تحميل رواية محكمة الحياة بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ابتسامتها تهوس عيون الجميع عدا عيناه. تحاول أن تسوقهما إلى الجنون، ولكن هو يريد الهدوء. حتى في جراحه يريد أن يخيطها بعيدًا عن الجميع. هي بالنسبة له قضية، وهو حالة وتجربة. ولكن تشعر أن ليس لها طعم. يسميها البعض الفتاة البلهاء. حتى هو أيضًا، لما نال منها من الخيبة والعجز. هوسها هدم كل شيء. صنع منه رجلًا مختلًا بعد أن كان عاقلًا. كانت تمشي مثل الأطفال في مستشفى الأطفال التي تعمل بها، تتحدث مع زميلها. - الشهر الجاي كل جدولنا زحمة، بس ممكن نلاقي مكان نلعب فيه مع كم طفل ده. ابتسم في بداية حديثها لاهتم...
رواية محكمة الحياة الفصل الأول 1 - بقلم مروة البطراوي
ابتسامتها تهوس عيون الجميع عدا عيناه. تحاول أن تسوقهما إلى الجنون، ولكن هو يريد الهدوء. حتى في جراحه يريد أن يخيطها بعيدًا عن الجميع. هي بالنسبة له قضية، وهو حالة وتجربة. ولكن تشعر أن ليس لها طعم. يسميها البعض الفتاة البلهاء. حتى هو أيضًا، لما نال منها من الخيبة والعجز. هوسها هدم كل شيء. صنع منه رجلًا مختلًا بعد أن كان عاقلًا.
كانت تمشي مثل الأطفال في مستشفى الأطفال التي تعمل بها، تتحدث مع زميلها.
- الشهر الجاي كل جدولنا زحمة، بس ممكن نلاقي مكان نلعب فيه مع كم طفل ده.
ابتسم في بداية حديثها لاهتمامها بالعمل، ولكن تراجعت ابتسامته باضطراب. ولم يستطع كتم تلميحات طاقم المستشفى عندها. فصارحها قائلًا:
- أبوس رجلك عيل كمان وهيُثبت عليكِ حالة إنك ناوية تخطفي الأطفال. يا بنتي ده الأهالي بيشتكوا منك. الطفل بيروح من هنا بيبقى مش طايق أمه، ويقعد ينادي باسمك يا جميلة.
رفعت أكتافها بلامبالاة وتركته، لأنها لم تقتنع بالأمر. بالنسبة لها عشقها واهتمامها بالأطفال غير إرادي. حتى أنها في إحدى الجلسات كادت أن تفتك بأم بسبب عصبيتها على وليدها لأنه لديه تبول إرادي. الكل يتهمها أنها بلا عقل. وهذا ما يجعلها تعيسة.
جميلة حقًا، هي اسم على مسمى وتتميز بالبراءة.
***
في منزلها مع والدها المستشار هشام المرشدي، القاضي بإحدى المحاكم.
- حبيبي صحيت قبلي؟ ده أنا كنت جاية أصحيك عشان محضرالك فطار، إنما إيه.
- امممم فطار إنما إيه؟ طب على فكرة بقى أنا صاحي بقالي ساعتين وما شمتش أي ريحة.
تعالت ضحكات جميلة قائلة:
- كده يا هشوم؟ وأنا معرفش أكلك على مزاجي خالص.
فتح لها هشام يده لكي تأتي لعنده، وبالفعل ركضت مثل الأطفال.
- فاكرك يعني مش عارف أنت ناوي تأكليني إيه؟ بس إزاي قاضي زيي يفطر سيرلاك.
احتضنته جميلة بحب قائلة:
- عشان خاطري، ده أكل صحي.
- ماشي، بس أوعي تحكي لزمايلك.
- يالا عشان ألحق أعملك شاي بلبن وأروح المستشفى بدري. أنت عارف الجدول الشهر ده زحمة جدًا.
هشام بحزن:
- ربنا يعينك ويبارك لي فيكي.
جميلة وعيناها تلمعان بالحزن:
- ويرحم أخويا الكبير. أنا عارفة إن لا يمكن حد ينساه. أنا بس بحاول أخرجك من اللي أنت فيه، ونفسي ماما كمان تخرج من أوضتها وترجع حياتها.
- عارف يا حبيبتي إن لا يمكن تنسيه، وعارف إن الناس مفكرينك بايعه كل حاجة وعايشة حياتك. بس أنتِ صح، وصح أوي كمان. بس أمك صعبة، مش قادرة تتعايش.
أغمضت جميلة عيونها تعتصر دموعها. ليكفكف والدها دموعها قائلاً:
- أنا السبب. كانت قضية نحس يوم ما مسكتها وأهل الجاني هددوني، بس مكنتش أعرف إنهم هينفذوا.
دفنت جميلة رأسها في صدر أبيها تبكي وتخفي صوتها حتى لا تسمعها والدتها ويحترق قلبها أكثر. وتنعل على والدها.
- خلاص يا بابا، ربنا يرحمه. ده كان عمره. حتى لو مكنش حد آذاه. اصبر واحتسب. أجرك عند ربنا. وإن شاء الله أخويا في الجنة.
- إن شاء الله.
منذ بداية ولادة جميلة وشقيقها، وهشام المرشدي وزوجته يعيشون في أرق. يسأل نفسه دائمًا هل من الممكن أن يظل ملاكًا بريئًا بسبب مجرم قاتل؟ لم يستطع فعلها. كان دائمًا نزيهًا في حكمه، ليكون نتاج عن نزاهته إيذاء ابنه. لتتحول زوجته من بعدها إلى امرأة جامدة القلب. وابنته إلى فتاة تعيش في عبث. يتخيل لو عاش ابنه، كان سيكون شبيهًا لوالدته. يطيح بكل شيء في مقابل أن يعيش حياة طويلة. حتى تعامله مع والدته كان تعاملًا سطحيًا، كأنها ليست والدته. ولكن جميلة، يكفي ابتسامتها فقط في وجه والدتها. التي يعتقد البعض أنها بلهاء، حيث أن ابتسامتها تثير الغرابة والدهشة. وتعجب البعض. كيف لها أن تبتسم بعد ما عاشوه مؤخرًا.
كانت قدرية تجلس في غرفتها المظلمة تتذكر ابنها ولحظات شبابه، وتدعي على الظالم الذي هدر شبابه في لحظة غدر.
نظرت لها جميلة وأردفت بحزن قائلة:
- كفاية بقى يا ماما، عشان خاطري وخاطر بابا.
- أخوكي كان غالي، وما فيش حد عندي غالي من بعده.
- دي إرادة ربنا يا ماما. ومين قالك إنه مش غالي علينا إحنا كمان.
قدرية ببكاء وعويل:
- أبوكي كمل في طريقه ولا كأن ابنه اتغدر بيه. فين حق أخوكي؟ طبعًا مش فارق. هو أصلًا كان بيتمنى موته.
انتفضت جميلة قائلة:
- إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا ماما؟ وبعدين بابا هيعمل إيه؟ عايزاه يروح يقتل اللي قتله؟ مستحيل. وبعدين ما أخويا اللي عطاهم الفرصة لكده.
زفرت قدرية بضيق قائلة:
- أنتِ كمان مش فارق معاكي موته؟ زيك زي أبوكي. أنتِ أساسًا هايفة ومالكيش قيمة.
- ماشي يا ماما. اللي تشوفيه. بس متنسيش إن ابنك كان محامي مش مظبوط، رغم إن كان متربي على إيدين راجل قانون.
نظرت لها قدرية نظرات حاقدة وهي تقول:
- راجل قانون بس سمح إن ابنه يتدبح قدام عينه. بكرة هيسيبك تدوقي من نفس الكاس اللي أخوكي داقه. بس ساعتها مش هحزن عليكي.
دلف عليهم هشام بعد أن استمع إلى صوت قدرية الذي يحمل في طياته الكثير والكثير من الجحود.
- جرى إيه يا قدرية؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ أنا ساكت من ساعة ما ابنك مات ومش راضي أجرح حرمته. ابنك كان محامي مرتشي. كان هيضيعنا كلنا.
قدرية ببكاء وعويل:
- أنت بكلامك ده بتضيع حق ابنك. روح منك لله يا شيخ. ربنا ياخدك زي ما خده.
نظر لها هشام بحزن قائلاً:
- للأسف أنتِ مش عارفة إني أكتر واحد حزين على ابني. ربنا يسامحه ويسامحك على اللي بتقوليه. أنتِ بتعذبي روحه وأنتِ مش عارفة.
نزلت العبرات منه. لتقف جميلة أمامه تترجاه قائلة:
- متزعلش من ماما يا بابا. دي مهما كان أم. أكتر واحدة موجوعة فينا.
هز رأسه باستسلام ومن ثم تركهم ورحل. لتلتفت جميلة إلى والدتها تجدها تغطي وجهها تريد النوم، لتتركها وتخرج إلى عملها.
***
ذهبت جميلة إلى عملها في إحدى المستشفيات قسم الأطفال، لتتفاجأ بزميلها نعمان يزفر بحنق جراء أن مديرهم أمره بعمل العديد من العمليات.
مطت جميلة شفتيها بقسوة لصعوبة ما خلف أعماله.
- بلاش تنكر إنه غرضه إنك تترقى بسرعة.
جلست لتضيء اللمبة الصفراء في وجهه لتضايقه، وكأنها مثل المجانين ليفهم حكمة الأمر الذي جاءه من كبير الأطباء.
- أنا كده اتأكدت من نواياك. أنتِ اللي خربتي ليا الدنيا، ووصلتيه عليه. وطبعًا عشان أنا نفسي في ترقية وأنتِ ترتاحي.
راقصت حواجبها وهي تحتسي كوب النعناع الساخن، غير عابئة بحرارتها بالرغم من أنها شخصية حساسة للغاية. لينظر لها على أنها مريضة نفسية اغتصبت حقه في الراحة. يتعجب كيف تتمتع بهذا الغل. نهضت ومرت بجواره وهي تغمض عينيها. ليحسم أمره وينهض هو الآخر متوجهًا إلى مكتبه، يرمقها بنظرات صلبة جامدة. ولكن لم تمنحها أي معنى.
دلف بعد خروجه صديقتها جدائل وشعرت بحزن نعمان وهو خارج.
- واقفة كده ليه يا جوجو؟ وليه نعمان خارج زعلان من عندك برضه؟ صدتيه؟
- كنت باكل. نزلت النهارده من غير فطار. وأنتِ اتأخرتي. قلت أكيد مامتك رضيت عليكي وفطرت.
- كنت باكل. نزلت النهارده من غير فطار. وأنتِ اتأخرتي. قلت أكيد مامتك رضيت عليكي وفطرت.
- بعد كده تستنيني هنا. أنا مرضتش آجي الشغل غير بعد ما بابا راح شغله. خوفت عليه من ماما. بقت أوفر.
- لاااا اقعدي كده واحكيلي.
رواية محكمة الحياة الفصل الثاني 2 - بقلم مروة البطراوي
لا اقعدي كدة و احكيلي الجديد
مش هما يا بنتي مش بيكلموا بعض و قلت لك كده أريح بس انتي مش بتريحي نفسك.
أنا كل يوم ببعدهم عن بعض بس الصراحه ماما النهارده زودتها و علت صوتها و دعت عليا و عليه و هو مقدرش ميردش عليها.
زفرت جدائل بيأس قائله
معلش يا جميله هي وضعها أصعب منكم ربنا يصبرها على فراقه مهما ان كان وحش هو برضه ابنها و انتي بتشوفي لهفه الأمهات ازاي علي اولادها لما يكونوا بس سخونين. بس دي مش أول مرة اكيد انتي راضتيهم .
لا و النتيجه بابا ساب ليها البيت و يا عالم هيرجع علي العشا و لا لا و هي و لا علي بالها.
ابتسمت جدائل بحنو قائله
تعرفي يا جوجو باباكي عمره ما هيفرط فيكي لأي راجل بالساهل.
مين دي اللي تتجوز ! أنا هفضل سنجل طول عمرى يا بنتي أنا مش بتاعت مسؤؤليه.
تعالت ضحكات جدائل قائله
ماشي يا أوختي روحي بس راضي نعمان الغلبان.
معلش يا جدائل راضيه انتي و فهميه ظروفي مش حابه أقرب منه و لا يتقرب مني.
ربتت جدائل علي يد جميله قائله
متخافيش يا حبيبتي أنا عرفته انك مش بتفكرى في الارتباط.
احتضنتها جميله قائله
حبيبتي يا جدوله ربنا يديمك سند و ضهر ليا و أخت.
ربتت جدائل علي ظهرها قائله
يالا بينا بقي نبدأ كشوفات عندنا شغل كتير النهارده و مش عايزين نقصر.
أوكيه يا أحلي جدائل و بعدين أنا بحب ألعب مع الأطفال احممم قصدي أكشف عليهم.
تتذكر حبها لشقيقها و تشبثها به و ذوبانها بين ذراعيه الحنونين و هي تضع علي أنفها عنق الكنزة الصوفيه الزرقاء لتتماشي مع لون عينيها غامت عيناها بالدموع حيث أصبح بيتهم قاتم من بعد رحيله تحاول جاهده أن تعيد له الحيويه و لكن دون جدوى
في منزل عائله الزيات المكونه من كامل الزيات المستشار المتقاعد و أولاده الابن الأكبر المحامي أكمل الزيات و الأوسط كمال الزيات و الصغيرة جدائل الزيات صديقه جميله كانت تجلس مع ابنة عمها كامليا الزيات و التي من المفترض أنها ستكون زوجه أكمل
هبط من فوق الدرج كمال ليقوم بمضايقه كامليا كعادته حيث اقترب عيد ميلاد كمال و هي اقتنته له كنزة عقد حاجبيه ثم سخر منها قائلا
مش كنتي تقولي أجي معاكي و أقيس بنفسي ما يمكن ما تطلعش مقاسي.
بس هي فعلا مقاسك.
تحدثت معه باستياء من سخريته و عزيمه أن تبين له ان الاهتمام له و ليس لشقيقه ليته يفهم و يستوعب قبل فوات الأوان فهي لا تكل و لا تمل من التقرب منه و هي تعلم جيدا أنه يرفضها و يتعمد معاملتها بقسوة حتي تبتعد عنه يريد ترك المنزل و العائله بسببها و الرحيل و لكن يتراجع فهو عاشق لابتسامتها و لكن لا يستطيع البوح لأنها تحت مسمي خطيبه شقيقه و فقا للقانون الذي وضعه كامل الزيات.
جلست جدائل بجوار كاميليا تشفق علي حالها هي الأخرى
ايه يا كامليا لسه مش حاسس بيكي بردو.
نظرت لها كاميليا بقلق قائله
كمال تقيل أوى يا جدائل بقاله فترة حاسس بس حتي لو حاسس محدش يقدر يخالف رأي باباكي.
جدائل بقلق
ربنا يستر يا حبيبتي و ان شاء الله خير أكمل الوحيد اللي يقدر يطلعكم من ده كله بس ازاي مش عارفه.
جاء علي ذكر اسمه ليزيد من حالتهم القلقه و المتوترة خشيه من أن يكون قد سمعهم
أخويا حبيبي اكمل كموله.
أسرعت كامليا لتنهض و تغادر
أنا هروح بقي يا جدائل و ابقي تعالي بليل اسهرى معايا.
استوقفها أكمل ليملي عليها خبر يشعرها بفرحه عارمه
مبروك يا كاميليا أنا أقنعت بابا انك تقدمي علي الماجستير.
نظرت له كاميليا بفرحه قائله
بتتكلم جد يا أكمل أنا مش مصدقه نفسي.
اقتربت منها جدائل بسعاده و احتضنتها و عيونها تتدمع بالفرح
ايه يا جدائل بتعيطي انتي كمان ليه ما انتي أخده الماجستير و لسه الدكتوراه.
جدائل و هي تقبل كاميليا
دي دموع الفرح كاميليا كان نفسها في كده من زمان.
علي الجانب الأخر بعد عوده جميله من عملها و جدت قدرية تسند بذراعها المتربعه علي صدرها علي حافه باب الغرفه و جميله كانت تتدندن
مالك مروقه و بتغني ليه
أقبلت عليها جميله تقبلها
الحمد لله مبسوطه ما أخدتش شغل كتير.
لوت قدريه ثغرها بسخريه و بدأت في التقليل منها
جاي ليكي نفس تفرح أخوكي لو مكانك كان فاته اتحسر علي نفسه و هما بيسهلوا له الشغل و بيعتبروه هايف زيك.
خرج من غرفه مكتبه في هذه اللحظة هشام بعيون حاده مثل الصقر
مين يا قدريه اللي كان اتحسر علي نفسه مش عارف ليه ديما كنتي واخده مقلب فيه ابنك كان رامي الشغل علي المحامين في مكتبه و كان بيمسك القضايا المشبوهه و بس.
لم تصمت قدريه بل ردت عليه بكل غضب و تعالي صوتها أكثر و أكثر لدرجه استفزته و كاد أن يمد يده عليها ليضربها و لكن ما حدث كان أكبر منه و منها حيث وقع مغشيا عليه من جراء ارتفاع ضغط الدم لتصرخ جميله و تبكي قائله
باباااا.
و سرعان ما هاتفت جدائل صديقتها الوحيده لكي تنقذهم من هذا المأزق التي سرعان ما أخذت شقيقها أكمل و ذهبوا اليهم سريعا
جميله ببكاء
بابا بلاش علشان خاطرى أرجوك أنا مليش غيرك حقك عليا أنا فعلا غلطانه و ماما عندها حق بابا فوق يا حبيبي أنا مقدرش أعيش من غيرك.
مع رنة جرس الباب فتحت لهم قدريه و هي متصلبه تنظر لهم باشمئزاز دلفت جدائل و لم تبالي الي نظرات قدريه و جلست بجوار جميله
أكمل الظاهر ان الموضوع هيطول اتصل بدكتور ليه يا جميله ما اتصلتيش بالاسعاف كان أسرع مننا.
لم تتمالك جميله نفسها لأنها انهارت بجوار والدها أخرج أكمل هاتفه و تحدث الي شقيقه
كمال تعالي بسرعه علي بيت المستشار هشام المرشدي و هات معاك دكتور بسرعه متتأخرش.
تحدثت قدريه الي أكمل بصوت منخفض
كل مرة بيقع كده كأنه بيمثل الظاهر المرة دي بجد كويس ان بنتي صاحبة أختك و انت كمان تربية هشام المرشدي.
ثم رفعت يديها عاليا و هي تصفق قائله
تحس انك المفروض تكون ابنه و هو أبوك هو شايفك بتعوضه عن ابني بس أنا محدش يقدر يعوضني عنه و لا يحل محله.
كانت جميله تستمع الي والدتها و هي تحدث أكمل لتحتضنها جدائل برفق
متخافيش يا ماما محدش هيحل مكان أخويا زى ما لا يمكن حد يحل مكان بابا و أرجوكي كفايه بقي أنا تعبت أوى و محتاجه أرتاح.
شددت جدائل من احتضانها لترد قدريه قائله
حقك عليا يا حبيبتي أنا بس بوضح للمتر أصل بقي بيظهر بشكل كبير بعد موت أخوكي و ابوكي بقي يتعلق بيه بشكل أكبر و في سر أكيد هنعرفه قريب.
جميله ببكاء
عارفه يا ماما كل اما النار بتهدي انتي بتولعيها زى ما يكون اللي حصل لأخويا تار و احنا كلنا ملزومين ناخده ليكي.
جاء كمال و لكم أن تتخيلوا من جاء به للكشف علي هشام جاء بكاميليا و الأدهي أنها هي التي أصرت علي ذلك لأنها تخصص باطنه و قلب دلفت لتكشف علي هشام ثم خرجت ليسألها أكمل
طمنيني يا كاميليا علي صحه المستشار هشام.
كويس أنا عطيته حقنه هتظبط السكر بس لازم بكره يعمل رسم قلب.
الحمد لله طيب و حالته النفسيه ايه
وحشه جدا أصلا أنا عارفه من جدائل كل حاجه و اللي بيحصل ده كله غلط عليه و علي جميله.
شكرا يا كاميليا تعبناكي معانا.
استمع الي شهقات جميله علي والدها و كم أزعجته فطلب من كاميليا أن تنادي علي جدائل لعله ينصحها تسكت صديقتها و لو قليلا
أكمل بحزم
مينفعش اللي هي عملاه جوه ده كاميليا لسه بتقول ان كل اللي بيحصل ده غلط أنا مش هينفع أكلمها كلميها انتي بصفتك صحبتها و زى أختها.
