تحميل رواية محكمة الحياة بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ابتسامتها تهوس عيون الجميع عدا عيناه. تحاول أن تسوقهما إلى الجنون، ولكن هو يريد الهدوء. حتى في جراحه يريد أن يخيطها بعيدًا عن الجميع. هي بالنسبة له قضية، وهو حالة وتجربة. ولكن تشعر أن ليس لها طعم. يسميها البعض الفتاة البلهاء. حتى هو أيضًا، لما نال منها من الخيبة والعجز. هوسها هدم كل شيء. صنع منه رجلًا مختلًا بعد أن كان عاقلًا. كانت تمشي مثل الأطفال في مستشفى الأطفال التي تعمل بها، تتحدث مع زميلها. - الشهر الجاي كل جدولنا زحمة، بس ممكن نلاقي مكان نلعب فيه مع كم طفل ده. ابتسم في بداية حديثها لاهتم...
رواية محكمة الحياة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروة البطراوي
صباح يوم جديد في منزل جميلة.
والعجب ثم العجب مما تفعله قدرية هذه الأيام.
دَلَفَتْ غُرفة هشام، فهي تنام في غرفة بعيدة عنه.
"صباح الخيرات."
سَعَتْ حدقة عينيه بجمود دون أن يبدي رد فعل، وهي تدلف عليه الغرفة بكل هدوء وبساطة. تبتسم له، كان لم يكن شيء حدث في السابق. تبتسم بكل ثقة، وكأنها جميلة وليست بقدرية.
نفض رأسه وكأنه في حلم. "مني هذه؟ هل هي قدرية النكدة؟"
ألقت عليه كلمة الصباح فقط ببساطة، وتحركت بديناميكية وكأنها مميكنة مثل الآلات. فتحت الستائر التي لم تفتح منذ مدة، ووضعت صينية الفطور التي لم تعده منذ فترة. وناولته الدواء، حتى أنه استغرب لأنها لا تعلم ما هو دوائه وما هو موعده. حتى الماء ناولته إليه دون النطق ببنت شفة.
***
على الجانب الآخر، عند أكمل في مكتبه.
جاءه ضيف، أو كما قال للمحامية الصغيرة، إن لديه قضية. ليدلف القاتل غسان. ينظر إلى أكمل نظرات يود أن يفتك به ويقتله هو الآخر، وكأنه يوجه لأكمل رسالة أنه لن يتركها لها مهما حدث.
أشار له أكمل بالجلوس.
"اتفضل يا دكتور غسان، اقعد. رغم إني مش بستقبل حد من غير ميعاد. خير، إيه نوع قضيتك؟ مخدرات ولا سلاح ولا قتل ولا تعويض ولا مافيا؟"
أومأ غسان برأسه له قائلاً:
"شكراً يا متر أكمل، بس أنا مش جاي في أي قضية من دول. إيه هو لازم آجي هنا بقضية؟ أنا لما أحب أوكل، أوكل واحد تقيل شوية. وبعدين أنا مش بتاع مشاكل."
"تحب تشرب إيه؟ ولا عايز مشروب تقيل شوية زي ما هتوكل محامي تقيل شوية؟ بس عارف إنت صح، أصل القضايا الكبيرة عايزة محامي من العيار التقيل."
"أنا جاي في موضوع أكبر من القضايا دي كلها. جاي أقولك إنك مجرد ضيف في حياة جميلة وملوش لزوم تطول معاه أكتر من كده، وبلاش تشويه صورتي قدامها."
"أنا سمعتك، اتفضل من غير مطرود. ومش أنا اللي هشوه صورة واحد زيك قدام جميلة عشان تسيبك. أنا واثق في حبيبتي جداً إنها جت جاية تقولك فركش."
"يوم ما جميلة جت تستقبلني، ظهورك خوفها. إنت عامل زي أخوها، بس أيامه أنا كنت ضعيف، دلوقتي أقدر أصفيك إنت وأي حد هيقف ما بينا."
"ممكن أعرف عملت كده ليه؟ وصفيت أخوها؟ وتفتكر حاجة زي دي لو هي عرفتها هتقبلك مهما كان أخوها قاسي عليها؟ إنت شايف إنك كده صح؟"
"محدش عرف يقدر ظروفي ولا يقدر حبي ليها. حتى هي كانت سلبية. حاولت كتير أهرب بيها، كانت كل مرة ترفض. أنا عارف إنك عرفت، بس ولا يهمني."
"قلت لك اتفضل من غير مطرود. أنا سمعتك، وهي عرفت كل حاجة. وبعدين أنا مش أخوها. أنا أقدر عليك وعلى اللي وراك. حطي دي في بالك."
رفع غسان كتفيه بحيرة وأنزلهما ثانياً:
"هيجيلك يوم تيجي تتاسف ليا على اللي انت بتقوله دلوقتي، وأنا ساعتها ليا الحق أقبله ولا لأ. بس ساعتها متلومش إلا نفسك. أنا جميلة حقي."
تعالت ضحكات أكمل بشر قائلاً:
"إنت جاي تهددني؟ يا أسيب جميلة ليك، يا أما هكون زي أخوها؟ كده اسمه تهريج يا غسان. إنت متعرفش إنت بتلعب مع مين، وأنا محدش يهددني."
"ليه محدش يقدر يهددك؟ إنت في الأول والآخر حتة محامي فاشل بتدعي النزاهة، وما خفي كان أعظم. أكيد ليك نقط ضعف، بس مش جميلة."
نظر له أكمل بحيرة وأردف قائلاً:
"بعد كل الحرب اللي بحارب فيها عشانها، تعتقد إنها مش نقطة ضعفي؟ يمكن تكون صح، بس عارف الذكي اللي يوظف نقطة الضعف نقطة قوة."
"أنا كنت متفق معاها بعد موت أخوها إنها هتبدأ حياتها معايا. وعلى فكرة هي بنفسها حكت ليا على موضوع خطوبتكم التطفلي، بس أنا مثلت قدامك إني مش عارف."
"على فكرة جميلة عمرها ما حبتك. ولو لسه بتحبك، كانت عملت المستحيل عشان تكون ليك بعد ما رجعت، والعقبة اللي كانت بينكم انتهت."
"إنت مفكر إنها ممكن تحبك بالعشرة؟ جميلة مبتقدرش تعيش من غير حب، وكانت دايماً تقول مش هتجوز غير اللي بحبه، وأنا الوحيد اللي هي بتحبه."
تعالى غضب أكمل ورد عليه قائلاً:
"وإنت هتتجوز واحدة إنت قاتل أخوها؟ إزاي؟ خاف على نفسك. المنظمة لو شمت خبر هتصفيك إنت شخصياً. والست الشقرا لو عرفت باللامور بتاعك، متضمنش حياتك."
"جميلة عندي بالدنيا. أضحي بروحي في سبيل ساعة واحدة أقعدها معاها. ولعلمك هي رجعالي، سواء دلوقتي أو بعدين. وبعدين صديقتي عمرها ما هتصدقك."
ضرب أكمل على سطح المكتب بقبضته وأردف بغضب قائلاً:
"لو سمحت لنفسك تقرب من جميلة، أنا ساعتها هتحالف مع المنظمة وهصفيك. وشوف بقى المحامي الفاشل هيعمل إيه في واحد زيك. أكيد في يوم هيبقوا يحبوا يخلصوا منك."
استفزه غسان أكثر قائلاً:
"خد بالك. إنت كمان مستهدف زيها. بس ملكش دية. لو حابب تحميها زي ما بتقول، اتنازل عنها زيي، وأنا أضمنلك برقبتي إني هبعدها عن محيطهم."
انتفض أكمل من مكانه بغضب قائلاً:
"ساعتها أكون مت فعلاً. مش هيحصل يا غسان. إن أسيب جميلة لواحد حقير زيك. هي خلاص عرفت قذارتك، واستحالة تحط إيدها في إيد واحد زيك."
ابتسم غسان بثقة قائلاً:
"الأيام بينا يا متر. كمل إنت في حمايتها، وأنا هكمل في استهدافك. ونشوف بقى مين فينا اللي كسب. ده أنا حاسس إن المستشار هشام ممكن يتحالف معايا."
اتجه أكمل إلى باب المكتب يفتحه ليقوم بطرد غسان، متحكماً في غضبه حتى لا يتهور ويقتله.
"لو قربت منها، انتظر مني رد فعل غير متوقع. وزي ما إنت قلت، الأيام بينا. وأنا عمر أيامي طويل، مش زي غيري. أنا أكمل الزيات، ومكمل للآخر."
***
انتهى اللقاء الحار بينهم. بينما هاتفته جدائل ليستقلها إلى المنزل بعد العمل. تفاجأ بمن تدلف السيارة بجواره، وهي جميلة تجلس بكل هدوء، بينما جدائل استقلت السيارة من الخلف. وإذا في منتصف الطريق عربية دفع رباعي تعترضهم، لتصرخ جميلة وتلعن حظها.
أشار لها أن تصمت حتى يتبين هوية المواجه. وإذا به غسان، يريد أن يروعهم حتى تتركه وترحل معهم. في هذه اللحظة، جهز أكمل سلاحه لإطلاق الزناد على غسان بدون رحمة وبدون خوف من أي شيء.
وقف أمامه غسان بثبات دون اهتزاز، لدرجة أدهشت جميلة. ليس هو غسان الذي تعرفه بالأمس، كان يرتعش لحضور شقيقها. والآن هو متغير بالكامل. فقط احتل الغضب مقلتيه وملامحه. مال برأسه ببطء تام نحو أكمل، حتى الشيطان نفسه لا يعرف ما ينوي فعله أبداً، وكان لديه حبكة شيطانية تتفوق على الشيطان نفسه.
شحب وجه جميلة وخرجت من السيارة تقف بجواره. أكمل ويدها الثلجية تحتضن يده، ليتفاجأ من رد فعلها الذي جعل غسان يبصق على الأرض بسببها. بينما جدائل خلفها تماماً ترفع رأسها نحو السلاح الموجه إلى غسان. بينما حاجبيه ارتفعا في بديهية، وكأنه وجد مبتغاه فيها. وسط ذهول وغضب أكمل.
تركهم ورحل. ليعود كل فرد منهم في مكانه في السيارة دون النطق ببنت شفة طيلة الطريق. ذهبوا إلى منزل جميلة لتدلف مسرعة ومعها جدائل إلى غرفتهم، بينما دلف أكمل ليجلس مع هشام.
"إزييك يا عمي؟ أسف إني جيت من غير ميعاد، بس كنت رايح أروح جدائل، قلت أروح جميلة بالمرة. أخبار صحتك عامل إيه؟ شكلك متوتر، في حاجة؟"
"أهلاً يا أكمل. إيه الأخبار بينك وبين جميلة؟ أنا حاسس إن بقى عندها مزاج متقلب زي أمها. تصور إنها صحتني الصبح بنفسها وفطرتني."
"جميلة عملت زيها النهارده وأكتر شوية. جت بنفسها وركبت جنبي في العربية. لأ، وكمان غسان اعترض طريقنا. نزلت ووقفت جنبي وحطيت إيدها في إيدي."
"على كده بقى البت استوت زي ما كنت حاسس. أيوه كده، تسلم يا أكمل يا ابني إنك سبتها لغاية ما هدت وجت لك بنفسها. برافو عليك. بس إيه حكاية غسان؟"
أكمل بمزاح:
"جه النهارده المكتب يهددني إنه لو اتجوزت جميلة هيقتلها ويقتلني. بس أنا ما سكتش وهددته إني هبلغ المنظمة. أكد لي إن جميلة هتبيعني."
"سيبك منه لغاية ما يتفاجأ بالجواب اللي بعته للمنظمة. بس أهم حاجة إن جميلة نفسها متعرفش اللي إحنا بنخطط له. جميلة مهما كان ممكن تخاف عليه."
"يا عمي كده كتير، بالراحة شوية على جميلة. عمالة تنصدم فينا واحد ورا التاني. وبعدين اللي إنت بتعمله دلوقتي غير اللي عملته زمان أيام ابنك."
"هو اللي راح اتحالف معاهم ضدي من غير ما أعرف. اللي بعمله دلوقتي مش كتير على جميلة. أنا بضحي بكل حاجة عشانها. بكرة تفتكروا."
"حاسس إن الخوف بقى في كل محيطه. الخوف له حدود. المفروض تعيش في السلام النفسي اللي هي عايزاه يا عمي. حرام اللي هي عايشاه."
"جميلة لما رفضت الرجوع لغسان تاني، اتخطبت ليك. جميلة رافضة غسان من زمان. بتعتبره نذير شؤم، عشان كده لما رجع كانت رايحة تنهي كل شيء."
"طب وهنعمل إيه مع المجرم ده؟ اللي عمله النهارده ممكن يعمله معاها فردي من غير وجودنا. غير إني شفته بيبص على جدائل. الموقف راعبني."
"بعد كده غسان ده أنا اللي هتولى أمره، متخافش. أنا بس عايزك تستغل فرصة إنها حطت إيدها في إيدك وروحت معاك. استغل ده لصالحك."
"لما جت قعدت جنبي حسيت إننا اتوفقنا مع بعض، لكن ظهوره دمر كل حاجة. بتمنى أنا وهي نعيش حياة زي ما هي حابة، مش زي ما اللي اتفرض علينا."
"يا ابني إنت إزاي حبيت يا أكمل؟ مش عارف أفرحلك ولا أشكرك إنك حبيت جميلة من كل قلبي. حقيقي إحساسي إنك ابني مكنش غلط، بل صح الصح."
"بتمنى إن والدتها كمان تعتبرني زي ابنها. ربنا يبارك لنا فيكم انتوا الاتنين. ويا رب الصراعات دي تخلص قبل ما طاقتي تخلص، لأني مبقتش لاقياها."
"فاكر لما كنت بدعيلك ربنا يرزقك ببنت الحلال؟ تمنيت في دعوة منها ودعيتها إن تكون بنت الحلال دي جميلة، بنتي، وربنا استجاب عشان نيتها."
"طب هستأذن أنا بقي، عندي جلسة الصبح ولازم أرجع المكتب عشان أراجع الورق مع البنت الجديدة اللي جميلة هتولع فيها قريب، ويمكن أنا كمان."
"يا حبيبي ربنا يعينك. يعني البت مش بس استجابت لمشاعرك، لا دي بتغير عليك كمان. ربنا يستر متكونش شبه قدرية في الغيرة دي، ممكن تولع فيك."
"اللهم احفظنا. لأ، كل شغلي ومش بحب كده. الست لما بتتدخل في الشغل بتجيبه الأرض. ربنا يستر. أنا هحاول أتكلم معاها قبل ما أمضي."
***
ظلت طيلة الليلة تتذكر غسان وفعله الذي أفسد ما كانت ترتب له. تتساءل أي ريح هبطت به فوق رأسها. كان المشهد أمامها كإنسان مختل لا يليق به إلا القاع. هو كان بالأمس شمس حياتها، ولكنها غربت منذ استسلامه لتهديدات شقيقها ورحيله. لحظة عودتها كانت أشبه بالإعصار جعلها تعيسة بائسة. أصبح رجل، وجه فوهة سلاحه في وجه شقيقها وقتله عمداً مع سبق الإصرار والترصد، ولم يثبت عليه شيء. ثبت على شخص آخر وأُعدم مكانه. حتى لو كانت لا تعتبر شقيقها مثل بقية الأشقاء، ولكنها عصبها ودمها. آه لو تعرف أمها أن القاتل غسان، لتقف ذاهلة. لن تستوعب أن هذا الضعيف يفعلها. عاد ليستخدم سلاح جديد عليها، فهي ورقة للعب رابحة، وكأنها روليت يلعب على منضدة دائرة. ولكن لو لم يكن وجود أكمل، لكانت وجهت سلاحها نحو رأسها وقتلت نفسها، ولا تكون لهجائها.
هاتف فأجابت بصوت مختنق:
"أيوه يا غسان. أنا قلت لك ميت مرة متبقاش تتصل بيا تاني. عايز مني إيه؟ ولا حابب تشرح لي إنت ليه ظهرت في طريقنا النهارده؟ ريح نفسك، مش حابة أسمع."
رد عليها غسان بغضب قائلاً:
"افسخي خطوبتك بيه حالا. اللي اسمه أكمل ده استحالة ياخدك مني. أنا هخليها زفت واطيران فوق دماغه. مش أنا اللي يتعمل فيا كده، فمهما."
ردت عليه جميلة بكل حزن تملكها، وهي تلعن نفسها أنها أحبته يوماً ما:
"يا غسان كفاية اللي إنت عملته فينا كلنا. أرجوك ابعد عني. هتعمل إيه فينا تاني؟ مش كفاية إنك أخدت روح من عندنا بدون وجه حق."
"هتسبيه يعني هتسبيه؟ استحالة أخليكي توافقي تتجوزيه. لو حصل يبقى خلاص يا جميلة. ويعني إيه يعني لما أريحك من أخوكي البعبع بتاعك؟"
بكت جميلة قائلة:
"إنت عملت إيه؟ إنت كسرت قلب عيلة بحالها، وأنا عمري ما أوافق ارتبط بواحد زيك. الموت أهون لي، ومش على إيدك، على إيدي أنا هخلص من نفسي."
"أنا معايا المنظمة كلها وهنحاربكم، وأنا اللي هكسب مش أنتم. هخليكي تيأسي وتتمني الموت، ومش هتعرفي توصلي له. إنتي نسيتي لما عيطت لي وأنا طفشان بسببه."
"إنت مقدرتش عياطي وهربت يا جبان. وأنا مقدرش أكون لواحد زيك جبان ومجرم. إنت بأي حق راجع وعايزني؟ ولا دي أوامر المنظمة."
"لو صممتي على الجوازة دي، هنفذ أوامر المنظمة بحذافيرها. يعني الأمر في إيدك. حابة أهلك يتحسروا على عمرك، ولا حاببهم يفرحوا بيكي."
رواية محكمة الحياة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مروة البطراوي
انتفضت جميله من مكانها بحده قائله
- قول من هنا للصبح أنا مش بتهدد يا غسان واوعي تقرب مني ولا من أهلي. أوعي تفكر إني ضعيفة، لا أنا ساعة الجد هتشوف مني وش مش متوقع.
رد عليها غسان بتروي قائلاً
- يبقى قابلي اللي هيجرالك، وقدام الناس كلها هاتجوزك بالذوق بالعافية، فخليها بالذوق أحسن. على الأقل تبقي عروسة وتلبسي فستان فرح.
ردت عليه جميله بتحدي قائلة
- أعلى ما في خيلك اركبه يا غسان. عمرك ما هطول شعرة مني، وأنا عندي ثقة كبيرة في كده. روح العب بعيد يا شاطر، قال إيه هتتجوزني قال.
شعرت قدرية بتعاسة ابنتها ولا تعلم ما هو السر. فكرت أنها السبب في عدم تقبلها لأكمل، لذلك قامت بمهاتفة جدائل لعلها تحل هذه المعضلة. ففكرت جدائل أن تذهب مع جميله بعد العمل إلى منزلها وتتأخر، وتهاتف أكمل لكي يأتي يأخذها من هناك.
دلف ليجد طاولة طعام خاصة بأربعة أصناف، والأدهى أنها هي الأصناف الخاصة والمحببة لديه، وبجوارهم قدح من القهوة بالحليب. شعر أن الأمر لم يكن عفوياً، يتساءل لماذا نادته جدائل لأمر عاجل، وهنا ليس في المشفى لأنه ظن أن المستشار هشام مريض. ظل ينظر للطعام بهدوء، وتشكلت على شفتيه ابتسامة عريضة، ولكن حدثه شيطانه في اهتراء، فتصلبت روحه وكساها الحزن عندما تذكر أن هذا كله كان من تحضير والدته المتوفاة، والذي عودته عليه طيلة السنوات التي عاشهم معهم. وبالرغم من السعادة التي تملكت إلا أن العجز كان مسيطراً عليه كطفل استحالة عودة والدته.
خرجت من غرفتها لتجده أمامها، فانتفضت برعب وكأنها رأت شبحاً.
- ممكن أعرف إيه الأمر العاجل اللي جايباني بيه على ملي وشي يا جدائل؟ بقيتي بتعملي فيا مقالب، وإنتي عارفة إني مش بقبل النوع ده خالص.
اقتربت جدائل منه واحتضنته بسعادة قائلة
- يا حبيبي، كنا بنعمل الأكل اللي بتحبه ومن غير ما تطلبه. شفت بقى المقلب قصدي المفاجأة حلوة إزاي؟ بذمتك مش بتفكر بالمرحومة ماما؟
نظر أكمل إلى جميله ووالدتها الناظرين أرضاً وقال
- ليه يا جدائل بتعملي الأكل هنا مش في بيتنا؟ وبعدين من امتى إنتي بتعرفي تعملي حتى القهوة بتاعتي أنا؟ شايف إنك تقلتيها عليهم، وأنا مش بحب كده.
نظرت جدائل إلى جميله ووالدتها وردت عليه قائلة
- طنط قدرية هاتشرحلك ليه أنا عملت كده. وعلى فكرة أنا عمري ما هتقل عليكي حد. ممكن تقعد شوية مع طنط وتسمعها، أعتقد كده أفضل.
تقدمت منه قدرية والدة جميله وحدثته قائلة
- هافهمك، بس ممكن تسيبونا لوحدنا.
