استيقظ معتصم قبيل الفجر بنصف ساعة، فكان نومه متقطعاً لم يخلو من الكوابيس. جلس بالفراش قليلاً يستجمع نفسه، ثم نهض إلى المرحاض فتوضأ وعاد ليصلي ركعتين قضاء حاجة تضرع فيهما إلى الله بألا يحرمه من ريم وأن يجعل له فيها نصيباً. لم ينقطع دعاؤه حتى صدح أذان الفجر في الأرجاء، فقام بأدائها وجلس يدعو الله مجدداً إلى أن أشرقت الشمس.
فنهض ودلف غرفته التي يشاركه فيها نرمين، وبمنتهى الحذر التقط بنطال جينز أسود وقميص رصاصي وبليزر أسود كاجوال، وأخذ حذاءه وجواربه وخرج على أطراف أصابعه حتى لا تستيقظ نرمين وتبدأ معه استجواباً هو في غنى عنه. عاد إلى الغرفة وأخذ حماماً سريعاً، ثم ارتدى ملابسه ومشط شعره ونثر عطره، ثم ارتدى حذاءه وساعة اليد. وبعدها وقف أمام المرآة يتأمل نفسه قليلاً، فأخذ يتحدث إليها بشجن: "إيه اللي أنت عملته في نفسك دا يا معتصم؟!
.. يا ترى أنت كنت صح لما قبلت تتجوز نرمين؟! .. ولا كانت غلطة وانت بتدفع تمنها دلوقتي؟! .. أقول إيه؟ .. أقول يا ريتني ما كنت قابلت ريم ولا حبيتها؟! .. بس متنكرش إن هي اللي نورت حياتك وخلت فيها روح بعد ما كانت فاضية وباردة ومالهاش طعم… بس يا خسارة أخدت روحي معاها ومشيت.." تنهد بحزن شديد وهو ينظر إلى السقف ويضع يديه في جيبي بنطاله، لعله يهون من عاصفة الأفكار التي تضرب رأسه.
ثم استجمع حاله مرة أخرى والتقط مفتاح سيارته من على الكومود وخرج من الشقة بهدوء، ثم استقل سيارته وانطلق في ساعة مبكرة جداً إلى الشركة. بعد حوالي ربع ساعة كان جالساً بغرفة مكتبه بالشركة والموظفون لم يحضروا بعد، فشغل نفسه في العمل لعله يتناسى ما به من حزن وكآبة. فأخذ يراجع بعض الملفات وينظم بعض المواعيد ويفحص العقود وما إلى ذلك، حتى بدأت ساعة الحضور وبدأ الموظفون في التوافد على الشركة.
دلفت السكرتيرة ترحب به، فطلب منها وجبة خفيفة مع فنجان القهوة خاصته وأخبرها بإدخال هشام له فور مجيئه. بعد نصف ساعة دخل إليه هشام زوج عائشة شقيقته، وجلس بالكرسي المقابل له بعدما ألقى عليه تحية الصباح. فتحدث معتصم بجدية وملامحه عابسة: "عملت إيه مع موظفين الأمن والاستقبال؟! تنهد هشام بضيق ثم قال: "موظفين الاستقبال اديتهم قرصة ودن مع خصم خمس أيام." ضرب سطح المكتب بانفعال: "يترفدوا يا هشام… أنا قولت يغوروا من هنا.."