جدائل ببكاء
كاميليا قالت لك ايه بالظبط.
اطمني و طمنيها هو بخير بس أعصابه تعبانه و طبعا انتي شايفه السبب الست قدريه محملاه كل حاجه.
كانا يقفان في صاله المنزل
طب هنعمل ايه في الست دي لو علي جميله أنا ممكن أخدها تقعد في الملحق بتاع فيلتنا مع كاميليا أهم يونسوا بعض بس عمو هنسيبه لطنط دي ممكن تموته.
المشكله ان المستشار هشام عنده سكر و بيجيله غيبوبات كتير من يوم وفاه ابنه و ست زى قدريه ممكن تسيبه يموت أو تدفعه لكده يعني وجود بنته مهم.
خرجت جميله لكي تسمع عن ماهيه حاله والدها
تعالي يا جميله اقعدي مع أكمل علشان يفهمك حاله عمو علي بال ما أدخل المطبخ أعمل حاجه خفيفه ليه فرصه و مامتك قافله علي نفسها.
جميله بحزن و هي تكفكف دموعها
حاضر يا جدائل.
رفض أكمل أن يجلس معها ورد بحزم
انا هقعد في عربيتي أستني كمال لما يجيب الدوا و انتي خلصي و اخرجيلي.
ماشي يا حبيبي طب و جميله مش هتكلمها وتفهمها حاله والدها ايه بالظبط كده.
لا أنا مش فاضي دلوقتي و بعدين ما انتم دكاترة مش محتاجين توضيح خلي كاميليا تكلمها.
ظلت شارده بعد خروجه و جدائل تعض علي شفتيها من الخجل منها لتقوم بانهاء عملها سريعا و تتركها و ترحل دلفت من بعدها جميله الي والدتها تنظر لها لتجدها شارده تسألها
جميله!أبوكي عامل ايه دلوقتي.
انتبهت جميله الي سؤالها فمسحت دموعها قائله
متخافيش يا ماما بابا هيقوم و هيبقي أقوى من الأول.
شعرت قدريه بحرقه جميله علي والدها خاصه من بكائها المستمر
و طبعا أنا السبب لأني شيلته فوق طاقته طب ليه مش بتحسي بيا زى ما بتحسي بيه.
جميله ببكاء
لا متقوليش كده يا ماما أنا حاسه بيكي أنا بس كل اللي طالباه منك هونيها علي نفسك و علينا بابا ملوش ذنب طول عمره مستعد يفيدنا بروحه.
خديني معاكي أروح أطمن عليه.
دخلا الي غرفته ليقابل هشام وجه قدريه بوجه جامد خالي من التعابير
متتعبيش روحك يا قدريه أنا كويس لسه ما موتش زى ما بتتمني بالظبط.
أنا عايزة حق ابني يا هشام مش عايزاك تموت و لا حاجه اكيد أنا مش هتمني الخراب أكتر.
خليكي عادله و منصفه و لو لمرة واحده حق أخويا عند ربنا اتغدر بيه و احنا مش في غابه انتي كده عايزانا كلنا نموت.
أه يا ابني أه هما السبب و مش عارفين يجيبوا حفك حقك اتهدر و قلبي اتهدر معاك.
جلس هشام نصف جلسه
مش انتي لوحدك يا قدريه اللي قلبك محروق قلت لك أنا حكمت بالاعدام علي اللي قتله مقدرش أعمل أكتر من كده ارحميني و ارحمي نفسك.و ارحمي البت الغلبانه دي كفايه المشاكل اللي داخله علينا.
مشاكل مشاكل ايه تاني يا بابا
زفر هشام بعمق
مبعوت ليا تهديد بقتلك يا جميله و طبعا محدش هيقدر يحميكي.
جميله كمان دي هشام و انت ايه ازاي مش قادر تحمي اولادك دي أخرة خدمتك.
ما هو ده السبب اللي خلاني وقعت من طولي النهارده الناس دي عايزين ينتقموا مني علشان حكمت بالعدل.
ايه الكلام اللي بتقوله ده يا بابا طب أخويا و كان مختلس و كان معاه قواضي مشبوهه أنا بقي هيعملوا معايا ايه ده مجرد تهديد علشان تسيب الشغل.
هشام بغضب
ما هو علشان كده عايزك تحت عيني قدمي استقالتك يا جميله و اوعي تأمني لحد من اصحابك احنا منعرفش الضربه ممكن تجيلك من مين.
قدريه ببكاء
كملت اولادي اللي حفيت علشان أجيبهم الدنيا انت بشغلك و سلطتك و نفوذك ضيعتهم من بين ايديا.
دلفت جميله الي عالم جديد تحمل به كل هموم الدنيا و لكن عليها ألا تزيد من قلق والدتها أكثر فهونت عليها قائله
خلاص يا ماما أنا هسمع كلام بابا و مش هنزل شغلي تاني أصلا أنا مش غاويه شغل و بحب القعده في البيت و الفرجه علي التي في.
قدريه ببكاء
أنا خلاص مش هكلم معاك تاني يا هشام بس انت فاهم انت وصلتنا ايه ضيعتنا كلنا أنا مش بعاتبك علب نزاهتك و عدلك بس كان في ايدك تسيب القضيه مش تعاند و تكمل و تستغني عن اولادك.
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا يا قدريه كله قدر و مكتوب على الجبين.احنا عندنا بنتنا نعوض فيها اللي راح مننا.
قدريه بحزن
مليش نفس لحاجه.
مضت عده أيام و لم تذهب جميله الي عملها و لكنها ملت من الجلوس في المنزل فدائما والدتها تنام أو تتصنع النوم طلبت منها جدائل أن تذهب اليها فذهبت.
دلفت الي حديقه منزله و أخذت تدور مثل الأطفال حتي انتبه لها و هي تنتفض من دوران الأرض من حولها تجمدت و هو يلحقها حتي لا تقع علي الأرض انتبهت له و الي يده التي تمسكها بعصبيه مفرطه بدأ قلبها ينبض بشراسه و كأنه يبعث لها اشارات عاطفيه شعرت بحماقتها و هي تتصارع أنفاسها تحاول السيطرة علي نفسها كان أنفاسه مثل النيران التي ألهبتها حضوره في هذه اللحظة كان طاغيا لم يكن هذا من ذي قبل عينيه لم تتحقق منها و من رسمتها و من لونها كل تفاصيله أصبحت موضحه أمامها بالرغم من أنها رأته عده مرات و كان لا يفصل بينهم أي شئ و لكن هذه المرة مختلفه تماما هي تعرفه جيدا منذ عام تقريبا قابلته مرات كثيرة و لكن هذه المرة اشارة مقدمه لها لما سيحدث بعد ذلك.
رواية محكمة الحياة الفصل الثالث 3 - بقلم مروة البطراوي
مضت عدة أيام ولم تذهب جميلة إلى عملها، ولكنها ملّت من الجلوس في المنزل، فوالدتها دائمًا نائمة أو تتصنع النوم. طلبت منها جدائل أن تذهب إليها، فذهبت.
دَلفت إلى حديقة منزله وأخذت تدور مثل الأطفال حتى انتبه لها وهي تنتفض من دوران الأرض من حولها. تجمدت وهو يلحقها حتى لا تقع على الأرض. انتبهت له وليده التي تمسكها بعصبية مفرطة. بدأ قلبها ينبض بشراسة كأنه يبعث لها إشارات عاطفية. شعرت بحماقتها وهي تتصارع أنفاسها تحاول السيطرة على نفسها. كانت أنفاسه مثل النيران التي ألهبتها. حضوره في هذه اللحظة كان طاغياً، لم يكن هذا من ذي قبل. عيناه لم تتحقق منها ومن رسمتها ومن لونها. كل تفاصيله أصبحت موضحة أمامها. بالرغم من أنها رأته عدة مرات وكان لا يفصل بينهم أي شيء، ولكن هذه المرة مختلفة تماماً. هي تعرفه جيداً منذ عام تقريباً. قابلته مرات كثيرة، ولكن هذه المرة إشارة مقدمة لها لما سيحدث بعد ذلك.
تركها ما إن تأكد أنها فاقت من الدوار الذي أصابها. توقعت توبيخه لها على الحركة الطفولية، ولكن حمحم وتركها سريعاً وغادر المنزل.
"لازم حد يلحقك بعد لعب العيال اللي انتي بتعمليه ده. الحمد لله إن أكمل بنفسه اللي لحقك. لو كمال كان سابك وقعتي وضحك عليكي. وكويس إن أكمل ما وبخكيش."
التقطت جميلة كوب العصير من جدائل وارتشفته مرة واحدة، ثم تجشأت مثل الأطفال قائلة:
"هاتيلي بقى سيرلاك من اللي بيبقى معاكي للأطفال لأحسن بقالي كتير مش باكله وبتكسف أقول لبابا يجيبه."
جاءت جدائل تتحدث فأخرستها جميلة بوضع قطعة الشيكولاتة في فمها، وهذا نظراً لعشقها لها وللنوع المفضل لديها.
انتهت جلستها مع جدائل وقررت الرحيل، ولكن صممت جدائل أن يستقلها أكمل إلى منزلها. تذمرت جميلة لهذا القرار وتذمرت أكثر عندما علمت أنه طلب المستشار هشام والدها.
جلست بجواره في سيارته الصغيرة وهو صامتاً لا يتحدث، كأنه أبكم لو أراد يحدثها لسيبحث عن ورقة وقلم لكي يملي عليها ما يريده. تتعجب من أنه رجل قانون، ولكنها لا تفهمه، حتى شقيقته نفسها لا تفهمه. دائمًا يتركهم يحترقون ولا يفهموا ما يدور بخلده، ولا أحد فهم ما يدور بدفتر عقله. تذكرت المشهد الذي حدث بينهم في بداية زيارتها اليوم، ويالها من مشهد بالغ الخطورة. كانت عيناه مثل الشيطان. شعرت أنه سيطلب منها أن تتنحى عن مغامراتها الطفولية حتى لا تقع.
نظر إليها في المرآة ليشعر أنها متلهفة لتبادل الحديث معه أثناء ذهابهما.
"انتي كنتي متابعة حالة والدك في الفترة الأخيرة علشان كده مش بتنزلي الشغل صح؟"
جميلة بملل:
"كان نفسي أقولك صح، بس للأسف أنا احتمال كبير أسيب الشغل، علشان الناس اللي بيهددوا بابا. شكلهم عايزين يقتلوني زي ما قتلوا أخويا."
"اللي حصل كان علشان أخوكي سمح بكده، وبعدين من امتى وإنتي بتشيلي الهم وبتبيقي قد المسؤولية. اللي أعرفه عنك إنك ضرباها طناش."
"ماشي، أنا فعلاً مش فارقة معايا، بس ماما ذنبها إيه؟ مش كفاية أخويا. على فكرة بقى كون إني أسيب الشغل ده على عيني، بس أعمل إيه؟ نفسي أعيش في هدوء."
ابتسم لها أكمل حتى اندهشت لابتسامته.
"تعرفي إنتي غلطتي لما اتخصصتي أطفال. كان المفروض تبقي دكتورة نفسية. واثق إن المرضى بتوعك هييجوا عاقلين، ويروحوا مجانين."
"إن شاء الله طبعاً. هو في أحلى من الجنان والبساطة في التعامل؟ أنا مش عارفة إنتوا مصعبين الحياة على نفسكم ليه. في أحلى من السلام النفسي؟"
سلط عينيه عليها بغموض صعب قراءة وتفسير نظراته، لتتبين من سوداوية عينيه مثل ما شاهدته عندما كانت ستسقط في حديقة منزلهم. وبالرغم من أنها سوداء، إلا أن نظراته ساحرة تقيم الأشياء تقييماً عالياً، ولكن كلما بصّرت عيناها نحوه تشعر بالعتمة. بالنسبة لها نظراته ليست لطيفة. تذكرها بالقصص والحواديت التي كانت تسمعها في الماضي وهي صغيرة عن الأشباح. كلما اقتربت نظراته من عينيها تشعر بشيء يسحبها نحوه مثل المغناطيس أو المنوم. أدارت بوجهها نحو الجانب الآخر، لتشعر أن الشارع فارغ من المارة، لا يوجد سواهما وسيارتهم. نظراً لأنه أخذها إلى مكان ضيق وأشعة الشمس حارقة فيه، لتفهم أنها بطريق صحراوي. التفتت لتجده ينظر نحو عينيها وعيناه مظلمة معتمة، لتخشي وترتعد منه.
"ممكن حضرتك تروحني علشان اللي بيحصل ده غلط."
"ليه مش إنتي مش بتخافي والحياة سهلة ومافيش صعوبات."
زفرت جميلة بحنق قائلة:
"إيه اللي انت بتقوله ده؟ إنت معاهم صح؟ علشان كده صممت توصلني."
"عايزة تروحي ليه؟ مش إنتي كارهة البيت؟ عموماً هما دقايق هتكلم معاكي في موضوع مهم."
"وأنا مش عايزة أسمعك. من امتى وانت بتحب تتكلم معايا؟ ده أنا حسيت إنك أخرس كل أما تشوفني."
"ليه هو سكوتي مزعلك في حاجة؟ جربي تعملي زيي يمكن ترتاحي من الدوشة اللي في دماغك. إيه مش بتتعبك؟"
ردت عليه جميلة بحدة قائلة:
"ممكن حضرتك تروحني علشان ما أعملكش مشكلة مع بابا. وأنا أوعدك مش هاجيلكم تاني، ما أنا فاهمة إنك كاره صداقتي لجدائل."
"لو حاجة تعمليلي مشكلة مع المستشار هشام، اعملي أنا مش همنعك. بس مش هنمشي من هنا قبل ما تسمعيني وتركزي معايا ومتعصبنيش."
ارتعدت وهبطت من السيارة بخوف قائلة:
"إنت اتجننت؟ مين إنت علشان تقولي متعصبنيش؟ إنت عايز مني إيه؟"
"متخافيش، اللي هقوله كله لمصلحتك ومجبورة تصدقيني وبعده اللي هقوله إنتي استحالة تخافي مني."
ردت عليه جميلة بكل حده قائلة:
"جايبني هنا والله أعلم عايز تعمل فيا إيه وتقولي استحالة أخاف منك. ده أنا وجودي هنا أذى في حد ذاته. ده إنت شوية شوية هتسيبني وتمشي."
رد عليها أكمل بثقة قائلاً:
"واضح كده إنتي لا يمكن هتصدقيني، فتمام اركبي هروحك حالا. بس مترجعيش تندمي وتقولي ياريتني كنت سمعته. كان كلامي معاكي هيفرق في حاجات كتير في حياة والدك ووالدتك."
لم تظن للحظة أنه جاء بها إلى هنا ليتحدث في موضوع يخص والدها ووالدتها، وبعد أن عزمت أمرها أن ترحل، خفق قلبها خوفاً مما ينوي قوله.
"يعني مش هتأذيني ولا هتقولي ابعدي عن أختي صح؟ طب ليه تجيبني مكان صعب زي ده؟ وعايز مني إيه؟"
"طبعاً إنتي عارفاني كويس وعارفة بشتغل إيه وكنت زميل أخوكي اللي مش حابب أتكلم وأخوض في حرمته وهو ميت. عارفة طبعاً أنا ابن مين."
لم تبدِ أي رد فعل لحديثه عن شقيقها، بل ظلت تنظر له في صمت.
"إنتي طبعاً دكتورة أطفال متعرفيش حاجة عن مجالنا ولا حابة تهتمي أصلاً. بمعنى أدق لا تصلحي للمعاناة. لذلك هتكوني مستهدفة أكتر مننا."
"المفروض بقى إني أعرف كل شاردة وواردة في مجالكم؟ طب ما جدائل أهي ولا في دماغها. وكاميليا خطيبتك كمان؟ عايزين إني أهتم. والكل خايف عليا ومعتبرني مستهدفة لمجرد إني شخصية مليش في شغلكم. طب ما أخويا كان منكم والوحيد اللي طالته إيديهم. طب ما إنت أهو إنت وأخوك عيني باردة عليكم. شايفة حوت واقف قدامي مستعد يبلعني. لا استنى نسيت انت برج الأسد. الحمد لله إني جدي غلبانة أنا وجدائل في معاشرة أمثالكم."
تعالت ضحكات أكمل ولأول مرة تراه يضحك لتظهر غمازته.
"طول عمري أسمع من جدائل عن إيمانك بالأبراج بس مكنتش متخيل إن كلامك هيضحكني كده. عموماً عرفت معلومة جديدة. عينيكي زرقا بس للأسف مدورة وبتحسد عيني عينك. أنا لو جرالي حاجة هيبقي بسبب عينيكي دي."
ارتبكت جميلة من حديثه وخجلت بشدة، فابتسم هو الآخر مجدداً وتحدث عالياً حتى تفيق من التيه التي بقت فيها.
"إن شاء الله بعد بكرة هجيب والدي وأخويا وجدائل وكاميليا. قبل ما أقولك إحنا جايين ليه، حابب أعرفك نقطة مهمة. أنا وكاميليا بنت عمي مش مخطوبين ولا حاجة. ده مجرد كلام بين والدي ووالدها الله يرحمه. بس لا أنا حابب ولا هي عندها رغبة. أعتقد إنك بدأتي تفهمي أنا جاي أنا وعيلتي ليه بعد بكرة. بس خايف تكوني مش مستوعبة لذلك هقولك. إحنا جايين نخطبك. تحبي أسيبك تفكري لمين ولا أقولك؟ مع إن الموضوع مش محتاج تفكير. أنا العريس يا جميلة. أتمنى تفكري كويس في اليومين دول، قبل ما ترفضي. ولو حابة توافقي بشروط معنديش مانع. عارف إني عرضي سخيف بس كان لازم أعمل كده، علشان تعرفي إن دي طبيعتي وأسلوبي. أخاف أبقى رومانسي وأرجع أتغير تتقهرى."
كادت أن تفقد وعيها من أثر كلماته المرصوصة وراء بعضها البعض. شعر هو بصدمتها، فأسّرع الخطى وفتح لها باب السيارة وأجلسها بنفسه. شعرت للحظة أنه تطفل عليها وعلى حياتها دفعة واحدة. كيف امتلك الجرأة لكل ذلك؟ استطاع خطفها من عالمها الهادئ إلى عالمه الملئ بالعذاب. تتساءل منذ متى وهو ينظر لها على أنها جميلة. هي ليست مثله، هي كقطعة حلوى من يقترب منها يشعر باللذة. هي تريد عالماً بنكهات متعددة وهو يريد عالماً رتيباً. كيف سيجعلها تتذوق وتحس بمشاعره وهي ترى أن في عينيه هلاك محتم لأي شخص يعارضه.
رواية محكمة الحياة الفصل الرابع 4 - بقلم مروة البطراوي
محكمة الحياة
الفصل الرابع
غاب الكلام عنها طيلة الطريق،ما ان وصلوا حتي اختفي هو الأخر،نسيت أن تبلغه رفضها،فقد كان شفتيها ترتجف و هي جالسه بجواره،لأن نظراته كانت مرتكزة عليها و كلها صرامه،مع ابتسامة سخريه لدرجها جعلتها تستغرب علي ماذا يضحك هل من خوفها منه،هو الأخر لم يقل شيئا و لم ينطق ببنت شفه،فقد كان يحدق بها بعيونه المظلمه و مع كل ذلك يركز مع الطريق متفاديا لأي حادث،شعرت أنه شبح غير لطيف،هل عليه أن ينتظر موافقتها.
هل هو معتوه!
شعرت بأحدهما يراقبها فدلفت منزلها علي الفور و هي تبتلع ريقها،وجدت بيتهم مظلم فعلمت أن والدها و والدتها نائمين،شعرت بالصداع و لا تعلم من ماذا هل منه أم من دورانها اليوم،قررت عمل كوب قهوة و بحيرة فاشله استطاعت عمله و لكن ما حدث بعدها كان سيئا عندما وقع كوب القهوة علي الطاوله أثناء ارتباكها من سماع أصوات أتيه من شرفه المطبخ و ما حدث أكثر عندما انشغلت بالقهوة و أخذت تجففها لتلتهب يدها علي الفور تتذكر عندها لمسات يده علي يدها عندما جذبها قبل أن تسقط في حديقه منزلهم ،تشعر أن سخونه الملمس مطابقه للسعه كوب القهوة.