وبالفعل تركوهما، لتستطرد قدرية قائلة
- عندك حق تستغرب. أنا في الأول والآخر أم، مش هيهمني غير سعادة بنتي. بس بسالك، جفائي من ناحيتك هيسبب تعاستها؟ وفي نفس الوقت أنت عجبتني إنك لسه متمسك بيها رغم رجعة غسان.
ثم استطردت وهي تنظر إلى أكمل بعيون دامعة وقلب حزين
- ابني كان حبيبي، مهما يعمل. عارفة إن جميله متعبة، بس بالراحة عليها. أنا معدش ليا غيرها، ولو سعادتها معاك موافقة جداً. أنا عملت كل اللي نفسك فيه، هتعملي كل اللي نفسي فيه.
أومأ أكمل برأسه في صمت. هنا، تقدمت منه أكثر وتصافحه، أملاً أن تكون مبادرتها هذه نقطة تحول في حياة جميله.
بعد أن تركتها، خرجت ودلفت مكانها جميله تتناول معه الطعام. أخذت تعبث في صحنها بلا هوادة وفي صمت تام.
- قوللي في إيه مالك؟ انطقي وقولي اللي في قلبك بسرعة، هتفضلي ساكتة كده كتير؟ مش بحبك تخبي عني حاجة. هو كلمك صح؟ أنا كنت عارف.
نظرت له جميله بخوف وأردفت باضطراب قائلة
- يا أكمل، هو من أول امبارح بيطاردني وبيقولي خلي فرحك يبقى فرحة بجد بدل ما أحسرك على شبابك. أنا مش خايفة منه، بس إنت هتقدر.
هز أكمل رأسه بعد فهم ورد عليها قائلاً
- إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟ بيطاردك من أول امبارح؟ يعني لما اعترض طريقنا كان مهددك من قبلها؟ عشان كده وقفتي جنبي وحطيتي إيدك في إيدي، فهمت.
ثم استطرد بغضب قائلاً
- لا، وبتقولي هالي بكل صراحة وبكل دم بارد منك. أنا أصلاً ما صدقتش لمسة إيدك وهي في إيدي، لأنها كانت باردة وحسيت إنك مجنونة.
ردت عليه جميله بكل ثبات قائلة
- أنا هاحكي لك كل حاجة. ممكن تقعد وتهدى وتسمعني للآخر من غير ما تعترض على أي كلمة هاقولها. وبعدها حابب تصدق صدق، مش حابب إنت حر.
نظر لها بحدة نتيجة اللامبالاة التي تتمتع بها.
- اتكلمي، اخلصي. أما على القعدة، معدش فيها قعدة ما بيني وبينك بعد النهارده. أنا كمان هاقول زيك. أنا اتحديت حاجات كتير في سبيل حمايتك.
سردت له تهديد غسان، وكأنها كانت تعيد عليه كلمات غسان له في المكتب. ثم اقترحت عليه أن تكون مع غسان لفترة حتى ينفض شره.
ضرب الحائط من خلفها بقبضة يده، وعيناه تمطر شراً، يجز على أسنانه قائلاً
- هو إنتي مفكراني لعبة في إيدك ولا مفكرة غسان ده طور؟ بعد اللي عملتيه هيصدقك؟ مفكرة نفسك ذكية وهتعرفي تتامري على واحد زيه؟
هزت جميله رأسها بنفي قائلة
- ما هو أنا مش هاين عليا يحصل فيك زي ما حصل في أخويا. أنا كل اللي حواليا عمرهم بيروحوا. أكمل بجد إنت تستاهل واحدة أحسن مني.
امتدت يده إلى كتفيها وهزها بحدة قائلاً
- يا ستي، أنا عايز أموت. مالكيش فيه؟ ليه دايماً عايشة في دور الضحية؟ حرام عليكي نفسك. أنا لو مش موجود بجد هضيعي نفسك. افهمي الحياة بقى.
بكت جميله من يده القوية وقالت
- والله العظيم بابا صعبان عليا أوي. وغسان اقتراحه مش وحش. هو وعدني إنه مش هيصفيني. هكون ليه؟ أصلاً مش فارق أتجاوز مين، المهم حياتي عشان بابا وماما.
تركها، ثم نظر لها وأردف بحزن
- أنا هاعمل كل حاجة. وأنا وعدت مامتك إني عمري ما هضيعك. جوازنا هيتم، وما تخافيش، هيبقي فرح مش جنازة زي ما قالك أو زي ما استعبطك.
قال كلماته، ثم والى ظهره وهو يستمع إلى صوت بكائها المرير، لينقطع قلبه لا على بكائها فقط، ولكن على تفريطها في نفسها بهذه السهولة.
- إنت زعلت مني دلوقتي لما خفت عليك؟ صدقني أنا خفت عليك وعلى بابا وماما أكتر من خوفي على نفسي. تعرف إنتم كلكم مش مصدقيني.
تنهدت بقوة، ثم أغمضت عينيها لكي ترتاح من دموعها. لم تشعر به عندما استدار لها هامساً في أذنها
- تقومي تموتي نفسك مع واحد بيدمر عيلتك، واحد ورا التاني؟ لو فكرتي هتلاقيني أنا صح، وأكتر واحد مصدقك. بس مش عايزك كده. اعملي اللي نفسك فيه، وكوني قوية واجمدي. أنا جنبك ديماً.
فتحت جميله عينيها وابتسمت من وسط دموعها وقالت
- متخافش، أنا عارفة إنك جنبي وفي ضهري وفاهم إنك بتعمل كل حاجة عشان تسعدني. بس زي ما قلت لك، خايفة أكون منحوسة وأبوحسك.
ابتعد عنها وهو يبتسم لها قائلاً
- ما هو أنا عايزك تنحوسي ده. أنا طول عمري مرزق، وما فيش حاجة بتنحسني. فنجرب بقى النحس معاك، يمكن أحس بفرق في حياتي. يا ستي أنا راضي.
ابتسمت جميله بفرحة قائلة
- بلاش تزعل مني بعد كده وتفهمني غلط. زي ما قلت لك، أنا لو عملت حاجة غلط، هيبقي في سبيل إن مقدرش أشوف حبايبي بيحصلهم حاجة.
وجدته ينظر لها بإغراء. فقد أعطته إشارة ببلاهتها عندما قالت كلمة أحبائي. هل حقاً أضافت إلى هذه الشريحة؟ سرعان ما فهمت نظراته وابتعدت عنه كالطفل، قائلة
- وبعدين إنت كمان بتغلط. مرة تدخل شعري جوه الطرحة، ومرة تمسك أكتافي، ومرة تمسح دموعي. هو مش المفروض ده كله بعد الجواز؟
زفر أكمل بضيق، فقد استطاعت أن تفصل لحظاته كرجل ينظر إلى فتاته ويحلم باليوم الذي سيتمتع بها.
- ما هي كل الحركات دي حركات مشتاق وعنده لوعة. وعلى فكرة، كل ده مش بعد الجواز. لا، قبل بشوية. في كتب كتاب والدي ووالدك بيحددوه.
تعالت ضحكات جميله وأردفت بمرح قائلة
- بعد الحج إن شاء الله. وبعدين، من إمتى المتر عنده لوعة؟ لا، وبقيت عبده مشتاق كمان؟ يا عم أنا مش بتاعت الكلام ده. خليك روتيني أحسن.
- بعد الحج ليه؟ مين طالع الحج السنة دي؟ لا يكون إنتي وأنا معرفش؟ عموماً الحمد لله. هترجعي كيوم والدتك الست قدريه، وأربيكي بقى على إيدي.
تعالت ضحكات جميله بصخب قائلة
- يا عيني! للدرجة دي نفسك تربي أي حد؟ طب ما تروح تربي قطط مثلاً؟ ولا بلاش دي، ممكن تفطس من قوانينك. والله مهما عملت فيا هأفضل جميله اللذيذة.
ضرب أكمل على جبهتها برفق قائلاً
- إنتي بتوهيني ليه؟ للدرجة دي أنا لخبطتك من نظراتي ليكي؟ أووه، ما إنتي بتحسي أهو زينا. يعني مش طفلة زي ما بيقولوا عليكي، بس طفلة ذكية.
ردت عليه جميله بعناد قائلة
- بعد الحج هتعرف إن كنت طفلة ذكية ولا غبية. مش يمكن ما أطلعش طفلة أصلاً وتندم؟ يا كمولة، مش برضو الدلع ده بيعصبك يا متر؟ أهو أجرب معاك طعم جديد.
حك أكمل مؤخرة رأسه قائلاً
- هو فاضل على الحج قد إيه؟ عموماً مش كتير. ده الشهر ده. حجي براحتك، وأنا منتظر بقى أشوف الطفلة بس في ثوب الأنثى اللي متأكد إنها هتطلع حاجة تقيلة أوي.
جميله من داخلها سعيدة لكلماته، شردت وهي تقول كلمات غير منتبهة لسماعها لها
- هتلاقي برنسيسة ومش هتقدر عليها، علشان بس تبقي تستقل بيا. كلكم بتستقلوا بيا، محدش يعرف أنا جوايا إيه. يالا تستاهل كل خير بقى، ولسه.
- إيه، هتقلبي برنسيسة مرة واحدة؟ عموماً ماشي. أما أروح بقى أنا وجدائل وأقعد أحلم باليوم ده. إنت برضه هتتفاجئ بأكمل. لو حكيتي هنه، محدش هيصدقك.
تعالت ضحكات جميله قائلة
- أوعي بقى. طب شد من هنا، لاحسن مخك شكله هيفوت. أكمل بقولك إيه؟ أنا من أسباب إني وافقت عليك إنك بتحب بابا وبتحترمه. أه، إنت مش شبهه، بس هتبقى في يوم من الأيام.
- وأنا منتظر اليوم ده بفارغ الصبر. زي ما كنت منتظر قعدة مامتك، ومكنتش متوقعها وحصلت. حتى بابا، لا يمكن كنت أتوقع تعاطفه معاكي. أثاريكي ساحرة للقلوب.
- زمّت جميله شفتيها في غضب مصطنع وقالت
- متقولش كده، أنا لا ساحرة ولا نيلة. وبعدين احترم نفسك وبطل النظرات بتاعتك دي. قلت لك مش بتاكل معايا، أنا مش بعترف بالحاجات دي.
- اومال بتعترف بإيه؟ إيه قلبك مش بيدق زي بقية البنات؟ اومال أحممم، كنت بتحبيه إزاي بعقلك؟ إنتي متعرفيش إن الروح بتنادي الروح؟ على فكرة، أنا بفهم في الحاجات دي.
والتفت جميله ظهرها، قائلة
- علشان كده مصمم تتجوزني؟ أنا كمان كنت كل أما أشوفك كانت بتتبعت ليا إشارات إني لازم أحقق في ملامحك، لدرجة فكرتك جني من تحت الأرض.
- بقي أنا جني؟ طيب ماشي، وربنا لاحضرهم ليكي. بس يتقفل علينا بابا واحد؟ سلام، لأن الظاهر إنت صح، شكلي مخي هيفوت. بس خدي بالك، إنتي هربتي من سؤالك.
- سلام يا أكمل. واتعود مني، لو مردتش على سؤال، بيبقى حاجة من الاتنين: مش حابة أرد، أو افتكرت الحاجة دي، أو معنديش رد منطقي ليك.
كان يراقبها دائماً من بعيد، يتذمر عندما يجدها تمنح أي شخص يحادثها ابتسامة لطيفة، حتى الذين يختلفون معها في النقاش، دائماً تمنحهم مثل هذه الابتسامة. دائماً منشغلة بهاتفها. حقاً هي مختلفة كثيراً عنه، حتى في ابتسامتها، حيث أنها ابتسامة مريحة، دافئة، تدفعه للحنين. يجد بها اندماجاً بين شخصيتها وشخصية والدته المتوفاة. أما عنها، فهو ما زال بالنسبة لها غامضاً، لهذا تريد أن تتأخر في موعد الزيجة. دائماً يسخر من نفسه، كيف لرجل مثله أن يحافظ على ابتسامتها هذه؟ يشعر أنه من المستحيل فعل ذلك، فهو مثل الأنقاظ التي لا تمنح شيئاً، هو خطر وعيون مهلكة، من يقترب منه قد يتحطم قلبه. جاءه نعمان يقف معها في ممر المشفى، فسريعاً شروده بها تحول إلى نظرات عبوس. يتذكر كلمات جدائل عندما أخبرته أن نعمان يريدها، ولكن كيف يريدها؟ كزوجة، أم أنه عاشق لها؟
نفض أفكاره ورحل وهو شارد، حتى أنه لم ينتبه إلى السيارة التي مرت بجواره وتدافع الرصاص عليه، لتصيبه طلقة طائشة في ذراعه. من حسن حظه أنه كان قريباً من المشفى، وسرعان ما هبط ودلف إليهم ليقوموا بعمل الإسعافات الأولية. وكان لا بد من التحقيق، ولكن بمعارفه استطاع السيطرة على الأمر ورحل على الفور بعد أن استقل سيارة أجرة. دلف المنزل وهو يرتدي الرباط الطبي، لتنظر له جدائل بذعر قائلة
- ماله دراعك يا بيه أكمل؟ إيه اللي حصلك؟ أكيد ده الزفت غسان؟ قلت يا بيه، هو مش هيسيبنا في حالنا. طب ما اتصلتش بكمال ليه يجيلك ياخدك؟
ابتسم أكمل بهدوء قائلاً
- عادي، دي إصابة خفيفة. متخافيش يا حبيبتي. وبعدين ما حبتش أكبر الموضوع وأزعجكم. المهم بابا نايم فوق. صح؟ أوعي يا جدائل يعرف.
أدمعت عينا جدائل وشهقت قائلة
- هنفضل في الرعب ده كتير؟ ولحد إمتى يا بيه؟ هتخلص من الخطر ده؟ أنا آه بحب جميله، بس مش لدرجة إني أضيع أخويا وسندي. ليه الموضوع صعب؟
احتضنتها أكمل بهدوء قائلاً
- يا حبيبتي، متخافيش. وبعدين إنتي تعرفي عني التخلي وقلة الأصل؟ أنا وعدت هاحميها مهما كلفني الأمر. وهو كبيره يعمل كده، عملية تخويف.
ردت عليه جدائل برجاء قائلة
- خلي بالك على نفسك. إنت إزاي عدي عليك حاجة زي دي؟ على طول بتبقى منتبه يا بيه. متضغطش نفسك واعمل اللي يخليك معانا ديما.
قبل أكمل جبهتها قائلاً
- ربنا ما يحرمني منكم كلكم. هو أنا أسوى حاجة من غيركم؟ وهي كمان محتاجاني أكتر منكم. ومقدرش أتخلى عنها حتى لو هي طلبت مني.
زفرت جدائل بيأس قائلة
- طب تعالي اطلعك أوضتك وأنده لكاميليا تغيرلك على الجرح. ربنا ما يحرمنا منها. لو ما كانش كمال بيحبها، كنت غصبت عليك تتجوزها.
رد عليها أكمل بتعب قائلاً
- متخافيش عليا وعلى اختياري يا جدائل. وبعدين بلاش تقولي ليها، لأنها حتماً هتقول لكمال وبابا. أنا بعرف أغير على الجرح. وبعدين إنتي مش دكتورة؟
- دي كمان هتقف ليا على الوحدة فيها؟ أه، أنا دكتورة وبعرف أغير على الجرح بنضافة جداً، والكل يشهدلي بكده. بس الجرح صعب، لأنه جرحك.
- لا، فوقيلي كده. الحاجات دي مفيهاش أخويا. لازم تفصلي يا قمر. إحنا اتربينا في البيت ده إن الحاجات دي مفيهاش عواطف. ولا اتعديتي من الطفلة.
تعالت ضحكات جدائل بالرغم من أنه حذرها من ذلك.
- لا، اطمن. أنا أكبر من كده بكتير ومش بيتأثر فيا أي عدوى. وبعدين فيها إيه يا بيه، لما أتعدي؟ تعرف ساعات بحس إنها صح وإحنا اللي غلط.
استند أكمل عليها وقبل يدها قائلاً
- عمري كله عايشة جد. بس الظاهر إن المجنونة دي هتخليني أجن منها. مش عارف هي هتوديني على فين. أتمنى تكون حاجة معتدلة ووسط.
ردت عليه جدائل بحنو قائلة
- إنت ربنا هيجبر بخاطرك علشان وقفت جنبها وساعدتها. وربنا هيعوضك عن الأيام دي، وهيّعوضها معاك. ربنا يبارك لنا فيك يا بيه، يا مثلي الأعلى.
كل ما حدث للآن يبدو أنه سيكون ثابت ومستمر، لا نهاية له. والأمر محتاج معجزة للخلاص من هذا الكابوس. وكل هذا يهز وجدان جميله البسيطة التي تريد حياة أبسط من تلك التي تعيشها. ولكن ماذا تفعل والشر يتعاطى معها؟ يتعاطى مع من تملك البراءة الباحثة عن الحب الصادق. كانت تتذكر لحظة اعتراض غسان طريقهم ووجود أكمل الذي منحها القوة. ولولاها لكانت افتعلت أشياء بدون تفكير. هي كانت تريد أن تدفن بين ذراعي أكمل وتبكي.
في صباح اليوم التالي، ذهب إلى عمله قبل أن يستيقظ الجميع. لكن ما أدهشه هو مجيء المستشار هشام. كان يمد يده له بخجل لكي يصافحه.
- أهلاً وسهلاً يا سيادة المستشار. إزاي حضرتك؟ خير، في حاجة حصلت لجميله؟ مش عوايدك تيجي المكتب والوقت بدري جداً. ربنا يستر.
ابتسم هشام قائلاً
- وعليكم السلام ورحمة الله. هو ده الترحيب بتاعي يا أكمل؟ وبعدين مالك مكسوف تمد إيدك تسلم عليا ليه؟ خايف لأعرف إنك اتصبت امبارح.
- من فضلك، أنا مش عايز حد يعرف عن الموضوع ده. خصوصاً جميله. أنا الحمد لله بخير يا عمي، دي رصاصة طايشة، مجرد تخويف مش أكتر.
- أخبارك إيه دلوقتي وعملت محضر ولا عاندت كالعادة يا أكمل يا ابني؟ بالله عليك ما تشيلني ذنبك أكتر من كده. أنا عمال أسمع كلامك، بس خايف.
- المهم إن جميله ما تخافش. طول ما أنا على وش الدنيا، أنا الحمد لله تمام. وأخباري وصلتك بسرعة، بس من مين مش عارف، بس خير الحمد لله.
- خير، تمام يا أكمل. الحمد لله إنها جت على قد كده. ومتزعلش من جدائل إنها قالت لي. هي أخت ليك صحيح، أصغر، بس بحسها مسؤولة عنك.
- جميله كويسة، والست قدريه راضية عني؟ ولا كانت بتمثل عليا؟ بصراحة، أنا صدقت فعلاً تحولها لما أنت حكيت عن تغيرها معاك. دي اتغيرت معايا.
- أنا جاي النهارده بناءً على طلبها. حابة تفرح بيكم قريب، بتقول بالكتير الأسبوع اللي بعد الجاي. الظاهر إن موضوعكم خلاها في أحسن حال.
ابتسم أكمل بسعادة، رد قائلاً
- أنا أكيد معنديش مانع. والست قدريه تؤمر، وإحنا كلنا ننفذ. حضرتك متعرفش أسعدتني إزاي بالطلب ده، وخصوصاً لما يبقى منها يا عمي.
- عقبال ما أفرح برؤية أولادكم يا حبيبي. مبروك مرة تانية. ربنا يتمم ليكم على خير ويبعد عنكم أي مكروه. أكمل، خلي بالك من كل حاجة.
- إن شاء الله يا عمي، ما تقلقش. كله في الأمان. وصدقني، عمرك لا إنت ولا جميله هتندموا. هتعدي ومحدش هيقدر يقرب منكم تماماً، ثق فيا.
- مستبشر خير. إن شاء الله. أقوم أنا بقى الحق المحكمة، وإنتي أكيد عندك جلسات النهارده. هشوفك هناك. ربنا يسلم طريقك يا ابني ويبعد عنك أي مكروه.
- إن شاء الله خير. نتقابل في المحكمة علشان نفرح الوالد كامل الزيات بالخبر ونبدأ نجهز البيت علشان نستقبل جميلة الجميلات. يالا بالسلامة.
رواية محكمة الحياة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مروة البطراوي
بدأت التجهيزات للعرس وجاء يوم إحضار ثوب الزفاف، ولكن الصدمة أنها رفضت تواجده أثناء شرائه.
قال من شفتيه تهكم مرير، خاصة عندما قالت له إنه ليس له شأن باختياره. كيف لم يكن له شأن وهو زوجها، وعليه اختياره بدقة، يخشى جنونها في الاختيارات.
ارتفعت عيناه بحدة يواجهها بها، ليشعر باحتراقهم المتمثل في غضبه. ظنت الأمر سيمر مرور الكرام، ولكن حدث العكس، فتراجعت بعفوية دمجتها بطفولة.
"معلش، كنت بسمع زمان إنه فال وحش ومش قادرة أنسى. أخويا ده كان شاريه لعروسته وكان فرحان ومحدد الفرح، فمش عايزة نبقى زيهم."
تنهد بارتياح لدرجة استغربتها ولم تصدق ارتياحه. هل كان يخشى من أمر أكبر؟ هل يخشى من اختيارها لثوب خليع؟ اللعنة من تفكيره الآن. خمدت ناره لهذه الدرجة، يخشي تفكيرها.