رد هشام بعقلانية: "صعب يا معتصم نلاقي غيرهم دلوقتي… وبعدين الشباب معذورين، انضغط عليهم من شوية مخبرين وهددوهم بتلفيق قضايا مخدرات ليهم لو مقالوش على كل اللي يعرفوه عنك وعن نرمين… ونفس الحكاية مع البودي جارد.. بس دول بقى غيرتهم. الشركة اللي بنتعامل معاها بعتتلنا ناس جديدة النهاردة." زفر معتصم بضيق بالغ، ثم استرسل بجدية:
"هشام أنا مش عايز نرمين تعرف أي حاجة عن ريم… ولا حتى اسمها… استسلامها بسهولة لموضوع الطلاق دا مش مريحني… انت عارف إن الأذية بتجري في دمها وممكن تنسف أي حد يفكر ياخد منها حاجة… وانت شوفت بنفسك كانت بتعمل إيه مع الشركات المنافسة أثناء المناقصات.. بس كنت سايبها بمزاجي لأنه في الآخر كان بيصب في مصلحة الشركة… إنما إنها تفكر تأذي ريم فدا اللي مش هسمح بيه أبداً." لوى شفتيه ببسمة ساخرة وهو يقول:
"والله لو رجعتلها مش هتفكر حتى تعرف اسمها… نصيحة مني يا معتصم طالما جوازك من ريم بقى صعب.. انساها وكمل حياتك زي ما كانت ماشية مع نرمين… انت كنت مرتاح أكتر قبل ما تقابلها.." تنهد معتصم بعمق ولم يبدِ أي ردة فعل، فظن هشام أنه قد اقتنع بكلامه، ولكن هيهات… لقد أقسم أن يفعل ما بوسعه لربما تعود له، ولكنه أسرَّ ذلك الأمر لنفسه ولم يبده له.
استيقظت ريم أيضاً مبكراً وترددت كثيراً أتذهب لعملها اليوم أم لا، فهي ليس لديها طاقة للعمل. وبعد تفكير طويل أقرت أن تذهب لعلها تلهي نفسها عن التفكير في أحداث الأمس. وصلت المشفى في الوقت، ثم ارتدت المعطف الطبي خاصتها وبدأت عملها بعدما أقرت في قرارة نفسها ألا تفكر بمعتصم أبداً بعد ذلك لا بالخير ولا بالشر. تريد أن تمحي صورته الجميلة من عقلها وكأنها لم تراه من قبل، وإن كان ذلك الأمر صعباً ولكنها ستصر على ذلك.
بعد الكشف على بعض الحالات عادت لتأخذ استراحة قصيرة بمكتب الأطباء بقسم الاستقبال والطوارئ الذي تعمل به، ليدخل إليها خالد. فجلس بالاريكة المقابلة لها وتبدو على ملامحه الإرهاق: "صباح الخير يا ريم." "صباح النور.. إزيك يا خالد." "بخير الحمد لله… انتي اللي أخبارك إيه." "أنا تمام." تأملها قليلاً بإعجاب بالغ، ثم حمحم ليتحدث بتردد:
"ريم… احم.. أنا كنت مستني فرصة مناسبة عشان أكلمك في موضوع كدا بس بصراحة مش لاقي أي فرصة… تسمحيلي نتكلم دلوقتي بما إن مفيش حد قاعد غيرنا؟! ردت بعفوية: "آه آه طبعاً أنا سامعاك.." حمحم ثم استرسل بجدية تامة: "أنا معجب بيكي وعايز أتقدملك وأطلبك للجواز." تجمدت ملامحها بصدمة، فلم تتوقع ذلك أبداً منه، لم تشعر ناحيته سوى بأنه زميل فقط وحتى لم تلحظ إعجابه بها. وحين طال سكوتها، تجهمت ملامحه بحزن ليقول: "واضح إن طلبي مرفوض.."
عادت لتستجمع حالها ثم ابتلعت ريقها وهي تقول بتوتر: "لا أبداً أنا… أنا بس اتفاجئت.." حانت منه نصف ابتسامة: "الحقيقة أنا مش معجب بيكي بس… لا دا أنا بحبك يا ريم… بحبك من أيام ما كنا مع بعض في الكلية بس مكانش ينفع أتكلم معاكي في أي حاجة واحنا لسة بندرس خاصة إني كنت حاسس وما زلت إنه حب من طرف واحد… بس أتمنى تفكري مع نفسك وتحاولي تغيري نظرتك ليا كزميل مهنة وتشوفيني خالد اللي بيحبك وبيتمناكي من زمان أوي."