تركت كل شئ و خرجت من المطبخ كي تهدأ و قررت الذهاب للاطمئنان علي صحه والدها المريض فاستمعته يحادث أكمل فأنصتت له
-يا أكمل أنا مستعد أفديها بحياتي بس مش بالشكل ده،عارف انها معرضه للخطر أكتر من المرحوم أخوها بس صعبانه عليا أقتل فرحتها.
صمت هشام يستمع لرد أكمل
-و مين قالك انك بكده هتقتل فرحتها،هي هتعيش معايا معززة مكرمه.
ليرد عليه هشام بحده قائلا
-أنا مستعد يقتلوني و لا اني أبيعها بالشكل ده،عارف جميله دي تبقي ايه،تبقي روحي يا أكمل،أنا يمكن ربنا مطول في عمرى علشانها،و بعدين أخوها هو اللي باع نفسه.
ثم استطرد حديثه بحزن
-الله يسامحه هو اللي ضيع نفسه و ضيعني معاه،عمرها ما كانوا هيقدروا يهددوني بس هو فتح ليهم دراعاته و أقنعهم انه هيقدر عليا،بس محدش هيقدر علي جميله.
رد عليه أكمل مجددا و قال
-و أنا بأكدلك انهم حاطين جميله في دماغهم و يمكن من قبل أخوها،بس أهو قالوا يخلصوا منه الأول علشان طماع،و بعدين ده أنا اللي طالبها منك علي سنه الله ورسوله.
رد عليه هشام قائلا
-طلبك علي عيني يا أكمل،انا لا يمكن أوافق عليك و لا أغصبها عليك،الا لو لقيت منها موافقه،و ساعتها يا أكمل ما تلومش غير نفسك،لأنه هيبقي جواز أبد الدهر.
أنهي هشام حديثه مع أكمل في حين هي ارتدت للخلف حتي لا يعلم أنها استمعت له،هربت الي غرفتها و انتظرت حتي الصباح،ظلت تفكر في عرض أكمل و قررت أن تتحدث مع والدها
طرقت علي غرفه والدها فلم يرد انتفضت من الخوف أن يصيبه مكروها و فتحت الغرفه مسرعه نحوه و هو جالسا علي فراشه مرتديا ملابسه ينظر الي الفراغ بشرود و هي تتنفس الصعداء لينتبه عليها قائلا
-متخافيش يا حبيبتي أنا مش تعبان و لا حاجه،كل ما في الأمر في ايدي قضيه،و مش حابب أظلم حد فيها،فبفكر فيها كتير،و الظاهر اني كبرت.
جميله و الدموع تملأ مقلتيها
كبرت يعني ايه بابا،هتسيب الشغل؟كل ده علشان خايف علينا لا نكون في خطر؟متخافش الحافظ هو ربنا،أنا مؤمنه انه هيبعت لينا حد ينقذنا من اللي احنا فيه.
هشام بحزن
-متخافيش يا جميله،طول ما أنا عايش محدش هيقدر يمس شعرة منك،ثقي فيا،و صدقيني أخوكي هو السبب،هو اللي عطاهم الفرصه،انتي غيره.
احتضنت جميله والدها قائله
-ربنا يرحمه و يسامحه،ارجوك يا بابا متقعدش تتكلم في الموضوع ده كتير علشان ماما بتزعل،هي أكتر واحده موجوعه فينا،مهما ان عمل شايفاه كان أحسن واحد في الدنيا.
-ما تقلقيش يا حبيبتي،انا من يوم ما تعبت مبقتش أجيب سيرته،عارفه ليه،خايف يا جميله أسيبك و أموت،و أنا عارف انها عمرها ما هتقهمك زيي.
-متجبش سيرة الموت يا بابا،أنا مش عايزة عيلتنا تنقص تاني،أنا بحب جو العيله أوى،تعرف أنا بحب جدائل علشان عيلتها كبيرة و بحب أروح هناك كتير.
ربت هشام علي كتفيها و أخرجها من أحضانه قائلا
-بلاش تروحي هناك كتير يا جميله،كامل الزيات مش زيي،ده مربيهم تربيه صارمه،و أخاف يجرحك بكلمه،و لا ابنه أكمل شبهه بالملي.
فتحت عليهم الباب في تلك اللحظة قدريه تنظر لهم بتوجس و قلق ،هم حقيقه استغربوا دلوفها اليهم
-قلت نفطر السوا النهارده علشان عايزة أروح أزور ابني،يا انت يا جميله توصلوني،بس الظاهر ان الأب و بنته بينهم أسرار و خايقين أعرفها.
رد عليها هشام بحزن قائلا
-أنا مليش نفس و جميله بتسترجاني بقالها ساعه علشان أفطر و أخد دوايا،بالنسبه لمشوارك هنأجله عندي قضيه الساعه 11 و استحاله أسيبك تروحي انتي و جميله المدافن لوحدكم.
ابتسمت جميله الي والدها بود قائله
-لو حضرتك هتخلص بدرى ممكن نستناك اليوم لسه طويل و أنا بجد نفسي أزوره وحشني أوى،و علشان ماما كمان مازارتوش من يوم ما حضرتك تعبت.
-و تفتكرى انك لما هتروحي تزوريه هترتاحي،أنا يا بنتي بتعذب من أمك كل مرة ولوله و عياط و صريخ/هي بس لو تحترم المكان هوديها كل يوم.
اقتضبت ابتسامتها و زادت هما
-حبيبي يا بابا أنا هروح معاكم المرة دي مش هتخلي عنكم زى زمان،و اكيد وجودي هيهدي ماما،أنا خلاص يا بابا قررت أشيل مسؤليتكم.
-أه لو تعملي فعلا كده يا جميله تبقي بنتي بصحيح،عارفه أنا بتعذب منك أكتر من عذابي من موت أخوكي،لأن شيفاكي مش في دماغك.
اقتربت منها جميله بدلال قائله
-يا ماما أنا حاسه بيكي أكتر واحده،لأني ست و احساسي عالي،كل ما في الأمر،اني فعلا بكره المعاناه،مكنتش أتمني يحصله كده،كان نفسي نفضل عايشين مبسوطين.
ربت هشام علي كتفي جميله قائلا
-شكلنا كده هنرجع مبسوطين زى زمان،و ان شاء الله قدريه هتقدر تتخطي حزن العالم بيكي يا جميله، احنا مش هننساه بس هنتعايش .
-تفتكر بنتك هتقدر تتغير في يوم وليله كده يا هشام،و لو ده حصل انت لازم تفكر ايه السبب،بس أنا عارفه انت كالعاده هتكبر دماغك،أهم حاجه انها اتغيرت.
حاوطها هشام بذراعيه قائلا
-طيب هعملك اللي انتي عايزاه يا قدريه،ربنا يقدرني علي الفاكنس هقدم استقالتي و هتفرج ليكم تماما،و سامحوني انتم الاتنين علي أي حاجه.
-لو جميله عايزة ترجع الشغل هرجعها من بكره،بس معلش الفترة دي هيبقي في حارس شخصي،و انتي كمان يا قدريه عايزك تخرجي زى الأول.
أخفضت قدريه رأسها
-خلاص يا هشام،أنا مبقتش حابه أخرج و لا أشوف حد و أتصعب عليه،جميله فعلا هي اللي لازم ما توقفش حياتها،لازم ترجع زى الأول.
جميله بابتسامه
-أنا من رأيي بقي أرجع لحاله الهطل بتاعتي تاني طالما بقي انتم بقيتم كويسين مع بعض،قد ايه كنت شايله هما معاركتكم لبعض كل يوم.
جحظ هشام بعينيه قائلا
-انتي يا بنتي مش لسه قايله هتشيلي مسؤليتنا،خلاص أوام كده رجعتي للهبل تاني،اه ياني منك،أمك عندها حق،كان لازم أعرف سبب التغيير.
تعالت ضحكات جميله قائله
-خلاص يا سياده المستشار،دكتورة أطفال منتظرة منها ايه،ده أنا اتخصصت أطفال مخصوص علشان ألاعبهم،رغم ان في ناس قالولي ان أكون دكتورة مجانين.
تعالت ضحكات هشام هو الأخر قائلا
-تصدقي اللي قالك كده عنده حق ،قدريه كان نفسي كمان تتخصصي التخصص ده،و كان بيقولوا هي و أخوكي انه لايق عليكي،بس هو كان هيبقي قريب من شغلنا لأنه في تحقيقات جامده خصوصا لو المتهم كان مريض نفسي.يالا أنا ماشي و مش هتأخر جهزوا نفسكم.
-حاضر يا هشام،خلي بالك من نفسك و من الطريق و هترجع تلاقينا مستنينك ،و سامحني يا هشام علي أي حاجه عملتها فيك قبل كده،لا اله الا الله.
*********************
و بالفعل عاد اليهم مجددا و أخذهم و ذهب الي المقابر لزيارة ابنه و عادوا لتعزم جميله أمرها أن تذهب في اليوم الثاني الي أخدهما قبل أن يأتي اليهم
-أكمل ...ازيك.
وجد يدها تمد اليه تصافحه بتوتر لتستقبلها يده تصافحها بجمود و بملامح خاليه من أي تعبير، و عينيه معتمتين كعادته و لا تعلم لما عتمة عيناه تجعلها تذوب أمامه،يبدو أن هذه العتمه مزاجيه لها،لون العين مأصل في العائله حيث أن جدائل و كاميليا بنفس العيون السوداء،و أه من هاتين العينين أصحابهم جاديين للغايه،جلس و من ثم أرجع ظهره الي الوراء علي مقعده ليفاجئها و هو يفتح العلبه أمامه علي المكتب التقط منها سيجارا و أشعلها أمامها و هي جاحظة العينين لا تعلم أنه يدخن و الأحرى من ذلك أنه ينفث الدخان أمامها و ملامحها مصدومه لتتنحنح في خجل منه و من تصرفاته
-أنا أسفه اني جيت من غير ميعاد،جدائل قالت لي أجيلك عادي بس الظاهر هي كانت غلطانه،عموما أنا بفكر من ساعه الكلام اللي قلته،و بصراحه نفسيتي تعبت أكتر بعد مكالمتك لبابا ،هو ميعرفش اني سمعتكم و مش حابه انه يعرف،أنا موافق علي عرضك،و بابا أكيد مش هيمانع،بس حابه الارتباط ما بنا ميكسرش قلبه،خليها رسمي،أنا طبعا مش هوضحلك ازاي،انت برضه محامي و شاطر و هتعرف تحبكها أكتر مني،عن اذنك أخدت من وقتك كتير.
و بالفعل انصرفت سريعا دون أن تسمع رده يكفيها ما شاهدته منه،جعلها تندم علي هذه الكلمات و لكن كان لا بد منها ليطمئن قلب والدها ،بعد انصرافها كان علي موعد جلسه في المحكمه فذهب سريعا ليجد هشام بعد انتهاء الجلسه و كان معه شقيقه كمال و الذي عرض عليه الأمر لتنفرج أسارير حيث أصبح الطريق أمامه للوصول الي كاميليا،جلسا الشقيقان يتحدثان الي المستشار هشام ليقنعوه بالزيجه و قام هشام بوضع بعض الشروط
-تمام يا سياده المستشار كله هيبقي تمام،و زى ما قلت لك أنا أصلا حابب جميله هي جميله فعلا في كل حاجه،أنا بس كنت منتظر موضوع أخوها يهدي شويه.
استمع هشام لأكمل ثم سخر قائلا
-محامي بصحيح يا أكمل،عرفت تغير أقوالك في أخر لحظة.
قاطعهم كمال قائلا
-لا يا فندم،حضرتك متعرفش هو فعلا بيحبها قد ايه،و طبعا جميله تعتبر من العيله و كتير كانت بتبقي مع كاميليا و جدائل ،ده احنا من حبنا فيها فكرنا نسكنها عندنا مع كاميليا.
أنصت هشام الي حديث كمال و نظر الي أكمل يسأله بعينيه ليفهم أكمل سؤاله و يجيب
-عارف يا فندم،انت عايز ايه،عايز تضمن انها تعيش سعيده،مش مجرد جواز لحمايتها،صدقني بوعدك قدام كمال أخويا اني عمرى ما هزعلها.
هز هشام رأسه باستسلام لينهض أكمل و يغادر المكان و يقابل في المحكمه والده كامل الزيات
-ايه الأخبار يا متر.
ابتسم له أكمل ابتسامه ثقه
-كل تمام يا فندم،أنا أكمل ابن كامل الزيات اللي عمر ما يخيب ظن حد فيه،و شكرا علي تفهمك يا والدي أن جميله هي المناسبه ليا مش كاميليا.
-كويس،حاول علي قد ما تقدر انك متخيبش ظن هشام فيك،هشام عزيز عليا،و أنا عمرى ما كنت هوافق ليك علي بنت غير كاميليا،بس طالما جميله أنا موافق.
-صدقني يا بابا جوازى منها مش علشان التهديدات اللي بتيجي لوالدها و بس،أنا مقتنع بيها و بأخلاقها ميه في الميه،و مش حابب انسانه بريئه زيها تروح في الرجلين.
-أكيد معاك حق،هشام مش هيقدر المرة دي عليهم،و البنت ضعيفه ممكن يضحك عليها بسهوله،بس هشام كان رافض يجوز بنته بالطريقه دي.
-و هو أنا هتجوزها بالعافيه،و بعدين هو اللي رفض و صرف نظر عن الموضوع،أما هي كانت عقل الدنيا فيها لما جت مكتبي النهارده .
-المشكله ان جدائل أختك حكت ليا انها كانت بتحب واحد من زمان،و الواحد ده أخوها و أمها اتسببوا انه يسافر و يبعد عنها،يمكن تكون لسه بتراسله.
زفر أكمل بضيق قائلا
-طيب ليه جات لي المكتب و لمحت ان في فرصه،و بعدين ما أخوها مات،و لو هي بتراسله أكيد أمها باللي هي فيه دلوقتي مش هتقدر ترفضه.
-الولد انجرح منهم جامد أيامها،و صعبت عليه نفسه ،ده مسافر علي عينه لولا ان أخوها هدده بيها انه ممكن يحبسها و يضربها،و الغلبان خاف عليها.
-للدرجه دي كانوا بيحبوا بعض،فعلا حكايه تخوف،و ممكن تستدرج من خلال حبها ليه،أنا ما يهمنيش هي بتحب مين ،المهم عندي أحميها.
-براحتك يا أكمل ،بس خد بالك هيجي عليك يوم هتبقي عايز منها كل حاجه حتي قلبها هتبقي عايزه ملكك لوحدك،و أه لو لسه قلبها معاه.
-تعرف أنا محظوظ بكل اللي عمله أخوها زمان فيها و فيهم،هاخد جميله و هي جميله فعلا،و هفهمها الدنيا صح،لأنها فاهماها غلط،و ساعتها هتختارني.
-ليه واثق انها بعد ما تعدي المحنه دي هتختارك انت؟كنت مفكر ان مش فارق معاك اختيارها،و انها هتكون جوازة لحمايتها و بس،الظاهر الموضوع كبير.
-لأنها وافقت علي طلبي،رغم انها شافت عيب من عيوبي النهارده و أنا قصدت أظهره قدامهم،أنا بالنسبه ليها مش مجرد حمايه أنا راجل مستفز.
-لا يا أكمل،هي وافقت عليك بعد ما سمعت والدها بيكلمك في التليفون،و علي فكرة هي ندمت انها قالت لك موافقه،بعد ما شافتك بدخن السيجار.
-مين اللي قال لحضرتك علي ده،الموضوع لسه حاصل الصبح،و معتقدش ان واحده زى جميله انت ممكن تستظرف تتكلم معاها أو تعتبرها بنتك.
-لا تخمينك يا متر المرة دي مش في محله،لأن جميله بنفسها كلمتني فون،و من ساعه ما انت عرضت عليها العرض في الصحرا،في البدايه كانت بتشتكي منك.
-معقول للدرجه دي اتصلت تشتكي مني،الظاهر ان الحياه هتبقي معقده ما بينا،مش بقولكم طفله بتروح تعيط للأكبر منها،ماشي يا جميله.
-انت معاك حق في كل اللي بتقوله علي جميله،علشان كده أنا وافقت علي جوازتك منها،يمكن تغيرك و متبقاش جامد القلب زيي،بس الظاهر انها هي اللي هتتغير.
نهض أكمل لينهي الحوار بينه و بين والده حتي يخرج لاخبار شقيقه بكافه التفاصيل
-تمام كده يا سياده المستشار هو ده الصح،و أتمني ان تنظر في أمر كاميليا و كمال،كمال بيحبها من صغره،و كان كاتم في قلبه و ساكت علشان أوامرك.
هز كامل رأسه بالموافقة ليغادر أكمل مكتبه ملتقيا بكمال يسرد عليه الأمر برمته لتتعالي ضحكات كمال قائلا
-عشت و شوفتك عاشق ولهان يا أكمل،و اوعي تكذب عليا،الكل كان بيشوفك بتكرهها و أنا الوحيد اللي شايفك دايب في هواها و ما صدقت موضوع الحمايه.
ضحك أكمل هو الأخر قائلا
-الصراحه هي بنت متعبه أوى،بس هعمل ايه القلب و ما يريد يا شقيقي،و بعدين الفرصه جت لحد عندك و سياده المستشار كامل موافق.
-هانت يا متر،هي قدمت علي الماجستير و كله بفضلك،و هي ما شاء الله شطورة أكيد هتخلص في خلال سنه أو شهور خصوصا لما تعرف اني هتجوزها.
-ربنا يسهل يا كمال،يالا هروح أنا علشان أقول لجدائل تشوف بقي هي بتحب ايه و تنزل تختار معاها،هي صاحبتها و أدرى بذوقها مني.
-تمام ،جدائل فعلا صحبتها و هي أدرى منك بذوقها،بس انت دلوقتي هتبقي جوزها،و دي بنت ولازم تحس انها مرغوبه فيها،اتخلي شويه عن جمودك ده.
أومأ أكمل برأسه قائلا .....
رواية محكمة الحياة الفصل الخامس 5 - بقلم مروة البطراوي
الصراحه هي بنت متعبه أوى، بس هعمل إيه القلب وما يريد يا شقيقي، وبعدين الفرصة جت لحد عندك وسيادة المستشار كامل موافق.
- هانت يا متر، هي قدمت على الماجستير وكله بفضلك، وهي ما شاء الله شطورة أكيد هتخلص في خلال سنة أو شهور خصوصًا لما تعرف إني هتجوزها.
- ربنا يسهل يا كمال، يالا هروح أنا عشان أقول لجدائل تشوف بقي هي بتحب إيه وتنزل تختار معاها، هي صاحبتها وأدرى بذوقها مني.
- تمام، جدائل فعلًا صحبتها وهي أدرى منك بذوقها، بس انت دلوقتي هتبقى جوزها، ودي بنت ولازم تحس إنها مرغوبة فيها، اتخلى شوية عن جمودك ده.
أومأ أكمل برأسه قائلًا:
- اطمن أنا هعمل حاجات أنتم نفسكم هتنبهروا بيها خالص.
كانت جالسة في المستشفى التي كانت تعمل بها، وإذا بها تتفاجأ بوجوده في حضرتها. كانت تغني وهي تضع السماعات البلوتوث في أذنها لتجد من يزيلها فجأة.
- انت!!!
لم يعقب على اندهاشها، لم يمنحها فرصة للثرثرة والأسئلة والعصبية، رد عليها وهو يخرج سيجارًا من جيبه ويتناوله ويشعله وكأنه يحرقها بهذا المشهد.
- عاملة إيه؟ خلصتي شغلك؟
عند نزعه لسماعات الأذن بعنف انسدلت خصلات شعرها الجانبية من أسفل الحجاب لتتعلق عيناه به وبنعومتها. أخذت تدسها أسفل الحجاب مرة أخرى سريعًا، وهو يقتنص النظرات إليها. ليتقدم من مكتبها وهي منوجسة منه لتجده يطفئ السيجار على المنفضة بجانبها. وتمتد يدها إلى خصلة هي غافلة عنها ليقوم بدسها أكثر ويتناول دبوسًا يغلق به عنق الحجاب، فهو يلاحظ دائمًا أنها لا تستعمله مطلقًا. كل أفعاله هذه تجعلها تحترق. كان يتأملها جيدًا ويتفحص انفعالاتها وهو قريب منها، وهي تراقب ظله غير قادرة على النظر في عينيه.
بعدها تحدث بجفاء وعيناه السوداويتان تلمعان بغموض أمامها.
- أحسن لك ترجعي تقعدي في البيت، مفيش دكتورة تتصرف التصرفات الطفولية بتاعتك دي وتروحي تشتكيني لسيادة المستشار أبويا، إيه مفكراني عيل زيك.