نظراتها أوحت له أنها فهمته، فأشاح ببصره عنها.
توجهت نحو بعض الكتالوجات التي بعثت لاقتنائهم كي تختار منهم، وقدمتهم له بعزم، وحادثته بتبرم عن وجوب الثقة فيها.
"على فكرة، أنا هجيب فستان محتشم، وعلشان نكمل يا أكمل، لازم يكون في ثقة ما بينا."
هذا المشهد، ومن بعدها توارت عنه حتى يوم الفرح. أخذ يسأل عنها الجميع، حتى وصل إلى قدرية.
"أنا مش لاقي جميلة، هي فين يا قدرية هانم؟ كان لازم تصمم تتذوق في الفيلا، وكمان الفرح يكون هنا. أنا كنت ناوي أعمله في نادي المحامين."
نظرت له قدرية بعتاب وردت عليه قائلة:
"أنا نفسي تقول لي يا أمي. أنا مامت جميلة ومامتك أنت كمان، طبعًا استحالة أقدر أحل محل المرحومة والدتك، ولا أنت هتحل محلها، بس نحاول نعوضهم."
ابتسم أكمل لها قائلاً:
"أنا نفسي يا أمي من لحظة ما خطبت جميلة، بس كنت مفكر إنه مينفعش. طبعًا بعد الكلام ده مقدرش أرفض لك طلب، بس برضه فين جميلة؟"
جاء من خلفه هشام قائلاً:
"تعالي يا أكمل، جميلة مش هتنزل دلوقتي. الميكب آرتست لسه مخلصتش شغلها، وبعدين متستعجلش على إيه يا أخويا؟ بكرة تزهق زي ما كلنا زهقنا."
نظر أكمل لقدرية قائلاً:
"يرضيكي الكلام ده يا أمي؟ يالا بقي اقفشي فيه واتلهوا في بعض، وأنا هطلع آخدها من تحت إيدين الميكب آرتست حتى لو ما خلصتش."
تعالت ضحكات قدرية قائلة:
"لما جميلة تروح معاك، هيبقى حسابي مع هشام، مش كده يا هشام؟ إنما دلوقتي لا يا أكمل، لما جميلة تخلص هتنزل بنفسها، على رأي باباها."
"أمري لله، يالا بينا يا عمي ننتظر طلّة القمر. والله أنا كنت هسلم عليها، بقالي أسبوع ماشفتهاش. أنا عارف هي قصدت تعمل الفرح هنا علشان تستخبي."
"أهي هتبقى في بيتك وخلص حقك منها تالت ومتلت، وبعدين مفيش أحلى من أفراح البيوت ولمّة البنات مع بعض، دول فوق مهيّصين."
"يارب يا حبيبتي يفضلوا مهيّصين، وأنتي كمان اطلعي هيّصي معاهم. من حق أم الجميل تدلع، وابقي بوسيهالي على بال ما أنول الشرف."
جاء موعد صعوده لها لكي يستقلها للأسفل، وما أن وصل وهو يحمل باقة الزهور المفضلة لها، حتى وجده أمامه حورية جميلة تأنقت بثوبها الأبيض. نظرت له بخجل من نظراته الشغوفة، إلى أن اقترب منها ليجد جدائل تحتضنه وتقبله، وهو عيناه مثبتة على جميلته، ليربت أكمل على ظهر جدائل قائلاً:
"يا حبيبتي يا جدائل، عقبالك، بس بلاش في البيت. أنا اتخنقت لغاية ما وصلت لهنا، بس لأجل الورد ينسّق العليق، لأ والميكب آرتست عاملة شغل."
"إن شاء الله، أنا كمان مش بحب الخنقة يا أبيه، بس على رأي طنط قدرية، الرق على الهنا. ربنا يفرحكم، ومبروك يا حبيبي، يارب حياتكم كلها هنا."
"يا قلبي أنتِ يا جدولة، بس هي الميكب آرتست خرّصت العروسة ولا اتعدت من الخرص اللي كان عندي، ولا أنا اللي بقيت رغاي أوي؟"
مال على أذن جميلة هامساً وهو يخفض صوته حتى لا تسمعه جميلة:
"هاخدها إزاي دي وأروح بيها البيت؟ هي مالها اتسمّرت كده ليه؟ أوعي تكوني حكيتي ليها عن موضوع الحادثة، شكل لسانك فلت منك يا جدائل."
هزت جدائل رأسها نافية وقالت:
"إحنا انشغلنا بحاجات كتير، متقلقش. كله تمام وهي تمام، بس هي شكلها مخطوفة حبّتين، أو يمكن لسه زعلانة من يوم الفستان وتفكيرك فيها."
تعالت ضحكات أكمل قائلاً:
"ياربي، دي طلعت قلبها أسود أوي. طب أنا هعيش معاها إزاي بقى؟ يارب أنا على قد قوتي، بس من جوايا غلبان. تفكيري وحش لأني محامي."
كادت أن ترد جميلة عليه، ولكن دلف والدها يستعجلهم للهبوط للأسفل وإتمام مراسم الزواج. وبالفعل تم كل شيء في هدوء تام، وانتقلت جميلة للعيش معه في فيلا والده.
صعدوا إلى غرفته سوياً، ومن ثم دلفا، وهو ما زال ممسكاً بفكيها، لا يريد إفلاته. ومن بعد إغلاقه للباب، احتضنها بذراعيه لدرجة أنها لم تستطع الإفلات منه.
نظر إلى عينيها بقوة قائلاً:
"فاكرة لما قلت لك إن الروح بتنادي الروح؟ انتي روحك نادتني من أول لحظة شفتك فيها في بيتنا، وحبيتك جداً فوق الوصف، وكنت مستني أقول لك مبروك."
تلاحقت أنفاسها وخجلت من تصريحه، وردت قائلة:
"حبتني؟ الله يبارك فيك، وكل حاجة. بس حبتني دي معقولة؟ انت أكيد بتقول كده علشان الليلة تمشي زي ما بتمشي بين أي اتنين، بس أنا مش بحب كده."
لم يستطع أن يستمع لثرثرتها أكثر، حيث مال على شفتيها يوقفها، وينهل من شهدها وعسلها المصفى الذي طالما حلم به كثيراً.
يا الله، كم حلمت بهذا! ولكن كانت تشعر أنها ستفتقد لهذه الرومانسية معه. لم تتوقع أن رائحة أنفاسه ستطغى عليها بهذا الشكل. أيعقل أن هذا الشخص الخشن يكون بهذه النعومة؟ كانت مغيبة وهو يردد لفظ "محبوبتي" في أذنيها. اهتزت بالرغم من أنه يتملكها بذراعه الصلب الذي لا يهتز بينه شيء. ارتجفت بين قبضته وارتعشت بين أحضانه، وبكت وهي تدفن نفسها بين ضلوعه، كأنها لا تريد للهواء أن يكون عازلاً بينها وبين أكمل.
رفع أكمل رأسه لها في اندهاش، حيث صدمه رد فعلها، فهو لم يتوقعها ولم يستطع تفسيره. أهي خائفة أم عاشقة؟ هذا التعلق المفاجئ به لم يستطع فهمه ولا تفسيره. انتبهت لنظراته لدرجة أنها كرهت انفعالها معه وسخرت من نفسها. ودت لو شقت الأرض من تحتها وابتلعتها عوضاً عن أن تفاجئه بذلك. ولكن هو تأكد من شيء واحد، أنه على صواب، وأن مكان تلك المرأة بالتأكيد في قلبه، ليس في مكان آخر. تلك المرأة لم يكن يجوز بأي شكل من الأشكال أن تكون لغيره.
على الجانب الآخر عند غسان، الذي فشل في أخذ جميلة، حيث كان متوقعاً أنها ستصف في صفه لآخر لحظة. كان يجلس في مكان والنيران تتأجج في صدره الذي يعلو ويهبط بقوة. ليأتيه اتصال من الجميلة الحسناء الشقراء، كما قال عنها أكمل، المدعوة فيري.
"في إيه حصل يا غسان؟ شكلك بيقول إنك عصبي اليوم. ممكن أعرف سبب، ليه مش بترد على اتصالات فيري؟ إحنا بينا اتفاق، لازم ترد في أي وقت."
"أنا عايز جميلة بأي شكل يا فيري، اتصرفي. اعملي أي حاجة. أنا مهتم بيكي من ساعة ما اتعرفت عليكي، وده باتفاق مع السيد الوالد، يبقى حقي آخد اللي أنا عايزه."
"انت رجعت بلدك وسبت فيري؟ وفيري كونت صداقات مع غيرك، بخرج كتير يا غسان. انت فشلت، وميعاد رجوعك بعد بكرة بالكتير، وانت معرفتش تخلص."
نظر لها غسان بحدة، ومن ثم رد عليها قائلاً:
"يعني انتي عرفتي إن أكمل الزيات اتجوزها صح؟ وكده قعدتي في بلدي ملوش لازمة. أنا كنت النهاردة هبقى جوزها، بس معرفتش. ده يبقى جزاتي بدل ما تساعدوني."
"نساعدك في إيه؟ مش فاهم. انت عصبي ليه أساساً؟ انت كنت بتكدب عليا لما قلت إنك بتكرهها وعايز تقتلها؟ إزاي كنت هتبقى جوزها واتفاقنا القتل؟"
زفر غسان بغضب قائلاً:
"هشام طلع أنصح مني ومنكم المرة دي. لعبها صح، وعرف يحمي بنته لما لزقها لحتة محامي، بس مش زي ابنه ده تربيته يا ست فيري."
ردت عليه فيري بحدة قائلة:
"أولاً، إحنا قلنا تروح تنفذ قتل مباشر، وانت خدعتنا. كان ممكن مش تظهر لجميلة وتقتلها على الساكت. لكن اللي بتقوله معناه إنك كنت هتغدر بينا."
"زي ما هي بقت لأكمل، لازم تكون ليا أنا. موافق آخد حتة من العسل، بس لازم آخده. دي حقي من زمان. مليش دعوة بيكم وبانتقامكم، إن انتقامي جميلة."
ردت فيري بغضب قائلة:
"مشكلتنا مع هشام هنحلها إحنا. انت لازم ترجع، في حسابات بينا لازم تتصفي. لو مرجعتش هنيجي لك إحنا، أو هنجيبك، وبعدين ابقى كمل مع السينيورة."
جز غسان على أسنانه بإصرار قائلاً:
"لازم جميلة تكون ليا، وبعدين أبقى أصفّي حساباتي معاكم. أنا بحبها، عارفة يعني إيه حب يا فيري؟ مش مجرد رغبة. جميلة غيرك ومختلفة."
"مش لايق عليك الجو يا غسان. انت فاكر إني مش عارفة إنك كنت في علاقات مع صحباتي كلهم؟ ولو مش مصدق، أبعتلك السيديهات، لأنه كله كان بعلمي."
اضطرب غسان ورد قائلاً:
"محصلش ده كله فيك؟ إيه اللي انتي بتقوليه ده يا فيري؟ أها فهمت، يا ولاد الـ***، فبركتوا ليا فيديوهات علشان تهددوني. منه لله ابن هشام هو السبب في كل ده."
نهضت تتغنج في مشيتها أمامه عبر الإنترنت، وهي ترد عليه بدهاء قائلة:
"أنا سمعت ليك كتير اليوم، وما تخافش، البابا تبعي مش هيعرف اللي قلته يا حبيبي. بس اعقل انت واوزن الأمور، وتعالى أتينا حالاً. كل تأخير مش خير."
أغلقت الاتصال، ومن ثم هاتفت والدها.
"داد، انت فين؟ الأمر مستعجل. جميلة اتجوزت المحامي أكمل، وغسان مقدرش يعمل حاجة. غسان كان عايز يغدر بينا ويتجوزها ويهربها مننا."
رد عليها والدها وهو ينفث بسيجاره:
"نعم!!! أدي آخرة تخطيطك يا فيري هانم. انتي اللي صممتي إن غسان ينزل يصفيها بنفسه. أنا قلت لك لو عايز يصفيها، هيصفيها وهو في حضنك."
"كل حاجة هرجعها زي ما كانت داد. أنا بعترف إني جلبت فوضى عندك، بس أوعدك أنا هنضف كل حاجة بإيدي. وغسان انتهى بالنسبة ليا."
"ماشي، أما نشوف يا ست هانم. كده بقى أنا هشوف حد تاني يوصل لجميلة، أو هقصر على نفسي الطريق وهاخد روح هشام بإيدي."
عودة إلى أكمل وجميلة. لم تكن واثقة للحظة أن هذا سيحدث بينهم. فهي كلما رأته كانت تشعر بالاختناق، وها هو الآن يحتضنها بشغف. وبعد وقت، رفعت وجهها الرقيق الجميل الذي انتعش نفسياً بعد أن كان محطماً بسبب شقيقها وغسان. حيث كانت تضحك فقط كعملية ديناميكية، وكأنها ستصور حالاً ولا بد لها من الضحكة. الكثير يعتقد أنها لا يهمها أي أحزان، ولكنها التبست تمثالاً حتى لا تحمل أحداً همها. وها هي المثالية التي لا يفهمها أحد، بل إنها ليس لها وجود في هذا العالم.
"كفاية يا أكمل."
لهثت أنفاسه واشتعلت عيناه بالحب أكثر وأكثر من صوتها الرقيق العذب. لم يذعن لطلبها، بل زمجر منها، فهو الآن في حالة شوق شديد للتي يريدها منذ فترة. عاد ليثبت شفتيه فوق شفتيها بعناد، لترفع كفيها الرقيق تلامس ظهره، كأنها تعطيه التمام ليكتملوا معاً.
بالأسفل، بعد أن انتهت كاميليا من الثرثرة مع جدائل، قررت الذهاب إلى الملحق الخاص بها كي تخلد للنوم. قابلت كمال في ردهة منزلهم، ويبدو أنه سيخرج ليكمل سهرته بالخارج.
"رايح فين بالشياكة والحلاوة دي؟ عيني باردة عليك النهارده. كنت مغطي على العريس، صحباتي فكروا كإنك أنت العريس، واتفاجئوا إنه أكمل."
ابتسم كمال قائلاً:
"أصحابك؟ قلتيلي. طب كا تشوفيلي عروسة وتكون واحدة من أصحابك دول اللي أعجبوا بيا النهارده، وأهو يبقى الفرح فرحين، واعتبرى نفسك معزومة."
ضربته كاميليا على ذراعه بضيق قائلة:
"وماله يا حبيبي، وعقبالي أنا كمان. أه نسيت أقولك، ابن خالتك لمح لي النهارده إن المرحومة والدتك كانت مرشحاني له، بس طبعًا ده قبل الوصية بتاعت عمو كامل."
"الله يرحمك يا أمي، كانت ديما بتحبك ونفسها تفرح بيكي قبل جدائل. بس عمرها ما سألت نفسها مين فعلاً بيحبك ومين ممكن يتجوزك أي جواز والسلام."
"أهي راحت هناك عند بابا وماما، والظاهر إني هتأخر عليهم، وحشوني أوي. حاسة إن مليش ونيس حقيقي من يوم ما راحوا. بقيت بحسد أي حد لما بلاقيه في وسط أهله."
"إن شاء الله ربنا هيعوضك، بابا موجود، وكلها سنة وهتكوني ليا. الطريق انفتح بينا بعد ما أكمل ارتبط بجميلة، ومن هنا لوقتها ممنوع تجيبي سيرة راجل غيري."
"يعني انت قررت ده من يوم ما جميلة دخلت العيلة؟ ولولا كده كنت هتسيبني لأكمل؟ طب إزاي، وانت في عينيك الغيرة عليا من أي راجل يبص ليا؟"
اضطرب كمال قائلاً:
رواية محكمة الحياة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مروة البطراوي
-منين تعرفي اني عيني عليكي أصلا؟ أنتي أكيد كنتي بتتوهمي. أنا طول عمري خطواتي ثابتة وتصرفاتي عكس اللي في قلبي، وعمري ما وعدتك.
ابتسمت كاميليا قائلة:
-كنت كل أما أقرب منك أحس إنك نار بتفور قدامي. فاكر السنة اللي قبل اللي فاتت في المصيف لما اتعاكست على البحر، أنت اللي اتصدرت لهم.
هز كمال رأسه قائلاً:
-غلط. أنتي كنتي فاهمة كل ده غلط. أنا كان لازم أعمل الصح في غياب أكمل، خصوصاً إنه كان رافض يسافر معانا، وده اللي دفعني أكون معاكم.
ابتسمت كاميليا قائلة:
-ومين قال لك إني فهمت غلط؟ أنت بس كنت رافض تصرح بأي حاجة. مش عارفة إن كنت صح ولا غلط، بس لو كانت كملت كنت هضيعني.
-من فضلك يا كاميليا، بلاش نفتح في الجرح ده. أنا عارف إنك كنتي هتضيعي من إيدي، بس كان صعب أثور على والدي وأخويا. كان عندي استعداد أمشي من حياتكم ولا إني أكسر بخاطرهم.
-أنت معاك حق، بس خد بالك أنت القدر كان معاك. وعشان بس في حياتنا قدام، الفرصة بتيجي مرة واحدة، يا تاخدها يا ترميها وتدوس عليها.
وضع كمال يده على شفتيها حتى تتوقف عن الكلام ورد عليها قائلاً:
-الحمد لله إن القدر كان معايا. بتمنى يكون معايا ديما، وبتمنى إن عمري ما أخسرش أبويا وأخويا ولا أنتِ كمان. سامحيني يا قلبي، أنا استنيت اللحظة دي عمر بحاله.
استيقظت من نومها تتمطى بنعومة، تتحسس المساحة من حولها على الفراش فلم تجده. وبلا جهد منها في البحث عنه وجدته يطل عليها بطلة مرحة تعكس طبيعته. وكأن طَلَّتَه الجديدة هذه تمنحها شيئاً أكثر خطورة عنه، شيئاً هتصبح غير قادرة على مواجهته مستقبلاً.
-جميلة!
زفرت بحنق، خاصة وهو يمد يده إليها بقدح قهوة الصباح. فهي لا تعشقها مثله، تشربها فقط للضرورة. اضطر ليشرب بعضه لطالما هي رفضت احتساءه معه. وبعد انتهائه منه انتبه إليها وهي ترمقه في جمود. كاد أن يتحدث معها ولكن أتاها اتصال من والدتها للاطمئنان عليها، فاضطر لترك الغرفة لها والخروج إلى الشرفة لتناول سيجارة الصباحي.
فتحت الاتصال وردت عليها:
-ماما وحشتيني من امبارح للنهارده. طمنيني عليكي أنتِ وبابا. فطرتوا وأخدتوا الدوا ولا نسيتوا نفسكم عشان أنا مش موجودة؟ قلقانة عليكم جداً.
قدرية وهي تطهو الغذاء:
-يا حبيبتي ما تشغليش بالك بينا. إحنا فطرنا وكلها ساعة وأبوكي يرجع من المحكمة ونتغدى. المهم بنوتي الحلوة عملت إيه؟ طمنيني عليكي.
-دماغي لفت شوية وأنتِ عارفاني مش بطيق القهوة ولا ريحتها، وهو مصبح عليا بريحتها. أعمل إيه بقى؟ كنت براحتي باكل وبشرب اللي نفسي فيه.
-هيجي اليوم هتلاقي نفسك بتحبي كل حاجة هو بيحبها. التألف مش من يوم وليلة، بس تعرفي أنتِ هربتي من سؤالي بس رديتي عليه وطمنتيني.
-ماشي يا حبيبتي، أهم حاجة إنك تطمني أنتِ وبابا. أنا مبسوطة جداً ومش ناقصني غير إني بعدت عنكم حبة صغيرين وبكرة أتعود زي ما قلتي.
خرج من الشرفة بعد انتهاء مكالمتها، يبتسم لها ابتسامة جذابة جعلت قلبها يدق كثيراً. كان يريد إزالة نظراتها الجامدة عنه، فتحدث لها قائلاً:
-عاملة إيه دلوقتي يا جميلة؟ أحسن؟ أنا هكلمهم يبعتوا الفطار أو غدا زي ما بتحبي. وشوفي حابة تشربي إيه. فكرت بتحبي القهوة زيي، بس أحسن عشان ننام بدري.
كان الجمود من أثر احتباس دموعها، ولا يعلم لما تحتبس كل هذه الدموع في مقلتيها. ولكن فجأة فهم كل شيء. فهو كان يرتدي كنزة بحمالات عريضة أبرزت عضلاته، ولكن فوق العضلة بضع سنتيمترات كان هناك جرحاً ويبدو عليه أنه كان مخيطاً بعناية. هي تفهم جيداً إذا كان قديماً أم حديثاً بحكم عملها ودراستها كطبيبة.
-صدقيني الرصاصة مدخلتش دراعه زي ما أنتِ فاهمة. وطبعاً أنتِ دكتورة هتفهمي لو قربتي من الجرح. دي طلقة طايشة، كنت بنضف سلاحي.
انقلبت ملامحها للعبوس، فأراد أن يغير مسار الموضوع، فتحدث في أمر آخر:
-فاكرة لما اتخانقنا على فستان الفرح؟ كنت متغاظ منك يومها. وبعدين أنتِ عارفة إن الفترة دي لازم أأمن نفسي، فنضفت سلاحي والرصاصة جت فيه.
