؟
بدأت الأفكار تتراوح في فكرها وتسترجع ما حدث معها من اغتيال، حيث أن جاء لها سيدات يعرضون عليها شراكتهم في مشروع، يحتاج إلى الكثير من المال وبعد تفكير عميق منها وافقت عليه، لكنها لم تجازف بجميع أموالها حتى تتلقى المكسب من المشروع، وبالفعل تلقت أول مبلغ وكان بعملة أجنبية.
فوافقت على زرع مالها في هذا المشروع كاستثمار لأموالها، لكنها خسرت كل ما تملك عندما أمْضَتْ فقط على ورقة من ضمن الأوراق التي كانت تحتاج توقيعها عليها، كان هذا بعلم من المحامي الخاص بها، الذي مشيتْ خلفه كالعمياء، تنصاع لأمره في التوقيع والإمضاء على كل ما هو مطلوب منها، لأنها أمية ولم تتعلم الكتابة والقراءة.
وبالطبع أمرأة متكبّرة مثلها خسرت زوجها وعائلته وصداقتها، عندما وقعت في مأزق لم يعِينْها أحد على ابتلائها، بل شَمِتُوا بها وطَرَدُوهَا من بينهم، بالتأكيد الجميع نَفَرُوا منها ولم يتقبّلوها يوم وسطهم، فهي التي كانت تُهين أي شخص لأي سبب وفي أي وقت ومكان. اخترعت فكرة إن بعد وفاة زوجها اشتركت في مشروع ولم ينجح لوقتٍ طويل، وهذا سبب إفلاسها، ولم تعترف بإنها نُصِبَ عليها بفخٍ واضح كما فعلت من قبل بـ (أدهم)
أطلقت تنهيدة قوية بأنفاس حارّة متوترة وقالت: -مظهر خدع الكل، شيطان بس أنا عمري ما كنتْ كده ولا أذِيتْ أبوك في حاجة زي ما قالك. ابتسم بتهكّم واضح وهو ينظر لها من رأسها حتى أخمصي قدميها باستحقار كأنه يريد البصق أو التقيؤ عليها وقال: -أنا مَقْلْتِشْ إنك أذِيتِي حد، أنا عايزك معايا عشان ننتقم من مظهر، أنا طيب أه، بس كفاية طيبة، طبعي هادي، بس اتْقَى شرَّ الحليم إذا غضب، قولتي إيه؟ رَمَقَتْه بتوتر وقلق لكنها تماسكت
وأخرجت نبرة صوتها طبيعية: -عايز تعمل إيه؟ -أعرف مكان مظهر وطبعًا إنتِ يا خالتي هتقدري تعرفي، أصل مظهر قال لنا إنه عِشْرَة عمرك وبيثق فيكي. لم تستطع إخفاء توترها أكثر من ذلك وقد ظهرت حبات العرق على جبينها بوضوح ويديها لم تكفْ عن الارتجاف وصدرها الذي يخْفِقْ بشدّة. تلاعب (رحيم) بها أكثر وقال عاقدًا يديه أمامه وينظر بدهشة مُفْتَعَلَة قائلًا بنبرة بها شيء من الحماس:
-أنا حاسّ إنك تعبانة يا خالتو، موت أدهم أثَّر فيكي أوي كده، للدرجة دي كنتِ بتحبيه؟ ردت بنبرة غاضبة مرتعشة: -هو مظهر قال عني إيه بالظَّبْط؟ مال بنصْفِهِ العلوي للأمام تجاهها مما جعلها تتراجع للوراء بخوف وهو يرمقها بحدَّة:
-محدش قالي أنا عارف كل حاجة إنتِ عملتيها زمان، شوفي إنتِ عملتي إيه في حياتك، مثلًا إنك قتلتِي نبيل الحداد، مثلًا خلَّتِيهْ يمْضِي على الورق وهو بين الحياة والموت، مثلًا إنك بتهدِّدِي مظهر بالورق اللي خبَّيْتِيهْ يوم جريمة قتل أبوكي. استقام في وقفته واضعًا يديه في جيبيِّ بنطاله الأسود الرياضي وأضاف: -ساعديني يا خالتي ننتقم من مظهر، مش عشان أنا عاجز ومحتاجك، ده عشان إنتِ لو مساعدتنيش هنتقم منك زيك زيه.