توترت حالتها للغاية ولم تدري بما يجب عليها أن ترد الآن، لقد وضعها في مأزق صعب. كيف ذلك وقلبها مازال متعلقاً بآخر؟ ولكن لا.. فقد قررت نسيانه للأبد. ويبدأ أن ما حدث من خالد الآن ما هو إلا اختبار لها أتكون صادقة مع نفسها أم أن قراراتها ستكون هباءاً منثوراً. لمس خالد توترها الشديد فأراد أن يقلل من وطأة ارتباكها، فنهض واستأذن منها بالخروج قائلاً:
"أنا هخرج دلوقتي أكمل شغلي وانتِ فكري واتكلمي مع عيلتك وهستنى رأيك… وأياً كان هو إيه مش هيقلل من حبي واحترامي ليكي يا ريم." هزت رأسها عدة مرات بارتباك وهي تتحاشى النظر بعينيه إلى أن خرج من الغرفة، فتنفست الصعداء وتشوش تفكيرها أكثر. ولكنها آثرت عدم التفكير في أي أمر الآن ولتتحدث مع أدهم لاحقاً. فهو أكثر من يعلم خباياها وأكثر شخص سيساعدها في تخطي أمور كهذه. عودة لشركة معتصم.
حين ثقل عليه حمل العمل أخذ يدلك جانبي جبهته بأصابعه، لعله يستعيد تركيزه ويشعر بالارتخاء قليلاً. وإذا به يفتح هاتفه ليأتي بصورتها ويتأملها بروح معذبة، ولكن يكفيه النظر لملامحها التي يعشقها، فهي كفيلة بأن تنسيه همومه ولو قليلاً. بدون سابق تخطيط منه وجد نفسه يرسل لها رسالة عبر الواتساب كتب فيها:
"عمري ما ندمت في حياتي على حاجة عملتها قد ندمي على جوازي من غيرك… بس والله العظيم لو كنت أعرف إني هحبك ما كنت اتجوزت قبلك أبداً.. أنا عارف إني غلطت إني خبيت عليكي من الأول بس كنت خايف تكرهيني وتبعدي عني.. عايزك تسمعيني لو مرة واحدة بس وبعدين قرري.. وأياً كان قرارك هقبله يا ريم مهما كان." تردد كثيراً أيرسل لها تلك الرسالة أم يمحوها. وبعد تردد كبير قام بلمس أيقونة الإرسال، ثم وضع الهاتف على سطح المكتب وهو يزفر بعنف.
فهو أبداً لم يكن لزجاً ولم يحدث من قبل أن توسل لفتاة. ولكنها ليست أي فتاة… لأجلها يفعل المستحيل. في تلك الأثناء تماماً دلفت إليه نرمين وألقت عليه تحية الصباح وسارت باتجاه مكتبه لتجلس أمامه وتضع ساقاً فوق الأخرى، ثم تحدثت بدلال: "مالك يا حبيبي قاعد زعلان كدا ليه؟! .. هي العروسة قافشة عليك ولا إيه؟ ضرب سطح المكتب بقبضة يده بعصبية ليصيح بانفعال: "الزمي حدودك ومسمعكيش تتكلمي عنها تاني.. مفهوم؟!