مرة أخرى يكذب عليها. هي لا تريد رؤيته مصاباً بسببها. هتف بحدة بسيطة قائلاً:
-تعالي هنا. أنتِ قلتي هتجيبي فستان حشمة. هو حشمة بس كان حلو عليكي، بس برضه ضيق وضيق خلقي امبارح وأنا بساعدك تقلعيه.
ما زالت صامتة تنظر له باندهاش.
-لو كنت أعرف كده كنت خليتك في أوضتك وعملنا الدخلة فيها بدل ما تنزلي للكل بالفستان ده. وبعدين بطلي بصاتك دي، ما تنطقي بقى.
أخذت تستوعب أمره، ومن ثم ردت عليه قائلة:
-ليه مقلتليش إنك كنت بتنضف سلاحك وانجرحت؟ ده لو كلامك صدق فعلاً. ولو كدبت ليه تكدب عليا؟ أنا مش قلت لك مش بستحمل أشوف اللي بحبهم مجروحين.
ابتسم أكمل قائلاً:
-وأنا بحب أشوف اللي بحبهم فرحانين. وبعدين محصلش جريمة يا جميلة، دي مجرد رصاصة طايشة. وزي ما قلت لك محدش يقدر ياخد منك حاجة.
-أصلاً أنا السبب في كل حاجة. أنا أصل الجريمة. ليه تعمل في نفسك كده وتستحمل كل ده عشاني؟ افرض كنت روحت مني ومن عيلتك، تفتكر كنت هسامح نفسي؟
اقترب أكمل منها قائلاً:
-مش هستحمل تكوني لغيري. عشان أنا حمايتك وأمانك وكل حاجة تخصك. وقلت لك متخافيش ومتتحمليش نفسك فوق طاقتها. وفرّي طاقتك ليا.
نظرت له جميلة وحدّثت نفسها قائلة:
-مش مصدقة. حاسة إن بيتهيألي. هو فعلاً فيه راجل كده؟ ولا ده كلام والسلام والفعل مفيش؟ يارب ما يزهقش من مشاكلي ويبيعني زي غيره.
بعد مرور أسبوع على زواجهم، أخذها في سهرة. وما إن انتهوا من سهرتهم حتى فاجأتهم سيارة دفع رباعي كان يستقلها غسان ورجاله. وفجأة وهم في قمة سعادتهم وجدوا من يحاصرهم. وإذا به غسان يشير لرجاله ألا يقتربوا، وألا يقوموا برد فعل عوضاً عنه، خاصة عندما رفع أكمل سلاحه عليهم. عاد غسان ومنح أكمل نظرة وحش ثابت على موقفه. وهو أخذ جميلة له. نظر لها نظرة موحشة حجرية، وكأنه قائد الشياطين يريد هدم قلعتها الصغيرة. صرخت جميلة بتوسل عندما رفع غسان سلاحه في مواجهة أكمل. وهنا أكمل ضغط على الزناد لتهزه. جميلة تترجاه بصوت متحشرج، منهارة من البكاء:
-لا يا أكمل متعملش كده، أرجوك بلاش. هو هيمشي لوحده، بلاش تضيع نفسك عشانه.
مال أكمل نحوها بنظرة كانت كافية لتوصيل إحساس أنها ستدمر كل شيء بينهم. نظرة باردة أشعرتها بالتعاسة. نظرة حزن منها وشعوره بالعجز في الدفاع عنها من هذا الأخطبوط. ثم تحولت نظراته إلى غضب فاجر، ولكن هيهات. جاءت سيارة أخرى تطلق النار على غسان ومن ثم الانقضاض عليه وأخذه. يبدو أنها تابعة لزعيم المافيا. تحرك أكمل نحو السيارة بهدوء واستقلها، وهي ذهبت لتجلس بجواره صامتة. إلى أن انتهى بهم الطريق لتتفاجأ أنها عند باب منزل أهلها. فهمت أنه الآن لا يريدها. هبطت بهدوء ودلفت منزلها في صمت.
-إيه ده يا جميلة؟ فستانك متبهدل كده ليه وطرحتك؟ وفين أكمل؟ أنتِ جاية غضبانه ولا إيه؟ أنتم لحقتوا وبتعيطي ليه؟ طمنيني قولي انطقي.
ردت جميلة بخجل قائلة:
-الفستان اتقطع من العربية وإحنا رايحين نسهر، ولقينا نفسنا قريبين من البيت. قلت أدخل أغيره عندكم من فساتين. أما أنتِ عارفة إن كل حاجة بعيط عليها.
-مش معقول يا جميلة، لا مش مصدقاكي. طب لو كلامك صحيح فين جوزك؟ مش معقول يكون سبقك على المطعم وبعدين الوقت اتأخر. هتسهروا دلوقتي.
-ما هو أنا قلت له يروح بقى وفرصة أبيّت معاكم الليلة دي. وحشتوني بقالي أسبوع بعيد عنكم وعن البيت وعن أوضتي. خلاص بقى يا ماما.
-حركة غضوبة بس شيك قوي، بس مش عليا يا جميلة. اقعدي واحكي لي إيه اللي حصل بينكم. متخافيش مش هاجي عليه، أنا عارفة إنك متعبة.
هبط هشام من على الدرج وهو يعلم كل شيء، حيث هاتفه أكمل وسرد له كل شيء.
-يلا يا قدرية روحي حضري لهم العشا وسيبي جميلة على راحتها. خلاص جوزها رجع من نص الطريق مقدرش إنها تبعد عنه ربع ساعة.
-يالا يا حبيبتي روحي غيري الفستان وأنا هروح أحضر لكم العشا. أمري لله طالما سيادة المستشار حكم بكده. واضح إنه عرف كل حاجة.
ذهبت قدرية إلى المطبخ، بينما جميلة ذاهبة إلى غرفتها ليستوقفها هشام قائلاً:
-أكمل حكى لي على اللي حصل وإنك كنتي عايزاه يستسلم وميقفش في وش غسان. إيه يا جميلة؟ مش ده ضعف وغلط؟ ولا أنتِ شايفة إيه؟
عضت جميلة على شفتيها بخجل قائلة:
-بابا، أنتم رجالة قانون وعلمتوني إننا مش في غابة والدفاع عن النفس مش بالطريقة دي. أنا خفت عليه يضيع نفسه عشان واحد زي غسان.
دلف أكمل منزلهم واستمع إلى ردها ليبتسم قائلاً:
-عاملة إيه دلوقتي يا جميلة؟ قلت لك كتير إننا هنبقى بخير. غسان لازم يتواجه بالطريقة دي، لو بينا له ضعفنا هنضيع بجد. ثقي فيا، قلتها لكِ كتير.
التفتت إليه قائلة:
-أنا بخير طول ما أنت بخير. والله يا أكمل أنا خفت تقتله فعلاً وتدخل السجن وتسيبني. أنا ما صدقت حياتي تستقر معاك ومش حابة حاجة تفرقنا.
ظل جامداً يرمقها في تعبير متفكر، قبل أن تتقدم نحوه قائلة بلطف:
-أعمل لك قهوة تشربها مع بابا على بال ما أغير الفستان عشان ماما متحسش بحاجة.
نظر لها بلا تعبير، فاستطردت ببساطة وهي تشير إلى غرفتها:
-مش هتأخر وحقك عليا، بس عشان خاطري خليك طبيعي قدام ماما مش عايزها تحس بحاجة. هي مش ناقصة قلق، هي فاهمة إننا اتخانقنا.
صمت قليلاً حتى أدرك مقصدها. وبالفعل كل شيء تم على ما يرام وانقضت ليلتهم في منزل والديها ورحلا إلى منزلهم مجدداً. صعدت من قبله إلى غرفتهم وارتدت قميصاً قطنياً ناعماً خفيفاً. صعد إليها ليجد الغرفة مظلمة، بينما انتعشت بضوء هادئ. نظر للمكان المنبثق منه الضوء ليجدها شفتيها تلمع بحمرة شفاه وردية خفيفة. ظل صامتاً يرمقها بلا تعبير، فهي الآن تمنح نفسها فرصة جديدة كالعادة. ركز عينيه على عينيها التي كانت أشبه بلون المحيط، وجدها تسدل أهدابها بخجل. تقدم منها قائلاً:
-ممكن تبصيلي يا جميلة؟ أنا عارف إن مكنش قصدك يحصل اللي حصل النهاردة، بس غصبن عني ما استحملتش أشوفك بتترجيني عشانه.
أدارت جميلة وجهها بخجل له:
-في حاجة لازم تعرفها كويس. أنا اترجيتك عشانك مش عشانه. هو مش فارق بالنسبة ليا. أنا ممكن أقتله بإيدي، بس ليه وهو روحه متسواش.
زفر أكمل بقوة قائلاً:
-في موضوع مهم لازم تعرفيه. غسان مش لوحده. غسان وراه الراس الكبيرة، بس لو ركزتي في اللي حصل هتفهمي إنه بقى كارت محروق.
نظرت له جميلة باستفهام:
-إيه محروق؟ طب بيعترض طريقي وطريقك ليه طالما معدش ليه لازمة؟ بيلعب لصالح نفسه يعني؟ تقصد إن لسه في دماغه؟ طب والعمل؟
-هو عايزك أنتِ وأنا مش هسمح له بكده. على فكرة كل خطوة بيخطيها ناحيتنا أنا بنقلها صوت وصورة، وكنت عارف إنه مش هياخد غلوة.
احمر وجه جميلة غيظاً وردت قائلة:
-بس ده أنت كنت هتقتله. لا مش معقول. ها، أنت كنت بتمثل عليا؟ طب وأنا هعرف منين كل ده؟ غصبن عني هصدقك زي ما هو صدقك.
-أنا كنت هرجع وهقولك. أنا من أسبوع وأنا ببعت ليهم أخباره، لأني كنت حاسس إن شغله معاهم انتهى. بس هو رافض يرجع ليهم، ده اللي دفعني أنقل أخباره.
اندفعت جميلة قائلة:
-أسبوع وأنا مفكرة إنه نساني تماماً وأنت ما كلفتش خاطرك تفهمني حاجة. وطبعاً بعد ده كله المفروض النهاردة مكنتش أخاف ولا أتهز.
تعالت ضحكات أكمل قائلاً:
-أنتِ قوية معايا أنما بس، وصغيرة وضعيفة قدام الكل. برضه مش بتتغيري. نفسي أشوف قوتك دي قدام الناس مش معايا. معايا عايزك ناعمة.
زفرت جميلة بضيق قائلة:
-عايزني بنوتة معاك وبره راجل بشنبات؟ بحس كتير إنك اتجوزتني للسبب ده إنك شايفني طفلة مع الناس ونفسك إني ألبس روح الطفلة وأنا معاك.
-ومع ذلك وافقتي عليا؟ يعني أكيد في يوم هلاقي روح الطفلة اللي جواكي. أنا معاشرت بعض الصفات وهي العناد، بس أنا عايز أكتر من كده.
ردت عليه جميلة بحدة قائلة:
-مش معني إنك شفت فيا عناد الطفلة إنك هتشوف بقيت صفاتي الطفولية. وبعدين أرجع بالذاكرة لورا وافتكر إني مكنتش موافقة عليك.
ابتسم أكمل قائلاً:
-بس بعدها جيتي مكتبي وطمنتِ قلبي إنك ليا، ودي حاجة كويسة جداً. حتى بعد ما شفتي أول عيوبي وهي السيجار. اقتنعي بقى إننا مكتوبين لبعض.
جميلة بضيق قائلة:
-إيه مكتوبين لبعض دي؟ محسسني إننا كنا عايشين لأمور من زمان. وبعدين أنا مطمنتلكش ولا حاجة، أنا وجهتك تقول إيه لبابا لأنه الوحيد اللي لازم يطمن.
رد عليها أكمل بثقة قائلاً:
-بس برضه مبقتيش لغيري بالرغم من رجعة غسان على آخر لحظة ومن قبل ما تعرفي إنه السبب في قتل أخوكي. كنت عارف إنك عايزاني زي ما أنا عايزك.
شحب وجهها وتسارعت أنفاسها، ليمنحه هذا الشعور لذة. فحالتها هذه تشعره بالانتعاش.
-عرفت من النفس اللي بتطلعيها من صدرك إنك رافضة أي راجل غيري في حياتك. ساعتها هديت وقلت الصبر مسيرها تبوح في يوم من الأيام.
كانت غير مستوعبة لما يقوله لها دفعة واحدة، وعجز لسانها عن الرد. بل شعرت أن الرد هو يعرفه جيداً من قبل ما تنطقه. يالا له من رجل أكمل صحيح.
رواية محكمة الحياة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مروة البطراوي
عاد بعد فترة قصيرة يعترض طريقهم، ولكن ليس في أي مكان كان، في زفاف كمال وكاميليا بعد الانتهاء. وفي طريق العودة، في ظلام الليل الدامس، هبط أكمل من سيارته بعد أن خلع جاكيت بدلته وشمر عن أكمام قميصه يستعد له.
تشبثت جميلة بقميصه، تخشى أن ينتصر غسان هذه المرة ويجرحه. ومن اقتراب غسان منها، كادت جميلة أن تفقد وعيها، بينما أكمل يقف ثابتاً. يعرف جيداً أن غسان لن يجرؤ على إطلاق الرصاص، لأنه ما زال جزء من الجبن باقياً ومتأصلاً في دمه.
أخذ أكمل يستفزه بنظراته الساخرة، لتلمع عينا غسان بانتفاضة صامتة، ثم حرك مسدسه حركة سريعة في وجه أكمل، ثم أردف محاولاً أن يكون حاسماً، ولكن لم يقدر، حيث كان البطء في كلماته وهو ينطق قائلاً:
"طلقها دلوقتي، يا أما هقتلك، وهقتلها، وهحسّركم على شبابكم."
على الجانب الآخر، عند كمال وكاميليا.
كانت تريد معرفة مدى حبه لها، فبدأت تشاكسه قائلة بنعومة:
"مكانك كان ديما في قلبي، بس انت غبي، كنت هتسيب مكانك لغيرك. يالا البركة في ظهور جميلة في حياتنا، كان فاتك أخرس ومش بتنطق."
نظر لها كمال بغضب قائلاً:
"انتي عارفة كويس إن مكنش في إيدي حاجة أعملها، ولولا أكمل وحسمه للموضوع، كان فاتنا مش لبعض. احمدي ربنا على النصيب ده."
نظرت له بلؤم قائلة:
"كان ممكن أكون لغيرك، علشان بس اتفاق قديم بين بابا الله يرحمه وبابا، وتقولي مكنش في إيدك حاجة؟ يعني ما قولتش لأكمل على الموضوع ده."
"لو كان حد غير أكمل، كنت قتلته. لكن أكمل يستحق إن الكل يضحي عشانه. ومن غير ما أقوله يا كاميليا، هو كان حاسس بيكي وبيا، وأهو حلها."
احتضنت كاميليا وجهه وهي تبتسم له قائلة:
"أنا كنت بموت في اليوم ميت مرة، وانت متجاهل مشاعري. عارف لو كنت قلت لي اعترضي، كنت هعترض وهريحك وهريح نفسي."
"وأنا مكنتش عايز منك ده، لا يمكن كنت أخلي بابا يغضب عليك، ولا يمكن كنت أحسس أخويا إنه منبوذ منك. عارف إني سلبي، بس أنا كده."
طوقت كاميليا عنقه بحب قائلة:
"علشان كده انت بقيت جوزي. كون إنك متتهورش وتصبر وتدعي إن أكون من نصيبك، حتى لو كل الأبواب مقفولة، ده كان حاجة كبيرة عندي."
دفن كمال وجهها في عنقها وهو يشدد على احتضانها قائلاً:
"وأنا كمان كنت بسمع دعواتك ساعة صلاة الفجر وأنا معدي من جنب الملحق، بعد ما أكون سهرت طول الليل جنبك بدعي تكون ليا من غير مشاكل."
نظرت كاميليا له باندهاش، ثم ابتعدت عنه قليلاً قائلة:
"أنا مش زعلانة على فكرة من سلبيتك، يمكن لو كنت اعترضت وأنا اعترضت معاك، كنا خسرنا إحنا الاتنين. بابا الله يرحمه علمني الصبر."
"طيب بيتهيأ لي إحنا صبرنا كتير، وده مش وقت كلام يا كوكو، وقت أفعال بقى. تعالي بس ناخد نتيجة صبرنا، وبكرة نحكي في الموضوع تاني."
عودة إلى أكمل وجميلة في مواجهة غسان.
انحنت شفتي أكمل في سخرية طفيفة، وجميلة ما زالت متشبثة به، وهو يحتويها بذراعيه، لا يريد التخلي عنها.
"لا مش هطلقها."
ببساطة، تحرك غسان لينشر سمه بينهم. لتبتسم جميلة بلطف، غير مدركة لمغزاه القبيح، حيث ظنت أنه سيتركهم بسهولة بعد رفض أكمل لطلبه، الذي منحه حقداً أضعاف ما يكنه له، لأنه سرق المرأة التي ستكون ملاذه، امتص رحيقها قبله، كل شيء اغتنمه قبله، وهي في قانون عقله بحقه هو فقط. ولكن هو لم يأت اليوم قاصداً إياها فقط، بل قاصداً إفساد ما بينهم، ومعه الدليل.
"تمام، مطلقهاش، وبالشفا عليك. جميلة بنت أخوها بصحيح، نجحت إنها تدخل قلبك وعقلك وبيتِك ومكتبك وتوصل للورق اللي إحنا عايزينه. لو مش مصدقني، دي نسخة منه. أنا مجتش هنا عشان سواد عينيها، هي معدتش تلزمني. مبحبش آخد حاجة حد أكلها قبلي. نصيحة مني، ارميها قبل ما ترميك، زي أخوها ما رمى أبوها. نسيت أقولك، كان لازم تستغرب كمان يا ثعلب، إزاي واحدة زي قدرية تهدي من ناحيتك؟ ما هو كله تخطيط وانتقام بقى لأجل المرحوم ما يهدي في تربته. الحمد لله إنك ما سبتش واحدة زي دي ليا. عرفت ليه بقى هي وافقت تكون معاك؟ عشان تحمي نفسها، وتبقى انت كبش الفداء. حتى تليفوناتك للبيج بوص، هي اللي دفعته يستقبلها. سوري يا جيمي، مش كل مرة تسلم الجرة، ومش أنا اللي هكون ديما الضحية. مش انتي بتعرفي تمثلي دور الضحية؟ اشربيه بقى لوحدك. وانت يا متر، وحياة أخوك، متبقاش تدافع عن واحدة وأنت متأكد إن عمر قلبها ما هيميل ليك، وملهاش خير في اللي قبلك."
انتهى غسان من حديثه، وأكمل طيلة الحديث يتفحص الأوراق ويفكر كيف أتتها الجرأة لتوصيل هذه الأوراق لهم، وما هو الدافع لذلك. وهي منتبهة على صمته وجموده بعد رحيل غسان، لتسدير تواجهه، تجده يبتسم أمامه بسخرية قائلاً:
"متلخبطة طبعاً ومش لاقية كلام تقوليه. إيه يا جميلة، مش هتقوليلي إيه الدافع إنك تسرقي ورق من مكتبي وتبعتهيه ليهم؟ طبعاً الدافع الخوف يا أكمل."
"مرة تانية بتشك فيا؟ انت عمرك ما هتنسى مين أخويا، ولا أنا أخت مين. عارف لو الكلام ده على جدائل أختك، مش هتصدقه أبداً. انت عايز مني إيه دلوقتي؟"
يريد أكمل أن تصارحه جميلة بالحقيقة لكي يتخذ قراره المطلق.
"عايزك تقولي على كل حاجة. قاعدة في وسطنا بقالك شهر، ولا باين عليكِ أي حاجة من اللي سمعته النهاردة. طب ليه تعملي كده؟ أنا مش مصدق."
"من غير دليل وبينِة بتتهمني؟ أنا قعدت معاكم، ويشهد ربنا أنا مكنتش أعرف أصلاً انت بتدخل أوضة المكتب بتعمل إيه. عارف لو بابا اللي جم، قالوا له بنتك سرقت، عمره ما هيصدق."
زفر أكمل بنفاذ صبر قائلاً:
"طلبت منك الصراحة من يوم ما ارتبطنا. من شوية كنتِ بتترعشي لما شفتي غسان. ولما جه يمشي، فرحتي، كل دي حاجات تخليني أشك فيكي."
صدمت جميلة من مراقبته لانفعالاتها وردت قائلة:
"بتقول إيه؟ انت مراقبني؟ طب ماهو ده ما يدينيش بحاجة، بالعكس. أنا كنت مفكراه هيفرقنا، مكنتش متوقعة إنه جاي عشان شوية الورق اللي أنا معرفش فيهم إيه."
ذهب أكمل إلى السيارة، لتذهب وتجلس بجواره.
"انزلي يا جميلة، طريقنا مش واحد. انتي متخيلة بعد اللي عملتيه ده، هقبل ترجعي تقعدي وسطنا تاني؟ أنا مقدر ظروف، وعارف انتي عملتي كده ليه، بس مش حل."
أدارت جميلة وجهه، ليبقي في مقابلتها:
"أنا عايزة أتكلم، وانت هتتفضل زي المحامي اللي بيسمع أي قضية بصدر رحب، لأن ده شغله. أنا معرفش الورق ده بتاع إيه، ليه مش قادر تصدق؟"
"لأني حبيتك. مش جواز حماية زي ما انتي فاهمة. حبيت جميلة البريئة الصادقة، اللي لا يمكن تبيعني حتى لو شايفة ده في مصلحتها. عارف لو كنت قلت الكلام ده قبل كده، عمرك ما هتصدقيني."