مرت بجانبه تتخطاه للخروج من الغرفة، ولكن فجأة عدلت عن قرارها والتفتت تنظر له بتحدي.
- وليه متبقاش عيل زيي، بدل ما انت معقد نفسك وحياتك، أنا اتأكدت ليه بنت عمك طفشت منك ورفضت تتجوزك، بس يا خسارة لبست أنا.
- ليه لبستي، انتي المفروض تحمدي ربنا، إني سبتها واتجوزتك عشان أحميكي، من اللي بيطاردوا المستشار والدك، ولا هتغيري رأيك وتطلعي عيلة برضه.
جميلة بعصبية:
- وانت مالك ومالي، ما أموت ولا أروح في داهية، اشمعنا انت ولا اشمعنا أنا، وهو انت كل بنت مستشار هتتجوزها عشان تحميها من الأشرار.
زفر أكمل بنفاد صبر قائلًا:
- في نقطة مهمة عايزك تعرفيها، محدش يجرؤ يكلمني بعصبية ولا يعلي صوته عليا، مش بقولك كده بعرفك، لااا، ده آخر مرة هسمعك بتعلي صوتك.
ردت عليه جميلة بعناد قائلة:
- قولتلي بقي، طب طريقك أخضر يا متر، أنا عصبية وهفضل عصبية حتى بعد ما نتجوز، شكلنا كده مش راكبين مع بعض، لا أنا هفهمك ولا انت هتفهمني.
أغمض عينيه بغضب ومن ثم مسح على وجهه بغيظ، ليضع أصابعه بين كفيه يعض عليها حتى يكتم غضبه عنها، فهي أوصلته إلى القمة، ثم تحدث بغضب من بين أسنانه كفحيح الأفعى.
- وأنا قلت لك إننا راكبين على بعض، وفي قانون أكمل الزيات، كل حاجة بتمشي، وما فيش رجوع عن قرارك ولا قراري، انتهى يا جميلة.
تملك جميلة الغضب فردت عليه قائلة:
- ابقي فرجني بقي قانونك ده هيمشي عليا إزاي، وأه أنا عيلة وعايزة أخلع من الجوازة دي، ولعلمك لو قلت لبابا ما هيصدق، أصلًا شكله عارف شخصيتك.
ربع أكمل ذراعيه فوق صدره ينظر لها في تحدي.
- وأنا بقول إنك مش هتقدري، لأنك خايفة عليه وعلى مامتك، يبقى ما عليكي غير الاستسلام ودخول مملكة أكمل الزيات، عشان عقلك يكتمل.
حقًا لقد نفذت طاقتها معه، أغمضت عينيها بضيق، لتجده فجأة يقف بجوارها يهمس في أذنها قائلًا.
- تحبي أتصل بالمستشار هشام ولا هتفضلي معايا نروح، ونكمل كلامنا في العربية، أو في أي مكان، بس ما عدا الصحرا طبعًا عشان بخاف لا تشتكيني لبابا.
- أنا هروح معاك بس عشان أنا مينفعش أروح لوحدي، وواضح إنك متفق مع جدائل تروح قبلي، بس لا هنتكلم ولا هنروح في أي مكان.
زفر أكمل بنفاد صبر قائلًا:
- دكتورة جميلة أنا النهارده إجازة من المكتب وبصراحة أنا على لحم بطني من الصبح ونفسي أتعشى بره ومعاكي، بحكم إننا على وش جواز.
ذهبت جميلة بعيدًا عن هذا المكان بفكرها وتخيلت أن شقيقها لم يفعل شيئًا ولم يقتل، وأنه بجانبها يحميها وأنها تستغني عنه بكل رجال العالم، ولكن كلها أضغاث أحلام أو أحلام يقظة. لمعت الدموع في عينيها.
- أنا من يوم ما أخدتني على الصحرا وأنا قلبي مقبوض منك، إزاي تعمل كده في واحدة انت بتقول إنها هتكون زوجته المستقبلية، مش كفاية اللي خايفة منه.
هز أكمل رأسه متفهمًا لحالتها.
- معاكي حق، أنا هزارى تقيل معاكي شوية، بس ده عشان تبقي قوية، ومتهربيش من مصيرك، وتقدرى تواجهي كل المشاكل والعثرات، وده اللي أنا هتكلم معاكي فيه دلوقتي، يالا بينا.
تمنى أن تكون شهرزاد وهو شهريارها، تمنى أن تكون عاشقة له، بالرغم من اعتقاده ويقينه التام أن العشق مهزلة، ولكن جميلة أجادت في أخذه إلى هذا العالم، مذاق جديد عليه أن يستطعمه، ولكن عليه اللطف بها وببرائتها، لأنه بالنسبة لها مذاق يقطع عليها كل شيء تحبه كسيف مسنون على رقبة لطيفة ناعمة.
كان جالسًا بجوارها في السيارة متأملًا بعشاء لطيف معها، وإذا فجأة هاتفته محامية تحت التمرين تعمل عنده في المكتب، وكانت تتحدث بأناقة جعلت جميلة تحترق بداخلها، بالإضافة أنها تذكرت هذه الفتاة عندما ذهبت لمقابلة أكمل من ذي قبل. اخترق صوت المحامية أذنها خاصة عندما وجدته يتخلى عن قتامته واتسع صدره عندما كان يحدثها، لدرجة أنها شعرت أن صوته يدوي كأنهم في الفضاء.
- أوراق القضية الجديدة وصلت يا فندم، المفروض تقطع أجازتك وتيجي ندرسها سوا، الجلسة فيها بعد بكرة، مفيش وقت، وأسفة على إزعاجك.
طال الصمت بينهم بعد إنهاء مكالمته مع المحامية التي تعمل عنده، توقعت جميلة أن يتنحى عن ذهابه إلى المكتب في مقابل تناول العشاء معها، ولكن بلحظة انتهت أحلامها بكابوس أنها أمام منزلهم وهو يدعوها للنزول، ومن ثم قاد سيارته ورحل. تنظر إليه في أثره كأنه سراب. لحظة ما دلفت وجدت والدها يذهب نحوها يحتضنها بلهفة.
- جميلة حبيبتي كنتي فين، قلقتيني عليكي، وتليفونك مش بتردي عليا ليه، انتي زعلانة مني في حاجة، انتي مالك ساكتة كده ليه، حد عمل فيكي حاجة.
شعرت جميلة بخوف والدها فهدأته قائلة:
- اهدي يا بابا، أنا كنت مع أكمل وفكرت إنه مستأذن منك، حقك عليا، والفون معلش نسيته في المستشفى، أصله فاجئني إنه جه واتلخبطت.
- حبيبتي جميلة روحتوا اتعشيتوا فين، انتوا متأخرتوش يعني، وهو مدخلش معاكي ليه، وإزاي فعلًا على رأيك هو لا استأذني ولا هنيله، شكلي هتعب معاه.
- الكلام أخدنا، والحمد لله إننا متأخرناش، أصلًا المحامية اللي تحت التمرين اللي عنده اتصلت بيه، وقالت له لازم يدرسوا القضية، وهو ما صدق.
هشام بخوف:
- انتي مش عايزة ترتبطي بيه مش كده، صارحيني يا جميلة، هو قالي إنك موافقة ومحروجة تعرفيني بس هو عارف كل حاجة من جدائل أخته.
- متخافش يا بابا، أنا فعلًا موافقة عليه، هو بس غيرت إني شفت فيه إن شغله أهم مني، الظاهر لازم أتعلم من ماما، إن الشغل شغل واللعب لعب.
- مين ده اللي بيتكلم جميلة!!! اللي تموت في الضحك واللعب وتكره الجد، شكله أثر عليكي من أول قعدة، يمكن من زمان واحنا مش حاسين.
جميلة باضطراب:
- ده أول درس اداهولي، إني لازم أقدر الظروف وأتعايش معاها وأواجه المشاكل، مش أكبر دماغي، يالا شكلي عيلة ولسه هتعلم منه حاجات كتير.
- اديني فرصة أقرص لك عليه وهو مش هيقدر يغير جميلتي اللي بحبها، مين قالك إني كاره تصرفاتك، بالعكس أنا بحب كل حاجة فيكي يا بنوتي.
- أكمل الزيات تحت إيدك وبراحتك اعمل فيه اللي انت عايزة، بس أنا خايفة لا يقول عليا عيلة وجيت أشتكيلك منه، ويقعد يعايرني بقي أوووف.
انقضى اليوم وهاتفه في الصباح الباكر.
- رايحة في حتة النهارده؟
رجفة احتلت خلايا جسدها كله وهو يسألها ويستجوبها، ارتبكت مجددًا من سؤاله وغابت أنفاسها، كان الرد تائهًا عن لسانها، تود أن تسقط، لأنه لو عرض عليها الخروج سترحب مجددًا بالرغم بما افتعله أمس.
- عندي شغل كتير النهاردة في المستشفى، أكيد سألت جدائل وبلغتك، ليه بتسألني؟
كانت تريد أن تذهب نحوه ولكنها تتهرب، تترقب رده على ردها، تنظر إلى الأرض كأنه ماثل أمامها تخشى هيبته، تريد أن تسأله ما رده ولكن رد فعله كانت بطيئة، تركها حتى ملت الانتظار ومن ثم أغلق الهاتف في وجهها.
ذهب إلى عمله في المحكمة ليقابل في طريقه المستشار هشام الذي نظر له نظرات معاتبة.
- السلام عليكم، إزيك يا سيادة المستشار، طبعًا أنا لازم أعتذر منك، مرة عشان دعيت جميلة على العشاء من غير استئذان ومرة عشان رجعتها من غير ما أعيشها.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إزيك يا متر، انت محامي وظيفتك تحمي مش تهاجم، وبصراحة شايفه لغاية دلوقتي عمال تقتحم حياة البنت.
- الحمد لله يا عمي بخير، اسمح لي أقولك يا عمي، لأني ديما بعتبرك أخ لوالدي، وأنا بعترف بخطأي قدامك، كل ما في الأمر عايزها تتخلي عن حتة كل حاجة تروح لولي الأمر.
- بص يا أكمل، أنا مقدر جميلك إنك هتتجوزها، أوعى تفكر إن دخل عليها حوار معجب بيها من ساعة ما بقت صاحبة جدائل، لا أنا فاهم كل حاجة.
- ده مش جميل يا عمي، وبعدين أنا مش مجبر إني أتجوزها إلا لو كان عندي مشاعر ليها، بس الكيميا ما بينا صعبة أوي، يا ما أنا أتغير يا هي.
- كتر خيرك يا ابني، صدقني جميلة شخص شفاف جدًا، ممكن تشكله على كيفك، بس أوعى تهزها في يوم، لأن فرعها ضعيف هتقع منك بسرعة.
ابتسم أكمل قائلاً:
- بنت حضرتك دي هتبقى بنتي الأولى، وأنا مش هتجوزها عشان موضوع التهديدات لأن ببساطة أنا ممكن اللي أروح فيها، أنا ناوي أحميها من نفسها.
- ربنا يعينك يا حبيبي، ده مجرد إنها سمعت صوت محامية في مكتبك، قعدت أوضتها منورة طول الليل، أومال لو شفتها، لا وانت رايح تلحق القضية ومرجعها لي مقهورة.
- ربنا يعيني بجد يا عمي، أنا اتصلت بيها الصبح حاولت أهدي الأمر بينا، راحت مصدرة الوش الخشب فورًا، وبصراحة لساني اتلجم.
- ماشي يا ابني حاول بقي ترضيها وزي ما قلت لك دي طفلة تتراضي بسرعة، العنف بتاع اللي مخلفك ده مينفعش معاها، وأوعي تدي ودانك ليه.
ارتسم على ملامحه السكون والهدوء والغموض ورد على هشام المرشدي بصوته الأجش الموزون المتناسق مع ظلام عينيه التي تشبه مغارة علي بابا.
- على فكرة هي دخلت قلب اللي مخلفني قبل ما تدخل قلبي.
ابتسم هشام على ما قاله أكمل وتركه وعاد إلى المنزل ليجدها لم تذهب إلى عملها، ولما لا وهي لم تنم طوال الليل، كانت تجلس في مقعدها المخصص في غرفة التلفاز تفرك أناملها وملامحها متوترة تتنافى مع الهدوء الذي تعشقه، الهدوء المتناسق مع قلبها الرقيق الناعم، كان معها دفترها الخاص تكتب فيه أشعارها، والتي تبحث لها عن ملحن، فهذا هو هدفها منذ فترة، هي شخصية تبحث عن الدفء لا تصلح للشتاء أو للصيف، هي ربيعية تريد الشمس والدفء. نظر لها والدها وتساءل كيف تصلح لمعاشرة هذا الأكمل.
نادها والدها لكي يقطع حبل أفكارها وهي تكتب الشعر.
- نعم يا بابا.
- خلاص يا حبيبتي أنا اتكلمت مع أكمل وهيجي رسمي يطلبك مني، عشان كمان لما يعدي عليكي ويكلمك ويتفق معاكي على خروجه أبقى مطمئن. وأنا جنبك لو في يوم مش عايزاه تقولي فورًا.
هزت جميلة رأسها بانصياع قائلة:
- حاضر يا بابا متقلقش عليا، ربنا ما يحرمني منك ولا من ماما أبدًا.
عادت إلى غرفتها تتذكر عينيه المظلمتين، تجد نفسها بالتأكيد أنها لم تستوعبه، هي في الصباح أرسلت له دعوة صريحة للابتعاد، ومع ذلك ما زال متمسكًا، تشعر أن أكمل يريدها وفي نفس الوقت لا يريدها، كل نظرة من نظراته لها مختلفة عن الأخرى، حتى تعبيراته غامضة، كلماته ثقيلة، هذا مجددًا بعد أن كانت تنغته بالأخرس، يتكلم بعمق، وبكل هذا الغموض العميق لن تصمد لأنها لا ترى شعاعًا يظهر لها مكنونه، حتى ظله عندما كانت تتبعه تجده مختلفًا عنه، صوته الصارم الذي يصم أذنيها ليجعله لا تسمع سواه، تشعر أنه دواء مر، أو طعام حار، يريد أن يوقعها فيه فقط ولكن هو لن يقع فهو أكمل الزيات. تتذكر كلمات جدائل عنه، أنه لا يفعل شيئًا لا يعجبه، معنى ذلك أن زواجه منها لأنها تعجبه؟
في اليوم التالي في المساء رن جرس الباب، فنهضت لتفتحه وهيئتها مبعثرة لتتفاجأ به حاملاً باقة من الزهور البنفسجية لتتدلى شفتيها قائلة.
- إيه اللي جابك؟
نظر لها بجمود.
- هتفضلي موقفاني على الباب كتير، إيه خايفة لا أكون جاي أعاقبك على رفضك أنا قضينا امبارح سوا؟ انسي، أنا لو كنت عايز كنت هصمم.
استجمعت جميلة قوتها وردت قائلة:
- أنا عارفة إن دمك اتحرق عشان رفضت عرضك من قبل ما تعرضه، بس دي واحدة من صفاتي تقول بقى مميزات عيوب انت حر إني مش بسكت على حقي.
أكمل وما زال على جموده.
- ممكن تتفضلي تدخلي تغيري الزفت اللي انتي لبساه ده وتجهزي لأن أخويا ووالدي على وصول، افتكر والدك قالك إحنا جايين ليه، تلاقيقي نسيتي.
جاء من خلفها هشام المرشدي بترحاب.
- يا أهلا وسهلا يا متر اتفضل، روحي غيري هدومك يا جيمي، حقك عليا نسيت أقولك إنهم جايين النهارده، عمال أمهد الموضوع لوالدتك.
أسرعت جميلة بالتوجه لوالدتها تطمئن عليها أثناء استقبال والدها لأكمل وعائلته.
- أهلا وسهلا بيك يا عمي، واعذرني أنا مش حابب أكون مش مرغوب فيا من والدتها، هي أساسًا مش بتستظرفني، وقولت لحضرتك مهد ليها من بدري.
هشام بإصرار.
- أبدًا، هي مش بتكرهك ولا حاجة، انت بس بتفكرها بابنها وإنك كنت في سنة وكده يعني، بس اطمن هي هدت لما عرفت إن جميلة موافقة.
أكمل بإصرار هو الآخر.
- أنا عارف إن الظروف حاليًا متسمحش، وإننا كنا نأجله شوية، بس حضرتك عارف يا سيادة المستشار إني ديمًا مشغول وبحب الاستقرار.
أثناء حديثهم جاء أهل أكمل، توجه كامل الزيات نحو هشام يصافحه قائلاً.
- طبعًا إحنا أهل وما فيش بينا الرسميات دي، بس انت غالي عليا أوي يا هشام، وكفاية إن مرات ابني هتكون الملكة بنتك، ده غالي عليا أوي.
ضحك كمال على حديث والده وهو يقول.
- إيه ده سيادة المستشار كامل بيمدح في بنت، يا صلاة العيد، أومال مصدر لنا الوش الخشب ليه أنا والبت جدولة، يالا ناس ليها جميلة بقى.
جدائل بمزاح أيضًا.
- مش لوحدك يا متر، دي كل المستشفى بتغير منها، لأن المدير ديمًا بيعطيها إجازات وبيعيها من المهام الصعبة، بنت المحظوظة صحيح.
تدخلت كاميليا في الحوار قائلة.
- وعشان كده خطفت قلب المتر أكمل، وخدوا عنكم بقى اتنين في ضهرها، المفروض نخلع إحنا بقى لأحسن يطيرونا بسببها، بس الصراحة جميلة تستاهل.
- وأنا كمان أستاهل واحدة جميلة زي جميلة يا كاميليا، وبعدين أنتم كلكم بتحبوها، جت عليا أنا ووقفت، قلت أجرب، وبصراحة ليذه خالص.
- الحمد لله يا ابني، رحمتنا من كلامك المتعجرف، وبدأت تتكلم حلو أهو، الظاهر إن جميلة ليها مفعول السحر على لسانك، تعرف يا هشام اللي يكون في عون بنتك من ابني.
- فعلًا يا كامل، أنا متفاجئ من طريقتها، ويا خوفي يكون بيمثل قدامنا كده عشان أعطيك البنت، والله بموتك يا أكمل، ده جميلة عمري كله.
- لا خالص يا عمي، الطيب أحسن، قلت لحضرتك متقلقش عليها، جميلة في عيني، عارف إنهم سود بس رموشي طويلة هغطيها بيهم، حلو كده!!!
هشام بسعادة.
- يالا على خيرة الله، ربنا يتمم ليكم على خير يا ابني، وأشوف أولادكم عن قريب، بس هأكد عليك، الحياة حلوة عيشها صح ما تعيشهاش زيي وزي أبوك.
ابتسموا جميعًا على نصيحة هشام والجميع في شغف ولهفة منتظرين قدوم جميلة إليهم.
رواية محكمة الحياة الفصل السادس 6 - بقلم مروة البطراوي
خرجت لهم جميلة وهي في أبهى صورها، لتجلس العائلتان سوياً.
هنا سألها كامل الزيات عن رأيها في الزيجة بينها وبين ابنه أكمل.
ردت بكل هدوء، كطريقة اعتيادية تفتعلها أي عروس يتقدم لها عريس مناسب. لا شيء من التأمل في حبه. الجميع استغربها، فهي إنسانة ثرثارة، ولكن هذه المصادفة لم يتوقعوها منها.
كانت تتساءل متى ستنتهي المقابلة. حتى المشروب الذي قامت بتجهيزه هو القهوة التي نادراً ما تشربها.
جز على أسنانه من أفعالها لأنه فشل في جذبها نحوه في هذا اليوم. ومع كل ذلك، كانت غير مدركة، وعيناها وهي تنظر إليه دون غيره تلتمع بتيه، وهي ترى غموضه. فنظراته كلها مشرقة، متوسمة في غد مشرق، ولكن تلك العيون المظلمة تخيفها دائماً منه.
طلب منهم أن يجلسا سوياً، وبالفعل تمت الموافقة.
"لكِ أي طلبات؟"
"مستشفى المرشدي، مستشفى أطفال."
يالها من محتالة، للآن لم تفهمه. كانت نظرته لها ماكرة. اشتعلت عيناه بهذا الطلب الذي تعتقد أنه سيخرب علاقتهما التي لم تبدأ بعد. مسكينة، لم تفهم أنه خطير عليها.
تركها ورحل دون الرد عليها، ليجعلها تتأكل من الغيظ حيال غموضه الذي لم ولن تفهمه.