لم تعير كلامه اهتماماً واسترسلت بمزيد من الاستفزاز: "ليه؟! .. مش ناوي تعرفني عليها؟! .. ولا هتستنى بقى ليوم الخطوبة؟ … امممم.. طب اسمها إيه؟! .. مش معقول كمان مش هتقولي على اسمها." كان يستمع إليها وهو يحاول السيطرة على تلف أعصابه، فهو يدرك جيداً أنها تريد الوصول إلى ذلك. فأجابها ببرود: "متقلقيش هتعرفيها قريب… قريب أوي كمان." هزت رأسها وهي تحاول كبت غيظها بصعوبة، فاسترسلت حديثها ولكن تلك المرة بجدية:
"أنا بعت هدومي وحاجاتي على الفيلا الصبح قبل ما أجي الشركة… تقدر تنام في أوضتك براحتك." هز رأسه بإيجاب دون أن يتكلم، فسكتت قليلاً ثم نظرت إليه مجدداً وهي تقول باستعطاف:
"أنا هعتبر إن طلاقنا دا مجرد هدنة ليك عشان تفكر إذا كنت فعلاً واثق من قرارك دا ولا لأ… وأنا زي ما قولتلك هفضل أحبك مهما حصل وباب قلبي مفتوحلك في أي وقت.. مهما حصل يا معتصم مش هلومك أبداً لو حبيت ترجعلي وهفتحلك دراعاتي ومش هسألك رجعت ليه.. صدقني.. مش هتلاقي حد يحبك قدي." تنهد معتصم وهو ينظر للجهة الأخرى، ثم عاد لينظر إليها ليقول بجدية تتخللها نبرة سخرية:
"تمام… وأنا طبعاً مش هنسالك وقفتك جنبي.. ومقدر قد إيه انتي بتحبيني… بس زي ما قولتي اديني هدنة وسيبيني أجرب.. يمكن أكون غلطان فعلاً… بس من هنا لحد ما أعرف غلطي يا ريت تحاولي تفتكري دايماً إننا مجرد شركاء وبس… اتفقنا يا نرمين؟! أصابتها حالة من الإحباط ولكنها على أية حال أومأت بموافقة ثم استأذنت منه بالخروج. زفر أنفاسه بعنف فقد استطاعت إتلاف أعصابه للغاية وهو بالكاد يسيطر عليها.
تفقد هاتفه ليرى إذا ما كانت ريم قد رأت رسالته، فوجد أنها قرأتها ولكن لم ترد، فاغتاظ كثيراً وتلفت أعصابه أكثر وبدون وعي منه وجد نفسه يتصل بها. على الناحية الأخرى بعدما قرأت رسالته شعرت بالبغض الشديد تجاهه ولم تهتز مشاعرها نحوه قيد أنملة بل ازداد سخطها عليه أكثر، وأعادت الهاتف إلى جيب معطفها مرة أخرى وتابعت طريقها نحو غرفة سكن الطبيبات.
بعد دقائق رن هاتفها برقمه، فقررت أن ترد عليه الرد الأخير والذي ستنهي به على ما تبقى بينهما. "ألو… ريم أظن انتي شفتي رسالتي.. يعني مجاش على بالك تردي عليا؟! أجابته ببرود تام: "معادش فيه بينا كلام يتقال.." أجابها بإصرار: "لأ فيه.. لازم تسمعيني.. لازم نتقابل وأتفهمي كل حاجة وبعدها قرري." ردت بنبرة موجعة: "صدقني مش هتفرق كتير… قراري مش هيتغير.." "بس على الأقل متسبينيش وأنا صغير في نظرك." أجابته وهي
تشعر بوخذات أليمة بقلبها: "صغير أو كبير.. مفيش بينا حاجة تستاهل اللي انت بتعمله دا كله.." أجابها بانفعال: "لأ في يا ريم… في بينا حب يستاهل أعافر عشانه.. أنا بحبك وانتي بتحبيني و…" قاطعته بقولها: "لحظة كدا… أنا إمتى قولتلك إني بحبك؟! سكت وكأنها سكبت دلواً من الثلج على رأسه، ولكن سرعان ما عاد ليقول بنبرة أليمة: "مقولتيش بس حسيت منك كدا.. شوفتها في عنيكي.. في كلامك.. في ابتسامتك.. يعني أكيد إحساسي مش غلط." ردت بسخرية:
"لأ تقريباً كدا أنت محتاج تكشف على نظرك.. مش معنى إني وافقت إننا نرتبط يبقى أنا حبيتك.. بدليل إني اتخطيتك وهتخطب لواحد تاني عادي جدا." سكت معتصم مصدوماً مما تقوله، وعلت وتيرة تنفسه للغاية من فرط الصدمة. فاسترسلت ريم بمزيد من الضغط وكأنها تضربه بقبضتيها على جرح عميق في قلبه ينزف بضراوة حتى كاد أن يودي بحياته: "يا ريت بقى تنسى إنك عرفتني ومتحاولش تتصل بيا تاني لأني هكون ملك واحد تاني يا معتصم بيه."