ياله من اعتراف بالحب، ولكن ليس بوقته ومحله.
انهارت مشاعرها، وهو يستطرد قائلاً:
"أنا اتقدمتلك، وانتِ فكرتي إني بخلص مهمة. قررت كتير إني أصارحك بمشاعري، بس ديما كنت خايف، إنك تستهتري بيها، والحمد لله خوفي في محله."
انتفضت جميلة بغضب قائلة:
"واللي بيحب واحدة، بيصدق فيها. تفتكر أنا ممكن أسلم ورق من ورقك ليه؟ هستفيد إيه؟ ما أنا عارفة إنهم هياخدوا الورق ويكون ضدك."
"ليا صاحب زمان قالي، اختار صح. اختار واحدة لا يكون ليها لا أب ولا أم، ولا أخ ولا أخت فيهم غلطة. النهاردة عرفت حقيقة كلامه. محدش بيتغير."
رواية محكمة الحياة الفصل السادس عشر 16 - بقلم مروة البطراوي
انهارت مشاعرها وهو يستطرد قائلاً:
"أنا اتقدمتلك وانتِ فكرتي إني بخلص مهمة. قررت كتير إني أصارحك بمشاعري، بس ديما كنت خايف إنكِ تستَهتري بيها، والحمد لله خوفي في محله."
انتفضت جميلة بغضب قائلة:
"واللي بيحب واحدة بيصدق فيها العبر، تفتكر أنا ممكن أسلم ورق من ورقك ليه؟ هستفيد إيه؟ ما أنا عارفة إنهم هياخدوا الورق وهيكون ضدك."
"ليا صاحب زمان قال لي اختار صح، اختار واحدة لا يكون ليها لا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت فيهم غلطة. النهارده عرفت حقيقة كلامه، محدش بيتغير."
نظرت له جميلة بحزن وأردفت قائلة:
"أنا وأخويا حظنا وحش، يمكن هو خلق حظه بإيديه، وللأسف رسبه ليا في تاريخي. إزاي بقى أنضف تاريخي؟ معرفش. صاحبك عنده حق."
"أخوكي كان بيتعامل مع مروجي المخدرات، يعني إنسان مش كويس. وأنا كنت مراقب ده وعارف، بس ديما كنت أقول له ذنبه إيه سيادة المستشار إن له ابن زيه."
هزت جميلة رأسها قائلة:
"سيادة المستشار بس! ممكن أسألك سؤال، لما أنت كنت متعاطف مع سيادة المستشار بس، ليه تعاطفت معايا أنا كمان؟ ومتقولش إنك حبيتها."
"طبعًا حبيتك، وسؤالك غبي زي أفعالك اللي نهت كل حاجة ما بينا. جميلة، أنا كنت متأكد إنك هتعملي حركة زي دي، بس مش بالسرعة دي."
"النهاردة أنا كمان بأكدلك إن كلام صاحبك صح. ليه ما سمعتش كلامه قبل ما تندمي؟ كنت سبتني أتجوز غسان كان هيوفر عليا موقف زي ده."
هز أكمل رأسه بالرفض قائلاً:
"لا يمكن كنت أسيبك لغيري. دلوقتي بس ممكن أسيبك عشان أنا مش بحب الست اللي تنام جنبي تخوني، مهما كانت دوافع الخيانة فهي خيانة."
نظرت له جميلة بحزن قائلة:
"ليه يا أكمل مصمم إني خونتك؟ أنت حابب إني أطلع خاينة؟ ليه مدورتش على الحقيقة؟ ما يمكن مش أنا. كان أملي لما يحصل موقف زي ده بينا تصدقني."
"هيكون مين يعني؟ عايزني أحقق مع اللي عشت معاهم خمسة وثلاثين سنة وأشك فيهم، وأنتي اللي لسه معاشرة ما أشكش فيكي لمجرد إني بحبك."
ردت عليه جميلة بإصرار قائلة:
"وليه لأ يا متر؟ ولا أقولك يا باشا استنادًا إن كان نفسك تبقى وكيل نيابة. سبحان الله أنت مع الكل محامي، أما أنا وكيل نيابة جلاد تنتظر أي فرصة تجلدني فيها."
"أنا عارف أنتِ عملتي كده ليه، بس أنا مينفعش أفضل متجوزة واحدة جبانة تبيع أي حاجة في لحظة في مقابل الأمان، بس ده مش أمان ده سراب."
"ياااه ده أنت غريب قوي، وتفكيرك غريب زيك. لمجرد إنك تعرف عني إني بحب السلام النفسي والهدوء، يبقى أبيعك عشان ده كله وأشتري راحتي."
"زي ما أنتِ دلوقتي مش عايزة تفارقيني عشان عارفة إنك مش هتعيشي مرتاحة، هتعيشي بتأنيب الضمير وكمان هما مش هيسيبوكي في حالك."
"مش يمكن مش عايزة أفارقك لنفسك أنت، وإني اتعودت تكون في حياتي، ولدي صعب تصدقها، فيا أنا عمري ما كنت صريحة مع حد زيك."
"وجهة نظر ولازم أحترمها غصبن عني. من امتى كنتي واضحة؟ نسيتي لما كنتي رايحة تقابليه وفضلتِ تقولي إن ظهوري السبب في بعدك عنه."
نظرت له جميلة بحزن قائلة:
"يومها برضه حكمت عليا من غير ما تسمعني. أنت طول عمرك بتاخد بالظاهر، وعمرك لا هتثق فيا ولا في غيري. أنت كان همك أكون ليك وبس؟"
"أيوه، لأن مينفعش أكمل الزيات يقول كلمة ويرجع فيها. كنتي عايزاني أطلع صغير قدام عيلتك وعيلتي؟ اللي عملته الصح. ولعلمك أنا مش هطلقك."
"طب ليه مدورتش وريا أكتر وسألت عني أكتر؟ وأنا ليه مفكرتش أقصر على نفسي المسافات وأسرق الورق ده مكتب بابا ولا من عندكم؟"
"لأن ساعتها كان سيادة المستشار هيسألك، ومكنتيش هتقدري تنكري زي ما بتنكري قدامي. ولو عندنا مش من حقك تدخلي مكتبي وأنتي غريبة."
"أنت اللي مش من حقك تجرح فيا أكتر من كده. زمان جرحت فيا وكنا على البر، وأنا قلت مش إشكال أهو راجل وخايف عليكي، بس أنا كنت غلطانة."
ما سمعه منه اليوم كفيل لأن تنهي هي العلاقة به. هبطت من السيارة ومشت بطريقة مسرعة غاضبة ليتبعها وهو ينادي عليها، ويوقف السيارة أمامها متحدثاً بحده:
"استني يا جميلة، إحنا كلامنا لسه ما خلصش. على فين رايحة له صح؟ اعقلي ده هدفه يبيعك ليهم، ما تفكريش إنه حماية ليكي مني، أنتي ليه غبية."
التفتت جميلة ناحيته قائلة:
"نعم، محدش غبي غيرك. إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أروح له ليه وإزاي؟ فهمني. أنت عمال تتهمني في كل حاجة حتى في شرفي، ومش عايزني."
"يعني إيه كلامك ده؟ ممكن تفهميني نزلتي ليه من العربية ومشيتي لوحدك؟ أنا كنت هوصلك بيتكم، لكن مش مسموح ليكي تبقي على راحتك."
"ولما بابا يسألني انتي قاعدة معانا ليه يا جميلة هقوله إيه؟ معلش أصل البيه مزاجي ومزاجه مني خلص. طلبك إيه المرة دي؟ قول أي حاجة إلا الرجوع معاك."
"بلاش تضيعي آخر حاجة ما بينا. أنا عارف إنك بتحبيني وأنا كمان بحبك. إيه رأيك نروح شقتي وأنتي في أوضة وأنا في أوضة عشان محدش ياخد باله."
ردت عليه جميلة بعناد قائلة:
"معندكش حل غيره؟ أنا رأيي ننفصل بهدوء. هي الشقة بتاعتك دي هتحل موضوعنا إزاي؟ بالعكس، أي مكان لا يمكن يحل اللي بينا، غير المأذون."
رد عليها أكمل بغضب:
"ليه كل مرة بتعانديني؟ ممكن أعرف؟ أنا مقدر غلطتك ومش هعاقبك عليها، ولا هفضح سرك قدام والدك، ولا والدتك اللي مش عارف إزاي اتغيرت من ناحيتي."
ردت عليه جميلة بحزن:
"إيه هتصدق الكلام الغلط اللي اتقال عليها هي كمان؟ عشان عاملت معاملة كويسة، تصدق بالله خسارة في كدتك التغيير اللي اتغيرته علشاني."
رد عليها أكمل بغضب:
"ما هو مكنش أوانه يا جميلة إنها تعاملني بالشكل المفاجئ ده. الأحداث كلها جت غلط في غلط، أنتي لازم تقدرى الضغط العصبي والنفسي اللي أنا فيه."
"أكيد مقدرة، إن شغلك دلوقتي مراتك المتهورة سرقته وباعته للمافيا، بس على الأقل أنت مش شاكك إني حرامية، أنت بس مصدق لأني جبانة."
"ما هو استحالة أصدق إن أي حد تاني من البيت ياخد الورق. وبعدين متخافيش أنا حتي مش هفضحك قدام والدك. أنا بس معدش ينفع أعاشرك."
"أنا شايفه إننا نطلق أحسن. المرة الجاية أنت ممكن تصدق إني مندوبة لتصفيتك زي ما أخويا اتصفى. ما هو الغضب عليك مني هيعميني."
رد عليها أكمل بغضب:
"ده آخر كلام عندك؟ تمام. ورقتك هتوصلك بعد شهر بالكتير مش هتتأخر عليكي، بس عشان منظرك في الوسط القضائي وهبقى أقول إنك لا تصلحي للمعاناة."
"هو أنت عندك كلام غيره؟ هتقولهم إيه؟ هتفضح نفسك على آخر الزمن وتقولهم مراتي حرامية وسلمتني تسليم أهالي للمافيا؟ عموما شاطر."
"هتندمي على كل كلامك ده بعد كده يا جميلة، وهتندمي إنك موافقتيش على الفرصة التانية اللي أنا سبتها ليكي. أنت عمرك ما هتكوني قدي."
ردت عليه جميلة بثبات قائلة:
"مش هندم. ومتخافش حتى لو ندمت مش هرجع أغرق قميصك بدموعي. وعلى فكرة أنا قدك وقد غيرك، أنا بس اللي مش بحب أناهد كتير."
فكرة شكه بها في حد ذاتها كفيلة لإصابتها بالتجمد، فهو حقًا لا يستحق جزء بسيط من براءتها. كيف له أن ينظر لها على أنها وقحة لتبيعه بهذه الدرجة؟ تجمد قلبها، بل تجمدت كليًا. لم تنتبه لتشبث عيناه بعينيها وتعلقه الشديد بآخر أمل لرجوعها معه. فهو يريد وجودها أمامه بكل تفاصيلها سواء كانت نعيمه أو جحيمه، لا يريد الافتراق عن لون عينيها ونظرتها حتى لو كانت كارهة له. تعلق كل يوم بملامسة بشرتها، وصوتها الطفولي، وشعرها الذي فتن به. يتساءل ما هذا العذاب الذي أوقع نفسه فيه؟ كيف لجميلة أن تفعل هذا به؟ يريدها دائمًا مثالية وملائمة لكل ما تبتغي عيناه رؤيته.
تركته وعادت إلى منزل والدها الذي كان مستيقظاً.
"مالك يا حبيبتي؟ إيه اللي جابك في الوقت ده؟ مش كنا من شوية في فرح كمال وكاميليا؟ وفين أكمل؟ نهو جراله حاجة؟ أنتي جاية في تاكسي!!!"
بكت جميلة قائلة:
"أيوه جاية لوحدي وفي تاكسي عشان خلاص هننفصل يا بابا. غسان اعترض طريقنا، بس المرة دي كانت مبيت النية صح، عرف يوصل لكل أوراق أكمل."
"ليه يا جميلة تنفصلوا عشان هو سرق جوزي وأنتي مالك أصلاً بحاجة زي دي؟ إيه خفتي كالعادة وحسيتي إن الظهر والسند مش هيكمل؟"
"لا يا بابا، إحنا هننفصل عشان معنديش استعداد أستحمل اتهام أكمل فيا إني أنا اللي سرقت الورق وبعيته لغسان. غسان اللي قاله الكلام ده."
"مش يمكن يكون تمثيل من أكمل على غسان إنه صدقه، عشان غسان كل خططه تفشل؟ ليه يا جميلة بتستعجلي في سوء الظن زي أمك؟"
أجهشت في البكاء حتى احترقت وجنتيها.
"اسمح لي يا بابا، أنت غلطان. أنت لو تعرف اللي قاله ليا بعد ما مشي غسان، كنت عمرك ما هتسامحه، كنت بنفسك هتطلقني منه ومش هتخليني أكمل."
احتضنها هشام على الفور لتكمل بكائها في أحضانه، أخذ يربت على ظهرها بلين قائلاً:
"اهدي بس طيب وبطلي عياط. ممكن تحكيلي اللي حصل من لحظة ما فرح كمال المنحوس ده خلص لغاية ما جيتيلي دلوقتي؟ لأني مش مصدق."
قصت عليه ما حدث.
"أكمل معاه حق يشك فيه. هو مكنش عايش معانا وعارف أنتِ ممكن تفكري إزاي. ومتنسيش إنك في يوم طلبتي إنه يسيبك وتروحي لغسان."
مسحت جميلة دموعها وردت على والدها بعناد قائلة:
"ده مفكرش حتى إنه يسمعني ولا يتأكد. كان سأل واستجوب كل اللي في البيت، بدل ما يتهمني من غير دليل، لمجرد إني في يوم قلت أتجوز غسان."
"هو برضه مش متأكد إنك أنتِ اللي سرقتيهم. وبعدين في الأول وفي الآخر هما أهله. لو عايزين يسرقوه كانوا سرقوه من زمان زي أخوكي."
"يا بابا ده ندمان إنه اتجوزني. وقعد يحكي لي على صاحبه اللي نصحه زمان إنه ميتجوزش واحدة حد من أهلها في غلطة. ده بيعايرني."
زفر هشام بيأس قائلاً:
"قومي اطلعي نامي دلوقتي والصباح رباح يا حبيبتي واللي في راحتك اعمليه. شوفي عايزة إيه وأنا همشيه ليكي، بس فكري كويس عشان مفيش رجوع."
رواية محكمة الحياة الفصل السابع عشر 17 - بقلم مروة البطراوي
وحيدا مجددا، عدت لسابق عهدك. ويحك، كيف لك أن تفعل ذلك في نفسك وفي جميلتك؟ التي أنارت دربك بعد عتمة طويلة صنعتها عيناك. كنت في قمة ما أنت عليه، وها أنت الآن في قاع بئر غويط لا يمكنك تسلقه من جديد والوصول إلى ذات القمة التي كنت تتربع بها.
هي لم تكن يومًا مستقطبة للمال أو الجاه. هي فقط تستقطب راحة البال والصحة. راحة البال التي دائمًا مدونة في خانة التحطم. وأه من الأصابع التي تريد سرق سعادتها وتحطيمها كليًا. الأصابع المعلومة والمجهولة، أو التي كانت مجهولة أمثال غسان. حتى جئت أنت واعتقدت أنك صاحب أسطورتها. ولكن أصبحت سرابًا وعتمة مثل عيناك.
عاد إلى منزله متأخرًا بعد صراع خاضه في الطرقات ليجد جدائل، وكأنما شعرت بحدث ما جعلها تنتظره.
"في حاجة يا أبيه؟ أكمل، أنتم اتأخرتوا كتير. بس جميلة مش معاك، ليه حصل ليها حاجة؟ ولا حصل بينكم حاجة؟ طمني بالله عليك، أصلًا مش مطمنة."
"لا مفيش يا جدائل. ممكن تسيبني أطلع أنام ولما يطلع النهار أحكيلك، أو لو مستعجلة وعندك شغف تعرفي اتصلي عليها واسمعي ليها واحكمي."
تركها واتجه نحو الدرج يصعده، ولكن توقف فجأة وعاد لها يعطيها الأوراق قائلاً:
"ابقي بصي على الأوراق دي كويس قبل ما تكلميها، واسمعي للكلام بتاعها، واحكمي انتي بعقلك قبل قلبك زي ما ربيتك على كده، وشوفي بقى."
"حابب تقول حاجة تانية؟ حاضر يا أكمل هعمل زي ما قلت بالظبط. اهدي انت بس يا حبيبي، أكيد ده سوء تفاهم أو تدخل غسان ما بينكم اللي مش ناوي يجيبها لبر. وصدقني انت أخويا ومحدش يقدر يغير معزتك في قلبي، انتي في مقام بابا."
"تسلمي يا جدائل، شكرًا على ثقتك فيا، وأن مهما حصل عمرك ما هتبقي ضدي. بس يا ترى هتفضلي على موقفك بعد ما تشوفي دموع التماسيح."
عقدت جدائل ما بين حاجبيها بدون فهم، بينما هو تركها وصعد إلى غرفته يحدث نفسه بغضب قائلاً:
"هرجعلك أكيد يا جميلة، بس بعد ما تترجيني أسامحك، وساعتها هندمك ندم عمرك على اللي عملتيه."
هو الآن خاوي جدًا، فارغ من أي مشاعر، يعيش بسلبية مطلقة. طوال عمره يبحث عن المشاعر الإيجابية، وكانت هي أسمى هذه المشاعر. هي شمسه، وهي التي استطاعت إزاحة صخرة قلبه. سقط في بحر عينيها، وغرق بطريقة لا إرادية بها.
علمت من جدائل أنه مريض ويعيش شقة أخرى خاصة به حتى لا يعلم والده بما حدث بينهما. طلبت من جدائل مفتاح الشقة إذا أمكن، ورحبت جدائل بالأمر. فهي صدقت جدائل وتأكدت أنها لن تكذب عليها. لقد رأته صباحًا وهو ذاهبًا لعمله، فهي بالرغم مما حدث منه تتلصص عليه. قررت الذهاب إليه ومحادثته بلطف. هي تفعل كل ذلك لتؤكد براءتها لديه، وأنها ليست السارقة، بل السارق شخص آخر. صعب عليها الإفصاح عنه.
وصلت مبكرة حتى لا يعلم بقدومها، ودلفت سريعًا إلى غرفته، التي دائمًا تتميز بالظلام العنيد. انتفضت عندما دلفت الغرفة من خلفها، فألم قلبها رؤيته يستند برأسه على باب الغرفة وهو عائد من مكتبه. تعجبت كيف لشخص مثلها قوي يبدو الآن أضعف ما يكون. قررت أن تعلمه بوجودها.
"عامل إيه يا أكمل."
التفت إليها وتفاجأ بوجودها، ومن ثم ثبت أمامها ليرد عليها بجمود قائلاً:
"أفندم؟ عايزة إيه؟ جايالي هنا في بيتي دلوقتي ليه؟ انتي قررتي إنك تبعدي، رغم إني عرضت عليكي نعيش هنا ورفضتي، دلوقتي جاية تقرفيني؟"
تملكها الغضب وأجابت عليه قائلة:
"أقرفك!!! وبتسألني عايزة منك إيه؟ انت بتكلمني أنا يا أكمل؟ وبعدين أنا جاية بيت جوزي، ولا البيت ده حد بيدخله غيري وانت خايف لأعرف؟"
نظر إليها أكمل بتعجب ومن ثم أجاب عليها بغيظ قائلاً:
"انتي جايالي دلوقتي تتهميني إن الشقة بيدخلها حد غيرك، انتي مجنونة؟ وبعدين بأي حق، بأي صفة، مش انتي طالبة الطلاق؟ ولا هي تلاكيك."
ردت عليه جميلة بحده قائلة:
"وانت تعرف منين وجع الاتهام؟ أخيرًا جربته يا متر؟ الموضوع مش تلاكيك، أنا قلت هتفرح لما تشوفني بس للأسف حاساك اتضايقت، وطبيعي أتهمك."
تعالت ضحكات أكمل قائلاً:
"ههههه، أومال لو ما كنتيش عارفاني وعارفه إني عمري ما عكيت. اللي بيتهم حد بيتهمه لما يكون له كذا موقف سابق، وساعتها يقدر ينصب له المحكمة."
صدمت من رده وظلت صامتة ليستطرد هو قائلاً:
"عايزة إيه يا جميلة؟ انطقي، هتفضلي ساكتة كده كتير؟ قولي سبب مجيتك، مش عيب ولا حرام لما أعرف، إنما حوار لف ودوران بيخنقني."
أخفضت جميلة وجهها قائلة:
"مين قالك إني بلف وبدور عليك، وبعدين استني كده قصدك إيه إن اللي بيتهم حد لازم يكون له موقف سابق؟ لا مش معقول يكون قصدك وحش."
رد عليها أكمل ببرود قائلاً:
"انتي مش اتهمتيني وانتي عمرك ما شفتي مني حاجة وحشة؟ وبعدين أنا ألزمك في إيه علشان تتهميني بكده؟ انتي مالك ومالي، انتي واحدة هتطلقي مني."