انتبهت قدرية على حالة التيه التي تمر بها جميلة بعد ذهاب أكمل، لأنها رفضت أن تحضر.
"مالك يا جميلة؟ عمل فيكي إيه؟ لحق أوام يشغل بالك كده. أنا قلت إنكِ انتي اللي عرفتي تشغليه. مكنتش أتوقع أساساً إنكِ هتوافقي عليه. معقول تكوني بتحبيه؟"
اضطربت جميلة وردت قائلة:
"مالي، ما أنا زي الفل أهو. مفيش حاجة من اللي انتي بتقوليه ده. تعرفي عني كده يا دودو؟ أنا وافقت على أكمل لأنه مناسب. آه، إحنا مختلفين، بس ده ميزة."
ضيقت قدرية نظراتها قائلة:
"أنا أكتر واحدة عارفاكي يا جميلة. هتضحكي عليا لأخر الزمن. أنا حاسة إنك بتهربي من مشاكلنا، ومن الناس اللي بيهددوا أبوكي. بس ده مش حل."
ثم استطردت قدرية تحذرها ألا تؤمن لأكمل.
"هتقوليلي السبب الحقيقي، ولا أخلي أبوكي يقفل الباب؟ أنا قدرية يا جميلة، انتي متعرفيش أنا ممكن أعمل إيه. أكمل فهمك إن جوازك منه حماية ليكي، صح؟"
جميلة بخوف:
"محصلش، مستحيل يجرؤ يقولها أصلاً. مفيش حاجة من الكلام اللي بتقوليه ده. دي مجرد خيالات عشان انتي مش بطيقيه أصلاً. يا ماما، انسى بقي."
استمع هشام المرشدي وشعر بخوف جميلة من ردة فعل والدتها، فتدخل بينهم قائلاً:
"انتي بتقولي إيه يا قدرية؟ على فكرة أنا كنت مفكر زيك كده، لأني عارف إن أكمل مش بتاع حب. بس عرفت إنهم متفاهمين. مش بنتك صاحبة أخته؟"
سرى الألم في أوصال جميلة، فهي التي دفعت أكمل ليوضح هذا الشيء لوالدها. وانتبهت على ذلك قدرية وأشارت عليها قائلة:
"بنتك كأنها مرغمة على الجوازة يا هشام. من ساعة ما مشي سرحانة، معرفش مالها. مش شكل عروسة فرحانة بعريسها. تفسر ده بإيه؟"
توجه هشام بنظراته إلى جميلة وهو يضع حديث قدرية في رأسه:
"إيه يا جميلة؟ مامتك عندها حق. مكنتيش مبسوطة لما عمك كامل سألك على رأيك. حتى مكنتيش موافقة تقعدي مع أكمل لوحدكم. ولما راح نفس الحال."
"عندك حق يا بابا. بصراحة، مينفعش يجي من غير ميعاد. هتقولي كان قايلك وأنتي نسيتي؟ هقولك قديمة، شوف غيرها. ده كل الموضوع. حبيت أفهّمه إن كل حاجة ليها حدود."
نظر هشام المرشدي لها بحيرة، ثم انتقل بنظره إلى قدرية قائلاً:
"عموماً، أنا وماما مش هنضغط عليكي أكتر من كده. بس اسمعيني كويس يا جوجو، لو الجوازة زي ما ماما بتقول حماية مش أكتر، يبقى بالناقص."
"ربنا يستر ميطلعش إحساسي صح يا هشام. ساعتها هتكون أنت المسؤول قدامي. أفضل أنت عك في حياتنا وأنا وأولادي ندفع الثمن."
ربت هشام على يد قدرية يطمئنها قائلاً:
"إن شاء الله خير. متخافيش يا قدرية. قولتلك أنا فدا أولادي. ومتقوليش ما هو ابنك راح، ربنا اختاره ومش حابب أخوض في حاجات ملهاش لازمة."
"ربنا يحفظك لينا يا بابا، ويفرح قلبك أنت وماما. أرجوك يا ماما متخافيش عليا، والله أنا تمام وموافقة. أنا بس كنت مضايقة إنك محضرتيش."
***
تقابلا في اليوم التالي، والذي أدهشه هو طلبها أن يتقابلا في نفس المكان الذي عرض عليها فيه الزواج.
"غريبة إنك عايزة تقابلينا. إيه؟ أعتبره عشان أول مرة جيتي هنا كان معايا، وحابة توثقيها بعد الخطوبة."
"آخر مرة جيت هنا من زمان، يمكن من سنة. ولذلك استغربت إنك جبتني نفس المكان، كأنك عارف الجرح فين."
نعم، هنا تحديداً كان الفراق بينها وبين غسان، بعد أن حاصره شقيقها وهدده أن يلتهمه مثل الذئب إذا نوى أن يتزوجها. ولكن الآن، ماذا ستفعل جميلة بعد أن أرسل لها غسان رسالة صبيحة يوم خطبتها أنه سيعود إلى القاهرة؟ ستكمل مع أكمل، أم ستعود لأكمل؟ وهذا ما كان يخشاه أكمل، وليس لديه أدنى استعداد لتركها لغسان.
***
بعد هذا اللقاء البارد بينهم، والتي كانت جميلة تنوي أن تصارحه فيه بكل شيء، ولكن لم يعطها الفرصة. ذهبت لاستقبال غسان. ولا تعلم أن أكمل كظلها. نفسها كانت تحدثها أنه خلفها. فاستدارت لتجده ينظر لها بعينين متسعتين.
لتشهق بخوف:
"أكمل! أنت بتراقبني!!!"
اتسعت عيناه أكثر واشتعلت:
"أيوه براقبك يا دكتورة جميلة. إيه؟ أنتي مسافرة و هربانة من ورايا ولا إيه؟ ولا يمكن بتستقبلي حد من أصحابك؟ طب فين جدائل مش معاكي؟"
ابتلعت جميلة ريقها وردت بثبات يشوبه بعض العصبية:
"انت عايز إيه يا أكمل، وليه تراقبني؟ قلة ثقة في نفسك ولا فيا؟ ما هي ملهاش تفسير تاني. ولا ده تبع جو التعالب يا متر؟ الشك والاتهام."
جاء في هذه اللحظة غسان، وجدها تتحدث مع غريب وهو مقترب منها ليهتف بحدة:
"جميلة! في مشكلة ولا حاجة؟ مين ده؟"
التفتت له جميلة:
"ده المتر أكمل الزيات يا غسان، صاحب أخويا الله يرحمه، وابن صاحب بابا، وأخو صحبتي. حمد الله على السلامة. أنا مكنتش جاية لولا إصرارك."
"كل التعارف ده يا جيمي؟ طب ليه؟ هو أنا هطلعله بطاقة؟ بس ده كله ميُعطيش الحق إنه يقف معاكي. ولا هو جاي يوصلك مثلاً؟ ولا صدفة."
وقف أكمل أمامه ووضع جميلة خلفه قائلاً في تحدي:
"لا، مش لأي سبب من الأسباب دي. حتى التعارف ناقص يا غسان، لأن أنا خطيب الدكتورة جميلة، وجاي هنا وراها. أصل بغير عليها موت."
نظر غسان إلى جميلة بغضب:
"نعم!!! يعني أنا أتمرمط وأتغرب بسببك، ومأصدق إن عقدتنا تتحل، أرجع ألاقيكي مخطوبة؟ طب جيتي ليه؟ آه نسيت، أنا أصرت عليكي."
اقترب منه أكمل أكثر يريد العراك، لتركض جميلة تفصل بينهم قائلة:
"يالا بينا يا أكمل، بليز بلاش فضايح. عارف الموضوع لو وصل لبابا هيحصله إيه. أنا جايه معاك، وحقك عليا أنا اللي غلطانة. أصلاً كنت هقوله إن مبقتش ليه."
نظر أكمل إلى غسان بغضب قائلاً:
"فعلاً أنتي غلطانة إنكِ تخرجي وتقابلي شاب غريب من غير ما تستأذنيني، يا حبيبتي. وأنا ميرضنيش إن والدك يعرف وتبقي فضيحة بجلاجل."
التقط يدها ورحل. ولكن غسان لحق بهما ووقف في وجه أكمل بتحدي:
"أنتي مجنونة!!! إيه اللي انتي عملتيه فينا ده؟ مالك يا جميلة؟ هو بيهددك زي أخوكي؟ أنا المرة دي قاتل يا مقتول. أنتي بتاعتي مش بتاعت حد تاني."
احتضنت جميلة نفسها خوفاً من ردة فعل أكمل:
"إيه رأيك في الكلام ده يا جميلة؟ انطقي وردي عليه، عرفيه بيتكلم صح ولا غلط، وأنا معاكي في أي قرار هتاخديه دلوقتي، ومش هتفرق."
استجمعت جميلة شجاعتها وواجهت غسان قائلة:
"أيوه يا غسان. كلام أكمل صح. إحنا كانت خطوبتنا امبارح وأنا بعتلك الرسالة بس أنت كنت قفلت. أنا جيت هنا عشان متجيش عندنا البيت."
هز أكمل رأسه بسعادة وشد على يد جميلة يقبلها أمام غسان ويقف في مواجهته:
"على فكرة، أنا محامي زي أخوها اللي سافرِك أو نقول نفاك بره. بس أنا بقى أشرس منه. نصيحة، ارجع البلد اللي كنت فيها، ووثق جوازك مع الشقرا."
اتسعت ابتسامة غسان قائلاً:
"إيه ده؟ أنت كمان بتتجسس على أخباري؟ إيه؟ كنت خايف لما أرجع آخدها منك، فحبيت ترمي طعم إني مصاحب بره مصر؟ العب غيرها."
"تحب أفرجها الليالي الحمرا بتاعتكم صوت وصورة؟ ولا كفاية أنا أشوفهم، وكل حبايبك هنا يشوفهم؟ بص أنا أكمل الزيات بحسب حساب لكل حاجة."
بكت جميلة وهي تترجى أكمل قائلة:
"عشان خاطري يا أكمل، أنا عايزة أمشي حالا. مش قادرة أستحمل أكتر من كده. مش اللي عندك قلته؟ كفاية بقى. أنا لو أعرف إن ده هيحصل مكنتش جيت."
انتفض غسان بحدة قائلاً:
"أنتي فعلاً صدقتي اللي قال عليكي مجنونة. إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ لحقوا يعملوا ليكي غسيل مخ؟ بقيت بعد سنين الغربة دي كلها عايزة تسيبيني؟"
شدد أكمل على قبضة يد جميلة:
"كلامها عين العقل، وده الأفضل ليك، بدل ما أخلي الحلوة اللي هناك تخليك لا عارف ترجع ولا عارف تقعد في بلدك. الظاهر إنك أنت اللي مجنون."
"وأنا مش هتتنازل عنها المرة دي، ولا يفرق عندي فلوس ولا أي حاجة، ومش خايف منك. أنا عارف إنك محامي شريف مش بتاع ألاعيب."
ترك أكمل يد جميلة وسحب غسان من يده يزرعه أرضاً بعنف بجوار سيارته، ويضع حذاءه على يد غسان. لتنطلق صرخات جميلة من خلفهم:
"قولتلك يا أكمل إني جايه هنا أفهمه إني اتخطبت. بالله عليكي سيبه يمشي دلوقتي. أنا خلاص مش عايزاه. مجيتك ورايا بوظت كل حاجة."
سحب أكمل حذاءه من على يد غسان، لينهض غسان يتحدث بغضب وهو يجمع حقائبه ويرحل:
"أنا غلطان إني صدقت إن واحدة زيك مش من طينة أخوها. فضلت مستنية لحد ما لقيتي البديل. إشبعي بيه، وابقي قابليني لو قدر يسعدك."
رحل غسان ليركب أكمل سيارته منتظراً لها أن تركب بجواره. وبالفعل ركبت في خوف. ليأخذها إلى نفس المكان الذي كانوا به في منتصف النهار. بعد أن وصلا، نظر لها بغضب:
"نسيتي إنك مخطوبة؟ لا، وبسرعة يا شيخة. ده إحنا خطوبتنا كانت امبارح. بس إزاي!!! حبيب القلب أخيراً بعت رسالة وقال إنه راجع، وطبعاً ده كفاية."
صرخت جميلة عليه بغضب قائلة:
"غسان اتخلى عني زمان غصبن عنه، وكان خلاص بيخلص كل اللي وراه وراجع ليا. طلبك للجواز كان السبب في كل اللي بيحصل ده."
كان يريد أن يسكنها بداخل حضنه ويصرح لها بحبه، ولكن اكتفى أن يرد عليها بحزن قائلاً:
"راجع بعد سنة وأنا السبب في تفرقتكم؟ حطي بالك، هو ضيعك من إيده قبل كده، وده عمره ما هيصمد مع التهديدات اللي بتحصل ليكم. عموماً، أنا آسف."
بكت جميلة وصارحته قائلة:
"هو كان واحشني جداً، وكان لازم أشوفه. بس ظهورك خلاني أشوفه بطريقة وحشة. أنا مصدقة كلامك عليه، لأن كنت لما أتواصل معاه بلمح حد معاه."
كان يريد ضمها والتشديد عليها لتبقى قوية:
"أنتي أكتر واحدة هتحسي إن كان بيخونك ولا لا. أنا عارف إن كل كلامك كان في لحظة غضب، سواء ليا ولا ليه. اقعدي مع نفسك واحكمي."
جميلة وهي ما زالت تبكي:
"طيب ليه أنت جيت وعملت معاه كل ده؟ ليه رفضت رجوعي ليه وقت ما كنت واقف بينا؟ لو على كلامك دلوقتي إنك بتتمنى ليا السعادة."
أعطاه ظهره وهو يتحدث بألم:
"كنت فاكر إن بحضوري أقدر أبعدك عنه، بس الظاهر مفيش فايدة. بس ليه كذبتي عليه وقلتي إنك جايه تنهي اللي بينكم؟ طبعاً هتقولي خفتي عليه."
بكت جميلة بحرقة قائلة:
"أنا خلاص يا أكمل بقيت ليك مش لغيرك، وهو هينساني زي ما نساني قبل كده، لما خاف من أخويا. العجيبة إنك اتبعت نفس الأسلوب اللي الكل بيتبعه. روحني يا أكمل."
رواية محكمة الحياة الفصل السابع 7 - بقلم مروة البطراوي
بكت جميله بحرقه قائله
- أنا خلاص يا أكمل بقيت ليك مش لغيرك، وهو هينساني زي ما نساني قبل كده لما خاف من أخويا. العجيبة إنك اتبعت نفس الأسلوب اللي الكل بيتبعه، روحني يا أكمل.
ارتفعت يده وأصابعه لوجهها يمسح عبراتها
- مش هتروحي من هنا إلا لما تهدي. أنا كنت عارف ليه جبتيني هنا الصبح، ومحاولتش أعطيكي الفرصة تتكلمي، وجيت وراكي أحميكي.
بكت جميله أكثر
- بابا عودني على الصراحة بس أنت مش بتعطيني الفرصة. حاسة إن حياتنا مش هتنفع، حوار الحماية ملوش لزمه إلا لو كان جواز على ورق.
- أنا مستعد أواجه أي حد يحاول يأذيكي. أنا كنت ناوي أقابل غسان وأتكلم معاه حتى لو مكنتيش رايحة تقابليه، ووالدك اللي قالي إنه هيوصل النهارده.
بكت جميله بلوعة
- كمان بابا؟ يااه للدرجة دي الكل بيتأمر عليا؟ طب إيه اللي غير رأيه؟ ده كان موافق عليه زمان وفكر إنه اتخلى عني، يمكن لسه الاعتقاد ده موجود.
- مش موجود أساساً. أبوكي راجل قانون دارس وفاهم شخصية غسان. لو كان عايز كان منع أخوكي إنه يقربلك، وكان جوزك ليه، وسفركم سوا.
جميله بدموع
- أنا الكل اتخلى عني وعن رغباتي، ومش هلوم حد. مش هلوم غير نفسي الهبلة العبيطة اللي سايبة التيار يقلب فيا زي ما هو عايز، بس نفسي أرتاح.
أكمل بإصرار
- مش هسمح لأي تيار يجرفك لمكان يهدمك. والبداية كانت غسان. كل اللي عايزة منك ثقة تامة ومطلقة فيا، لغاية ما تطلعي لبر الأمان وبعدها اختاري.
ابتسمت من بين دموعها قائلة بسخرية
- إن شاء الله هختار البعد عنك وعن الكل. حابة أعيش لوحدي في هدوء وسلام نفسي. كان مالي أنا بجو الأكشن ده؟ فعلاً أنا لا أصلح للمعاناة.
ابتسم لها أكمل وهو يربت على يديها
- إن شاء الله هتختاريني يا جميلتي، وهيكون لينا بيت وعيلة كبيرة وحلوة وأولاد. لأن ده مش جواز على ورق ولا جواز مؤقت. ده جواز قولا وفعلا.
جميلة كانت وما زالت وستكون دائما فتاة بلا عقد بالرغم من كل التعقيدات التي تحياها مع عائلتها. جميع المحيطين بها يعشقون خفة دمها وحضورها المثير. يرى والدها أنه من حقها أن تحب وتتزوج ممن تحب لتعيش سعيدة ولكن القدر له رأي آخر. حيث كان بعيداً كل البعد عن عشقها. حب المراهقة اليوم تخلصت منه تماماً. والدتها كان لها رأي مخالف أرادت بتر علاقة الحب بل هي من شجعت شقيقها على الخلاص من هذا العاشق. بعد أن كذبت على ابنتها وأفهمتها أنها موافقة وأن غسان هو من تخلى عنها. وغضبت عليها عندما واجهتها جميلة بحقيقة الأمر. وها هو سيعود إلى غربته وحيداً. حقاً أكمل كان لديه الحق في الغضب عليها. ولكن هو لا يراعي الاختلاف بينهم. هو استخدم حقه لأنه يحبها وكان عليها حينها أن تبتعد عن غسان.
في المحكمة أخبر أكمل هشام أنه يريده بعد الانتهاء من عمله ولكن في مكان بعيد عن العمل والمنزل.
- خير يا أكمل، في إيه؟ سيبت ركبي. جميلة امبارح مش بتنطق ولا بتتكلم معايا، شكلها زعلانة مني. أنت قلت لها إني عارف برجعة غسان؟
- ما تخافش يا عمي، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده امبارح بما فيه الكفاية. وهي فعلاً عرفت إنك عارف. بس عادي، وده الصح، لازم تفهم إنك رافضه.
نظر إليه هشام بخبث قائلاً
- يا ترى بررت ليها موقفك بإيه؟ احكي لي على طول. عملت إيه لما شفتك وعرفت إنك بتراقبها؟ وأنت قلت لها إيه؟ بحبك وبغير عليكي؟
- موقف إيه اللي أبرره يا سيادة المستشار؟ بنتك هي اللي كانت مدانة قدامي. لأنها كانت معايا الصبح، وبالليل راح تستقبل البيه. دي لما شافتني خافت.
- مش معنى إني وافقت على جوازتها منك تتكلم عليها قدامي بالشكل ده. وبعدين ليه بتدور وبتلف عليها؟ أنت لما تقولها بحبك وبغير عليكي هتنقص منها؟
انزعج أكمل من رد هشام فرد عليها قائلاً
- أنا عمري ما لفيت ولا دورت على حد. وبعدين أنا وعدتك. ووعد الحر دين عليه. الحر يا سيادة المستشار اللي ميقدرش يشوف خطيبته مع واحد.
رد عليها هشام بحدة قائلاً
- ولما روحت امبارح وراها وكنت ناوي تعملها فضيحة؟ كان بدافع إنك إنسان حر. أنت عمرك ما هتتغير، هتفضل متعجرف وقاسي زي أبوك.
ارتبك أكمل قائلاً
- واضح إنها حكت لحضرتك كل حاجة. مين فينا اللي بيلف ويدور على التاني يا سيادة المستشار؟ أنت عارف كل حاجة منها وبتنكر جدا.
- مش هتصدق جميلة حكت لمين المرة دي ومخافتش لا يجي يقولك. ومخافتش إنها تكرر شكواه فيك ليه. لكامل الزيات. أبوك راح تحكي للي رباك بالشكل ده.
أكمل بغضب
- ليه أنا كنت عملت ليها إيه؟ ووالدي حكى ليك بالساهل كده؟ إنتوا ليه كلكم متفقين عليا وخايفين عليها مني؟ مع إني أكتر واحد بخاف عليها.
رد عليه هشام بغضب مماثل
- أنت فاكر اللي عملته فيها كان سهل؟ البنت مش بتنطق من امبارح معايا. ولعلمك أنا سمعتها بتكلم أبوك وكنت منتظر أبوك يعقلك بس الظاهر مفيش فايدة.