أغلقت الخط، ثم بدأ صدرها يعلو ويهبط بشدة وعباراتها تهطل بغزارة من عينيها. لا تدري كيف خطر ببالها أن تنتقم منه بهذه الطريقة وتخبره بأمر خطبتها لغيره ولو بالكذب؟! وحين علت وتيرة تنفسها وزاد ارتجاف جسدها احتضنته بذراعيها ربما تنتظم أنفاسها، ولكن هيهات. إنها تحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى. إنها تريده أمامها الآن ليحتضنها وينتشلها من تلك الحالة التي أزهقت روحها. رباه ماذا فعلت بنفسها؟! إنها تعاقب نفسها أكثر مما تعاقبه.
حمدت الله أنها الآن بغرفة السكن بمفردها وإلا كانت الأعين ستنظر إليها بالفضول. بقيت قرابة النصف ساعة تحتضن جسدها وتحاول تهدئة نفسها إلى أن غفت بمكانها على الكرسي دون أن تشعر. بينما معتصم هامت به الدنيا حتى شعر بالاختناق، فنهض ليخلع سترته ثم فك أزرار قميصه العلوية، ربما يستطيع التنفس بعدما خنقته بكلماتها القاسية وغرست سكيناً ملتهباً في عمق قلبه.
مساءاً عاد آسر إلى منزله وتناول العشاء مع والده، ثم دلف غرفته ليأخذ قسطاً من الراحة. فخطر بباله أن يتصل بعمه محمد ليطمئن على مودة كما وعده أمس. ولحسن الحظ كانت مودة في ذلك الوقت مستيقظة، وحين أتى محمد اتصال آسر انفرجت أساريره وراح يقول لابنته: "أهو يا ستي آسر بيتصل على السيرة… أنا هكلمه كلمتين وبعدين هديكي الفون تكلميه فيديو.. تمام؟! ردت بصوت مجهد قليلاً: "تمام يا بابا." فتح المكالمة ليظهر أمامه آسر على شاشة الهاتف،
فابتسم محمد بحبور: "والله فيك الخير يابني.. مخالفتش بوعدك." ضحك آسر: "مقدرش أخلف وعدي معاك يا عمو… عامل إيه يا حبيبي وصحتك أخبارها إيه؟! "والله يابني أنا كويس طول ما انتو كويسين." "وميري أخبارها إيه؟! سكت محمد وهو يبتلع ريقه فقد أخطأ في ذكر اسم مودة، ليحمحم مصححاً له: "مودة بخير يا حبيبي… عايزة تكلمك.."
حمحم آسر بحرج بعدما أدرك خطأه ودعا بألا تلحظ مودة ذلك، فالتقطت الهاتف لتظهر أمامه آسر بوجه مستدير تغطي شعرها بغطاء طبي أزرق مظهراً رقبتها الطويلة البيضاء وترتدي أيضاً مريلة طبية زرقاء. فاخذ آسر يتأملها بتعجب. إنه يراها وكأنه يرى ميريهان أمامه، فدق قلبه بعنف وأخذ يبتلع ريقه بتوتر من تلك الحالة الغريبة التي انتابته.