"أرجوك قولي كان قصدك إيه بالظبط. زي ما أنا هقولك أنا جيت ليه، جيت علشان أطمن عليك على الأقل أنا فاكرة العشرة اللي كانت بينا."
قرر أكمل اللعب على أعصابها:
"تطمني عليا علشان العشرة اللي بينا، ولا علشان خايفة لأنسيكي وألعب بديلي؟ ممم، عمومًا إحساس حلو أوي لما ألاقي مراتي بتغير عليا."
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تحدثه قائلة:
"يعني ممكن يدخل واحدة غيري حياتك؟ مين دي يا أكمل؟ المحامية اللي تحت التمرين صح؟ أنا حاسة من يوم ما شفتها إنك معجب بيها، عندك حق."
رد عليها أكمل بصوت أجش قائلاً:
"عايزة تعرفي ليه؟ علشان هي مش جميلة زيك بس عقلها كبير، إنما انتي عقلك على قدك قوي. بصراحة هي في موقف زي ده وغيرك مش هي بس هتاخد موقف مني."
ردت عليها جميلة بحده قائلة:
"تصدق بالله انت متستاهلش أصلًا إني أجي بنفسي أطمن عليك. عارف انت مفكرني عبيطة بس متعرفش شيطاني بيقولي إيه، بيقولي أقتلك."
"عايزة إيه مني تاني يا جميلة؟ مش انتي طلبتي الطلاق؟ انتي فعلاً غلطانة بعد ما تاخدي موقف ترجعيلي، قولي ليه وأنا هسكت وأتخرس."
أجهشت في البكاء ليقرر إطفاء هذه النار، فاقترب منها واحتضنها قائلاً بضعف:
"متعيطيش كدا يا جميلة، اهدي خلاص، طيب حقك عليا، أنا عارف انتي جيتي ليه وصدقيني مبسوط جدًا إني شفتك، وبالنسبة للورق أسف إني اتهمتك."
ابتسمت جميلة من بين دموعها قائلة:
"بجد يا أكمل؟ طب عرفت مين اللي سرقه، ولا قررت مش هتعرف؟ أكمل هو الورق ده مهم أوي وهيكون ضد عليك، لو مش مهم انساه."
ابتسم أكمل قائلاً:
"بجد يا حبيبتي، أنا بعد ما قعدت مع نفسي اتأكدت إنك لا يمكن تعمليها، بس إن الشيطان غسان لحس مخي، بس لازم أعرف مين اللي سرقه."
خشيت جميلة من أن يعرف من هو السارق، فقررت إنهاء الحديث في هذا الموضوع قائلة:
"أنا همشي بقى و هروح وأقول لبابا إنك جيتلي المستشفى وصالحتني ونرجع الفيلا كأن مفيش حاجة، ولا أقولك ما تنقل حاجتك هنا ونعيش هنا."
رد عليها أكمل بغيظ قائلاً:
"عارفة لو هربتي من المواضيع تاني مش هرجعلك، اتعلمي مني تواجهي وأوعي تسكتي عن الحق لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس."
ردت عليه بهدوء قائلة:
"طيب هسيبك وأروح أبلغهم وأرجعلك تاني، وليه بتقول عليا بهرب؟ بالعكس أنا بقولك ننقل هنا عشان ميتسرقش منك ورق تاني، أو حط الورق هنا."
رد عليها بعشق قائلاً:
"أنا ما صدقت إنك تيجي هنا برجليكي، تفتكري هسيبك ترجعي بيتكم كده من غير ما تدفعي جمرك على الأقل؟ تعرفي إن اللحظات دي أحلى."
استطرد وهو يأخذ نفسًا عميقًا وهو يغمض عينيه، تخرج الكلمات منه وهو يقبل كل شبر من وجهها قائلاً بنعومة أذابتها:
"نفسي أفضل معاكي طول عمري، وحشتيني أوي، أنا من غيرك كنت عامل زي اللي سابته أمه وماتت، أوعي تسيبني تاني، أنا من غيرك ناقص."
أخذ قلبها يخفق علوًا وهبوطًا وردت بخجل من كلماته وأفعاله قائلة:
"أنا كمان من غيرك مش جميلة، جميلة بالاسم بس، مش حاسة بأي حاجة، كل حاجة بقت وحشة في عيني، أوعي تقسي عليا تاني، أنا عمري ما أخونك."
"انتي روح قلبي، اتكلمي كمان يا جميلة، طلعي كل اللي جواكي، قولي انتي إيه الدافع اللي جابك ليا النهارده، أنا قلت لك قبل كده إني حبيتك."
"بكرة تعرف تعرف يا حبيبي قبل ما يفوت الأوان وقبل ما ينسانا الزمان. إني حقيقي حقيقي بحبك. وأتمنى أفضل جنبك. وعمر ما يبقي ما بينا خسارة."
أغمض أكمل عينيه بألم قائلاً:
"معاكي حق تغيري كلمات أغنية ليها عمر بحاله، انتي حبيبتي يا جميلة، وحقيقي أنا أسف ليك إني جرحتك وبجرحك من يوم ما عرفتك."
ابتسمت جميلة بسعادة قائلة:
"يعني لو رجع غسان وقال لك إني بتأمر على قتل عيلتك هتصدقه؟ ولا خلاص بنيت جدار الثقة فيا زي ما انت بانيه مع عيلتك، ونسيت إن ليا أخ مجرم."
"أي حد مش غسان بس هيحاول يفرق ما بينا أنا اللي هفرقه من الدنيا بحالها، وعمري ما هصدق حد تاني، وبعدين أنا مصدقتش أول مرة."
"يا حلاوة، يعني كل اللي عملته بعد ما مشي غسان ده كله تمثيل في تمثيل، حرام عليك ده أنا اتقهرت، وقعدت تقولي صاحبك وكنت من شوية بتلمح."
تعالت ضحكات أكمل قائلاً:
"قد إيه انتي طيبة أوي، كنت بشوف ردة فعل غسان هتبقى عاملة إزاي، وردة فعلك لما اتهمك اتهام زي ده، إزاي هتقدري تدافعي عن نفسك."
"وعرفت قد إيه أنا واثقة من نفسي؟ مش قلت لك يا متر انت عمرك ما عاصرت روحي وقلبي عشان تفهم أنا وقت الصدمات والمحن ببقى عاملة إزاي."
"جامدة جامدة يعني، ده انتي طلعتي فوق التوقعات، مكنتش متخيل، مسألتيش نفسك ليه في نهاية الحوار كنت مصمم إننا مش نسيب بعض؟"
تعالت ضحكات جميلة وهي تغيظه قائلة:
"وانت مش فوق التوقعات في التمثيل، صحيح تعلب والتعلب فات فات وفي ديله سبع لفات، أه منك يا مكار."
"حرق دمي وعايزني أرجع معاك."
"ومين قالك إني مش تعلب؟ هو أنا لو مش تعلب كنت عرفت أوقع واحدة بالجمال ده، بس الشهادة لله انتي اللي موقعاني ومن زمان أوي."
تقدمت منه تعبث في أزرار قميصه بدلال قائلة.......
رواية محكمة الحياة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مروة البطراوي
ضحكت جميلة وهي تغيظه:
- وأنت مش وفَّيت التوقعات في التمثيل. صحيح، تلعب الثعلب فات فات، وفي ديله سبع لفات. آه منك يا مكار.
احترق دمه ويريد أن يعود معها.
- ومين قالك إني مش ثعلب؟ هو أنا لو مش ثعلب كنت عرفت أوقع واحدة بالجمال ده؟ بس الشهادة لله، انتي اللي موقعاني ومن زمان قوي.
تقدمت منه تعبث في أزرار قميصه بدلال:
- ماشي يا متر، ولا أقول لك يا باشا. على سبيل يعني إنك كان نفسك تبقى وكيل نيابة. بس تعرف، مكر ولؤم المحامين أحسن بكتير من وكلاء النيابة.
- يا جميلة، حوار وكيل النيابة ده كان والدي هو اللي عاوزه مش أنا يا حبيبتي. أنا عاجبني شغل الثعالب علشان ألاعب بونبوناية زيك. بحب البونبون.
- بعد كده لو قلتها تاني هكرهك في صنف البونبون. هخليك تشرب حشيش بداله. مفيش بونبون غيري، وسيب المحامية تروح تدرب عند غيرك.
- طب ما أنا نفسي في البونبون النهارده. ما تخليني آخد واحدة. الصنف شاحح بقاله ياما، وبكرة إن شاء الله هبعتها مكتب واحد صاحبي، متقلقيش.
ردت عليه جميلة بتمني:
- ياريت تبعتها دلوقتي، عشان فيه بونبون وشيكولاتة ومكسرات، وحاجات كتير. بص الشقة دي أنا متفائلة بيها، وشكلي هقعد فيها على طول.
- طيب، خدي راحتك لغاية ما أخرج أرتب أموري بره وأجيلك. وأبعت أجيب دليفري واللذي منه. وأنتي كلمي سيادة المستشار طمنيه عليكي.
ابتسمت جميلة:
- سلام مؤقت يا بيبي. هدخل آخد شاور، وأنت طمن بابا مش فاوقة لأسئلته وأسئلة ماما. ومتنساش تطمن جدائل وتشكرها، حقيقي صاحبة جدعة.
- ماشي يا نور عيني. خدي بالك، اطفي المكيف قبل الشاور، مش عايزك تبردي اليومين دول. أنا محتاجك ومحتاج أعوض اللي فاتني كله.
قبلت جميلة أكمل، ومن ثم خرج. لتستلقي هي على فراشه وهي لا تصدق نفسها أنها سامحته بهذه السهولة. وهذا هو حب جميل.
الأمر بينهم كان معاندة نفسية لا أكثر. روحه المحطمة بسبب الأوراق التي انتزعت منه كانت تقيد جسده أن يذهب نحوها. ما زالت عيناه بها حزن له أثر كبير، لأنه لم يعرف من السارق الحقيقي. يشعر أنه ليس له نصيب من السعادة الصافية. لقد انكمشت روحه بداخله.
عند كمال وكاميليا.
يشعر كمال بخطأ ما، خاصة أن أكمل دائمًا يتحاشى النظر نحوهم. وعندما يسأله ما به، يجيبه:
- كويس.
الإجابة تكون بكل سلاسة. اضطر كمال إلى أن يسحب جدائل، لعلها تبوح بالسر وراء تغير أكمل وبعده عن المنزل. ولكنها دائمًا كانت تتلوى من الإجابة حتى لا يصل الأمر لكامل والدهم. دائمًا ترد بنبرة هادئة:
- أنت عارف إن جميلة مزعجة، غصب عنه أخدها وراحوا سكنوا لوحدهم.
دلف كمال إلى غرفته يجد كاميليا تصلي وتختم صلاتها.
- صليتي لوحدك؟ كنتي استنيني، مصلتش العشا في المكتب. كان عندي قضية متعبة نفسيًا، ومش عارفة ألاقي ليها حل. الظاهر الواحد هيعتزل.
- الحمد لله إنك بتفكر في القضية من الجانب النفسي، مش بتبقى عايز تكسبها وبس. احمد ربنا على نعمة الضمير الصاحي. بس ده كله ما يعطلش عن الصلاة.
- ربنا يسامحني. أنا فيا أخطاء كتير. أنا نفسي مش قابل نفسي، وعارف إن ربنا مش قابلني. بس بيعطيني فرص وأنا غبي بضيعها من إيدي.
- يا حبيبي، ليه بتقول كده؟ هو أنت عملت حاجة غلط؟ بالعكس، أنا شايفاك أحسن واحد في الدنيا. طول عمرك غير عمي وأكمل، عندك حتة القلب الصافي.
ابتسم لها كمال:
- تلات أسابيع غيروا فيا حاجات كتير. أنا كان لازم أتزوجك من زمان. تعرف إن لحد دلوقتي مش مصدق إننا تحت سقف واحد؟ حاسس إنه حلم.
احتضنته كاميليا:
- أنا حقيقة وهفضل ديمًا حقيقة في حياتك يا حبيبي. أنا فعلًا مش مصدقة نفسي إن في يوم وليلة بقيت ملكك. وبدعي ربنا يديمك نعمة في حياتي.
أحاطها كمال بذراعيه:
- كل ما افتكر إنك كنتي هتبقي لغيري، حتى لو كان غيري ده أخويا، بتجنن. أنا كنت هطفش من البلد وما كنتش هرجع تاني حتى لو كامل الزيات أمر بعكس كده.
- كنت هتعمل إيه لو ما ظهرتش جميلة في حياتنا؟ حتى لما اتجوزنا جميلة اختفت. حتى لو كانت راحت سكنت مع أكمل في شقة تانية، رغم إني مش مقتنعة.
- كل اللي أعرفه، ومن جدائل، إنه شايف إنها بقت مزعجة وخصوصًا على بابا، فأخدها وبعدها. أنا كمان مش مقتنع. حاسس إنهم مش مع بعض.
ربتت كاميليا على صدره:
- أنت كنت قريب منها أوي، وأكتر واحدة فاهمة أكتر من أكمل. إيه رأيك تروح أو تتصل بيها؟ هي مش بترد عليا. هترد عليك زي ما بترد على جدائل.
- الحمد لله إن جدائل موجودة في النص. بس برضه يا كاميليا، حاسس إن جدائل مخبية حاجة كبيرة. هي إيه مش عارف. وإيه اللي حصل ليلة فرحنا.
احتضنته كاميليا:
- فعلًا معاك حق. لدرجة إني حسيت إني نحس. ربنا يستر، إحساسي ما يطلعش صح. بس ليه مش بترد عليا؟ أنا بحبها جدًا. والغريب إن أونكل كامل ساكت.
- على فكرة، كل ده مأثر عليكي ومناقشة الماستر بتاعك قربت. وأنا مش عايز يكون وشي وحش عليكي. ركزي أنتِ وملكيش دعوة بيهم.
ابتسمت كاميليا بسعادة:
- وأخيرًا حقق حلمي، ومن بعدها أجهز للدكتوراه. بحبك أوي يا كمال، خصوصًا لما عرفت إنك أنت اللي خليت أكمل يقنع أونكل إني آخدها.
- بكرة إن شاء الله تنزلي الكلية. ولو محتاجة كل يوم تروحي، مفيش مشاكل. أنا بفكر آخد إجازة من المكتب وأتفرغ ليكي. فرصة أصفي ذهني.
- لااا، مش للدرجة دي يا حبيبي. بطل هروب بقى. من امتى بقيت كسول كده؟ عايز أونكل كمال يقول إنك من يوم ما اتجوزتني وأنا مقعداك جنبي.
ابتسم لها كمال ابتسامة جذابة:
- ربنا يبارك لي فيكي يا حبيبة قلبي. يقول اللي يقوله. طول عمره منتقدني وشايفني أقل حتى من جدائل. بحس إني زي جميلة، الكل مستقل بيا.
- ده أنت نور عيني. ربنا يبارك لي فيك. مين ده اللي يستقل بيك يا كمولة؟ أنا طول عمري شايفاك حاجة كبيرة بنفسك الصافية. وبحب جميلة عشان شبهك.
تذكر كمال شيئًا ما:
- على فكرة، عيد ميلاد أكمل بكرة. وطبعًا المتر مش بيحب يحتفل بأعياد ميلاد. تفتكري جميلة تعرف عيد ميلاده؟ ولو تعرف، هتهتم تحتفل بيه؟
اندهشت كاميليا:
- طب وجدائل مش هتقولها؟ ولا هتخاف من رد فعل أكمل؟ مش عارفة إيه بجد. ديما معقد المواضيع، مع إنها أبسط ما يكون. ربنا يهديه.
- بابا لما جاب نتيجته في الليسانس، أنا فاكر الموقف كأنه إمبارح. وسبحان الله، كان يوم عيد ميلاده. وليه وليه إنه جايب مقبول وهيبقى محامي.
- ربنا عوضه وسعده وبقي من أحسن المحامين. على فكرة، أكمل من جواه عايز يتغير. عشان كده اختار جميلة تغيره. إحنا لازم نوجهها.
- أنا حاسس إنها كمان بتحبه، بس هو ديما بيصدها. بس أنا لازم أعرف إيه اللي حصل يوم فرحي. تفتكري ممكن يكون اتجوزها مؤقتًا لحد ما إحنا نتجوز؟
- الحمد لله يعني مش إحساسي لوحدي. طيب، بص بقى، سيبه عليا. أنا هعرف أقنعه. وأنت عليك جدائل وجميلة، لازم تعرف إيه اللي حصل.
لم ينتبه كلا من هشام وقدرية إلى غياب جميلة، حيث كان هشام منشغلًا بالتلفاز، وقدرية بالمذياع. ومع كلمات ابنها المدونة وشتائمه المتكررة ونقده المستمر لكل من حوله واعتراضه على الحياة نفسها، لم تنتبه يومًا أن ابنها بهذه الفظاعة. تأكدت الآن أن الخيبة كبيرة. أما أكمل، الذي احتضن زوجها وابنتها، حتى هي لم يكن خيبة على الإطلاق، بل هو جبر كامل لجميعهم. يسطو على الجميع بحبه وعطفه وسخائه. استطاع بعبقرية أن يبقي ابنتها تتلهف للقائه. تعتقد الآن أنها بأحضانه وتتمنى ذلك. يا إلهي، كم تغير إحساسها ومشاعرها نحوه. أحيانًا نحتاج إلى الهدوء لكي نفهم بعضنا البعض. أما عن الهجوم، فيفقد رونق الأشخاص والأشياء. أغلقت المدونة وأخذت تدعو لهم.
كانت نائمة على جانبها الأيسر في مقابلته، وهو يداعب خصلات شعرها يحاول إيقاظها. لترد عليه بصوت ناعس:
- أنت مين؟ أنت جيت تاني في الحلم؟ طب هتيجي امتى في الحقيقة؟ كل يوم أحلم بيك بتصحيني، ولما أفوق أكتشف إنها ماما. لدرجة إني مش عايزة أفوق.
تعالت ضحكات أكمل:
- هههه. طبعًا عارف إحساسك ساعتها بتكوني متغاظة جدًا لأن الحلم طلع كابوس. إنما مامتك محاولتش تسألك ليه أنتِ بعيدة عني؟ ولا عرفت؟
- طب ليه كده بس السيرة دي يا أكمل؟ بص يا سيدي، هي عرفت من بابا. بس محاولتش تتكلم في الموضوع ده معايا. لكن كل شوية "هتروح امتى".
- إيه ده؟ أنتِ بتتكلمي عن مين؟ مامتك؟ طب معرفتيش ليه سر التغير الغريب ده؟ العجيبة إنها مش بتيجي تزورك. والطبيعي تشتاقلك وما تصدق.
- الصراحة لا. أنا سألت بابا ماما إيه اللي غيرها كده؟ يقول لي: "اسكتي، وربنا يستر من قلبتها علينا". فأنا بصراحة بعمل بنصيحته. أكمل، أنت شاكك في حاجة؟
- طب ليه بقي مفكراني شاكك؟ تقصدي يعني من بعد كلام الزفت غسان؟ ما أظنش إن مامتك هتعصر على نفسها كيلو لمون وتتقبلني عشان تنتقم.
- بحب ديمًا لما بتكون هادية معايا ومع بابا ومتقبلانا. بس بخاف زي بابا. ربنا يستر يا أكمل. أنا طول عمري بخاف أفرح. الدنيا قلابة ومش عادلة.
- الدنيا ملل، بس لما بيكون فيها جميلة زيك ميتزهقش منها أبدًا. بالنسبة لماما، بلاش نستعجل الأحداث. أكيد فيه سر وهتبوح لنا بيه. اصبري.
- دي حاجة جميلة إنك متزهقش من دنيتك عشان أنا فيها. أنا كمان مكنتش حابة الحياة لغاية ما أنت كملتها. مش هنكر إني بخاف، بس أنت بتديني الأمان.
- بموت فيكي يا جميلة. بحبك وبحب جنانك. ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك. لسه زعلانة مني؟ لو زعلانة، أصالحك. أنا مش ورايا حاجة.
عضت جميلة على شفتيها بخجل:
- أكمل، مش أنت لسه مصالحني؟ ولا ناوي تزعلني تاني عشان تصالحني؟ تعالي نتصالح على طول ونحقق المثل اللي يقول: "ما محبة إلا بعد عداوة".
- ما هو أنا لو قلت لك بكرة إيه، انتي هتصالحيني وتجيبي لي هدية كبيرة. بس والله ما انتي مكلفة نفسك. انتي كلك على بعضك كده هديتي. مش أنا عيد ميلادي بكرة.
تفاجأت جميلة وانتفضت:
- بتتكلم جد؟ طب ليه جدائل ما قالتش ليه؟ أها، عشان كده كل يوم ما تحاولش تجيب سيرتك. وامبارح بالذات فضلت تلف وتدور وتفهمني إنك تعبان. لحظة، أكمل، أنت طمنت بابا عليا؟
- من ساعة كده كلمته وأنتي نايمة. كان بيتفرج على التلفزيون، ولا على باله. الظاهر عارف جنانك وعارف إنك ممكن ترجعيلي في أي وقت.
ابتسمت جميلة بسعادة:
- والله يا أكمل، الواحد مش عارف يودي جمايل جدائل فين. يعني هي عملت لك أحلى مفاجأة، وأنا كمان المفاجأة الأحلى هو رغبتك بالاحتفال.