- أنا قايلك جميلة مش هتكون لحد غيري، سواء لحمايتها أو من غير حمايتها. دي حقي. مكنش عندي استعداد أتفرج عليها من بعيد لبعيد. مكنتش ضامن.
- أنا اتحايلت عليك تبص عليها من بعيد تشوف بنفسك. جميلة استحالة كانت هتكمل معاه. أنا عارف بنتي كويس. إنما أنت دخلت زي الطور.
- أنا فعلاً الغيرة عمتني. ظهرت ليها قبل ما يظهر التاني. كنت خايف تضيع مني في لحظة. أنا عارف إنها كويسة. بس ساذجة وممكن تنجرف.
- ودلوقتي إيه المطلوب مني؟ إيه عايزني أساعدك وأروح أقولها متزعليش أكمل مكنش يقصد يهينك. أنا اللي دفعته يعمل كده. طبعاً مش هقدر.
- أكيد لا. بس على الأقل تكون معايا مش ضدي. أنت عارف إن غسان معدش مناسب ليها. واجه بنتك بالحقيقة دي. بدل ما تتفرج من ورا الستار.
- ما أنت اللي رفضت إني أواجهها وطلعت تجري وصممت تروح وراها. وبعدين إيه اللي يخليها تسمعني دلوقتي بعد ما أنت عكيتها بيني وبينها.
- إن شاء الله هتقتنع وهتصدق إني كنت بعمل عشانها الصح. أنت بس حاول تتكلم معاها. عشان غسان شكله مش هيسيبها في حالها. مش عارف طلعلي منين.
- لما تهدى بقى ساعتها أعرف أتكلم معاها. لكن دلوقتي صعب. أنت لسه برضه متعرفش جميلة لما بتزعل بتبقى عاملة إزاي. كويس إنها لسه في بيتي.
نظر إليه أكمل بتحدي قائلاً
- هتروح دلوقتي هتلاقيها فرفشت تاني وهتقعد بنفسها وهتسمعك. وهتقتنع بنفسك إن دوا جميلة عندي مش عند حد تاني. هتشوف يا عمي.
رفع هشام سبابته بتحذير قائلاً
- يا أكمل إياك تستعمل مع جميلة القوة أو العافية. هنهيك من على وش الدنيا. بنتي خط أحمر. مطلعش عقدة إنك مبقتش وكيل نيابة عليها، فاهمني.
- حضرتك أنا راجل. وكلكم هتعرفوا قيمتي قدام. ومع ذلك أنا تحت أمرك يا عمي. جميلة عمري ما هستعمل معاها العنف ولا هطلع عقدي عليها.
- يارب لو كنت ناوي تسعدها فعلاً تكون من نصيبك وميدخلش حد ما بينكم. حافظ عليها يا أكمل. أنا مش هعيش ليها العمر كله. نفسي أطمن عليها.
بعد مرور يوم كامل لم يحدث أحدهما الآخر. استيقظت من نومها المتقلب ودقات قلبها تعطي لها إشارة أن هناك كارثة ستحدث. ذهبت إلى عملها لتتفاجأ بوجود غسان في انتظارها. دلفت وجلست أمامه بثقة بالرغم من ارتجافها أن يأتي أكمل في هذه اللحظة. أخذ غسان يحدثها دون فائدة وهي تهرب من عينيه اللتان لم يتوقفها عن نظراتهم الوقحة وهو يتأمل كل جزء بها وكأنه يرصدها. وفجأة نظرت له وعيناها تتسع بصدمة حين شعرت بحركة الباب. ارتجفت بشكل خائف من عقاب ولي أمرها. توترت أنفاسها. ثم رفعت عيناها ببطء نحو الباب وهي ترفرف بأهدافها من المفاجأة المتوقعة. لأنه كان هو بالفعل يقف أمامها ثابتاً يوجه لها نظرات صلبة. مثل الذئاب. ليتوجه نحو غسان يقف أمامه كالجدار. كاد غسان فيها أن يفقد الوعي يبلع ريقه بصعوبة بالغة يقف ببطء حتى كاد أن يترنح. ليقترب منه أكمل يهمس له كفحيح الأفعى.
- لو فكرت تيجي لها تاني. المرة دي مش هتسافر المكان اللي جيت منه. لااا. ده أنا هخليك هنا بس عارف إحساس إنك هنا ومش هنا. هجربهولك.
فر غسان دون النطق ببنت شفة لتشعر جميلة كم أنه مستهتر بها. بعد هروبه ظلت جميلة صامتة ليشعر أكمل أن هذه الزيارة مرتب لها من قبلها.
هم أن يتركها ويرحل لتتنحنح جميلة قائلة
- احممم. أنا مش عارفة هو عرف عنوان المستشفى منين. هو أنت كنت عارف إنه جاي عشان كده جيت دلوقتي؟ أصلك قاطعني من يومها.
نظر لها أكمل بغضب قائلاً
- بس شكلك كنتي مبسوطة من مجيته. محسيتيش إنك مخنوقة منه. ولا أنا اللي قطعت عليكم القعدة الجميلة دي؟ عموماً أسف يا دكتورة جميلة.
شعرت جميلة بالإهانة من حديثه لها
- أنت قصدك إيه بكلمة أسف دي؟ على فكرة أنا أكتر واحدة كنت عايزة أخلص من القعدة دي. وعمري ما كنت مضايقة زي ما أنا مضايقة من مجيته.
ضرب أكمل على سطح مكتبها بقوة قائلاً
- قصدي واضح يا دكتورة. لما انتي كنتي مضايقة من مجيته مطردتيهوش ليه؟ أو كان ممكن تبعتي لجدائل تقعد معاكي زي ما بتعملي مع الدكتور نعمان.
أدمعت عيون جميلة بحزن قائلة
- أنا اتحطيت في الموقف اجباري. وكثير بقعد مع دكتور نعمان لوحدنا وجدائل بتكون لسه مجتش. وبعدين إيه كل التحريات دي عليا؟ أنت فاكر نفسك وكيل نيابة؟
رد عليها أكمل بغضب قائلاً
- اسكتي خالص. واضح إنك كمان فاهمة حكاية وكيل النيابة. مش عايزك تتكلمي معايا في أم الموضوع ده. فاااهمة؟ كان لازم أعرف كل حاجة عن اللي هشيلها اسمي.
ردت عليه جميلة بعصبية قائلة
- وأنا مش هشيلك اسمي. شيلني من حساباتك. إحنا مننفعش لبعض. إزاي أتجوزك وأنت بتشك فيا وبتراقبني طول الوقت؟ أنا واحدة بحب أعيش بطبيعتي.
- طب ما هي طبيعتك دي اللي بتخلي الكل يطمع فيكي ويشتغلك. وبعدين إيه جاية تعملي وحش عليا؟ وقدامه البيه قطة؟ اعقلي يا جميلة.
تعالت شهقاتها رغماً عنها وأردفت قائلة
- أنا مش مجنونة. ولو أنت عاقل ابعد عني أحسنلك. أنا مش مناسبة ليك. هتعبك معايا. ليه أنت غاوي معاناة؟ روح دور على واحدة تسمع كلامك.
أنهت كلامها ولم تعيره أدنى اهتمام ورحلت من محياه. خرج خلفها ليجدها تقف خارج المستشفى شارده وبعدها بدأت تمشي على مهل ليتنحنح من خلفها.
- لو سمحتي ممكن تهدي شوية. أنا آسف يا جميلة. الكلمة دي مش بقولها لأي حد. تفتكري هتعب نفسي وأجري وراكي ليه بعد ما قلت لي ابعد؟
تجمدت وأبت أن ترد عليه. هو يعلم أن من صفاتها العناد ورفض الانصياع لأوامر أي أحد. ابتسم على عنادها لدرجة جعلتها تشرد في ابتسامته.
- طب أجاوبك أنا؟ الإجابة صعبة عليكي تصدقيها. بس مش صعب عليا أقولهالك لأنك...
رواية محكمة الحياة الفصل الثامن 8 - بقلم مروة البطراوي
لوسمحتي ممكن تهدي شوية؟ أنا آسف يا جميلة. الكلمة دي مش بقولها لأي حد. تفتكري هتعب نفسي وأجري وراكي ليه بعد ما قلت لي ابعد؟
تجمدت وأبت أن ترد عليه. هو يعلم أن من صفاتها العناد ورفض الانصياع لأوامر أي أحد. ابتسم على عنادها لدرجة جعلتها تشرد في ابتسامته.
- طب أجاوبك أنا؟ الإجابة صعبة عليكي تصدقيها، بس مش صعبة عليا أقولهالك. عرفتي ليه مش قادرة أقول السبب؟ لأنك شايفاني غير الحقيقة.
لم تبدِ أي ردة فعل لدرجة شك أنها لم تفهمه. ولكن من يفتح قلبها يجده يتراقص متمنيًا الإجابة الصحيحة التي تهز كل مشاعرها ووجدانها.
- ممكن تصدقيني؟ أنا فعلاً معجب بيكي ومن مدة. بس مكنتش شايف ده. عارفة لما عرفت إنك مهددة جرالي إيه؟ كنت هجيبك تعيشي معانا، بس كان لمسمي لكل ده.
مرت خمس دقائق من الصمت بينهم وهي معرضة بوجهها للجانب الآخر، ولكن لمحته من خلال رموش عينيها وهو مثبت أنظاره عليها، خاصة على الخصلات التي تطايرت كالعادة من حجابها غير المثبت. بفضلها لأنها لا تضع دبوس رقبة كما يفعل البعض، بل تترك له العنان وتخفي باقي حجابها في كنزتها، وكل هذا لأنها لا تطيق التضييق على عنقها، تشعر بالاختناق. قطبت جبينها على شروده فيها. لا تعلم أنه يلعنها وهي تعطي الحق للجميع أن يرى شعرها الفاتح الذي سلب عقله وتفكيره وجوارحه. لا يتخيل أن أحدًا يتقاسمه معه. بشعرها هذا تطغى أنوثتها. حقًا هي كـ "فرجينيا" جميلة الجميلات، تستطيع أن تجلب صراعًا في رأسه بأنوثتها وبرائتها التي يريد تتويجها للأبد. يعلم أنها تهتم بنفسها جيدًا. بدأت تشتعل الحرب بداخلها والحيرة منذ لحظة إعلانه ارتباطه بها. هل تصدق قلبها أم عقلها؟ حقًا هو شخص عنيف يجعلها تركه، حتى في نظراته المغمورة بها تجد العنف متأصلًا فيها. تعلم أنه يريد إخفاءها عن العيون. قلبها لم يمنحها فرصة للانخراط مع هذا المجنون كما يلقبه عقلها. لم تجد أمامها حلًا سوى السكون الذي تعشقه دائمًا، وأن تسلم له. فها هي فطرتها تتغلب عليها، الاستسلام لكل شيء حتى لو شخص يريد ترويضها. فهو قائد اللحظات القادمة في حياتها، أو بالأحرى هو الذي استطاع تشتيت روحها.
وقف في مواجهتها يستجمع الكلمات.
- أنا عارف إن ردود فعلي مبالغ فيها. أنا آسف للمرة اللي مش عارف كام. مقدرتش أتحمل إنه جايلك لحد شغلك. تفتكري لو قلبنا الموقف إيه هيكون رد فعلك؟
- تفتكر اللي بيكسر عمره بيصلح؟ تفتكر إن رجعته حتى لو انت مش خطيبي هيكون ليها طعم؟ أنا آه بتواصل معاه، بس مش عارفة الفترة الأخيرة مكنتش مرتاحة.
- لا، أنا عارف إنك مش هتكوني لغيري. وأنتي انتي مش عايزاه. بس ليه رحتي تستقبليه؟ كان ممكن تكلميه بعد ما يرجع وتنهي كل شيء.
- لا مش هينفع لأنه كان ناوي يجيلي على البيت. وأنا لا يمكن كنت هسمح إن ماما تشوفه. أنا روحت له علشان أنهي كل حاجة، بس وجودك هيخليه ما يستسلمش.
عرض عليها أن يذهبوا إلى مكان قريب كي يتحدثوا بهدوء.
- هطلب حاجة نشربها وبعدين هطلب الغدا. النهاردة مش هيبقى زي أي يوم قبله ومش هنتقابل في الصحرا زي عوايدنا. قول لي أطلب لك إيه؟
هزت رأسها برفض قائلة:
- مش عايزة أشرب حاجة. تفتكر هيجيلي نفس أكل بعد ما سممت لي بدني على الصبح؟ أكمل إن نفسي سعادتي تكتمل، مش تنقص على إيدك.
أكمل بعناد:
- لو مش عايزة تختفي سعادتك دي، اسمعي الكلام. نبدل ما أسقيكي المر بزيادة. أنا مش بحب أتحايل على حد أكتر من كده. إنتي إيه جو العيال بتاعك ده؟
انتفضت جميلة من مكانها ووضعت يدها في خصرها تهتف بعناد هي الأخرى:
- مش هاكل ولا هشرب ولا هكمل قعاد معاك. انت مفكر إنك هتقدر تعاندني؟ فوق لنفسك. أنا مش ضعيفة أوي زي ما انت مفكر. مفكر نفسك عارفني؟
نهض من مقعده بهدوء وتوجه نحوها ووجهه مقابل لوجهها ينظر لها ويتحدث بثبات قائلاً:
- اقعدي وبطلي هبل. أنا عمري ما كنت أفكر أعاند معاكي إلا لما انتي بدأتي. انتي ليه مستعجلة تنهي كل حاجة بينا من قبل ما تبتدي؟ وراكي حاجة؟
- مش ورايا حاجة. انت ليه مصمم تتهمني؟ بقولك أنا نهيت اللي بيني وبينه. في نفس الوقت مش عاوزة منك حاجة. انت ما صدقت موضوع الحماية وخلاص؟
زفر أكمل بيأس من عنادها واضطر إلى استخدام طريقة أخرى معها لعلها تجدي نفعًا.
- عشان خاطري اقعدي. لو قلت لك مفطرتش وفطاري مش هيكمل إلا بيكي هتقعدي؟ أوعدك هبطل أي كلام في مواضيع بتضايقك. مش هتكلم خالص.
تشعر أنها مجذوبة إليه مهما يفعل بها. ولكن ماذا تفعل الآن؟ عقلها يحدثها أن تهرب، ولكن قلبها يوقفها ويجلسها معه بطريقة لا إرادية، شاردة في سوداويته الحمقاء.
جلست لتراقب أفعاله وهو يتناول طعامه في صمت، ويبدو أن القدر مسلط عليها فقد هاتفته المحامية التي تعمل عنده في التدريب. أخذت تراقبه وهو يحدثها ويوصيها باستقبال صاحب القضية استقبالًا جيدًا. فاقت من شرودها عندما وجدته مثبتًا سوداويته فوق ملامحها المتلهفة لمعرفة أفعاله. ارتبكت قليلًا خاصة عندما ابتسم لها بلطف. تجول بعينيه يحاول معرفة انفعالاتها ليجد أناملها تعبث بتوتر. ليجدها تشعل غرائزه حتى في أفعالها البسيطة التي تثير وتحرقه. وجد أناملها ترتفع إلى شفتيها تحاول قضمها كالأطفال. ولأول مرة منذ تاريخ معرفته بها يتأمل شفتيها بتدقيق، وجدها وردية بالرغم من عدم استخدامها طلاء الشفاه. يشعر أنه لو لمسها ليجدها ناعمة، وأه من رسمتها المكورة الصغيرة. يتخيل أنه يقبلها، ولكن متى سيصير ذلك؟ يشعر أنه حتى لو تم زواج لن يصير هذا إلا في أحلامه.
عاد كلًا منهم إلى منزله ليجد والده في انتظاره. تذكر حينها تحذيرات والده له، فتنحنح قائلاً:
- أنا كنت النهارده طول اليوم مع جميلة. بعتذر منك إن مكونتش موجود على العشا. مش من عوايدي وأنا عارف بغلطي. بس أعمل إيه؟
كان كامل ثابتًا وهو يستمع إلى مبررات أكمل.
- اتغيرت يا أكمل وبقيت زي العيل الصغير بتعطي مبررات لكل حاجة. بس ده مش مقبول عندي. هو أنا مش حذرتك من ارتباط زي ده؟
اندهش أكمل من حديث والده، كيف له أن يرفض الزيجة وفي نفس الوقت يستمع إلى شكوى جميلة.
- ليه بحسك ندمان على موافقتك إني أرتبط بيها؟ وفي نفس الوقت عاطيها كل الحق تيجي تشتكي مني؟ أنا متعجب الصراحة، ومبقتش فاهم حاجة.
- اللي انت بتعمله معاها يخليني أبقى في صفها. متنساش إن عندي جدائل ومقبلش واحد زيك يهينها. أنا قلت لك يا تبقى عاقل يا بلاها الجوازة دي.
تسرع أكمل في الرد عندما ذكر والده اسم جدائل شقيقته.
- جدائل مش جميلة يا بابا. أختي دي تربيتي مش مجرد أختي. ولو زيها كنت قتلتها وشربت من دمها. محدش هيعرف يتعامل مع جميلة غيري.
احتد كامل على رد أكمل ورد قائلاً:
- الجوازة دي هتنتهي من قبل ما تبدي. عرفت ليه أنا في صف المسكينة وفاتح لها دراعي عشان تشتكي منك؟ ياريتني كنت رفضت إنك تتجوزها.
توجه أكمل نحو كامل يقفه أمامه بكل ثبات ينظر له بقوة قائلاً:
- بأي طريقة جميلة هتكون حقي. أنا بعمل كل حاجة قدامك. مش بخاف من عمايلي. تعرف هشام المرشدي بيقولي إيه؟ بيقول إنك حصاد تربيتك.
رد عليه كامل بغضب قائلاً:
- كفاية يا أكمل اللي البنت فيه. متخسرهاش على شبابها ومتخسرش أبوها وأمها عليها. كفاية أخوها. انت هتستفاد إيه من اللي بتعمله؟ سيبها.
- جميلة مش هتكون لحد غيري. نفسي طول عمري تسمعني يا بابا. انت جربت الحب؟ أبدًا. طبعًا لا، ده مرفوض في قانون كامل الزيات. طب ليه؟
احتد كامل على أكمل عند حديثه عن الحب.
- عشان كده صممت ترتبط بيها. كل ده عشان تسيب كاميليا لكمال صح؟ كده كتير وكلام عن الحب والمسخرة خرجتوا الواحد عن شعوره.
حزن أكمل من حديث والده وأردف قائلاً:
- إحنا من غيرك منسواش. بس دي حياتنا. كمال بيحب كاميليا. دي حياته من صغره. طب هتصدقني لما أقولك إني هتجوز جميلة لما دُقت اللي أخويا بيدوقه.
- ولما هو كده ممرمط البنت معاك ليه؟ استحملها طالما بتحبها. النكد اللي بتنكده عليها عمره ما هيخليها تقرب منك. حابب تتجوز واحدة بتخاف منك.
- لما بشوفها بيتعمي على عيني. مبقاش عايز حد يشوفها غيري. أعمل إيه في نفسي؟ أنا تعبان يا بابا وكلكم ضدي. أنا مقدر موقف باباها. إنما انت لا.
- أنا مقدرش أجي على البنت عشانك. كنت عايزني أعمل إيه؟ طب جربت تقولها إن غسان كان السبب في قتل أخوها؟ طبعًا رفضت. وملوش تفسير.
- أنا عايزها تحبني وترتبط بيا لشخصي أنا، مش عشان إنه سيء. أنا استحقرت نفسي لما اتكلمت على البت الشقرا اللي هو مرافقها. وبعدين مش هتصدقني.
- انت جاي تقول تحبني دلوقتي؟ طب ما كنت تقرب لها زي أي شخص. كان الموضوع هيبقى أهون من اللي انت بتعمله دلوقتي. عيبك إنك همجي.
- اللي حصل بقى. مكنش عندي وقت بعد جواب التهديد اللي جه لأبوها إنها هتتخطف. فكان لازم أتجوزها. انت عارف إني أقدر ألاعبهم صح.
- إيه رأيك تتكلم معاها وتعرفها إن اللي انت بتعمله ده عشان تسرع اللي بينكم. لكن انت بتحبها. البنت مجنونة ممكن تطلع جنانها عليك وتأذي نفسها.
نظر أكمل إلى والده بيأس.