ولم يكن حالها أقل منه، بل أيضاً دق قلبها بشدة حين تمثلت صورته أمامها وكأنها تراه لأول مرة، اختلفت نظرتها له كثيراً. فأخرجته من تلك الحالة بصوتها الرقيق: "إزيك يا آسر عامل إيه؟! عاد لوعيه حينها ليرد عليها بابتسامة صافية: "أنا تمام يا ميري… يا مودة بخير الحمد لله.. انتي اللي عاملة إيه؟! ابتسمت له برقة فاختطفت قلبه ببسمتها: "أنا الحمد لله بقيت كويسة.." زادت بسمته اتساعاً ليقول والدهشة بادية على وجهه:
"سبحان الله كأني شايف ميري قدامي دلوقتي.." ضحكت ضحكة بسيطة لتقول: "ما هي ميري أصلاً فيها شبه كبير مني.. بس انت اللي مكنتش واخد بالك.." رفع كتفيه لأعلى: "يمكن.. بس أول مرة فعلاً أحسن إنها شبهك أوي كدا.." تحولت ملامحها بحزن لتسأله بترقب: "هي عاملة إيه يا آسر… تفتكر ممكن تعدي من الغيبوبة دي؟! احتلت الصدمة ملامحه، فلم يخبره أبوه بما قاله لها بالضبط، فتدخل محمد سريعاً يقاطعهما:
"بقولك إيه يا آسر يا حبيبي.. أنا هروح أشوف الدكتور رؤوف وهاراجعلك تاني.. سلام يا حبيبي.." "تمام يا عمو مع السلامة… في رعاية الله." تنفس آسر الصعداء وحاول لملمة شتات نفسه بعدما أخطأ في نطق اسمها وارتباكه حين سألته عنها، وحالة التشوش التي انتابته حين رآها وكأنه رأى حبيبته. حقاً لا يدري ماذا حل به. ولكنه لا ينكر أن رؤيتها هونت من حزنه على ميريهان وكأنها حية وتعيش بدنيياه.
بينما محمد غادر من أمام مودة سريعاً قبل أن تستجوبه بخصوص شقيقتها، واتجه إلى مكتب الدكتور رؤف. "انت فعلاً كان عندك حق يا رؤف… مكالمة مودة مع آسر خلتها واحدة تانية خالص.. وصوتها فجأة بقى طبيعي بعد ما كان طول الوقت تعبان." ابتسم رؤف بسعادة ليقول بجدية:
"يبقى توقعي طلع صحيح… رغم إن الدراسات والأبحاث اللي اتعملت على مرضى زراعة القلب أثبتت إن القلب المزروع ملوش علاقة بالمشاعر بس مرضى كتير حكوا تجربتهم إن فعلاً مشاعرهم وطباعهم اتغيرت بنسبة ما بعد الزرع… وبقى بيحبوا حاجات مكنوش بيحبوها قبل الزرع وده بيرجع لقلب المتبرع وحبه وكرهه للحاجات دي.." أخذ محمد يهز رأسه بتعجب وهو يقول: "سبحان الله… له في خلقه شؤون." استند رؤف بذراعيه إلى سطح المكتب ليقترب برأسه من محمد ثم قال:
"أنا رأيي إنها ترجع مصر بقى والتواصل بينها وبين آسر يزيد.. ده هيحسن نفسيتها جداً وهنضمن إن العملية نجحت بنسبة مية في المية." تنهد محمد بقلق: "لو شوفتهم وهما بيتكلموا مع بعض من شوية هتحس فعلاً إنهم اتنين حبيبة… بس آسر بطبيعته شخصية عاطفية ورومانسي وأسلوبه كدا في الكلام… ده العادي بتاعه… يعني خايف ميتقبلش إن مودة تحل محل ميري في قلبه.. مش عارف أعمل إيه.."
"دي مهمتك بقى يا محمد… حاول تخترع حجج عشان يقربوا من بعض واديله انطباع إنك مش مانع ارتباطهم وإن ميري مش عائق بينهم أبداً." أومأ عدة مرات وهو يفكر بشرود. فانفجر رؤف في الضحك فجأة ليرمقه باستنكار وهو يسأله: "إيه يا رؤف؟! .. بتضحك على إيه؟! رد وهو يضحك: "يا أخي انت خلتني أسيب الطب وأشتغل خاطبة عشان خاطر سيادتك.." ضحك محمد على كلامه وهو يهز رأسه بسخرية ثم قال من بين ضحكاته: "بس يارب نصايحك تيجي بفايدة…" يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!