انصَاعَتْ إلى أوامره ووافقت تساعده لأنها لا تملك خيار آخر، وأول أمر هو أن تعرف أين هو الآن. وكانت مهمة سهلة بالنسبة لها، لأن جميع من يتواصلون مع (مظهر) يعرفونها، ويعرفون إنها لها عمل خاص معه، وذلك الغبي لم يخطر بباله للحظة إنها ستقف ضده مع أكثر من تُبْغِضْهُمْ، لم تأتِ بخاطره بتَّة لكي يُحْذِرْ رجاله من التواصل معها. علِمَتْ مكانه بعد يومين فقط من رجاله دون رجوع أي منهما ليستشيروا (مظهر)
، لأن التواصل معه ممنوع حتى لا يتوصَّلْ إليه الشرطة. انتهت (سلوى) من ترتيب أغراضها وتجهيزها لنفسها ثم انطلَقَا سويًا للذهاب إلى الإسكندرية. وفي شقَّة (وفاء) كان الأمر في غاية الصعوبة، بدتْ (عبير) كأنها حطام منزل قديم مرَّ عليه أعوام، وهي تنظر في الخلاء بقَهْرٍ وحزن، هذه النظرات كانت تكسر قلوبهم. جَثَتْ (نور) على ركبتيها أمامها واضعة يديها على فخذَيْهَا بلين وقالت:
-لو قلقانة على رحيم فأنا متأكِّدَةْ إنه هيعمل الصَّحْ، رحيم جميل يا طنط مش شبههم ولا هيكون شبههم، إنتِ بس خلِّيكِي قوية وأنا هكلِّمْ بابا يمكن يعرف يتصرَّفْ أو يلاقي حل. وقفتْ واستدارتْ لتتلاقى أعينها بأعين (جميلة) التي قالتْ لها باستنكار: -شكرًا على وقفتك معانا، بس إنتِ بتعملي كده ليه معانا؟ إنتِ اتخَطَفْتِيْ وكنتِ هتموتي، وفيه واحد منّا اتقتل قصاد عينك وإنتِ لسه مكلِّمَةْ معانا. أطلقتْ تنهيدة وردَّتْ بتلعْثُمْ:
-عشان خالتك اتصلتْ بيا، فأنا جِيتْ بس كده. ضحكتْ بسخرية وقالتْ وهي عاقدة ذراعَيْهَا وترفَعْ حاجبَيْهَا: -والله؟ واعرفْتِيْ منين إن رحيم قلبه أبيض وكويس ومش شبههم. صَمَتَتْ لبرْهَةْ حتى تتلقَّى الإجابة منها، لكنها جاءتْ من (أنس) بغضب: -بَطْلِيْ لعب العِيَالْ ده يا جميلة، إنتِ إزَّايْ لِيكِيْ نَفْسْ للكلام أصلاً. قالتْ (نور) بابتسامة محرجة ومتوترة وتلعْثُمْ:
-أنا آسِفَةْ لو دخلتْ نفسي في مواضيع خاصَّةْ، بس أنا كنتْ بساعد بس، سلام عليكم. مَرَّتْ ساعات حتى الوقت تخطَّى منتصف الليل و (رحيم) لم يَعُدْ إلى البيت، ويتجاهل المكالمات الآتية له من أخته و (أنس) حتَّى في النهاية أرسل رسالة صوتية على تطبيق الواتساب لأخته يقول فيها: "أنا كويس يا جميلة خلِّيْ بالك على ماما وعلى نفسك أنا محتاج أرتاح يومين وأفْصَلْ عن العالم متتصلِيشْ بيا أنا هطمِّنْكْ عليَّ"
ثم أغلق هاتفه، مع وصوله إلى المكان المنشود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!