- أرجوك يا بابا. متقولهاش حاجة من ورايا. هو أنا يعني عيل صغير ولا انت فاكر إنه سهل عليا أخبي مشاعري؟ بس هي هتفهمني غلط.
زفر كامل بحدة قائلاً:
- انت خايف لا تقول إنك ما صدقت موضوع جواب التهديد عشان تتجوزها؟ من إمتى يهمك تفكيرها ولا تفكير غيرها؟ انت كده هتطلع مش دوغري.
- طيب شوف إيه اللي يراضي جميلة وأنا أعمله. بس لو سابتني مش هسامحك يا بابا. نفسي أفهم انت ليه مصمم إني أصارحها بالحقيقة.
نظر إليه كامل بتفكير ثم رد قائلاً:
- أول حاجة صارحها بحكاية غسان. ومتخبيش عليها ثغرة فيه. وقولها إيه رأيك؟ لو اختارتك يبقى هي عايزالك أصلًا وهو مش لازمها.
انتفض أكمل بغضب قائلاً:
- إيه!!! طبعًا هتقولي أنا مقدرة موقفك. بس ده مش هيكون دافع إنها ترتبط بيا. عارف أنا هبقى شكلي إزاي؟ هكون زي اللي بيوقع بين واحد وواحدة عشان يخلي له الجو.
رفع كامل سبابته له محذرًا له:
- انت لازم تشرح لها ليه روحت وراها. لازم تبني أساس كويس لعلاقتكم. شروط الحب يا ابن كامل الزيات اللي مش بيؤمن بالحب هي الوضوح.
تمالك أكمل نفسه ورد عليه قائلاً:
- ماشي يا بابا. بس زي ما قلت لك في الأول. مش هسامحك وهعتبر إن ده تخطيط منك عشان منبقاش لبعض. حاجة تانية أصارحها بيها؟
- مش دلوقتي. خلص بس موضوع غسان. وبعدين روح لليفل اللي بعده. صارحها بحبك يا بتاع الحب. أما نشوف يمكن تصيب المرة دي يا متر.
صعد إلى غرفته بعد هذا الحديث الشاق بينه وبين والده. تذكر اليوم بينه وبينها وارتسمت ابتسامة شرسة على شفتيه وهو يتذكر توترها وخجلها. استقام لكي يقف أمام مرآته يواجه نفسه بأفعاله مع هذه الرقيقة. ظهرت صورتها بجواره في المرآة وكأنها تثير كل حواسه بفتنتها الطاغية. يشعر أنها ملكه من عصر عتيق. حقًا جميلة ملكه وملكيته هي وحده حتى وهي رافضة له. عادت ابتسامته مرة أخرى، ولكن عليه البطء والتمهل معها. فمثلها لا يستحق إلا الرزانة في الأفعال.
في اليوم التالي ذهب الجميع إلى عمله، التقى كلا من كامل الزيات وهشام المرشدي سويًا.
- السلام عليكم. إزيك يا سيادة المستشار هشام؟ متبقاش تحطني في وش المدفع أنا يا راجل رايح أقوله انت حصاد تربية أبوك وطالب مني أتدخل.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أنا كده ارتحت. كفاية إنه ما اتصلش نكد على اللي جابوها امبارح. وبعدين هو أنا كذبت يا كامل؟
- أنا عملت اللي انت قلته بالمللي. بس مش ضامن إنه يروح يصارحها باللي حصل من غسان. وتفتكر بنتك هتصدقه يا هشام؟ الواد خايف.
- أهم حاجة هو استسلم لطلبك. ومن ناحية هتصدقه هتصدقه يا كامل. متخافش. بس من إمتى ابنك خايف وقلقان؟ مش هي بالنسبة له جوازة والسلام؟
- أنا خايف ابني ينجرح يا هشام. ومش مطمن لطريقته معاها لو مصدقتهوش. هو استسلم لطلبي بس حلف مش هيسامحني لو هي مصدقتهوش.
تعالت ضحكات هشام قائلاً:
- يا كامل، هو كان المفروض يقول كل حاجة في حموتها أول ما غسان رجع وبدأ يلعب فيها. عمومًا متخافش، جميلة مش بالغباء ده. ولا مفكرينها عبيطة؟
- أحلى حاجة في الموضوع ده يا كامل، إن نتيجته ترضي قلب كاميليا وكمال. كنت خايف لا يكون أكمل بيحبها. بس الحمد لله طلع حاسس بيهم.
- الحمد لله عدت على خير. بس كنت هتعمل إيه يا كامل؟ كنت هتجبر كاميليا تتجوز أكمل؟ كان فات الموضوع ده دمر البيت كله. بس جميلة مش قادرة تقتنع إنه محبهاش.
- بكرة تفهم إن أكمل بيحبها وعمر ما حب غيرها. عمومًا اللي جاي ده شغلك بقى. أنا كده ثبت ابني ومقدرش أعمل أكتر من كده. طريقك أخضر.
- ماشي يا سيادة المستشار معاك ربنا. بس خليك في وضع الاستعداد لو ابنك ساق الهمجية. تصدق بالله إحنا زي ما يكون في محكمة ما بينهم.
- ماشي يا هشام. ما تقلقش اللي جاي بيقول إن أكمل هيسايس فيها عشان ميخسرهاش. الحب بقى يا أخويا ما انت عارف. إنما أنا رجعي مش بتاع حب.
مضى أكثر من أسبوع، فذهب لزيارتها وانتظرها فترة طويلة حتى خرجت له وكأنها تعمدت أن تفسد ملامحها بالمساحيق التجميلية. هي جعلتها ملكة بالفعل، ولكن مثل تلك الملكة التي ترقد بالتابوت محنطة. تثبت له أن فطرتها في كل شيء أفضل كثيرًا. عند دخولها وبدون مقدمات، ضغط على كفيها. لمعت عيناه بغضب كاد أن يحرقها. اندلفت وهي تتحرك بارتباك وقد سيطر التوتر على محياها فور النظر إلى عينيه المشتعلة غضبًا. وبمجرد ما تخطت الباب، جلس بسطوة أمامها على المقعد المفضل لديها ليشعر بضآلته. فهو حتى لم يناسب ظله الضخم.
- انت كنت فين بقالك أكتر من أسبوع مخصمني؟ طب كنت كملهم شهر على الأقل ميبقاش في نقطة رجوع ما بينا ولا خوفت إني أنساك أنا؟
نظر إليها بجمود قائلاً:
- هروح فين؟ أنا موجود. انتي بقى عملتي إيه في غيابي؟ طبعًا أخدتي راحتك واللي مكنتيش بتعمليه بقيتي بتعمليه عيني عينك فل ميكب وآخر هرجلة.
- بس أنا عمري ما حطيت فل ميكب ولا من عادتي ولا ده اتهام جديد يا متر. عمومًا أنا براحتي أحط اللي أنا عايزاه. إحنا مفيش بينا عقد يمنع.
- أنا كنت غايب عنك عمدًا عشان فيه موضوع مهم لازم أكلمك فيه. ومكنتش حابب يبقى بعد آخر خناقة ما بينا. قولي لي بقى هديتي ولا لسه؟
- إيه هو الموضوع اللي عايز تكلمني فيه؟ اتكلم. أنا هادية تمامًا وجاهزة لكل حاجة هتقولها. مبقتش فارقة معايا إيه ناوي تفكس وتسيبني ولا لسه.
- انتي ما صدقتي ولا إيه؟ طبعًا نفسك. بس أنا مش هنولها لك أبدًا. جميلة، انتي ممكن تصدقي كلامي بنسبة كام في المية؟ أقولك أنا. انتي عمرك ما هتصدقيني.
نظرت له جميلة بعناد قائلة:
- أيوه. أنا عمري ما هصدق حتى لو قلت لي مين اللي قتل أخويا. ومع ذلك ياريت تقول الموضوع بسرعة بقى لأنك شوقتني ومش بحب التفكير.
شرد في حديثها هل يقول الحقيقة ويخسرها أم يخفيها.
- سرحت في إيه؟ أكيد في الكذبة الجديدة. سبق وقلت لي إن المفروض أكون دكتورة مجانين. انت بقى كان المفروض تكون مؤلف مش وكيل نيابة.
- مش سرحان ولا حاجة. وبعدين إيه حكاية وكيل النيابة اللي بقت لبّانة في بؤك دي؟ سلامة النظر والسمع. أنا محامي يا جيمي. مش بتحبي الدلع ده.
--نرجع لموضوعنا. كنت غايب ليه بقالك أكتر من أسبوع وإيه الموضوع اللي عايزة تكلمني فيه؟ وبالله عليك لخص لأنها مش مرافعة يا ريس.
-كنت مسافر بجمع معلومات كافية عن غسان في فترة بعده عنك. أنا كنت مجمع النص بس كان لازم النص التاني عشان أفيدك بما فيه الكفاية.
-ماله غسان؟ أنا قلت لك الموضوع ده اتقفل ومش عايزة أعرف حاجة عنه. انت لسه بتشك إن بكلمه؟ وبعدين معلومات إيه تاني؟ إيه في غير الشقرا؟
-غسان أول ما سافر مر بأزمة مالية كبيرة اضطر يتجوزها فيها. وطبعًا البنت طلعت ابن راجل مافيا دولي. كان مهمة غسان إنه يصفي حد في مصر.
-اممم يعني هو جاي هنا مصر يصفي حد؟ وانت طبعًا خوفت عليا منه فمضطر تحميني منه ومن أشكاله. طب يا سيدي شكرًا على التوضيح.
-أنا يهمني سلامتك سواء منه أو من غيره. هو فعلًا جاي في مهمة بس دي مش أول مهمة. أول مهمة تمت وهو في ألمانيا كان عارف خبايا واحد هنا في مصر.
تذكرت جميلة السيارة التي كانت تنتظر غسان وهو عائدًا ليتأكد كلام أكمل.
-وأنا اللي عبيطة كنت هسأله إيه العربية الفخمة اللي أخدته على الأوتيل ده. مراحش على بيت أهله رغم إنه متعلق بمامته أوي وكان يعز عليه فراقها.
-دي عربية من عربياته. غسان عنده أسطول عربيات وبيت في فرنسا وألمانيا. ومش من الحلوة اللي معاه. لا ده من عرق اللي بيقتلهم أو بيبعت يقتلهم.
-عربيته وأسطول؟ ياه. ده أنا كنت هتنغنغ بقى. بس انت فقر سحبت مني كل ده. على كده بقى لو كان أخويا كان عايش دلوقتي كان وافق عليه.
-لا مكنش هيوافق لأنه استحالة يبيع أخته لواحد عارف أعماله الخاصة المشبوهة. متستغربيش كلامي. أخوكي كان غبي بعت غسان مكان هو عارفه كويس.
-ممكن تفهمني أكتر؟ كلامك ده معناه إيه؟ أنا توهت. تقصد تقول بعته يشتغل ويخلصله أموره هناك ولا إيه اللخبطة اللي انت وقعتني فيها دي.
-كنت حابب متعرفيش دلوقتي. انتي ممكن تنتظري شوية وأنا هعرفك كل حاجة واحدة واحدة. بس طول الوقت متتخبيش عني حاجة خصوصًا بينك وبينه.
ثم تقدم منها يترجاها قائلاً:
-ممكن أطلب منك طلب؟ أرجوكي وافقي على الطلب ده ومتخالفينيش فيه. ليه ديمًا بتخالفيني وبتعانديني؟ جربي مرة واحدة تسمعيني فيها.
رواية محكمة الحياة الفصل التاسع 9 - بقلم مروة البطراوي
ممكن أطلب منك طلب؟ أرجوكي وافقي على الطلب ده ومتخالفنيش فيه. ليه دايماً بتخالفيني وبتعانديني؟ جربي مرة واحدة تسمعيني فيها.
طبعاً اتفضل اطلب، بس متخبيش عليا حاجة أبداً. مش انت عايز مني الصراحة؟ يبقى في مقابلها صراحة منك، وأنا أوعدك مش هخيب ظنك.
أنا دايماً بزعلك من غير ما أقصد. أرجوك سامحيني. مش بقدر أشوفك غلط. ممكن تصدقيني في كل كلمة هقولها على غسان؟ وأن لا يمكن أكذب عشان أفوز بيكي؟
نظرت له بخوف قائلة:
أنت ليه حاسس إن اللي هتقوله على غسان هيتقلب ضدك؟ أكمل، أنا كبيرة وعاقلة ومش بفهم الأمور بسطحية زي ما أنت فاكر، يبقى ليه الخوف؟
مش عارف أنا خايف من إيه، بس أوعديني إن اللي هقوله مش هيتفهّم إني بوقع بينك وبينه. ممكن تقدر الخوف اللي أنا فيه؟ وإني مش عايز أخسرك؟
بصراحة، خوفك ده خوفني. هو إيه اللي هيحصل؟ غسان، أطلب منه يقتل حد نعرفه؟ أوعدك مش هقوله حاجة، واللي بينا مالهوش دعوة. يا أكمل.
ابتسم أكمل قائلاً:
مش عايزك تخافي أبداً، طول ما أنا جنبك. اللي جاي كله خير ليكي، واللي فات مات. منقدرش نرجع اللي فات، بس نقدر ننقذ الباقي ونفوز ببعض.
تمنت جميلة إن يكون ما سيقوله سار:
إن شاء الله يارب خير. احكي بقى يا أكمل، قلقتني. مكنتش أعرف إنك بتتكلم كتير أوي كده، بعد ما كنت مسمياك "أكمل ناقص اللسان". نها، احكي يا شهريار.
جذبها بهدوء وتحرك بها نحو باب المنزل حتى لا تسمعهم قدرية. نظرت إلى عيناه وهو يجذبها، وكأنها أسطول من الحكايات، ولكنها مظلمة.
ارتعش جسدها بتوتر، بالرغم من أنه وقف خلفها، لا يستطيع مواجهة عينيها وهو يسرد لها الأمر. التفتت تتأمل عيناه المظلمة الغامضة الغير واضحة. كان الموقف بالنسبة له أشبه بالمسمار الذي سيدقه في نعشه. عندها، كان حديثه متقطعاً، يبتلع الأشواك وهو يسرد الأمر. ومن بعد معاناة، أوضح لها ضخامة الأمر.
لتشعر أنها دخلت متاهات من الظلام، وتلفها الأسوار من كل اتجاه، وتضيق عليها جميع الأماكن. حتى أنها تركته بدون حديث.
رحل إلى منزله، وانقضى اليوم بكل متاعبه ليولد يوم جديد. ذهب إلى عمله في المحكمة ليتقابل مع المستشار هشام.
بدأ الحديث في حضرة والده وكمال شقيقه:
أحم، كان في حاجة حابب أقولهالك يا سيادة المستشار. أنا مكنش ليا نية إني أعملها، بس أعمل إيه في والدي. رغم إني حذرته وقلت له مش هسامحك.
خير يا متر أكمل، أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه. هو في حاجة يا كامل أنا معرفهاش وحصلت؟ جاري تلقي الصدمات منكم. بلاش تمهيد.
أنا قلت لأكمل لازم تصارح جميلة بحقيقة اللي عمله غسان. مش معقول تكون مفكرة إن ابني بيمنعها عنه عشان نفسه. غلط، أنا في كده يا هشام.
هز هشام رأسه متفهماً أمام أكمل. تذكروا معي أنه كان اتفاقاً بينه وبين كامل، ولكن لابد من إخفاء الحقيقة عن أكمل حتى يتحرك ويصارحها بحبه.
تصدق بالله يا أكمل، هتصدق إن شاء الله إن كامل لأول مرة يتصرف صح. رغم اعتراضي إنه مشربك الغباء عنه، بس الشهادة لله المرة دي طلع صح.
أنا اضطريت لكده، رغم رفضي إني أصارحها كده. جميلة هتتأكد إن جوازتي منها جوازة حماية مش أكتر. مش هتحس إن اللي كنت بعمله مع غسان عيرة.
إحنا عايزين ده يا أكمل، يا أخويا. حسسها أنت إنك فعلاً بتغير عليها. صارحها بحبك وبطل بقى جوه إنها عمرها ما هتصدقك. ولو ده حصل، حقها.
بص يا كمال، لو كنت قلت لها برضه من الأول إني معجب بيها، مكنتش هتصدقني. وبعدين أنا مش عايزها تعيش في جو إن أي واحد ممكن يضحك عليها بكلمة.
هز هشام رأسه متفهماً:
عندك حق يا أكمل، وأنا مقدر قد إيه تعبت. لو ليا غلاوة عندك، ولو بتحبها فعلاً زي ما أنت بتقول، استحمل وبلاش تهملها الفترة دي بالذات.
أنا آسف يا عمي لو كنت اتسببت ليها امبارح في زعل. بس والله ما كنت عايز. أنا إيه اللي خلاني أسمع كلام والدي؟ أنت صح، أنا طول عمري ماشي بتوجيهاته.
بالعكس يا ابني، أنا ممنون ليك ولكامل. المرة دي معلش، اصبر جميلة. بكرة هتفهم أنت قد إيه ضحيت عشانها، وإن الموضوع مش موضوع حماية.
لا يا عمي، عمرها ما هتفهم إن الموضوع أكبر من حماية. تقدر تقولي هي مردتش عليا ليه وسابتني ودخلت البيت؟ أكيد رفضت تصدقني.
انتفض كامل بغضب:
يعني إيه؟ كنت عايز تسيبها على عماها؟ ما ممكن كان ضحك عليها. أنت مكنتش معاها على الخط طول الوقت. أنت مش معاها في البيت ولا راصد مراسلتها ليه؟
كفاية بقى يا بابا، أنت على طول متحامل على أكمل كده. كنت سيبه يحل الأمر بنفسه، هو مش صغير. هو هيبقي عنده بيت قريب وأكتر واحد هيقدر يحميها.
خلاص يا كمال، حصل خير. وبرضه يا أكمل، أنا بكرر كلامي، اللي أنت عملته صح. أنت بس محتاج جرعة تفاهم شوية، وأهو عندك كمال.
ماشي يا عمي، أنا تحت أمر أكمل يطلب، بس خبرة وأنا وربنا ما هتأخر. بس هو بيستهيفني زي جميلة. لو مكنتش مرتبط بكاميليا، كنا هنبقى ميكس.
عالتاهت في الدروب رغماً عنها، دائماً يسيطر ويستحوذ على انتباهها بأفعاله. حان الوقت لتلقيبه بالوحش القاتم العينين. لا تستطيع التقاط شيئاً حسناً من صفاته. دائماً يبعث لها الكآبة والخوف. تشعر أنه محامي يسجن موكليه ولا يدافع عنهم.
"يالها من زيجة معقدة، بدايتها تنم عن شرها."
عقلها دائماً يحدثها أن تعترض وتهرب، ولا قلبها يهاجمها أن تميل نحوه.
ذهبت إلى والدها إلى المحكمة كي تتحدث معه بعيداً عن والدتها. وما إن اقتربت حتى انكمشت على نفسها كردة فعل عندما رأت يخرج أمامها بصحبة والده ووالدها. تبصق على هذا الالتصاق الذي يلتصقه بوالدها دوماً. ومع كل ذلك، تشعر بالدفء في محياه، ولكنّه دائماً يحاصرها بدون لطف منه، يجعل العالم من حولها مرتبكاً تماماً، وشعور بالقسوة من اقترابها.
أثناء خروجهم من المحكمة، قابلتهم جميلة وهي تتقدم منهم. فابتسم لها هشام قائلاً:
أهلاً بجميلة الجميلات، اللي نورت المحكمة. على فين كده؟ وكنتي فين يا قمرى؟ أكيد جاية تعزميني على غدا بعيد عن الست والدتك. أحبك أنا.
خجلت جميلة من مغازلة والدها، وتمنت أن يكون أكمل مثله. نظرت إليه ودقات قلبها تعلو، قائلة:
طب إيه رأيك بقى إن ماما اللي بعتاني عشان سيادتك مفطرتش ولا أخدت الدوا اللي أخد عقلك يا سيادة المستشار؟ خد بالك قدرية قادرة، هتلبسك مصيبة.
ماشي يا ست جميلة، هدديني أنتِ بيه وخوفيني منها أكتر ما أنا خايف. وعموماً، هصدقك زي ما الكل بيصدقك وبيصدق برائتك يا حبي.
إنما إيه الجمال ده يا جميلة؟ بصراحة، بيتنا هينور لما تتجوزي أكمل. له حق يستعجل ويقعد النهارده ويصمم يحدد ميعاد للفرح بسرعة.
دبسنا إحنا يا كامل في ابنك. أنت واحد عايز تخلص من ابنك ورخامته. مالك بيا وبنتي بقى؟ وبعدين أنا قلت آخر السنة في الفاكنس عشان أسافر معاهم.