- عايزك بكرة تبقي ملكة متوجة على عرش أكمل الزيات. وأنا بكرة، من إيدك دي لإيدك دي، كأنه عيد ميلادك. خلينا ننسى أي ذكرى وحشة.
- أنا متلخبطة أولى يا أكمل. أنت بجد بتحرجني بحبك. إزاي مكنتش قادرة أحبك وأنت بالجمال ده؟ كلامك الدبش بقى أجمل كلام في العالم.
تعالت ضحكات أكمل:
- هههه. لا، بس الشهادة لله، اللخبطة ما بينا حاجة غير لخبطتك بره. وبصراحة، أنا بحب أقرب منك عشان أشوف اللخبطة دي فيكي. بطلي كلام بقى وتعالي أقولك مفاجأة كمان.
عندما علم والدها برجوعها، عقد حاجبيه بعبوس. من هذا الانقلاب المفاجئ من النقيض إلى النقيض الآخر في يوم وليلة. وهذا الانقلاب خطير حقًا عليها. دائمًا والدها لا يستجوبها عن تغير انفعالاتها، إلا أن هذه المرة تغير كل شيء. ذهبت لتجمع ملابسها من منزل والدها، فاستدار نحوها ينظر لها مباشرة:
- رجعتي له ليه؟
عليها الآن أن تعترف لوالدها هو الآخر عن سر رجوعها. ولكن ماذا تقول؟ ستقول إن أكمل خطف قلبها ولا تطيق العيش بدونه.
هو الوحيد القادر على تشتيت انتباهها بعد أن كانت تبحث عن السلام النفسي فقط، ولكن بأحترافية ثبتها باتجاه واحد، ألا وهو اتجاه قلبه.
بالرغم من كل الحالات التي مرت بها، هو حقًا مختلف.
ابتلعت جميلة ريقها سريعًا وأردفت بعفوية صادقة:
- أول وآخر مرة هسيب فيها أكمل.
كان يريد أن يكمل حديثه معها، ولكن أتاه اتصال هام، فمن ثم تركها وذهب إلى صاحب الاتصال. وهاتف في طريقه أكمل ليأتيه على وجه السرعة.
طرق أكمل الباب ودلف يصافح هشام:
- مساء الخير يا سيادة المستشار. معلش اتأخرت عليك، كان عندي مرافعة مهمة وما كانش ينفع تتأجل. خير، إيه الموضوع المهم اللي حضرتك عايزني فيه؟
- أهلًا يا أكمل. اتفضل، ارتاح. الصراحة، مش أنا اللي كنت عايزك. واحد غيري، ومينفعش لا يجيلك البيت ولا الشغل، ولا حتى أنت تروح شغله.
ومن ثم أشار إلى من يجلس خلفه. واستغرب من وجود هذا الشخص تحديدًا. ترى ماذا يريد؟
- خير يا سيادة المستشار، إيه الحاجة المهمة والجديدة اللي هيقولها ليا الدكتور نعمان؟ وبخصوص إيه صلة؟ أنا مفيش بيني وبينه أي علاقة.
- لا، في طبعًا. أنا زميل الدكتورة جدائل أختك، والدكتورة جميلة حرمك. وعارف إن جدائل حكالك عني كل حاجة. أومال أنا وسط بينا المستشار ليه؟
- اتفضل يا دكتور، قول خير. عايز تقابلني ليه؟ وخد بالك، أي مواضيع تافهة، أنا مليش فيها. حوار شكوى من جميلة ميخصنيش، هي تعمل اللي تعمله.
- الدكتورة جدائل وجميلة في خطر. غسان داخل تحدي كبير مع المافيا الدولية إنه يلبسهم قضية مخدرات. من النوع اللي بتتحط في الدوا والمحاليل.
انتبه أكمل وأنصت إلى نعمان:
- إزاي يا نعمان؟ وأنت عرفت منين كل ده؟ وتعرف منين غسان أصلًا؟ وليه مبلغتش؟ افرض أصلًا المصيبة حصلت، هتتكلم بعد ما خربت مالطة؟
- هو متفق معايا يدمرهم سوا. وعلى فكرة، دي طريقة الانتقام الجديدة اللي حطاها سينفرو، بعد ما اتأكد من ولائه. أنت عارف إنه على علاقة ببنتها.
اندهش أكمل:
- سينفرو!!! تاني مرة؟ ما هي الخيانة في دمهم. وأنت عرفت سينفرو أنت كمان؟ والله عال. مع إني توقعت إنه هيلعب على جدائل، بس الظاهر طلع ذكي.
- أكيد عن طريقي هيتم كل حاجة. أنا بالنسبة لجدائل وجميلة شخص عبيط، استحالة هيشكوا فيا. على فكرة، أنا متراقب. بس أنا مفهمه إن وسط سيادة المستشار عشان أخطب جدائل.
نظر إليه أكمل بتفكير:
- حاسس إنهم بيشتغلوا ك. استحالة يستخدموا واحد زيك عشان يوصلوا لجميلة وجدائل. مش عارف أصدق وآخد احتياطي، ولا أفكني وأفكر إن الضربة هتيجي من اتجاه تاني.
عقد نعمان ما بين حاجبيه بتفكير هو الآخر:
- ممكن، ليه لا؟ لأنه قالي: "متفكرش نفسك مهم". أنا وصلت لبيت أكمل وأخدت الأوراق اللي تخصني، بس مش دي المهم. لازم جدائل وجميلة ينتهوا.
وقف أكمل واستدار حول مكتب هشام ووقف قبالته يبتسم له:
- يعني زي ما أنت قلت يا سيادة المستشار؟ في حد من بيتي مطلوب منه يخلص من جميلة؟ بس أنا متأكد إن جدائل مش في الليلة. موضوع جدائل ده تمويه.
- قصدك إن ده كله تمويه للتخلص من جميلة وبس؟ معنى الكلام إن فكرة جميلة إنكم تكملوا حياتكم في الشقة أفضل بكتير من الرجوع. صح كده؟
هز أكمل رأسه بتأكيد:
- بالظبط كده يا سيادة المستشار. لو فرضًا إن تخميننا صح، يبقى الصح وجود جميلة في الشقة أفضل. أما بالنسبة للي قاله نعمان، برضه نحطه في عين الاعتبار.
- طيب، غسان كده استفاد إيه لما دخلني في القصة دي؟ طالما فيه حد عندك في البيت ممكن يخلص الموضوع على أكمل وزجه؟ ده كمان عايزني أخطب جدائل ومن زمان.
- أولًا، أنت لما تخطب أختي، يعني هتيجي البيت كتير. واللي جاب له الورق زمان هيجيب له ورق كتير، وأنت اللي هتتلبس لأنك الغريب. ثانيًا، رغبتك زمان إنك ترتبط بجميلة.
- لا، معتقدش. الصراحة، هو طلع معندوش أدنى علم بحواري مع جميلة. كل كلامه إني لازم أقرب من جدائل بأي ثمن. وإني لو رفضت، أنا اللي هلبس الليلة.
هز أكمل رأسه بتأكيد:
- وده يأكد احتمالي الأول. في شخص بيجيب الورق له وهيجيب له أكتر. طبعًا، حوار إن جميلة اللي بتسرق فشنك. إنما أنت هتتثبت عليك.
- والاحتمال التاني، ممكن يكون يعرفه. ما هو اللي بيجيب له الورق، أكيد حاكيله حوار زي ده. أنا بجد مش خايف على نفسي وبس، بالعكس خايف عليهم.
- يبقى لازم ترتبط بجدائل فعلًا لو أنت عايز تساعدهم حقيقي. دخولك وخروجك عندها هيخليني أراقب كويس مين بيدخل مكتبي، لأنه هيلعب في الوقت ده.
- محامي عقر بصحيح يا واد يا أكمل. عرفت تشقلب كيان القضية قبل ما تتعمل. ذكاء ثعلب بصحيح. مش بقولك كان نفسي تكون ابني يالا؟
- بتعلم منك يا والدي الروحي. أقصد يا سيادة المستشار. ومجال الشغل ده علمني كتير. وشاكر لفضلك عليا في حاجات كتير اتعلمتها منك.
نظر له نعمان بإعجاب:
- بجد، أنا مذهول يا متر أكمل. بس إزاي هنقنع جدائل بحوار الخطوبة ده؟ يعني هنقول ليها الحقيقة؟ أصلها عمرها ما هتصدق إن معجب بيها.
ابتسم أكمل بثقة:
- اتعلم، ما تحطش النهاية قبل البداية. ابدأ الموضوع خطوة خطوة. وبعدين، جدائل مش أي بنت. دي عاقلة، ولو عارفة إن الموضوع فيه مصلحة، هتشارك.
- عندك طريقة تقولها يعني؟ على فكرة، أنت برضه مش فاهم قصدي. أنا فعلًا معجب بالدكتورة جدائل. بس لا هي ولا أنتوا هتصدقوني، وهتفتكروني بشتغلكم.
وقف أكمل ينظر إليه بأريحية، وبدأ يتحدث له بجدية:
- إحنا هنخلص مهمتنا. وبعدين نشوف موضوع إعجابك ده بعدين. لازم دلوقتي غسان يصدق إننا صدقناك. حتى جميلة نفسها لازم تصدقك.
- بس يا متر، الدكتورة جميلة دي أول واحدة مش هتصدقني. وهتشك في جدائل إن في حاجة مخبياها ورا ارتباطي بيها. بصراحة، اللي يعينك.
- عارف. بس خلي بالك أنت بس من نتيجة أفعالك. وإن شاء الله هتعدي. وطبعًا سيادة المستشار في ضهرنا. فـ يعني مفيش أي خوف ولا غلطة.
- معاكم وفي ضهركم. عشان لما نخلص منهم، أقدر آخد عزاي في ابني الوحيد، وأقدر أحط عيني في عين قدرية عشان ترتاح من العذاب.
نظر له أكمل باهتمام:
- طبعًا، الست قدرية دي أهم عنصر. لازم يرتاح. متقلقش، المرة دي هنخلص من كل حاجة. هما دقوا المسمار الأخير في نعشهم اللي عندي.
انتبه نعمان له:
- إلا قولي يا متر، هو أنت لسه عندك أوراق غير اللي أخدوها؟ أهم يعني من الأوراق دي. واللي سرقهم ليه مسرقهمش كلهم؟ مش حاجة تحير.
- مفيش حد يعرف أنا بحط الورق المهم فين. حتى أبويا صاحب البيت ما يعرفش. أنا مش مغفل. بس مش هنكر إن اللي سرق ساب أهم ورقة.
- طبعًا عملت بنصيحتي زمان يا أكمل لما قلت لك. اعمل حسابك، مفيش حد يعرف عنك حاجة حتى لو الحاجة دي متخصكش. بس خد بالك.
- كله تمام يا سيادة المستشار، لا تقلق. ومش يمكن كنت حاطط في دماغي إن ده يحصل وسبت الورق ده يتسرق بمزاجي عشان أعرف مين الخاين.
ابتسم نعمان:
- تمام يا متر. أمشي أنا بقى ومنتظر منك تليفون تقولي فيه مبروك يا عريس. الله، كان نفسي أسمعها من زمان وتخيلت متحصلش. أهي حصلت.
ابتسم أكمل له:
- أوعي تتكلم مع جدائل في حاجة قبل ما أقعد معاها وأفهمها. وبعدين، ما تفرحش أوي، ده كله تمثيل. لو حقيقة، استحالة جدائل توافق عليك.
- حاضر يا متر. وإن شاء الله هيبقى حقيقة مش تمثيل. وبكرة هتشيل الشمعة في فرحي وهتشوف. المهم نخلص من غسان والمافيا ويبقى جواز رسمي.
تركهم نعمان ورحل، وأكمل ينظر في أثره بسعادة قائلًا.....
رواية محكمة الحياة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مروة البطراوي
ابتسم نعمان قائلاً:
- تمام يا متر، أمشي أنا بقى ومنتظر منك تليفون تقولي فيه مبروك يا عريس، الله كان نفسي أسمعها من زمان وتخيلت متحصلش، أهي حصلت.
ابتسم أكمل له قائلاً:
- أوعى تتكلم مع جدائل في حاجة قبل ما أقعد معاها وأفهمها، وبعدين ما تفرحش أوي، ده كله تمثيل، لو حقيقة استحالة جدائل توافق عليك.
- حاضر يا متر، وإن شاء الله هيبقي حقيقة مش تمثيل، وبكرة هتشيل الشمعة في فرحي وهتشوف، المهم نخلص من غسان والمافيا ويبقى جواز رسمي.
تركهم نعمان ورحل، وأكمل ينظر في أثره بسعادة قائلاً:
- إن شاء الله عيد ميلادي النهارده، وباذن الله كمان شهر هنكون خلصنا من الكابوس، وساعتها هقولك يا سيادة المستشار أنا وفيت بديني ليك.
- كل سنة وأنت طيب يا أكمل، ربنا يتم كل أمورنا على خير، أنا معملتش معاك حاجة، أنت زي ابني، احتضنتك لأني عارف قسوة كامل، ما هو صاحبي.
- وأنت طيب يا سيادة المستشار، يا أبو جميلتي وجد أحفادي عن قريب، ربنا يباركلنا في عمرك، وتعيش وتعلمنا وتفهمنا وتوعينا وتحتضنا.
تطلعت الأعين لرجلي القانون هشام المرشدي وأكمل الزيات، الذي أصبح وسيمًا عندما ارتبط بجميلة. ود غسان أن يصفيه بسلاح ناري أو يقطع رقبته بمنشار غليظ حتى يتعذب أمامه، خاصة عندما علم من رفيقته الروسية أنها متيمة به منذ لحظة أن رأت صورته مع جميلة. جذب انتباه عينيها بأناقته وطلته المختلفة. أخذت من يومها تتطلع إليه دوماً وتتابع أخباره، وكأنه رجل من رجال الاقتصاد أو عالم أو كنجم من نجوم السينما. دائماً تبحث عن صيد ثمين، ودائماً ما تجدد الرجال في حياتها مثل ما تجدد فساتينها وأحذيتها، ودائماً تبحث عن الصعب. فمن قبل غسان كان سيف، وبعدها عصفت بحب غسان وظن منه أنها رشدت، ولكنها هيهات! هي الآن متيمة بأكمل الطاهر. ترى هل الطاهر سيندس نفسه مثل ما فعلها غسان وسيف؟
بعد انتهاء لقائه بالمستشار هشام، عاد إلى منزل والده. قابل كمال في الردهة:
- حمد الله على سلامتك يا أكمل، أومال فين جميلة؟ أوعى تقول إنكم منفصلين عشان كده سبت البيت. كل حاجة بتشيل هم كامل الزيات، لحد إمتى؟
نظر له أكمل بمكر قائلاً:
- عايزها ليه؟ وأنا بشتغل هم كامل الزيات وهفضل شايل هم عقابه ليا لحد ما أموت، ومش عيب ولا حرام. وبعدين ليه افترضت إننا انفصلنا؟
- هو أنا مش عارفك، ما تقدرش تبقى سعيد لفترة طويلة على بعضها، وبعدين السبب اللي قالته جدائل مدخلش زمتي، وكاميليا بتتصل بيها مش بترد.
رد عليه أكمل بمزاح قائلاً:
- لا يا راجل، للدرجة دي سمعتي وحشة في موضوع السعادة دي؟ تصدق بالله ما حد سوء سمعتي غيرك بكمية النحنحة اللي عملتها يوم فرحك.
أمسك كمال أكمل من تلابيبه قائلاً:
- أنت كنت حاطط كاميرات جوه أوضتي يا أكمل؟ هي حصلت؟ جرّأيه اللي بنعمله في العالم هيتعمل فينا، يا فضيحتك يا كمال، كله كان على الهوا!
أنزل أكمل يديه قائلاً:
- دماغك راحت فين؟ يعني هو أنا أهبل أزرع كاميرات لأخويا وأشوف اللي مينفعش يتشاف؟ مالك يا أبو كمال، دماغك ساحت من الحب؟ أنا بتكلم عن الفرح.
ضيق كمال عينيه وسأله بتوجس قائلاً:
- أنا شكلي خربت الدنيا يومها ما بينكم، أكيد شافت أم الرومانسية بتاعتي مع كاميليا وحزنت على نفسها، ما هو بصراحة أنت السبب، قلت لك اتعلم.
ابتسم أكمل بسماجة قائلاً:
- أنت عايز الكبير يتعلم منك أنت؟ وبعدين تعرف إيه أنت عن الرومانسية؟ الحب مش معناه إني أبقى مفضوح قدام الناس، في حب بيبقى في القلوب.
تعالت ضحكات كمال قائلاً:
- وبعدين معاك يا أكمل باشا، شكلك بتخربها في الخفاء وإحنا مش داريين، عموما الله يسهله يا عم، بس برضه أنا إحساسي إنكم زعلانين.
- اطلع أنت منها يا كمال، خليك في حالك وفي كاميليا اللي شكلها هتسقط بسبب الرومانسية بتاعتك، إحنا بنزعل وبتصافي لأننا ملناش غير بعض.
- احممم، أنا عايز أعطيك هدية بمناسبة عيد ميلادك بس خايف تكسفني زي كل سنة، أتمنى السنة دي تقبل هديتي لأنها مهمة جدا، يارب وش جميلة يبقى حلو عليا.
أكمل ببلاهة:
- عيد ميلاد مين؟ عيد ميلادي أنا؟ طب خليها في سرك بقى، أوعى المستشار كامل الزيات يعلم بموضوع عيد الميلاد ده، لأحسن يفكرني بحكاية وكيل النيابة. هههههه، أنت لسه فاكر يوم تخرجك من الليسانس؟ يا عم فكك، ده تلاقيه نسي أصلاً، بس فرحتني والله إنك تقبلت موضوع عيد ميلادك السنة دي.
- والله ما كنت ناوي بس قلت فرصة أفرح جميلة، من زمان ما فرحتش، تعرف ده كأنه عيد ميلادها، عمالة تحضر له من بدري، أنا كمان فرحان.
تعالت ضحكات كمال قائلاً:
- هههه، على العموم الله يسهله يا عم، جميلة طول عمرها ذوق وبتحب الفرفشة، مش نكدية زي ناس، ربنا يباركلكم في بعض، ويعوضكم.
جاءت جدائل من خلفهم قائلة:
- قول له يا سي كمال إن جميلة مفيش منها اتنين، ومينفعش إن يتشك فيها ولا يتعلم عليها، ولا تتعامل معاملة وحشة، لو خسرها مش هيعوضها.
كانت تنظر إلى أكمل بتشفٍّ وهي تتحدث. هي وعدته ألا تقول لأحدهما عن أي شيء، ولكن طالما تصالحوا أنهت هذا الوعد وأرادت أن تلقنه درساً كي لا يفعل بجميلة هكذا مرة أخرى.
- ما أنا بقوله أهو يا ست جدائل، بس أنا مش فاهم حاجة، شك إيه واتعلم عليها إيه، وليه يا أكمل عاملتها معاملة وحشة؟ جدائل معاها حق لو خسرتها مش هتعوضها.
- اسكتي يا جدائل، كده في لحظة بعتيني، مش وعدتيني مش هنبوح بالسر لحد؟ أيوه يا كمال شكيت إنها لسه بتحب غسان، وطبعاً أنت السبب.
- لاااا، وأنا مالي بالليلة دي، وبعدين أنت مش هتخلص من عقدة غسان، ما هو غار وارتحنا منه، شيل الهواجس دي من دماغك بقى وفوق لنفسك.
أخفض أكمل صوته برجاء قائلاً:
- عديها بقى خلاص يا كمال، أبوك لو سمعك هيسمعني محاضرة يا طولها يا عرضها، وهيقفلني من الجواز نفسه وهيقولي أنا قلت لك أنت لا تصلح.
نظر له كمال بمكر قائلاً:
- علشان تحرم بس تعكنن على الغلبانة، بطل بقى عقدة الشك يا شكاك، جميله دي تأمن لها أكتر ما تأمن لأخواتك اللي من أبوك وأمك، دي أختنا.
- وأنا أقدر برضه أزعلها تاني؟ خلاص حرمت، ده أنا قعدت تلات أسابيع في عذاب وهي بعيدة عني، وما صدقت إنها رجعتلي، والبركة في جدائل.
ثم وجه أنظاره نحو جدائل قائلاً:
- جدولة، فين جميلة دلوقتي؟ اتصلي بيها خليها تروح على هنا، ولا أقولك بلاش دلوقتي، خلينا نتكلم في موضوع مهم، أنتي جايلك عريس.
اغتاظت جدائل قائلة:
- عريس!!! طب ليه مش عايز تتكلم وجميلة هنا؟ أوعى يكون العريس اللي في بالي، لو نعمان مرفوض يا أبيه أكمل، استحالة آخد واحد كانت عينه من صاحبتي.
- اتفضل يا متر، أظن معروف السبب، عقدة جديدة من العقد اللي زرعها فين كامل الزيات، العجيبة إنه زرعها فيكم وكبرت، أنا بقى دبلت الحمد لله.
ابتسم أكمل قائلاً:
- أه طبعاً عارف، أنت مش بيتزرع فيك حاجة أصلاً، بصي يا جدائل، الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة، ده تمثيل، الصراحة غسان لسه موجود.
ثم استطرد وهو ينظر إلى جدائل قائلاً:
- خدي بالك الغلطة المرة دي برقبتك ورقبة جميلة، هو زرع نعمان ما بينكم، بس نعمان طلع ابن حلال وطيب، جه وحكى ليا كل حاجة وأنا اللي قررت كده.