عندك حق يا هشام، وأنا كمان شابط في أم السفرية دي معاهم. بس يا بختك معاك قدرية، أنا بقي هاخد مين؟ ممكن آخد كاميليا عشان تبقي تحت عيني.
نظر هشام المرشدي إلى جميلة ووجه لها حديثه قائلاً:
حضرتك عايز تقطع عليكم. شفتي قلت لك، كامل وأولاده. لا منه ولا كفاية شرهم. أنتِ اللي قلتي موافقة يا بابا. ماشي، هتمم الجوازة بقي قبل الفاكنس.
ابتسمت ابتسامة سمجة وتقدمت نحو سيارة والدها تريد الرحيل. ليستأذنهم هشام ويرحل معها. حاول طيلة الطريق جذب أطراف الحديث معها، ولكن دون جدوى. كانت تطلق عليه نظرات نارية، وكأنها تتهمه أنه سر تعاستها. هي ليست كذلك، ولكنها كانت تتخيل أكمل أمامها. ولكن تلك النظرات ذكرته بنظرات ابنه الراحل وكلماته المسمومة.
"هاقتلك!"
نيران القسوة التهمت عينيه، وكأن الشيطان يصفق له مع كل حرف من هذه الكلمة. وكأن اللحظة الأفضل لأولاده هي موته. ها هو ابنه يريد قتله، وابنته تقتله بسهام عينيها.
"هاقتلك!"
كلمة لا تُنسى ومحفورة في ذاكرته للأبد.
وصلوا منزلهم، قابلتها والدتها في حديقة المنزل:
وديتي أبوكي يتغدى بره يا جميلة، ولا طنشتي كالعادة؟ أنا مطبختش حاجة. شكلك بيقول طنشتي. أنتِ مالك اليومين دول؟ انتي ناسيه إن أبوكي مريض؟
ابتلعت جميلة ريقها بمرارة، وهزت رأسها وهي تحاول تبرير موقفها قائلة:
آه يا ماما، أنا روحت ليه المحكمة على هذا الأساس، بس هو اللي مرضاش ووصلني وراح يجيب أكل. حتى قلت له نطلب ديليفري، مرضاش.
حملت قدرية صينية القهوة من على الطاولة وأخذت ترتبها لحين ما يأتي هشام ويتناولوا الطعام سوياً. ولكن وجدت ابنتها تود الرحيل.
طيب استني، حتى ظبطي معايا المكان ونجيب أطباق عشان لما يجي ناكل على طول. الجو هنا حلو، مفيش داعي ندخل جوه، خنقة، وأنا م صدقت إن فيه هوا.
أصرت على طريقها، لا تريد لوالدتها أن ترى حالتها المزريّة عندما تتطلع في عينيها.
معلش يا ماما، سيبي نايبتي. أنا ورايا بحث مهم، ناوي أقدم على الماستر بقى، كفاية تأجيل. ومعلش يا ماما، بلاش حد يزعجني، أنا هقفل فوني.
أنا هظبط الطربيزة لحد ما يجي أبوكي ويشوفله صرفة معاكي. أنتِ مش متظبطة من امبارح، وأكيد الباف أكمل اللي معكنن عليكي.
وقتها تذكرت جميلة عينيه القاتمة مثل قلبه. وردت على والدتها قائلة:
متضحكيش على نفسك يا ماما، هو منكدش عليا. أنتِ بس بتتلكك ليه؟ مش حباه، كارهه. من إمتى أنتِ بقيتي منطلقة ويهمك صحة بابا وبتخرجي من أوضتك؟ أظن من حقي أعزل نفسي زيك. عن إذنك.
دلفت غرفتها وهاتفت جدائل. "تعالي نحيبها" لتحاول جدائل تهدئتها. لترد جميلة قائلة:
غصب عني، مقدرتش أصدقه. عيونه كلها بتقول إنه بيكذب، بس ليه يكذب؟ هيستفاد إيه لما يبعدني عن غسان؟ أنا أصلاً مش عايزة غسان. مش مستوعبة.
ردت عليها جدائل قائلة:
هتفضلي تعيطي كده كتير؟ خدي موقف يا جميلة. مش مصدقة أكمل خلاص؟ ارفضي ترتبطي بيه، هو مش هيجبرك على كده. أخويا وأنا عارفاهم.
مسحت جميلة دموعها وهبطت برأسها على الوسادة قائلة:
لا مش هعيط، ومش هاخد موقف يا جدائل. أنا هسيبه، مسيرة يزهق من اللعبة اللي هو بيلعبها عليا. عارفة يا جدائل، أنا شكيت إنه بيحبني.
تعالى صوت جدائل بسخرية قائلة:
ههههه، يزهق من اللعبة؟ أنتِ مين قالك إنك لعبة؟ أبيه أكمل عمره ما بيلعب بحد. ده من وقت قريب كان خلاص هيتجوز كاميليا لغاية واتفاجئنا.
بكت جميلة قائلة:
وأنا هقدر أعيش معاه وهو كان هيتجوزها؟ غصب عني، مش قادرة أنسى ده. أنا حاسة إني بدوس على قلبي وبتعذب، وهو ولا على باله.
حقاً، هو رجلاً حار يثير كل غضبها. منحها الانفعال بعد أن كانت باردة. لا تقلق ولا تفكر في أي شيء. كل مشاهدة معها توحي ببداية ذوبانها في عشقه. حاولت مراراً وتكراراً أن تبتعد عنه، إلا أن حصاره لها كان مستحيلاً فكاكه. تذكرت لمساته لخصلات شعرها الهاربة، والتي كانت توضيح منه أن تداريها عن العيون. تلوت يومها باعتراض. وحينها دسها في حجابها بثبات وقسوة. وثبت عينيه عليها، حينها كانت نظراته كاسحة، أرهقتها عشقاً، وكأنه ذئب مفترس ولديه مزاجية في التعامل معها، وهي مقيدة أمامه مثل المتهم في المحكمة.
انتهت محادثتها لجدائل. حينها سمعت صوت والدها قد جاء. فخرجت له لتجده يبتسم ابتسامة جميلة قائلاً:
ليه يا جيمي يا جميلة تزعليني منك؟ مش أنا قلت لك جهزي نفسك والطربيزة أنتِ وماما على ما أجيب أكل من بره؟ ده أنا جايب بيتزا.
هي ماما بسرعة كده بلغت حضرتك؟ طب معلش يا بابا، أنا أكلت في المستشفى. وبصراحة، مهملة في شغلي وأبحاثي بقالي فترة، عايزة أنجز.
أنتِ مش جيتي المحكمة وقلت إنك جعانة وجاية تاخدينا عشان ناكل كلنا سوا؟ ده أنا ما صدقت إن قدريه ترضي عليا وقلت أكافئها وأجيب الأكل البيت.
والله يا بابا، كنت بقولك كده عشان ترضي ترجعي معايا، بس أنا أكلت في الشغل. أنت عارف إني مش بسيب نفسي ومخلصة فلوسي على السناكس.
رد عليها هشام المرشدي بكل حزم قائلاً:
من النهارده، معدش فيه سناكس، لأن كل ده بيجيب أنيميا. هتاكلي أكل صحي ومفيد. أنتِ داخلة على جواز، وبعدين جوزك مالهوش في الهلس ده.
ماشي يا بابا، هبدأ أكيف نفسي على الوضع الجديد. بس فوتها النهارده، أنا بجد ناوي أخلص جزء كبير من الماستر قبل الجواز عشان ميبقاش له حجة يرفض.
جميلة، أنا ما صدقت إن أمك هتاكل معانا على طربيزة واحدة. متجيش أنتِ تعكّري اليوم. اطلعي معايا، ربنا يهديكي، وصدقيني كل شيء هيتحل.
نظرت جميلة لوالدها وسألته بتجوس قائلة:
حضرتك تقصد إيه بـ "كل شيء هيتحل"؟ أكمل حكى ليك إنه حكالي عن غسان، صح؟ طب ليه يا بابا مش المفروض كنت تقولي أنت؟ هو أنا كنت هكذبك؟
جميلة، أنتِ مش غبية. وعارفة إن لا يمكن كنت هقولك حاجة زي دي، خصوصاً وإنتي مخطوبة. كان لازم هو اللي يقولك ويصدمك بالواقع.
حاولت كبت دموعها، ولكن لا مفر. أخذت تومأ برأسها:
فهمت. أنت دورت على أكتر واحد أخد منه الصدمة واتخرس للأبد. أنت طول عمرك حتت، عمرك ما كنت هتقدر تصدمني بالشكل ده خالص.
رواية محكمة الحياة الفصل العاشر 10 - بقلم مروة البطراوي
جميله انتي مش غبيه وعارفه ان لا يمكن كنت هقولك حاجه زي دي خصوصا وانتي مخطوبه كان لازم هو اللي يقولك ويصدمك بالواقع.
حاولت كبت دموعها ولكن لا مفر، أخذت توما براسها.
"فهمت، انت دورت على اكتر واحد اخد منه الصدمة واتخرس للابد. انت طول عمرك حزين، عمرك ما كنت هتقدر تصدمني بالشكل ده خالص."
اقترب منها هشام ومسح دموعها ومن ثم احتضنها يربت على ظهرها وهو يقول:
"ممكن بلاش تعيطي يا جميلتي واسمعيني كويس، أنا مش هعيش ليكي العمر كله، أكمل هو اللي هيكمل معاكي ويكملك. عارف انه مش زيك بس متفائل جدا فيه."
هزت جميلة رأسها وهي في أحضانه تذعن لطلبه قائلة:
"حاضر مش هعيط ولا هنهزم عشانك انت، أوعدك هعيش الحياة بواقعية، هجمد قلبي وهحكم عقلي ومش هصدق حد حتى نفسي العبيطة."
لم تحادثه ولم ترد على اتصالاته وتجنبت اللقاء به في أي مكان لمدة أسبوع، حتى ضاق صدره بما تفعله به، جعلته يتصرف مثل الأطفال. ذهب إلى المستشفى التي تعمل بها، وأخذت تختبئ من غرفة لغرفة حتى يمل ويرحل. ولكن أثناء انتقالها من غرفة لغرفة وجدها في الممر فناداها، لم ترد ومشيت سريعًا. هتف التالي رج أرض المستشفى لدرجة أن هناك طفل صغير كانت تلعب معه لعبة الاختفاء سقط في الأرض من صوته. اندهشت من صوته، هل يظن حقًا أنه في المحكمة ليرفع صوته بهذا الشكل؟ شعرت أن تلك اللحظة ستنلع النيران ليصبح ذئبًا مفترسًا غير قابل للهدوء.
ثبتت ملامحها أمام عينيه بهدوء تام، والكارثة أنها كانت تشبه ملامح الطفل الذي تلعب معه، سوى من الفارق الأهم وهو عمرها وعمره. شعرت جميلة أنها تجاهلته لسنوات لكي يأتي اليوم ويثور عليها. أخذ الطفل يخرج له لسانه، ولكن كان أكمل لاهثًا خلف كيفية ترويضها. شعرت لمرة أخرى بإعجابها فيه لدرجة أنها لا تعرف كيف أعجبها غسان من ذي قبل.
أثناء شروده اقترب الطفل الصغير منه والتف من خلفه وقام بعضه في مؤخرة ساقه وركض من بعدها.
"يا الله! ايه اللي عمله فيا ده؟ مستحيل يكون طفل، فين أهله؟ ازاي يسيبوه في مستشفى طويلة عريضة؟ لو مكنش صغير كنت رفعت عليه قضية."
لم تقوى على مواجهة نظراته وتساءلت لماذا جاء؟ أما يكفيه ما قاله آخر مرة؟ اقترب منها وتحدث بحنو أدهشها.
"إزيك يا جميلة؟ عاملة إيه؟ وحشاني جدا، مش عارف الأسبوع ده مر كأنه شهر وأكثر كمان. إيه ما وحشتكيش؟ ولا اتعلمتي البرود على إيدي؟"
بالفعل تعلمت الجمود منه، ردت بكل جمود قائلة:
"الحمد لله بخير. متعودش إن حد يوُحشني حتى لو كان مين، إنما انت إيه اللي حلّى لسانك كده فجأة؟ إيه تعليمات جديدة من السيد الوالد ولا حابب تضحك عليا؟"
أكمل وهو يضع يده على كتفيها:
"ممكن نخرج بره المستشفى عشان أعلى صوتي براحتي بدل ما حد من الزملاء يطردني؟ يرضيكي جوزك المستقبلي يتطرد؟ أنا ممكن أخليكي تسيبي الشغل بعدها."
ابتسمت جميلة بسخرية وقالت:
"هو لسه كلام تاني هتقوله بعد ما قلت اللي نفسك فيه على غسان؟ بصراحة أسلوب رخيص أوي منك عشان تكرّهني فيه، بس على فكرة أنا مكنتش ناوية أرجعله."
"لا يا جميلة، أنا قلت لك الحقيقة، لا أفتعل ولا قلت حاجة محصلتش، انتي بس اللي مش حابة تصدقيني ليه مش عارف، رغم أنك بتخوّني مكنتيش رجعاله."
"متخافش يا أكمل، أنا كنت حاسة إنه بيخوني، بس المفروض إنك تكون بعيد، مش انت اللي تقولي حقيقة زي ده؟ من امتى انت بتمشي تحت أمر حد؟"
رد عليها أكمل بعصبية قائلاً:
"بلاش الأسلوب ده معايا يا جميلة ومتختبريش صبري عليكي، انتي عايزة تفركشي وخلاص وبتتلككي لأي سبب؟ من امتى وانتِ صاحبة قرار؟"
ردت عليه جميلة بحدة قائلاً:
"أنا طول عمري صاحبة قرار، وإلا ما كنتش وافقت عليك، وبابا رافضك أصلاً، وبعدين أنا أقول اللي أنا عايزاه وانت مجبر تسمعني، سكوتي هيدمرك."
رد عليها بثقة من موافقتها على طلبه:
"محتاج أتكلم معاكي، ممكن نخرج نقعد في أي مكان انتي تختاريه، وبصراحة مش مستغني عن نفسي، مش عايز أدمر بسبب سكوتك، نقعد ونفضفض سوا."
"مقدرش أسيب مهامي الوظيفية وأخرج أتسرمح مع حد، حتى لو كان الحد ده زوجي المستقبلي يا متر، أصل أنا مش مهملة، بالعكس أنا بحب شغلي."
"انتي عارفة إني عمري ما كنت أفكر أأذيكي في مشاعرك، أنا صارحتك بحقيقته عشان تاخدي حذرك منه، خصوصًا إنك المستهدفة حاليًا."
"أنا لا يمكن كنت هكمل معاه أساسًا، خصوصًا إنه كان طالب مني أسافر معاه، لأني متعودش أبعد عن ماما وبابا، و برضو انت مالكش الحق تواجهني بحقيقته."
"ماشي يا جميلة، مش حجتك دلوقتي شغلك، أنا برضه بحترمك وبحترم أمانتك. أنا مستنيكي في العربية لغاية ما تخلصي، إن شاء الله لو الفجر."
نظرت إليه بتفكير في كيفية الخلاص منه.
"مقدرش أخرج معاك وأنا مخنوقة منك، انت ازاي بتقدر تفصل ما بين مشاعرك بالشكل ده؟ يا أخي انت معندكش إحساس للدرجة دي؟ انت غريب."
ترجاها أكمل قائلاً:
"عشان خاطري كفاية بقى، انتي من ساعة ما اتخطبنا وإنتي بتعددي في مساوئ، لو قلت لك إني كاره نفسي ومحتاجك تخليني أحبها بجد هتصدقيني؟"
ارتبكت جميلة وردت قائلة:
"ماشي خلاص، متبقاش تضايقني تاني، انت مش عارف الحاجة اللي بتضايقني تبطلها تمامًا، وأولهم السيجار يا متر، بابا عمره ما دخن ولو عملها مش قدامنا."
"للدرجة دي يا جميلة مش قادرة تنسي اللي حصل في أول زيارة ليكي في مكتبي؟ بس حقيقي أنا مبسوط إنك طلبتي مني طلب زي ده، شكراً."
"طلب إيه؟ انت المفروض تبطلها، مش محتاجة كلام، دي مضرة بالصحة، بس هقولك إيه؟ ما تلاقييك بتحرق فيها ليل نهار عشان كده لسانك مدب."
"شكلك كده هيكون ضميري اللي مش هيرحمني أبداً، شفتي أنا بسمع لك إزاي؟ نفسي في مرة تسمعيني للآخر مش تقطعي الفيلم في النص."
هزت جميلة رأسها بنفي.
"يا متر أنا عمري ما قطعت أفلامك، بس هي اللي مملة أوي ومش بتقول فيها الحقيقة، تعرف انت فعلاً كان المفروض تبقى وكيل نيابة، تعرف تلف وتدور كويس."
ابتسم أكمل ابتسامة أسرتها.
"لسانك بينقط شهد يا جيمي، يعني مش أنا اللي مدب لوحدي، بس إيه حكاية كل شوية يا متر يا وكيل النيابة؟ ما تقولي أكمل، والله سهل أوي. فكري وانتي بتشتغلي، وبرضه هستناكي إن شاء الله أنام في العربية."
أنهت عملها سريعًا وخرجت له بتوتر، ليبتسم على توترها قائلاً بهدوء:
"مش كنتي تعرفيني إن الشغل بتاعكم سهل كده؟ هو ده الشغل الطويل اللي مش هيخلص إلا بكرة؟ ولا كنتي راهنة نفسك إنك هتخرجي مش هتلاقيني؟"
"ياريت حضرتك تقول اللي انت عايز تقوله، لأن مينفعش أقطع شغلي وأرجع ليه تاني، أنا أساسًا مخلصتش، بس برضو مينفعش أسيبك ملطوع."
"كده انتي بتضيقها عليا ومش مخلياني أتكلم معاكي براحتي، وبعدين إيه حضرتك دي؟ في واحد يتعامل جوزها المستقبلي برسمية؟ فكيها يا جيمي."
"علاقة حضرتك بيا من يوم ما نوينا نتخطب أجبرتني أعاملك برسمية، يا متر هو إحنا ما بينا حب وأنا مش واخدة بالي؟ ده ياريت جواز صالونات."
"وليه صالونات؟ أنا أعرفك من أيام ما كنتي بضفاير، من ساعة ما كنت بتتدحرجي عندي انتي وجدايل، ويا ما جيت لكم وأكلنا سوا، بس مكنش في كلام."
تذكرت جميلة سبب مجيئه إلى منزلهم وانقطاعه المفاجئ بسبب انحراف شقيقها، حزنت وابتسمت بسخرية قائلة:
"ياريتك كنت كملت فراق بعد آخر مشكلة بينك وبين أخويا الله يرحمه، بس لقيتك زي ما قالت ماما ظهرت في حياتنا وبشكل كبير بعد وفاته."
"وده مزعلك في إيه؟ أنا حاسس إنك بتكرهيني زي والدتك وشايفة إن أخوكي مظلوم، عموما أنا ظهرت كرد جميل للمستشار اللي بعتبره مثلي الأعلى."
ردت جميلة عليه بنبرة انكسار قائلة:
"لا أبداً مش زعلانة، انت محاولتش ولا مرة معاه بحكم إنه صاحبك، أكيد نصيحتك كانت هتفرق، ولا ملكش تأثير غير على الغلابة اللي زيي."
احتل الحزن أعماقه وهي تسأله هذا السؤال.
"حقك تتكلمي وتسألي سؤال زي ده، أنا ليا تأثير عليكي لأني عارف إنك محتاجاني، إنما هو رفض يسمع حتى كلمة واحدة، إنما انتي أنا متوسم فيكي الخير."
ابتلعت جميلة ريقها بمرارة قائلة:
"ميعاد الفسحة خلص، قصدي الاستراحة والوقت المستقطع بتاعي، إن شاء الله نتكلم في وقت تاني، انت كمان أكيد عندك شغل كبير مش عايز أعطلك."
"ممكن انتظرك حتى لو تخلصي بكرة، بس بلاش أروح وإنتي لسه شايلة مني يا جميلة، العمر قدامنا طويل ولازم نصفي من أول موقف."
وَلَّتْ جميلة ظهرها وأردفت بجمود قائلة:
"أنا خلاص نسيت الموضوع، متتعبش نفسك حضرتك، ولو أنا مش هكون جديرة بيك ابعد وأنا هحمي نفسي، ولو معرفتش يبقى قدري ومحدش بيهرب من قدره."