استوعبت جدائل الخطة:
- متخافش يا أبيه أكمل، أنا روحي فداكم، وتقريباً فهمت الخطة أو التمثيلية، المشكلة مش فيا، المشكلة في جميلة، إزاي هتصدق إني وافقت عليه.
نظر أكمل إلى كمال الذي كان مدهوشاً لما يسمعه:
- الخدمة دي بقى هيقدمها لينا حبيبي أبو كمال، هو اللي هيقنع بابا بنعمان وهيقول إنه جاله يخطبها، لأن جميلة مش هتقتنع إنه طلبك مني.
مازحه كمال قائلاً:
- لا استغنوا عني بالله عليكم، أبوك لو عرف إنها تمثيلية هينفخني أنا، وطبعاً مش هيجي جمبكم أنتم حبايبه، وهيفكر إنكم سمعتوا كلامي كأني سحرتكم.
- بقي كده؟ أنا غلطان؟ هسلط عليك كاميليا تقرفك في عيشتك، أنت عارف هي بتعزنا إزاي، ولو طالت ترمي نفسها في البحر هترميها عشاننا.
تعالت ضحكات كاميليا من خلفهم قائلة:
- هههه، حاضر من عينيّا، فهموني أنتم بس أعمل فيه إيه، ومن الصبح هكون عاملة، ها الحكاية على مين وفين جميلة؟ أوعوا تكون الحكاية عليها.
ابتسم كمال ابتسامة عريضة قائلاً:
- ده أنا عندي حكاية أحلى من ده كله، اصبري بس بعد ما نطفي الشمع هحكيهالك، عم أكمل، ست جدائل، أنا موافق على أي حاجة عايزينها.
نظرت له جدائل بوعيد قائلة:
- مش هنسالك يا كبير، خلي بالك لو معملتش اللي إحنا عايزينه، علينا وعلى أعدائنا، ماشي يا حبيبي؟ نسيبك بقى مع حكايتك أو شهرزاد تقطع لك راسك.
نظر أكمل إلى جدائل بعد رحيل كاميليا وكمال قائلاً:
- كان نفسي أجيب لك عريس بحق وحقيقي، قوليلي لو مش موافقة على التمثيلية دي هوقفها فوراً، بس ملقيش في عينيك نظرة حزن ولا نقص.
زفرت جدائل بقوة وتقدمت إليه، وظهرها ينظر إلى الفراغ بحب قائلة:
- نفسي في حد زي نعمان، بس يا خسارة، هو عمره ما بص ليا، يمكن عشان أنا جد شوية، رغم إني كنت بشوف في عينيه انتقاده لحركات جميلة.
التفتت إليه أكمل وأمسك يدها وسحبها خلفه، لدرجة أدهشتها وخشت أن يعنفها:
- أنت واخدني على فين بس يا أبيه؟ والله ما كان قصدي، وبعدين صدقني أنا عمري ما كنت في باله، وكل الحكاية تمثيل، كفاية عليا، مش طماعة.
- مش أنتِ عايزة حد شبهه؟ تعالي ورايا أقول لك بره هو قالي إيه، مش عايز حد يسمعنا، بصي يا جدائل، هو فعلاً قالي إنه بيكن ليكي مشاعر، بس هو متأكد إنك لا يمكن تصدقيه.
أخفضت جدائل رأسها بخجل قائلة:
- بس دلوقتي جميلة هتقول علينا إيه؟ الموضوع مش وقته خالص، ده أنا كنت بدفعها تقرب منه، لأنه مفيش منه غلطة، وأنا اللي قلت له يبعد عنها.
- يقولوا اللي يقولوه، المهم إنتي روحك بتنادي مين، وطالما روحه بتناديكي، أوعي تقتلي روحك، اغتنمي الفرص ومتحطيش أي اعتبار لحد.
عاد إلى منزله ليتفاجأ بجواب في صندوق البريد، فأخذه وقرأه بعناية. رفع حاجبيه في صدمة، كيف يمكن لهذا الشخص تحديداً أن يؤذيه؟ لا، هو لم يؤذه تحديداً، هو أذى جميلته التي يتردد الشيطان نفسه في إيذائها. ولكن مهلاً، هو فعل هذا لماذا؟ ولكن هو لم يفعل هذا تحديداً لإيذائها، فهو في كل الأحوال يرى أنه لا يجوز لجميلة التي تتمتع بهذا النقاء أن تؤذى.
كانت جميلة منتظرة قدومه، أخذت تراقب صدمته وهي تبتسم، تعتقد أن صدمته من الترتيبات التي افتعلتها من أجل حفلة عيد ميلاده.
قالت في تصالح تام مع نفسها:
- جدائل قالت لي إنها عملت لك كده قبل كده وأنت رفضت، هتعمل معايا كده أنا كمان؟
انتبهت عيناه لما افتعلته من أجله، فحاول رسم ابتسامته نظير انجذابه للأشياء التي افتعلتها من أجله في تزيين المنزل وتجميل محياه:
- دي حاجات جميلة قوي يا جميلة، حقيقي ده أحلى عيد ميلاد في دنيتي كلها، كل سنة وأنتي معايا وميفرقش ما بينا لا عدو ولا حبيب، بحبك يا أنقى حاجة في حياتي.
أخفضت جميلة وجهها خجلاً قائلة:
- كنت حاسة إن نفسك تفرح من زمان، وبالرغم إني تعبت، بس تعبك راحة، عارفة إني بالغت وجبت حاجات ملهاش لازمة، بس دي حاجة بسيطة.
جذبها أكمل يحتضنها، دافناً وجهه في رقبتها قائلاً:
- أنتي أغلى هدية عندي في الدنيا، أحلى شخص دخل حياتي وقلبي، أنتي تستاهلي إني أفضل شايلك على راسي العمر كله، مفيش حاجة أنتي تجبيها ملهاش لازمة.
احتضنته بحب وهي تطوق عنقه بذراعيها:
- خليك ديما جنبي، وديما قولي كلام حلو زي ده، كل كلامك بيدفعني أتعلق بيك أكتر، ومش بندم على أي يوم لينا سوا، بندم إني ماشفتش الحلو اللي فيك.
رفعها أكمل ودار بها ثم أنزلها وأسندها على الحائط من خلفها، محاصراً إياها قائلاً:
- أنتي أجمل جميلة، واللي جاي بينا هيكون أحلى أيام، خليكي ديما جنبي وفي ضهري، أوعي تسيبيني مهما كان، ثقي فيا أنا بس، وأوعي تثقي في غيري.
ارتعشت جميلة واختلجت مشاعرها وشعرت بسعادة تدغدغ مشاعرها لتقول بكل تلقائية:
- أنا بحبك قوي، ولا يمكن أفقد ثقتي بيك، ولا أضيعك من إيدي، أنت الماضي والحاضر والمستقبل، جنبك وفي ضهرك وكل اللي تقوله صح.
ألصق أكمل جبهته في جبهتها قائلاً بفرحة:
- يا حبيبتي يا جميلة، كل كلمة بتقوليها بحس إنها كتيرة عليا، أنا عايش معاكي حياة كنت متوقع إنها مش هتحصلي لا في حلم ولا في حقيقة.
تأثرت جميلة من كلماته وأخذت أنفاسها تعلو وتهبط سريعاً:
- يا حبيبي يا أكمل، بحبك قوي، هو إحنا هنفضل ملزوقين في الحيطة كده كتير؟ ما تيجي نطفي الشمع بقى، أنا قلت نبقى لوحدنا أفضل ومعزمتش حد.
أخذ ينظر إلى شفتيها برغبة عارمة، لتغمض عينيها وتعض على شفتيها بخجل، تعلم حتماً أنها ستضيع في نظراته أكثر. لم يشعر إلا وهي تبتعد عنه قليلاً، ليثبتها قائلاً:
- متبعديش عني أبداً، وفتحي عينك وشوفي عيني باصة على إيه، مالك يا جميلة؟ هو إحنا أول مرة نكون سوا؟ لسه بتتكسفي مني؟ أنتي عارفة أنا عايز إيه.
ثم استطرد وهو يلصقه جبينه بجبينها قائلاً:
- يا حبيبتي.
رواية محكمة الحياة الفصل العشرون 20 - بقلم مروة البطراوي
ألصق أكمل جبهته في جبهتها قائلاً بفرحه:
- يا حبيبتي يا جميلة، كل كلمة بتقوليها بحس إنها كتيرة عليا، أنا عايش معاكي حياة كنت متوقع إنها مش هتحصلي لا في حلم ولا في حقيقة.
تأثرت جميلة من كلماته وأخذت أنفاسها تعلو وتهبط سريعًا:
- يا حبيبي يا أكمل بحبك أوي، هو إحنا هنفضل ملزوقين في الحيطة كده كتير، ما تيجي نطفي الشمع بقى، أنا قلت نبقى لوحدنا أفضل ومعزمتش حد.
أخذ ينظر إلى شفتيها برغبة عارمة لتغمض عينيها وتعض على شفتيها بخجل، تعلم حتماً أنها ستضيع في نظراته أكثر. لم يشعر إلا وهي تبتعد عنه قليلاً ليثبتها قائلاً:
- ما تبعديش عني أبدًا، وافتحي عينك وشوفي عيني باصة على إيه، مالك يا جميلة، هو إحنا أول مرة نكون سوا، لسه بتتكسفي مني، انتي عارفة أنا عايز إيه.
ثم استطرد وهو يلصق جبينه بجبينها قائلاً:
- عايزك تبقي ملكي في كل دقيقة ووقت، انتي مراتي المفروض ميفضلش الكسوف ما بينا كل مرة، وبعدين انتي شقية أوي انتي مرضتيش تعزميهم عشان فاهماني.
- ما كل مرة انت بتضيع كل حاجة مرتباها و شكلي بيبقى وحش أوي قدام الكل، بتوه وأنا جنبك وقدامك، فقلت بلاش يشوفوا لخبطتي معاك.
ثم استطردت وهي تطوق عنقه بذراعيها مجددًا تحتضنه بقوة قائلة:
- وبعدين ببقى خايفة اللحظات ما بينا تخلص أوام أوام، ما انت عارف إني منحوسة وكل اللي بتعلق بيهم بيضيعوا مني، مرعوبة من غسان.
احتضنها أكمل بقوة قائلاً:
- يعني بعد ما نورتي حياتي هقوم أنا طافي النور وماشي، متخافيش، لو انتي منحوسة أنا محظوظ، وهفضل معاكي العمر كله، خلينا بس نعيش اللحظة.
ردت عليه جميلة بتمني قائلة:
- يارب يا حبيبي، لذلك خلي بالك من نفسك، فكر ديمًا وانت بتعمل أي حاجة إن مينفعش تسيبني لوحدي في الدنيا دي، وابعد عن أي حد يأذيك.
ابتعد عنها قليلاً قائلاً:
- يلا علشان نطفي الشمع بدل ما يسيح والشقة تولع، وبدل ما نحتفل يترحموا علينا، وبعدين أنا مش ناسي إن أكيد بعد ده كله في هدية أنا منتظر.
تم إطفاء الشمع مع قبلة حميمية منه إليها، ومن بعدها أخرجت علبة مخملية بها خاتم فضة بفص فيروزي قريب من لون عيونها. أعجبه كثيراً ثم نظر إليها يشكرها لتقاطعه هي قائلة:
- ما تشكرنيش يا حبيبي، لأن بصراحة البركة في جدائل، هي رقيقة أوي وجميلة، بتساعدني كأنها أختي مش أختك، هي قالت لي إنك بتحب الفضة.
- بعد كده ابقي اسأليني أنا، ماشي؟ أنا اتعلمت من كمال إني لما أحب حاجة أجبهالك، ومروحش أسأل جدائل، وبعدين أنا مكنتش هقولك شكراً.
هزت رأسها بموافقة وهي تبتسم له قائلة:
- حاضر، انت كمان متبقاش تاخد نصايح من كمال كتير، هو معندوش خبرة زي ما انت فاهم، هو بس عشان كاميليا بتحبه بتتقبل منه كل حاجة.
- لو فتحتي قلبي هتشوفي فيه إني بتقبل كل حاجة منك، هو ده الحب يا جميلة، صحيح في الأول مكنتش متقبل أي حاجة منك بس مع الوقت اتغيرت.
جميلة وهي تحاول مراوغته قائلة:
- هو انت اتغيرت بجد؟ أنا مستغربة بجد يا أكمل، مكنتش متوقعة إنك في يوم من الأيام تبقى بالشكل ده، حيث كده بقى تعالي ناكل تورته لأحسن جعانة أوي.
- استنى بس في خبر عايز أقوله ليك هتتفاجئ منه جداً، جدائل متقدم ليها عريس، والعريس ده خلي والدك يتوسط له، انتي عارفاه الدكتور نعمان.
نظرت له بتوجس قائلة:
- هو ساب كل البنات الموجودة في الدنيا وملقاش غير جدائل، ده عبيط، هو عايز أي دكتورة زميلة له والسلام، طب ليه؟ وانت وافقت؟ بس جدائل مش هتوافق.
- إن شاء الله هتوافق، أنا مكنتش ناوي أقولك الحقيقة بس هقولك لأن اتأكدت إنك محل ثقة، نعمان متجند لحساب غسان عشان يورطكم في تسريب أدوية مخدرة.
ارتعشت جميلة بخوف ووضعت يدها على رأسها قائلة:
- الكلام ده حقيقي!!! ربنا يخدك يا غسان، هو الموضوع ده مش هيخلص يا أكمل؟ وبعدين انت متأكد من اللي قال نعمان؟ ما يمكن بيكذب.
احتضنها ليطمئنها قائلاً:
- متخافيش يا قلبي، أنا اتأكدت بنفسي، أصلاً غسان بيلعب على الكل، وبعد ما عرف إننا رجعنا لبعض قرر يعرفني مين اللي سرق الورق.
***
دائماً فيري وسينفرو يضعون الكاميرات في كل مكان تطأ به قدم غسان، وعلماً أنه بعث رسالة لأكمل يعلمه من السارق الحقيقي، بصقا سوياً على قراراته الغبية، فهو بهذا الشكل سيفشل الخطة الهامة وكل ذلك لماذا؟ نظير امتصاص رحيق جميلة بأي شكل. قرر سينفرو ليحضر بنفسه من روسيا لكي يتدبر الأمر مع فيري التي جاءت مصر خصيصاً من أجل الظفر بأكمل وتجنيده لحسابها، ففوزها بأكمل يعد الفوز الأضخم والذي سيتم من بعده العديد من الإنجازات للوكالة الدولية الذي يمتلكها سينفرو. اختارت أن تقطن في مكان بعيد عن البشر واستدعت غسان ليظهر أمامه والدها سينفرو بمعطفه الأسود وقبعته التي تخفي ملامحه. ارتجف غسان من مجيئه لتحتضنه فيري وتطمئنه، أنه جاء لتدشين حدث مقتل جدائل وجميلة. تحرك سينفرو بهدوء بملامحه الصارمة، ومنع حرسه أن يقترب من هذا الاجتماع، أصبح لا يثق في أحد حتى في ابنته وفضلاً عن مزاجيتها في تبديل الرجال، دائما مشاكسة تظن دائما أن جمالها سيشفع لها، دائما تخترق أي رجل يعجبها ولكنها تجمدت فقط أمام أكمل خاصة عندما التقت به ووجدته يرمقها بحدة صقر ناري ثم بكل سلاسة أشار لها بسباباته وطردها خارج مكتبه كله وهذا الموقف لن تنساه أبداً.
جلست هي ووالدها بجوار غسان وهو شارد جاحظ العينين:
- بقي جميلة تعمل فيك ده كله يا بيبي، دي حتة بت عبيطة والكل بيشهد بغبائها حتى مش عارفة تحافظ على جوزها، هو كمان مش حاطط ليها اهتمام.
نظر لها غسان بأعين تطلق شراراً ورد عليها قائلاً:
- مش جميلة اللي تعمل فيا كده وأنتي عارفة يا فيري وبلاش أسلوبك المستفز ده، أنا أكتر واحد عايز أخلص منه أكمل وأنتم مش عاطين ليا فرصة.
رد عليه سينفرو قائلاً:
- خلاص بقى انسي أكمل يا غسان، هو دماغه ألماظ والمنظمة محتاجاه لتسهيل أعمالها في مصر، فتصفيته مش دلوقتي بعدين، وأنت اللي هتصفيه بنفسك.
انتفض غسان بغضب قائلاً:
- أنتم ديماً ضدي، كان هدفي آخد جميلة قبله وأنتم عطلتوني، ودلوقتي عايز روحه برضه معطلني، أنا لا يمكن أسيب حقي ولا أنساه، وأنتم بلاش الثقة دي فيه.
- أنت كده هتودي نفسك في داهية يا بيبي، وساعتها هقولك باي باي، وغيرك يملكني، اسمع كلام بابا هو عارف قوانين اللعبة وأنا واثقة فيه.
نظر لها غسان بشر قائلاً:
- خلاص يا حبيبتي يبقى انتي اللي عليكي الخلاص من أكمل ومتخافيش انتي ليكي أسلوبك وطريقتك وحطي في بالك عشان تخلصي من جميلة بسهولة لازم تخلصي من أكمل الأول.
فيري أورسلان الابنة الغير شرعية لسينفرو دائماً كانت تعاني من حالة رفض لحياتها الساقطة بشكل عام، خاصة بعد الحادث التي تعرضت له على يد سينفرو لكي يتخلص منها وهذا ما سبب لها عجز مؤقت في قدمها فهي بالرغم من كل مقومات الجمال التي تتمتع بها إلا أنها عرجاء وتظن أن أي شخص يرفضها يرفضها لهذا السبب وتحاول تعويض نقصها بكافة مقومات الأنوثة والإغراء التي تتمتع بها. بالطبع رفضت كل خطوات العلاج لكي تعود قدمها كأي قدم عادية لكي تثبت لسينفرو أنها قادرة على مواجهة كل شيء بقدم واحدة، حتى أنها رفضت خطوات العلاج النفسي وبالتالي كانت تكره كل أنثى تأخذ ما تمتد إليها عينيها. لم تنسى طرد أكمل لها من مكتبه وبالتأكيد كل هذا بسبب أنه مغروم بجميلة.
صمتت فيري لوهلة وابتسمت وردت على غسان قائلة:
- دلوقتي احنا بقينا فاهمين بعض يا غسان وكمان هعمل اللي انت قلت عليه، هرجعلك، ونشتغل بقى ومش نشغل بالنا بأكمل ولا جميلة، بس تعرف جميلة طيبة جداً، مش صعب افتراسها، وفعلاً لازم نخلص من العبقري اللي حاميها، اعطيني مكان شغل جميلة، عشان أخلص من أكمل وهو بيجيبها من الشغل، ساعتها هي هتنهار وتعرف إنها السبب في اللي حصله وبكده هي حلال عليك.
بالطبع لم تفعل فيري كل هذا ولكنها استطاعت أن تضحك على غسان. ذهبت متنكرة إلى المستشفى التي تعمل بها جميلة وتأكدت أنها بمفردها حيث اجتمعت جدائل مع نعمان للترتيب لأمر الخطبة. دلفت إليها في انهيار كأنها أم وابنها يعاني من الحمى، تتوسل إليها أن تذهب معها حتى تعالج صغيرها. هنا لم تستطع جميلة أن تحكم عقلها حكمت قلبها فقط، وسرعان ما هرعت معها، حتى أنها لم تنتبه إلى السيارة الفارهة التي استقلتها مع فيري فهي بعيدة كل البعد عن مظهر فيري حيث ظنت أنها من مكان بسيط وكانت ستعرض عليها أن تستقلها هي ولكن من خوفها الشديد على الطفل الذي لا تعرفه ذهبت معها ولم تعد بسبب غبائها وعدم تدبرها للأمر الكارثي عليها.
***
جاء ليستقلها أخر النهار ولكن انتبه على قلق جدائل وهو يسأل عن جميلة. سردت له جدائل أنها لم تجدها وهاتفها مغلق وسرعان ما أحضر كاميرات المستشفى وعلم أنها خطفت بطريقة سهلة فهي ذهبت مع تلك المرأة بإرادتها. شاهد رقم السيارة وبحث عنها ليعلم أنها ملك غسان. أخذ عنوانه ومن ثم ذهب إليها يبحث عنها وغسان لم يعلم سبب مجيئه فقط كان يتلقى ضرباته وهو في وضع البلهاء الأصم.
تحدث أكمل من بين أسنانه المضغوطة ليشعر غسان بمدى غضبه وغيظه:
- هتقولي مكان جميلة فين، ولا أقتلك وأشرب من دمك، وأوعى تختبر مدى صبري، أنا في لحظة مش هيهمني إني أدخل السجن في واحد زيك.
رفع غسان كتفيه بخوف قائلاً:
- اهدي بس الأول عشان أفهم، هي جميلة اتخطفت؟ طب إزاي مش انتي معين حرس عليها، وامتى ومنين اتخطفت؟ أنا والله ما خطفتها ولو خاطفها مش هقعد في بيتي ثانية واحدة.
زفر أكمل بنفاذ صبر قائلاً:
- اتكلم وقول الحقيقة أحسنلك، جميلة لو مرجعتش يا غسان هقتلك بإيديا الاتنين، ولا على إيه هخلي الست فيري تقتلك بنفسها، وأنت عارف هي تقدر.